← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 11527

الإسلام والتوازن الاقتصادي بين الأفراد والدول

محمد شوقى الفنجرى

Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٢- التكافل الاجتماعي: وهو التزام الأفراد بعضهم نحو بعض، وهو لا يقتصر في الإسلام على مجرد التعاطف المعنوي من شعور الحب والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يشمل أيضًا التعاطف المادي بالتزام كل فرد قادر بعون أخيه المحتاج ويتمثل فيما يسميه رجال الفقه الإسلامي بحق القرابة١

стр. 72

وحق الماعون١ والتزام الضيافة٢ والتزام الإنفاق في سبيل الله٣، والأخذ بالتكافل الاجتماعي في الإسلام هو

стр. 73

من قبيل تطبيق النص، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٣. والعفو هنا هو كل ما زاد عن الحاجة، وقوله ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ٤، وتلخيصه ﵊ علامة الإيمان بقوله: "والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٥. ٣- الإسلام دين الضمان الاجتماعي: والتكافل الاجتماعي: ونخلص مما تقدم أن الإسلام هو دين الضمان الاجتماعي من حيث التزام الدولة، وهو دين التكافل الاجتماعي من

стр. 74

حيث التزام الأفراد، ويتمثل الضمان الاجتماعي في الإسلام كما سبق أن أشرنا في ضمان "حد الكفاية" لكل فرد يتواجد في مجتمع إسلامي أيا كانت ديانته وأيا كانت جنسيته تكفله له الدولة الإسلامية عن طريق مؤسسة الزكاة، وذلك متى عجز أن يوفره لنفسه لسبب خارج عن إرادته كمرض أو عجز أو شيخوخة ... إلخ١. ثم يأتي التكافل الاجتماعي من جانب الأفراد، كعنصر مكمل لالتزام الدولة وجهودها في إزالة العوز والقضاء على القهر. إننا لا نقول مع الاشتراكيين إن أساس الخروج من المشكلة الاقتصادية هو الدولة، ولا مع الرأسماليين بأن أساس الخروج من هذه المشكلة هو الأفراد والجهود الذاتية. ولكننا نقول بما يقرره الإسلام من ضرورة التعاون بين الدولة والأفراد، وأن لكل منهما مجاله بحيث يكمل كل منهما الآخر، والواقع أن الدولة لا تستطيع القيام بكل شيء، وأن تدخلها المطلق أوإحجامها المطلق، يؤدي إلى مساوئ عديدة، والمناط في الاقتصاد الإسلامي هو تحقيق التعاون والتكامل بين الدولة والأفراد على الوجه السابق بيانه.

стр. 75

هـ- معيار تقويم الدولة في نظر الاقتصاد الإسلامي: ١- معيار الحكم في الاقتصاد الإسلامي: في اعتقادنا أن معيار الحكم في الاقتصاد الإسلامي على أي دولة في العالم ليس هو بمقدار ما بلغته هذه الدولة من مستوى حضاري أو تكنولوجي، أو ما تملكه تلك الدولة من ثروة مادية أو بشرية، ولا هو بمقدار ما يخص كل فرد من الدخل القومي ... إلخ. وإنما هو بالمستوى المعيشي اللائق الذي يتوافر أو تضمنه الدولة لأقل أو أضعف مواطن فيها لتحريره بذلك من عبودية الحاجة ومشاعر الحقد والحرمان، ومستشعرا نعمة الله راضيا متعاونًا مع مجتمعه، وكما عبر عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية "إن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته؛ لأنه خلق

стр. 76

الخلق لعبادته١. ٢- ضمان حد الكفاية لكل مواطن: وهو يعتبر من أوليات الاقتصاد الإسلامي، وهو على نحو ما أشرنا يعتبر في نظر الإسلام هو صميم الدين وأن مجرد إنكاره وإهداره هو تكذيب لرسالة الإسلام. ويعتبر الحق الناشئ عنه هو حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق، ومن ثم فهو حق مقدس يلتزم به كل مجتمع إسلامي، وهو ما عبر عنه الإمام الشافعي في عبارة فقهية مشهورة عنه بقوله: "إن للفقراء أحقية استحقاق في المال، حتى صار بمنزلة المال المشترك بين صاحبه وبين الفقير". ٣- هدف الإسلام في مجال التوزيع الشخصي والأيدولوجي: إن ما استهدفه الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا، بأصوله ومبادئه في مجال التوزيع الشخصي أو الأيدلوجي، وهو القضاء على الفقر الذي وصفه الرسول عليه الصلاة

стр. 77

والسلام بأنه كاد أن يكون كفرًا، بل أكد أن الكفر والفقر يعدلان، ومن ثم كان للإسلام، سياسته المتميزة في التوزيع والتي على نحو ما أسلفنا تضمن أولا حد الكفاية لكل مواطن ولو أدى الأمر في مجتمع فقير تشح فيه الموارد والثروة ألا يحصل أحد على أكثر من حاجاته الضرورية، ثم بعد ذلك يكون لكل تبعا بعمله وجهده مهما بلغ ما يحصل عليه من ثروة أو دخل، مع قيود صارمة في استخدام المال ترشيدًا للاستهلاك.

стр. 78

الفرع الثاني: التوزيع العملى أو الوظيفي أو مكافأة عناصر الإنتاج مدخل ... الفرع الثاني: التوزيع العملي أو الوظيفي أو مكافأة عناصر الإنتاج ١- الاقتصاد الرأسمالي: عناصر الإنتاج فيه أربعة هي: العمل وعائده الأجر، والطبيعة وعائدها الريع، ورأس المال وعائده الفائدة، والمنظم وعائده الربح. ويتحدد ثمن أو قيمة كل عنصر من عناصر الإنتاج سالفة الذكر على أساس سعر السوق، وهو ما يتحدد بحسب العرض والطلب. ٢- الاقتصاد الاشتراكي: عنصر الإنتاج الأساسي فيه هو العمل سواء كان يدويًّا أو عقليًّا، وعائده الأجر أو الراتب، وهو ما تحدده السلطات حسب خطة التنمية الاقتصادية آخذة في الاعتبار قوى العرض والطلب دون أن تتقيد بهما تقيدًا تامًّا. أما بقية عناصر الإنتاج، كالطبيعة، ورأس المال، والمنظم، فتظل موجودة وإنما ينتقل عائدها إلى الدولة

стр. 79

تصرف فيها حسب خطة التنمية١. ٣- الاقتصاد الإسلامي: فقد أبدينا في كتابنا الثاني من سلسلة الاقتصاد الإسلامي والمعنون "الإسلام والمشكلة الاقتصادية"، أن عناصر الإنتاج فيه اثنان هما: العمل ورأس المال، مع التنبيه بأن رأس المال وحده لا يكون له عائد إلا إذا ساهم مع العمل في الغرم، وحينئذ يكون له نصيب في العائد "أيًّا كانت نسبته بحسب الاتفاق" وذلك في صورة "ربح" لا فائدة أو "إيجار" ولا ريع٢. ولقد ذهبنا إلى أن عناصر أو عامل الإنتاج في المفهوم الإسلامي اثنان هما: العمل ورأس المال، وذلك استنادًا إلى إجماع فقهاء المسلمين على توزيع الريع وهو عائد أو

стр. 80

حصيلة الإنتاج، بين العمل ورأس المال، ففي عقد "المضاربة" ويسمى أيضًا "بالمقارضة" يقدم أحد الشركاء وهو رب المال أي المقارض "رأس المال"، بينما يقدم الشريك الآخر وهو رب العمل أي المضارب "عمله" وقد سمي كذلك لأنه يضرب في الأرض ويسعى فيها قصدًا إلى المال وتنمية الثروة. ونضيف هنا بأن ثمة عنصر آخر من عناصر الإنتاج تغفله سائر المذاهب والنظم الاقتصادية الوضيعة، ولكن يكشف عنه الاقتصاد الإسلامي، بل يعتبره من أهم عناصر الإنتاج ألا وهو عنصر "التقوى" أي ابتغاء وجه الله تعالى ومراعاته وخشيته سبحانه في كل ما نقوم به من عمل أو نباشره من نشاط اقتصادي، وهو ما عبرت عنه عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية نذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١.

стр. 81

ومكافأة عنصر التقوى هو من عند الله وهو ما يسميه العامة البركة في الدنيا والجنة في الآخرة، أما من حيث مكافأة عنصري الإنتاج الآخرين وهما "رأس المال" و"العمل" فإن الإسلام يحترم أساسًا إرادة الطرفان "رب المال" و"رب العمل"، فنصيب كل منهما أو عائد كل عنصر يتحدد بالاتفاق، وهذا الاتفاق يحكمه في الفقه الإسلامي أمران: أولهما: سعر السوق أي قوى العرض والطلب، والتي تحدد نصيب أو عائد كل من العمل ورأس المال في المضاربة أي العملية الإنتاجية. ثانيهما: ألا يكون سعر السوق على الوجه المتقدم مخلا أو مجحفًا بحق أحد الطرفين "رب المال" أو "رب العمل"، وإلا تعين على ولي الأمر أي الدولة التدخل لتحديد الثمن أي عائد كل عنصر من عناصر الإنتاج، وذلك بالقدر الذي يحقق العدل والتوازن بين أطراف العملية الإنتاجية باعتبار أن هذا العدل أو التوازن هو

стр. 82

غاية ما يحرص عليه الإسلام بقوله تعالى: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ٢. وقوله ﷺ : "لا تهضموا الناس حقوقهم فتكفروهم" ٣. وعليه فإنه من المتفق عليه التزام الدولة الإسلامية بالتدخل في تحديد أدنى الأجور بما يضمن "حد الكفاية" أو "تمام الكفاية" وليس مجرد "حد الكفاية" مما سبق بيانه، وكذلك الترامها بالتدخل في تحديد الأسعار على نحو ما سنبينه. ومؤدى ما تقدم، أنه في مجال التوزيع الوظيفي أو مكافأة عناصر الإنتاج، يعتد المذهب الاقتصادي الإسلامي -شأن المذهب الاقتصادي الفردي والنظم الرأسمالية المتفرعة عنه- بسعر السوق ولكنه يخالف هذا المذهب في الاعتماد الكلي على سعر السوق، بل يتطلب تدخل الدولة

стр. 83

في تحديد السعر أو مكافأة عناصر الإنتاج، متى كان هذا السعر مجحفًا بأحد أطراف العملية الإنتاجية أو حتى المستهلك، وإذا صح أن المذهب الاقتصادي الإسلامي يتطالب -شأن المذهب الاقتصادي الجماعي والنظم الاشتراكية المتفرعة عنه- تدخل الدولة في مكافأة عناصر الإنتاج وتحديد الثمن، إلا أنه يخالفه في أساس أو سبب هذا التدخل وفي تحديد نطاقه أو مداه، ذلك أن هذا التدخل مشروط في الإسلام بتدخل عوامل أخرى غير قوى العرض والطلب كغش أو احتكار أو غيرها مما يجعل ثمن السوق غير عادل أو مجحفا بأحد أطراف العملية الإنتاجية أو بالمستهلك ذاته، كما لا يكون التدخل مطلقا حسبما تقدره الدولة بل هو بالقدر الذي يحقق العدل والتوازن بين أطراف العملية الإنتاجية وبين هؤلاء والمستهلك ذاته. ولقد تعددت أخيرًا الكتابة حول عناصر الإنتاج في الإسلام وعوائده، وذلك في مختلف رسائل الماجستير والدكتوراه التي أشرفنا على إعدادها ومناقشتها بكلية

стр. 84

التجارة بجامعة الأزهر، ونخص بالذكر رسالة الدكتوراه للدكتور إبراهيم الطحاوي في مارس سنة ١٩٧٢م والمعنونة "الاقتصاد الإسلامي مذهبًا ونظامًا" في فصلها الخاص بعوائد عناصر الإنتاج ما يقره وما لا يقره الإسلام. وكذلك رسالة الماجستير للدكتور رفعت العوضي في مايو سنة ١٩٧٢م والمعنونة "نظرية التوزيع في الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد المعاصر"، وقد قام مجمع البحوث الإسلامية بمشيخة الأزهر بطبع هاتين الرسالتين. ونضيف إليهما رسالة الدكتوراه للدكتور يوسف إبراهيم يوسف المعنونة "المنهج الإسلامي لتحقيق التنمية الاقتصادية" والتي أشرفنا على إعدادها ومناقشتها بكلية التجارة بجامعة الأزهر في مارس سنة ١٩٨٠م. لذلك وحتى لا نخرج عن النطاق المحدد لدراستنا، ونوجز حديثنا حول التوزيع الوظيفي أو مكافأة عناصر الإنتاج في الإسلام، على النقاط الرئيسية التي تحتاج إلى ربط وإيضاح، على الوجه التالي:

стр. 85

أولًا: عنصر العمل يشمل عنصر العمل في الإسلام حسبما أوضحنا، "عمل العامل" وهو الجهد الذي يبذله الإنسان لخلق المنفعة سواء كان هذا الجهد يدويًّا كعمل الفلاح أو الصانع، أو عقليًّا كعمل المدرس أو الطبيب أو المحامي. كما يشمل "عمل المنظم" وهو الذي يوجه العملية الإنتاجية ويوائم بين عناصر الإنتاج المختلفة بما يحقق سير الإنتاج ومضاعفته. وعائد العمل في الإسلام يكون في شكل محدد وهو "الأجرة" أو في شكل غير محدد وهو "الربح".

стр. 86

ثانيًا: عنصر رأس المال يشمل عنصر رأس المال في الإسلام حسبما أوضحنا، "الطبيعة" وهي الثروات التي ليس للإنسان دخل في وجودها كالأرض والماء والحيوان والمناجم، كما يشمل "رأس المال" بمعناه المعروف، أي الثروات الناتجة عن تضافر العمل والطبيعة والتي لا تصلح لإشباع حاجات الناس مباشرة وإنما تستخدم لإنتاج مواد أخرى صالحة

стр. 87

للإشباع المباشر، ومن قبيل ذلك رءوس الأموال السائلة كالنقود ورءوس الأموال العينية كالمباني والآلات. وعنصر رأس المال وحده ليس له عائد في الإسلام؛ إذ المال لا يلد مالًا، وإنما يتحقق عائده إذا شارك عنصر العمل متحملا غرمه، كما يستفيد من غنمه، وحينئذ يكون له عائد في شكل "أرباح" بالنسبة لرأس المال النقدي كالأموال السائلة، أو في شكل "إيجار" بالنسبة لرأس المال العيني كالأطيان والمباني. وهذا هو السبب في أن الإسلام لا يعترف بالفائدة كعائد لرأس المال وحده، كما لا يعترف بالريع كعائد للأرض وحدها١، وأن تصور الإسلام لعناصر أو عوامل الإنتاج وبالتالي عائده، على الوجه السابق بيانه، هو من أهم ما يميز الاقتصاد الإسلامي عن كل من الاقتصادين الوضعيين السائدين الرأسمالي والاشتراكي.

стр. 88

ثالثًا: عنصر التقوى مفهوم التقوى في الإسلام هو العمل الصالح بابتغاء وجه الله، وصدق الله العظيم ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١، وصدق رسوله الكريم: "ما عبد الله بمثل عمل صالح" ٢، وقوله ﵊: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه" ٣. وعائد التقوى في الإسلام هو النماء وسعة الرزق وهو ما يسميه العامة بالبركة في الدنيا، فضلا عن الجنة في الآخرة وهي غاية الغايات.

стр. 89

رابعًا: تحديد الأسعار عندما يكون ثمن السوق الذي تحدده قوى العرض والطلب عادلًا، أي غير مجحف بالبائع "عنصر نفقة إنتاج السلعة" أو المشترى "عنصر منفعة السلعة"، فإنه لا يجوز شرعًا التسعير، وهذا ما حدث من الرسول ﵊، حين رفض التسعير بقوله: "إن الله هو المسعر الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" ١. أما إذا صار ثمن السوق لأي سبب من الأسباب، مجحفًا بأحد الطرفين "المنتج" أو "المستهلك" فإنه يصير لزامًا على الدولة أن تتدخل، وهذا ما حدث في عهد الخليفة الثاني سيدنا عمر بن الخطاب حين حدد أسعار بعض السلع منعا للتحكم والإضرار بالناس، وذلك إعمالًا لقول الرسول ﵊: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، كان حقًّا على

стр. 90

الله ﵎ أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة" ١. على أنه يجب أن يراعى في تحديد الأسعار ألا يلحق ضررًا بالمنتج أو المستهلك، وإلا تحملت الدولة فروق الأسعار، وهو الأمر الذي عبر عنه الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية بقوله: "وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم بالتسعير، سعر عليهم تسعير عدل لا وكس ولا شطط"٢.

стр. 91

الفرع الثالث: العلاقة بين شكل الإنتاج وكيفية التوزيع أو أثر تطور أساليب الإنتاج على التوزيع ١- الفكر الاقتصادي الوضعي: هناك علاقة وثيقة بين تطور أشكال الإنتاج وتطور العلاقات الاقتصادية بما فيها علاقات التوزيع، ذلك أن التوزيع في مجتمع رقيقي أي يقوم على الرق، غيره في مجتمع رأسمالي، غيره في مجتمع اشتراكي. كما أن نظام التوزيع في مجتمع مختلف يستخدم في إنتاجه الوسائل البدائية، غيره في مجتمع متقدم يستخدم التكنولوجيا الحديثة أي التقنية المتقدمة. وإنه بحسب هذا الفكر الاقتصادي، العامل المؤثر الذي يتوقف عليه كيفية التوزيع هو أشكال أو أساليب الإنتاج السائدة.

стр. 92

٢- الفكر الاقتصادي الإسلامي: فإن الأمر جد مختلف؛ إذ يقرر بأنه مهما كانت ظروف المجتمع، وأيًّا كانت أشكال الإنتاج السائدة فيه، وأيًّا كانت درجة تطوره، فهناك حاجات إنسانية أساسية أو ثابتة تتمثل في المأكل والملبس والمسكن والتطبيب والترقية ... إلخ، يجب اعتبارها أولًا وتوفيرها دائمًا. وعليه فإنه بحسب الإسلام يقوم التوزيع أولًا على أساس توفير الحاجات الأساسية للفرد كإنسان أي ضمان حد الكفاية بغض النظر عن أدوات أو أشكال الإنتاج السائدة، وبغض النظر عن تقدم المجتمع أو تخلفه ثم بعد ذلك أو ثانيا يكون التوزيع بحسب الأوضاع الاقتصادية السائدة بما فيها أشكال وأساليب الإنتاج١.

стр. 93

٣- قضية التوزيع في الاقتصاد الإسلامي: وعليه فإن قضية التوزيع ليست كما يرى الاقتصاديون الوضعيون لا سيما الماركسيون منهم هي قضية أشكال إنتاج أو أوضاع معينة للإنتاج تسود المجتمع بحيث تتطلب نظامًا معينًا للتوزيع يلائم سيرها أو نموها، وبحيث يتغير التوزيع كلما تغيرت أو تطورت أشكال أو أساليب الإنتاج. وإنما هي في نظر الإسلام قضية إنسان له متطلباته الضرورية أو حاجاته الأساسية والتي يتعين أولًا وقبل كل شيء إشباعها في إطار يحافظ على إنسانيته وينميها، سواء كان هذا الإنسان في مجتمع متخلف يحرث الأرض بيده ويستخدم في إنتاجه الوسائل البدائية أو كان في مجتمع متقدم يصنع المواد الأولية ويستخدم في إنتاجه قوة البخار أو الكهرباء أو الذرة١. ثم بعد ذلك، أي بعد ضمان ما يسميه رجل الفقه الإسلامي بحد الكفاية لا الكفاف، وما يعبر عنه البعض بحد الغنى أو تمام الكفاية، لا مانع أن تتفاوت الثروة والدخول لكل بحسب عمله وكفاحه، وفي حدود ما هو مقرر أو معترف به شرعا على نحو ما سنبينه في الفرع التالي من دراستنا.

стр. 94

الفرع الرابع: حفظ التوازن الاقتصادي أو التفاوت المنضبط أوالمتوازن ١ - عمر بن الخطاب يلخص سياسة التوزيع في الإسلام: وقد لخص الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ سياسة التوزيع في الإسلام بقوله: "ما من أحد ألا وله في هذا المال حق: الرجل وحاجته ... والرجل وبلاؤه أي عمله ... "، ثم قوله: "إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف"١. ويقول ﵁ عام الرمادة "أي المجاعة" سنة ١٨هـ "لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسموهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا

стр. 95

"أي المطر" لفعلت، فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم"١ ومؤدى ذلك هو تأكيد ما استخلصناه بأنه في الظروف غير العادية كحرب أو مجاعة يتساوى المسلمون في حد الكفاف، وفي الظروف العادية يتساوى المسلمون من حيث توفير حد الكفاية، وما فوق ذلك يكون لكل تبعا لعمله. وأيًّا كان الأمر، فإنه على نحو ما كشفنا عنه من واقع نصوص القرآن والسنة لا يسمح الإسلام بالثروة والغنى مع وجود الفقر والحرمان، وإنما يبدأ الغنى والتفاوت فيه بعد كفالة "حد الكفاية" أي المستوى اللائق للمعيشة لا مجرد "حد الكفاف" أي المستوى الأدنى للمعيشة، وذلك لكل فرد يعيش في مجتمع إسلامي أيًّا كانت جنسيته أو ديانته أي بوصفه إنسانًا وباعتبار ذلك حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق. وإنه على خلاف سائر السياسات والفلسفات الروحية، يدعو الإسلام إلى المادة والرخاء الاقتصادي، بل يعتبر

стр. 96

الإسلام الغنى واليسر المادي، هو أساس التقدم والسمو الروحي. ذلك أن صحة الأبدان في الإسلام مقدمة على صحة الأديان؛ إذ لا يمكن أن نتوقع من محروم مضيع أو جائع مشرد سوى الرذيلة والانحراف. لذلك جاء الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، في عصر الجاهلية والعبودية والضياع، ضامنًا منذ البدء لكل فرد حد "الكفاية" لا "الكفاف" تكفله له الدولة كحق إلهي مقدس يعلو فوق كل الحقوق، ثم سمح بعد ذلك للفرد أن يثري ويغتني لكل حسب جهده وعمله. فالمال في الإسلام هو زينة الحياة الدنيا وأنه نعم العون للعبد الصالح، وأنه بقدر ما ندد الإسلام بالفقر وأنه كاد أن يكون كفرًا بل الفقر والكفر يتساويان، نجده يدعو إلى المال والغنى وبحيث لا تنفرد فئة قليلة بالثروة بل يعم الخير الجميع، ويعتبر السعي على الرزق من أفضل ضروب العبادة، وبل يعان المرء من مال الزكاة لاستكمال حاجته الضرورية بما في ذلك الزواج ولا يعان من مال

стр. 97

الزكاة للانقطاع للعبادة١. ولعل أدق تصور للثروة والتوزيع في الإسلام، قول الرسول ﵊: "لا بأس بالغنى لمن اتقى" ٢. وقوله: "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" ٣.

стр. 98

٢- التفاوت المنضبط أو المتوازن: أساس الثروة والغنى في الإسلام، هو العمل، فالله تعالى إذ يقول: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ ١. وإذ يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ ٢، نجده تعالى يقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ

стр. 99

مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ ١. وعليه فإنه على ما سبق الإشارة إليه، اغتناء الناس وتفاوتهم في أرزاقهم ومعيشتهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات وتفضيل بعضهم على بعض، ليس في الإسلام اعتباطًا، وإنما هو بقدر ما يبذلونه من جهد وعمل صالح. وصدق الله العظيم ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٣ أي أكثركم عملا صالحا أو نافعًا إذ "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس" ٤. وإذا كان الناس يتفاوتون في كفايتهم وفي مقدار ما يبذولونه من جهد، فإنه من الطبيعي أن يتفاوتوا في مقدار ما يحصلونه من دخل ويكونونه من ثورة فالتفاوت في الدخول والثروات، هو ما يقره الإسلام

стр. 100

باعتباره أمرًا طبيعيًّا، وباعتباره حافزًا على الجد والعمل؛ إذ لو تساوى الجميع في توزيع الثروة أو تقاضي كل الأفراد دخولًا متقاربة لما عني أحدهم بزيادة جهده. إلا أن التفاوت الذي يسمح به الإسلام هو التفاوت المنضبط أو المتوازن: أي بالقدر الذي يحفز على العمل، ويحقق التكامل لا التناقض، والتعاون لا الصراع، وبعبارة أخرى بالقدر الذي لا يكون فيه التفاوت مخلًّا، بأن يكون المال متداولًا بين فئة قليلة من الناس أو أن تستأثر أقلية بخيرات المجتمع، مما يفقده توازنه ويمحق تماسكه. وأنه بذلك يتميز الاقتصاد الإسلامي عن سائر المذاهب والنظم الاقتصادية الوضيعة سواء منها: أ- المذهب الفرد والنظم الرأسمالية المتفرعة عنه: والتي تطلق من شأن التفاوت مما يؤدي إلى استئثار الأقلية القوية بكل خيرات المجتمع وضياع الأغلبية الكادحة المغلوبة على أمرها، ويخلق الطبقية والاغتراب ويولد الكراهية والحسد والصراع وسائر المساوئ.

стр. 101

ب- المذهب الجماعي والنظم الاشتراكية المتفرعة عنه: والتي تحرص على تغذية الكراهية والصراع بين الطبقات، وتسعى إلى تحقيق المساواة الفعلية مضحية بالمبادرة والباعث الشخصي. وأخيرًا وبعد ضياع وتخبط طويل، وبعد تضحيات ومآس على مدى القرون، يعود العالم ليتنبه إلى ما سبق أن قرره الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا، من ضرورة حفظ التوازن الاقتصادي سواء بين الأفراد على المستوى المحلي أو بين الدول على المستوى العالمي، وترتفع اليوم الأصوات مجمعة على ضرورة إعادة توزيع الثروة والدخل على نحو يخفف حدة الصراع والتناقض، فهذا مكنمارا رئيس البنك الدولي في كتابه الصادر سنة ١٩٧٣م بعنوان "مائة دولة وألفا مليون نسمة" يدق ناقوس الخطر منبهًا بأن ما يقرب من ثلثي البشر يعيش الفرد منهم بأقل من نصف دولار يوميًّا ويعاني الكثير منهم من أمراض سوء التغذية، بينما تستهلك الدول الصناعية المتقدمة من

стр. 102

موارد العالم بالنسبة للفرد بمعدل يزيد عن عشرين مرة عن مثيله في الدول النامية، ويقرر بأنه "حين يكون أصحاب المزيا الكثيرة قلة محدودة، ومن يعانون الفقر والحرمان كثرة غالبة، وتتسع الهوة بين الفريقين بدلا عن أن تضيق، فالقضية لا تعدو إلا أن تكون قضية وقت يجب بعده اتخاذه خيار حاسم بين التكلفة السياسية للإصلاح والمخاطر السياسية للتمرد"١. ويؤكد تشينري نائب رئيس البنك الدولي في كتابه الصادر سنة ١٩٧٤م بالاشتراك مع مجموعة من كبار الاقتصاديين بعنوان "إعادة التوزيع مع النمو" على ضرورة ربط التنمية بعدالة "التوزيع"، وأن إعادة توزيع الثروة والدخول على المستويين القومي والعالمي -وذلك على نحو رشيد- يؤدي حتمًا إلى رفع معدل النمو فضلًا عن ضمان استمراره٢.

стр. 103

شعار عدالة التوزيع: لم يعد اليوم شعار عدالة التوزيع قاصرًا على مذهب أو فكر معين، بل شمل كافة المذاهب الاقتصادية والمدارس الفكرية، يمينية كانت أو يسارية، ذلك أنه لم يعد يثور الخلاف بينهما حول مبدأ أو ضرورة تقريب الفوارق وحفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع ودول العالم، وإنما حول كيفية أو أساليب تحقيق أو حفظ ذلك التوازن. فبينما ترى الكتلة الغربية الرأسمالية بزعامة أمريكا أن ذلك يتم عن طريق السياسات الضريبية والاتفاقية، ترى الكتلة الشرقية الاشتراكية بزعامة روسيا أن ذلك يتم عن طريق سياسات التأميم وسيطرتها المنفردة على موارد وخيرات العالم. هذا وفي الطبعة الثانية من كتابنا الرابع من سلسلة الاقتصاد الإسلامي والمعنون "الإسلام والضمان الاجتماعي" عالجنا بإسهاب موضوع زكاة البترول وهي شرعًا بواقع ٢٠% من ناتج البترول، موضحين بما فيه الكفاية كيف يمكن لزكاة البترول والتي تقدر اليوم بالبلايين أو

стр. 104

المليارات من العملات الصعبة، أن تلعب دورها الفعال في القضاء على الفقر على مستوى العالم الإسلامي، وتحقيق عدالة التوزيع بين المجتمعات الإسلامية التي لا تعرف بينها حدود أو جنسية، وبالتالي تحقق توازنها واستقرارها وتقدمها الاقتصادي والحضاري١.

стр. 105

٣- أساليب الإسلام في حفظ التوازن الاقتصادي: وإذ استلزم الإسلام عدالة التوزيع منكرًا التفاوت الفاحش في توزيع الثروة، فقد كان له ثلاثة وسائل رئيسية لضبط التفاوت وحفظ التوازن الاقتصادي سواء بين الأفراد على مستوى المجتمع أو بين الدول على مستوى العالم، أعرض لها باختصار فيما يلي: أ- عدم السماح بالثروة والغنى إلا بعد ضمان حد الكفاية لا الكفاف: لكل فرد أيًّا كانت جنسيته أو ديانته، فضلا عن عدم السماح كلية بكنز المال أو حبسه عن التداول، أو إنفاقه في سرف أو ترف، مما سبق بيانه. ب- عدم السماح باستئثار أقلية بخيرات المجتمع: فإن قوام المجتمع الإسلامي هو العدل والمحبة والتعاون، وإن التفاوت الفاحش في توزيع الثروة واستئثار أقلية بخيرات المجتمع، يتنافى والعدل بل يؤدي إلى الجور وتحكم الأغلبية واستبدادها، كما يولد الكراهية والحسد في نفوس الأكثرية الكادحة، ويخلق الطبقية والتحكم والصراع، مما يقضي على الانسجام بين أفراد المجتمع على المستوى المحلي وبين الدول على المستوى العالمي، فهو فساد وإفساد من جميع الأوجه ولكافة الأطراف، أغنياء كانوا أو فقراء ومتقدمين كانوا أو متخلفين، لذلك جاء النص

стр. 106

القرآن صريحا بقوله تعالى ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١، بمعنى أنه لا يقبل في الإسلام أن يكون المال متداولًا بين فئة قليلة من الناس، كما جاء النص النبوي صريحًا بقوله ﷺ : " تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" ٢. ج- إعادة التوزيع عند افتقاد التوازن: وانطلاقا من ذات المبدأ أو الأصل الاقتصادي الإسلامي في شأن التفاوت المنضبط أو حفظ التوازن الاقتصادي، تعين على المشرع الإسلامي أو الحاكم، أو ولي الأمر، أو أهل الحل والعقد التدخل من وقت لآخر لإعادة هذا التوازن عند افتقاده. وهو ما فعله الرسول ﷺ عند هجرته إلى المدينة؛ إذ ظهر اختلال في المراكزالاقتصادية بين المهاجرين والأنصار بعد أن ترك المهاجرون أموالهم بمكة بينما كان الأنصار بالمدينة وأساس ثروتهم هو

стр. 107

الزراعة ولبعضهم أراض واسعة استخدموا فيها المهاجرين كأجراء وهو ما لا يحقق التوازن الاقتصادي، ومن ثم حرم الرسول ﵊ تأجير الأرضي الزراعية بقوله: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يؤجرها إياه" ١ حتى إذا ما استقرت الأمور بالمهاجرين وتحسنت أحوالهم المادية أجاز الرسول ﵊ تأجير الأراضي الزراعية. وهو ما فعله أيضا الرسول ﷺ ، حين قصر توزيع فيء بني النضير على المهاجرين واثنين فقط من الأنصار كانوا فقراء وتوافرت فيهما نفس الحكمة التي أوحت بتخصيص هذا الفيء للمهاجرين وهي إعادة التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع٢. - وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب عند فتح الشام والعراق، أراد المحاربون قسمة الأرضي المفتوح عليهم

стр. 108

بدعوى أنها تأخذ حكم الغنائم. فرفض ذلك سيدنا عمر ﵁، لما سيؤدي إلى استئثار أقلية بثروات خيالية وبالتالي إلى اختلال التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع، وقد انتهى الصحابة إلى الأخذ بوجهة نظره بأن حكم الغنائم هو في الأموال المحددة قيمتها من المنقولات، بخلاف الأمر في العقارات والأموال الكبيرة كالأرضي المفتوحة فإنها تكون وقفًا للمسلمين جميعًا أي ملكية عامة للدولة لا ملكية خاصة للمحاربين، وما بقاؤها في أيدي أصحابها الأصليين إلا من قبيل الانتفاع مقابل دفع خراج لبيت المال أي أجرة الأرض١. والتزامًا بنفس المبدأ، كتب الخليفة عمر بن الخطاب إلى عامله على أرض الحمى قائلًا "ادخل رب الصريمة ورب الغنيمة -أي صاحب الإبل القليلة والغنم القليل- ودعني من نعم ابن عفان ونعم ابن عوف، فإنهما إن هلكت

стр. 109

ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع، وإن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين"١. وروي أنه حين أقطع الخليفة أبو بكر الصحابي طلحة بن عبيد الله أرضًا وكتب له بها كتابًا وطلب منه أن يشهد عليه سيدنا عمر بن الخطاب رفض ﵁ قائلًا: "أهذا كله لك دون الناس" فلما رجع طلحة إلى أبي بكر متسائلا: أيكما الخليفة رد عليه أبو بكر بأنه عمر٢. - وفي أواخر أيام سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، حين بدأت تظهر طبقة من كبار الأثرياء في شبه الجزيرة العربية وخارجها، ولم يمتد به الأجل ليواجهها بما عرف عنه من حسم حيث طعن تلك الطعنة التي قضي بها، نقل عنه كلمته المشهورة "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول الأغنياء فرددتها على الفقراء" وقوله: "والله لئن بقيت إلى الحول، لألحقن أسفل الناس

стр. 110

بأعلاهم"١، ولكن القدر لم يمهله وخلفه سيدنا عثمان بن عفان. وقد تفجرت المشكلة الاقتصادية بصورة عنيفة، مما دعا الصحابي أبا ذر الغفاري إلى التصدي للوضع والمناداة باسم الإسلام بأنه لا يجوز لمسلم أن يمتلك أكثر من حاجته وما زاد فيجب إنفاقه كله في سبيل الله٢. ولعله من أهم أسباب تفكك الدولة الإسلامية، تلك السياسة التي جرى عليها متأخرو خلفاء بني أمية، من حيث استئثارهم دون سائر المسلمين بكثير من الثروة، واتجاههم في معيشتهم إلى البذخ والترف. وزاد الأمر سوءًا، أن بدأ يضعف التكافل التلقائي للمجتمع الإسلامي بضعف الوازع الديني عن تعاليم الإسلام.
следующие страницы →