الناحية الفنية ومن ناحية الوسائل، بأن تكون الخطة معززة هذه المرة، بالوسائل الكافية وبالكفاءات اللازمة، وبالآلات البشرية ( Robots) التي تنجز الأعمال حينما يوضع في ضميرها بعض نقود كما توضع في صندوق الصدقات.
فالتركيب الجديد يتجاوب أولاً مع الضرورة التي تنتج عامة، من أن كل فخ عرف مكانه يصبح دون جدوى، أو بالتعبير العسكري: من أن كل جهاز يقع تصميمه في يد العدو لايبقى صالحاً للاستعمال ضده.
فكان من الضروري إذن- ضرورة فنية- تعديل مرآة الكف التي وصفناها في الفصل الأخير لأن هذا الوصف ذاته كشف سره منذ سنتين.
ولا شك أن هناك أشياء أخرى تؤيد هذه الضرورة، أشياء ناتجة عن الظروف الجديدة الخاصة بالبلاد الإسلامية والعربية، وعن الطور الجديد الذي يمر به الصراع الفكري في العالم عامة، وخاصة في البلاد التي لا زالت في المعركة التحررية.
فيجب علينا إذن أن نوازن بين الجهاز الجديد والقديم من جهة جوانب الضعف فيه كي ندرك التحسين الذي أتى به الجديد.
لقد ذكرنا كيف كان التركيب الأول يعرض اسم مؤلف لانعكاسات المرآة (بوصفه فرنسياً اعتنق الإسلام)، يعرضه لها بصفة ثنائية، بما أنه كان يقحمه بين اسمين آخرين تلقي عليه تلك الانعكاسات، أي أن الاسم القصود لم يكن في هذا التركيب ينتج مباشرة الإيحاءات السلبية، وإنما كان يتلقاها من الخارج ويعكسها فقط.
وكان هذا جانب ضعف في الجهاز، بل إن ما يزيد في هذا الضعف هو أن أجزاء التركيب كلها ظاهرة مرئية، لأنها كانت مكتوبة على صفحة من صفحات (العروة الوثقى).
стр. 72
وبعبارة أخرى، إنه كان تركيباً فجاً بدائياً.
فكان إذن من الحكمة أن يفكر يوماً ما الهتمون بالصراع الفكري، في تركيب جهاز جديد تكون أجزاؤه غير ظاهرة، وغير ظاهرة خاصة إلى الشخص المقصود، حتى تؤدي المرآة مفعولها دون أن يشعر بذلك.
والتحسين المنشود الذي أتى به الجهاز الجديد، هو بالضبط أنه لا يراه إلا من قدّر له، عن قصد أن يراه، أو بتعبير مصطلحنا: لا يراه إلا من هو معد من أجله، ليعكس إلى نظره وشعوره خاصة تلك الإيحاءات التي من شأنها أن تجعله في حالة (السلوك المشروط)، إزاء الأفكار المقصودة من وراء هذا كله.
فميزة التركيب الجديد هو أنه يمكنه أن يلفت النظر إلى كاتب معين، دون أن يشعر هذا بأنه أصبح يشع إيحاءات، ويعكس ردود أفعال شرطية موجهة ضد أفكاره ذاتها.
فهذه المرة لا يمكن لهذا المؤلف أن يتفطن للشبك الذي نصب لأفكاره، لأنه نصب وراء ظهره، وبعيداً عن نظره، فهو عبارة عما يسمى (لعب صور الظل)، أي تلك الصور التي يمكن للاعب ماهر أن يصورها من ظل يديه وأصابعه، بوصفها قصة يراها الناظر على الحائط، ويمكن أن يزيد اللاعب الماهر في إعجاب ذلك الناظر، إذا كان عنده الصوت المناسب مثل لاعب (جراجوز)، ليعقب على الصور التي تلقيها يداه وأصابعه على الحائط بما يناسب من التعليقات.
وكل مهارة هذا المخرج تكون في أن يستمر لعبه حتى النهاية، دون أن يشعر به الكاتب الذي أعد من أجل أفكاره هذا الجهاز، ولسنا نرى مكاناً لوصف تفصيلي لهذا الجهاز، إذ أننا لا نرى مسوغاً لأن نقدم في هذا العرض النظري،
стр. 73
لقصة من الصراع الفكري، كل تفاصيلها الواقعية، فحسبنا أن نورد جمل القصة بالصورة التي تتيح لنا أن نعطي فكرة عن تركيب الجهاز الجديد وعن كيفية تشغيله في ظروف معينة.
إن الاختصاصيين المهتمين بالصراع الفكري قرروا ألا يكون عملهم قائماً، في هذه المرة على (دائرة أفكار) معينة، كما كان شأنهم في المرة الأولى التي وصفناها.
إن مبدأ الجهاز الجديد من نوع آخر: إن كل كاتب له- قبل دائرة أفكاره- دائرة تشمل حياته الشخصية في عقر بيته، ودائرة تضم علاقاته الاجتماعية، خارج بيته، مهما يكن عددها.
وهذه الدوائر الثلاث ليست منفصلة الواحدة عن الأخرى، فقد بينا في الفصل السابق كيف أن دوافع الحرمان التي تسلط على شخص كاتب، بأنها وهي توجه إلى دائرته الشخصية، بصفته (كاتباً فرنسياً) مثلاً، تكون موجهة في الواقع إلى دائرة أفكاره.
ولكننا بينا في الوقت نفسه، ضعف هذا التركيب، لأنه لا يشمل الدائرة الشخصية لتنتج مباشرة دوافع الحرمان، وإنما هي تتلقاها من الخارج، وتعكسها فحسب، على دائرة الأفكار التي تكون بهذا، لأن ما تتضمنه من أفكار قد وضع في إضاءة غير مباشرة، أي تحت تأثير دوافع واردة من الخارج.
فالتحسين الذي أدخل على هذا التركيب هو أن يضعها في إضاءة مباشرة، أي أن يضع دائرة أفكار مؤلف مقصود تحت تأثير دائرته الشخصية مباشرة.
والتصميم النظري لهذا الجهاز قد يكون على هذه الصورة:
стр. 74
ـ[(دائرة الأفكار)
(دائرة الصلات الاجتماعية)
(الدائرة الشخصية)]ـ
فيمكننا الآن أن نفسر عمل الجهاز على ضوء هذه الصورة النظرية.
إننا نرى أولاً، أن كل ما يصدر من إشعاع من الدائرة الشخصية الخاصة بفرد معين، يصب حتماً بخيره أو بشره في دائرة أفكاره، لأنه ينعكس عليها بمقتضى تداخل الدائرتين؛ بمعنى أن أي تعفن أخلاقي يحدث داخل الدائرة الشخصية يصل إشعاعه فوراً- بصفته تعفناً- إلى دائرة الأفكار.
وبالآلية نفسها، فإن كل ما يحدث من خير أو شر، على الدائرة الاجتماعية يحدث أثراً إلى الخارج، تجاه دائرة الأفكار وينعكس عليها أيضاً.
ولكن يجب أن نلاحظ أن نصيب الإشعاع الذي يرد من الدائرة الاجتماعية تجاه الداخل، ينعكس على الدائرة الشخصية ثم يعود منها، كإشعاع منعكس، إلى دائرة الأفكار ليلقي عليها ما يحمل وما حمل من الدوافع الحرمانية. حتى إن دائرة الأفكار تتلقى في النهاية، كل ما تشعه الدائرة الاجتماعية في الاتجاهين.
وبالتالي فإن كل ما يحدث بطريقة طبيعية أو صناعية، تعفناً في الدائرة
стр. 75
الشخصية الخاصة بفرد أو في دائرته الاجتماعية، فإن تأثيره يصيب بأكمله دائرة أفكاره.
وإنما يجب أن نلاحظ، كي نكون أكثر دقة وتحرياً، أن لدائرة الأفكار ذاتها إشعاعها الخاص: تشع هي نفسها بإيحاءاتها على الدائرة الشخصية، التي تعكس بعض هذه الإيحاءات على الدائرة الاجتماعية التابعة لها.
إن للأفكار سلطة خاصة تفرض رقابة على الإيحاءات، التي ترد إلى دائرتها من الدائرة الشخصية ومن الدائرة الاجتماعية، وتصحح معناها إذا وقع فيه انحراف، مقصود أو غير مقصود.
فعندما يقول لنا أحد إن غاندي مثلاً، كان ينشر أفكاره المعروفة (باللاعنف) عن اتفاق خاص بينه وبين الاستعمار البريطاني، أو لأنه تقاضى رشوة عن ذلك، فإن دائرة الأفكار نفسها التي توجه إليها هذه الإيحاءات السخيفة، تضرب بها عرض الحائط وتلغيها بمجرد ما لها من القيمة الذاتية، أي بقطع النظر عن الدائرة الشخصية الخاصة بغاندي، وعن دائرته الاجتماعية، حتى إنه يمكننا إصدار الحكم المبطل لتلك الإيحاءات، بمجرد الالتفات إلى دائرة الأفكار فقط، باعتبار قيمتها الأخلاقية والعقلية من ناحية، وباعتبار مكانها في التخطيط السياسي العالمي من ناحية أخرى.
وأحياناً نرى أن الأفكار تدافع مباشرة عن دائرتها ضد أفكار أخرى يراد زجها فيها، عن قصد أو بحكم الصدفة؛ إن التاريخ الإسلامي نفسه يعطينا صورة من هذا القبيل: إننا نذكر بصفتنا مسلمين المحاولة أو المحاولات التي قام بها بعض الأشرار الآثمين لانتحال الآيات تزييفاً للوحي.
وقصة (الغرانيق) كانت إحدى تلك المحاولات، التي كانت تصدر من مركز الإشعاع المزيف الذي كان يشرف عليه، لاشك السبائيون والمنافقون، لقصد
стр. 76
تشويه القرآن الكريم، غير أن هذه المحاولات الأثيمة لم تحظ بأي نجاح، لأن دائرة الأفكار القرآنية تلغي بنفسها تلقائياً كل فكرة دخيلة عليها، فتطردها وتقصيها عن دائرتها.
حتى إنه ليمكننا القول إن السبئيين قد نجحوا، إلى حدٍ ما، في مساعيهم الأثيمة ضد الحكم الإسلامي، إذ أنهم تمكنوا من تغيير مجراه منط واقعة صفين، ولكنهم مع ذلك لم يتمكنوا من تغيير ذرة من دستوره المنزل، لأن القرآن يدفع عن نفسه الأباطيل، ويطرد كل دخيل عليه. فما كان لأحد من السبئيين أو غيرهم، أن يضيف إليه شيئاً، مثل قصة ((الغرانيق)).
ذلك لأن الأفكار عامة، لها من قوة الدفاع عن نفسها مما يخولها سلطة، تفرض بها رقابة على كل ما يكون من شأنه أن يشوه معناها أو يفقدها وحدتها: إنها تطرده فوراً من دائرتها.
فكذلك الأفكار القرآنية قد استخدمت خلال القرون قوتها ضد كل محاولة تحريف أو تزييف، وفرضت رقابتها على كل دخيل عليها مثل قصة (الغرانيق)، تطرده من دائرتها مقصية بذلك شحنة الإيحاءات السلبية التي يحملها الدخيل إليها، حتى لا يكون لها، أي أثر سيئ على الضمير الإسلامي في النهاية.
وهكذا كان مصير جميع المحاولات التي أريد بها تشويه القرآن وتحريفه عبر التاريخ، لأن الأفكار القرآنية خاصة، والأفكار من حيث هي أفكار عامة، وفي نطاق شروط اجتماعية معينة، تقوم بدور المصفي بالنسبة للأفكار الدخيلة، المشتبه فيها، التي تحاول يد خفية أن تزجها في دائرتها.
غير أن لهذه الرقابة، وهذه السلطة، التي تحتمي بها من أفكار الغش والدس، شرطاً نفسياً- اجتماعياً يمكننا فهمه على ضوء قصة (الغرانيق): لماذا لم
стр. 77
يتح لهذا الدخيل أن يندس في دائرة الأفكار القرآنية، وبالتالي أن يدس الريب والحرمان في الضمير الإسلامي؟
والجواب على ذلك أن هذا الضمير نفسه كانت له حصانته الخاصة ضد الحرمان، فقد كان محصناً أولاً بنظافته الأخلاقية، التي لم تكن تتيح لأي جرثومة أن تصل إليه من الخارج، أي أنه لم يكن فيه أي استعداد للتعفن.
ثم إنه كان محصناً ثانياً بميزة فكرية، وهي التي تكون بالضبط حجر الزاوية في الصراع الفكري، فهذه الميزة هي التي تجعلنا ندرك تلقائياً قيمة الأفكار بصفتها أفكاراً، وتجعلنا بالتالي ندرك أهمية الصراع الفكري وخطورته، وخاصة تكون هذه الميزة المصفي الذي يمسك الأفكار المزيفة، فلا يتركها تندس في دائرة الأفكار المستقيمة لتزيف وحدتها، وتشوه صورتها.
وبهذا ننتهي إلى أن الشيء الذي يتكفل حصانة دائرة أفكار معينة، هو في الحقيقة، قيمة أخلاقية تشترط النظافة وتفرضها في كل الظروف، وقيمة فكرية تجعلنا نميز بين الغث والسمين.
فإذا حدث في مجتمع ما أن اختل هذا الشرطان الأساسيان فإن الأفكار تفقد كل حصانة، كما يفقد من يدخل الصراع تحت رايتها ضمن ما هو ضد الإيحاءات السلبية، التي تنتجها مختبرات السياسة العلمية لمواجهة الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وفي هذه الحالة تفقد الأفكار كل فعاليتها في مجتمع لم تبق لها فيه سلطة الرقابة والتصفية والتصحيح، أو لم تكتسب فيه بعد هذه الميزات.
وهكذا تصبح دائرتها معرضة لكل الإيحاءات السلبية الموجهة ضدها، دون أن يمكنها أن ترد من ناحيتها على هذا التحدي.
ويكون المكافح الذي دخل المعركة تحت راية تلك الأفكار، معرضاً لأن يخوض المعركة وحده، دون أن تسانده عن يمينه أو شماله أو من خلفه أو من
стр. 78
الأمام، أية قوة تعزز كفاحه كما بينا ذلك في الفصول السابقة.
والواقع أن مجتمعنا أصبح يعاني في قيادته أزمة أخلاقية وفكرية، تجعله عامة لا يحقق للأفكار شروط حصانتها وفعاليتها فيه، حتى إنها تكون معرضة للدس إما لضعف أخلاقي يحيط بها وإما لضعف فكري يخذلها.
غير أننا إذا ما فحصنا هذه الحالة على ضوء تجربة طويلة، فسوف نجد أن الضعف الفكري هو أقوى العوامل تأييداً ومساعدة، لمساعي الاستعمار في جبهة الصراع الفكري.
فالتجربة تكشف لنا أن مأساة الأفكار عندنا تدور فعلاً على هذا المحور.
ويمكنني أن أذكر، على سبيل المثال، وتأييداً لهذا الرأي، قصة تتصل بموقف جمعية الطلبة الجزائريين المسلمين، بالجزائر. عندما صدر هناك سنة ١٩٤٨م، كتاب (شروط النهضة ومشكلات الحضارة).
إن هذه الجمعية قامت برد فعل غريب، فنشرت في الصحافة بلاغاً يدين الكتاب المذكور على أنه مضر بقضية الشعب.
ولا شك أن هذا (الإيحاء) قد أتى عن طريق طالبين أو ثلاثة، يستخدمهم الاستعمار لحسابه في مثل هذه المهمات.
ولكن هل (تَعَفُّن) طالبين أو ثلاثة هو أساس المشكلة؟ أم الضعف الفكري الغريب الذي أبداه مئتان أو ثلاث مئة طالب حينما تقبلوا دون أية رقابة، الإيحاء الموجه ضد الكتاب؟
وكذلك الأمر سنة ١٩٥٤م حينما صدر كتاب (وجهة العالم الإسلامي) للمؤلف نفسه، فإن جمعية العلماء الجزائريين كأنما قد أرادت أن تصدر حكماً بإدانته، بطريق غير مباشر، فسحبت من مؤلفه منحة شهرية كانت تزعم أنها
стр. 79
تقدمها له لتأييد الإنتاج الفكري، ومن الواضح أن رد فعل كهذا كان مقرراً بمقتضى المبدأ الثاني الذي قدمنا ذكره، أي المبدأ الذي يقضي في منهج الاستعمار، بفصل الكتاب عن القضية التي يكافح من أجلها فصلاً عمليا بوسائل مادية، أو معنويا بوسائل نفسية، وتحويل المعركة التي بدأت بينه وبين الاستعمار إلى معركة بينه وبين إخوانه.
ولكن حينما يحدث هذا فهل أساس المشكلة (تعفن) الشخص من بين المشرفين على جمعية العلماء، الذي أتى عن طريقه هذا الإيحاء من طرف الاستعمار ليلقيه في آذان أولئك المشرفين؟ أم أساسها الضعف الفكري الفظيع الذي أبداه هؤلاء المشرفون الذين عبروا في هذه المناسبة، عن عدم كفاءهم، وأخص منهم بالذكر فضيلة الشيخ العربي التبسي، لأنني أعلم أنه كان على جانب خلقي عظيم، بينما نراه من الناحية الفكرية يبدي ضعفاً كبيراً، فلم يقتنع بتقبل الإيحاء المذكور، بل أصبح يدافع عنه بكل إخلاص دون أن يشعر بأن موقفه ذاته كان في خطة الاستعمار، بصفته أهم العوامل التي من شأنها أن تبعد كاتباً معيناً عن القضية. فهو قد وقف هذا الموقف لأنه لم يكن يعلم- ﵀ أن الصراع الفكري، هو فوق كل شيء. الصراع الذي يصنع سلاحه مما في طيات النفس وخفايا الروح.
وبالتالي فإن الجانب الفكري هو الأساسي في المشكلة التي نحن بصددها: إن الأفكار لا تتمتع في المجتمع الإسلامي بقيمة ذاتية، تجعلنا ننظر إليها بصفتها أسمى المقومات الاجتماعية، وقوة أساسية تنظم وتوجه قوى التاريخ كلها، وتعصمها بذلك من محاولات الإحباط مهما كان نوعها.
وهذه الثغرة تعود في تكوينها، إلى شيء من التخلف في تطورنا الاجتماعي، عرفناه في دراسة أخرى (١) بـ ((الطور لما قبل الاجتماعي))، أي
стр. 80
الطور الذي لم يكتشف فيه الطفل بعد عالم الأفكار، وحينما يكون المجتمع في هذا العمر النفسي فإن الأفكار لا تجد فيه مسوغاً ولا هو مسؤول عن ذلك، كما لا يسأل الطفل عن شيء ليس من سنه.
وبسبب هذه الثغرة، فإن الصراع الفكري لا زال يغشاه الظلام الذي يغشى الحقائق، التي لم تكتسبها ولم تهضمها تجربتنا، لأنها لم تصل بعد إلى إدراكنا.
وفي مثل هذه الظروف، فإن دائرة الأفكار تكون معرضة إلى تحدي الاستعمار ومؤامراته، دون أن تستطيع الرد اللازم عليه.
فهي معرضة خاصة، إلى الإشعاع الذي يصدر إليها من دائرة صاحبها الشخصية، ومن دائرته الاجتماعية، دون أن يحميها من هذا الإشعاع شيء من الرقابة والتصفية والتصحيح ..
فالجهاز الذي يتركب من الوجهة النظرية من ثلاث دوائر متداخلة كما بينا، يصبح من ناحية التأثير، كأنه مركب من دائرتين فقط: الدائرة الشخصية والدائرة الاجتماعية.
أما الأفكار التي يصل إليها التحدي دون أن يمكنها الرد عليه، فإنها فقدت تأثيرها بسبب الضعف المتفشي في الجهاز الفكري عندنا اليوم، فكأنما دائرتها أصبحت ملغاة لا تلعب دوراً في الصراع الفكري في البلاد الإسلامية.
هكذا يمكننا أن نتصور من الوجهة الفنية، التعديل والتحسين الذي طبق في إنتاج عوامل الحرمان ودوافع الكف. كما نحاول وصف ذلك في هذا الفصل. فالمنهج المطبق في الصورة الأولى التي تحدثنا عنها، كما ن يقتضي تسليط إشعاع الحرمان على دائرة الأفكار، من تلقاء دائرتي أفكار لمؤلفين آخرين معروفين ذكرناهما في الفصل السابق. فكان هذا الإشعاع خارجياً، يأتي من الخارج إلى دائرة الأفكار التي نريد تسليطه عليها.
стр. 81
أما في الصورة الجديدة التي نخصص لها هذا الفصل، فإن الإشعاع يسلط على دائرة الأفكار من الداخل، فهو يأتيها من دائرة صاحبها الشخصية ومن دائرته الاجتماعية.
وهذا يعني طبعاً أن هاتين الدائرتين تنتجان الإشعاع، من تلقاء نفسهما بحكم طبيعتهما، أو أنهما أعدتا لإنتاجه، بطريقة صناعية معينة.
وبالتالي فإنتاج هذا الإشعاع النفسي هو القضية الأساسية، والمشكلة الرئيسية لا ينتظر من التعديل المقصود والتحسين المنشود.
وهذه النتيجة المنتظرة تكون بالضرورة، مطابقة لطبيعة الدائرة الشخصية والدائرة الاجتماعية اللتين أعدتا لإنتاج الإيحاءات المقصودة، ومطابقة أيضاً للمنهج المطبق من أجل ذلك.
فعلينا إذن أن نحدد هاتين الدائرتين من وجهة تركيبهما ومحتواهما:
أ - أما الدائرة الشخصية: فإنها تتضمن بحكم الضرورة حياة الفرد الخاصة، مع أسرته أو بمفرده.
ب - أما الدائرة الاجتماعية فإنها تتضمن بالضرورة، الجوار والعلاقات المهنية، والعلاقات الودية والعلاقات الناشئة عن الضرورة اليومية (مثل علاقتنا مع البائع الذي نشتري منه يومياً جريدتنا وخبزنا)، والعلاقات التي تنشأ بمقتضى حاجة التسلية، إذا تعودنا الذهاب إلى مقهى، والعلاقات الأدبية، إذا كان لنا صلات ببعض الطلبة.
هذه هي العناصر الأساسية للدائرتين.
فكيف تنتج الدائرتان، وهذا تركيبهما، إشعاع الحرمان والكف؟ وبعبارة أخرى كيف تعدان لإنتاج هذا الحرمان صناعياً، حتى يوجه إلى دائرة الأفكار التابعة لهما؟
стр. 82
فمما تجب ملاحظته بالنسبة للدائرة الشخصية أن هناك ثلاث حالات ممكنة:
١ - حالة تنتج فيها بطبيعتها الدوافع الحرمانية، بسبب تعفّن في جوهرها.
٢ - وأخرى تنتج فيها تلك الدوافع بصفة طارئة، أعني بسبب ما يحقن فيها من التعفن بطريقة صناعية أو ما يلصق بصورتها الظاهرة على الأقل.
٣ - لا تنتج مطلقاً إشعاعاً حرمانياً لأنها سليمة من طبيعتها من ناحية، ولم تنجح، من ناحية أخرى محاولات تعفينها صناعياً أو تشويه مظهرها.
أما بالنسبة للدائرة الاجتماعية فهناك حالتان ممكنتان:
١ - أنها لا تنتج انعكاسات الحرمان لأنّ ما تتضمنه من علاقات إنما هي علاقات سليمة في جوهرها.
٢ - أنها تشع انعكاسات الحرمان لأن علاقة، على الأقل، من العلاقات التي تشملها مشتبه بها.
وهذه الحالة الأخيرة تنقسم بدورها إلى حالتين جزئيتين:
أ - فإما أن العلاقة المشتبه بها قد دخلت في دائرة الفرد، وهو يعلم الشبهات التي تحوم حولها.
ب - وإما أنها قد دخلت في دائرة الفرد، وهو لا يعلم شيئاً عما بها من الشبهات، أو لا يعلم شيئاً لأن تلك الشبهات قد أضيفت إليها بطريقة صناعية.
وبالتالي فلو أننا تأملنا هذه الحالات بإمعان، فسوف نجد أن الدائرة الشخصية كلها تحت تصرف صاحبها، أما دائرته الاجماعية فإنها لا تكون تحت تصرفه إلا بصفة جزئية، أي في نطاق علمه فقط، إذ لا يمكنه أن يفرض رقابة
стр. 83
على كل علاقاته الاجتماعية في جواره، في الدكان، وقي المقهى، وبين الطلبة إلخ ... حتى إنه يكون من الممكن جدا إضافة علاقة مشتبه بها، أو تعفين علاقة موجودة من قبل في تلك الدائرة، دون أن يعلم صاحبها شيئاً عن ذلك، وقد لا يعلم شيئاً عن ذلك حتى من يحمّل الشبهات ليحملها إلى تلك الدائرة.
فهذا التحليل يبين لنا كيف يمكن، في حالة واقعية، أن يتصرف من هو قائم بهذه العمليات لينتج أولاً، انعكاسات الحرمان في الدائرتين، الشخصية والاجتماعية، ثم كيف يسلطها على دائرة الأفكار.
والتحليل يبين لنا أيضاً، أن الدائرة الشخصية هي، في النهاية التي تتحكم في مشكلة من يقوم بعملية إنتاج انعكاسات وإيحاءات الكف والحرمان: فإن كانت متعفنة بطبيعتها، أو إذا تمكن القائم بالعملية أن يدخل فيها التعفن بطريقة صناعية، فإن إلقاء الشبهات على الدائرة الاجتماعية يكون أيسر، لأنها تجد في التعفن الداخلي، طبيعيا كان أو صناعياً صورة مسبقة في الأذهان تحمل تفسيرات ومسوّغات منطقية مسبقة للشكوك والشبهات، التي يراد إلقاؤها على الدائرة الاجتماعية.
فإذا كان أي خلل أخلاقي في الدائرة الشخصية فإنه يكون أيسر من لعب الصبيان بالنسبة إلى القائم بهذه العمليات، أن يلقي ما يريد من الظلام على دائرة الأفكار في البلاد التي تفقد فيها الأفكار نورها الذاتي، وذلك لأنه يستعين بالشبهات التي يمكنه في هذه الحالة خلقها بكل سهولة في الدائرة الاجتماعية.
ومن هنا ندرك أن اهتمام من يقوم بهذه العمليات، سوف يتعلق أولاً باستغلال التعفن الطبيعي الموجود في الدائرة الشخصية المطابقة للأفكار المقصودة، أو بإنتاج التعفّن فيها بطريقة صناعية، بكل ما لديه من الوسائل إن لم يكن التعفن في طبيعتها.
стр. 84
فما هي تلك الوسائل؟
فلنفرض أنك تعيش بمفردك، بعيداً عن زوجتك وأهلك، ففي مثل هذه الحالة يحاول القائم بالعمليات أن يدخل امرأة في حياتك، ليس فحسب لإحداث خلل أخلاقي في دائرتك الشخصية، ولكن لذلك أولاً، ثم تمهيداً لعمليات أخرى على الدائرة الاجتماعية، حسبما توحي به الظروف، لأن دخول المرأة في الدائرة الشخصية يخلق مسوغات ويمهد السبيل لإيحاءات كثيرة في الدائرة الاجتماعية.
وعليه فسوف ترى في يوم ما أن حسناء شقراء تطرق بابك وتحاول أن تدخل إلى قلبك ولعلها تكون أجنبية، ولكن من أرسلها إلى بابك يعلم أن لك شيئاً من الاهتمام بشؤون الدين مثلاً، فرأى طبقاً لذلك أنه من إتقان الخطة أن يلقن رسولته الساحرة بعض الآيات من الذكر الحكيم، كي تبرهن بها على اهتمامها بالشؤون التي تهمك، ولتجد أيسر الطرق إلى قلبك.
ولكن للقلوب أقفالاً مفاتيحها ليست بيد البشر، وعليه فإن المبعوثة الجميلة المهذبة قد تخيب في مهمتها مثلاً.
فماذا يفعل إذن القائم بالعمليات؟ إنه ربما يرسل إليك هذه المرة ساحرة سمراء، وإن رأى أنها لم تنجح في مهمتها أكثر من الأولى، فربما يرسل ثالثة من نوع آخر، لا تتلو عليك من الذكر الحكيم، ولكنها تقدم لك مثلاً هدية معينة من المصنوعات الضرورية لصاحبة البيت، وبالمناسبة تسألك؟
- هل السيدة صاحبة البيت هنا؟
ربما إنك أيها القارئ الكريم لا تتصور بسهولة، أن مثل هذا السؤال يتصل بالصراع الفكري فالأحسن إذن أن نترك الموضوع.
وفي النهاية، فإذا فشلت هذه المحاولات كلها لإدخال امرأة في دائرتك
стр. 85
الشخصية، فإن القائم بالعمليات سوف يشعر على الأقل بنصف الهزيمة، ولكنه مع ذلك فإنه لا يترك المعركة إذ يبقى له الأمل في دائرتك الاجتماعية.
فلنقدر أن دائرتك الاجتماعية لسبب ما، لا تضم إلا عدداً قليلاً من الصلات يمكن تعدادها كما يلي:
(أ) صلة جوار تشمل زوجين في عنفوان الشباب تكون الزوجة (ف) شقراء مثلاً، وجار فوقك لا تعرفه ولكنه ينصب فوق رأسك (دوشة) لا تعرف في البداية معناها، وربما تكتشفه فجأة يوماً فلنسمه (ج).
(ب) صلة أدبية مع عدد من الطلبة لأنهم يهتمون بالقضايا التي تهمك فلنشر إليهم بـ (ط).
(ت) صلة ودية مع سيدة (م) تكتب في الصحافة التي تكتب فيها أنت، وخاضت مع زوجها المرحوم المعركة ضد الاستعمار.
(ث) علاقة حاجية في دكان تأخذ فيه كل أسبوع جريدة أجنبية فلنشر إليها بـ (د).
(ج) ثم علاقة غير مستمرة بأسرة (ب) تزورها قليلاً مرة في الشهرين أو في الثلاثة أشهر مثلاً.
فإذا أردنا أن نرسم هذه العلاقات في تخطيط فستكون لدينا دائرة اجتماعية على هذه الصورة:
стр. 86
ـ[صورة التخطيط]ـ
ولنفرض بعد هذا أنك تعرف جيداً العنصر (م) وإلى حد ما العنصر (ط)، حتى إنه لا يتطرق إلى ذهنك بسببهما شيء من الريب، ولكنك ليس لديك عن العناصر (ج ف ب د) المعلومات الكافية، بينما مراصد الاستعمار تعلم عنهم كل شيء كما تعلم جهلك أحوالهم.
فكيف يبدأ إذن عمل القائم بالعمليات التي نتحدث عنها؟
فإنه بكل وضوح، لا يمكنه التأثير مباشرة على العناصر (م ط)، ولكنه يمكنه بطريقة غير مباشرة أن يجعل من كليهما، أو من أحدهما أو من بعض عناصر أحدهما مراكز إشعاع الحرمان، دون أن يشعروا، لأنه يمكنه في كل الظروف، أن يستخدم عناصر أخرى خارجة عن الدائرة الاجتماعية وموجودة تحت تصرفه، ليحمل الشبهات إلى العناصر الموجودة فيها، أو إلى بعضها كالعنصر (م) مثلاً، دون أن يشعر هذا ولا أن يشعر صاحب الدائرة، كما أن الذباب يحمل بعض الأمراض إلينا دون أن نشعر بذلك: فعندما تملي الحاجة أن يصبح العنصر (م) مشعاً دون أن يشعر، فيكفي للقائم بالعمليات أن يخلق بينه وبين أحد العناصر
стр. 87
المشبوه فيها صلة صورية، فيقوم مثلاً العنصر المشبوه فيه بزيارة إلى المعهد الذي تدرس فيه (م) فيقدمه إليها أحد معارفها، وفي الوقت الذي تصافحه بالضبط تلتقط صورة، ومن هنا يبتدئ تصرف بسيط ليجعل من (م) مركز إشعاع يشع على دائرتك الاجتماعية الشبهات، دون أن تشعر هي أو تشعر أنت، غير أنه على فرض أن قصة الصورة الملتقطة في معهد، لم تثر الشكوك لديك أول الأمر، إلا أنه قد يحدث شيء خاص يجعلك تدرك فجأة معناها الصحيح في نطاق الصراع الفكري، وذلك حينما ينكشف لك صدفة أن دائرتك الاجتماعية كلها قد أصبحت مركز إشعاع موجه إلى دائرة أفكارك.
ولهذا التحول الغريب شروط فنية خاصة ليس هنا موضوع الحديث عنها، لا يتحقق بدونها تركيب الجهاز كله وتشغيله، ولكن فلنترك هذا جانباً تجنباً للإطالة في غير مكانها، وإنما سنذكر في الفصل المقبل الشروط العامة التي تجعل مثل هذه العمليات متيسرة في البلاد المستعمَرة، غير أننا لا نترك هذا الفصل قبل أن نوضح للقارئ ولو بصفة عابرة، نقطة تتضمن زبدته إلى حد ما: فماذا تفعل أنت حينما تكشف لك الصدفة الخطة الجديدة التي تضمنها هذا الفصل؟
إنك سوف تجد نفسك مضطراً بطبيعة الأشياء، إلى أن تحطم دائرتك الاجتماعية، حينما تشعر أنها أصبحت مركز إشعاع خطير موجه إلى أفكارك، إذ لم يبق أمامك إلا أن تفصل عنك كل العناصر، التي تتركب منها تلك الدائرة أو تنفصل أنت عنها.
وإذا حدث هذا، وبوغت القائم بالعمليات بتحطيم الجهاز الدقيق الذي ركبه في دائرتك الاجتماعية، فكيف تتصور أنه سيرد الفعل؟
إنك لست في الموضوع إذا تصورت أن الاستعمار يترك معركة، علق عليها شيئاً من الاهتمام وبذل فيها شيئاً من الجهد- لأنه رأى، في ظروف معينة، أن
стр. 88
لابد أن يوقف بعض الأفكار عند حدها- لست في الموضوع إذا تصورت أنه سيقف مكتوف الأيدي لأنك باغته بمبادرة لم يكن يتوقعها.
وإذن ماذا سيفعل؟
إنه بكل بساطة سيحاول تدارك الموقف بكل ما يتوافر عنده من الوسائل المادية والفنية. إنك حطمت جهازه، نعم، ولكنه يمكنه أن يرتقه إلى حد ما حتى تستمر المعركة إلى النهاية التي قدرها.
وإذن كيف يفعل؟
إنه سيحاول التعويض عن الدائرة المحطمة بدائرة ملفقة، يركب فيها عناصر مشبوهة لا تعرفها، وبما أنك لا تتصل بها أنت فسوف تتصل بك هي في كل مكان تكون فيه، تتصل بك، أو بصورة أدق، تبدي أنها تتصل بك: فهذا مثلاً رجل يركب الأتوبيس الذي ركبت فيه، وتلاحظ أنه يتظاهر بأنه يعرفك، دون أن يحدثك، فهو كأنما يومئ إليك بشيء في نظره، وحينما تنزل أنت في المكان الذي قررت النزول فيه، تفاجأ بأنه نزل وراءك، ولم يبق إذن أمامك إلا التعلق فوراً بالأتوبيس الذي وضعك على الرصيف، إن لم يكن فاتك .. وهكذا يبقى الرجل على الرصيف مشدوهاً لفساد خطته.
وتستمر المعركة هكذا، بمثل هذه التفاصيل الغريبة.
هل هذا كل شيء، وكل ما يقال في هذا الفصل؟ فإذن تبقى فائدته معلقة.
قد بينا في الفصل السابق أن تطبيق المبدأين- اللذين يكونان أساس الصراع الفكري، بالنسبة للاستعمار- يهدف إلى إقصاء المكافح عن ميدان المعركة، وفصله عملياً وروحياً عن القضية التي يكافح من أجلها.
стр. 89
يجب إذن أن نبين كيف يصل الاستعمار أو يحاول الوصول إلى هذه الغاية، في نطاق التجربة الجديدة التي يصفها هذا الفصل.
إننا تناولنا الجانب التحليلي ولم نعط الجانب العملي كفاية من التوضيح:
إننا قدمنا أن الاستعمار يريد أن يعزل عملياً من يدخل حلبة الصراع الفكري ضده، وفصله عن القضية التي دخل من أجلها في المعركة، أو على الأقل يحاول فصله عنها معنوياً بالوسائل النفسية المناسبة.
ولكن إذا قررنا أن الاستعمار يعرف الغايات لأنه هو الذي حددها، فهذا لا يعني أنه يعلم مسبقاً طوارئ الطريق.
وعليه فالقضية تتضمن، بالنسبة له احتمالين:
أولهما، هو أن لا يطرأ في الطريق شيء يخالف بصورة ما الأمر الذي بيّته، فتسير الأمور حسب تقديره إلى النهاية، أي إلى أن يجد المكافح نفسه في شبكة، بعض خيوطها من مكر الاستعمار وبعضها من بلادة القابلية للاستعمار، وبذلك سيجد نفسه مفصولاً فعلاً عن القضية.
والاحتمال الثاني هو أن يحدث طارئ في الطريق يغير وجه المعركة، لأنك شعرت فجأة بأن عمليات خطيرة تجري على دائرتك الشخصية ودائرتك الاجتماعية، فيتبين لك على ضوء تجربتك، معنى هذه العمليات في مصطلح الصراع الفكري في البلاد المستعمرة.
وربما يحدث هذا الطارئ من جراء هذه العمليات ذاتها، عندما يخطئ الاستعمار في تقدير بعض تفاصيلها رغبة في التعجيل مثلاً، فتؤدي به رغبته إلى الخطأ، كي يحقق قوله : ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٤/ ٧٦].
ويتغير فعلاً وجه المعركة لأن الكاتب سيقوم بردود أفعال.
стр. 90
ولو تتبعنا، منذ هذه اللحظة، المعركة في صورتها الجديدة، لحصلنا على تفاصيل أخرى تثري معلوماتنا عن الصراع الفكري.
فما ردود الأفعال التي يستطيع أن يقوم بها الكاتب، عندما يكتشف فجأة أنه قد أصبح موضوع عمليات الكف التي أشرنا إليها في هذا الفصل؟
وما أثرها من الناحية الموضوعية ومن الناحية الشكلية في تعديل خطة الاستعمار، منذ أن يصبح في مواجهة ردود أفعال لم يكن ينتظرها؟
إن المكافح الذي يكتشف فجأة الأحبولة التي تهدد أفكاره، سيسرع أولاً إلى تحطيم دائرته الاجتماعية كما قدمنا، كي ينتزع من أيدي الاستعمار الأداة التي يستطيع بها القيام بعمليات الكف. ولقد رأينا أن الاستعمار في مثل هذه الحالة، يرد الفعل نفسه بمحاولة إنشاء دائرة اجتماعية ملفقة حولك، لأنك حطمت الدائرة السابقة، فيبدأ هكذا دوراً جديداً، وإذن ستشعر بأن يداً سوداء تنسج حولك ظروفاً غامضة، في كل مناسبة تضطرك إلى الخروج؛ فمثلاً عندما تركب الأتوبيس تجد نفسك مع راكب أجنبي يقوم بكل وضوح بدور (المعرفة المورطة) فيظهر ويخفي، في آن واحد، أن بينك وبينه علاقة، لا يمكنك أن تنفيها، لأن الرجل لم يقل كلمة واحدة، وإنما تكلم بطريقة الإيحاء، حتى تكون أي محاولة من طرفك لإيقافه عند حده، محاولة غير قانونية تعرضك لضحك الناس منك.
وتجري المعركة هكذا بمثل هذه التفاصيل، فتكون يوماً على رصيف في انتظار (الباص)، وإذا سيدة أقرب إلى الكهولة منها إلى الشباب، وعليها ملامح الأناقة الخاصة بالسيدات اللائي احتككن كثيراً بالحضارة الغربية، تسألك عن الطريق بلغة عربية تشعرك لهجتها أنها أجنبية، وتدخل فعلاً معك في الحديث، فتشعرك أنها تسافر كثيراً، وأنها آتية من تركيا واليونان، وأنها
стр. 91
مسلمة، وأنها تقضي صلاتها في جامع كذا، ثم تسألك هل أنت مسلم؟ وهكذا يتسع الحديث، وفي النهاية تسألك عن كتاب هو أحد كتبك وأنت لم تشر بنصف كلمة إلى شخصيتك كاتباً.
ولا يستطيع من له بعض التجربة في هذا الموضوع، أن يفسر هذه المحاورة الغريبة على أنها مجرد مصادفة كلامية، ومن طرف هذه السيدة الأنيقة، التي أتت تسأل عن طريقها فقط.
ومما يزيد في ريبتك هو أنك خلال حديثك مع السيدة، قد لاحظت أن عدسة تصوير بدأت تستعد على الرصيف الآخر، لالتقاط صورتك مع هذه السيدة التركية اليونانية.
فلا يبقى شك في ذهنك بأنك في فصل من فصول الصراع الفكري، وأن وراء حديث السيدة عن صلواتها وأسفارها وعما كتب عن القرآن، وراء كل هذا غاية أخرى.
أي غاية يا ترى؟
إنه سؤال يبقى للأسف بلا جواب، لأنك لا تعلم الغيب، وليس لديك من وسائل المعرفة والوصول إلى الحقيقة إلا التفسير والتأويل على ضوء تجربتك ... وهذا الطريق غير معصوم من الخطأ إن لم تسنده وسائل أخرى ليست في يدك ...
ولا يبقى لك إذن لمواجهة هذه المحاولات- التي تفهمها، دون أن يقنعك فهمها لا يبقى إلا رد فعل واحد: أن تلزم بيتك ولا تخرج منه إلا عند الضرورة القصوى ...
وتشعر إذن أنك الفرد الذي يواجه الجهاز الضخم، أنك الإنسان المركب من
стр. 92
لحم ودم، أمام الآلة الدقيقة المركبة من حديد وفولاذ، ويتحقق أمام عينيك المعنى الذي خطر ببالك يوماً ما، عندما أودعت في مذكراتك أنك ((الذرة التي ألقت بنفسها بين قوى هائلة تتصارع في العالم ... وأن الذرة إن لم تحطم، فهي معجزة ... )).
هذا وجه الصراع، أو بعض ملامحه من الناحية الموضوعية، ولكن ما صورته من الناحية الشكلية؟
إن الفرد الذي اكتشف فجأة أن عمليات حرمانية تجري على دائرته الاجتماعية، قد يقرن تاريخ هذه العمليات بالحدث الذي لفت نظره إليها لأول مرة، فيصبح هذا الحدث في ذهنه هو بداية العمليات ...
ثم تأتي الأيام بمزيد من المعلومات، فتكشف عن أن الحدث السابق، ليس هو البداية وإنما هو من طوارئ الطريق الطارئ، الذي لم يقدره القائم بالعمليات تقديراً محكماً، حتى استطاع أن يلفت به نظر من تجري على حسابه هذه العمليات، فيكشف هذا الأخير أو يرى على ضوء المعلومات الجديدة، أن الصورة الأولى التي أخذها عن القضية، وإن كانت صحيحة من الناحية الموضوعية، ليست صحيحة من الناحية الشكلية، إذ أن الحدث الذي كان يرى فيه بدايتها ما كان في الواقع إلا طارئاً من طوارئ الطريق ..
وربما تأتي الأيام بمعلومات أخرى، فتكون نتيجتها من الناحية الشكلية، صورة جديدة للقضية في ذهن من يعيش هذه التجربة ...
والآن لو فرضنا أن هذا الرجل ليس لديه، للوصول إلى الحقيقة إلا وسائله الشخصية،- وسائل الفرد أمام الجهاز الضخم، وسائل الإنسان المركب من لحم ودم أمام الآلة المركبة من الفولاذ، وسائل الذرة المقحمة بين قوى هائلة- لو فرضنا أنه أراد أن يرفع القضية، في صورتها الأولى مثلاً، أمام مجلس أرواح استحضره، كي يصدر حكمه فيها ... ماذا سيحدث؟
стр. 93
إن الاستعمار لا يفقد، في أي حال من الأحوال حق الدفاع عن نفسه، ولا يفقد وسائل الدفاع طبعاً ...
إنه من دون شك سيكون في أحد الاحتمالين:
أولهما هو أنه يعلم أنه في المرحلة التي أثيرت فيها القضية، لم يكن لأحدى علم بالعمليات إلا عند من هو قائم بها، وعند الذي اكتشف فجاة أنها تجري على حسابه.
ففي هذه المرحلة يكون تصرف الاستعمار من أبسط ما يكون: إنه يوقف العمليات، ويدخل إصبعه في الظلام ويقول: إن صاحبكم الذي رفع علي هذه القضية مصاب بالوهم والخيال، فاتركوه إلى حاله حتى يرجع إليه رشده.
ولا يقول هذا جهراً وإنما يهمس به همساً، ويوحي به إيحاء على عاداته وطريقته.
وثاني الاحمالين هو أن تثار القضية، في مرحلة لا يمكن للاستعمار فيها أن يبني دفاعه على أساس البراءة. ولكنه يعلم بطريقته الخاصة أن الرجل الذي أثارها، لا يعرف بالضبط بدايتها، وليس في يده وسائل الوصول إلى معرفتها معرفة قد تكون معها الصورة التي عرض فيها القضية على مجلس الأرواح صحيحة من الناحية الموضوعية، ولكن غير صحيحة من الناحية الشكلية، إذ فيها خطأ من جهة تحديد البداية.
وإذن فسوف يستغل الاستعمار هذا الضعف، فيقوم بما يسميه أهل القانون بـ (دفع شكلي) لينقض الدعوى، لا من حيث محتواها ولكن من حيث صورتها، وهذا بالضبط منطق إبليس بعد أن أتم تعليمه في مدرسة القانون الروماني التي تهتم بالشكليات أكثر من الموضوع.
стр. 94
هذه هي الصورة العامة لتجربة معينة خصصنا لها هذا الفصل، كي نبين للقارئ أن الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، يجدد بجانب من جوانبه وبصورة ما، الأسطورة الشهيرة التي يصف فيها أفلاطون، بطريقة رمزية الحالة الغريبة التي يكون عليها بعض الناس، حينما يتصورون الواقع، حسبها يصور لهم لا طبقاً لحقيقته؛ فهم يعيشون في نظر الفيلسوف العتيق، في قعر غار، ملتفتين إلى جدرانه قهراً، فلا يرون سوى الأشباح المتحركة عليه دون أن يفكروا أنها الأشخاص يأتون ويذهبون وراء ظهورهم، وأن ناراً أوقدت بين باب الغار وأولئك الأشخاص هي التي تلقي ظلهم في صورة أشباح متحركة على الجدران، ودون أن يشعروا خاصة، أن الحقيقة ليست في تلك الصور الوهمية، ولا في النار التي تصورها لأبصارهم المسحورة، بل هي خارج الغار، في ضوء النهار، تحت الشمس الساطعة ...
ولو عاش أفلاطون في زماننا لأتيحت له الفرصة أن يضيف لأسطورته صوتاً يتخافت ويهمس همساً: صوت الملقن أو المفسر الذي يدلي بالتفسيرات، أو بوجه أدق يدلي بالإيحاءات المناسبة لأصحاب الغار ليزيد في خبالهم خبالاً.
ويكون بذلك وصف حالتنا حينما يبدي لنا الاستعمار ما يريد من الصور الوهمية، ويصف لنا الأشياء كيفما يريد بصوت المتخافت. ومهما يكن من الأمر فإننا نستفيد مما قدمنا، أن الاستعمار إذا حاول وخاب مرة أولى، وثانية وثالثة إلخ فإنه مستمر على الرغم من ذلك في طريقه، مصرّ على خططه ...
وقد نعجب من هذا ونتساءل لماذا يصر؟
والجواب هو أن الاستعمار يعلم بكل تأكيد، أن الرجل الذي دخل المعركة هكذا، في جبهة الصراع الفكري، ليس بيده كل ما يتمنى من وسائل الدفاع، وأن ردود أفعاله ستكون محدودة بالضرورة، والظروف السياسية ذاتها قد تحدها
стр. 95
أحياناً، وعليه ليس في مواصلة العمليات التي وصفنا بعضها أي خطر بالنسبة لمن يقوم بها، لأن الاستعمار يعرف كما بينا، خريطة الأرض التي تجري عليها، وإنه أمن جميع طرقه ...
وبالتالي فإنه يقدر على ضوء معرفة دقيقة في هذا الميدان، أن اسقراره في خططه بعد المرة الأولى والثانية والثالثة إلخ، سوف يؤدي إما لفصل المكافع فصلاً عملياً عن القضية التي دخل من أجلها في المعركة، وإما أن يفصله عنها معنوياً عندما يصور له عبث تلك الذرة التي تريد أن تحطم الجبل.
هذا ما يريد وما يقدر الاستعمار، ولكن الأمر ليس بيده ولا بيد أحد إنه بيد من يقدر الأشياء تقديراً فتسير الذرة ويسير الجبل حسب تقديره.
***
стр. 96
الفصل الرابع
مظاهر أخرى للصراع الفكري
ــ
إننا بيّنا في الفصول السابقة كيف يركب الاختصاصيون المشرفون على الصراع الفكري أجهزة خاصة لتحطيم الأفكار، كما يركب العلماء المختصون في علم المواد المشعة أجهزة لتحطيم الذرة.
وقد تعرضنا ونحن في الطريق إلى حالات كشفت لنا عن بعض أسرار الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وعن الشروط الاجتماعية- النفسية التي يجري على مقتضاها هذا الصراع.
ولكن حالات أخرى بقيت، لاشك، في الظلام، إما لأننا نجهلها تماماً، على الرغم مما يكون فيها من الدلالة والفائدة، وإما لأننا أغفلناها في الفصول السابقة بمقتضى الترتيب الذي يفرضه الموضوع، بينما لاشك بأننا لو تناولناها، وأمكن ذلك، لكشفت لنا عن حقائق أخرى تدل على قوة جهاز الاستعمار في هذا الميدان وعلى إحكام خططه، وربما دل أيضاً بعضها أحياناً، بصورة غير منتظرة على ضعف غير متوقع في هذه الخطط، يشعرنا بمصداق الآية الكريمة: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٤/ ٧٦].
فعندما نتناول فصلاً من الصراع الفكري، تعترضنا حالات تدل فعلاً على أدق قوة الاستعمار في الوسائل يتخللها أحياناً ضعف في التفكير، يجب أن نعيره أيضاً بعض الاهتمام، كما نهتم بالعناصر التي تدل على قوته.
стр. 97
فعلى سبيل المثال ليتصور القارئ أنه دعي يوماً ليحاضر، وأنه اختار إحدى مشكلات البلاد الإفريقية الآسيوية موضوعاً لمحاضرته.
فمن المعلوم على ضوء ما قدمنا أن موضوعاً كهذا جدير بأن يثير اهتمام مراصد الاستعمار، فوق أي موضوع آخر، لأنه يتصل بالمشكلات التي تناولها، مباشرة أو ضمناً مؤتمر باندونج، أي بالمشكلات التي تكوّن أهم نشاط سياسي في منتصف القرن العشرين، وأهم مركز للتفكير الاجتماعي في عصرنا.
وعليه فنكون من البسطاء إن لم نقدر مبدئياً أن المراصد المختصة ستكون، بصورة أو بأخرى، على أهبة القيام بمهمتها، وهذا من بديهيات الصراع الفكري في البلاد المتخلفة، ثم نجد فعلاً في صحافة اليوم الذي يلي المحاضرة تعليقاً طويلاً على موضوعها، دون أن يذكر اسم المحاضر مرة واحدة، أو يذكر أنه تعليق على محاضرة معينة، وإنما يقوم صاحب هذا التعليق بدور تمثيلي، شاهدنا أدواراً مثله في الطريق، خلال التجربة الطويلة، فنراه يفور غضباً على موضوع المحاضرة، فيستخف صاحبها الذي يتناول موضوعاً سخيفاً كهذا إلخ ... ثم يتنازل ويعطف على هذا الغبي، فيتبرع عليه بالحقيقة التي لم يهتد إليها في محاضرته غير الموفقة، فهذا دور كامل بجميع تفاصيله من الأدوار التي يخصص لها الاستعمار بعض الممثلين.
فلو كان ليد الاستعمار رائحة لاكتشفنا بعض الحقائق الخاصة بالصراع الفكري دون أي جهد لعقولنا، ولاكتشفنا مثلاً أن الظروف التي أحاطت بمحاضرة كهذه كانت كلها تعبق بهذه الرائحة، منذ توجيه الدعوة إلى المحاضر، إلى ظهور التعليق الصحافي الغريب على المحاضرة نفسها ...
وليس في هذا كله أية غرابة، إنه الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ...
ومهما يكن من أمر، فإن غرضنا في هذا الفصل الوصول، بقدر الإمكان، إلى بعض الحقائق التي لم نصل إليها في الفصول السابقة.
стр. 98
وقد تكون الحقيقة التي نصل إليها متصلة بجانب واقعي، أي إننا نستخلصها من سياق قصة تتضمن سلوكاً معيناً، يكشف لنا عن ضعف خلقي في مجتمعنا، أو تكون متصلة بجانب نظري، عندما نستنتجها من سياق منطقي، يتضمن طريقة تفكير معينة، تكشف لنا عن ضعف في جهازنا الفكري.
وأحياناً يكشف لنا الواقع الذي نقف عنده جانبي الضعف في وقت واحد: قد نذكر مثلاً كيف تتصرف جريدة، تصدر تحت شعار العلم والدين، حينما يرسل إليها أحد بمقالة في موضوع اجتماعي يتصل بصفته توجيهاً عاماً بالحياة السياسية، فإذا بنا نرى الصحيفة العلمية الدينية تجزئ المقالة المذكورة إلى نصفين، فتنشر النصف الأول، ثم لا تنشر النصف الثاني إلا بعد أسابيع، أي عندما لا يبقى أثر ما نشر من الأول في الأذهان، ولا يبقى للقارئ فرصة يشعر معها بوحدة الموضوع ويدرك معناه في حدودها، وحتى تفوت بالتالي، على القارئ الفائدة التوجيهية التي قدرها صاحب المقالة هدفاً لمقالته.
فقصة كهذه، زيادة على أنها تعرض إلى تأملنا اعتبارات واقعية تتعلق بسلوك أفراد، يستغلهم الاستعمار في بعض ظروف الصراع الفكري، فإنها تضعنا من ناحية أخرى، أمام اعتبارات نظرية ذات أهمية تتعلق بحياة الأفكار الخاصة ذاتها، بوصفها كائنات حية مستقلة، تؤدي وظيفتها بنفسها طبقاً لفعاليتها الخاصة، كما تتعلق بالفكر بصفته أداة تنسيق وتركيب للأفكار حتى تؤدي وظيفتها.
وعليه فالجانب النظري في موقف صحيفة كالتي سبق ذكرها يجب أن يثير اهتمامنا كله.
إننا تحدثنا فيما سبق عن النزعة (الذرية)، النزعة التي تجعل كما بينا تفكيرنا عاجزاً عن ضم مجموعة من الأفكار في اطراد واحد طبقاً لتسلسلها، ضماً يحول بين
стр. 99
عقلنا وبين تتبع الفكرة في حركتها المنطقية؛ ولهذه النزعة في الميدان السياسي يرجع سبب تحطيم وحدة المشكلات العضوية وتجزئة الحلول، حتى تصبح السياسة العاطفية، وهي التعبير عن التفكير (الذري) في الواقع المحس، تصبح تلك السياسة عاجزة عن صياغة حكم صحيح على ذلك الواقع، لأن الحكم يفترض قاعدة يجب الرجوع إليها، ومقياساً تقاس به الأمور! أي يفترض تركيب مجموعة أفكار وتنسيقها، أعني أن (الحكم) يفترض عمليات ذهنية لا تتفق مع التفكير الذري.
والشيء المؤسف في مثل هذه الحالة هو أن المرض له تأثير عكسي أو متبادل، فعندما تصبح السياسة عاجزة عن صياغة الحكم اللائق عن واقع البلاد، تصبح البلاد عاجزة عن صياغة الحكم الموفق في توجيه سياستها وفي تعديلها إذا انحرفت.
فلو أننا حللنا بعض الحالات السياسية التي نتجت في البلاد الإسلامية على أثر الحرب العالمية الثانية، فسنخرج حتماً بنتيجة هي أن الذين قادوا الشعوب إلى الكوارث الكبرى، لم يكونوا من المحترفين العاديين الذين يسيرون في ركب الاستعمار على مرأى العيون، بل هم على العكس من ذلك، رجال مكرمون، مرفوعون على منابر الزعامة وكراسي الحكم: رجال وضعوا في حرم أوطانهم مواضع (الأبطال) وبنيت لهم الأضرحة الفخمة أو هم بنوها من أموال أوطانهم قبل أن يبرحوا الحياة الدنيا.
ليس في إمكان أي مؤرخ اجتماعي أن يقدر تقديراً صائباً الكارثة التي حلت بالعالم الإسلامي، يوم تأسست دولة باكستان، ولكن نستطيع من الآن أن نقول إنها غيرت مجرى تاريخ الإسلام في آسيا لعدة قرون، وحينما نحلل هذه الكارثة بصفتها حادثاً سياسياً يتصل بطبيعة الحال بطريقة تفكير معينة، نرى أن فكرة (باكستان) هي أبرز صورة تظهر فيها النزعة (الذرية) بكل وضوح.
стр. 100
فهي بصفتها فكرة، تكوّن في حد ذاتها حالة جديرة بالاهتمام في دراسة كهذه، لأنها تكشف لنا جانباً من الصراع الفكري لم نقف عنده في الفصول السابقة، إذ أننا لم نتناول الموضوع حتى الآن، إلا من جانب سلبي، أي إننا تعرضنا إلى الحالات التي تكشف لنا، كيف يرسم الاستعمار خطته كي يحطم أفكاراً معينة، أو كيف يسد أمامها الطريق حتى لا يتركها تصل إلى وعي الجماهير.
أما الحالة التي نتناولها هنا فإنها تكشف لنا عن جانب إيجابي، أي تكشف لنا هذه المرة، كيف يخلق الاستعمار الأفكار المناسبة لمصالحه، وكيف يغذيها في وعي الجماهير، ويروجها في أسواق السياسة العاطفية.
إن فكرة باكستان من هذا الإنتاج: فكيف استطاع الاستعمار أن يحقن بها ضمير المسلمين؟.
إنه من الواضح أن القضية تتصل بجوانب الضعف في هذا الضمير، أي بمجموعة الاستعدادات التي أطلقنا عليها، في دراسة أخرى، القابلية للاستعمار، كما تتصل من ناحية ثانية، بفن الاستعمار في خلق الأسطورة.
فربما أعطانا عرض هذه القضية على أنها مجرد حادث من حوادث التاريخ السياسي في القرن العشرين فرصة لإضافة بعض الملاحظات للموضوع، لأن خلق فكرة باكستان من أهم الحوادث السياسية التي تتجلى فيها جوانب ضعفنا وفنية الاستعمار.
لسنا في حاجة إلى أن نتناول أصول الفكرة البعيدة التي تمتد إلى حوالي سنة ١٩٠٦، حينما أعلنت مراصد الاستعمار الإنجليزي ظهور فكرة جديدة في أفق السياسة الإمبراطورية في ذلك العهد، تلك الفكرة التي كانت تتمثل في صورة جبهة وطنية معادية للاستعمار، تكونت في الهند على يد الزعماء الذين كانوا يخوضون المعارك التحريرية الأولى مثل متيلال نهرو، والد رئيس الحكومة الهندية السابق.
стр. 101
ولكنا سنتناولها حين كانت على وشك التحقيق، في صورة مشكلة سياسية ملحة، أعني في الملابسات الدولية التي خلقتها الحرب العالمية الثانية.
إن من الواضح أن هذه الحرب قد خلقت تصميماً عالمياً جديداً، وانتهت إلى توزيع جديد للقوى في العالم، ولم تكن السياسة الإنجليزية متسمة بطابع العاطفة، حتى تنسى أنها ملزمة بمواجهة هذه الحالة الجديدة.
فعلينا إذن أن نتصور هذه الضرورة السياسية، حينما تدخل الدور العملي التطبيقي في تخطيط يشرف عليه رجل مثل تشرشل، إنه يجب أولاً أن نتصور القضية كما يتصورها هذا العملاق السياسي، أي أن نضع المشكلة كما يضعها هو في مصطلحات (القوة) كي نفهم الحل الذي وضعه لها.
وتشرشل لم يكن بكل تأكيد، آخر من قرأ، من رجال الدولة الإنجليزية، المحاضرة الشهيرة التي ألقاها السير جون هالفورد وتناول فيها موضوع (القاعدة الجغرافية للتاريخ)، كما أنه لم يكن بكل تأكيد أيضاً الرجل الذي لا يحسم أية مشكلة سياسية ذات أهمية معينة، دون أن يلقي أولاً نظرة على الخريطة الجغرافية.
وعلى هذا، ففي سنة ١٩٤٥ وجدت إنجلترا نفسها مضطرة إلى حل مشكلة الهند، في وضع دولي غيرته الحرب العالمية الثانية تغييراً شاملاً، حتى لم يعد أي حل صالحاً لحسم هذه المشكلة، إذا لم تستمد عناصرها كلها من الواقع العالمي الجديد، إذا لم يراع فيها ما تمليه خريطة التوزيع الجديد للقوة في العالم.
وهذا الواقع العالمي الجديد يفرض، أولاً وقبل كل شيء استقلال الهند، على أنه ضرورة تمليها الظروف القاسية بالنسبة للاستعمار، التي نتجت عن الحرب، ولكن هذه الظروف نفسها وضعت انجلترا أمام (مشكلة القوة)، لابد من حلها في ملابسات دولية جديدة على أي صورة، فكان عليها إذن أن تأخذ في حسابها، ثلاثة عوامل في سياق واحد:
стр. 102
١ - تطور ست مئة مليون صيني على حدود البلد.
٢ - تطور أربع مئة مليون، تمثل مجموع الشعب الهندي.
٣ - تطور الجماهير المسلمة الموزعة على خريطة آسيا.
وهذه الحشود من البشر تكون، في نظر رجل سياسة مثل تشرشل، يخضع تفكيره إلى مبدأ الفعالية ومنطق القوة، قوات هائلة لابد من تضعيفها أو توجيهها أو تحطيمها.
وكان حل المشكلة الأولى يبدو، خلال السنوات التي تلت الحرب مباشرة، كأنه قد تحقق فعلاً في شخص تشانج كاي شيك، فقد كان توجيه الشعب الصيني على يده شيئاً ممكناً. ولكن سرعان ما ذهبت التطورات السياسية في البلاد بهذا الحل إلى ظلمات التاريخ، وبدت هذه المشكلة في صورة جديدة بالنسبة للمنطق السياسي الذي يطبقه تشرشل، إذ يجب أن يفكر الآن كيف يبني على حدود الهند، سداً للحد من انتشار الشيوعية الصينية في شبه القارة وفي جنوب شرق آسيا. بينما لا يمكن أن يكون هذا السد سوى استقلال الهند، حتى لا يبقى للشيوعية تأثير على الشعور الوطني في الهند، ولا تبقى - في حالة نشوب حرب عالمية ثالثة- جاذبية خفية، كالجاذبية النازية التي أثرت قليلاً أو كثيراً، على الشعوب المستعمرة خلال الحرب العالمية الثانية.
وهنا تواجه إنجلترا المشكلة الثانية: فعندما تستغل الهند بملايينها الأربع مئة، تصبح قوة من الدرجة الأولى في آسيا (١).
فيجب إذن التوفيق بين استقلال الهند، بصفته ضرورة في التخطيط السياسي العالمي الجديد وبين ضرورة إضعاف قوتها.
стр. 103
فكانت فكرة باكستان ثمرة هذا التوفيق، أي إنها الحل المناسب للمشكلة الثانية التي كان على تشرشل أن يحلها، غداة الحرب العالمية الثانية، في نطاق استقلال الهند. ولكن إذا كانت الفكرة تحددت مبدئياً فيما يبدو في نطاق المشكلة الثانية فإنها تتخذ صورتها الكاملة في نطاق المشكلة الثالثة، أي بالنسبة إلى مصير الجماهير المسلمة التي يحتمل أن تكوّن في الهند وفي جنوب شرق آسيا قوة هائلة، إذا تابعت سيرها على الطريق الذي تسير عليه منذ انتشار الإسلام هناك.
فكما أن استقلال الهند كان في الواقع سداً في وجه الشيوعية ليحد من انتشارها، فكذلك كان تأسيس دولة (باكستان) سداً وضع ليحد من انتشار الإسلام في الهند، حتى لا تنشأ (قوة) إسلامية في شبه القارة، نظراً إلى أن كل ما يضعف مركز الإسلام في الهند يضعف إشعاعه في آسيا وبالتالي في العالم.
إن هذه التفاصيل تدخل كلها في الحسبان في عملية سياسية معقدة، وفي عملية ذهنية واحدة يقوم بها رجل سياسة مثل تشرشل، حينما يفكر في مشكله معينة تتضمن التوزيع الجديد للقوى في العالم.
ومن هنا تبدأ فكرة باكستان التي تهمنا بصفتها قضية فكرية في نطاق الصراع الفكري، لأننا نرى الاستعمار يحقنها في الضمير المسلم بسهولة نادرة.
إننا رأينا كيف قدر الاستعمار الحلول لمشكلة سياسية معينة، طبقاً لمبدأ توزيع القوى المناسب لمصالحه.
ونحن هنا نرى في الواقع أن الاستعمار يأتي بهذه الحلول، وهو يلقي نظرة على الخريطة الجغرافية التي سترسم على سطحها، ونظرة أخرى على الخريطة النفسية للعالم الإسلامي الذي سيستقبل تلك الحلول بالتهليل والتكبير.
وهو في نظرته الأخيرة هذه إنما يكشف النزعة الذرية: أي النزعة التي تجعلنا لا نتصور قضية سياسية في صورتها الحقيقية، لأننا لا نجمع عناصرها في
стр. 104
عملية ذهنية واحدة، ولا نرتب تفاصيلها في سياق واحد.
فعندما فكر تشرشل، على أثر الحرب العالمية الثانية، في قضية التوزيع الجديد للقوى في العالم، نراه يدرس في الواقع ثلاث مشكلات أشرنا إليها، لم تر قيادتنا السياسية في كل هذا إلا مظهراً واحداً، هو تأسيس دولة باكستان، طبقاً للميول العاطفية المستولية على الخطة السياسية في بلادنا وطبقاً للنزعة الذرية المستولية على العمليات الفكرية عندنا.
وهكذا فعندما يحطم الاستعمار فكرة معينة، مثلاً كتلك المقالة التي مزقتها الصحيفة العلمية الدينية التي أشرنا إليها، نرى الفكر عندنا عاجزاً عن جمع شتاتها، في عملية ذهنية واحدة تعيد إليها وحدتها ومغزاها (١)، نراه عاجزاً أيضاً وللسبب نفسه عن اكتشاف التزييف عندما يخلق الاستعمار فكرة مزيفة ليروجها في سوق السياسة العاطفية.
وهذا العجز في الاتجاهين، ليس من طبيعة الفكر الإسلامي كي يزعم المستشرق جيب؛ ولكن من أثر التطورات التاريخية التي اعترته مند عهد ما بعد الموحدين، وخاصة، منذ عهد الاستعمار والقابلية للاستعمار، فسلبته ميزات العقل الذي شق طريق الحضارة الإسلامية ومهد سبيل الحضارة الحديثة ...
وهكذا كلما سلب العقل ميزاته، وفقد المقاييس التي تهديه السبيل، كانت الكوارث السياسية على الأبواب، واستطاع الاستعمار أن يحقق أهدافه ضد الأوطان والأديان، تحت شعارات مقدسة كـ (إسلام) و (وطن).
وها نحن أولاء، بعد عشر سنوات تقريباً، نرى أن المسلمين الذين كانت دعوى إنقاذهم أساساً لفكرة باكستان، يرون أن منقديهم شتتوا شملهم وبددوا
стр. 105
قوتهم، ومزقوا وحدتهم وصيروهم أقلية حقيقية، بدعوى أنهم لا يريدون أن يتركوهم في وضع أقلية وهمية، ومما يزيد في العار وفي فضيحة الموقف وفي خزي السياسة العاطفية، أن نرى سخف المنطق الذي سارت على هديه القضية حيث قلنا، تأييداً لها، أو سمعنا من يقول، تدعيما لبرهانها: نعم إن المسلمين يأكلون البقرة والهندكيين يعبدونها، فلا يمكن أبداً أن نجمع بين طائفتين هذا شأنهما.
ولو استطاعت البقرة النطق لقالت: ما بال القوم لا يتركونني وشأني، مع من يعبدني ومن يأكلني.
ولكن للأسف إن القيادة السياسية التي قادتنا في معركة فلسطين، وفي تقسيم الهند لم تكن من نوع البقر ... وإلا ما كان يستطيع تشرشل أن ينفذ خطته ولا الاستعمار أن يحقق أهدافه.
وها نحن أولاء مضطرون في النهاية إلى تسجيل حقيقة مرة مثلما سجلها التاريخ: فعلى اعتبار أن فكرة باكستان كانت في عقولنا دواء لحالة مسلمي الهند، فيجب أن نعترف أن الدواء كان شراً من الداء.
ولكن مما يسلينا ويواسينا هو أن القواعد والمقاييس المنطقية قد تغيب، أحياناً حتى في البلاد التي نتلقى منها الدروس.
لقد رأينا منذ أسابيع، موجة استنكار تكتسح العالم بسبب حكم أصدرته السلطات الاستعمارية في الجزائر على فتاة جزائرية. وإننا نشارك طبعاً في هذا الاستنكار حينما نرى أبرز الشخصيات السياسية تحني الرأس تقديراً للرأي العالمي، ونحن أيضاً نحني الرأس أمامه، ولكن أليس من حقنا أن نسأل أنفسنا لماذا هذه الصحافة التي هزتها الموجة التي نشير إليها، كما اهتزت أيضاً لقضية الكردينال مندزنتي ولقضية مكاريوس، لم تحرك ساكناً بشأن فضيلة الشيخ العربي التبسي، حينما اختطفته اليد السوداء من بيته في الجزائر فغاب حتى الآن خبره.
стр. 106
إن مشكلة المقاييس لها حتماً دورها في جميع البلاد، وفي سائر الميادين، والواقع يدلي لنا أحياناً بالبرهان: فمثلاً، بمناسبة معرض الرسم في لوس انجلوس، منذ شهر (١) منحت الجائزة للوحة ثبت أخيراً أنها من عمل ببغاء أراد صاحبه أن يفسح مناسبة للضحك، وطبيعي أن الجمهور ضحك فعلاً عندما بلغه صدى القصة، وضحك على حساب المحلفين الذين أصدروا حكماً على عمل دون الرجوع إلى مقياس، ولكن عندما يحدث هذا الخطأ، في السياسة على أثر حكم مماثل، فالمناسبة لا تكون حينئذٍ للضحك بل للبكاء.
غير أن هذه المشكلة لا يبلغ أثرها في البلاد الأخرى ما يبلغه عندنا، حيث يمتد إلى جميع الميادين السياسية والفكرية. إن العالم الغربي على الرغم من أن (القاعدة المنطقية) لا تحتل فيه مكاناً كالذي نجده في دول أخرى، فإن الناس هناك لا يستهينون بالمقاييس، بل يرجعون إليها في قياس الأفكار وأنواع السلوك، بل يحدث أن يتخذ (النقد الذاتي) في الغرب لهجة، تفوق قساوتها ما تصل إليه في بلاد أخرى تتعصب لمبدأ النقد، وقد حدث فعلاً هذا منذ شهور عندما وجه أحد أعضاء مجلس اللوردات بإنجلترا نقداً إلى الملكة اليزابيث، فكان لنقده صدى كبير في البلاد نفسها وفي العالم.
وهكذا نرى تأثير المقاييس المعدل في حياة الشعوب وفي توجيه سياستها.
إننا ندرك من هنا اهتهام الاستعمار بالاتجاهات المعادية لنظام الرقابة الذاتية، وكيف يرعاها لأنها تدعم الانحرافات التي يريد دسها، عن طريق (أفكار متجسدة) في سياسة البلاد التي تحاول التخلص منه، وكيف يسعى بكل جهده لتحطيم الأفكار المجردة حتى لا تقوم بدورها المعدل، وهو يبلغ هذه الغاية حين يحرك الميول المتجسمة في الفرد أو (مركب الأفراد) الذي يمثل الكفاح ضد
стр. 107
الاستعمار، في الصورة التي تكون في نظره شراً لابد منه، لإبقاء الشعب المستعمر في نطاق السياسة العاطفية، وللحيلولة بينه وبين بلوغ مرحلة السياسة المقعدة التي يشير إليها رجل السياسة، في التصريح الذي أوردناه في الفصل الأول، بأنها (علم لا يخطئ).
والاستعمار يطبق في هذا المجال طريقة (دمل التصفية)، فهو يجمع القوى المعادية له تحت سلطان العاطفة، حتى لا تتجمع تحت قيادة (الفكر المجردة)، فتراه أحياناً يلوح بالمنديل الأحمر في مكان معين ليستدرج إليه القوات المكافحة ضده، وتارة يسلط عليه أضواء المصابيح كي يلفت انتباه الجماهير عن مكان آخر تدور فيه المعركة.
ونرى أحياناً أبطال السياسة العاطفية يقومون تحت إشرافه، دون أن يشعروا، بدور صمام فصل الدائرة الكهربائية، في الراديو، ذلك الجهاز الذي يفصل بعض الموجات غير المرغوب فيها عن الاستقبال: فهو يفصل هنا بعض الأفكار عن الحركة السياسية، حتى لا تؤثر في توجيهها أو في تعديل انحرافاتها إذا حدثت.
فلو أننا تتبعنا النشاط الاستعماري في الميدان الفكري في دورة كاملة، أي في معركة تحرر من بدايتها، لرأينا أن (صمام الفصل) الذي نشير إليه يقوم بدوره على مرحلتين:
أ - ففي مرحلة ما قبل الثورة يقوم بدور اللافتة التي ترفع فوق رأس الشعب الشعارات الساحرة: الحرية، الاستقلال، الوطن؛ حتى يحوّل الأنظار عن الأفكار الفنية التي تبحث عن الطرق العملية لتحقيق هذه الشعارات.
ب - وفي مرحلة ما بعد الثورة أي في مرحلة التنظيم بعد التحرر، ترى نشاطه يشوه تلك الشعارات ذاتها حتى يستولي على العقول الريب، ويتسرب إلى القلوب الندم، والأسف على عهد الاستعمار.
стр. 108
وهكذا تستخدم السياسة العاطفية على أنها (صمام فصل) في المرحلة الأولى لتجميد الطاقات التحررية في المكان الذي يلوح فيه الاستعمار بالمنديل الأحمر، ثم في المرحلة الثانية تستخدم لتهديد المثاليات التي دارت تحت لوائها معارك التحرر ...
وفي كلتا الحالتين يهدف الاستعمار، بالوسائل المناسبة إلى فصل البلد المستعمَر عن بعض الأفكار، فإذا كانت منبعثة من الداخل، فمن الميسور لديه أن يستخدم وسائل الضغط والإرهاب مع من دخل المعركة تحت رايتها، أما إذا كانت آتية من الخارج، أي إذا كان صاحبها قد أفلت من نفوذ الاستعمار المباشر، فسيكون الاستعمار مضطراً إلى التكيف مع الظروف الجديدة في الصراع الفكري، وإلى استخدام الوسائل العلمية التي أشرنا إليها عندما وصفنا صنفين من (مرآة الحرمان) في الفصول السابقة.
***
стр. 109
الفصل الخامس
على هامش كتاب
ــ
إننا لم نقل، عندما وصفنا في الفصول السابقة صنفين من (مرآة الحرمان)، إن ما وصفنا هو كل ما تنتجه ترسانة الاستعمار لتحطيم الأفكار.
إننا لو فكرنا هكذا فسوف نكون قد أسأنا الظن بالاستعمار، وبإمكانياته المتعددة المتنوعة لمواجهة الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة، بل إن كل مناسبة جديدة تكشف لنا عن وسائل جديدة، وعن خطة مجددة، وعن شباك محدثة كأن الاستعمار لا يريد أن يترك لخصومه أن يدخلوا معركة اليوم، بما تزودوا به لمعركة الأمس، فوسائله تتنوع حسب الظروف، وطبقاً للمناسبات، فهو لا يحافظ إلا على المبادئ الأساسية التي يطبقها في كل مناسبة وفي أية ظروف.
وعليه فتكون محاولة جنونية، لو هدفنا في هذا العرض إلى أن نضع قائمة إحصائية للوسائل التي يستخدمها، وللخطط التي يطبقها في الصراع الفكري لقد أردنا فقط تزويد القارئ بمعلوممات كافية عن المبادئ ذاتها. ولو استطعنا أداءها له بالطريقة النظرية البحتة، أي دون ذكر تفاصيل خاصة لفعلنا، ولكننا نطرق موضوعاً جديداً كل الجدة، لا يمكن معه تناول الجانب النظري منه منفصلاً عن الواقع الذي يدل عليه، وإنه لا يمكن أن نجرد حقائق الصراع الفكري في البلاد المستعمرة دون أن نذكر الواقع الذي منه جردناها، ولا يمكن أن نستخلص المبادئ دون أن نشير إلى الوقائع التي استخلصناها منها، مع
стр. 110
ما يناسب من التحفظ في الموضوع، حتى لا يكون للنزعة الذاتية فيه مجالٌ باسم التجربة الشخصية.
إن الشيء الذي تقره التجربة بكل وضوح، هو أن الاستعمار يتكيف مع الظروف، حتى إنه يتخذ أحياناً طرقاً وسبلاً، لا ينتظر أن يتخذها ويتبعها لبعدها ظاهراً عن الميدان الذي تدور فيه المعركة، حتى إن الفكر يصبح أحياناً في حيرة حينما تتجلى له فجأة الحقيقة، وهي أن الاستعمار يفتح دائماً في الصراع الفكري أبواباً جديدة، لم نكن نفكر أنه سيأتي منها هجوم، فيأتي الهجوم من تلك الناحية التي لم نعدّ لها عدتها، ولم نستعد لصد الغارات التي تأتينا منها.
هذه حقيقة الصراع الفكري عامة، وإنما نريد توضيحها بواقعة تتضمن تفاصيلها ومحتواها.
فليتصور القارئ أنه أتى إلى عاصمة عربية منذ أربع سنوات ليقوم بمسؤولية مواطن ومسؤولية كاتب.
وأنه أتى خاصة من أجل نشر كتاب يتعلق موضوعه بمؤتمر باندونج، ولا شك أن القارئ الذي أخذ عبرة مما قدمناه وأصبحت لديه خبرة بما سلف ذكره، لاشك أنه يقدر أول ما يقدر، أن كتاباً هذا موضوعه لا يمكن أن تغيب فكرته عن شبكة المراصد المختصة بالصراع الفكري في البلاد المستعمرة، ولو ذكرنا بعض التفاصيل البسيطة لزدنا هذا القارئ يقيناً بموضوعية هذا التقدير، وإنما نلخص هذه التفاصيل كلها فنقول: إن من يكتب في موضوعات كهذه، وهو يعيش في بلاد مستعمرة، يرى نفسه ((كذرة ألقت بنفسها بين قوى رهيبة متطاحنة، ويشعر بأنه إن لم يحدث لتلك الذرة أن تسحق إلى غبار الغبار فإنها معجزة)).
ومن الطبيعي إذا كان في نفسك هذا الشعور عند وصولك إلى العاصمة العربية، أن تفكر أولاً كيف تضع الكتاب الممقوت في قرار مكين، فتتوجه به