مقدمة:
على سبيل التقديم
أ. د/ عبد الصبور مرزوق
قضية الثروة في الإسلام تحكمها مجموعة من الضوابط الواقعية والأخلاقية العادلة التي تكفل لكل إنسان في أرض الله نصيبه -إلى مدار الكفاية- من رزق الله.
ونوجز هذه الضوابط فيما يلي:
أولا:
أن كل ما يدب على الأرض من خلق الله إنسانا أو حيوانا أو طيرا أو حشرا قد أخذ الحق سبحانه على نفسه أن يتكفل برزقه وذلك في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ١.
ومفهوم هذا العهد الإلهي بالرزق بالنسبة للإنسان أن
стр. 2
كل إنسان مسلما كان أو غير مسلم يصبح داخلا في هذا العهد ويكون له نصيب مشروع ومكفول في هذا الرزق بما يكفل استمرار حياته وبقائه في المستوى الذي جرى الاصطلاح عليه بأنه "حد الكفاية" والذي يختلف عن حد "الكفاف".
وحد الكفاية فيما يقرره الفقهاء هو ما يعني توفير الحاجات الأساسية للإنسان والتي تعني أن يكون للإنسان بيت يؤويه. وطعام يكفيه وخادم ودابة يقضي عليها حاجاته ثم زوجة تعفه عن الحرام.
يستوي في ذلك -كما أشرنا- المسلم وغير المسلم.
ورضي الله عن أمير المؤمنين عمر ﵁ يوم رأى يهوديا شيخا يتكفف الناس فلما عرف حقيقة حاله أخذ بيده وضرب له سهما -أي قرر له راتبا- في بيت مال المسلمين.
стр. 3
ثانيا:
لقد أعلن الإسلام في صريح آيات القرآن الكريم أن المال مال الله وأن الخلق جميعا مستخلفون فيه -أي في إنفاقه- وفق الضوابط الشرعية التي قررها الإسلام وذلك في مثل قوله سبحانه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ثم قوله سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ ٢.
ومفهوم الاستخلاف يعني ما يشبه الوكالة عن الله منزل الرزق المالك الأصلي للمال وواجب الوكيل أن يلتزم أمر موكله ومستخلفه فيما أباحه وفيما حرمه.
وهنا نجد في آيات القرآن مجموعة الأحكام التي يجب التزامها في التعامل مع المال وجدير بالإشارة أنها في مجموعها تمثل إطارا أخلاقيا يضع المال في حجمه
стр. 4
الصحيح خادما للإنسان لا سيدا له كما تقول الآية: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١.
كما يلزم الإنسان في علاقته بما يؤتاه من مال أن يكون حريصا في اكتسابه على التزام الحلال حيث لا سرقة ولا غصب ولا أكلا لحقوق الضعفاء من المسلمين واليتامى.
وقبل هذا لا يكون مكتسبا من الربا أو احتكار أقوات الناس وحبسها حتى يرتفع أسعارها وغير ذلك مما حذرت منه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة في مثل قول الحق سبحانه عن الاستمتاع العادل بالمال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ٢ وقوله سبحانه عن ضرورة التوازن في الإنفاق بين الإسراف والتبذير ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ
стр. 5
مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ١.
وهذه التوجيهات ليست مجرد مواعظ أخلاقية ولكنها ضوابط وقواعد اقتصادية تحدد بوضوح ما ينبغي للإنسان الفرد أن يأخذ من المال. لأن ما يزيد على الحاجات يدخله مع المسرفين. والمسرفون ومعهم المترفون يكون سرفهم وترفهم كأنه سرقة حق لفقير ومحتاج على نحو ما روي عن الإمام علي ﵁ أنه قال: "ما أتخم غني إلا بعدوان على حق فقير".
أما تحريم الربا في المعاملات المالية فهو قضية اقتصادية واجتماعية وأخلاقية معا لعدة اعتبارات.
أولها: أنها محرمة تحريما قاطعا ينصوص القرآن
стр. 6
الكريم حيث يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ﴾ ٢.
فهذه الآيات ونظائرها تحدد الحكم الشرعي القاطع بتحريم الربا وإنذار المرابين بحرب من الله والرسول.
وحكمة التحريم فيما تؤدي إليه من الظلم والخراب الاقتصادي تعيشها جميع دول العالم المتخلف المسمى بالعالم الثالث -والذي نحن المسلمين جزء كبير منه- ويتضح الظلم ويتحقق الخراب في عجز الدول المدينة عن الوفاء بالفائدة التي هي عين الربا والتي تدفع بعض دول عالمنا
стр. 7
مجمل دخلها ليس لسداد بعض الدين ولكن لسداد هذه الفائدة.
ولقضية الربا حديث يطول ولا يتسع المقام.
ونعود إلى حقوق عباد الله في رزق الله الذي يختصر في اللغة المعاصرة بلفظ المال فأقول: إن هذا الحق متعلق بضمان عدالة التوزيع بحيث يحصل كل مستحق على حقه.
وغني عن البيان أننا لا نعني هنا مطلق المساواة بين جميع الناس كما زعمت الشيوعية ذلك في فلسفتها المادية.
أولا: لأن الشيوعية لم تحقق أبدا مطلق المساواة بل كانت -وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي- تضم في مجتمعها أربع طبقات متميزة لأبعد الحدود هي: طبقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وطبقة العلماء المتخصصين في الشئون النووية وبحوث الفضاء ثم طبقة جنرالات الجيش وأخيرا طبقة الفنانين من راقصات البالية وغيرهم
стр. 8
ممن تقوم عليهم مهمة الدعاية للمبادئ الماركسية واللينينية.
ثانيا: لأن كتابنا الكريم الذي لم يخلق عباده متساوين في كل شيء بل يتمايزون بالقدرات الفردية الخاصة في الذكاء والعلم والمقومات الشخصية وغيرها مما يستحيل معه أن يتساوى الناس لأن مطلق المساواة يخل بتكوين المجتمع المدني الذي جعل عماده التوزع الهرمي والتنوع في الخبرات لتسير عجلة الحياة بهذا التنوع والتمايز الذي يضع كل فرد في درجات هذا الهرم الذي يكمل بعضه بعضا وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
стр. 9
فالإسلام هنا لا يسوي بين الناس لاستحالة ذلك بحكم عدم تساوى الخلق في المواهب والقدرات، وهو أيضا لا يعترف بالطبقية البغيضة التي يحتلها بعض المحظوظين أو بعض الانتهازيين الذين أتيحت لهم فرص غير مشروعة لثراء غير مشروع.
كل ذلك لا يقره الإسلام ولا يعترف به، وإنما يدعو إلى التقريب بين الطبقات بحيث لا يكون ثمة أغنياء يتخمهم الترف وفقراء لا يجدون ما ينفقون.
وكل هذا وفق التوجيهات القرآنية والنبوية التي اعتمدت إطارا أخلاقيا للعلاقة بين الأغنياء والفقراء في مثل قوله سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ ١ وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
стр. 10
إضافة إلى ما حثت عليه السنة النبوية من مثل قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "ليس منا من بات شبعان وجاره طاو جائع وهو يعلم". وغير ذلك مما امتلأت به كتب السنة والسيرة من حث على الإنفاق -فوق فريضة الزكاة.
على أن ثمة ملحظا تجدر العناية به وهو أنه عندما تطرأ على المجتمع المسلم حالة يستحيل فيها على الناس أن يجدوا ما ينفقون فهنا يصبح من حق ولي الأمر أن يفرض ما يشاء من أوجه التكافل بين الأغنياء والفقراء حتى ولو كان الأغنياء قد دفعوا الزكاة فيكون له أن يأخذ من أغنيائهم ليرد على فقرائهم حتى يكتفوا.
ولعل تجربة "المؤاخاة" التي أقامها الرسول صلوات الله وسلامه عليه بعد الهجرة إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار أوضح نماذج التكافل الاجتماعي كما يراه الإسلام وهنا لا تفوتنا الإشارة إلى أن تحقيق الإسلام للعدل الاجتماعي -عدالة التوزيع- لا يستند إلى القهر أو المصادرة
стр. 11
أو التأميم وما إلى ذلك لمنافاته لاحترام الإسلام للملكية الشخصية وحمايتها إلى حد أن يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "ومن قتل دون ماله فهو شهيد".
وإنما يستند إلى منهج تربوي وإعداد نفسي ضخم قوامه العمل على تخليص النفوس من شحها وتأهيلها للخلاص من العبودية للمال إلى التعامل معه باعتباره وسيلة لخدمة الإنسان في الحصول على مرضاة الله وقضاء حقوق الآخرين فيه حتى يعتاد الإيثار ويكون ممن يصف القرآن سلوكهم ومواقفهم مع المال بقوله:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
وهذا البناء التربوي والنفسي على الخلاص من شح النفس والإيثار عليها هو ما دفع القادرين من
стр. 12
الصحابة على التضحية الضخمة بأموالهم في سبيل الله فنرى عثمان بن عفان "ذو النورين" وعبد الرحمن بن عوف ﵄ يجهزان جيش "العسرة" لغزوة تبوك من مالهما الخاص. كما نرى أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما يضربان في الأمر ذاته مثلا عليا في البذل والعطاء.
بل نرى أحدهم لا يملك إلا درهما واحدا فيقدمه لرسول الله ﷺ فيقول الرسول معلقا على ذلك: "سبق درهم مائة ألف درهم".
وحديث التعامل مع "الثروة" أو المال أو الرزق في منظور الإسلام شامخ وعظيم ومشرف وعادل وتنفرد الرؤية الإسلامية -في ضبط علاقة الإنسان بالمال- تنفرد بتميز وتوازن عظيم يجمع بين حقوق الأفراد وحقوق المجتمع، الأمر الذي تفتقده النظريتان
стр. 13
الرأسمالية والاشتراكية.
وذلك لأن نظرية الإسلام تقوم على قاعدة عظمى قوامها، خصوصية الملكية وعمومية المنفعة.
من هنا يرحب المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بنشر هذه الدراسة القيمة عن "الإسلام والتوازن الاقتصادي بين الأغنياء والفقراء للأستاذ الدكتور محمد شوقي الفنجري أستاذ الاقتصاد والوكيل الأسبق لمجلس الدولة".
راجين أن يفيد بهذه الدراسة كل دارسي الاقتصاد بوصف خاص لينقضوا على العطاء السباق للإسلام في ميادين العدل الاجتماعي والتوازن المنصف في مسائل "التنظير" الذي لم يره "المنظرون" في الشرق والغرب فاشتطوا ذات اليمين وذات الشمال مما شقيت به البشرية بين أهل "الربا" وأهل الإلحاد.
стр. 14
وراجين أيضا أن يفيد منها المعنيون بدراسة الاقتصاد في الإسلام ليقفوا منها على صواب الحكم ودقة البحث.
والله أسأل أن يجعل ما نقدمه وما يقدمه كل العلماء العاملين خالصا لوجهه وعلى الله اعتمادنا وهو دائما حسبي.
أ. د/ عبد الصبور مرزق
стр. 15
تمهيد:
١- التوزيع النظري أو الشخصي والتوزيع العملي أو الوظيفي:
كل عملية إنتاجية تصاحبها عملية أخرى هي التوزيع، أي توزيع الناتج على من اشتركوا في تكوينه في صورة دخول. وهذه الدخول ليست إلا أثمان أو قيمة خدمات عناصر الإنتاج التي أسهمت في العملية الإنتاجية.
وتعتبر مشكلة توزيع الثروة بين الناس من أهم مشاكل المجتمع لا سيما في العصر الحديث؛ وذلك لما ترتب عليها من انقسام المجتمع إلى فريق الأغنياء القادرين على إشباع مختلف حاجاتهم أو تحقيق مختلف رغباتهم وفريق الفقراء العاجزين عن إشباع أو تحقيق تلك الحاجات والرغبات، بل واستطاعة الأغنياء بما لديهم من ثروة أن يكونوا أصحاب النفوذ والسيطرة. لذلك اختلفت المذاهب والنظم الاقتصادية اختلافا أساسيا في الحلول التي وضعتها لحل مشكلة التوزيع، ويرجع اختلاف تلك الحلول إلى اختلافها الأيديولوجي أي المذهبي في أسس التوزيع،
стр. 16
وما يستتبع ذلك من اختلافها في مكافأة عناصر أو عوامل الإنتاج وتحديد ما يخص كل عنصر أو عامل في التوزيع.
ويترتب على ذلك أن للتوزيع مظهرين:
أولهما: نظري يتصل بالفلسفة التي يقوم عليها النظام الاقتصادي رأسماليا كان، أو اشتراكيا، أو إسلاميا، ويمكن أن نعبر عنه باصطلاح "التوزيع المذهبي أو الأيدلوجي"، ويعبر عنه الكثير من علماء الاقتصاد باصطلاح "التوزيع النظري"، ويعبر عنه الاقتصاديون التقليديون باصطلاح "التوزيع الشخصي".
ثانيهما: عملي يتصل بمكافأة عناصر أو عوامل الإنتاج أي نظرية القيمة أو أثمان العوامل الإنتاجية، ويعبر عنه الكثير من علماء الاقتصاد باصطلاح "التوزيع العملي".
ويعبر عنه الاقتصاديون التقليديون باصطلاح "التوزيع الوظيفي". وهو بدوره يتوقف على التوزيع النظري أو ما أسميناه بالتوزيع الأيديولوجي أو المذهبي١.
стр. 17
٢- ارتباط التوزيع بأشكال الإنتاج:
وإذا كانت الاقتصاديات الوضعية رأسمالية كانت أو اشتراكية تجعل التوزيع على أساس أشكال الإنتاج السائدة، فهو الذي يحدد أساس التوزيع وكيفيته.
فإن الإسلام على نحو ما سنبينه، يرفض تلك التبعية أو الحتمية فنراه يقرر منذ البدء، أنه أيا كانت أشكال الإنتاج السائدة في المجتمع، فإنه يتعين أولا ضمان الحاجات الأساسية لكل فرد بوصفه إنسانا، مما عبر عنه فقهاء الشريعة القدامى باصطلاح "حد الكفاية" أي المستوى اللائق للمعيشة تمييزا له عن "حد الكفاف" أي المستوى الأدنى للمعيشة. حتى إذا توافر لكل مسلم "حد الكفاية" الذي هو في الشرع الإسلامي التزام على الدولة وحق الله الذي يعلوا فوق كل الحقوق، فإنه لا مانع أن تتفاوت الثروات والدخول لكل بحسب عمله وجهده، وفي حدود ما هو مقرر أو معترف به شرعا، وفي الظروف الاستثنائية التي تشح فيها موارد المجتمع، بحيث لا يتوافر فيها حد الكفاية لكل مواطن، فإنه يتأسى
стр. 18
الجميع في "حد الكفاف"، بحيث لا يحصل أحد أيا كان مركزه أو مكانته في المجتمع على أكثر من احتياجاته الضرورية.
ومؤدى ذلك على نحو ما سنبينه، أنه أيا كانت أشكال الإنتاج السائدة، وأيا كانت درجة تطور المجتمع من تقدم أو تخلف، فإن الإسلام لا يعترف بالملكية الخاصة إلا بعد القضاء على الحاجة وضمان "حد الكفاف"، كما لا يسمح بالثروة والغنى إلا بعد القضاء على الفقر وضمان "حد الكفاية" لكل فرد١.
стр. 19
٣- عدالة التوزيع في حفظ التوازن الاقتصادي:
وإذا كانت سمة الإسلام في التوزيع هي العدالة بقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ١، فإن أبرز صور هذه العدالة حفظ التوازن الاقتصادي سواء بين الأفراد على مستوى الوطن الواحد أو بين الدول على المستوى العالمي٢.
стр. 20
فالإسلام على نحو ما سنبينه، يحث ويدعو إلى الثروة والغنى، ولكن بشرط ألا يكون المال متداولا بين فئة قليلة من الناس أو قاصرا على دولة معينة. وبعبارة أخرى ألا يكون هناك تفاوت شديد في توزيع الثروات تستأثر من خلاله فئة معينة من الأفراد أو دولة معينة بالخير كله. بل أن يعم الخير الجميع بأن يكون التفاوت منضبطا أو متوازنا بحيث لا يكون هناك ثراء فاحش وبجواره فقر مدقع أو أن تختص قلة بالتمر وكثرة بالنوى.
ومن هنا يختلف الاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاديات الوضعية السائدة، فهو لا يقر التفاوت الشديد أو تسلط
стр. 21
أقلية على مقدرات الجماعة كما هو شأن المذهب الفردي والنظم المتفرعة عنه كالرأسمالية، كما لا يقر إذابة أو إزالة الفوارق وإقامة المساواة الفعلية أو المطلقة كما هو شأن المذهب الجماعي والنظم المتفرعة عنه كالاشتراكية والشيوعية، وإنما هو يحترم التباين والتفاوت تبعا لاختلاف المواهب والقدرات، مع تقريب الفوارق أو الفجوة بين أفراد المجتمع أو دول العالم، بما يحقق لها التعاون والتكامل لا السيطرة والاستغلال.
стр. 22
٤- التفاوت المنضبط أو المتوازن:
فالتفاوت في توزيع الثروات والدخول، هو أمر طبيعي يقره الإسلام تبعا لاختلاف المواهب والقدرات، بل يعتبره ضرورة لخلق الحوافز وتحقيق التعاون والتكامل سواء على المستوى المحلي أو العالمي. ولكن الذي يرفضه الإسلام بشدة، هو التفاوت الفاحش في توزيع الثروات والدخول، والذي تستأثر من خلاله فئة معينة من الأفراد أو دول معينة بالخير كله، مما يؤدي إلى تهميش Marginilijation الأغلبية وسلبيتها أو إلى اغترابها Alienation وإثارة حقدها وثورتها فضلا عن كافة المساوئ.
ومن ثم فإنه على نحو ما سنبينه، يتطلب الإسلام التدخل دائما لتحقيق العدالة من خلال إعادة التوازن الاقتصادي عند افتقاده، وضبط التفاوت والتباين في توزيع الثروات والدخول، وذلك كله بالقدر الذي يحقق هدفه وهو التكافؤ والتعاون والتكامل لا الاستغلال والصراع والتناقض.
стр. 23
٥- الإسلام والطبقية أو التحكم:
على أن إقرار الإسلام للتفاوت في توزيع الثروات والدخول -سواء على مستوى الأفراد والدول، وذلك من حيث المبدأ وإن ضبطه من حيث التطبيق- لا يعني كما يتصور البعض خطأ، أن الإسلام يقر الطبقية بين الأفراد أو يسلم بسيطرة أو تحكم جماعة أو دولة على المجتمعات والدول الأخرى.
والواقع أن مشكلة الاقتصاد الوطني، هي في اختلال التوازن في توزيع الثروات والدخول بين أفراد المجتمع.
стр. 24
كما أن مشكلة الاقتصاد العالمي اليوم، هي في الهوة المتزايدة بين الدول النامية والدول المتقدمة. ولا يستهدف أي تغيير أو إصلاح أو أي نظام اقتصادي جديد، سوى تحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع على المستوى المحلي، وتحقيق التوازن الاقتصادي بين دول العالم على المستوى العالمي. الأمر الذي نبه إليه الإسلام منذ أربعة عشر قرنا بقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١، بمعنى ألا يكون المال متداولا بين فئة تستأثر به دون غيرها سواء على مستوى أفراد المجتمع أو دول العالم.
وإذا كان الاقتصاد الإسلامي يسمح بوجود أثرياء ممن يطلق عليهم بأصحاب الملايين شأنه في ذلك شأن كافة الاقتصاديات الوضعية السائدة: رأسمالية كانت أو اشتراكية. إلا أنه يختلف عن سائر هذه الاقتصاديات بأنه ثري أو مليونير من "نوع خاص"؛ إذ هو على نحو ما سنبينه، ليس كأي ثري أو مليونير رأسمالي أو
стр. 25
اشتراكي، حرا في استعمال ماله كيفما شاء بل إنه بنص القرآن لا يملك أن يعيش عيشة مترفة، وإنه ملزم بإنفاق كل مال زائد عن حاجته الشخصية في سبيل الله سواء في صورة إنفاق مباشر على المحتاجين أم استثمار يعود نفعه على المجتمع.
стр. 26
خطة البحث
مدخل
...
خطة البحث:
وعلى ضوء ما تقدم نعالج موضوعنا "الإسلام وعدالة التوزيع"، في الفروع الآتية:
الفرع الأول: التوزيع النظري أو الشخصي أو المذهبي.
الفرع الثاني: التوزيع العملي أو الوظيفي أو مكافأة عناصر الإنتاج.
الفرع الثالث: العلاقة بين شكل الإنتاج وكيفية التوزيع أو أثر تطور أساليب الإنتاج على التوزيع.
الفرع الرابع: حفظ التوازن الاقتصادي أو التفاوت المنضبط.
الفرع الخامس: الإسلام والطبقات الاجتماعية.
ونشير بأن موضوع "الإسلام وعدالة التوزيع"، يتطلب عدة بحوث ويتسع لعدة كتب ومجلدات، ولكننا نعرض له في إيجاز غير مخل مركزين على النقاط الرئيسية التي تبرز لنا المذهب الاقتصادي الإسلامي في مجال التوزيع.
стр. 27
الفرع الأول: التوزيع النظرى أو الشخصى أو المذهبى
مدخل
...
الفرع الأول: التوزيع النظري أو الشخصي أو المذهبي
١- الاقتصاد الرأسمالي:
يقوم هذا الاقتصاد أساسًا على الملكية الخاصة. ومن ثم فإن أساس التوزيع الرأسمالي هو الملكية الخاصة، فهي في آن واحد أداة "إنتاج" وأداة "توزيع". وفي مثل هذا الاقتصاد الرأسمالي تكون الظاهرة الأساسية هو التفاوت الشديد في الدخول، بحسب التفاوت الشديد في ملكية أدوات ووسائل الإنتاج. ومن الطبيعي أن ينشأ في ظل هذا الاقتصاد الراسمالي أقلية مليونيرات يعيشون في ترف وبذخ استفزازي، ويعملون على زيادة التضخم وانتشار السلع الترفية، بينما الأكثرية الكادحة تعاني في معيشتها وبعضها يسحقها الحرمان والفقر المدقع.
стр. 28
٢- الاقتصاد الاشتراكي:
يقوم هذا الاقتصاد أساسا على الملكية العامة سواء في صورة ملكية الدولة كما هو الشأن في روسيا، أو ملكية الجماعة كما هو الشأن في يوغوسلافيا حيث إن ملكية المصانع أو المزارع هي للعاملين فيها بهذه الصفة لا بصفتهم الشخصية. ومن ثم فإن أساس التوزيع الاشتراكي هو العمل، فهو في آن واحد أداة "إنتاج" وأداة "توزيع".
وفي مثل هذا الاقتصاد الاشتراكي تتفاوت الدخول، ولكن بسبب اختلاف القدرات والمواهب الإنسانية لا بسبب الملكية. ويصح أن يكون هذا التفاوت كبير، ولكن من غير الطبيعي كما هو الشأن في روسيا وسائر دول الكتلة الشرقية أن يتواجد بها أصحاب ملايين من قادة الأحزاب الشيوعية يعيشون في بذخ وترف بينما الأغلبية الكادحة تعاني في معيشتها، فضلا عن مكابدة هذه الشعوب لتحكم الأقلية ممثلة في قادة الأحزاب الشيوعية المتألهة والتي تصادر حرياتها وتصوغها بالإرهاب والبطش وفق هواها لتستغلها في تحقيق
стр. 29
نزعاتها الخبيثة في التسلط والسيطرة على العالم أجمع١.
٣- الاقتصاد الشيوعي:
وهو حلم المذهب الجماعي وأغلب النظم الاشتراكية المتفرعة عنه، يقوم هذا الاقتصاد على أساس تحقيق الوفرة في الإنتاج بحيث يكفي جميع حاجات الناس شأن الهواء والماء. ومن ثم فإن أساس التوزيع الشيوعي هو الحاجة فلكل تبعا لحاجته.
стр. 30
وفي مثل هذا الاقتصاد الشيوعي تختفي كلية ظاهرة التفاوت في الدخول، وبالتالي لا توجد طبقات. ولكن ستظل فكرة هذا الاقتصاد الشيوعي صنما ماركسيا أو وهما لن يتحقق، لمخالفه طبيعة الأشياء ونظام الحياة الدنيا كما أرادها الله تعالى.
٤- الاقتصاد الإسلامي:
يقوم هذا الاقتصاد على أساسين أولا: ضمان "حد الكفاية" لا "الكفاف" لكل فرد يعيش في مجتمع إسلامي أيا كانت جنسيته أو ديانته كحق إلهي مقدس له كإنسان تضمنه له الدولة الإسلامية، ثم على أساس العمل والملكية ومن ثم فإن أساس التوزيع الإسلامي هو ضمان حد الكفاية أولا، ثم الكسب بحسب العمل والملكية، تلك الملكية التي هي نتيجة عمل سابق ولو كانت موروثة.
وفي مثل هذا الاقتصاد الإسلامي لا يمكن أن يوجد محروم أو جائع واحد بسبب خارج عن إرادته، كما تتفاوت الدخول بسبب التفاوت في المواهب والقدرات ممثلة في العمل والملكية، ولكنه -على نحو ما سنبينه-
стр. 31
تفاوت منضبط لا يخل بالتوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع، ولا يسمح بقيام طبقية أو تحكم.
ولأهمية "التوزيع الشخصي" أو ما عبرت عنه "بالتوزيع الأيديولوجي"، وحتى يتبين لنا المذهب الاقتصادي الإسلامي بهذا الخصوص، نعرض باختصار غير مخل لما يأتي:
أولا: التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية.
ثانيا: التشخيص الإسلامي لسبب المشكلة الاقتصادية.
ثالثا: العلاج أو الحل الإسلامي للمشكلة الاقتصادية.
стр. 32
أولا: التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية
مدخل
...
أولا: التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية
المشكلة الاقتصادية هي مشكلة تعدد الحاجات مع ندرة الموارد، وبعبارة أخرى مبسطة هي مشكلة الفقر الذي لا يعدو كونه مظهرا من مظاهر زيادة الحاجات مع قلة الموارد.
وفي الفكر الاقتصادي الوضعي تتمثل مشكلة الفقر في ظاهرة الجوع والحرمان أو العجز عن إشباع الحاجات الأساسية، مما يعبر عنه أصحاب هذا الفكر باصطلاح "حد الكفاف" Minimum Vital مما يتعلق بمتطلبات البقاء، بمعنى أن الفرد يعد فقيرا عندما لا تتوافر له متطلباته بالقدر الذي يحفظ له حياته وقدراته على العمل والإنتاج.
أما في الفكر الاقتصادي الإسلامي، فتمثل مشكلة الفقر في عدم بلوغ المستوى اللائق للمعيشة بحسب ما هو سائد في المجتمع، مما يختلف باختلاف الزمان والمكان ومما عبر عنه الفقهاء المسلمون القدامى باصطلاح "حد الكفاية" Minimum de Suffisance مما يتعلق بمتطلبات الحياة الكريمة، وأحيانا باصطلاح "حد الغنى" M. de Richesse بمعنى أن يعد الفرد فقيرا متى لم تتوافر له متطلباته بالقدر الذي يجعله في بحبوحة وغنى عن غيره.
стр. 33
أ- الإسلام يضع مشكلة الفقر في المقدمة والصدارة:
لقد جاء الإسلام باعتباره خاتم الأديان، بمنهج كامل للحياة، يهتم بالجانب المادي والمعيشي في حياة البشر بقدر ما يُعنى بالجانب الروحي والعقيدي. ذلك لأنه لا قوام لجانب دون آخر، وكلاهما يتأثر بالآخر، فإذا كان حقًّا ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان فإنه أيضا بدون الخبز لا يستطيع أن يحيا الإنسان.
لذلك وضع الإسلام مشكلة الفقر منذ البدء وقبل أن تتطور الأحداث وتفرض المشكلة نفسها، حيث يجب أن توضع في الأساس وفي المقدمة. ومن قبيل ذلك اعتبر المال زينة الحياة الدنيا وقوام المجتمع، وأنه نعم العون على تقوى الله، وأن طلب المال الحلال فريضة وجهاد في
стр. 34
سبيل الله١
أكثر من ذلك لقد ساوى الإسلام بين الفقر والكفر، ولم يستعذ الرسول ﷺ من شيء بقدر استعاذته من الفقر، فيقول ﵇: "كاد الفقر أن يكون كفرا" ٢، ويقول: "إني أعوذ بك من الكفر والفقر" فلما سأله أحدهم: أيعدلان؟: قال: "نعم" ٣. بل إن الإسلام حين طالب الناس بالعبادة وذكر الله تعالى علله في القرآن بقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ٤، ولذلك اعتبر الإسلام ترك أحد أفراد المجتمع ضائعا أو جائعا، هو تكذيب للدين نفسه بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ٥.
стр. 35
ب- مفهوم الفقر في نظر الإسلام:
يتبين مما سبق أن الفقير في المفهوم الإسلامي، فردا كان أو دولة، هو من يعيش في مستوى تفصله هوة سحيقة عن المستوى المعيشي السائد في المجتمع المحلي أو العالمي. أي بعبارة أخرى هو من لا يتوافر له المستوى اللائق للمعيشة بحسب الزمان والمكان، وباصطلاح الفكر الاقتصادي الإسلامي هو من لا يتوافر له "حد الكفاية" أو "حد الغنى" لا "حد الكفاف".
وواضح أن "حد الكفاف" هو الحد الأدنى للمعيشة من مأكل وملبس ومأوى مما بدونه لا يستطيع المرء أن يعيش وينتج، فهو غير قابل للنقصان ولا يختلف إلا باختلاف القوى الشرائية في كل زمان ومكان١. بخلاف
стр. 36
"حد الكفاية" أو "حد الغنى" فو مستوى أرقى من المعيشة، وهو بالتالي قابل للزيادة، ومن ثم يختلف باختلاف مستوى التقدم في كل زمان ومكان١.
ونخلص من ذلك إلى حقيقة هامة، بأن المشكلة الاقتصادية في الإسلام لم ترتبط منذ البداية، بهدف توفير الضروريات الأساسية للمعيشة، وإنما بهدف رفع مستوى المعيشة وتحسينه. وهو ما انتهى إليه الفكر الاقتصادي الحديث، بعد أربعة عشر قرنا، معبرًا عنه باصطلاح "الرفاهية الاقتصادية" أو "الرخاء المادي".
стр. 37
ولا نسلم كلية باستخدام اصطلاح الفكر الاقتصادي الحديث أو ربط المشكلة الاقتصادية في الإسلام بهدف "الرخاء المادي" أو "الرفاهية الاقتصادية"، وإنما نفضل الإبقاء على الاصطلاح الدقيق الذي أخذ به الفقهاء القدامى وهو اصطلاح "حد الكفاية". وليس ذلك تعصبا منا أو انحيازا مطلقا لاصطلاحات الاقتصاد الإسلامي أو لمجرد الرغبة في التميز أو التمسك بالقديم، وإنما لأن الأمر في نظرنا أكبر وأعمق من ذلك إذ يتعلق بالأساس والجوهر لا الشكل والاصطلاح، وهو ما نرده إلى سببين رئيسيين:
أولهما: أن المال في الإسلام ليس غاية وإنما هو وسيلة لراحة الإنسان وسعادته ليكون بحق خليفة الله في أرضه.
وقد رأينا كيف أنه في المجتمعات الوضعية الحديثة حين جعلت "الرخاء المادي" هدفها الأساسي، إن لم يكن مطلبها الوحيد، قد انزلقت إلى عبادة المادة أو على الأقل طغت عليها الماديات، وما استتبع ذلك من نشوء علاقات سياسية وأخلاقية مادية أشقت الإنسان وأصبحت تهدد
стр. 38
الوجود البشرى ذاته١.
ثانيهما: أن الإسلام يأمر "بالتزين" ولكنه ينهى عن "الترف"، وبعبارة أخرى أنه يفرق بين "التزين المباح"٢، مما يرتبط بالمظهر اللائق أو الملائم كما يرتبط أصلا بحمد الله وشكره، وبين "الترف المنهي عنه"٣ مما يرتبط بالإسراف والمغالاة كما يرتبط عادة بالبطر والعلو على الناس. وقد ارتبط هدف "الرفاهية الاقتصادية" في الاصطلاح الحديث بالكماليات والترف المنهي عنه.
стр. 39
ومن ذلك تتبين عظمة الإسلام حين ربط المشكلة الاقتصادية منذ البداية بهدف رفع مستوى المعيشة وتحسينه، لا مجرد توفير الضروريات الأساسية. كما تتبين أيضا دقة وبعد نظر فقهاء الشريعة حين عبروا عن ذلك باصطلاح "حد الكفاية" أو "حد الغنى" لكل مواطن، مما يختلف بحسب إمكانيات وظروف كل مجتمع، لا هدف "الرخاء المادي" أو "الرفاهية الاقتصادية" المصطلح عليه حديثا، وما صاحبه على الوجه المتقدم من مساوئ ومثالب.
стр. 40
جـ- اصطلاح "حد الكفاية" أو "حد الغنى ":
واصطلاح "حد الكفاية" أو "حد الغنى". وإن لم يرد صراحة في نص من نصوص القرآن أو السنة، إلا أنه يستفاد من روح هذه النصوص.
وقد ورد صراحة في تعبيرات كثيرة من أئمة وعلماء الإسلام، وكذا في مختلف كتب الفقه القديمة لا سيما بمناسبة بحث الزكاة التي هي بالتعبير الحديث مؤسسة