← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11527

الإسلام والتوازن الاقتصادي بين الأفراد والدول

محمد شوقى الفنجرى

Полный текст (131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"حد الكفاية" أو "حد الغنى" فو مستوى أرقى من المعيشة، وهو بالتالي قابل للزيادة، ومن ثم يختلف باختلاف مستوى التقدم في كل زمان ومكان١. ونخلص من ذلك إلى حقيقة هامة، بأن المشكلة الاقتصادية في الإسلام لم ترتبط منذ البداية، بهدف توفير الضروريات الأساسية للمعيشة، وإنما بهدف رفع مستوى المعيشة وتحسينه. وهو ما انتهى إليه الفكر الاقتصادي الحديث، بعد أربعة عشر قرنا، معبرًا عنه باصطلاح "الرفاهية الاقتصادية" أو "الرخاء المادي".

стр. 37

ولا نسلم كلية باستخدام اصطلاح الفكر الاقتصادي الحديث أو ربط المشكلة الاقتصادية في الإسلام بهدف "الرخاء المادي" أو "الرفاهية الاقتصادية"، وإنما نفضل الإبقاء على الاصطلاح الدقيق الذي أخذ به الفقهاء القدامى وهو اصطلاح "حد الكفاية". وليس ذلك تعصبا منا أو انحيازا مطلقا لاصطلاحات الاقتصاد الإسلامي أو لمجرد الرغبة في التميز أو التمسك بالقديم، وإنما لأن الأمر في نظرنا أكبر وأعمق من ذلك إذ يتعلق بالأساس والجوهر لا الشكل والاصطلاح، وهو ما نرده إلى سببين رئيسيين: أولهما: أن المال في الإسلام ليس غاية وإنما هو وسيلة لراحة الإنسان وسعادته ليكون بحق خليفة الله في أرضه. وقد رأينا كيف أنه في المجتمعات الوضعية الحديثة حين جعلت "الرخاء المادي" هدفها الأساسي، إن لم يكن مطلبها الوحيد، قد انزلقت إلى عبادة المادة أو على الأقل طغت عليها الماديات، وما استتبع ذلك من نشوء علاقات سياسية وأخلاقية مادية أشقت الإنسان وأصبحت تهدد

стр. 38

الوجود البشرى ذاته١. ثانيهما: أن الإسلام يأمر "بالتزين" ولكنه ينهى عن "الترف"، وبعبارة أخرى أنه يفرق بين "التزين المباح"٢، مما يرتبط بالمظهر اللائق أو الملائم كما يرتبط أصلا بحمد الله وشكره، وبين "الترف المنهي عنه"٣ مما يرتبط بالإسراف والمغالاة كما يرتبط عادة بالبطر والعلو على الناس. وقد ارتبط هدف "الرفاهية الاقتصادية" في الاصطلاح الحديث بالكماليات والترف المنهي عنه.

стр. 39

ومن ذلك تتبين عظمة الإسلام حين ربط المشكلة الاقتصادية منذ البداية بهدف رفع مستوى المعيشة وتحسينه، لا مجرد توفير الضروريات الأساسية. كما تتبين أيضا دقة وبعد نظر فقهاء الشريعة حين عبروا عن ذلك باصطلاح "حد الكفاية" أو "حد الغنى" لكل مواطن، مما يختلف بحسب إمكانيات وظروف كل مجتمع، لا هدف "الرخاء المادي" أو "الرفاهية الاقتصادية" المصطلح عليه حديثا، وما صاحبه على الوجه المتقدم من مساوئ ومثالب.

стр. 40

جـ- اصطلاح "حد الكفاية" أو "حد الغنى ": واصطلاح "حد الكفاية" أو "حد الغنى". وإن لم يرد صراحة في نص من نصوص القرآن أو السنة، إلا أنه يستفاد من روح هذه النصوص. وقد ورد صراحة في تعبيرات كثيرة من أئمة وعلماء الإسلام، وكذا في مختلف كتب الفقه القديمة لا سيما بمناسبة بحث الزكاة التي هي بالتعبير الحديث مؤسسة

стр. 41

الضمان الاجتماعي في الإسلام١. فيقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: "إذا أعطيتم فاغنوا"٢، ويقول الخليفة الرابع علي بن أبي طالب: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم"٣، ويقول الإمام الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية: "فيدفع إلى الفقير والمسكين من الزكاة، ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى"٤، كما يقول: "تقدير العطاء معتبر بالكفاية"٥، ويقول الإمام السرخسي في كتابه المبسوط: "وعلى الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال إلى المصارف، فلا يدع فقيرا إلا أعطاه من الصدقات حتى يغنيه وعياله، وإن احتاج بعض المسلمين وليس في بيت

стр. 42

المال من الصدقات أي "الزكاة" شيء، أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت المال أي "الموارد الأخرى"١، ويقول الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات: "الكفاية تختلف باختلاف الساعات والأحوال"٢، وقد جرى المثل العربي "صيانة النفس في كفايتها".

стр. 43

ثانيا: التشخيص الإسلامي لسبب المشكلة الاقتصادية الاقتصاد الرأسمالى ... ثانيا: التشخيص الإسلامي لسبب المشكلة الاقتصادية ولقد كان للإسلام تشخيص معين لسبب المشكلة الاقتصادية، يختلف عن التشخيص الرأسمالي وكذا التشخيص الاشتراكي، وبالتالي اختلفت الحلول: أ- الاقتصاد الرأسمالي: سبب المشكلة الاقتصادية هم الفقراء أنفسهم سواء لكسلهم، أو لسوء حظهم بشح الطبيعة أو قلة الموارد. فقضية الفقر في نظره، هي أساسا قضية قلة إنتاج. وقد رتب على ذلك الفكر الاقتصادي الرأسمالي، أن على الدولة أن تبيح الحرية المطلقة للجميع لينتجوا ويكسبوا ويغتنوا دون قيد أو شرط وأن على من خانه الحظ أن يرضى بواقعه فهو نصيبه وقدر الله.

стр. 44

ب- الاقتصاد الاشتراكي: سبب المشكلة الاقتصادية هم الأغنياء أنفسهم باستئثارهم دون الأغلبية الكادحة بخيرات المجتمع، وبالتالي نشوء التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات التوزيع فقضية الفقر في نظره هي أساسا قضية سوء توزيع. وقد رتب على ذلك نظرياته في الصراع بين الطبقات، وفي التركيز على تغيير أشكال ووسائل الإنتاج بإلغاء الملكية الخاصة وتصفية الرأسماليين البورجوازيين بحسب تعبيرهم.

стр. 45

جـ- الاقتصاد الإسلامي: مرد المشكلة ليس هم الفقراء أو قلة الموارد، كما ذهب الاقتصاد الرأسمالي. كما أنه ليس سببها هم الأغنياء أو التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات التوزيع، كما ذهب الاقتصاد الاشتراكي. وإنما هي: أولا: مشكلة القصور في استغلال الموارد الطبيعية لا قلة هذه الموارد، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ١. ثانيا: مشكلة أثره الأغنياء وسوء التوزيع لا الملكية الخاصة ذاتها، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢. وقد أثر عن سيدنا علي

стр. 46

ابن أبي طالب ﵁ قوله: "ما جاع فقير إلا بما شبع غني"١، وعن السلف الصالح "ما من سرف إلا وبجواره حق مضيع"٢. فمشكلة الفقر في التشخيص الإسلامي، مردها الإنسان نفسه وفساد نظامه الاقتصادي سواء من حيث ضعف الإنتاج أو سوء التوزيع. وقد رتب الإسلام على ذلك ضرورة تنمية الإنتاج مع عدالة التوزيع، وأن أحدهما لا يغني عن الآخر، فوفره الإنتاج مع سوء التوزيع هو احتكار واستغلال لا يسلم به الإسلام، كما أن عدالة التوزيع دون إنتاج كاف هو توزيع للفقر والبؤس مما يرفضه الإسلام. ونخلص من ذلك أن مشكلة الفقر في التشخيص الإسلامي، ذات صفة مزدوجة، أو هي كالعملة ذات وجهين:

стр. 47

أولهما: يتعلق بوفرة الإنتاج، وثانيهما: يتعلق بعدالة التوزيع، على أن ذلك لا يمنع الباحث في الاقتصاد الإسلامي من التركيز على أحد الوجهين بحسب ظروف بلده ومجتمعه، فيرى مشكلة الفقر في إحدى الدول أو المجتمعات الإسلامية هي مشكلة إنتاج وتنمية أكثر منها مشكلة توزيع وعدالة، بينما يراها في دولة أو مجتمع إسلامي آخر هي مشكلة توزيع وعدالة أكثر منها مشكلة إنتاج وتنمية. ولا يؤدي به ذلك أن يكون متبعا في الحالة الأولى الفكر الاقتصادي الرأسمالي، أو أن يكون متبعا في الحالة الثانية الفكر الاقتصادي الاشتراكي، طالما هو لا يساير في الأساس الفكرين الوضعيين المذكورين في تصور مشكلة الفقر وأسلوب حلها١.

стр. 48

ثالثا: العلاج أو الحل الإسلامي للمشكلة الاقتصادية مدخل ... ثالثا: العلاج أو الحل الإسلامي للمشكلة الاقتصادية ومن واقع التشخيص الإسلامي لمشكلة الفقر، والذي يختلف عن كل من التشخيص الرأسمالي والتشخيص الاشتراكي للمشكلة المذكورة، كان العلاج أو الحل الإسلامي لتلك المشكلة، والذي يختلف بدوره عن كل من العلاج الرأسمالي أو الاشتراكي. ولسنا هنا يصدد دراسة تفصيلية لعناصر العلاج أو الحل الإسلامي لمشكلة الفقر. أو بيان أوجه الخلاف بينه وبين العلاج الرأسمالي أو الاشتراكي، فذلك وحده يحتاج إلى أكثر من كتاب. ولكننا نكتفي هنا بمجرد الإشارة إلى بعض العناصر الأساسية التي يقوم عليها الحل الإسلامي لمشكلة الفقر.

стр. 49

أ- المال مال الله والبشر مستخلفون فيه: لقد أسهب الفقهاء القدامى والمعاصرون في بيان طبيعة الملكية في الإسلام -سواء كانت هذه الملكية خاصة أم عامة- وآثار ذلك. وقد لخصوها بقولهم: "المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه". فحيازة أو ملكية الفرد أو الدولة للمال في الإسلام، ليست امتلاكا بالمعنى المطلق، وإنما هي وديعة أو ظيفة شرعية أو هي ملكية مجازية أي ملكية الفرد أو الدولة في الظاهر بالنسبة للآخرين؛ إذ المالك الحقيقي لكل الأموال هو الله تعالى. وأنه سبحانه سيحاسب المكتسب للمال أو الحائز المتصرف فيه حسابا عسيرا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ ١. وقد ترتب على تكييف الإسلام للملكية: خاصة كانت أم عامة، أن أصبحت أمانة واستخلاف ومسئولية، ويجب الالتزام في شأنها بتعاليم الإسلام فلا يجوز مثلا تمكين السفهاء والمبذرين من هذا المال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ٢. أو حرمان العاجزين المحتاجين من هذا المال بقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم﴾ ٣، أو أن

стр. 50

يكون المال متداولا بين فئة قليلة من الناس بقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم﴾ ١. أكثر من ذلك فإن شرعية الملكية: خاصة كانت أو عامة. تسقط إذا لم يحسن الفرد أو الدولة، استخدام هذا المال استثمارا أو إنفاقا في مصلحته أو مصلحة الجماعة، وقد عبر عن ذلك أصدق تعبير سيدنا عمر بن الخطاب حين قال لبلال وقد أعطاه الرسول ﵊ أرض العقيق: "إن رسول الله ﷺ لم يقطعك لتحجز عن الناس وإنما أقطعك لتعمل، فخذ ما قدرت على عمارته ورد الباقي"٢.

стр. 51

ب- لكل حد الكفاية أولا ثم لكل تبعا لعمله: واستنادا إلى أن المال في الإسلام هو مال الله والبشر مستخلفون فيه، كان المبدأ أو الأصل الاقتصاد الإسلامي الهام بأن لكل حد الكفاية أولا ثم لكل تبعا لعمله. ومؤدى ذلك هو ما سبق أن أوضحناه في محاضراتنا وفي مختلف بحوثنا وكتبنا في مجال الاقتصاد الإسلامي بأنه: في الظروف غير العادية "الاستثنائية" كمجاعة أو حرب حيث تقل الموارد ولا تتوافر الحاجيات يتساوى المسلمون من حيث توفير حد الكفاف Minimum Vital وفي الظروف العادية يتساوى المسلمون من حيث توفير حد الكفاية M. de Suffisance وما فوق ذلك يكون لكل تبعا لعمله وجهده. ويترتب على ذلك في نظرنا ما يلي: ١- الإسلام لا يحترم الملكية الخاصة إلا بعد ضمان "حد الكفاف": فحرمه الملكية الخاصة في الإسلام، مشروطة بأن يتوافر لكل فرد حد الكفاف أي الحد الأدنى اللازم لمعيشته. بمعنى أنه إذا وجد في المجتمع الإسلامي جائع واحد أو عار واحد، فإن حق الملكية لأي فرد من أفراد هذا المجتمع لا يجب احترامه ولا تجوز حمايته. ومؤدى ذلك أن هذا الجائع الواحد، أو المضيع الواحد، يسقط شرعية سائر حقوق الملكية إلى أن يشبع.

стр. 52

وهذا يفسر لنا قول الرسول ﵊: "إذا بات مؤمن جائعا فلا مال لأحد" ١. وقوله: "أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله" ٢، وقوله: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم في المدينة، حملوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منى وأنا منهم" ٣، وقوله في حالة سفر: "من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" ٤. ويضيف الرواة أن الرسول ﷺ ذكر من صنوف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدنا في مال.

стр. 53

وفي هذا المعنى يقول الخليفة عمر بن الخطاب ﵁: "إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف"١، كما يقول ﵁ عام المجاعة سنة ١٨هـ: "لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل كل بيت عدتهم يقاسمونهم أنصاف بطوهم حتى يأتي الله بالحيا -أي المطر- فعلت، فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم"٢. وقد عبر عن هذا المعنى الصحابي أبو ذر الغفاري بقوله: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه"٣. وهو ما عبر عنه الإمام ابن حزم في كتابه المحلى بقوله: "إنه إذا مات رجل جوعا في بلد

стр. 54

اعتبر أهله قتله وأخذت منهم دية القتيل، ويضيف ابن حزم بأن للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره "فإن قتل -أي الجائع- فعلى قاتله القصاص، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقا وهو طائفة باغية"١. وعبر عنه الفقيه أحمد بن الدلجي في كتابه الفلاكه والمفلكون "أي الفقر والفقراء" بقوله: "إن من حق المحروم أن يرى النعم التي بأيدي الناس مغصوبة، والمالك المستحق يطالب باسترداد ماله من أيدي الغاصبين"٢.

стр. 55

٢- الإسلام لا يسمح بالثروة أو الغنى إلا بعد ضمان "حد الكفاية": أي المستوى اللائق للمعيشة بحسب ظروف الزمان والمكان، والواجب توافره لكل من يتواجد في مجتمع إسلامي أيا كانت ديانته وأيا كانت جنسيته، وهو ما يوفره لنفسه بجهده وعمله، فإن عجز عن ذلك بسبب خارج عن إرادته كمرض أو شيخوخه، وانتقلت مسئولية ذلك إلى بيت مال المسلمين أي خزانة الدولة. وقد روى أبو يوسف في كتابه الخراج وأبو عبيد في كتابه الأموال كيف أن الخليفة عمر بن الخطاب في تفقده للأنصار، دهش حين رأى شيخًا يتكفف الناس فسأله: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فسأله: وما ألجأك إلى هذا؟ قال: الجزية والحاجة والسن. فأمر عمر بطرح جزيته وأن يعان من الزكاة باعتباره مسكينًا وأرسل إلى خازن بيت المال بقوله: "انظر إلى هذا وضربائه، فوالله ما أنصفناه،

стр. 56

إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم"١. كما روى البلاذري في كتابه فتوح البلدان، كيف أن الخليفة عمر بن الخطاب وهو في أرض الشام مر على قوم فقراء مرضى بالجذام، فأمر أن يعطوا من الزكاة وأن يجري عليهم الطعام بانتظام٢. فضمان حد "الكفاية" لا "الكفاف" لكل فرد يعيش في مجتمع إسلامي أيا كانت ديانته أو جنسيته، هو في الإسلام أمر جوهري مقدس باعتباره حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق، وفي إنكاره أو إغفاله تكذيب للدين نفسه وإهدار للإسلام بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ٣، ومن ثم يقول سيدنا علي بن أبي طالب: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر

стр. 57

ما يكفي فقراءهم"١، ويقول الإمام المارودي في كتابه الأحكام السلطانية "تقدير العطاء معتبر بالكفاية"٢. ومن ثم فإن الإسلام لا يسمح بالثروة والغنى مع وجود الفقر والعوز، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ٥، ويقول الرسول ﵊: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ" ٦، وفي رواية أخرى "من ترك كلًّا، فليأتني فأنا مولاه" أي من ترك صغارًا محتاجين فليأتني بصفتي الدولة فأنا مسئول عنهم كفيل بهم، وقوله عليه الصلاة

стр. 58

السلام: "من ترك ضياعًا فعلي ضياعه" ١. ٣- الإسلام لا يضع حدًّا أعلى للملكية أو الاغتناء: وأنه متى توافر لكل فرد في المجمع الإسلامي "حد الكفاية" أي المستوى اللائق للمعيشة والذي تضمنه الدولة لكل مواطن إذا عجز هو عن تحقيقه لسبب خارج عن إرادته، فإنه يكون لكل تبعًا لعمله وسعيه في الأرض دون قيد أو حد أعلى للملكية أو الثروة والاغتناء، فالقرآن يقول: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ٢، والحديث النبوي يقول: "لا بأس بالغنى لمن اتقى" ٣.

стр. 59

والله تعالى إذ يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ ١، وإذ يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ ٢. نجده سبحانه يقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ ٤. فاغتناء الناس وتفاوتهم في أرزاقهم ومعيشتهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات وتفضيل بعضهم على بعض، ليس اعتباطًا وإنما هو بقدر ما يبذولنه من جهد وعمل صالح، وصدق الله العظيم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٥.

стр. 60

وعليه فإنه في ظل الاقتصاد الإسلامي، يصح أن يتواجد أثرياء للغاية ممن نطلق عليهم اصطلاح مليونير أو بليونير، ولكنه مليونير أو بليونير ملتزم بالشرع، فهو على نحو ما سنبينه، لا يملك أن يكنز ماله أو يحسبه عن التداول والإنتاج، ولا يملك أن يصرف ماله على غير مقتضى العقل وإلا عُدَّ سفيهًا وجاز الحجر عليه، ولا يملك أن يعيش عيشة مترفة وإلا عُد بنص القرآن مجرمًا، وهو مطالب دائما بإنفاق الفائض عن حاجته في سبيل الله سواء في صورة إنفاق مباشر على المحتاجين أو استثمار يعود نفعه على المجتمع، وفوق ذلك كله فإن الحاكم أو أولياء الأمر أي الدولة الإسلامية مطالبة بالتدخل لمنع استئثار أقلية بخيرات المجتمع إعمالًا لقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١، ومطالبة دائمًا باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع وبالقدر الذي يحقق التكامل لا التناقص والتعاون ولا التصارع.

стр. 61

ج- الارتفاع بالتنمية الاقتصادية إلى مرتبة الفريضة والعبادة: اعتبر الإسلام تعمير الكون وتنمية الإنسان ليكون بحق خليفة الله في أرضه بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ١. هو غاية خلقه ووجوده بقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ٢، أي كلفكم بعمارتها. فلم يخلق الله تعالى الإنسان في هذه الدنيا عبثا أو لمجرد أن يأكل ويشرب، وإنما خلقه لرسالة يؤديها، هي أن يكون خليفة الله في أرضه: يدرس ويعمل، وينتج ويعمر، عابدًا الله شاكرًا فضله، ليقابله في نهاية المطاف بعمله وكدحه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ٣، بل لقد جعل الإسلام صدق العمل والكدح أو بطلانه، هو سبيل سعادة المرء أو شقائه في الدنيا

стр. 62

والآخرة، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ١. ولقد بلغ حرص الإسلام على التنمية الاقتصادية وتعمير الدنيا، أن قال الرسول ﵊: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة "نخلة صغيرة" فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها" ٢. وساوى الإسلام بين المجاهدين في سبيل الدعوة الإسلامية وبين الساعين في سبيل الرزق والنشاط الاقتصادي بقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣. أكثر من ذلك اعتبر الإسلام السعي على الرزق وخدمة المجتمع وتنميته من أفضل ضروب العبادة: فقد ذكر للرسول ﵊ رجل كثير العبادة، فسأل: "من يقوم به؟ "، قالوا: أخوه، فقال ﵊: "أخوه أعبد منه" ٤. وقد أراد أحد الصحابة

стр. 63

الخلوة والاعتكاف لذكر الله، فقال له الرسول ﵊: "لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله -أي في خدمة المجتمع وتنميته- أفضل من صلاته في بيته ستين عامًا" ١، ويقول ﵊: "لكل أمة سياحة، وسياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" ٢، أي تعمير الكون وتنمية الإنسان ليكون بحق خليفة الله في أرضه. ونخلص من ذلك أن التنمية الاقتصادية في الإسلام، هي فريضة وعبادة، بل هي من أفضل ضروب العبادة، وأن المسلمين قادة وشعوبًا مقربون إلى الله تعالى بقدر تعميرهم للدنيا وأخذهم بأسباب التنمية الاقتصادية وذلك بمفهومها الإسلامي الذي يميزها عن سائر المذاهب والأنظمة الاقتصادية السائدة، ذلك لأن التنمية الاقتصادية الإسلامية، بحسب تحليلنا لها، هي تنمية شاملة، ومتوازنة، وغايتها الإنسان نفسه ليكون بحق خليفة الله في أرضه.

стр. 64

١- تنمية شاملة: وذلك لأنها لا تستهدف رقي الإنسان ماديا فحسب وإنما روحيا بصفة أساسية، والروحانية في الإسلام، ليست كما يتصور البعض مسألة ميتافيزيقية أو غيبية، وإنما هي العمل الصالح إيمانا بالله واعتبارا أو مراعاة له تعالى سواء كان ذلك الإيمان أو تلك المراعاة والاعتبارات المتأصلة في العقل والنفس والمتمثلة في النشاط والسلوك مردها خشيته تعالى والخوف من عقابه، أو كان مردها ابتغاء مرضاته والفوز بجنته. فالإسلام كما سبق أن وضحنا بكتابنا "ذاتية السياسة الاقتصادية الإسلامية"، لا يعرف الفصل بين ما هو مادي وما هو روحي، ولا يفرق بين ما هو دنيوي وما هو أخروي. فكل نشاط مادي أو دنيوي يباشره الإنسان، هو في نظر الإسلام عمل روحي أو أخروي، طالما كان مشروعًا وكان يتجه به إلى الله تعالى١. فالله تعالى ما خلق

стр. 65

الجنس والإنس إلا ليعبدوه، أي ليعملوا عملًا صالحًا، والإيمان في الإسلام ليس إيمانًا مجردًا Abstrait ولكنه إيمان محدد Concret مرتبط بالعمل الصالح. وأن مبدأ الشمول في التنمية الاقتصادية الإسلامية، يقتضي أن تضمن التنمية كافة الاحتياجات البشرية من مأكل وملبس ومسكن ونقل وتعليم وتطبيب وترفيه وحرية العمل وحرية التعبير وممارسة الشعائر الدينية ... إلخ، بحيث لا تقتصر التنمية على إشباع بعض الضروريات أو الحاجيات دون الأخرى، ومن هنا لا يقبل الإسلام "تنمية رأسمالية" تضمن حرية التعبير ولا تضمن لقمة الخبز، كما لا يقبل "تنمية اشتراكية" تضمن لقمة الخبز وتقتل حرية التعبير. ٢- تنمية متوازنة: وذلك لأنها لا تستهدف زيادة الإنتاج فحسب بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ١، وإنما تستهدف أساسًا عدالة التوزيع.

стр. 66

بقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ١. بحيث يعم الخير جميع البشر أيا كان موقعهم في المجتمع وأيا كان مكانهم في الكون، ذلك أن هدف الإسلام من التنمية الاقتصادية هو أن يتوافر لكل فرد، أيا كانت جنسيته أو ديانته أي بصفته إنسانًا، حد الكفاية لا الكفاف، أي المستوى اللائق للمعيشة بحسب زمنه ومكانه لا مجرد المستوى الأدنى اللازم للمعيشة. وذلك حتى يستشعر نعم الله وفضله، فيتجه تلقائيا إلى حمده تعالى وعبادته، هذا الحمد والشكر الذي لا يعبر عنه في الإسلام بالقول والامتنان فحسب وإنما بالعمل والإخلاص فيه لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ٢، وهذه العبادة التي لا تتمثل في الإسلام بالصلاة والتوجه إلى الله فحسب وإنما أساسًا بخدمة الغير ومد يد العون لكل محتاج لقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٣.

стр. 67

فالإسلام على نحو ما سبق إيضاحه؛ إذ يتطلب زيادة الإنتاج، يستلزم في نفس الوقت عدالة التوزيع، بحيث لا يغني أحدهما عن الآخر، ومن ثم لا يقبل الإسلام "تنمية رأسمالية" تستهدف تنمية ثروة المجتمع دون نظر إلى توزيع الثروة، وإذا كانت "التنمية الاشتراكية" تؤكد العلاقة بين أشكال الإنتاج والتوزيع، إلا أنها ترى أن نظام التوزيع يتبع دائمًا شكل الإنتاج، في حين يرفض الإسلام هذه التبعية بحيث أيا كانت أشكال الإنتاج السائد فإنه يضمن أولا حد الكفاية لكل فرد وذلك كحق إلهي مقدس يعلو فوق كل الحقوق، ثم بعد ذلك يكون لكل تبعًا لعمله وجهده، وبحيث إذا لم يتوافر حد الكفاية لكل مواطن وهو ما لا يكون إلا في ظروف استثنائية كمجاعة أو حرب تأسى الجميع في حد الكفاف. وإن مبدأ التوازن في المفهوم الإسلامي للتنمية الاقتصادية، يقتضي أن تتوازى جهود التنمية، ومن ثم لا يقبل في الإسلام أن تنفرد بالتنمية المدن دون القرى، أو أن تستأثر الصناعة بالتنمية دون الزراعة، أو أن تقدم

стр. 68

الكماليات أو التحسينات على الضروريات أو الحاجيات، أو أن تسبق الصناعات الثقيلة أو المستوردة الصناعات الاستهلاكية أو المحلية، أو أن يركز على المشروعات الإنتاجية دون الخدمات والتجهيزات الأساسية ... إلخ من الأخطاء العديدة التي وقعت فيها مختلف الدول العربية والإسلامية. مقلدة دون وعي تجارب شرقية أو غربية، غافلة أو جاهلة الصيغة الإسلامية بضرورة "التوازن الإنمائي"، ولا شك أن التنمية الاقتصادية غير المتوازنة التي نراها في أغلب دول العالم الإسلامي مركزة على جزء من الاقتصاد القومي دون بقية الأجزاء هي تنمية مشوهة DEFORME بل هي في حقيقتها تنمية للتخلف إذ تزيد من تدهور بقية الأجزاء. ٣- تنمية غاية الإنسان نفسه: ليكون بحق خليفة الله في أرضه، فذلك ما يحدد بواعث أو غاية التنمية الاقتصادية الإسلامية وآثارها. التنمية الرأسمالية: الباعث فيها هو تحقيق أكبر قدر من الربح، مما يؤدي عادة إلى الانحراف بالإنتاج عن توفير احتياجات المجتمع

стр. 69

الضرورية مع وفرة إنتاج السلع الكمالية التي يطلبها الأغنياء والمترفون، وما يصاحب ذلك من سيادة المادة ومختلف المساوئ الاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات الغربية. التنمية الاشتراكية: الباعث فيها هو سد احتياجات الدولة وفق أطماع وسياسات القائمين على الحكم لا وفق احتياجات ورغبات المواطنين أنفسهم، مما يهدد كلية حرية الفرد ويجعل منه ترس أو أداة لا غاية. التنمية الإسلامية: الباعث فيها ليس الربح شأن الرأسمالية، ولا أهواء القائمين على الحكم شأن التنمية الاشتراكية، وإنما هو ضمان حد الكفاية لكل مواطن ليتحرر من أية عبودية أو حاكمية إلا عبودية وحاكمية الله وحده. فغاية التنمية الإسلامية هو الإنسان نفسه لا تستعبده المادة شأن التنمية الرأسمالية، ولا يستذله الغير شأن التنمية الاشتراكية، وإنما محررًا مكرمًا يعمر الدنيا ويحييها بالعمل الصالح ليسعد في الأرض ويفوز بجنة الله في الآخرة.

стр. 70

د- الجمع بين "الضمان الاجتماعي" و"التكافل الاجتماعي ": ١- الضمان الاجتماعي في الإسلام: ويراد به التزام الدولة الإسلامية نحو كافة المقيمين بها، أيا كانت ديانتهم أو جنسياتهم، وذلك بتقديم المساعدة للمحتاجين منهم في الحالات الموجبة بتقديمها كمرض أو عجز أو شيخوخة، متى لم يكن لهم دخل أو مورد يوفر لهم حد الكفاية، ودون أن يطلب تحصيل اشتراكات مقدمًا. والأخذ بالضمان الاجتماعي في الإسلام، هو من قبيل تطبيق النص أي ما ورد بالقرآن والسنة فيما يتعلق بالزكاة١.

стр. 71

٢- التكافل الاجتماعي: وهو التزام الأفراد بعضهم نحو بعض، وهو لا يقتصر في الإسلام على مجرد التعاطف المعنوي من شعور الحب والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يشمل أيضًا التعاطف المادي بالتزام كل فرد قادر بعون أخيه المحتاج ويتمثل فيما يسميه رجال الفقه الإسلامي بحق القرابة١

стр. 72

وحق الماعون١ والتزام الضيافة٢ والتزام الإنفاق في سبيل الله٣، والأخذ بالتكافل الاجتماعي في الإسلام هو

стр. 73

من قبيل تطبيق النص، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٣. والعفو هنا هو كل ما زاد عن الحاجة، وقوله ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ٤، وتلخيصه ﵊ علامة الإيمان بقوله: "والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٥. ٣- الإسلام دين الضمان الاجتماعي: والتكافل الاجتماعي: ونخلص مما تقدم أن الإسلام هو دين الضمان الاجتماعي من حيث التزام الدولة، وهو دين التكافل الاجتماعي من

стр. 74

حيث التزام الأفراد، ويتمثل الضمان الاجتماعي في الإسلام كما سبق أن أشرنا في ضمان "حد الكفاية" لكل فرد يتواجد في مجتمع إسلامي أيا كانت ديانته وأيا كانت جنسيته تكفله له الدولة الإسلامية عن طريق مؤسسة الزكاة، وذلك متى عجز أن يوفره لنفسه لسبب خارج عن إرادته كمرض أو عجز أو شيخوخة ... إلخ١. ثم يأتي التكافل الاجتماعي من جانب الأفراد، كعنصر مكمل لالتزام الدولة وجهودها في إزالة العوز والقضاء على القهر. إننا لا نقول مع الاشتراكيين إن أساس الخروج من المشكلة الاقتصادية هو الدولة، ولا مع الرأسماليين بأن أساس الخروج من هذه المشكلة هو الأفراد والجهود الذاتية. ولكننا نقول بما يقرره الإسلام من ضرورة التعاون بين الدولة والأفراد، وأن لكل منهما مجاله بحيث يكمل كل منهما الآخر، والواقع أن الدولة لا تستطيع القيام بكل شيء، وأن تدخلها المطلق أوإحجامها المطلق، يؤدي إلى مساوئ عديدة، والمناط في الاقتصاد الإسلامي هو تحقيق التعاون والتكامل بين الدولة والأفراد على الوجه السابق بيانه.

стр. 75

هـ- معيار تقويم الدولة في نظر الاقتصاد الإسلامي: ١- معيار الحكم في الاقتصاد الإسلامي: في اعتقادنا أن معيار الحكم في الاقتصاد الإسلامي على أي دولة في العالم ليس هو بمقدار ما بلغته هذه الدولة من مستوى حضاري أو تكنولوجي، أو ما تملكه تلك الدولة من ثروة مادية أو بشرية، ولا هو بمقدار ما يخص كل فرد من الدخل القومي ... إلخ. وإنما هو بالمستوى المعيشي اللائق الذي يتوافر أو تضمنه الدولة لأقل أو أضعف مواطن فيها لتحريره بذلك من عبودية الحاجة ومشاعر الحقد والحرمان، ومستشعرا نعمة الله راضيا متعاونًا مع مجتمعه، وكما عبر عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية "إن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه خلق
следующие страницы →