← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 11528

رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة

شعبان إسماعيل

Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هديه وسار على منهاجه إلى يوم الدين. وبعد: فالقرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة من عند الله تعالى لهداية الخلق، وإرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم. إنه -مع السنة النبوية الشريفة- منهج الله تعالى في صورته الأخيرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولما كانت الكتب السابقة موقوتة بوقت محدد، وبأناس معينين، فقد شاء الله تعالى أن ينالها التحريف والتبديل، حتى يكون ذلك دليلا على عدم صلاحيتها للاستمرار والدوام. ومن هنا تكفل الحق ﵎ بحفظ القرآن الكريم من أن يناله ما نال الكتب السابقة من هذا التحريف. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ كما هيأ -جل شأنه- الأمة التي شرفت بنزول القرآن إليها أن تتحمل مسئولية الحفاظ على هذا الكتاب المجيد، باعتبارها خير أمة أخرجت للناس، وأنها تأتي يوم القيامة شاهدة على الأمم السابقة وما فعلت مع أنبياء الله تعالى ورسله، وما غيرت وحرفت من منهج الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢، ٣. فمنذا بدأ نزول القرآن على رسول الله ﷺ كان ﷺ يتلقى ما يوحى إليه من

стр. 2

ربه -جل وعلا- فيحفظه ويعيه، ثم يبلغه لأصحابه ﵃ فيحفظونه كذلك، ويحفظونه لغيرهم كما سمعوه من رسول الله ﷺ مجودا مرتلا، عملا بتوجيه الله تعالى في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ١. ومع أن الأمة العربية التي شرفت بنزول القرآن الكريم بلغتها كانت تعتمد على الحفظ أكثر من اعتمادها على الكتابة، إلا أن رسول الله ﷺ -زيادة في التوثيق- اتخذ له كُتَّابا يكتبون له ما ينزل به الوحي، ومنهم: الخلفاء الأربعة، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن الوليد، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ جميعا. فكان كلما نزلت آية أو آيات أمرهم ﷺ بكتابتها، بعد أن يدلهم على موضعها من السورة، فيقول لهم: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا، قبل كذا وبعد كذا ... " ٢ كما كان سائر الصحابة يكتبون لأنفسهم مثل ذلك، متحرين الدقة والأمانة في كل ما يقرءون أو يكتبون: فكانوا إذا تماروا٣ في الآية يقولون: إنه أقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية فلان بن فلان، وهو على رأس أميال من المدينة، وفي رواية: على رأس ثلاث ليال، فيبعث إليه من المدينة، فيجيء، فيقولون: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا وكذا. فيكتبون كما قال٤. وكانوا يكتبون ذلك على عسب السعف -وهو الطرف العريض من جريد النخل- والألواح من أكتاف الغنم وغيرها من العظام الطاهرة، والرقاع -وهي الجلود- واللخاف -وهي الحجارة العريضة البيض التي تشبه الألواح- وغير ذلك من الوسائل التي كانت متيسرة حينذاك.

стр. 3

ولم يلحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى إلا والقرآن كله محفوظ في صدره وبعض الصحابة ﵃ ومكتوب في السطور، حسب الطريقة التي أشرنا إليها، غير أنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، ولا مرتبَ السور، ولكن الصحابة ﵃ كانوا يعرفون ترتيبها حسبما بين لهم رسول الله ﷺ . ولعل الحكمة في ذلك هي: أن القرآن كان لا يزال ينزل على رسول الله ﷺ إلى ما قبل وفاته بأيام، وكانت هناك آيات تنزل بنسخ بعض الآيات الأخرى، فلو أمر ﷺ بجمعه وترتيبه، لأدى ذلك إلى الاختلاف والاختلاط فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، حتى جمع في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه١. ولما كثرت الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" ﵁ وكان أهل كل بلد يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، وكانوا حينما يلتقون في بعض المجامع ينكر بعضهم على بعض ما يسمعونه من وجوه القراءات التي لم يتلقوها، وكادت تحدث فتنة، فتدارك "عثمان" هذا الأمر، وأمر بنسخ مصاحف متعددة من المصحف الذي جمع في عهد الخليفة الأول "أبي بكر" ﵁ وأرسل هذه المصاحف إلى الأمصار المختلفة. وقد كتبت هذه المصاحف بطريقة تخالف الرسم الإملائي في بعض الكلمات كما سنبين ذلك -إن شاء الله تعالى- فأطلق على هذا الرسم "الرسم العثماني" نسبة إلى "عثمان بن عفان" ﵁. ولما كثر الداخلون في الإسلام -من غير العرب- في عهد معاوية بن أبي سفيان" ﵁ وتفشى اللحن في الكلام العربي، وخشي أن يتطرق اللحن إلى القرآن الكريم، اقتضى الأمر وضع علامات تساعد على النطق السليم، دون المساس بالرسم العثماني، وأطلق على هذه العلامات: نقط الإعراب ونقط الإعجام -كما سيأتي. وأدخل على هذه العلامات بعض التحسينات حتى وصلت إلى ما هي عليه

стр. 4

الآن في المصاحف. ومن حين لآخر تظهر بعض الأصوات منادية بكتابة المصحف بالرسم الإملائي، بحجة أن الناس لا تستطيع القراءة في المصاحف بالرسم العثماني! فأردت أن أوضح -في هذا البحث- موقف العلماء من هذه القضية، وهل كتابة المصحف بالرسم العثماني توقيفية لا يجوز مخالفتها، أو أنها ليست توقيفية، فيجوز الاجتهاد فيها وكتابة المصحف بما يتفق وقواعد الإملاء الحديثة؟ وسوف يشتمل البحث على النقاط التالية: الكتابة العربية وعلاقتها بالرسم العثماني. جمع القرآن في عهد أبي بكر: أسبابه وطبيعته. نسخ المصاحف في عهد عثمان: أسبابه وطبيعته. عدد المصاحف التي أرسلها عثمان ﵁ إلى الأمصار. كيفية اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة. ظواهر الرسم العثماني وموقف العلماء منها. هل الرسم العثماني توقيفي أو اصطلاحي؟ قرارات المجامع الفقهية حول قضية الرسم العثماني. الضبط: مفهومه وأسبابه. تقسيم المصحف وأسبابه. خاتمة المطاف. والله تعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به أهل القرآن والعاملين به إنه جواد كريم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الدكتور/ شعبان محمد إسماعيل مكة المكرمة في: ١٤١٧هـ-١٩٩٧م.

стр. 5

الكتابة العربية وعلاقتها بالرسم العثماني: يرى بعض المؤرخين أن آدم ﵇ هو أول من كتب بالسريانية والعربية١. وقيل: أول من كتب: إدريس ﵇ ويستدل القائلون بذلك بما روى ابن حبان أن النبي ﷺ قال: "إدريس أول من خط بالقلم" ٢. ويرى ابن العربي أن إسماعيل ﵇ تعلم العربية من جبريل ﵇ -صحيحة فصيحة سوية حتى وصلت إلى سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم٣. وروي عن ابن عباس ﵄ أن هودا ﵇ كان يكتب بالعربية، كما روي عنه أن أول من وضع الخط العربي هو إسماعيل -عليه السلام٤. وهناك آراء أخرى كثيرة أوردها ابن كثير في البداية والنهاية٥، ثم خلص منها: بأن إسماعيل ﵇ أخذ كلام العرب من قبيلة "جرهم" الذين نزلوا بمكة قرب السيدة "هاجر" أم إسماعيل ﵇ وقد أنطقه الله بها في غاية الفصاحة، إلى أن وصلت إلى الأمة العربية التي نزل القرآن الكريم بلغتها. ومن المعلوم أن الذين كانوا يعرفون الكتابة في عصر النبوة قليلين، منهم الخلفاء الأربعة، وأبو سفيان، وطلحة بن عبيد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبان بن سعيد، والعلاء بن المقري في مكة. كما كان في المدينة، عمر بن سعيد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، والمنذر بن عمرو. ولما هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة عمل على نشر تعلم الكتابة، حتى جعل فداء بعض الأسرى -بعد غزوة بدر الكبرى- تعليم نفر من أبناء

стр. 6

المسلمين القراءة والكتابة١. وبدأت الكتابة تنتشر في كل ناحية من النواحي التي يفتحها المسلمون، ووضع العلماء لها من القواعد والموازين والتحسينات حتى اكتملت على الصورة التي هي عليها الآن. وكان لعلماء الكوفة في ذلك الفضل الأكبر، حتى نسبت الكتابة إليهم، ثم لعلماء البصرة بعد ذلك، حتى جاء أبو علي: محمد بن مقلة، وزير المقتدر بالله، أحد خلفاء الدولة العباسية، فحول الكتابة الكوفية إلى صورتها الحالية، وحذا حذوه أبو الحسن: علي بن هلال البغدادي، المعروف بابن البواب، وتبعهما على ذلك كثير من العلماء، حتى وصلت الكتابة العربية إلى ما هي عليه الآن، من جمال الرونق، وحسن التركيب٢. والأصل في الكتابة: أن تكتب الكلمة كما ينطق بها تماما، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تبديل ولا تغيير، مع مراعاة الابتداء بها، والوقف عليها، ويطلق على ذلك: الرسم القياسي. أما كتابة القرآن الكريم: فأحيانا تكتب الكلمة كما ينطق بها، وأحيانا أخرى تخالف هذه القاعدة، كلفظ "الصلاة" كتبت "الصلوة" بالواو مع أنها تنطق بالألف، وكذلك لفظ "الزكاة" تكتب "الزكوة". ومثل: حذف الألف أو الواو أو الياء من بعض الكلمات، أو زيادة حرف، أو كتابة هاء التأنيث بالتاء، وغير ذلك من الأحكام التي أطلق عليها اسم "الرسم العثماني" أو الرسم الاصطلاحي٣. وقد استنبط العلماء هذه القواعد مما كتبه الصحابة ﵃ في المصاحف نقلا عما كتب في حضرة النبي ﷺ وأقرهم عليه.

стр. 7

جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ أسبابه طبيعته: الأسباب: يذكر العلماء من أسباب جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ أنه لما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وتولى أبو بكر الخلافة، ارتدت بعض القبائل العربية عن الإسلام، لأسباب مختلفة، ومنعوا بعض حقوق الإسلام كالزكاة، وانضم بعضهم إلى مدعي النبوة: "مسيلمة الكذاب" فجهز أبو بكر ﵁ جيشا لقتال هؤلاء المرتدين، لردهم إلى حظيرة الإسلام، فلم تمض إلا فترة قصيرة حتى عادت الجزيرة العربية كلها إلى الإسلام. وكان ممن شارك في إخماد تلك الفتنة كثير من حفاظ القرآن الكريم، واستشهد في هذه الواقعة عدد كثير منهم والتي كانت تسمى "موقعة اليمامة"١. فلما رأى عمر بن الخطاب ﵁ ما حدث لقراء القرآن وخشي الموت على من بقي منهم في وقائع أخرى، أشار على أبي بكر ﵁ بجمع القرآن، حفاظا عليه من الضياع بموت حفظته. روى البخاري بسنده عن زيد بن ثابت "ت٤٥٠هـ" ﵁ قال: "أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر٢ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء

стр. 8

بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت: لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟! قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمراني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟! قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄ فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵄"١. طبيعة هذا الجمع: من المعلوم أن زيد بن ثابت الذي اختير لهذا العمل كان حافظا للقرآن الكريم، إلا أنه وضع لنفسه منهجا يسير عليه، يليق بمكانة القرآن الكريم وصونه عن أن يضاف إليه ما ليس منه، أو ينقص منه حرف أو كلمة، فكان لا يكتب آية إلا بشهادة اثنين من الصحابة على أن تلك الآية كتبت بين يدي النبي ﷺ وعلى أن ذلك المكتوب من الوجوه التي نزل بها القرآن، لا من مجرد الحفظ، وأنه لم ينسخ، واستقر في العرضة الأخيرة٢.

стр. 9

ولا يقال: إن زيد بن ثابت خرق هذه القاعدة، حيث اكتفى في إثبات آخر سورة التوبة بشهادة أبي خزيمة الأنصاري وحده، وليس بشهادة اثنين، فقد اجتمع فيها زيد بن ثابت نفسه، وعمر بن الخطاب ﵁. روى ابن أبي داود بسنده عن عبد الله بن الزبير، قال: "أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله ﷺ ووعيتهما. فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما"١. والسبب في اختيار زيد بن ثابت ﵁ لهذه المهمة الخطيرة: ما جاء في رواية البخاري السابقة، من قول أبي بكر ﵁ لزيد: "إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ". فهذه المؤهلات: من كونه شابا، فيكون أقدر على العمل، وهو عمل شاق، وكونه عاقلا، فيكون أوعى، وكونه غير متهم، فتركن النفس إليه، وكونه كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ فيكون أكثر ممارسة ... وهذه هي الصفات التي جعلته يكون على رأس القائمين بهذ العمل في نسخ المصاحف في خلافة عثمان بن عفان ﵁ كما سيأتي٢. وقد استغرق هذا العمل الجليل ما يقرب من سنة، ما بين واقعة اليمامة التي وقعت في الأشهر الأخيرة من السنة الحادية عشرة للهجرة، أو الأشهر الأولى من السنة الثانية عشرة، وبين وفاة أبي بكر ﵁ في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية، وكان ذلك قبل وفاته بقليل، إذ إن الروايات تشير إلى أن الصحف التي جمع فيها القرآن أودعت عنده بقية حياته، ثم انتقلت -بعد ذلك- إلى عمر بن الخطاب، ثم إلى السيدة حفصة بنت عمر ﵄ بعد وفاة والدها، وظلت عندها إلى أن أخذها عثمان بن عفان ﵁ لنسخ المصاحف منها -كما سيأتي٣.

стр. 10

فيستفاد من كل ما تقدم: أولا: أن السبب في جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ هو الخوف من ذهاب شيء منه بموت حفظته في الوقائع الحربية، على غرار ما حدث في واقعة اليمامة. ثانيا: يستفاد منه طبيعة هذا الجمع، وهي أنها مجرد نقل وتجميع لما كان مكتوبا في حياة الرسول ﷺ لأنه لم يكن مجموعا في مكان واحد، وإنما كان مفرقا في السعف واللخاف والرقاع -كما تقدم. فأصبح مجموعا في مكان واحد، مرتب السور والآيات، وأطلق عليه اسم "الصحف". قال أبو عبد الله المحاسبي: "كتابة القرآن ليست محدثة، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله ﷺ فيها القرآن منتشرا، فجمعها جامع، وربطها بخيط، حتى لا يضيع منها شيء"١. وفي خلافة عمر بن الخطاب ﵁ ظهرت بعض المصاحف الخاصة التي كان يكتبها بعض الصحابة لأنفسهم أثناء السماع من رسول الله ﷺ أو أثناء كتابة الوحي، مثل: مصحف عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهما. وكانت هذه المصاحف تشتمل على بعض التفسيرات التي كانوا يسمعونها من رسول الله ﷺ لبعض الآيات، والتي تسرب منها ما يسمى بالقراءات الشاذة فيما بعد. الأمر الذي جعل الخليفة الثالث: عثمان بن عفان ﵁ يأمر بحرقها عندما نسخ المصاحف التي أرسلها إلى الأمصار المختلفة -كما سيأتي٢.

стр. 11

نسخ المصاحف في عهد عثمان بن عفان؛ أسبابه طبيعته: تمهيد: جاء في صحيحي البخاري ومسلم: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ١. فنزول القرآن الكريم على سبعة أحرف ثابت بالسنة الصحيحة المتواترة، ولا نزاع في ذلك. وقد كان ﷺ يقرأ بهذه الأحرف كلها، إلا أن الصحابة ﵃ لم يتلقوا هذه الأحرف جميعها، فمنهم من أخذ بحرف من هذه الأحرف، ومنهم من أخذ بحرفين، ومنهم من زاد على ذلك، فلما تفرقوا في البلاد، أخذ التابعون عنهم حسبما أخذوا عن رسول الله ﷺ ، ولذلك اختلف الناقلون للقراءات، فمنهم من نقل قراءة معينة، ومنهم من لم ينقلها، لأنه لم يسمعها ممن أخذ عنه. وكان أهل كل بلد أو إقليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يأخذون بقراءة "أبي بن كعب"، وأهل الكوفة بقراءة "عبد الله بن مسعود"، وغيرهم بقراءة "أبي موسى الأشعري" وهكذا٢. ورغم علم المسلمين أن هذه القراءات إنما هي أوجه متعددة لقراءة بعض الكلمات، نزلت رخصة وتيسيرا من الله ، رحمة بالأمة، إلا أنه مع توالي الأيام ومرور الزمن، وقر في نفوس أهل كل إقليم أن قراءتهم هي الأصح والأولى، مما جعلهم ينكرون على غيرهم قراءتهم حينما يلتقون في مواطن الجهاد والأحفال.

стр. 12

الأمر الذي أدى إلى نسخ المصاحف، مع الأسباب الأخرى. الأسباب الذي أدى إلى نسخ المصاحف، مع الأسباب الأخرى: يمكن تلخيص تلك الأسباب في الأمور الآتية: أولا: اختلاف أهل الأمصار والأقاليم في القراءات، كما تقدم في التمهيد: روى البخاري بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت "ت٤٥هـ" وعبد الله بن الزبير "ت٧٣هـ" وسعيد بن العاص "ت٥٨هـ"، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام "ت٤٣هـ"، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة١: إذا اختلفتهم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم٢. ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى

стр. 13

كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق١. ثانيا: اختلاف المعلمين للقرآن: فقد كان القراء المعلمون للقرآن الكريم يعلمون الغلمان ويقرئون تلاميذهم على حسب ما تلقوه من الأحرف، فنشأ -تبعا لذلك- جيل من أهل القرآن يقرءون بروايات مختلفة، ووقر في أذهانهم أن ما تلقوه هو الصحيح. روى ابن جرير بسنده عن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل٢، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين. قال أبو أيوب: فلا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بعضا بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافا، وأشد لحنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إماما". قال أبو قلابة: "فحدثني أنس بن مالك قال: كنت فيمن يملى عليهم، قال: فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله ﷺ ولعله أن يكون غائبا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويدعون موضعها حتى يجيء أو يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف، كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم"٣. ثالثا: أن بعض الصحابة ﵃ كانوا يكتبون لأنفسهم مصاحف خاصة مشتملة على الأحرف السبعة جميعها، وفيها بعض الأحرف التي نسخت بالعرضة الأخيرة، ولم يطلعوا على هذا النسخ، كما أنها كانت تشتمل على الألفاظ التي

стр. 14

كانت من قبيل التفسير من رسول الله ﷺ فظلوا يحتفظون بهذه المصاحف لأنفسهم، مع مخالفتها لما جمعه أبو بكر ﵁. ومن أشهر هذه المصاحف: مصحف أبي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبي موسى الأشعري، ومصحف المقداد بن عمرو وغيرهم. فوجود هذه المصاحف، وقراءة أصحابها منها، وتعلم البعض منهم أدى إلى الاختلاف. كل هذه العوامل وغيرها أدت إلى اختلاف المسلمين في القراءة وإلى التنازع حيثما يلتقون في بعض المواقع الحربية وغيرها، الأمر الذي دعا الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ أن يأمر بنسخ المصاحف من المصحف الذي كتبه الخليفة الأول أبو بكر الصديق ﵁ وإحراق ما عداه من المصاحف، سدا لباب الفتنة، واختلاف المسلمين في قراءة القرآن الكريم. وما فعله عثمان ﵁ كان بمشهد من الصحابة ﵃ فأقروه عليه، ولم ينازع في ذلك أحد، فكان إجماعا منهم على صحة ما فعل١. عدد المصاحف: اختلفت الروايات في عدد المصاحف التي نسخت وأرسلت إلى الأمصار المختلفة: فقد ذكر السجستاني -في إحدى الروايتين- أنها كانت سبعة، أرسل واحد منها إلى مكة، وآخر إلى الشام، وثالث إلى اليمن، ورابع إلى البحرين، وخامس إلى البصرة، وسادس إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحد، وهو الذي احتفظ به عثمان ﵁ لنفسه، وكان يطلق على هذه النسخة: المصحف الإمام، باعتبار أن الخليفة هو المرجع للمسلمين جميعا، فهي أشبه بالنسخة الأصلية التي تكون في حوزة الدولة٢. وفي رواية القرطبي: أن عثمان ﵁ وجه للعراق والشام بأمهات٣. ولم يوضح ذلك العدد.

стр. 15

بينما ينص أبو عمرو الداني أن المصاحف أرسلت إلى: المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، والشام، وسائر العراق١. وذكر السيوطي أن عددها خمسة، أرسلت إلى: مكة، والشام، والكوفة، والبصرة، والمدينة، بالإضافة إلى النسخة التي أبقاها عثمان ﵁ لنفسه، والتي عرفت بالمصحف الإمام٢. ولم يكتف عثمان ﵁ بإرسال المصاحف إلى الأمصار، وإنما بعث مع كل مصحف واحدا من الصحابة يقرئ من أرسل إليهم المصحف، وغالبا ما كانت قراءة هذا الصحابي توافق ما كتب به المصحف، نظرا لوجود بعض الاختلافات بين هذه المصاحف -كما سيأتي. فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمصحف المدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري٣. وهذا ما يرجح الرواية التي تنص على أن المصاحف كانت خمسة. وأيا كان الاختلاف في عدد النسخ، إلا أن الثابت أن هذه المصاحف بقيت متداولة، ينسخ الناس منها، حتى ظهرت دور الطباعة، وظهرت المصاحف المطبوعة بأشكالها المختلفة، وأحجامها المتعددة، وأطلق عليها: "المصاحف العثمانية" نسبة إلى "عثمان بن عفان" ﵁ لا باعتبار أنه نسخها بطريقة تختلف عن الطريقة التي كتبت بها في عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر ﵁ وإنما لأنه هو الذي نسخ هذه المصاحف وأرسلها إلى الأمصار، فذاعت هذه المصاحف وانتشرت، وتلقاها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وإلا فسيدنا "عثمان" ﵁ لم يبتكر خطا جديدا لكتابة المصاحف، وإنما تبع في ذلك نفس الخط الذي كتب به المصحف من قبل٤.

стр. 16

طبيعة كتابة المصاحف العثمانية: للعلماء في طبيعة كتابة هذه المصاحف خلاف طويل، هل كانت مشتملة على الأحرف السبعة كلها، أو على حرف واحد منها، أو على ما يحتمله الرسم من هذه الأحرف. في هذه المسألة ثلاثة آراء: الرأي الأول: أنها نسخت على حرف واحد من الأحرف السبعة، بسبب اختلاف الناس في القرءاة -كما تقدم- فأراد عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد هو حرف قريش، بدليل قوله ﵁ للقرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، أي بلهجتهم وطريقتهم في القراءة، وكان زيد مدنيا من الأنصار. ومما استدل به أصحاب هذا المذهب: ما رواه أبو داود عن سويد بن غفلة قال: "قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا. قال١: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت". قال المحقق ابن الجزري: نقلا عن الإمام الطبري وغيره: "إن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزا لهم، ومرخصا فيه، وقد جعل لهم الاختيار في أي حرف قرءوا به، كما في الأحاديث الصحيحة٢. قالوا: فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد، اجتمعوا على ذلك اجتماعا سائغا، وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك لواجب، ولا

стр. 17

فعل لمحظور١. مناقشة هذا الرأي: ويمكن أن يناقش هذا الرأي فيقال: ليس من المعقول والمقبول أن يجمع "عثمان" ﵁ الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أنزلها الله تعالى لحكم وأسرار كثيرة، منها: التخفيف على الأمة في تلاوة كتاب ربها، ففي ذلك مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة التي تدل على نزول القرآن على سبعة أحرف. ومن الثابت -أيضا- أن المصاحف التي نسخها "عثمان" كانت موافقة للصحف التي نسخها الخليفة الأول "أبو بكر" ﵁، ومعلوم أنها لم تكن على حرف واحد، وإنما كانت مشتملة على ما كتب بين يدي النبي ﷺ ولم تنسخ تلاوته، وثبت في العرضة الأخيرة. قال القاضي أبو بكر: "لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسم وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه، ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد"٢. فحاشا عثمان أن يمنع الناس من قراءة ما علمت قرآنيته، ونقل تواترا عن رسول الله ﷺ وحاشا أصحاب رسول الله ﷺ أن يوافقوه على ذلك، وهم لا يخافون في الله لومة لائم٣. يضاف إلى ذلك: أن هذا الرأي يخالف الواقع الذي عليه المسلمون اليوم، من قراءة القرآن بالقراءات التي وصلت إلينا بالطرق الصحيحة، والأسانيد

стр. 18

المتصلة، وهي مشتملة على أحرف كثيرة، ومن شروط صحتها: موافقتها لأحد المصاحف العثمانية، فما من قراءة من السبعة أو العشرة إلا وهي موافقة لأحد هذه المصاحف، فكيف يقال: إن "عثمان" ﵁ جمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة، وترك الستة الباقية؟! وخير ما قيل في معنى جمع "عثمان" الناس على حرف واحد: هو جمعهم على ما تواتر عن رسول الله ﷺ واستقر في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته، وهو يمثل بالنسبة للقراءات الكثيرة التي كان الناس يقرءون بها حرفا واحدا، بدليل أنه ﵁ أمر بإحراق المصاحف المختلفة التي كان يكتبها الصحابة لأنفسهم، لما فيها من أحرف بعضها قد نسخ، وبعضها كان تفسيرا من رسول الله ﷺ وكانت من بين الأسباب التي جعلت الناس يختلفون في القراءة قبل نسخ "عثمان" للمصاحف كما تقدم. ولذلك يطلق عليها العلماء بأنها قراءة شاذة، لأنها خالفت الأركان الثلاثة للقراءة الصحيحة وهي: التواتر، وموافقة أحد المصاحف العثمانية، وموافقة وجه من أوجه اللغة العربية١. الرأي الثاني: إن المصاحف كانت مشتملة على الأحرف السبعة جمعيها، وهو رأي جمع من الفقهاء والقراءة والمتكلمين. وحجتهم على ذلك: أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها، وقد أجمع الصحابة على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها "أبو بكر وعمر" وإرسال كل مصحف منها إلى مصر من أمصار المسلمين، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك، ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة، ولا أن يجمعوا على ترك شيء من القرآن٢.

стр. 19

ويرد على هذا الرأي: أنه تقدم عند الحديث على جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ أنهم لم يكتبوا فيه إلا ما نقل بالتواتر، ولم تنسخ تلاوته، واستقر في العرضة الأخيرة، والصحابة ﵃ حينما نسخوا المصاحف نسخوها على هذا الأساس، وهم في هذا غير تاركين ولا مهملين لشيء من القرآن، بل هم متبعون ما ثبت لديهم بالدليل القاطع أنه من القرآن، وقد صحت الروايات بأن الأحرف السبعة نسخ منها الكثير في حياة رسول الله ﷺ بدليل أن ما لم تتحقق فيه الأركان الثلاثة للقراءة الصحيحة يحكم عليه بأنه شاذ، مع أن الشاذ كان يقرأ به في أول الأمر ثم نسخ. وفي الأدلة التي سنذكرها للمذهب الثالث ما يرد على هذا المذهب. الرأي الثالث: إن هذا المصاحف كانت مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبريل ﵇. وهو رأي جمهور العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين١. قال الإمام ابن الجزري: "ولا نشك أن القرآن نسخ منه وغير فيه في العرضة الأخيرة، فقد صح النص بذلك عن غير واحد من الصحابة، وروينا بإسناد صحيح عن زر بن حبيش قال: قال لي ابن عباس: أي القراءتين تقرأ؟ قلت: الأخيرة: قال: فإن النبي ﷺ كان يعرض القرآن٢ على جبريل ﵇ في كل عام مرة. قال: فعرض عليه القرآن في العام الذي قبض فيه النبي - ﷺ - مرتين، فشهد عبد الله -يعني ابن مسعود- ما نسخ منه وما بدل، فقراءة عبد الله الأخيرة٣. وإذ قد ثبت ذلك فلا إشكال أن الصحابة كتبوا في هذه المصاحف ما تحققوا أنه قرآن، وما علموه استقر في العرضة الأخيرة، وما تحققوا صحته عن النبي

стр. 20

صلى الله عليه وسلم مما لم ينسخ ... ثم قال ابن الجزري: وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين، فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- تلقوا عن رسول الله ﷺ ما أمره الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن. لفظه ومعناه جميعا، ولم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثبات عنه ﷺ ولا يمنعوا من القراءة به١. وبذلك يظهر رجحان هذا المذهب، وضعف المذهبين السابقين، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة، والعشرة، بالنسبة إلى ما كان مشهورا في الأعصار الأول قِلٌّ من كثر، ونزر من بحر، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين، من السبعة وغيرهم، -أيضا- أكثر، وهلم جرا، وهذا كله يرد الرأي القائل بأنهم جمعوا في هذه المصاحف كل الأحرف السبعة. وتقدم -كذلك- مناقشة الرأي القائل: بأن عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد، وألغي الستة الباقية، وهذا لا يجوز بحال من الأحوال٢. قال أبو عبد الرحمن السلمي: "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصديق في جمعه، وولاه عثمان المصحف"٣.

стр. 21

كيفية اشتمال المصاحف على هذه الأحرف مدخل ... كيفية اشتمال المصاحف على هذه الأحرف: يتفرع على الرأي الراجح، وهو: أن المصاحف اشتملت على ما يحتمله الرسم من الأحرف السبعة سؤال هو: كيف اشتملت المصاحف على هذه الأحرف؟ وللإجابة على ذلك نقول: من الثابت أن المصاحف كانت خالية من النقط والشكل، والقراءات التي صحت نسبتها إلى رسول الله ﷺ وتحققت فيها الأركان الثلاثة المعروفة ترجع إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما فيه قراءتان، ورسم على إحداهما مثل: "صراط، يبصط المصيطرون" كتبت كلها بالصاد مع أن أصلها السين، فتقرأ بالصاد تبعا للرسم، كما تقرأ بالسين تبعا لأصل الكلمة. النوع الثاني: ما فيه قراءتان أو أكثر، ورسم برسم واحد يحتمل القراءتين تحقيقا أو تقديرا١. فمن أمثلة النوع الأول: ١- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢. فإن قوله تعالى: ﴿كَبِيرٌ﴾ قرئت بالباء الموحدة، كما قرئت بالثاء المثلثة، وهما قراءتان صحيحتان، والرسم يحتملهما تحقيقا، حيث لم تكن الكلمة منقوطة ولا مشكولة. ٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٣.

стр. 22

قرئت ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بياء وياء ونون، من البيان، كما قرئت "فتثبتوا" بثاء فباء فتاء من التثبت، وهما قراءتان صحيحتان، والرسم يحتملهما تحقيقا١. ومن أمثلة النوع الثاني: وهو موافقة القراءة للرسم تقديرا: ١- جمع المؤنث السالم مثل: مسلمات، مؤمنات، البينات. فهذه الألفات تحذف باتفاق العلماء. فإن كان في الكلمة ألفان مثل: الصالحات، السموات ... فللعلماء في ذلك خلاف: فأكثر المصاحف على حذف ألفيه معا. وبعض المصاحف على حذف الثانية فقط٢. ٢- رسم الألف واوا في مثل: الصلاة والزكاة، والربا للدلالة على أن أصلها الواو. فهذا وما شاكله تعتبر القراءة فيه موافقة لرسم المصاحف تقديرا. وقد تكون الكلمة محتملة لإحدى القراءتين تحقيقا وللثانية تقديرا، مثل قوله تعالى -في سورة الفاتحة-: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ كتبت في المصاحف كلها "ملك" بدون ألف، فقراءة الحذف متفقة مع الرسم تحقيقا، كما في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاس﴾ وقراءة المد محتملة للرسم تقديرا، كما في قوله تعالى: "قل اللهم ملك الملك"٣. فتكون الألف قد حذفت اختصارا. فهذان النوعان: التحقيقي والتقديري، اتحدت فيه المصاحف كلها، فتقرأ الكلمة بوجهين أو أكثر، مع اتحاد الرسم، لعدم النقط والشكل. النوع الثالث: الكلمات التي تشتمل على الزيادة أو النقص، ولا يمكن أن تكتب في

стр. 23

المصحف الواحد مرتين أو أكثر، لما في ذلك من الخلط والتغيير. وهذا النوع كتب في كل مصحف على حسب ما يقرأ أهل الذي سيرسل إليه المصحف، وبذلك تكون المصاحف -في مجموعها- مشتملة على ما صح نقله، ولم تنسخ تلاوته، لا أن كل مصحف كان مشتملا على جميع هذه الأحرف. قال الإمام أبو عمرو الداني: "فإن سأل سائل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف. قلت: السبب عندنا أن أمير المؤمنين "عثمان بن عفان" ﵁ لما جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة، وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها، مما لا يصح ولا يثبت، نظرا للأمة، واحتياطا على أهل الملة، وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله كذلك منزلة، ومن رسول الله ﷺ مسموعة، وعلم أن جميعها في مصحف واحد على تلك الحال غير متمكن إلا بإعادة الكلمة مرتين، وفي رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير ما لا خفاء به، ففرقها من المصاحف، لذلك جاءت مثبتة في بعضها، ومحذوفة من بعضها، لكن تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله وعلى ما سمعت من رسول الله ﷺ فهذا سبب مرسومها في المصاحف أهل الأمصار"١. ومن أمثلة ما اختلفت فيه المصاحف: ١- قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "وأوصى"، وقرأ الباقون: ﴿وَوَصَّى﴾ ولذلك رسمت في مصحف أهل المدينة ومصحف أهل الشام: "وأوصى"

стр. 24

وفي مصحف أهل الكوفة والبصرة "ووصى" بغير ألف١ حسب قراءة أهل كل مصر. ٢- قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "سارعوا" بدون واو، وقرأ الباقون ﴿وَسَارِعُوا﴾ بالواو، ولذلك رسمت في مصحفي أهل المدينة والشام بدون واو، وفي مصحفي أهل الكوفة وأهل البصرة بالواو٣ حسب قراءة كل منهم. ٣- قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ ٤. قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر "يقول" بغير واو، وبرفع اللام. وقرأ أبو عمرو "ويقول" بالواو ونصف اللام. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف في اختياره "ويقولُ" بالواو ورفع اللام. ولذلك رسمت في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام "يقول" بغير واو، وفي مصاحف أهل الكوفة والبصرة وسائر العراق "ويقول" بالواو، حسب قراءة كل منهم٥. ٤- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٦. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "من يرتد منكم" بدالين، الأولى مكسورة والثانية مجزومة، وقرأ الباقون "يرتد" بدال واحدة مفتوحة مشددة. ورسمت في مصاحف أهل المدينة والشام "يتردد" بدالين.

стр. 25

قال أبو عبيد: وكذا رأيتها في الإمام بدالين. وفي سائر المصاحف "يرتد" بدال واحدة١. ٥- قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "الذين اتخذوا" بدون واو. وقرأ الباقون بالواو. وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة والشام بدون واو، وفي بقية المصاحف بالواو٣. حسب قراءة كل منهم. ٦- قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ ٤. قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر "خيرا منهما" بزيادة الميم بعد الهاء على التثنية، والضمير يعود إلى الجنتين. وقرأ الباقون ﴿مِنْهَا﴾ بغير ميم على الإفراد، فالضمير عائد على الجنة المدخولة في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ٥. وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام "منهما" بزيادة الميم، وفي بقية المصاحف "منها" بدون الميم٦. ٧- قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ٧. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فتوكل" بالفاء. وهي كذلك في مصاحف.

стр. 26

أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون بالواو، وهي كذلك في مصاحفهم١. ٨- قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ٢. في هذه الآية الكريمة أربع قراءات: الأولى: لنافع وأبي عمرو وأبي جعفر "وأن يُظْهِر في الأرض الفسادَ" بغير ألف قبل واو العطف، وضم الياء وكسر الهاء من "يظهر" من "أظهر" المعتدي بالهمزة و"الفساد" بالنصب على أنه مفعول به. الثانية: لابن كثير وابن عامر "وأن يَظْهَر في الأرض الفسادُ" بالواو وفتح الياء والهاء من "يظهر" ورفع "الفساد" على أنه فاعل. الثالثة: لحفص ويعقوب ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ بزيادة همزة مفتوحة قبل الواو، مع سكون الواو، وضم الياء وكسر الهاء من "يظهر" ونصب "الفساد". الرابعة: لشعبة وحمزة والكسائي وخلف العاشر "أو أن يَظْهَرَ في الأرض الفسادُ" بزيادة همزة قبل الواو، وفتح الياء والهاء من "يظهر" ورفع "الفساد"٣. وقد رسمت "وأن" بدون همزة قبل الواو في مصاحف أهل المدينة ومكة والبصرة والشام، حسب قراءة أهل هذه الأمصار، كما رسمت في بقية المصاحف "أو أن" بهمزة قبل الواو٤. وقد اتحدت المصاحف في رسم كلمتي "يظهر" و"الفساد" فهما من القسم الأول الذي يمكن أن يقرأ بعدة أوجه، والرسم يحتمل ذلك.

стр. 27

٩- قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ١ قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "بما كسبت" بدون فاء، وهي كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ﴾ بالفاء، وهي كذلك في مصاحفهم٢. ١٠- قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٣. قرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ بهائين، ورسمت كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون "تشتهي" بهاء واحدة، وهي مرسومة هكذا في بقية المصاحف٤. ١١- قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ٥. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فإن الله الغنى الحميد" بدون "هو" وهي مرسومة كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وهي كذلك في مصاحفهم٦. ١٢- قال الله تعالى: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ٧.

стр. 28

قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فلا يخاف" بالفاء، ورسمت كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام. وقرأ الباقون ﴿وَلا يَخَافُ﴾ وهي مرسومة كذلك في مصاحفهم١. وقد حصر بعض العلماء هذه الكلمات التي اختلفت فيها المصاحف فبلغت نحوا من ثمانية وخمسين كلمة بدون تكرار٢. والخلاصة: أن المصاحف العثمانية اشتملت على احتمله رسمها بالكيفية السابقة: - ما يصح أن يقرأ بوجهين أو عدة وجوه والرسم يحتمل ذلك رسم في جميع المصاحف برسم واحد بدون نقط ولا شكل. - ما لا يحتمله الرسم من خلاف بالزيادة أو النقص، رسم في مصحف كل قطر بما يوافق قراءتهم غالبا. وبذلك تكون المصاحف العثمانية مشتملة على جميع ما صح نقله عن رسول الله ﷺ ولم تنسخ تلاوته، واستقر في العرضة الأخيرة، وليست مشتملة على جميع الأحرف السبعة ولا قاصرة على حرف واحدة -كما تقدم.

стр. 29

كيفية تطبيق ذلك على المصاحف في دور الطباعة الحديثة: سبق أن قلنا: إن اتفاق القراءة مع المصحف الذي أرسل إلى كل قطر إنما هو في الغالب فقط، وليس مطردا، وشرط قبول القراءة: موافقتها لأحد هذه المصاحف، وليس شرطا أن توافق مصحف أهل القطر المعين. ولذلك نجد في المصاحف التي طبعت على رواية "حفص" أنه اتبع فيها رسم الكلمات على حسب الرواية، حتى ولو كانت مخالفة لمصحف أهل الكوفة. جاء في التعريف بالمصحف الذي أشرفت على طبعه لجنة من العلماء في مصر سنة "١٣٤٢هـ-١٩٣٢م" ما نصه: "أما الأحرف اليسيرة التي اختلفت فيها أهجية تلك المصاحف، فاتبع فيها الهجاء الغالب، مع مراعاة قراءة القارئ الذي يكتب المصحف لبيان قراءته"١. ولذلك رسم فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ٢ بسورة "يس" بالهاء، تبعا لرواية حفص، مع أنها في مصحف أهل الكوفة بدونها. كما رسم قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٣ بهائين، تبعا للرواية، وهي في مصحف الكوفيين بهاء واحدة. وهذا لا يخرج المصحف عن كونه موافقا لرسم المصاحف العثمانية.

стр. 30

ظواهر الرسم العثماني وموقف العلماء منها: الرسم: أصله الأثر. أي: أثر الكتابة في اللفظ. ومعناه: تصوير الكلمة بحروف هجائها، بتقدير الابتداء بها والوقف عليها. فالأصل في كل كلمة أن تكتب بحسب منطوق حروفها، بدون زيادة أو نقصان، أو إبدال أو غير ذلك، وهو ما يعرف بالرسم العثماني، وأكثر الكلمات القرآنية متفقة مع هذه القواعد. وقد خرجت عن هذه القواعد بعض الألفاظ فرسمت بالزيادة أو الحذف أو الإبدال، أو غير ذلك من الظواهر التي تضمنها علم "الرسم العثماني". وقد حصرها العلماء في: الحذف، والزيادة، والهمز، والبدل، والفصل والوصل، وما فيه قراءتان متواتراتان وكتب على إحداهما. أولا- الحذف: وتحته ثلاثة أنواع: أ- حذف الإشارة، وهو أن يكون موافقا لبعض القراءات مثل قوله تعالى: "وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة"١ قرئ بحذف الألف التي بعد الواو من "واعدنا" كما قرئ بإثباتها، فحذفت الألف إشارة إلى قراءة الحذف، والقراءة الثانية جاءت على الأصل وهي المواعدة، فالله تعالى وعد موسى الوحي، وموسى ﵇ وعد الله تعالى المجيء٢. ب- حذف الاختصار، كحذف ألف جمع المذكر السالم والمؤنث السالم، مثل: قوله تعالى: "سمعون للكذب سمعون لقوم آخرين"٣. ومثل قوله تعالى: "إن المسلمين والمسلمت والمؤمنين والمؤمنت والقنتين

стр. 31

والقنتات"١ إلى آخر الآية الكريمة. كل ذلك رسم بحذف الألف. جـ- حذف الاقتصار، وهو ما اختص ببعض الكلمات دون بعض مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ ٢ رسمت بحذف الألف بعد العين. ثانيا- الزيادة: مثل: زيادة الألف في قوله تعالى: "أو لأاذبحنه"٣، والواو في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٤ ومثلها: "أولي، أولاء" وزيادة الياء في مثل قوله تعالى: "والسماء بنيناها بأييد"٥ رسمت بزيادة الياء في "بأييد". ثالثا- البدل: وهو جعل حرف مكان حرف آخر، كرسم الألف واوا في مثل "الصلاة، الزكاة، الحياة". رابعا- الفصل والوصل: ويعبر عنها بالقطع والوصل، أي: قطع الكلمة عما بعدها أو وصلها بها، مثل: قطع "أم" عن "من" في قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ٦، أو وصلها بها في مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ ٧. خامسا- رسم الهمزة: لرسم الهمزة عدة حالات، خلاصتها: أنها إما أن تكون ساكنة أو متحركة، والساكنة إما أن تكون وسطا أو طرفا، وهي في هاتين الحالتين تصور بحسب الحرف الذي قبلها، فإن كان مفتوحا رسمت ألفا مثل "أنشأتم" وإن كان مكسورا صورت ياء، مثل: "نبي" وإن كان مضموما رسمت واوا مثل:

стр. 32

"اللؤلؤ". أما المتحركة: فإن كانت في ابتداء الكلام رسمت ألفا مطلقا مثل: "أبصر، إخراج، أعيذك". وإن كانت وسطا: فإن كان ما قبلها متحركا رسمت ألفا إن كانت مفتوحة وقبلها فتح مثل "سألوا"، وإن كانت مكسورة رسمت ياء بعد الحركات الثلاث مثل: "يئسوا، بارئكم، سئلت" وكذلك إذا كانت مفتوحة أو مضمومة وقبلها كسر مثل: "فئة، سنقرئك". كما ترسم واوا إذا كانت مضمومة، بعد فتح مثل: "رؤوف"، أو مفتوحة بعد ضم مثل: "مؤجلا". أما إن سكن ما قبلها: فإنها تحذف صورتها مثل: "يسئمون، نساءكم"، إلا إذا كانت مكسورة بعد ألف، فإنها ترسم ياء مثل: "قائمة"، أو مضمومة بعد ألف، فإنها ترسم واوا، مثل: "هاؤهم". أما المتطرفة: فإن كان ما قبلها متحرك رسمت بصورة الحرف الذي منه حركته، مثل: "بدأ، قرئ، نقرؤه" وإن سكن ما قبلها لم ترسم صورتها مثل "ملء، شيء، سوء" هذه هي القواعد العامة للهمزة. وقد خرج عن هذه القواعد كلمات مخصوصة رسمت بصورة معينة، مثل كلمة "رءيا"١ كتبت بياء واحدة، وحذفت صورة الهمزة، كراهة اجتماع مثلين٢. ومثل: "تؤى، تؤيه" رسمتا بواو واحدة، وكذلك "الرءيا" مضموم الواو كتب بحذف الواو. إلى آخر هذه الاستثناءات التي خرجت عن القواعد المتقدمة، لعلل وأسرار منها ما عرفناه، ومنها ما لم نعرفه إلى الآن٣.

стр. 33

سادسا- ما كانت فيه قراءتان ورسم على إحداهما: ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ ١ كتبت في مصحفي أهل المدينة والشام "وأوصى" وفي بقية المصاحف ﴿وَوَصَّى﴾ حسب قراءة كل منهم. ومثل قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢ كتبت في مصحف أهل المدينة ومصحف أهل الشام "سارعوا" بدون الواو، وفي البقية ﴿وَسَارِعُوا﴾ حسب قراءة كل منهم كذلك٣.

стр. 34

موقف العلماء من هذه الظواهر مدخل ... موقف العلماء من هذه الظواهر: وإزاء هذه الظواهر التي جاءت في الرسم العثماني مخالفة لقواعد الرسم القياسي، اختلف العلماء في ذلك على اتجاهين: الاتجاه الأول: أن الصحابة ﵃ الذين كتبوا المصاحف كانوا متقنين لقواعد العربية والخط العربي، فكتبوا المصاحف على هذه القواعد، وخالفوا هذه القواعد في بعض الكلمات لعلل وأسرار كثيرة، تتفق مع مكانة القرآن الكريم وكيفية تلاوته. قال العلامة اللغوي ابن فارس: "ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية: كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء، والهمز، والمد والقصر، فكتبوا ذوات بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا في مثل "الخبء" و"الدفء". و"الملء" فصار ذلك كله حجة، وحتى كره من العلماء ترك اتباع المصحف من كره. فحدثني عبد الرحمن بن حمدان عن محمد بن الجهم السمري عن الفراء قال: اتباع المصحف -إذا وجدت له وجها من كلام العرب- وقراءة القرآن أحب إلي من خلافه"١. وقال الإمام ابن الجزري: "فانظر كيف كتبوا "الصراط" و"المصيطرون" بالصاد المبدلة من السين، وعدلوا عن السين التي هي الأصل، لتكون قراءة السين -وإن خالفت الرسم من وجه- قد أتت على الأصل فيعتدلاون٢، وتكون قراءة الإشمام محتملة،

стр. 35

ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك، وعدت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل١، ولذلك كان الخلاف المشهور في "بسطة" الأعراف٢، دون "بسطة" البقرة٣، لكون حرف البقرة كتب بالسين، وحرف الأعراف بالصاد٤". والمتتبع لهذه الظواهر "ظواهر الزيادة، والحذف، والإبدال، والقطع والوصل وغير ذلك" يدرك أنها جاءت على هذه الكيفية لعلل وأسرار كثيرة. ولنضرب لذلك أمثلة يقاس عليها غيرها، لنتبين من خلالها مدى دقة الصحابة، وعلو منزلتهم في كتابة المصاحف.

стр. 36

من أسرار ظواهر الرسم العثماني: أ- ظاهرة الزيادة: من أمثلة هذه الظاهرة: ١- زيادة الألف في "مائة" للفرق بينها وبين "منه" باعتبار أن المصاحف كانت خالية من النقط والشكل والهمز، وألحق بها "مائتين" حيث وقعتا. ٢- زيدت الواو في "أولى" للفرق بينها وبين "إلى" الجارة، وزيدت في "أولئك" للفرق بينها وبين "إليك" واطردت زيادتها في "أولو" وأولات، وأوئك" حملا على أخواتا١. ٣- زيدت الياء في لفظ بأييد" من قوله تعالى: "والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون"٢للفرق بين "الأيد" بمعنى القوة، وبين "الأيدي" جمع يد. ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي٣. قال ابن عباس وغيره: "بأيد" أي: بقوة وقدرة٤. وقد اختلف العلماء هل الزائدة هي الياء الأولى أو الثانية؟ والذي عليه العمل في المصاحف الآن: أن الثانية هي الزائدة، ولذلك وضع الصفر المستدير عليها، كما هي قواعد الضبط. ب- ظاهرة الحذف: من أمثلة هذه الظاهرة: ١- حذف الألف: ظاهرة حذف الألف في القرآن الكريم كثيرة ومتنوعة، بعضها يرجع إلى

стр. 37

اختلاف القراءات، وبعضها يرجع إلى أسباب أخرى، قد لا ندرك لها سرا، وعلماء الرسم يقسمون الحذف إلى ثلاثة أقسام: حذف إشارة، وحذف اختصار، وحذف اقتصار١. ومن ذلك حذف الألف من الأسماء الأعجمية. قال أبو عمرو الداني: "اتفقوا على حذف الألف من الأعلام الأعجمية المستعملة، كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وهارون، ولقمان، وشبهها، وأما حذفها من سليمان، وصالح، ومالك، وليست بأعجمية، فكثرة الاستعمال، فأما ما لم يكثر استعماله من الأعجمية فبالألف، كطالوت، وجالوت، ويأجوج، ومأجوج، وشبهها"٢. ومن أمثلة حذف الألف للإشارة إلى قراءتين أو أكثر: قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٣. حذفت الألف من كلمة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ لتحتمل قراءة "وما يُخَادعون" بالألف وضم الياء وفتح الخاء٤. ومثل قوله تعالى: "وترى الشمس إذا طلعت تَزَور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه"٥. ففي قوله تعالى: "تَزَور" ثلاث قراءات: الأولى: "تَزْورُّ" بإسكان الزاي وتشديد الراء، بلا ألف، لابن عامر ويعقوب. الثانية: "تَزَاوَرُ" بفتح الزاي مخففة وألف بعدها، وتخفيف الراء، لعاصم وحمزة والكسائي وخلف.

стр. 38

الثالثة: "تَزَّوارُ" بفتح الزاي مشددة، وألف بعدها، وتخفيف الراء لباقي القراء. وقد رسمت بحذف الألف لتحتمل هذه القراءات الثلاث١، على غرار ما قلنا في مثل "ملك يوم الدين". ٢- حذف الواو: أ- ما حذفت واوه اكتفاء بالضمة، وذلك في أربعة أفعال: ١- ﴿وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ ٢ حذفت الواو من ﴿وَيَدْعُ﴾ . ٢- ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ٣ حذفت الواو من ﴿وَيَمْحُ﴾ وأصلها "ويمحو". ٣- ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُر﴾ ٤ حذفت الواو من ﴿يَدْعُ﴾ أصلها "يدعو". ٤- ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة﴾ ٥ حذفت الواو من ﴿سَنَدْعُ﴾ فأصلها "سندعو". ب- ما حذفت نونه للإضافة، وواوه اكتفاء بالضمة، وذلك في قوله تعالى: "وصالحُ المؤمنين"٦ فهو جمع مذكر سالم أصله: "وصالحون"٧.

стр. 39

٣- حذف الياء: ظاهرة حذف الياء كثيرة في القرآن الكريم، سواء أكانت أصلية، أي: من بنية الكلمة مثل ﴿الدَّاعِ﴾ أصلها "الداعي" أم كانت زائده مثل: ﴿فَارْهَبُون﴾ ، ﴿فَاتَّقُون﴾ . وقد حذفت الياء من المصاحف للتخفيف، وهي لغة مشهورة عند العرب، يقولون: مررت بالقاض، وجاءني القاض، فيحذفون الياء لدلالة الكسرة عليها١. هذا من حيث اللغة. ومن حيث القراءة: رسمت هكذا لتحتمل قراءة إثبات الياء أو حذفها، فمن القراء من حذفها وصلا ووقفا، ومنهم من أثبتها وصلا ووقفا، وهناك من أثبتها وصلا وحذفها وقفا. فحجة من حذفها وصلا ووقفا: اتباع الرسم، والاكتفاء بالكسرة للدلالة عليها، وأجرى الوقف مجرى الوصل. وحجة من أثبتها وصلا ووقفا: أنه أتى بها على الأصل. أما من أثبتها وصلا، وحذفها وقفا، فحجته: أنه اتبع الأصل في الوصل، واتبع خط المصحف في الوقف، لأن أكثر الخط كتب بما يوافق الوقف والابتداء، فلما لم تثبت الياء في الخط، حذفها في الوقف، إتباعا للرسم٢. جـ- ظاهرة البدل: البدل في اللغة: العوض. واصطلاحا: جعل حرف مكان حرف آخر. وصور البدل كثيرة، منها: إبدال الألف ياء، أو واوا، ومنها: إبدال السين صادا، والهاء تاء، والنون ألفا، لعلل وأسرار كثيرة يضيق المقام عن حصرها فلنذكر لها بعض الأمثلة: ١- رسم الألف ياء في بعض الكلمات للدلالة على أن أصلها الياء فتمال عند من مذهبه الإمالة مثل: "رمى، أعطى، استسقى، اهتدى". ٢- رسم الألف واوا للدلالة على أن أصلها الواو مثل: "الصلاة" فأصلها

стр. 40

الواو، ولذلك تجمع على "صلوات" ومثل: "الربا" أصلها من: ربا يربو، إذا زاد. ٣- رسم الهاء تاء: هاء التأنيث رسمت في بعض الكلمات بالتاء، وفي البعض الآخر بالهاء. فالذي رسم الهاء مثل: "رحمة، ونعمة، وكلمة" لا خلاف بين القراء في الوقف عليه بالهاء. أما ما رسم بالتاء مثل: "بقيت، نعمت، رحمت" ففي الوقف عليه للقراءة وجهان: أحدهما: الوقف بالهاء، كما هو الأصل في الوقف على تاء التأنيث، وهو إبدالها هاء. وثانيهما: الوقف بالتاء، اتباعا لرسم المصحف. وبذلك يتبين أن الصحابة ﵁ فرقوا بين بعض الكلمات، فرسموا بعضها بالهاء، وبعضها بالتاء لتحتمل المرسومة بالتاء قراءتين، بخلاف المرسومة بالهاء، فلا تحتمل إلا وجها واحدة١. ٤- القطع والوصل: من أهم الظواهر التي تضمنها "علم الرسم": باب القطع والوصل، ويسمى: المقطوع والموصول. وقد أوجب العلماء على القارئ معرفة هذا الباب، ليقف على كل كلمة حسب رسمها في المصاحف العثمانية. فإذا كانت الكلمة مفصولة عن غيرها جاز للقارئ الوقف على أحد أجزائها عند الضرورة، كأن يكون في مقام التعلم، أو الامتحان، أو ضيق النفس، وما أشبه ذلك. وإذا كانت موصولة بما بعدها لم يجز له الوقف إلا على الجزء الثاني منها٢. ومن أمثلة ذلك: "أم" مع "من" كتبت مفصولة في أربعة مواضع:
следующие страницы →