إن مشكلة المقاييس لها حتماً دورها في جميع البلاد، وفي سائر الميادين، والواقع يدلي لنا أحياناً بالبرهان: فمثلاً، بمناسبة معرض الرسم في لوس انجلوس، منذ شهر (١) منحت الجائزة للوحة ثبت أخيراً أنها من عمل ببغاء أراد صاحبه أن يفسح مناسبة للضحك، وطبيعي أن الجمهور ضحك فعلاً عندما بلغه صدى القصة، وضحك على حساب المحلفين الذين أصدروا حكماً على عمل دون الرجوع إلى مقياس، ولكن عندما يحدث هذا الخطأ، في السياسة على أثر حكم مماثل، فالمناسبة لا تكون حينئذٍ للضحك بل للبكاء.
غير أن هذه المشكلة لا يبلغ أثرها في البلاد الأخرى ما يبلغه عندنا، حيث يمتد إلى جميع الميادين السياسية والفكرية. إن العالم الغربي على الرغم من أن (القاعدة المنطقية) لا تحتل فيه مكاناً كالذي نجده في دول أخرى، فإن الناس هناك لا يستهينون بالمقاييس، بل يرجعون إليها في قياس الأفكار وأنواع السلوك، بل يحدث أن يتخذ (النقد الذاتي) في الغرب لهجة، تفوق قساوتها ما تصل إليه في بلاد أخرى تتعصب لمبدأ النقد، وقد حدث فعلاً هذا منذ شهور عندما وجه أحد أعضاء مجلس اللوردات بإنجلترا نقداً إلى الملكة اليزابيث، فكان لنقده صدى كبير في البلاد نفسها وفي العالم.
وهكذا نرى تأثير المقاييس المعدل في حياة الشعوب وفي توجيه سياستها.
إننا ندرك من هنا اهتهام الاستعمار بالاتجاهات المعادية لنظام الرقابة الذاتية، وكيف يرعاها لأنها تدعم الانحرافات التي يريد دسها، عن طريق (أفكار متجسدة) في سياسة البلاد التي تحاول التخلص منه، وكيف يسعى بكل جهده لتحطيم الأفكار المجردة حتى لا تقوم بدورها المعدل، وهو يبلغ هذه الغاية حين يحرك الميول المتجسمة في الفرد أو (مركب الأفراد) الذي يمثل الكفاح ضد
стр. 107
الاستعمار، في الصورة التي تكون في نظره شراً لابد منه، لإبقاء الشعب المستعمر في نطاق السياسة العاطفية، وللحيلولة بينه وبين بلوغ مرحلة السياسة المقعدة التي يشير إليها رجل السياسة، في التصريح الذي أوردناه في الفصل الأول، بأنها (علم لا يخطئ).
والاستعمار يطبق في هذا المجال طريقة (دمل التصفية)، فهو يجمع القوى المعادية له تحت سلطان العاطفة، حتى لا تتجمع تحت قيادة (الفكر المجردة)، فتراه أحياناً يلوح بالمنديل الأحمر في مكان معين ليستدرج إليه القوات المكافحة ضده، وتارة يسلط عليه أضواء المصابيح كي يلفت انتباه الجماهير عن مكان آخر تدور فيه المعركة.
ونرى أحياناً أبطال السياسة العاطفية يقومون تحت إشرافه، دون أن يشعروا، بدور صمام فصل الدائرة الكهربائية، في الراديو، ذلك الجهاز الذي يفصل بعض الموجات غير المرغوب فيها عن الاستقبال: فهو يفصل هنا بعض الأفكار عن الحركة السياسية، حتى لا تؤثر في توجيهها أو في تعديل انحرافاتها إذا حدثت.
فلو أننا تتبعنا النشاط الاستعماري في الميدان الفكري في دورة كاملة، أي في معركة تحرر من بدايتها، لرأينا أن (صمام الفصل) الذي نشير إليه يقوم بدوره على مرحلتين:
أ - ففي مرحلة ما قبل الثورة يقوم بدور اللافتة التي ترفع فوق رأس الشعب الشعارات الساحرة: الحرية، الاستقلال، الوطن؛ حتى يحوّل الأنظار عن الأفكار الفنية التي تبحث عن الطرق العملية لتحقيق هذه الشعارات.
ب - وفي مرحلة ما بعد الثورة أي في مرحلة التنظيم بعد التحرر، ترى نشاطه يشوه تلك الشعارات ذاتها حتى يستولي على العقول الريب، ويتسرب إلى القلوب الندم، والأسف على عهد الاستعمار.
стр. 108
وهكذا تستخدم السياسة العاطفية على أنها (صمام فصل) في المرحلة الأولى لتجميد الطاقات التحررية في المكان الذي يلوح فيه الاستعمار بالمنديل الأحمر، ثم في المرحلة الثانية تستخدم لتهديد المثاليات التي دارت تحت لوائها معارك التحرر ...
وفي كلتا الحالتين يهدف الاستعمار، بالوسائل المناسبة إلى فصل البلد المستعمَر عن بعض الأفكار، فإذا كانت منبعثة من الداخل، فمن الميسور لديه أن يستخدم وسائل الضغط والإرهاب مع من دخل المعركة تحت رايتها، أما إذا كانت آتية من الخارج، أي إذا كان صاحبها قد أفلت من نفوذ الاستعمار المباشر، فسيكون الاستعمار مضطراً إلى التكيف مع الظروف الجديدة في الصراع الفكري، وإلى استخدام الوسائل العلمية التي أشرنا إليها عندما وصفنا صنفين من (مرآة الحرمان) في الفصول السابقة.
***
стр. 109
الفصل الخامس
على هامش كتاب
ــ
إننا لم نقل، عندما وصفنا في الفصول السابقة صنفين من (مرآة الحرمان)، إن ما وصفنا هو كل ما تنتجه ترسانة الاستعمار لتحطيم الأفكار.
إننا لو فكرنا هكذا فسوف نكون قد أسأنا الظن بالاستعمار، وبإمكانياته المتعددة المتنوعة لمواجهة الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة، بل إن كل مناسبة جديدة تكشف لنا عن وسائل جديدة، وعن خطة مجددة، وعن شباك محدثة كأن الاستعمار لا يريد أن يترك لخصومه أن يدخلوا معركة اليوم، بما تزودوا به لمعركة الأمس، فوسائله تتنوع حسب الظروف، وطبقاً للمناسبات، فهو لا يحافظ إلا على المبادئ الأساسية التي يطبقها في كل مناسبة وفي أية ظروف.
وعليه فتكون محاولة جنونية، لو هدفنا في هذا العرض إلى أن نضع قائمة إحصائية للوسائل التي يستخدمها، وللخطط التي يطبقها في الصراع الفكري لقد أردنا فقط تزويد القارئ بمعلوممات كافية عن المبادئ ذاتها. ولو استطعنا أداءها له بالطريقة النظرية البحتة، أي دون ذكر تفاصيل خاصة لفعلنا، ولكننا نطرق موضوعاً جديداً كل الجدة، لا يمكن معه تناول الجانب النظري منه منفصلاً عن الواقع الذي يدل عليه، وإنه لا يمكن أن نجرد حقائق الصراع الفكري في البلاد المستعمرة دون أن نذكر الواقع الذي منه جردناها، ولا يمكن أن نستخلص المبادئ دون أن نشير إلى الوقائع التي استخلصناها منها، مع
стр. 110
ما يناسب من التحفظ في الموضوع، حتى لا يكون للنزعة الذاتية فيه مجالٌ باسم التجربة الشخصية.
إن الشيء الذي تقره التجربة بكل وضوح، هو أن الاستعمار يتكيف مع الظروف، حتى إنه يتخذ أحياناً طرقاً وسبلاً، لا ينتظر أن يتخذها ويتبعها لبعدها ظاهراً عن الميدان الذي تدور فيه المعركة، حتى إن الفكر يصبح أحياناً في حيرة حينما تتجلى له فجأة الحقيقة، وهي أن الاستعمار يفتح دائماً في الصراع الفكري أبواباً جديدة، لم نكن نفكر أنه سيأتي منها هجوم، فيأتي الهجوم من تلك الناحية التي لم نعدّ لها عدتها، ولم نستعد لصد الغارات التي تأتينا منها.
هذه حقيقة الصراع الفكري عامة، وإنما نريد توضيحها بواقعة تتضمن تفاصيلها ومحتواها.
فليتصور القارئ أنه أتى إلى عاصمة عربية منذ أربع سنوات ليقوم بمسؤولية مواطن ومسؤولية كاتب.
وأنه أتى خاصة من أجل نشر كتاب يتعلق موضوعه بمؤتمر باندونج، ولا شك أن القارئ الذي أخذ عبرة مما قدمناه وأصبحت لديه خبرة بما سلف ذكره، لاشك أنه يقدر أول ما يقدر، أن كتاباً هذا موضوعه لا يمكن أن تغيب فكرته عن شبكة المراصد المختصة بالصراع الفكري في البلاد المستعمرة، ولو ذكرنا بعض التفاصيل البسيطة لزدنا هذا القارئ يقيناً بموضوعية هذا التقدير، وإنما نلخص هذه التفاصيل كلها فنقول: إن من يكتب في موضوعات كهذه، وهو يعيش في بلاد مستعمرة، يرى نفسه ((كذرة ألقت بنفسها بين قوى رهيبة متطاحنة، ويشعر بأنه إن لم يحدث لتلك الذرة أن تسحق إلى غبار الغبار فإنها معجزة)).
ومن الطبيعي إذا كان في نفسك هذا الشعور عند وصولك إلى العاصمة العربية، أن تفكر أولاً كيف تضع الكتاب الممقوت في قرار مكين، فتتوجه به
стр. 111
مثلاً إلى إحدى الهيئات لتجعله تحت رعايتها، ولسوف يتم هذا فعلاً، كما تمنيت، إلا أنك سوف تفاجأ أثناء زيارتك لتلك المصلحة الحكومية، حينما يقول لك من يتحدث باسمها، إن أحد الصحفيين، وهو مراسل جريدة كبرى من باريس قد سبقك، وقدم للمصلحة نفسها عرضاً بأن يقوم فيلسوف فرنسي بدراسة عن موضوع مؤتمر باندونج، حتى يستخلص منه نتائجه النظرية، في صورة تخطيط لحضارة إفريقية آسيوية تضم في تركيبها جانباً غربياً.
ولا شك أن من تتبع النظريات السياسية منذ الحرب العالمية الثانية، سيشعر حيناً بما في هذا العرض الغريب من قرابة لفكرة أوربا- إفريقية ((التي جادت بها القريحة الاستعمارية الصادرة عن فلسفة النازية))، وهي من مخلفات هتلر الفكرية في النفسية الاستعمارية الجديدة، التي نرى من آثارها السياسية، الجبهة الأوربية التي اتخذت قاعدتها في مدينة سترازبورج بشرق فرنسا.
فعرض الصحفي الباريسي يتصمن هذه الفكرة الاستعمارية في نطاق أوسع: نطاق فكرة أوربية - إفريقية - آسيوية.
ومما يزيد أهمية هذا العرض، هو أنه- فيما يبدو وكما قيل أثناء زيارة المصلحة المذكورة- قد عرض أيضاً على شخصيات مختصة بنيودلهي وبجاكرتا.
فهذا دون ريب مسعى غريب، ولكن غرابته ذاتها تزيدنا اهتماماً بشأنه، وتدعونا إلى التفكير في أمره.
وإذا فكرنا فيه زاد اهتمامنا بقدر ما تقل غرابته في نظرنا إليه من وجهات متعددة: فيمكننا أولاً أن نناقش العرض الذي قدمه الصحفي الباريسي على أنه مجرد فكرة نشأت في عقل إنسان، أي بصفته فكرة تقبل المناقشة، ورأياً يقبل الأخذ والرد، على أنه وجهة نظر خاصة تحتمل الصواب والخطأ، تبعاً لما إذا كنا نعترف أو ننكر إمكان قيام حضارة إفريقية آسيوية، يكون في تركيبها دور خاص للحضارة الغربية.
стр. 112
ولكن أليس في موقف كهذا إفراط في البراءة؟
إن من له أدنى حظ من الخبرة بالموضوع، يرى نفسه مضطراً إلى تأويل عرض الصحافي الباريسي تأويلاً آخر: وإذا بما كان يُستهان به بمجرد النظرة الأولى إلى هذا العرض الغريب، يأخذ مظهراً جديداً لا مجال فيه للبراءة.
فالنظرة الفاحصة إلى عرض غريب كهذا، تكشف من أول لحضة (في لونه الخاص، وفي ضوء الملابسات السياسية التي تمر بها البلاد الإفريقية الآسيوية) أنه يتصل بالصراع الفكري الذي نشأ على أثر مؤتمر باندونج، فإذا قدرنا أن المراصد المختصة بهذا الصراع قد تهتم بظهور أي كتاب يتصل بموضوع باندونج، فبالأحرى أن نقدر اهتمامها الخاص بكتاب فيه محاولة استنباط مضمون فكري من هذا المؤتمر، يحتمل أن يكون نظرية للفكرة التي سوّغتها مناقشاته وقاعدة أيديولوجية، يقوم عليها كفاح الشعوب التي تعارفت فيه؛ ومن المعقول جداً أن نرى صلة بين هذا الكتاب وعرض الصحافي الباريسي، لأنهما يلتقيان في نقطة اهتمام الاستعمار بكل ما ينشأ- في النطاق السياسي والفكري- عن مؤتمر باندونج، مع كل ما يتخذه من احتياطات بهذا الصدد: فاهتمام الاستعمار بشيء يتلاقى حتماً في نقطة معينة مع احتياطه منه.
وإذن فليس من ترف الحديث أن نقول: إن كتاباً من طبيعته أن يثير اهتمام الاستعمار لابد أن يتلاقى مع احتياطاته منه.
وإذا صح لنا أن نقرر هذا بمقتضى الظروف التي تحيط بالواقعة والشروط التي يجري عليها الصراع الفكري، فإننا لا نغلو في نظرنا إلى الأشياء، عندما نقدر أن عرض الصحافي الباريسي هو بالضبط نقطة الالتقاء، التي تمثل اهتمام الاستعمار بكتاب نوهت به مراصده والاحتياطات التي يجب أن يتخذها ضده.
стр. 113
وما هذه الاحتياطات؟ وكيف يمكن أن نرى أثرها في عرض الصحافي الباريسي؟
يجب أولاً أن نقدر، مع ضرورة ذكرنا مسوّغات هذا التقدير كي لا نتورط في إطالة لا حاجة لها هنا ... يجب أن نقدر أن الاستعمار كان على علم بالطريق الذي سيسلكه صاحب الكتاب، عند وصوله إلى العاصمة العربية التي أشرنا إليها، وهذا استنتاج جد بسيط بالنسبة للاستعمار، لأنه قدر تقريباً جميع الظروف التي تحيط بالمؤلف.
وإذن فليس من الغلو في شيء أن نرى في وصول الصحافي الباريسي إلى العاصمة نفسها وفي زيارته للمصلحة نفسها ليقدم لها عرضه الغريب، قبل بضعة أيام من وصول وزيارة صاحب الكتاب، نرى شيئاً قدرته ضرورة الصراع الفكري بالنسبة لهذا الكتاب.
وهذا أمر سهل تصوره: فإذا أخذنا في اعتبارنا على ضوء ما سلف توضيحه في زيارة الصحافي الباريسي، وما يمكن أن تثير من نقط استفهام، بسبب الصورة التي قدم فيها عرضه الغريب، كأنما كان يهدف إلى إحاطته بالشبهات، ويستحث حوله الشكوك، تبين لنا أن هذه الأشياء كلها بما فيها من شذوذ تكوّن في الواقع مرآة حرمان من نوع خاص، لأن هذا الشذوذ هو نفسه مصدر الكف والحرمان.
وحتى ندرك ذلك يجب أن نجمع هذه العناصر كلها، كما تتجمع فعلاً الآثار التي خلفتها زيارة الصحافي الباريسي، وستخلفها زيارة الكاتب بعده، إلى المصلحة نفسها، يجب جمعها في عملية ذهنية واحدة وفي سياق نفسي واحد.
إن مدير المصلحة الذي زاره صحافي يعرض عليه ((مساهمة فيلسوف فرنسي في إبراز فكرة باندونج))، ثم يزوره صاحب كتاب يتصل بالضبط بهذا
стр. 114
الموضوع، لا يمكنه عادة، أن يفصل، في عقله وفي نفسه هاتين الزيارتين.
وهكذا تصبح تلقائياً، زيارة الصحافي مقدمة لزيارة المؤلف، ولكنها تشع دوافع الحرمان على ما تقدمه، وإذن فلا مبالغة في القول إنها مقدمة مقصودة بجميع تفصيلاتها المشبوهة، أي بجميع تفاصيلها المشعة للكف والحرمان لسد الطريق في وجه كتاب أفلت- في ظروف معينة لا يتسع المجال إلى شرحها- من رقابة الاستعمار المباشرة، إفلاتاً لم يبق معه في استطاعة الاستعمار إلا أن يلجأ إلى الوسائل العلمية لسد الطريق في وجهه.
وليس من الصعب أن نتصور الأثر العقلي- النفسي الذي خففه بهذا الصدد، الصحفي الباريسي أثناء زيارته بالعاصمة العربية، ونيودلهي، وبجاكرتا ... أي على طول الخط الذي من شأن كل كتاب يتصل بباندونج أن يتبعه في حالة انتشاره الطبيعي.
إن المتحدثين معه خلال هذه الزيارات، ما كانوا لينخدعوا بعرضه الغريب، وهم يعلمون أن الفلسفة ليست بضاعة يعرضها في الأسواق صحافي يقوم بدور السمسار، ويعلمون أنه لا يوجد فيلسوف، فرنسياً كان أو غيره، يعرض نفسه بهذه الطريقة المحتقرة.
والصحفي نفسه، يعلم هذا: فحينما يقوم بدور السمسار فليس ذلك في الواقع عرض أفكاره، ولكن لتشويه أفكار معينة، وهذا من صميم الصراع الفكري، ومن نبعه ومن منطقه ومن أسلوبه.
إن السمسار الذي يأتي بعرض غريب كالذي أتى به الصحفي الباريسي، لا يمكنه أن يخدع محدثيه، هذا إذا قسنا بمقياس العقل، وأما إذا قسنا بمقياس النفس فربما قلنا إنه خدعهم فعلاً بما خلف في نفوسهم من دوافع لا شعورية تؤدي
стр. 115
مفعولها تلقائياً في الوقت المناسب، على طريقة القنبلة الزمنية التي تنفجر في وقت معين، أي عندما يأتي بعده صاحب الكتاب.
ومما يجب ملاحظته، على الأقل بالنسبة للعاصمة العربية هو أن (العروة الوثقى) مهدت لهذه المقدمة النفسية، حينما أشارت إلى ((الكاتب الفرنسي الذي اعتنق الإسلام)) كما بينا ذلك في فصل سابق.
وهكذا يتم تركيب لمرآة كف بجميع شروطها، ليكون فيها كتاب معين، موضوع الإلقاء للدوافع الحرمانية، ويكون الصحفي مصدراً أول لهذه الدوافع، وهو يشعر بذلك، بينما يكون صاحب الكتاب نفسه، ومن حيث لا يشعر، مصدراً آخر. أو إذا ما استخدمنا لغة بافلوف، يكون شخصه بمثابة المثير الشرطي- بما أن زيارته كانت تحركاً تلقائياً- لآلية انعكاس الكف الخفي الذي خلقته زيارة الصحفي.
ولسنا هنا نبحث القضية من جانب واحد، هو جانب الأفعال المنعكسة الشرطية التي تلقيها مرآة الكف على فكرة معينة.
ومع ذلك فمن الممكن أن تحدث للفكرة وهي في طريقها على خط طنجة - جاكرتا، انعكاسات أخرى لا صلة لها بالصحفي، تنتجها مصادر أخرى مزمنة ليست موضوع هذا العرض، الذي نخصصه للمرآة ووظيفتها في الصراع الفكري، لنبين كيف أن تركيبها يتنوع بالنسبة للموضوع الواحد، وبالنسبة للفكرة الواحدة، تبعاً للظروف، كما بينا ذلك في الفصول السابقة.
فلو أننا راجعنا ذكرياتنا في مدى ربع قرن مثلاً أو يزيد، سيبدو لنا هذا التوزيع في خطط الاستعمار بكل وضوح، مع محافظته على المبادئ التي حللناها فيما سبق.
فيمكننا مثلاً أن نقف حوالي عام ١٩٣٩ عند فكرة (الوهابية)، لأنه كان لها
стр. 116
دوي في الغرب، لا تعرف البلاد العربية مداه، لأننا بحكم تطورنا الاجتماعي لم ندخل بعد إلى عالم الأفكار، فلا ندرك قيمتها حتى تعكسها لنا مرآة الغرب، وليس طبعاً من مصلحة الغرب أن يعكس لنا الأفكار التي يريد تحطيمها.
وفكرة (الوهابية) قبل عام ١٩٣٩ كانت تبدو للاستعمار ممتلئة بالمخاوف، لأنها كانت تمثل في نظره مركز الثقل في الصراع الفكري في البلاد العربية الإسلامية، وكان دوماً يفكر في وسائل التخلص منها حتى خلصه منها فعلاً البترول.
فاستخدمت إنجلترا وسائل القوة لتحطيم عبد العزيز: حاولت أن تؤلب عليه خصوم ملكه، مثل ابن رفادة والدرويش، كي تمتص قواته الفتية بثورات متكررة.
غير أنها كانت تحاول أولاً وقبل كل شيء أن تحطم الفكرة ذاتها التي قام عليها هذا الملك، وتأسست عليها الدولة السعودية الفتية، فكانت تطبق من أجل ذلك خطة يمكن أن نسميها (خطة المحامي المورّط)، الذي يورِّط موكله بدعوى أنه يقوم بالدفاع عنه.
فكان من يتحدث باسم الحكومة في لندن، لا يترك فرصة تمر دون أن يذكر بحرارة الصداقة العظيمة التي تكنها إنجلترا لابن سعود، مثل الفكرة الوهابية التي أنهت دورها بوصفها (فكرة مجردة) حوالي عام ١٩٢٥، وبدأت دورها الجديد (فكرة مجسدة) منذ ذلك العهد، أي منذ تأسيس الدولة السعودية في حدودها الحالية ...
حتى إن الملك العربي أصدر (حوالي عام ١٩٣٣) في نداء وجهه للعالم، كعادته بمناسبة الحج، تصحيحاً ذا مغزى في هذا الصدد.
وإذا كانت طريقة (المحامي المورّط) مستخدمة من ناحية في ميدان
стр. 117
السياسة، أي في ميدان الأفكار المتجسدة في البلاد المستعمرة، فإنها تطبق من الناحية الأخرى في ميدان الأفكار المجردة.
ويجب ألا نغفل في هذا السياق ملاحظة نرى فيها بعض الأهمية فيما يتعلق بـ (المحامي المورّط): فإن هذا الكائن الغريب قد يكون موجوداً بالفعل تحت تصرف مراصد الاستعمار، وأحياناً أخرى قد يكون من الواجب صنعه خاصة.
فإذا أخذنا فيما سبق فكرة كافية عن الصورة الأولى، يجب أن نكوّن أيضاً فكرة عن الصورة الثانية.
فلنتصور مثلاً أن شاباً قد أنهى دراسته العليا في عاصمة عربية ورجع ناجحاً إلى بلاده، حيث ترغب حكومته في توظيفه في وزارة الخارجية.
ولكن الشاب اندفع بدافع ثقافته، فنشر مقالات للتعريف ببعض الأفكار التي تثير اهتماماً بليغاً من طرف مراصد الاستعمار، كالأفكار التي تتصل بمؤتمر باندونج، ثم أبدى رأيه في بعض المواقف السياسية، التي يريد الاستعمار عادة إحاطتها بالسر، فهذا الشاب الجسور يلاحظ مثلاً أنه ((في الوقت الذي كان الاستعداد يجري فيه لعقد مؤتمر التضامن الآسيوي- الإفريقي في كوناكري دعا الرئيس نكروما إلى مؤتمر للشعوب الإفريقية في أكرا)).
فهذه الملاحظة تمثل بالضبط ما أطلقنا عليه، خلال هذه الدراسة (إشارة خطر)، الإشارة التي تعلن بأن معركة قد بدأت في جبهة الصراع الفكري، لأن مراصد الاستعمار تلقتها قبل أن تبلغ إلى وعي الشعب المستعمَر. أو شبه المستعمَر.
فماذا سيحدث لهذا الشاب النبيل؟
إن مراصد الاستعمار ستتدخل أولاً وقبل كل شيء، حتى لا يحصل على الوظيفة التي كان ينتظرها بوزارة الخارجية ..
стр. 118
ثم بكل هدوء وبرود فإنها ستعرض عليه وظيفة أخرى يتقاضى منها، إذا ما قبل، ماهية تزيد على ما يتقاضاه موظف مبتدئ بوزارة خارجية، فتعرض عليه مثلاً مائة وخمسين جنيها في مقابل عمل بسيط، إن لم نقل مقابل عمل صوري، في سفارة تمثل مصالح معينة، لا تتفق مع فكرة باندونج ولا فكرة التضامن الإفريقي- الآسيوي، ولا فكرة بناء حضارة كحل لمشكلة البلاد المتخلفة، ولا أية فكرة من الأفكار التي دخل هذا الشاب من أجلها المعركة.
وإذن وفي حالة قبول هذا الشاب النبيل العرض السخي الذي قدم له، نكون أمام احتمالين:
أولهما هو أن هذا الشاب سيشعر بضيق الموقف: فيعدل سلوكه طبقاً لذلك، ويكف قلمه ولسانه عن أفكار تحرم صاحبها من منصب يستحقه بوزارة الخارجية.
وثانيهما، هو أنه يستمر أو على وجه أدق، ربما تحمله السفارة التي توظفه على أن يستمر في دفاعه عن تلك الأفكار.
ففي الاحتمال الأول تكون السفارة قد حلت المشكلة بوجه من الوجوه.
أما في الاحتمال الثاني فإنها تكون صنعت من شاب مثقف نبيل (محامياً مورّطاً) للأفكار التي دخل من أجلها المعركة.
وهذا الاحتمال الأخير أقرب من أسلوب الصراع الفكري ومن واقعية الاستعمار فيه ومن حقيقته المؤلمة، التي لا ندركها ما دمنا نفقد المقاييس المطلقة التي تدل على قيمة الأفكار مباشرة، في حد ذاتها دون ربطها بأي شخص يدافع عنها دفاع المؤمن بها (مثل الشاب الذي ذكرنا قصته) أو يدافع عنها دفاع (المحامي المورِّط).
ومهما يكن الأمر فلا غرابة إذن في أن يجد كتاب، يتعلق بموضوع هام مثل
стр. 119
باندونج من يقوم بالدفاع عنه بكيفية ما وفي ظروف معينة، حتى يكون لدفاعه الأثر المورِّط للكتاب (١) في بعض الأوساط الدبلوماسية التي كان من المتوقع أن تهتم به.
وليس موضوعنا عندما يقع هذا، أن نعلق على نضج هذه الأوساط، ولكن يجب أن نعلم كيف يستخف بها الاستعمار فيطبق عليها ما يطبقه في الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة، أي في البلاد التي تتفق على أن الناس فيها لا يدرسون الأفكار من خلال تأمل شخصي مباشر، بل من خلال الانعكاسات التي يلقيها عليها (محام مورِّط) أو في الصورة التي تعكسها لنا (مرآة حرمان).
وقوة الاستعمار في هذه الحال، هو أن يطبق طرقاً بسيطة كشفت تجارب بافلوف، عن صلتها بالتركيب النفسي عند الأفراد وهمَّ (جوبلز) بتطبيقها العلمي في ميدان السياسة في عهد هتلر.
وإنما الفرق بين الاستعمار وبافلوف، هو أن الكائنات التي يجري عليها العالم الروسي تجاربه كانت حيوانات صغيرة مثل الكلاب والفئران، بينما الاستعمار يجريها على علماء ودبلوماسيين ورجال سياسة إلخ ..
ويجب أن نعلم أن فن بافلوف يطبق في كل وسط إنساني لم يتم نضجه الفكري، أو لم تتخذ في توجيه ثقافته الاحتياطات اللازمة ضد الانحراف الذهني.
ومن أخطر وجوه هذا الانحراف ما أطلقنا عليه اسم (الذرية).
فأي إنسان لا يحكم على الأمور بناء على تفكير شخصي مباشر، يتعرض لأن يصدر أحكامه طبقاً لما يتلقاه عن هذا الواقع بطريق الإيحاء، لا طبقاً لما في
стр. 120
الواقع من حقيقة ظاهرة أو كامنة، لأنه لا يحاول أن يجمع عناصر الحكم المختلفة في عملية ذهنية واحدة لا عنده من ميل مرضي إلى (الذرية).
(فالمحامي المورط) و (الصداقة المورطة) و (مرآة الحرمان) هي في الواقع النقاط المختلفة في الآلة، التي تلعب عليها أصابع ماهرة في الموسيقا الخاصة بالصراع الفكري.
ولكن لا يستطيع التوقيع على هذه الآلة الدقيقة من ليس له دراية، بما يمكن أن نسميه رياضة أو جبر الأفكار، ومن ليس له إلمام بالأفكار على أنها كائنات حية تؤدي دورها في شروط عضوية معينة، ولا تقوم بأي دور بدونها، بل تفقد الحياة بفقدها فتصبح جثثاً هامدة لا صوت لها، ولا قيمة لها في الإيقاع الذي يمثل موسيقا الصراع الفكري في العالم.
***
стр. 121
الفصل السادس
حياة الأفكار وقيمتها الرياضية
ــ
يظهر أحياناً في سلوك الاستعمار من البلادة، ما يجعلنا نشعر بأن كيده، هو في النهاية ضعيف مثل كيد الشيطان.
ولكن يجب ألا نغتر بهذا المظهر مهما يكن فيه من الصحة، كما يجب علينا أن نقدر لكيد الشيطان في كل وقت تقديره.
يجب أن نعترف في كل لحظة، بأن الاستعمار فنان بارع في موسيقا الصراع الفكري، فهو يبدع في سمفونية هذا الصراع، إذ هو ينسجها من الخيال أو من لعبة الظل كما بينا في الفصول السابقة، ثم يبلغ إيقاعها الساحر عن طريق الإيحاء، لأنه يجيد التوقيع على (النقاط) التي تسحر الألباب، فتعطي لفنه كل قيمته الفنية.
فهو يعلم أنه يكفي للتشكيك في فكرة، أن يشوه منطوقها اللغوي، أي الكلمة التي تتضمن معناها الحرفي، أو الشعار الذي يؤدي معناها بالطريق الرمزي: فالكلمة أو الشعار قد يمكن أن يصبح كلاهما مركز إشعاع حرماني، بالنسبة للفكرة التي تعبر عنها تلك أو يشير إليها هذا، كما يكون أحياناً الكاتب نفسه، مركز إشعاع حرماني بالنسبة إلى كتابه، في بعض الظروف كما بينا هذا في الفصول السابقة.
فلو كان لفكرة كتاب شعار معبر عنها بصفة رمزية، لرأينا الاستعمار حينما
стр. 122
تنوه مراصده بظهور الفكرة، يبادر إلى طمس تلك الرمزية بما يناسب من الوسائل.
فلو كان لدينا للتدليل على محاولة كهذا عبارة مثل (محور طنجة- جاكرتا)، تعبر عن فكرة كتاب وتشير إلى الاتجاه الذي ينشده، لرأينا فعلاً الاستعمار يقوم بمحاولة ضم هذا المصطلح إلى قاموسه السياسي، فيحاول مثلاً جمع مؤتمر سياسي بمدينة طنجة، هدفه على نقيض ما يهدف إليه الكتاب، وبما يسلط من الأضواء على مدينة طنجة، خلال مؤتمر تشرف عليه دول استعمارية، تصبح كلمة طنجة مركز إشعاع حرماني، تعكسه على ما يتصل بها في الميدان السياسي: تصبح العبارة (محور طنجة- جاكرتا) كلها تتلقى من ناحية الإيحاءات التي تلقيها عليها كلمة طنجة، وتعكسها من ناحية أخرى على كتاب جعل شعاره من تلك العبارة.
ولكن لماذا لم تتم محاولة الاستعمار في هذا الاتجاه، بعد أن أعلنت الصحافة بانعقاد مؤتمر طنجة في شهر نيسان (إبريل) سنة ١٩٥٧؟
ذلك لأن الظروف ليست كلها في يد الاستعمار، فقد يحدث أن تختل بعض الشروط في تنفيذ خططه، وهذا لا يعني طبعاً أن المعركة انتهت وإنما تغيرت ظروفها.
ولكن الشيء الذي لا يتغير هو المقاييس المنطقية والحقائق النفسية، التي تطبق في معركة مهما تكن ظروفها الخاصة.
ومن الأشياء التي لا تتغير في الصراع الفكري، حقيقة (الفكرة) ذاتها بوصفها كائناً حيوياً له وحدة عضوية لا يمكن أن نزيد فيها شيئاً ولا ننقصه، دون أن تتغير شروط الحياة بالنسبة إليها، كما أننا نغير شروط حياة أي حيوان، لو أننا أضفنا له عضواً زائداً، مثل الرأس الذي أضافه بعض علماء الاتحاد السوفييتي إلى كلب، أو أنقصنا منه عضواً.
стр. 123
فالكائن الحي كائن كما هو، وإن أضيف إليه شيء أو بتر منه شيء، فإنه لا يبقى ذلك الكائن.
وهذه الحقيقة تطبق على الأفكار بوصفها كائنات حية، ويمكننا الآن أن نلقي هذه الاعتبارات على كيان الأفكار: فلو أننا قدرنا أن فكرة ما تبلورت في شعار معين ذي تركيب ثنائي، نشير إلى عنصريه بحرفي (أ) و (ب)، فإنه يمكننا أن نضع له معادلة تعبر عن وحدته العضوية وعن ذاتيته هكذا:
شعار = أ + ب
وبما أن الفكرة مرتبطة بهذا الشعار بربط عضوي، يمكننا أن نعبر عنها بالمعادلة نفسها هكذا:
فكرة = أ + ب
ولنفترض الآن أننا أخذنا العنصر (أ) وأدخلناه في تركيب جديد إدخالاً يكون معه بجانب عنصر جديد ذي شبهة هو (ت) مثلاً، وبذلك نستطيع أن نرمز إلى هذه العلاقة الجديدة بالمعادلة الآتية:
تركيب جديد = أ + ت
ولما كان هذا التركيب يتضمن خصائص العنصرين اللذين يكونانه، فإنه ينطوي ضرورة على كل الآثار النفسية التي يحملها العضو المشبوه فيه (ت) ويعكسها على كل أجزائه، أي على (أ) بالذات، وهكذا يصبح هذا العنصر مشتبهاً به، بحكم علاقته الجديدة فيحيل نوعاً من العدوى النفسية إلى التركيب الأول: (أ + ب)، وهكذا يصل الاستعمار عن طريق علاقات مصطنعة كالتي وضحناها هنا، وبعد سلسلة معينة من الانعكاسات المشروطة إلى المساس بالفكرة التي يريد إصابتها، إذ يصلها الإشعاع النفسي المقصود عن طريق شعارها ومنطوقها.
стр. 124
وهذه الكيمياء الخاصة ليست جديدة إلا من الناحية النظرية، لأن علم النفس وعلم النفس التجريبي منذ بافلوف، خاصة، هو الذي حدد قواعدها، وأما من الناحية العملية فهي قديمة، نجد أثرها في وقائع كثيرة من التاريخ الإسلامي مثلاً، فمنذ المراحل الأولى من هذا التاريخ نجد أحداثاً سياسية هامة تفسر على ضوء هذه الكيمياء.
هذه الاعتبارات تتصل بحياة الأفكار من الناحية النفسية، وتعبر عن تأثير العلاقات في تحديد الدور الذي تقوم به الأفكار بوصفها مجموعة معينة، أي طبقاً لعلاقاتها في نطاق دائرة أو في اطراد.
ولكن هناك اعتبارات أخرى، يمكن أن نسميها اعتبارات جبرية، تتصل بدور الأفكار بصفتها أفراداً مستقلة.
إن لكل فكرة كياناً مستقلاً، ووحدة قائمة بذاتها، تؤثر بقدر ما تبقى محتفظة بوحدتها، باعتبارها قيمة منطقية يمكن التعبير عنها طبقاً لقواعد رياضية خاصة بالأفكار.
إن لكل فكرة (ف) قيمة معطاة هي (كـ) مثلاً، وهذا الفرض يمكن أن يكتب كما في الحال في علم الجبر:
ف = كـ
وهذه العلاقة تعبر عن القيمة الرياضية للفكرة، ولكن لرياضة الأفكار قواعد خاصة، فإذا كانت القيمة العددية في الرياضة العادية يمكن أن تزداد بجمعها إلى أخرى، فإن القيمة الخاصة بفكرة تنقص عموماً بمجرد أن نضيف لها قيمة أخرى، حتى لو كانت القيمة المضافة إيجابية:
ت > (أكبر من) صفر
стр. 125
فإذا أضفنا هذا الحد مثلاً، إلى العلاقة السابقة يكون لدينا قيمة فكرية جديدة هي:
ف = كـ + ت
فنشعر أننا زدنا في قيمة (ف) الأصلية، ولكن ليس الأمر كذلك بصورة طبيعية، كما هو شأن القيمة العددية، فالحد (ت) يمكن أن ينقص من قيمة الفكرة على الرغم من أنه إيجابي، أما لو كان سلبياً فمن باب أحرى؛ ويمكن أن نفهم هذا أو نلخص هذا في صورة فقهية: إن الفقهاء يحددون، في شروط الوضوء، ما يجب أن يكون عليه الماء لصلاحيته للوضوء، فهم بذلك كأنهم يحددون قيمة مفهوم معين (م) أو الماء الطهور بصلاحيته (ص) للوضوء.
فيمكن إذن أن نشير إلى قيمة هذا المفهوم الفقهي هكذا:
م = ص
ولكن نعلم من مشايخ الفقه أن كل دنس (د) يحدث في الماء يجعله غير صالح للوضوء، أي أن قيمة (م) نقصت بإضافة حد سلبي، وهذه حقيقة بديهية يدركها عقل الفقيه وغير الفقيه.
ولكن نعلم من مشايخ الفقه أيضاً، أننا لو أضفنا شيئاً من العطر أو الطيب، أي لو أضفنا حداً إيجابياً فإن الماء يفقد أيضاً صلاحيته للوضوء، أو يفقد قيمته بوصفه مفهوماً فقهياً.
فإذا كانت هذه الاعتبارات صحيحة بالنسبة إلى مفهوم من مفاهيم الفقه، هو الماء الطهور، فإن صحتها أعم بالنسبة للمفاهيم العامة.
وعليه يجب أن نراعي في الصراع الفكري كل ما يتصل بكيان الأفكار
стр. 126
بصفتها أفراداً مستقلة بوحدتها العضوية، كائنات حية لا تقبل القسمة ولا الضرب.
والاستعمار يطبق طبعاً هذه الحقائق، فهو تارة يحاول تجزئة الفكرة كأنه يريد تقسيم طاقتها الانفجارية، وأحياناً يحاول على العكس، أن يجري عليها نوعاً من الضرب يجعلها مقحمة في عدة أفكار ثانوية، تضيف إلى حجم الفكرة الأصلية عناصر فكرية خامدة، لا أثر لها سوى إضعاف سلطانها على العقول، كما لو أننا لففنا سن المسمار أو حد المنقار بلفائف من الورق أو القماش حتى لا تؤثر فيما نريد نقره أو ثقبه من الخشب.
ولقد رأينا مثلاً في باندونج كيف طبقت هذه الرياضة الفكرية في صورة (الضرب)، فيما يتصل بالفكرة التي تتضمن المبادئ الأساسية الخمسة Paneh Shila، التي تكون وحدة فكرية قامت بدور هام في توجيه سياسة التعايش والحياد قبل المؤتمر، خلال مداولات نيودلهي وبكين، وفي تحضير المؤتمر ذاته، فكان إذن من الطبيعي أن تكون هذه المبادئ (الفكرة)، أي الأساس النظري الذي يقوم عليه بناء المؤتمر، ولكن عندما وصل وفد إحدى الدول الآسيوية المشتركة، بذل كل جهده ليكون عدد هذه المبادئ سبعة أو عشرة، ويمكن أن نتصور هذه الإضافة المقصودة بصفتها عملية تشتيت للقاعدة.
ويمكن أن نتابع هذه الاعتبارات في مؤتمر القاهرة ذاته، فلم يكن من مصلحة الشعوب الأفرسيوية الإكثار من المقترحات، لأن هذا الإكثار يزيل أولاً مضاء الفكرة الأساسية ثم يكون عقبة في سبيل التطبيق، وهذا وذاك في صالح الاستعمار طبعاً، ولا يخفى ماللاستعمار من الحضور في كل مداولة مثل مؤتمر باندونج أو مؤتمر القاهرة، حضوراً خفياً أو ظاهراً، تصل عن طريقه الإيحاءات المناسبة لتطبيق القواعد الخاصة بكيمياء وبرياضة الأفكار، فتطبق أحياناً في صورة (المزلقة) وأحياناً في صورة (الاستبدال) وأخرى في صورة (البتر).
стр. 127
(فطريقة المزلقة) تطبق عندما يكون الهدف ألا يقف البحث عند فكرة معينة، فتطرح خلال المناقشة أفكار جديدة بالتوالي، طرحاً لا تنتهي معه المناقشة إلى أية نتيجة عملية ..
وطريقة (الاستبدال) تطبق عندما يرى الاستعمار من مصلحته- بينما تكون المعركة محتدة حول فكرة معينة- أن يطلق في حلبة الصراع، فكرة جديدة تكون أقل ضرراً بالنسبة لمصلحته.
أما طريقة (البتر) فإنها تطبق عندما توشك مناقشة أن تأتي بنتيجة في موضوع هام في صحيفة وطنية مثلاً، وإذا بمحرري الصحيفة (المعادية للاستعمار) يقلبون الصفحة بكل بساطة، وتبقى المناقشة معلقة دون نتيجة، فيجد الكاتب نفسه فجأة مجرداً من السلاح، كأنما يد خفية نزعت من يده القلم، في الوقت الذي تدخل المعركة في دورها الحاسم.
والخطر الذي يتهدد مؤتمراً دولياً كؤتمر باندونج، يكمن في ألا يأخذ دعاة المؤتمر حذرهم من هذه الطرق، ومن الواضح مثلاً أنه عندما يقدم اقتراح بإنشاء (بنك للمادة الأولية) فيخرج من مؤتمر دولي بقرارين أحدهما (تأسيس هيئة للإنشاء والتعمير) والآخر (إنشاء بنك للتبادل الاقتصادي الإفريقي الآسيوي)، فإن الفكرة الأولى المقدرة بالنسبة إلى طور اقتصادي محدد، وإلى إمكانيات معينة في البلاد الإفريقية- الآسيوية، وهي تهدف في أساسها إلى تخليص المادة الأولية المتوفرة في تلك البلاد، من رقابة العملة المفقودة فيها، فهذه الفكرة تختفي تماماً في القرارات النهائية، وتترك مكانها إلى فكرتين ثنائيتين، كل واحدة تعيد إلى العملة سلطانها ورقابتها على سوق المادة الخام، أي تناقض الفكرة الأولى في أساسها: وهذه خطة قد طبقت فيها بنجاح طريقة (الاستبدال) وطريقة (الضرب أو الإكثار).
стр. 128
ولا شك أن أي مؤتمر دولي يكسب كثيراً لو أنه حين ينعقد يؤلف لجنة (للنقد الذاتي) وخاصة لنقد التقارير في صيغتها النهائية، حتى لا يترك للاستعمار ذريعة ومنفذاً يبلغ منها إلى (تعقيم تلك القرارات).
ولا بد أن ندرك أن (الفكرة) التي يعبر عنها مشروع إنشاء (جائزة منطقة السلام)، لا تؤدي أبداً مفعولها ولا تقوم بدورها، عندما تصب في قرار نهائي يضع كلمة (سلام) - وهي مقصودة بالذات بوصفها شعاراً خاصاً لمداولات تجري- في تركيب معقد كهذا: من أجل الحرية والاستقلال والصداقة والسلام.
فهذه الكلمات الأربع مجموعة لا تقوم بدور كلمة (سلام) وحدها، كما أن صاروخاً ركب من أجل الوصول إلى القمر، لا يصل إليه إذا ركبت فيه صواريخ موجهة إلى المريخ وزحل (١) ...
ولا شك في أن أي مؤتمر دولي، ينعقد من أجل تحرير البلاد المستعمرة أو البلاد التي وطئها الاستعمار، يكسب كثيراً لو أولى نظره هذه الاعتبارات، ولو أولى تطبيقها لجنة مخصصة للنقد الذاتي، كي يحتاط بهذا النقد من طرق التعقيم التي ذكرناها، والتي لم نذكرها كلها خشية الإطالة، فهناك مثلاً طريقة التعطيل التي تلعب دوراً هاماً في الصراع الفكري، لأنها تعلق تحقيق قرار على شكليات لا قيمة لها. أو تعطل توزيع كتاب: فعندما يكون كتاب قد أنجز طبعه ببلد عربي قريب، منذ ستة أشهر، ولم يصل بعد إلى عاصة عربية مثل القاهرة، فهذا يعني أن الكتاب دخل عملية تعطيل ...
إن ظروف الصراع الفكري، في أي بلد يكون فيه نفوذ خفي أو ظاهر
стр. 129
للاستعمار أكثر غرابة مما نتصورها عادة، فلا يمكن أن يتناولها الوصف المحدود بطبيعة الحال، لأنه لا يمكن أن ينقل كل الألوان التي تشملها التجربة، بينما هذه التجربة نفسها، لا تحيط إلا بمقدار ضئيل من واقع الصراع الفكري في حقيقته، ولا غرابة في أن صاحب التجربة يعلم بعض الأشياء من هذا الواقع الزاخر المتنوع، ولكن يغيب عليه أكثرها، لأن الاستعمار يسدل دائماً الظلام (كما بينا فيما سبق) على عملياته في هذا الميدان، حتى يبقى مسيطراً على الموقف، ولو كشفت الصدفة فجأة عن تفصيل من تفاصيل هذا الصراع، فسوف يبقى في إمكانه أن يسلم بهذا التفصيل للخصم، ويدخل الباقي في الظلام، كما تسلم الحية بجزء من ذيلها وتدخل جحرها لتنجو بذاتها ..
ولا يمكن وصف هذه التفاصيل كلها ولو كانت على مرأى العين، كما يصعب وصف بيت العنكبوت خصوصاً إذا كانت خيوطه تأتي من بعيد.
هذه هي حقيقة الصراع الفكري وتلك هي لغته، لغة صامتة ليس لها من معنى واضح إلا بالنسبة لمن عاش تجربة شخصية.
***
стр. 130
ملخص
إننا قد أنهينا هذا العرض، ولم نقل فيه إلا جزءاً بسيطاً مما تتضمنه تجربة شخص، وحري بنا أن نقول إن تجربة الشخص مهما تكن، ليست إلا جزءاً ضئيلاً من واقع الصراع الفكري.
ومهما يكن من أمر، فإن القول محدود بطبيعته في موضوع كهذا، لأن هناك موضوعات محرمة، قد أحاطها العرف بسياج من الاعتبارات التي لا تترك مجالاً كبيراً إلى القول، لأن الناس الذين أشرنا إليهم في هذه الصفحات، والذين تعرفنا عليهم ودرسنا مواقفهم العامة في بلاد مستعمرة، خلال ما يزيد على ربع قرن، لا زالوا على قيد الحياة، ولولا ضرورات الصراع الفكري ذاته لما أشرنا إلى أحد، ولا ذكرنا تفصيلاً من التفاصيل التي تتضمنها تجربة شخص معين.
ولكن الضرورات تبيح المحظورات ...
والأفكار ليست منفصلة عن عالم الأشخاص، على طريقة (مثل أفلاطون)، بل إن ملحمتها تجري كلها على الأرض، حتى لا يمكننا- مهما تحرينا من التجريد- أن نفصل مغامرة (فكرة) عن مغامرة صاحبها فصلاً تاماً، ولو لخصنا هذه الاعتبارات في جملة لقلنا: إن الاستعمار يسعى أولاً أن يجعل من الفرد خائناً ضد المجتمع الذي يعيش فيه، فإن لم يستطع فإنه يحاول أن يحقق خيانة المجتمع لهذا الفرد على يد بعض الأشرار.
ومهما يكن من أمر، فإن هناك حقائق لا يملك النطق بها إلا من واراه التراب، وتحصنت أقواله بالموت، كما أن هناك أقوالاً لا تقال في كل الظروف، وفي
стр. 131
مثل هذا الموقف يتعرض الضمير لنقاش حرج، عندما يكون المرء بحيث يستغل الاستعمار كلامه كما يستغل صمته، فهذه الصفحات تعد إذن محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام، ولعل القارئ الشاب يجد فيها المنبه الذي يلفت نظره إلى واقع الصراع الفكري، ويكفيه أن يفتح عينه لكي يرى بنفسه أمارات هذا الصراع قائمة حوله. وربما يستطيع أن يستخلص من الوقائع المعروضة لنظره، نتائج لم تلفت انتباهنا، أو أغفلناها عمداً خلال هذا العرض، احتياطاً من التطويل ورغبة في الموضوعية.
وكل ما نتمناه هو أن تقوم في بلادنا رابطة من المثقفين، لكشف هجمات الاستعمار على الجبهة الفكرية، حتى لا تبقى الأفكار معرضة لتلك الهجمات دون نجدة ولا مدد.
***