← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11527

الإسلام والتوازن الاقتصادي بين الأفراد والدول

محمد شوقى الفنجرى

Полный текст (131 стр.). Показаны 106–131 · переход к 111.

стр. 106

القرآن صريحا بقوله تعالى ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١، بمعنى أنه لا يقبل في الإسلام أن يكون المال متداولًا بين فئة قليلة من الناس، كما جاء النص النبوي صريحًا بقوله ﷺ : " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" ٢. ج- إعادة التوزيع عند افتقاد التوازن: وانطلاقا من ذات المبدأ أو الأصل الاقتصادي الإسلامي في شأن التفاوت المنضبط أو حفظ التوازن الاقتصادي، تعين على المشرع الإسلامي أو الحاكم، أو ولي الأمر، أو أهل الحل والعقد التدخل من وقت لآخر لإعادة هذا التوازن عند افتقاده. وهو ما فعله الرسول ﷺ عند هجرته إلى المدينة؛ إذ ظهر اختلال في المراكزالاقتصادية بين المهاجرين والأنصار بعد أن ترك المهاجرون أموالهم بمكة بينما كان الأنصار بالمدينة وأساس ثروتهم هو

стр. 107

الزراعة ولبعضهم أراض واسعة استخدموا فيها المهاجرين كأجراء وهو ما لا يحقق التوازن الاقتصادي، ومن ثم حرم الرسول ﵊ تأجير الأرضي الزراعية بقوله: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يؤجرها إياه" ١ حتى إذا ما استقرت الأمور بالمهاجرين وتحسنت أحوالهم المادية أجاز الرسول ﵊ تأجير الأراضي الزراعية. وهو ما فعله أيضا الرسول ﷺ ، حين قصر توزيع فيء بني النضير على المهاجرين واثنين فقط من الأنصار كانوا فقراء وتوافرت فيهما نفس الحكمة التي أوحت بتخصيص هذا الفيء للمهاجرين وهي إعادة التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع٢. - وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب عند فتح الشام والعراق، أراد المحاربون قسمة الأرضي المفتوح عليهم

стр. 108

بدعوى أنها تأخذ حكم الغنائم. فرفض ذلك سيدنا عمر ﵁، لما سيؤدي إلى استئثار أقلية بثروات خيالية وبالتالي إلى اختلال التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع، وقد انتهى الصحابة إلى الأخذ بوجهة نظره بأن حكم الغنائم هو في الأموال المحددة قيمتها من المنقولات، بخلاف الأمر في العقارات والأموال الكبيرة كالأرضي المفتوحة فإنها تكون وقفًا للمسلمين جميعًا أي ملكية عامة للدولة لا ملكية خاصة للمحاربين، وما بقاؤها في أيدي أصحابها الأصليين إلا من قبيل الانتفاع مقابل دفع خراج لبيت المال أي أجرة الأرض١. والتزامًا بنفس المبدأ، كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى عامله على أرض الحمى قائلًا "ادخل رب الصريمة ورب الغنيمة -أي صاحب الإبل القليلة والغنم القليل- ودعني من نعم ابن عفان ونعم ابن عوف، فإنهما إن هلكت

стр. 109

ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وإن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين"١. وروي أنه حين أقطع الخليفة أبو بكر الصحابي طلحة بن عبيد الله أرضًا وكتب له بها كتابًا وطلب منه أن يشهد عليه سيدنا عمر بن الخطاب رفض ﵁ قائلًا: "أهذا كله لك دون الناس" فلما رجع طلحة إلى أبي بكر متسائلا: أيكما الخليفة رد عليه أبو بكر بأنه عمر٢. - وفي أواخر أيام سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، حين بدأت تظهر طبقة من كبار الأثرياء في شبه الجزيرة العربية وخارجها، ولم يمتد به الأجل ليواجهها بما عرف عنه من حسم حيث طعن تلك الطعنة التي قضي بها، نقل عنه كلمته المشهورة "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول الأغنياء فرددتها على الفقراء" وقوله: "والله لئن بقيت إلى الحول، لألحقن أسفل الناس

стр. 110

بأعلاهم"١، ولكن القدر لم يمهله وخلفه سيدنا عثمان بن عفان. وقد تفجرت المشكلة الاقتصادية بصورة عنيفة، مما دعا الصحابي أبا ذر الغفاري إلى التصدي للوضع والمناداة باسم الإسلام بأنه لا يجوز لمسلم أن يمتلك أكثر من حاجته وما زاد فيجب إنفاقه كله في سبيل الله٢. ولعله من أهم أسباب تفكك الدولة الإسلامية، تلك السياسة التي جرى عليها متأخرو خلفاء بني أمية، من حيث استئثارهم دون سائر المسلمين بكثير من الثروة، واتجاههم في معيشتهم إلى البذخ والترف. وزاد الأمر سوءًا، أن بدأ يضعف التكافل التلقائي للمجتمع الإسلامي بضعف الوازع الديني عن تعاليم الإسلام.

стр. 111

الفرع الخامس: الإسلام والطبقات الاجتماعية ١- مدلول الطبقة الاجتماعية: تختلف المفاهيم في مدلول اصطلاح الطبقة الاجتماعية: أ- المفهوم التقليدي: الطبقة الاجتماعية هي مجموعة من الأفراد تتميز عن غيرها في مدى ما تتمتع به من نعم مادية بسبب وفرة ما لديها من أموال، سواء نتيجة ملكية "وراثة" أو عمل "جهد". ب- المفهوم الماركسي: الطبقة الاجتماعية هي مجموعة من الأفراد تجمعهم بصفة خاصة مركزهم من ملكية وسائل الإنتاج ودورهم في العمل الاجتماعي، وترتبط الطبقات الاجتماعية إما بعلاقات عدائية عندما تحصل على نصيب من الثروة الاجتماعية على حساب طبقة أخرى كالعلاقة بين ملاك وسائل الإنتاج "البورجوازيين" والأجراء "البروليتاريا".

стр. 112

وإما بعلاقات غير عدائية وتكون بين طبقات غير مستغلة لطبقات أخرى كالعلاقة بين العمال والفلاحين. ولا يعتبر العداء بين الطبقات في نظر الماركسيين شرًّا محضًا، بل هو من حتميات التطور الاجتماعي وأهم دوافعه، ومن ثم يجب تغذيته حتى تحل طبقة العمال محل الطبقة البورجوازية وهو مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية١. ج- رأي الإسلام: ولا يسلم الإسلام بالمفهوم التقليدي من حيث تقسيمه المجتمع إلى طبقات متميزة بسبب المال. كما يرفض الإسلام كلية المفهوم الماركسي سواء في تصوره للطبقات الاجتماعية أو تغذيته للصراع بينها.

стр. 113

٢- الإسلام لا يقر الطبقية: وإن إقرار الإسلام للتفاوت في الثروة والدخول ليس معناه، كما تصور البعض خطأ، أن الإسلام يقر الطبقية، وذلك لما سبق أن بيناه: أ- الإسلام لا يسمح بالثروة والغنى إلا بعد القضاء على الفقر والحاجة: بضمان حد الكفاية لا الكفاف لكل فرد. بمعنى أنه إذا عجز أي فرد يتواجد في مجتمع إسلامي، أيا كانت جنسيته أو ديانته، أن يوفر لنفسه المستوى اللائق للمعيشة، بسبب خارج عن إرادته كمرض أو عجز أو شيخوخة، فإن نفقته تكون واجبة في بيت مال المسلمين أي في خزانة الدولة. ب- الإسلام لا يسمح بالتفاوت المطلق في الثروة والدخول: إن الإسلام لا يسمح بأي حال من الأحوال أن يكون التفاوت في الثروة والدخول مطلقا بحيث يخل بالتوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع ودول العالم، وإنما هو حسبما

стр. 114

سبق بيانه تفاوت منضبط بالقدر الذي يحض على العمل ويوفر الباعث ويشجع المبادرة والإبداع، وبما يحقق التكامل لا التناقض والتعاون لا الصراع، وإنه يتعين على أولي الأمر التدخل لإعادة التوزيع كلما افتقد هذا التوازن. ج- الإسلام لا يسمح أن تستأثر أقلية بخيرات المجتمع: بل أن يعم الخير الجميع. كما أنه لا يسمح كلية بممارسة أية صورة من صور الترف أو البذخ المفضي إلى البطر، ولا صرف المال في غير موضعه مما يسمى بلغة اليوم الإنفاق المبدد أو الاستهلاك الاستفزازي. د- الناس جميعًا في نظر الإسلام سواء: دون تمييز من جنس أو وطن أو مال أو حسب أو جاه ... إلخ، فالعامل الوحيد المميز بين الناس في نظر الإسلام هو التقوى لا المال، أي العامل الإنساني "الطبيعي" لا العامل الاجتماعي "المصطنع"؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ١، ويقول الرسول ﵊: "الناس سواسيه كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" ٢

стр. 115

٣- مفهوم التقوى كعامل تمييز: ومفهوم التقوى باعتبارها العامل الوحيد المميز بين الناس في الإسلام، ليس كما تصوره البعض خطأ كالإمام الغزالي بأنه "الإعراض عن الحياة والمال، والهروب من الشواغل والعوائق، وقطع علاقة القلب عن الدنيا والإنابة إلى دار الخلود"١. فليس ذلك من التقوى أو من الإسلام، الذي جاء إيجابيًّا لا سلبيًّا، واجتماعيًّا لا انعزاليًّا، ولم يسئ إلى الإسلام إلا بمثل هذه الأفكار الهادمة المعوقة٢.

стр. 116

مفهوم التقوى في الإسلام، هو العمل الصالح، المتمثل في إتقان المرء عمله "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه" ١، وفي حسن الأخلاق وصدق المعاملة فقد سئل الرسول ﵊ عن أحسن عباد الله فقال: "أحسنهم خُلقًا" ٢. وتتمثل التقوى في صورتها الروحانية المثلى في تعمير الكون وتنمية الحياة، ذلك أن الإنسان هو خليفة الله في أرضه ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ٣، وأنه تعالى سخر له كل شيء ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٤، فيجب أن يرتفع إلى مستوى هذه الخلافة بأن يعمر الدنيا ويحييها ويسخر طاقاتها لخدمته حامدًا الله؛ إعمالًا لقول الله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ٥، أي كلفكم بعمارتها، وهو يباشر ذلك كله باسم

стр. 117

الله سبحانه ذاكرًا إياه في كل لحظة مسبحًا بحمده شاكرًا فضله، خاشيًا غضبه وانتقامه ملتمسا رضاه وتوفيقه١، وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢. وصدق رسوله الكريم "العمل عبادة" ٣، وقوله ﵊: "ما عبد الله بمثل عمل صالح" ٤، وقوله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم، ولكنه ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ٥. والتقوى في الإسلام هي الإيمان المقرون بالعمل الصالح ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة﴾ ٦، فهي نهج وأسلوب في الحياة أساسه

стр. 118

العمل النافع المقرون بالإحساس بالله تعالى، وابتغاء وجهه١. وصدق الله العظيم ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ٢، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ٣، وقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٤. وصدق الرسول الكريم "الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل" ٥، وقوله ﵊: "رهبانية الإسلام، الجهاد في سبيل الله" ٦ وسبيل الله هو دائما أبدًا سبيل المجتمع وخدمة الناس على أن يكون ذلك ابتغاء وجه الله لا وجه الشهرة أو السيطرة.

стр. 119

٤- المليونير الذي يعترف به الإسلام: حقا لقد كان في عهد الرسول ﵊ أثرياء مما نسيمه بلغة اليوم "أصحاب الملايين" كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، إلا أن كلا منهم "مليونير" بالمفهوم الإسلامي، أي ملتزم بحكم الشرع حيث إنه: أ- لا يملك أن يكنز ماله أو يحبسه عن التداول والإنتاج: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ١. أي أنه مطالب باستثمار ماله لصالح المجتمع.

стр. 120

ب- لا يملك أن يصرف ماله على غير مقتضى العقل: وإلا عد سفيها وجاز عليه الحجر: لقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ١. أي أنه مطالب بالرشد في الإنفاق الشخصي. ج- لا يملك أن يعيش عيشة مترفة تؤدي إلى البطر: حتى لقد وصف الله تعالى المترفين بالإجرام بقوله سبحانه: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٢. أي أنه مطالب بعدم الغلو في معيشته والاعتدال في حياته. د- وهو أخيرًا مأمور بأن ينفق كل ما زاد عن حاجته في سبيل الله: لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٣، وقول رسول الكريم: "يابن آدام، إن

стр. 121

تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك " ١، والعفو أو الفضل هو كل ما زاد عن الحاجة. فالإسلام لا يكتفي بفريضة الزكاة، بل يطالب القادرين أيضًا بفريضة الإنفاق في سبيل الله، وينذرهم في إغفالها بالتهلكة والحساب العسير إذ يقول تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٢، ولقوله سبحانه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣، ويقول ﵊: "السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، والبخيل بعيد عن الله، بعيد عن الناس، بعيد عن الجنة، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل" ٤.

стр. 122

أي أن الثري في الإسلام يلتزم بالإنفاق في سبيل الله، أي في سبيل المجتمع، وليس مجرد الاكتفاء بأداء الزكاة، وتزداد مسئولياته كلما وسع الله عليه. وعليه أن يباشر ذلك تلقائيا بدافع من العقيدة وابتغاء مرضاة الله، وإلا حق للدولة التدخل وإلزامه بأداء هذه الفريضة على الوجه الذي تراه متفقا معها والصالح العام. ومؤدى ما تقدم أن المليونير الذي يعترف به الإسلام هو الذي يستثمر ماله كله لصالح المجتمع، مبتغيا في استثماره وإنفاقه وجه الله، مستشعرًا أن ماله أمانة ووديعة أودعها الله تعالى بيده، وأنها بلاء واختبار، ليس له إلا ما يسد حاجته بالحق دون استعلاء أو مخيلة ودون سرف أو ترف. وبعبارة أخرى، إن المليونير في الإسلام لا يملك أن يعيش في سرف أو ترف، وليس أمامه بالنسبة لماله الزائد عن حد الكفاية أو تمام الكفاية إلا أحد أمرين: أ- إما استثماره في مشروعات إنتاجية تعود بالنفع على المجتمع.

стр. 123

ب- وإما إنفاقه على الفقراء والمحتاجين وفي مشروعات خيرية: لقد كان المسلمون الأوائل يتسابقون في البحث عن كل محتاج لكفالته؛ ابتغاء وجه الله، بل لقد كان أثرياء المسلمين يسارعون في القيام بالتزامات الدولة ذاتها. فهذا عثمان بن عفان يقوم بتجهيز جيش العسرة، وهذا عبد الرحمن بن عوف يدفع كل ثروته لإعتاق الرقيق وسد حاجة كل طالب. ولم تكن المسارعة إلى البذل في سبيل الخير من شأن المكثرين وحدهم، بل كان ذلك أيضًا من المقلين حتى كان منهم من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.

стр. 124

خاتمة: ١- تعتبر مشكلة توزيع الثروة بين الناس من أهم مشاكل المجتمع في كل عصر، إن لم تكن هي جوهر المشكلة الاقتصادية ذلك أنه إذا كانت التنمية الاقتصادية ووفرة الإنتاج هي الأساس والمفتاح لحل المشكلة الاقتصادية، فإنه لا قمية لهذا التنمية ولا معنى لهذه الوفرة، إذا لم تعم الجميع لتشمل كل فرد من أفراد المجتمع وكل دولة من دول العالم. لذلك اختلفت المذاهب والنظم الاقتصادية اختلافًا أساسيًّا في الحلول التي وضعتها لحل مشكلة التوزيع، ويرجع اختلاف تلك الحلول إلى اختلافها الأيدلوجي أي المذهبي في أسس التوزيع، مما يعبر عنه بعض الاقتصاديين باصطلاح "التوزيع الشخصي" أو "التوزيع النظري"، وما يستتبع ذلك من اختلافهما في مكافأة عناصر أو عوامل الإنتاج وتحديد ما يخص كل عنصر أو عامل في التوزيع، مما يعبر عنه بعض الاقتصاديين باصطلاح، "التوزيع الوظيفي" أو "التوزيع العملي".

стр. 125

٢- ولقد وردت نصوص القرآن والسنة صريحة في الكشف عن المذهب الاقتصادي الإسلامي في مجال التوزيع والذي يقوم أولا على ضمان "حد الكفاية" لا مجرد "حد الكفاف" لكل فرد يعيش في مجتمع إسلامي، أيا كانت جنسيته أو ديانته كحق إلهي مقدس له كإنسان تضمنه له الدولة الإسلامية متى عجز أن يوفره لنفسه بسبب خارج عن إرادته كمرض أو شيخوخة، إذ كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ١، ثم بعد ذلك يكون لكل تعبا لعمله وجهده إذ كما ورد في الحديث النبوي: "لا بأس بالغنى لمن اتقى". ولقد لخص الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، سياسة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي بقوله: "ما من أحد إلا وله في هذا المال حق: الرجل وحاجته.. الرجل وبلاؤه "أي عمله" ... " ثم قوله: "إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسينا في

стр. 126

عيشنا حتى نستوي في الكفاف"، ومن ثم كان تحليلنا من واقع نصوص القرآن والسنة أن الإسلام لا يسمح بالثراء والغنى إلا بعد القضاء على الفقر والحاجة. وأنه في الظروف غير العادية كحروب أو مجاعات والتي تشح فيها موارد المجتمع بحيث لا يتوافر فيها "حد الكفاية" لكل مواطن فإنه يتأسى الجميع في "حد الكفاف" بحيث لا يحصل أحد أيا كان مركزه أو مكانته في المجتمع على أكثر من احتياجاته الضرورية. ٣- وإذا كان التفاوت في توزيع الثروة والدخول، هو أمر طبيعي يقره الإسلام تبعا لاختلاف المواهب والقدرات، بل يعتبر ضرورة لإيجاد الحوافز وتحقيق التعاون والتكامل سواء على المستوى المحلي أو العالمي، إلا أن الإسلام يرفض بشدة التفاوت الفاحش في توزيع الثروة والدخل والذي تستأثر من خلاله فئة معينة من الأفراد أو دول معينة بالخير كله، مما يؤدي إلى تهميش الأغلبية وسلبيتها أو إلى اغترابها وإثارة حقدها وثورتها فضلا عن كافة المساوئ، وهو الأمر الذي نبه إليه القرآن الكريم بقوله

стр. 127

تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١. والواقع أن مشكلة الاقتصادي الوطني، هي أساسًا في اختلال التوازن، سواء في أسس توزيع الثروة بين أفراد المجتمع "أي ما اصطلح عليه بالتوزيع النظري أو الشخصي"، أم في مكافأة عناصر الإنتاج "أي ما اصطلح عليه بالتوزيع العملي أو الوظيفي". كما أن مشكلة الاقتصاد العالمي اليوم، هي أساسا في الهوة المتزايدة بين الدول النامية والدول المتقدمة. وفي عدم التكافؤ في التداول ببخس أسعار المواد الأولية والتغالي في أسعار المنتجات الصناعية وانتفاء أي علاقة عادلة بينهما. ولا يستهدف بصفة أساسية، أي تغيير أو إصلاح أو أي نظام اقتصادي جديد، سوى تحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع على المستوى المحلي، وتحقيق التوازن الاقتصادي بين دول العالم على المستوى العالمي. ولقد رأينا كيف أن الإسلام يتطلب التدخل سواء في مجال التوزيع الشخصي أي أسس التوزيع، أم في مجال

стр. 128

التوزيع الوظيفي أي مكافأة عناصر الإنتاج، بهدف تحقيق عدالة التوزيع من خلال إعادة التوازن الاقتصادي عند افتقاده ومن خلال ضبط التفاوت والتباين في التوزيع، وذلك كله بالقدر الذي يحقق هدفه، وهو التكافؤ والتعاون والتكامل، لا الاستغلال والصراع والتناقض. ٤- وإذا كانت الاقتصاديات الوضعية رأسمالية كانت أو اشتراكية، تبني حساباتها في التوزيع على أساس أشكال الإنتاج السائدة في المجتمع، فهي التي تحدد أساس التوزيع وكيفيته، فإن الإسلام يرفض تلك التبعية أو الحتمية، فتراه يقرر منذ البدء أنه أيا كانت أشكال الإنتاج السائدة في المجتمع، فإنه يتعين أولا ضمان الحاجات "حد الغنى" أو "حد الكفاية" أي المستوى اللائق للمعيشة تمييزا له عن "حد الكفاف" أي المستوى الأدنى للمعيشة. فقضية التوزيع في الاقتصاد الإسلامي ليست قضية أشكال إنتاج أو أوضاع معينة للإنتاج تسود المجتمع بحيث تتطلب نظامًا معينًا للتوزيع يلائم سيرها أو نموها وبحيث يتغير التوزيع كلما تغيرت أو تطورت أشكال أو

стр. 129

أساليب الإنتاج، وإنما هي قضية إنسان له متطلباته أو احتياجاته التي يتعين أولا وقبل كل شيء إشباعها في إطار يحافظ على إنسانيته وينميها سواء كان هذا الإنسان في مجتمع متخلف يحرث الأرض بيده ويستخدم في إنتاجه الوسائل البدائية أم كان في مجتمع متقدم يصنع المواد الأولية ويستخدم في إنتاجه قوة البخار أو الكهرباء أو الذرة. ٥- وعلى خلاف سائر الاقتصاديات الوضعية، يعالج الإسلام توزيع الثروة والدخول من زاوية أخرى هي زاوية استعمال الثروة أو الدخل، مما لا نجد له مثلا في أي مذهب أو نظام اقتصادي. فمثلا في ظل أي نظام اقتصادي رأسماليًّا كان أو اشتركيًّا، يستطيع المرء في ظل هذا النظام أن يكون ثروة وأن يكون بلغة اليوم "مليونيرًا" وأنه طالما كون ثروته بالطرق المسموح بها في هذا النظام فإن أحدًا لا يملك أن يحاسبه عن كيفية استخدام دخله أو التصرف في ثروته، بخلاف الأمر في الإسلام فإن هذا الثري ليس حرًّا في استعمال ماله كيفما شاء، بل هو مقيد بعدة قيود

стр. 130

فهو لا يستطيع مثلا أن يكتنز ماله أو يحبسه عن التداول والإنتاج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١، وهو لا يستطيع أن يصرف ماله على غير مقتضى العقل وإلا عد سفيها وجاز الحجر عليه بقوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ٢، وهو لا يستطيع أن يعيش عيشة مترفة وإلا عد بنص القرآن مجرمًا بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٣. وهو بالتالي ليس أمامه بالنسبة لماله الزائد عن حاجته أو كفايته إلا أحد أمرين: أ- إما استثماره في مشروعات إنتاجية تعود بالنفع على المجتمع. ب- وإما إنفاقه على الفقراء والمحتاجين وفي مشروعات خيرية. نسأله تعالى التوفيق والسداد.

стр. 131

محتويات الكتاب: الصفحة الموضوع ٣ مقدمة للأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق تمهيد: ١٧ ١- التوزيع النظري أو الشخصي والتوزيع العملي أو الوظيفي ١٩ ٢- ارتباط التوزيع بأشكال الإنتاج ٢١ ٣- عدالة التوزيع في حفظ التوازن الاقتصادي ٢٣ ٤- التفاوت المنضبط أو المتوازن ٢٤ ٥- الإسلام والطبقية أو التحكم ٢٧ خطة البحث ٢٩ الفرع الأول: التوزيع النظري أو الشخصي أو المذهبي ٣٥ أولا: التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية ٤٤ ثانيا: التشخيص الإسلامي لسبب المشكلة الاقتصادية ٤٩ ثالثا: العلاج أو الحل الإسلامي للمشكلة الاقتصادية ٧٩ الفرع الثاني: التوزيع العملي أو الوظيفي أو مكافأة عناصر الإنتاج ٩١ الفرع الثالث: العلاقة بين شكل الإنتاج وكيفية التوزيع أو أثر تطور أساليب الإنتاج على التوزيع ٩٥ الفرع الرابع: حفظ التوازن الاقتصادي أو التفاوت المنضبط أو المتوازن ١١١ الفرع الخامس: الإسلام والطبقات الاجتماعية ١٢٥ خاتمة