من أسرار ظواهر الرسم العثماني:
أ- ظاهرة الزيادة:
من أمثلة هذه الظاهرة:
١- زيادة الألف في "مائة" للفرق بينها وبين "منه" باعتبار أن المصاحف كانت خالية من النقط والشكل والهمز، وألحق بها "مائتين" حيث وقعتا.
٢- زيدت الواو في "أولى" للفرق بينها وبين "إلى" الجارة، وزيدت في "أولئك" للفرق بينها وبين "إليك" واطردت زيادتها في "أولو" وأولات، وأوئك" حملا على أخواتا١.
٣- زيدت الياء في لفظ بأييد" من قوله تعالى: "والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون"٢للفرق بين "الأيد" بمعنى القوة، وبين "الأيدي" جمع يد. ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي٣.
قال ابن عباس وغيره: "بأيد" أي: بقوة وقدرة٤.
وقد اختلف العلماء هل الزائدة هي الياء الأولى أو الثانية؟
والذي عليه العمل في المصاحف الآن: أن الثانية هي الزائدة، ولذلك وضع الصفر المستدير عليها، كما هي قواعد الضبط.
ب- ظاهرة الحذف:
من أمثلة هذه الظاهرة:
١- حذف الألف:
ظاهرة حذف الألف في القرآن الكريم كثيرة ومتنوعة، بعضها يرجع إلى
стр. 37
اختلاف القراءات، وبعضها يرجع إلى أسباب أخرى، قد لا ندرك لها سرا، وعلماء الرسم يقسمون الحذف إلى ثلاثة أقسام: حذف إشارة، وحذف اختصار، وحذف اقتصار١.
ومن ذلك حذف الألف من الأسماء الأعجمية.
قال أبو عمرو الداني:
"اتفقوا على حذف الألف من الأعلام الأعجمية المستعملة، كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وهارون، ولقمان، وشبهها، وأما حذفها من سليمان، وصالح، ومالك، وليست بأعجمية، فكثرة الاستعمال، فأما ما لم يكثر استعماله من الأعجمية فبالألف، كطالوت، وجالوت، ويأجوج، ومأجوج، وشبهها"٢.
ومن أمثلة حذف الألف للإشارة إلى قراءتين أو أكثر:
قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٣. حذفت الألف من كلمة ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ لتحتمل قراءة "وما يُخَادعون" بالألف وضم الياء وفتح الخاء٤.
ومثل قوله تعالى: "وترى الشمس إذا طلعت تَزَور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه"٥.
ففي قوله تعالى: "تَزَور" ثلاث قراءات:
الأولى: "تَزْورُّ" بإسكان الزاي وتشديد الراء، بلا ألف، لابن عامر ويعقوب.
الثانية: "تَزَاوَرُ" بفتح الزاي مخففة وألف بعدها، وتخفيف الراء، لعاصم وحمزة والكسائي وخلف.
стр. 38
الثالثة: "تَزَّوارُ" بفتح الزاي مشددة، وألف بعدها، وتخفيف الراء لباقي القراء.
وقد رسمت بحذف الألف لتحتمل هذه القراءات الثلاث١، على غرار ما قلنا في مثل "ملك يوم الدين".
٢- حذف الواو:
أ- ما حذفت واوه اكتفاء بالضمة، وذلك في أربعة أفعال:
١- ﴿وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ ٢ حذفت الواو من ﴿وَيَدْعُ﴾ .
٢- ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ ٣ حذفت الواو من ﴿وَيَمْحُ﴾ وأصلها "ويمحو".
٣- ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُر﴾ ٤ حذفت الواو من ﴿يَدْعُ﴾ أصلها "يدعو".
٤- ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة﴾ ٥ حذفت الواو من ﴿سَنَدْعُ﴾ فأصلها "سندعو".
ب- ما حذفت نونه للإضافة، وواوه اكتفاء بالضمة، وذلك في قوله تعالى: "وصالحُ المؤمنين"٦ فهو جمع مذكر سالم أصله: "وصالحون"٧.
стр. 39
٣- حذف الياء:
ظاهرة حذف الياء كثيرة في القرآن الكريم، سواء أكانت أصلية، أي: من بنية الكلمة مثل ﴿الدَّاعِ﴾ أصلها "الداعي" أم كانت زائده مثل: ﴿فَارْهَبُون﴾ ، ﴿فَاتَّقُون﴾ .
وقد حذفت الياء من المصاحف للتخفيف، وهي لغة مشهورة عند العرب، يقولون: مررت بالقاض، وجاءني القاض، فيحذفون الياء لدلالة الكسرة عليها١. هذا من حيث اللغة.
ومن حيث القراءة: رسمت هكذا لتحتمل قراءة إثبات الياء أو حذفها، فمن القراء من حذفها وصلا ووقفا، ومنهم من أثبتها وصلا ووقفا، وهناك من أثبتها وصلا وحذفها وقفا.
فحجة من حذفها وصلا ووقفا: اتباع الرسم، والاكتفاء بالكسرة للدلالة عليها، وأجرى الوقف مجرى الوصل.
وحجة من أثبتها وصلا ووقفا: أنه أتى بها على الأصل.
أما من أثبتها وصلا، وحذفها وقفا، فحجته: أنه اتبع الأصل في الوصل، واتبع خط المصحف في الوقف، لأن أكثر الخط كتب بما يوافق الوقف والابتداء، فلما لم تثبت الياء في الخط، حذفها في الوقف، إتباعا للرسم٢.
جـ- ظاهرة البدل:
البدل في اللغة: العوض. واصطلاحا: جعل حرف مكان حرف آخر.
وصور البدل كثيرة، منها: إبدال الألف ياء، أو واوا، ومنها: إبدال السين صادا، والهاء تاء، والنون ألفا، لعلل وأسرار كثيرة يضيق المقام عن حصرها فلنذكر لها بعض الأمثلة:
١- رسم الألف ياء في بعض الكلمات للدلالة على أن أصلها الياء فتمال عند من مذهبه الإمالة مثل: "رمى، أعطى، استسقى، اهتدى".
٢- رسم الألف واوا للدلالة على أن أصلها الواو مثل: "الصلاة" فأصلها
стр. 40
الواو، ولذلك تجمع على "صلوات" ومثل: "الربا" أصلها من: ربا يربو، إذا زاد.
٣- رسم الهاء تاء:
هاء التأنيث رسمت في بعض الكلمات بالتاء، وفي البعض الآخر بالهاء.
فالذي رسم الهاء مثل: "رحمة، ونعمة، وكلمة" لا خلاف بين القراء في الوقف عليه بالهاء.
أما ما رسم بالتاء مثل: "بقيت، نعمت، رحمت" ففي الوقف عليه للقراءة وجهان:
أحدهما: الوقف بالهاء، كما هو الأصل في الوقف على تاء التأنيث، وهو إبدالها هاء.
وثانيهما: الوقف بالتاء، اتباعا لرسم المصحف.
وبذلك يتبين أن الصحابة ﵁ فرقوا بين بعض الكلمات، فرسموا بعضها بالهاء، وبعضها بالتاء لتحتمل المرسومة بالتاء قراءتين، بخلاف المرسومة بالهاء، فلا تحتمل إلا وجها واحدة١.
٤- القطع والوصل:
من أهم الظواهر التي تضمنها "علم الرسم": باب القطع والوصل، ويسمى: المقطوع والموصول.
وقد أوجب العلماء على القارئ معرفة هذا الباب، ليقف على كل كلمة حسب رسمها في المصاحف العثمانية.
فإذا كانت الكلمة مفصولة عن غيرها جاز للقارئ الوقف على أحد أجزائها عند الضرورة، كأن يكون في مقام التعلم، أو الامتحان، أو ضيق النفس، وما أشبه ذلك.
وإذا كانت موصولة بما بعدها لم يجز له الوقف إلا على الجزء الثاني منها٢.
ومن أمثلة ذلك: "أم" مع "من" كتبت مفصولة في أربعة مواضع:
стр. 41
الأول: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ بالنساء١.
الثاني: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ بالتوبة٢.
الثالث: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ بالصافات٣.
الرابع: ﴿أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بفصلت٤.
وكتبت موصولة فيما عدا ذلك في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ بيونس٥، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٧.
يضاف إلى ذلك. ما تقدم بيانه عند الكلام على كيفية اشتمال المصاحف العثمانية على هذه الأحرف، وأن رسم بعض الكلمات بطريقة معينة يرجع إلى اختلاف القراءات، وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما فيه قراءتان، ورسم على إحداهما مثل: "صراط، يبصط، المصيطرون".
النوع الثاني: ما فيه قراءتان ورسم برسم واحد يحتمل القراءتين، مثل: "ملك يوم الدين" كتبت "ملك" بدون ألف لتحتمل قراءة المد، ومثل قوله تعالى: "يخدعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم" فقد كتبت "وما يخدعون" بدون ألف لتحتمل القراءتين.
النوع الثالث: ما فيه قراءتان أو أكثر ورسم في كل مصحف حسب قراءة القطر الذي أرسل إليه المصحف، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٨. فقد
стр. 42
رسمت في المصحف الشامي بلا واو ﴿وَقَالُوا﴾ وعلى ذلك جاءت قراءة ابن عامر.
وفي بقية المصاحف بالواو١. وتقدم لذلك أمثلة كثيرة.
والخلاصة:
إن رسم المصاحف العثمانية على هذه الكيفية إنما كان لعلل وأسرار كثيرة، منها ما وقفنا على علله، ومنها ما لم نقف له على علة حتى الآن.
قال الإمام أبو عمرو الداني:
"وليس شيء من الرسم، ولا من النقط اصطلح عليه السلف -رضوان الله عليهم- إلا وقد حاولوا به وجها من الصحة والصواب، وقصدوا به طريقا من اللغة والقياس، لموقعهم من العلم، ومكانهم من الفصاحة، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم"٢.
الاتجاه الثاني: اتجاه خطأ الصحابة في الكتابة:
هذا الاتجاه يرى: أن الاختلاف في كتابة المصاحف بظواهره المتقدمة كان ناشئا عن جهل الصحابة ﵃ بقواعد الخط، وبعدهم عن الصنائع.
وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك فقال: " ... فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة والتوحش، وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك من رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها، تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله ﷺ وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه، كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا، وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه، فاتبع ذلك وأثبت رسما، ونبه العلماء بالرسم على مواضعه" ثم قال: "ولا تلتفتن في ذلك
стр. 43
إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل، بكل لكلها وجه، ويقولون في مثل زيادة الألف في "لأاذبحنه": إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع، وفي زيادة الياء في "بأييد": إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية، وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض، وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمال، فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا ما خالف الإجادة من رسمه، وذلك ليس بصحيح"١.
ويتمسك أصحاب هذا الاتجاه بما ورد من آثار منسوبة إلى بعض الصحابة ﵃ يفيد ظاهرها وقوع بعض الأخطاء في رسم بعض الكلمات.
ومن هذ الآثار:
١- عن الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فرغ من المصحف أُتي به عثمان، فنظر فيه، فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى فيه شيئا من لحن، وستقيمه العرب بألسنتها٢.
стр. 44
٢- ومن الآثار التي استند إليها القائلون بخطأ الصحابة ﵃ في كتابة المصاحف: ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سألت عائشة عن لحن القرآن: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ١ وعن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاة
стр. 45
وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ١، وعن قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ ٢ فقالت: يابن أختي، هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتابه٣.
الرد على هذا الاتجاه:
يمكن الرد على اتجاه القائلين بخطأ الصحابة ﵃ في كتابة المصاحف من عدة وجوه:
أولا: عدم التسليم بأن الكتابة العربية كانت عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات اللغة، فإنه من الثابت أن الكتابة تولدت ونمت في شمال الجزيرة في بلاد الأنباط، ثم اتجهت -تحت تأثير السياسة- إلى الشرق، ووجدت في الحواضر العربية من العراق المناخ الملائم لأن تتطور وتتأصل وتنتشر في الحيرة وغيرها من القرى العربية ... مما أدى إلى انتشار الكتابة بين عرب العراق قبل الإسلام، واتصال أهل مكة بأهل الحيرة أمر مسلم به، فلا يستبعد أن يكون أهل مكة والمدينة قد تعلموا من أهل الحيرة، وأن هؤلاء قد علموا غيرهم من قريش وغيرهم٤.
وقد أثبتت الكتابات والنقوش المكتشفة أن العرب في الجاهلية كانوا يكتبون قبل الإسلام بأكثر من ثلاثة قرون، لكن لم تكن الكتابة لديهم شائعة إلا قرب البعثة المحمدية٥.
وقد ذكر المؤرخون عددا من الذين كانوا يعلمون الكتابة في الجاهلية، ومنهم: عمرو بن زرارة، وكان يسمى: الكاتب، وغيلان بن سلمة، وكانت
стр. 46
أسرة ثقيف ذات شهرة واسعة بالكتابة١.
وكان لقيط بن يعمر الأيادي شاعرا كاتبا باللغة العربية، وكان مترجما في بلاد فارس، وهو الذي أرسل إلى قومه يقول:
سلام في الصحيفة من لقيط
إلى من بالجزيرة من إياد٢
ولم يكن الرجال وحدهم هم الذين يقرءون ويكتبون، بل كان من النساء من يكتبن، ومنهن: الشفاء بنت عبد، من أسرة عمر بن الخطاب ﵁ فقد كانت تكتب في الجاهلية والإسلام، وهي التي علمت السيدة حفصة بنت عمر ﵄ زوج النبي ﷺ الكتابة٣. وفي فتوح البلدان٤: أن الإسلام دخل مكة وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب.
وبدخول الإسلام المدينة نشطت الكتابة، ومن ثمار هذا النشاط: ما كان من أسر سبعين من المشركين في بدر، وقبل النبي ﷺ من كل أسير أربعة آلاف درهم، أو تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، فداءً له٥.
ولم يكن الصحابة ﵃ يعرفون الكتابة فقط، بل كانوا يعرفون النقط والشكل أيضا.
قال الإمام ابن الجزري:
" ... وجردت المصاحف جميعها من النقط والشكل ليحتملها ما صح نقله وثبتت تلاوته عن النبي ﷺ "٦.
وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "جردوا القرآن ليربو فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم"٧.
стр. 47
والمراد بذلك: تجريد المصحف من النقط والفواتح والعشور، لئلا يفهم الصغار أن ذلك من القرآن.
فدل ذلك كله على بطلان ما قاله ابن خلدون: "إن الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ... وقوله: وانظر إلى ما وقع لأجل ذلك من رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة ... ".
ثانيا: أن المتأمل في الظواهر السابقة وغيرها، يجد أن الصحابة ﵃ كانوا من الدقة في كتابة المصاحف بما لا يستطيع منصف أن ينكره.
وقد سبق أن نقلنا أمثلة كثيرة للعلل والأسرار التي من أجلها زادوا بعض الحروف، أو حذفوها، أو أبدلوا حرفا بحرف، بما يتفق مع قواعد اللغة العربية وأسرارها.
يضاف إلى ذلك: رسمهم لبعض الكلمات بصور مختلفة، نتيجة لاختلاف القراءات والأوجه الواردة في الكلمة.
ومن أمثلة ذلك كلمة: "الأيكة" وقعت في القرآن الكريم في أربعة مواضع:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ بالحجر١.
الثاني: قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ بالشعراء٢.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْأَيْكَةِ﴾ بـ"ص"٣.
الرابع: قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ بـ"ق"٤.
رسمت الكلمة في سورتي الحجر وق هكذا "الأيكة" بألف قبل اللام.
ورسمت في سورتي الشعراء وص هكذا "ليكة" بدون ألف كما هو واضح في رسم المصحف.
стр. 48
والسبب في ذلك أن موضعي "الشعراء" و"ص" فيهما قراءتان:
الأولى: "ليكة" بلام مفتوحة بلا ألف وصل قبلها، ولا همزة بعدها، وفتح تاء التأنيث غير منصرفة للعلمية والتأنيث، وهي قراءة نافع وابن كثير، وابن عامر، وأبي جعفر.
وقرأ الباقون بهمزة وصل، وسكون اللام، وبعدها همزة مفتوحة، وكسر التاء "الأيكة".
والقراءتان صحيحتان متواترتان.
أما موضعا الحجر وق فرسمتا بالألف قبل اللام ﴿الْأَيْكَةِ﴾ والسبب في ذلك: أن هذين الموضعين ليس فيهما إلا قراءة واحدة: ﴿الْأَيْكَةِ﴾ بهمزة وصل، وسكون اللام، وبعدها همزة مفتوحة، وكسر التاء١.
وفي هذا المثال دلالتان:
إحداهما أن الصحابة ﵃ إنما رسموا هذه الكلمات وما شابهها بهذه الطريقة بناء على قواعد وأسس دقيقة، وأن الله -تعالى- قد اختارهم مع رسوله ﷺ لحفظ دينه وكتابه، فلا يصح نسبة الخطأ إليهم في مثل هذا العمل.
الدلالة الثانية: أن القراءة سنة متبعة. لا اجتهاد فيها ولا قياس، وإلا فلماذا قرئت هذه الكلمة في بعض السور بقراءتين، وفي البعض الآخر بقراءة واحدة؟
وما قيل من أن قراءة "لئيكة" بدون همزة أخذت من رسم الكلمة مردود، لأن القراءة سابقة على الكتابة كما هو معروف.
فنظرية تأثر القراءات بالرسم، وأن السبب في اختلاف القراءات خلو المصاحف من النقط والشكل ورسم بعض الكلمات بطريقة معينة، هذه النظرية نظرية إلحادية، أوردها بعض المستشرقين للطعن في صحة القرآن الكريم، باعتباره مصدر التشريع الأول.
قال المستشرق "جولدزيهر" في كتابه "مذاهب التفسير الإسلامي": "فلا يوجد كتاب تشريع اعترفت به طائفة دينية اعترافا عقديا، على أنه نص منزل
стр. 49
موحى به، يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب، وعدم الثبات، كما نجد في نص القرآن"١.
ثم تحدث عن سبب اختلاف القراءات فقال:
"وترجع نشأة قسم كبير من هذه الاختلافات إلى خصوصية الخط العربي الذي يقدم هيكله المرسوم مقادير صوتية مختلفة، تبعا لاختلاف النقاط الموضوعة فوق الهيكل أو تحته، وعدد تلك النقاط، بل كذلك في حالة تساوي المقادير الصوتية يدعو اختلاف الحركات، الذي لا يوجد في الكتابة العربية الأصلية ما يحدده، إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمة، وبهذا إلى اختلاف دلالتها.
وإذًا: فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط، واختلاف الحركات في المحصول الموحد الغالب من الحروف الصامتة، كانا هما السبب الأول في نشأة حركة اختلاف القراءات، في نص لم يكن منقوطا أصلا، أو لم تتحر الدقة في نقطه أو تحريكه"٢.
وفيما ذكرناه سابقا -من أن القراءة كانت سابقة على الرسم، وأنها كانت تتلقى مباشرة عن رسول الله ﷺ بالأسانيد الصحيحة -ما يرد على هذه الدعوى الملحدة، التي تهدف إلى النيل من القرآن الكريم، الذي تكفل الله-﵎ بحفظه دون سائر الكتب المنزلة.
وقد تصدى العلماء لبيان كذب هذه الدعوى بما لا يدع مجالا للشك، من أن الصحابة ﵃ إنما كتبوا المصاحف بناء على ما تلقوه من رسول الله ﷺ ولم تكن القراءة تابعة للرسم.
ومن الرسائل المهمة التي فندت هذه الدعوى: كتاب شيخنا الشيخ عبد الفتاح عبد الغني القاضي المتوفى سنة ١٤٠٣هـ بعنوان "القراءات في نظر المستشرقين والملحدين"٣.
стр. 50
ومما قاله في كتابه هذا، مما يتصل بموضوعنا:
"في القرآن الكريم كلمات تكررت في مواضع كثيرة، ورسمت برسم واحد في جميع المواضع، ولكنها في بعض المواضع وردت فيها القراءات التي يحتملها رسمها، فاختلف فيها القراء، وتنوعت فيها قراءاتهم.
وفي بعض المواضع اتفق القراء على قراءتها بوجه واحد، لأن غيره لم يصح به النقل، ولم تثبت به الرواية، مع أن الرسم يحتمله.
وهاك أمثلة لما ذكرنا:
المثال الأول: كلمة "مالك" ذكرت في القرآن على أنها صفة، أو في حكم الصفة في ثلاثة مواضع:
"ملك يوم الدين" في الفاتحة.
"قل اللهم ملك الملك" في آل عمران.
﴿مَلِكِ النَّاس﴾ في سورة الناس.
ورسمت هذه الكلمة برسم واحد في المواضع الثلاثة، وهو: حذف الألف بعد الميم، ولكن القراء اختلفوا في قراءتها في موضع الفاتحة فقط، فمنهم من قرأها بحذف الألف، ومنهم من قرأها فيه بإثباتها.
أما مواضع آل عمران: فقد اتفقوا على قراءتها فيه بإثبات الألف، مع أنه لو قرئت الكلمة في هذا الموضع بحذف الألف، لكان ذلك سائغا لغة ومعنى، ولكن لم تقرأ بالحذف في هذا الموضع، لعدم ثبوت الرواية فيه بالحذف.
وأما موضع سورة "الناس" فقد اتفق القراء على قراءة الكلمة فيه بحذف الألف، مع أنه لو قرئت هذه الكلمة في هذا الموضع بإثبات الألف، لكان ذلك سائغا لغة ومعنى، ولكن لم تقرأ الكلمة في هذا الموضع بالإثبات، لعدم ثبوت النقل فيه بالإثبات.
فلو كانت القراءات بالرأي والاجتهاد، لا بالتلقي والتوقيف، وكان تنوع
стр. 51
القراءات تابعا لرسم المصحف، لم يكن اختلاف القراء مقصورا على موضع الفاتحة، بل كان يتناول الموضعين الآخرين، لكنهم اختلفوا في موضع الفاتحة، واتفقوا في موضعي آل عمران والناس.
فدل هذا على أن القراءات لم تكن بالاختيار والاجتهاد، ولم يكن تنوعها تابعا للخط والرسم، وإنما هو تابع للسند والرواية والنقل"١.
ثالثا: أن هذه الدعوى -دعوى خطأ الصحابة- لو صحت لأدى ذلك إلى ثبوت التحريف في القرآن الكريم، وهذا يتنافى مع وعد الله -تعالى- بحفظه. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
أما وحفظ الله تعالى لكتابه حقيقة قائمة، فإن الخطأ ينتفي، وبالتالي ينتفي جهل كتاب الوحي، المؤدي إلى الخطأ في رسم كلمات حفظه الله، وأكد حفظه منزله الحكيم الخبير٣.
رابعا: مناقشة الآثار:
ناقش العلماء ما ورد عن عثمان وعائشة ﵄ من آثار تدل على وجود أخطاء في كتابة المصاحف على النحو التالي:
أ- فبالنسبة للأخبار المنقولة عن "عثمان" ﵁ فقد تقدم أنها غير صحيحة من حيث السند، ومثلها لا تقوم به حجة، كما قال العلماء.
ولو سلمنا بصحتها، فيجب تأويلها بما يتفق مع المعنى الذي به تصح، ولا يتعارض مع ما هو ثابت بالدليل القطعي من حفظ الله تعالى لكتابه من التحريف والتبديل والخطأ، كما يتفق مع مكانة "عثمان" ﵁ وغيرته على كتاب الله تعالى، وإلا فكيف يهب لنسخ المصاحف خوفا من وقوع اللحن والخطأ في وجوه القراءات، ثم يقر ذلك في المصاحف؟!
стр. 52
وأصح ما قيل في تأويله: ما قاله الداني في المقنع١: " ... وجهه: أن يكون عثمان ﵁، أراد باللحن المذكور فيه: التلاوة دون الرسم؛ إذ كان كثير منه لو تلي على حال رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة، وتغيرت ألفاظها، ألا ترى قوله: "أولأاذبحنه" و "لأوضعوا" و"من نبأى المرسلين" و"سأوريكم" و"الربوا" وشبهه مما زيدت الألف والياء والواو في رسمه، لو تلاه تالٍ لا معرفة له بحقيقة الرسم على حال صورته في الخط، لصير الإيجاب نفيا، ولزاد في اللفظ ما ليس فيه، ولا من أصله، فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه، مع كون رسم ذلك جائزا مستعملا.
فأعلم عثمان، ﵁، إذ وقف على ذلك أن من فاته تمييز ذلك، وعزبت معرفته عنه ممن يأتي بعده، سيأخذ ذلك عن العرب، إذ هم الذين نزل القرآن بلغتهم، فيعرفونه بحقيقة تلاوته، ويدلونه على صواب رسمه، فهذا وجهه عندي، والله أعلم".
ويؤيد ما قاله الداني: ما أخرجه الطبراني والبيهقي أن النبي ﷺ قال: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ... "٢.
فالمقصود باللحن الوارد في الأثر: تلاوة الحروف والكلمات المرسومة بزيادة أو نقص أو إبدال، مما يخالف قواعد الرسم القياسي، ولو قرئت كما هي مرسومة لتغير اللفظ وفسد المعنى٣.
وكيف يتفق ذلك مع قوله الصحابة ﵃ حين عرضوا عليه المصاحف: "أحسنتم وأجملتهم"٤؟!
إنه التناقض الذي لا يليق بمقامه وعلو شأنه ﵁.
ب- أما بالنسبة للأثر المروي عن عائشة ﵂: فقد أجاب عنه الإمام الداني فقال:
стр. 53
" ... تأويله ظاهر، وذلك أن عروة لم يسال عائشة فيه عن حروف الرسم التي تزاد فيها لمعنى، وتنقص منها لآخر،، تأكيدا للبيان، وطلبا للخفة، وإنما سألها فيه عن حروف من القراءة المختلفة الألفاظ المحتملة الوجوه، على اختلاف اللغات التي أذن الله لنبيه ﵇ ولأمته في القراءة بها، واللزوم على ما شاءت منها، تيسيرا لها وتوسعة عليها، وما هذا سبيله وتلك حاله، فعن اللحن والخطأ والوهم والزلل بمعزل، لفشوه في اللغة، ووضوحه في قياس العربية، وإذ كان الأمر في ذلك كذلك فليس ما قصدته فيه بداخل في معنى المرسوم، ولا هو من سببه في شيء، وإنما سمي عروة ذلك لحنا، وأطلقت عائشة على مرسومه -كذلك- الخطأ على جهة الاتساع في الإخبار، وطريق المجاز في العبارة، إذ كان ذلك مخالفا لمذهبهما، وخارجا عن اختيارهما، وكان الأوجه والأولى عندهما، والأكثر والأفشى لديهما، لا على وجه الحقيقة والتحصيل، فالقطع لما بيناه قبل من جواز ذلك وفشوه في اللغة، واستعمال مثله في قياس العربية، مع انعقاد الإجماع على تلاوته كذلك، دون ما ذهبا إليه ... "١.
ثم قال: "على أن أم المؤمنين ﵂ مع عظيم محلها، وجليل قدرها، واتساع علمها، ومعرفتها بلغة قومها، لحنت الصحابة، وخطأت الكتبة، وموضعهم في الفصاحة والعلم باللغة، موضعهم الذي لا يجهل ولا ينكر، هنا ما لا يسوغ ولا يجوز.
وقد تأول بعض علمائنا قول أم المؤمنين، أخطئوا في الكتاب: أي أخطئوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز، لأن ما لا يجوز مردود بإجماع وإن طالت مدة وقوعه، وعظم قدر موقعه، وتأول اللحن: أنه القراءة واللغة، كقول عمر ﵁: أبي أقرؤنا، وإنا لندع بعض لحنه، أي: قراءته"٢.
وقال الشيخ الزرقاني عن هذه الآثار:
стр. 54
"ونجيب أولا: بأن هذه الروايات مهما يكن سندها صحيحا، فإنها مخالفة للمتواتر القاطع، ومعارض القاطع ساقط مردود، فلا يلتفت إليها، ولا يعمل بها.
ثانيا: أنه قد نص في كتاب إتحاف فضلاء البشر١ على أن لفظ "هذان" قد رسم في المصحف من غير ألف ولا ياء، ليحتمل وجوه القراءات الأربع فيها ... وإذن فلا يعقل أن يقال: أخطأ الكاتب، فإن الكاتب لم يكتب ألفا ولا ياء، ولو كان هناك خطأ تعتقده عائشة ما كانت تنسبه للكاتب، بل كانت تنسبه لمن قرأ بتشديد "إن" وبالألف لفظا في "هذان"، ولم ينقل عن عائشة ولا عن غيرها تخطئة من قرأ بما ذكر، وكيف تنكر هذه القراءة وهي متواترة مجمع عليها؟ بل هي قراءة الأكثر، ولها وجه فصيح في العربية، ولا يخفى على مثل عائشة، ذلك هو إلزام المثنى بالألف في جميع حالاته ... فبعيد عن عائشة أن تنكر تلك القراءة، ولو جاء بها وحدها رسم المصحف.
ثالثا: أن ما نسب إلى عائشة ﵂ من تخطئة رسم المصحف في قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاة﴾ بالياء، مردود بما ذكره أبو حيان في البحر٢ إذ يقول ما نصه: "وذكر عن عائشة ﵂ وعن أبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف، ولا يصح ذلك عنهما، لأنهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت أشهر في لسان العرب، وهو باب واسع، ذكر عليه شواهد سيبويه وغيره".
وقال الزمخشري٣: "لا يلتفت إلى ما زعما من وقوعه لحنا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب "يقصد كتاب سيبويه"، ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبى٤ عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في
стр. 55
كتاب الله ثلمة١ يسدها من بعدهم، وخرقا يرفوه من يلحق بهم.
رابعا: أن قراءة ﴿وَالصَّابِئُون﴾ بالواو، لم ينقل عن عائشة أنها أخطأت من يقرأ بها، ولم ينقل أنها كانت تقرأ بالياء دون الواو، فلا يعقل أن تكون خطأت من كتب بالواو"٢.
وقد اتفق القراء العشرة على قراءة ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بالياء وعلى قراءة ﴿وَالصَّابِئُون﴾ بالواو، موافقة للرسم في كل منهما، وبذلك يكون قد تحقق في هاتين الكلمتين أركان القراءة الصحيحة وهي: التواتر، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة وجه من وجوه اللغة العربية، فلا وجه للاعتراض عليهما، ولا يقبل أي أثر يخالف ذلك.
وأيا كان تأويل هذه الآثار، فإن هذا لا يطعن في صحة وسلامة هذا العمل الجليل الذي قام به الصحابة ﵃ حيال كتاب الله تعالى، وأجمعت عليه الأمة، تحقيقا لوعد الله تعالى في قوله -جل شأنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ .
стр. 56
هل الرسم العثماني توقيفي:
أثارت قضية الرسم العثماني خلافا بين العلماء، منهم يرى أنه توقيفي عن الرسول ﷺ وعن الصحابة ﵃ حيث أمرهم ﷺ بكتابته وأقرهم عليه.
ومنهم من يرى أنه اصطلاحي، ولا مانع من مخالفته وكتابته بالطرق الحديثة تحقيقا للمصلحة العامة للمسلمين.
وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن رسم المصحف توقيفي لا يجوز تغييره، وتحرم مخالفته، شأنه في ذلك شأن ترتيب سور القرآن وآياته، لا يجوز لنا أن نقدم أو نؤخر منها شيئا.
وهو مذهب جمهور الأمة سلفا وخلفا، ونقل كثير من العلماء الإجماع على ذلك.
المذهب الثاني: أن رسم المصحف ليس توقيفيا، وأنه لا مانع من تغيير هذا الرسم حسبما تقتضيه قواعد الرسم الحديثة.
وممن ناصر هذه المذهب: أبو بكر الباقلاني، وابن خلدون، وكثير من العلماء المعاصرين١.
المذهب الثالث: جواز كتابته بالرسم الحديث لعامة الناس حسب قواعد الخط في أي عصر، مع الإبقاء على الرسم العثماني والمحافظة عليه للعلماء والخاصة، كأثر من الآثار النفيسة التي حافظت عليها الأجيال المتعاقبة.
وممن ناصر هذا المذهب: الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وبدر الدين الزركشي٢.
стр. 57
أدلة المذاهب:
أدلة المذهب الأول:
استدل الجمهور على صحة مذهبهم، وهو: أن الرسم العثماني توقيفي لا يجوز تغييره بالأدلة الآتية:
أولا: لقد كان الرسول ﷺ حريصا -كل الحرص- على توثيق النص القرآني من جهتين:
الجهة الأولى: الحفظ:
فقد كان ﷺ يحفظ كل ما ينزل عليه من الوحي، ثم يقرئ أصحابه بما حفظ، ويأمرهم بحفظه.
الجهة الثانية: الكتابة:
وقد بينا -فيما سبق- أنه ﷺ كان له كُتَّاب يكتبون له الوحي، ثم يراجعهم فيما كتبوا، حتى إذا وجد خطأ أمرهم بإصلاحه.
عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "كنت أكتب الوحي عند رسول الله صلى الله علي وسلم وهو يملي علي، فإذا فرغت قال ﷺ : "اقرأ" فأقرؤه، فإذا كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس"١.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان، وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا أنزل عليه شيء منه دعا بعض من كان يكتب فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وإذا نزلت عليه الآية يقول: "ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" ٢.
ولم يلحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى إلا والقرآن كله مكتوب على هذه
стр. 58
الصورة، وإن لم يكن مجموعا في مكان واحد.
وكان ﷺ يرشدهم إلى الطريقة المثلى في الكتابة -بوحي من جبريل ﵇ فقد روي أنه ﷺ قال لمعاوية: "ألق الدواة ١، وحرّف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسّن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم".
قال القاضي عياض -بعد أن أورد الحديث: "وهذا وإن لم تصح الرواية أنه ﷺ كتب، فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع القراءة والكتابة"٢.
وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف: "ولا ينافيه ما قيل: إن النبي ﷺ كان أميا لم يتعلم الكتابة؟ لأن الإملاء بالتلقين على هذا النحو لا يستلزم تعلم الكتابة بالمعنى الذي نفي عنه ﷺ فإن الأول إيحاء وإعلام محض بهجاء الكتابة ورقومها بدون تعلم وكسب، والثاني تعلم كسبي، وعمل يدوي، كما يتعلم أحدنا مبادئ الكتابة ثم يقرأ ويكتب، وإنما لم يتعلم ﷺ الكتابة أو يكتب لئلا يظن أنه مصنف القرآن، فيرتاب في أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٣.
فالكتابة لم تقع منه ﷺ لا عن وحي ولا تعلم، ولا عن غريرة ينشأ عنها نظم الكتابة كما ينشأ الشعر عن سليقة العربي"٤.
والذي لا خلاف عليه بين العلماء: أن القرآن الكريم كتب بين يدي النبي ﷺ ، وأقر الصحابة ﵃ على هذه الكتابة، والتقرير أحد أقسام السنة، وهو حجة عند المحدثين والأصوليين، فلو كان هناك خطأ في الكتابة لما أقرهم على ذلك، لأنه يناقض صريح قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
قال صاحب كتاب "الإبريز" نقلا عن شيخه عبد العزيز الدباغ: "رسم
стр. 59
القرآن سر من أسرار المشاهدة وكمال الرفعة، وهو صادر من النبي ﷺ وليس للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو بتوقيف من النبي ﷺ وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها ونحو ذلك، لأسرار لا تهتدي إليها العقول إلا بفتح رباني، وهو سر من الأسرار التي خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فكما أن نظمه معجز، فرسمه معجز أيضا"١.
ثانيا: فعل الصحابة:
الدليل الثاني على أن الرسم العثماني توقيفي: فعل الصحابة ﵃ فمن الثابت أن أبا بكر ﵁ لما تولى الخلافة وأمر بجمع القرآن، كتبه الكتبة على نفس الهيئة التي كتب عليها أيام الرسول ﷺ ثم جاء عثمان ﵁ وأمر بنسخ المصاحف من صحف أبي بكر على هذا الرسم.
وقد حث الرسول ﷺ على الاقتداء بالخلفاء الراشدين والتمسك بفعلهم فقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ٢.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم"٣.
стр. 60
ثالثا: الإجماع:
من المعلوم أن القرآن جمع وكتب في عهد أبي بكر ﵁، وأن عثمان ﵁ نسخ المصاحف من الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر، وأرسلها إلى الأمصار المختلفة، وتلقى الصحابة ﵃ هذا العمل بالرضا والقبول ولم يشذ أحد منهم على ذلك، وكانوا اثني عشر ألف صحابي، فكان ذلك إجماعا منهم على صحة هذا العمل، وعدم جواز مخالفته، وتبعهم على ذلك التابعون والأئمة المجتهدون، وأئمة القراءة في جميع العصور.
سئل الإمام مالك ﵁ فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟ قال: "لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى"١ "كتبة الوحي".
قال الداني -بعد أن حكى كلام الإمام مالك: "ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة"٢.
وقال الإمام أحمد: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك"٣.
وقال القاضي عياض: "وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص حرفا قاصدا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا أنه كافر"٤.
стр. 61
ونقل الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع مرسوم المصحف العثماني١.
وفي شرح الطحاوي: "ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن ينظم الكلمات كما هي في مصحف عثمان ﵁، لإجماع الأمة على ذلك٢.
وقال الزمخشري في الكشاف٣: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ ٤: "وقعت اللام في المصحف مفصولة عن "هذا" خارجة عن أوضاع الخط العربي، وخط المصحف سنة لا تغير".
وفي شعب الإيمان للبيهقي٥: "من كتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على حروف الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئا، فإنهم أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم".
رابعا: أن قواعد الإملاء عرضة للتغيير والتبديل من جيل إلى جيل، ومن بلد إلى بلد، فلو كتب المصحف حسب الرسم القياسي وقواعد الإملاء الحديثة، لأدى ذلك إلى اختلاف المصاحف، ووقوع الناس في الإشكال ذاته، فلا يعرف الشامي القراءة في المصحف المصري، ولا المغربي في المشرقي، وهكذا تعود مشكلة الألفاظ قريبة من المشكلة التي حدثت أيام "عثمان بن عفان" ﵁.
على أن إخضاع المصحف للرسم الإملائي ربما يكون مدعاة -من قريب أو بعيد- إلى التغيير في جوهر الألفاظ والكلمات القرآنية من أعداء الإسلام، وسد
стр. 62
الذريعة أصل من أصول التشريع الإسلامي، فيجب سد الباب على كل من تسول له نفسه المساس بقدسية القرآن الكريم، وبقاء الرسم العثماني كما هو١.
خامسا: أن تلاوة القرآن لها أحكام خاصة، لا يمكن أن تعرف إلا بالتلقي والمشافهة، حتى يتصل سند التلقي والإقراء من لدن رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة، وهذه خاصية اختص الله بها القرآن الكريم، وبقاء الخط العثماني يدفع المسلمين إلى الحرص على التلقي من أهل الاختصاص، فتبقى سلسلة السند متصلة٢.
سادسا: أن الرسم العثماني له خصائص ومميزات ليست موجودة في الرسم الإملائي.
ومن هذه المميزات:
١- الإشارة: إلى ما في الكلمة من أوجه القراءات، كالأمثلة التي تقدمت عند الكلام على كيفية اشتمال المصاحف على ما استقر وصح نقله عن رسول الله ﷺ ولم تنسخ تلاوته، وموافقة القراءة لرسم المصحف شرط من شروط قبولها، فارتباط الرسم العثماني بالقراءات ارتباط وثيق الصلة، ولا يمكن أن يقوم مقامه أي رسم آخر.
ومن الأمثلة الواضحة في هذه الصدد: أن هاء التأنيث أحيانا ترسم بالتاء، وأحيانا ترسم بالهاء، وليس ذلك من قبيل الصدفة، وإنما هو تابع للقراءة ومحقق لها، فكلمة "بينة" وردت في القرآن الكريم في تسعة عشر موضعا، كتبت كلها بالهاء، إلا من موضع واحد كتبت فيه بالتاء، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ ٣.
والسبب في ذلك: أن هذا الموضع فيه خلاف بين القراء، فمنهم من يقرأ بالجمع "بينات" ومنهم من يقرأ بالإفراد، فرسمت بالتاء لتحتمل القراءتين، أما بقية المواضع فليس فيها إلا الإفراد، فرسمت كلها بالهاء٤.
стр. 63
٢- الدلالة على بعض لغات العرب:
الخاصية الثانية التي يختص به الرسم العثماني: أن فيه دلالة على بعض لغات العرب، وهم يفتخرون بأن القرآن نزل بلغتهم، وكتب -أيضا- على لغتهم.
ومن أمثلة ذلك: كتابة هاء التأنيث تاء مفتوحة في بعض المواضع، للإيذان بجواز الوقف عليها بالتاء على لغة "طيئ"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٢ كتبت في سورة إبراهيم بالتاء، وفي سورة النحل بالهاء، للدلالة على بعض لغات العرب.
ومن أمثلة ما جاء محققا لبعض لغات العرب: حذف ياء المضارعة من غير جازم على لغة هذيل، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٣. فقد حذفت الياء من ﴿يَأْتِ﴾ ، وليس قبلها جازم٤.
٣- اتصال السند:
من أهم المميزات التي يتميز بها الرسم العثماني: أنه يؤدي إلى اتصال السند إلى رسول الله ﷺ لأنه لو كان مكتوبا على الرسم القياسي لاستغنى الناس عن التلقي والأخذ عن المشايخ، واكتفوا بالقراءة في المصاحف، فيفوتهم معرفة ما فيه من طرق الأداء من مد وقصر، وإدغام وإظهار، وتحقيق وتسهيل، وفتح وإمالة، وترقيق وتغليظ، وإشمام وروم، وغير ذلك من القواعد التي لا يمكن الوقوف عليها ولا أداؤها بطريقة سليمة إلا بالتلقي والمشافهة، وإلا فكيف ينطق المسلم قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ ﴿حم، عسق﴾ ﴿طسم﴾ ﴿يس﴾ لو لم يسمعها من معلم أو يقرؤها عليه؟
واتصال السند خاصية من الخصائص التي اختصت بها الأمة المحمدية، لا سيما في تلاوة القرآن الكريم٥.
стр. 64
٤- الدلالة على أصل الحركة:
من المعروف أن المصاحف العثمانية كانت خالية من النقط والشكل، ولذلك أشير إلى بعض الحركات بحروف تدل عليها، مثل: زيادة الياء في قوله تعالى: "من نبأى المرسلين"١ زيدت الياء بعد الهمزة للدلالة على الكسرة٢.
ومثل زيادة الواو في قوله تعالى: "سأوريكم دار الفاسقين"٣.
زيدت الواو في "سأوريكم" للدلالة على أن الهمزة مضمومة.
وبعض العلماء يرى أن الزائد هو الألف، وأن الواو صورة الهمزة٤.
٥- الدلالة على أصل الحرف:
مثل: كتابة لفظ "الصلاة، الزكاة، الحياة، الربا" بالواو بدلا من الألف. ومثل رسم الألف بالياء للدلالة على أن أصلها الياء فيميلها من مذهبه الإمالة مثل: "والضحى، فهدى، التقوى، يغشى" وإذا كان أصلها الواو رسمت ألفا، للدلالة على عدم إمالتها مثل "إن الصفا، عفا، خلا، دعا، دنا".
٦- الدلالة على بعض المعاني الدقيقة:
من المميزات التي تميز بها الرسم العثماني: دلالته على معانٍ خفية دقيقة، لا تدرك إلا بإمعان النظر فيها، أو بفتح رباني -كما قال بعض العلماء.
ومن أمثلة ذلك:
أ- قوله تعالى: "والسماء بنيناها بأييد وإنا لموسعون"٥ رسم قوله تعالى "بأييد" بياءين للإشارة إلى عظمة الله تعالى التي بنى بها السماء، وأنها قوة لا تشبهها قوة أخرى، تمشيا مع القاعدة المشهورة: "زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى".
стр. 65
ب- قوله تعالى: "وجايء بالنبيين والشهداء" في سورة الزمر١، وقوله تعالى: "وجايء يومئذ بجهنم" في سورة الفجر٢، رسمتا بزيادة الألف "وجايء" للتفخيم والتهويل والوعيد والتهديد، وأنه مجيء على غير ما يعهد البشر، فجاء الرسم على غير ما يعهدون.
جـ- زيادة الياء في قوله تعالى: "بأييكم المفتون"٣ أي المجنون، فزيدت الياء في "بأييكم" للإشارة إلى أن جنون المشركين بلغ الغاية وتجاوز الحد.
د- زيادة الألف في قوله تعالى: "تالله تفتؤا تذكر يوسف"٤ رسمت الهمزة على واو وزيد بعدها ألف، للدلالة على أن يعقوب ﵇ كان يكثر من ذكر يوسف ﵇.
هـ- زيادة الألف في قوله تعالى: "وأنك لا تظمؤا فيها"٥ رسمت الهمزة على واو وبعدها ألف، للدلالة على استمرار الري لمن كان في الجنة وعدم الظمأ.
و زيادة الألف بعد الفعل المعتل الآخر في قوله تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير"٦. فقد زيدت الألف بعد الفعل "يعفوا" للإشارة إلى كثرة عفو الله تعالى واستمراره.
ز- كذلك حذف الألف في بعض المواضع التي يجب أن تثبت فيها للدلالة على معنى معين:
فقوله تعالى: "والذين سعو في ءايتنا معجزين"٧ حذفت الألف من "سعوا" للإشارة إلى أنه سعي في الباطل لا يصح له ثبات في الوجود، ولن يحصلوا منه على طائل.
стр. 66
ومثل ذلك قوله تعالى: "وجاءو بسحر عظيم"١، وقوله تعالى: "وجاءو ظلما وزورا"٢ وقوله تعالى: "وجاءو أباهم عشاء يبكون"٣، وقوله تعالى: "وجاءو على قميصه بدم كذب"٤ كل هذه الأفعال حذفت منها الألف بعد واو الجماعة في "جاءوا" للإشارة إلى أن مجيئهم على وجه غير صحيح ويغلب عليه الكذب والتزوير.
جـ- كذلك حذفت الألف من قوله تعالى: "وعتو غتوا كبيرا"٥ حذفت الألف التي بعد الواو في قوله تعالى: "عتو" للدلالة على أنه باطل، ولا أثر له يذكر في الوجود.
٧- إفادة بعض المعاني المختلفة:
فمن خصائص هذا الرسم: أن الكلمة تكتب بطريقتين مختلفتين لتدل في كل موقع على معنى مخالف للآخر، ومن أمثلة ذلك: قطع "أم" عن "من" أو وصلها بها، فكتبت مقطوعة في قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ٦ للدلالة على أنها "أم" المنقطعة، وسميت بذلك لقطع الكلام الأول واستئناف غيره٧.
وكتبت موصولة في مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٨. للدلالة على أنها ليست مقطوعة.
إلى غير ذلك من المزايا والأسرار التي يمكن أن تستفاد من الرسم العثماني إذا درست بعقل واعٍ، وقلب مستضيء، والتي تدل على وجوب بقاء الرسم العثماني كما هو، وعدم مخالفته بحال من الأحوال٩.
стр. 67
أدلة المذهب الثاني:
استدل القائلون بأن الرسم العثماني ليس توقيفيا بما يأتي:
أولا: أنه لا دليل على ذلك من القرآن أو السنة، فلا مانع من رسمه بأي رسم كان.
ولذلك يقول أبو بكر الباقلاني: "وأما الكتابة: فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن أدلة المذهب الثاني:
استدل القائلون بأن الرسم العثماني ليس توقيفيا بما يأتي:
أولا: أنه لا دليل يدل على ذلك من القرآن أو السنة، فلا مانع من رسمه بأي رسم كان.
ولذلك يقول أبو بكر الباقلاني: "وأما الكتابة: فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره، أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف، وليس من نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص، وحد محدد، لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل لأن رسول الله صلى الله علي وسلم كان يأمر برسمه، ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص، لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا -بعينه- جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المستحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك.
وإذا كانت خطوط المصاحف، وكثير من حروفها مختلفة، متغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا ذلك، وأجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنه لم يؤخذ من ذلك على الناس حد محدود مخصوص، والسبب في ذلك: أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة، مفيد لوجه قراءتها تجب صحته، أو تصويب الكاتب به على أي صورة كانت.
وبالجملة: فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص، وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنى له ذلك"١؟!
стр. 68
الرد على هذا الدليل:
يرد على هذا الدليل بما يأتي:
١- دعواهم أنه ليس هناك دليل على التوقيف، لا من القرآن ولا من السنة والإجماع والقياس، كل ذلك مردود بالأدلة التي سقناها لمذهب الجمهور.
٢- قول أبي بكر: "ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول" لا معنى له ولا يفيد القائلين بهذا المذهب، لأن الحروف الكوفية لم تخرج عن كونها مطابقة لنفس القواعد التي كتب بها المصحف، فأين الشاهد في ذلك؟
٣- دعواه: "أن كل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته، وتصويب الكاتب به على أي صورة كانت" هذه الدعوى تناقض ما يذهب إليه أصحاب هذا المذهب، وتهدم الأساس الذي بني عليه، لأن القراءة سنة متبعة، والتوقيف فيها أمر مجمع عليه.
فالقول بأن يرسم القرآن كيفما كان، وبأي طريقة، قول باطل، يخالف ما جاء عن سلف الأمة وخلفها، بالنقل الصحيح، والتلقي عن أهل الرواية.
جاء في إتحاف فضلاء البشر١:
"وقد أجمعوا على لزوم اتباع الرسم -فيما تدعو الحاجة إليه اختيارا واضطرارا- وورد ذلك نصا على نافع، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وكذا أبو جعفر، وخلف، ورواه كذلك -نصا- الأهوازي وغيره عن ابن عامر، واختاره أهل الأداء لبقية القراء، بل رواه أئمة العراقيين نصا وأداء عن كل القراء".
ثانيا: أن الخط العربي -عند ظهور الإسلام وكتابة المصاحف- كان في دور الطفولة والتكوين، ولم يكن الكُتَّاب -حينئذ- قد حذفوا الكتابة، فكتبوا على قدر ما تيسر لهم، أما وقد استقرت قواعد الكتابة وأصول الخط،
стр. 69
فلا مانع من كتابة "المصحف" بالخط المعروف للناس اليوم، تسهيلا عليهم، ورفعا للحرج عنهم١.
مناقشة هذا الدليل:
هذا الدليل مبني على الاتجاه الذي يرى خطأ الصحابة ﵃ في كتابة القرآن الكريم، وقد سبق الرد على ذلك، وبينا أنهم ﵃ كانوا يكتبون بناء على قواعد صحيحة، ولذلك فرقوا بين الكلمات المتشابهة، فألحقوا الواو بكلمة "أولئك" للفرق بينها وبين "إليك" باعتبار أن المصاحف كانت خالية من النقط والشكل.
قال الألوسي: "والظاهر أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا متقنين رسم الخط، عارفين ما يقتضي أن يكتب، وما يقتضي أن لا يكتب، وما يقتضي أن يوصل، وما يقتضي أن لا يوصل ... إلى غير ذلك، لكن خالفوا في بعض المواضع لحكمة"٢.
وقال ابن الجزري: "إن كتابة الصحابة للمصحف مما يدل على عظيم فضلهم في علم الهجاء خاصة، وثقوب فهمهم من تحقيق كل علم"٣.
إن دعوى خطأ الصحابة ﵃ في كتابة المصاحف يتعارض مع ما وعد الله -تعالى- به من حفظ كتابه في قوله -جل وعلا- ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
ثالثا: أن الرسم العثماني بظواهره المتقدمة المخالفة لقواعد الرسم الاصطلاح توقع عامة المسلمين في حرج، وتؤدي إلى التحريف في كتاب الله تعالى، فتحاشيا لذلك يجب كتابة المصاحف بالرسم الإملائي الحديث، تمشيا مع المصلحة التي تتفق مع قواعد الشريعة ومقاصدها العامة.
стр. 70
وهذا ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسم الأول باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير من الجهال ... "١.
الرد على هذا الدليل:
رد ابن الحاج في كتابه "المدخل"٢ على هذا الدليل بقوله: "ولا يلتفت إلى اعتلال من خالف بقوله: إن العامة لا تعرف مرسوم المصحف، ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف إذا كتب على المرسوم، لأن من لا يعرف المرسوم من الأمة يجب عليه ألا يقرأ في المصحف إلا بعد أن يتعلم القراءة على وجهها أو يتعلم مرسوم المصحف، فإن فعل غير ذلك فقد خالف ما اجتمعت عليه الأمة، وحكمه معلوم في الشرع الشريف، فالتعليل المتقدم ذكره مردود على صاحبه، لمخالفته للإجماع المتقدم، وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمان، فليتحفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره، والله الموفق".
وقد بينا في أدلة مذهب الجمهور الأضرار التي يمكن أن تقع نتيجة كتابة المصاحف بالرسم الإملائي، وأنه عرضة للتغيير والإضافات في كل عصر، وربما أدى إلى تحريف القرآن الكريم.
بالإضافة إلى أن القراءات الصحيحة تتفق مع الرسم العثماني -إما تحقيقا وإما احتمالا كما تقدم-ولو كتب بغير الرسم العثماني لاختل ذلك، ومن قواعد الشريعة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
على أن جهل الجاهلين لا يعتبر مسوغا لتغيير ما أجمعت عليه الأمة منذ عصر الصحابة ﵃ ولم يَشْكُ أحد من المسلمين من عدم معرفته بخط المصحف، بل العكس هو الصحيح، فإن قواعد الإملاء الحديثة تختلف من قطر إلى قطر، بخلاف الرسم العثماني فلا يختلف من بلد إلى بلد، بدليل أن المسلمين من غير العرب لا يستطيع البعض أن يتحدث معهم.
стр. 71
ولا يفهم ما يقولون، فإذا أمسك بالمصحف قرأ قراءة صحيحة، وما ذلك إلا لأن هذا الرسم قد استقر في أذهانهم بهذا الطابع المميز.
أدلة المذهب الثالث:
سبق أن قلنا: إن أصحاب هذا المذهب يرون أن يكون هناك خطآن للمصحف الشريف: أحدهما للخاصة حسب الرسم العثماني، وآخر للعامة حسب الاصطلاح الحديث.
وأهم ما تمسك به أصحاب هذا المذهب: هو حماية القرآن الكريم من تحريف الجهال وخطئهم في تلاوته، وفي ذلك مصلحة عامة تتفق مع قواعد الشرع ومقاصده.
وقد نص على ذلك الزركشي نقلا عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقال: "قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير الجهال، ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة"١ وقد تقدم في الرد على الدليل الثالث لأصحاب المذهب الثاني ما يرد على هذا الدليل.
يضاف إلى ذلك: أن هذه الدعوة تفتح مجالا للشك في القرآن الكريم، حيث يكون هناك رسمان متمايزان، فأيهما الصواب وأيهما الخطأ؟!
وفي هذا من المفاسد ما فيه.
وصفوة القول:
إن رسم المصحف بالطريقة التي كتب عليها أيام الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" ﵁ توقيفي، ثبت ذلك بإقرار الرسول ﷺ لكُتَّاب
стр. 72
الوحي الذين كانوا يكتبون ما يوحى إليه ﷺ ثم يقرءون عليه ما كتبوه، وهم الذين كتبوه وجمعوه في عهد الخليفة الأول "أبي بكر الصديق" ﵁ ثم نسخوا منه هذه المصاحف.
كما تأكد بإجماع الصحابة جميعا على صحة هذ العمل، وكذا التابعون من بعدهم، والأئمة المجتهدون، وجميع القراء إلى يومنا هذا، حتى جعل أئمة القراءة: موافقة الرسم العثماني شرطا من شروط قبول القراءة.
قال شيخي الشيخ عبد الفتاح القاضي:
" ... وبناء على هذا يجب على كاتب المصحف وطابعه وناشره أن يتحرى كل منهم كتابته على قواعد الرسم العثماني، ولا يخل بشيء منها، ولا يغير فيها شيئا ما، بزيادة أو نقص، أو إثبات أو حذف، حفظا لهذا التراث الخالد، واقتداء بالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وأعلام الإسلام في سائر الأعصار والأمصار، لا فرق في ذلك بين المصاحف الكاملة، والمصاحف الصغيرة "الأجزاء" التي يتعلم فيها الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ليتعرفوا على قواعد الرسم منذ طفولتهم، ونعومة أظفارهم، وعلى معلمي القرآن -حيث كانوا- ألا يدخروا وسعا في تعليم أبنائهم تلك القواعد من الصغر، حتى يشبوا وقد وقفوا عليها، وأحاطوا بها خبرا، وأصبحت القراءة في المصحف ميسورة عليهم وسجية لهم"١.
стр. 73
قرارات المجامع الفقهية حول الرسم العثماني:
وإذا كان العلماء السابقون قد نصوا على أن الرسم العثماني توقيفي، ولا يجوز تغييره بحال من الأحوال، فإن المجامع الفقهية التي تضم عددا من العلماء المحققين المخلصين قد أصدرت قرارات واضحة وحاسمة حول هذه القضية، وهي تمثل في العصر الحاضر إجماع علماء الأمة، أو الأكثرية منهم على الأقل.
وسوف ننقل هنا نص هذه القرارات حتى لا يفتح مجال البحث في هذا الموضوع مرة أخرى.
١- قرار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف:
بحث مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف في المؤتمر السادس المنعقد في الفترة من ٣٠ من المحرم ١٣٩١هـ إلى ٥ صفر ١٣٩١هـ بحثا لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو شهبة -عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر- فرع أسيوط، بعنوان "رسم المصاحف العثمانية" تحدث فيه عن الكتابة عند العرب، وفي بداية الإسلام، وعن كتابة القرآن الكريم بين يدي النبي ﷺ وجمعه في عهد الخليفة الأول أبي بكر ﵁ ونسخ المصاحف في عهد عثمان ﵁ ثم تحدث عن معنى الرسم وقواعده، ثم بين مذاهب العلماء في كون الرسم العثماني توقيفيا أو اجتهاديا، وعرض لأدلة العلماء في ذلك، وفوائد الرسم العثماني، وشبه بعض المستشرقين حول كتابة القرآن ورسمه١.
وبعد دراسة الموضوع اتخذ المجمع القرار التالي:
١- يوصي المؤتمر أن يحذر المسلمون ما ينشره أعداء الإسلام عن القرآن
стр. 74
الكريم، سواء في ذلك ما يأتي في كتابة بعض المغرضين من المستشرقين، وما يأتي في كتابة غيرهم ممن يكيدون للإسلام، أو يصدون عن سبيله.
٢- فيما يتعلق بالقراءات القرآنية: يقرر المؤتمر أن القراءات ليست اجتهادية، بل هي توقيفية تعتمد على الروايات المتواترة.
٣- يوصي المؤتمر بتشجيع مقرئي القرآن الكريم، على ألا يقتصروا على قراءة حفص، حفظا لكل هذه القراءات الثابتة من النسيان والاندثار.
٤- تخصيص الأزهر منحا لدارسي القراءات في البلاد الإسلامية.
٥- دعوة جميع البلاد الإسلامية إلى تشجيع هذه القراءات بالدرس في المعاهد المتخصصة، وعلى أيدي الثقات من المقرئين.
٦- يوصي المؤتمر جميع المسلمين بتعقب أي تحريف في القرآن الكريم في نصه العربي أو في ترجمة معانيه، وأن يبلغ أمانة المؤتمر بذلك، للعمل على اتخاذ ما ينبغي لوضع الأمر في نصابه.
٧- يؤكد المؤتمر توصيته السابقة بشأن دعم إذاعة القرآن الكريم في الجمهورية العربية المتحدة، وتقوية موجاتها، لتسمع في جميع البلاد الإسلامية بوضوح، وكذلك إنشاء برامج قرآنية تعليمية لأحكام القرآن الكريم، كما يوصي المؤتمر إذاعات البلاد الإسلامية أن تذيع البحوث التي قدمت لدورات المؤتمر، أو ملخصات وافية لها، تعميما لفائدتها وخدمة للمستمعين في أنحاء العالم.
٨- يوصي المؤتمر بأن يعتمد المسلمون على الرسم العثماني للمصحف الشريف، حفظا له من التحريف"١.
стр. 75
٢- قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية:
أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية القرار رقم ٧١ بتاريخ ٢١/ ١٠/ ١٣٩٩هـ ونصه:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء بعد اطلاعه على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في حكم كتابة القرآن بطريقة الإملاء العادية، وإن خالف ذلك الرسم العثماني.
وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه تبين للمجلس أن هناك أسبابا تقتضي بقاء كتابة المصحف بالرسم العثماني وهي:
١- ثبت أن كتابة المصحف بالرسم العثماني كانت في عهد عثمان ﵁، وأنه أمر كتبة المصحف أن يكتبوه على رسم معين، ووافقه الصحابة، وتابعهم التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا هذا، وثبت أن النبي ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" فالمحافظة على كتابة المصحف بهذا الرسم هو المتعين، اقتداء بعثمان وعلي وسائر الصحابة وعملا بإجماعهم.
٢- إن العدول عن الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي الموجود حاليا بقصد تسهيل القراءة يفضي إلى تغيير آخر إذا تغير الاصطلاح في الكتابة، لأن الرسم الإملائي نوع من الاصطلاح قابل للتغيير باصطلاح آخر، وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف أو زيادتها أو نقصها، فيقع الاختلاف بين المصاحف على مر السنين، ويجد أعداء الإسلام مجالا للطعن في القرآن الكريم، وقد جاء الإسلام بسد ذرائع، الشر ومنع أسباب الفتن.
٣- ما يخشى من أنه إذا لم يلتزم الرسم العثماني في كتابة القرآن أن يصير كتاب الله ألعوبة بأيدي الناس، كلما عنت الإنسان فكرة في كتابته اقترح