← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 561–583 · переход к 566.

стр. 561

الحال، فقالت: ما شأنُك يا سيدي؟ لم تصلّ (١) الليلة كما كنتَ تُصلِّي، وأنت قاعدٌ هنا على هذه الحالة؟ فقال: ويحكِ! إنِّي أَدخلْت يدي في هذه المَطْهَرة فاشتَدَّ عليَّ برْدُ الماء، فذكرْتُ به الزمهرير، فواللهِ ما شعرتُ بشدَّة برْدِه حتَّى وقفْتِ عليَّ، فانْظري، لا تُحدِّثي بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا. فما علِمَ بذلك أَحدٌ حتى مات ﵀. في الحديث الصحيح (٢) عن النبي ﷺ ، قال: "إن لجهنم نَفَسَين؛ نَفَسًا في الشتاء، ونَفَسًا في الصيف، فأشَدّ ما تجدون من البرْدِ من زَمهريرها، وأشَدّ ما تجدون مِن الحَرِّ من سَمُومها". وروي عن ابن عباس، قال: يستغيثُ أهلُ النار من الحَرِّ فيُغاثون بريحٍ باردةٍ يُصَدِّعُ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ. وعن مجاهدٍ، قال: يهربون إلى الزمهرير، فإذا وقَعُوا فيه حَطَّمَ عِظَامَهُم حتى يُسمَعَ لها نَقيضٌ. وعن كعْبٍ، قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزَّمهرير، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ جهنَّم. وعن عبد الملك بن عُميرٍ، قال: بلغني أن أهل النار سألوا خازِنَها أن يخرجَهُم إلى جانبها (٣)، فأُخْرِجوا فقتلهم البَرْدُ والزمهرير، حتى رجعوا إليها فدخلُوها ممَّا وجدوا (٤) من البَرْد، وقد قال الله : ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا﴾ (٥). وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (٦). قال ابنُ عباس: الغسَّاق: الزَّمْهرير البارِدُ الذي يُحرِقُ مِن بَرْدِه. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه مِن بردِه. وقيل: إنَّ الغسَّاقَ الباردُ المنتنُ؛ أجارنا اللهُ تعالى من جهنم بفضله وكرمه. يا مَن تتلى عليه أوصافُ جهنَّم، ويشاهِدُ تنفُّسَها كلَّ عامٍ حتى يُحسَّ به ويتألَّمَ وهو مصرٌّ على ما يقتضي دخولها، مع أنَّه يعلم، ستعلم إذا

стр. 562

جيء بها تُقاد بسبعين ألف زمامٍ مَن يندَمُ. ألكَ صبرٌ على سَعِيرها وَزَمهريرها؟ قلْ وتكلَّم، ما كان صلاحُك يُرجَى، والله أعلم. كم يكونُ الشتاءُ ثم المصِيفُ … وَرَبيعٌ يَمْضِي وَيأتي الخريفُ وارْتِحال من الحَرُورِ إلى البَرْ … دِ وَسَيْفُ الرَّدَى عليك مُنيفُ يا قلِيلَ المُقَامِ في هذه الدُّنيا … إلى كَمْ يَغُرُّك التَّسويفُ يا طالبَ الزَّائلِ حتَّى مَتَى … قلبُك بالزَّائل مشغُوفُ (١) عَجَبًا لامرئٍ يذِلُّ لذي الدُّنيا … ويكفِيه كُلَّ يومٍ رغيفُ * * * مجلس في ذكر التوبة والحثِّ عليها قبل الموت وختم العمر بها والتوبة وظيفة العمر وهي خاتمة مجالس الكتاب خرَّج الإِمام أحمد (٢) والترمذي وابنُ حِبان في "صحيحه" من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله يقبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِر". وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. دَلَّ هذا الحديثُ على قبول تَوبةِ الله لعبدِه ما دامَتْ روحُه في جَسَدِه لم تبلُغِ الحُلْقُومَ والتراقي. وقد دَلَّ القرآن على مثل ذلك أيضًا؛ قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣). وعَمَلُ السُّوء إذا (٤) أفرد دَخَلَ فيه جميعُ السَّيئاتِ؛ صغيرُها وكبيرُها. والمراد بالجهالة الإقدامُ على عمل السُّوء وإن علِمَ صاحبُه أنَّه سُوء؛ فإن كُلَّ مَن عَصَى الله فهو جاهلٌ، وكُلَّ مَن أطاعَه فهو عالم؛ وبيانُهُ من وجهين:

стр. 563

أحدهما: أنَّ من كان عالمًا بالله تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله فإنَّه يَهَابُه ويخشاهُ؛ فلا يقَعُ منه مع اسْتِحضار ذلك عصيانُه، كلما قال بعضهم: لو تفكَّر النَّاس في عظمة الله تعالى ما عصوه. وقال آخر: كَفَى بخشية الله علمًا، وكَفَى بالاغترار بالله جهلًا. والثاني: أنَّ مَن آثر المعصيةَ على الطَّاعة فإنَّما حَمَلَه على ذلك جهلُه وظنَّه أنَّها تنفَعُه عاجلًا باستعجال لذتها، وإن كان عندَهُ إيمانٌ فهو يرجو التخلُّص من سوء عاقبتها بالتوبة (١) في آخر عمره؛ وهذا جَهْلٌ مَحْضٌ؛ فإنه يتعجَّلُ الإِثم والخِزي، ويفوته عِزُّ التقوى وثوابُها ولَذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّن من التوبة بعد ذلك، وقد يعاجله الموت بغتةً، فهو كجائعٍ أَكَلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعِه الحاضِر، ورجا أن يتخلَّص مِن ضرره بشُرْب الدِّرياق (٢) بعدَه. وهذا لا يفعله إلَّا جاهلٌ، وقد قال تعالى في حقِّ الذين يؤثرون السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). والمراد: أنَّهم آثروا السحر على التقوى والإيمان؛ لما رجوا فيه من منافع الدنيا المعجلة، مع علمهم أنَّهم يفوتهم بذلك ثوابُ الآخرة، وهذا جهلٌ منهم؛ فإنهم لو علموا لآثروا الإيمان والتقوى على ما عَداهما، فكانوا يُحرزون أجر الآخرة ويأمنون عقابَها، ويتعجَّلون عِزَّ التقوى في الدنيا، وربما وصلوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خيرٍ منه وأنفعُ؛ فإن أكثَرَ ما يُطلبُ بالسَّحر قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عند الله . والمؤمن المتقي يُعوِّضُه الله في الدنيا خيرًا مما يطلبُه السَّاحِرُ ويؤثِرُه، مع تعجيله عِزَّ التَّقوى وشرفها، وثوابَ الآخرة وعلُوَّ درجاتها، فتبيَّن بهذا أن إيثار المعصية على

стр. 564

الطاعة إنما يحمِلُ عليه الجهلُ، فلذلك كان كُلُّ مَنْ عَصَى الله جاهلًا، وكُل مَنْ أطاعَه عالمًا. وكَفَى بخشية الله علمًا، وبالاغترار به جَهْلًا. وأمَّا التوبة من قريبٍ فالجمهور على أن المراد بها التوبةُ قَبْلَ الموت؛ فالعمر كله قريبٌ، والدنيا كلُّها قريبٌ. فمن تاب قبل الموت فقد تاب من قريبٍ، ومن مات ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كُلِّ البُعد، كما قيل: [يقولُون لا تَبْعَدْ وَهُم يَدْفِنُونني … وأينَ مكانُ البُعْد إلَّا مكانِيا وقال آخر: مِن قَبْل أن تلقِي وليـ … ـــس النأْيُ إلَّا نأيُ دارِك وكما قيل] (١): فهم جِيرةُ الأحياءِ أمَّا مَزَارُهُم (٢) … فَدَانٍ وأمَّا المُلْتَقَى فَبَعيدُ فالحيُّ قريبٌ، والميتُ بعيدٌ من الدنيا على قُربه منها؛ فإنَّ جسمه في الأرض يَبْلَى، ورُوحه عند الله تُنَعَّم أو تُعَذَّب، ولقاؤه لا يرجى في الدنيا، كما قيل: مقيمٌ إلى أن يبعَثَ الله خَلْقَهُ … لقاؤكَ لا يُرجَى وأنتَ قَريبُ تزيدُ بِلىً في كُلِّ يوم وليلةٍ … وتُنْسَى كما تُبْلَى وأنْتَ حَبيبُ وهذان البيتان سمِعهما داودُ الطائيُّ ﵀ من امرأةٍ في مقبرةٍ تَنْدُبُ بهما ميّتًا لها، فوقعتا من قلبه موقعًا، فاستيقظ بهما وَرَجَعَ زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، فانقطَعَ إلى العبادة إلى أن مات ﵀. فمن تابَ قبل أن يُغَرْغِر، فقد تاب من قريبٍ، فتقبَلُ توبَتُهُ. ورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (٣)، قال: قبل المرض والموت، وهذا إشارة إلى أن أفضل أوقاتِ التوبةِ، وهو أن يبادِرَ الإِنسانُ بالتوبة في صحته قبلَ نُزول المرض به حتَّى يتمكنَ حينئذٍ من العمل الصالح، ولذلك قَرَنَ الله تعالى التوبةَ بالعمل الصالح في مواضِعَ كثيرةٍ من القرآن. وأيضًا فالتوبةُ في الصحة ورجاءِ الحياة تُشبه الصَّدَقَةَ بالمال في الصِّحة ورجاءِ البقاء،

стр. 565

والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصَّدَقَةَ بالمال عند الموت، فكأنَّ مَن لا يتوبُ إلَّا في مرضه قد اسْتَفْرَغَ صِحَّتَهُ وقوَّتَه في شهواتِ نفسِه وهواه ولَذَّات دنياه، فإذا أيسَ من الدنيا والحياة فيها تابَ حينئذٍ وترك ما كان عليه، فأين توبةُ هذا من توبةِ مَن يتوبُ [من قريبٍ] (١) وهو صحيحٌ قويٌّ قادِرٌ على عمل المعاصي، فيتركها خوفًا من الله ، ورجاءً لثوابه، وإيثارًا لطاعته على معصيته. دخل قوم على بِشْر الحافي وهو مريضٌ، فقالوا له: على ماذا عَزَمْتَ؟ قال: عَزَمْتُ أني إذا عُوفِيتُ تُبْتُ. فقال له رجلٌ منهم: فهلَّا تُبْتَ السَّاعَةَ؟ فقال: يا أخي! أَمَا عَلِمْتَ أن الملوك لا تقبَلُ الأمانَ ممن في رجليه القيدُ، وفي رقبته الغِلُّ، إنَّما يُقبَلُ الأمانُ ممن هو راكب الفرس والسيفُ مجرَّدٌ بيده، فبكَى القومُ جميعًا. ومعنى هذا أن التائب في صحته بمنزلةِ مَن هو راكبٌ على متن جوادِه وبيدِه سيفٌ مشهور، فهو يقدِرُ على الكَرِّ والفَرِّ والقتالِ، وعلى الهرب مِن الملِكِ وعِصْيانِه، فإذا جاء على هذه الحال إلى بينَ يَدَي الملكِ ذليلًا له، طالبًا لأمانه، صار بذلك من خواصِّ الملِكِ وأحبابه؛ لأنَّه جاءَهُ طائعًا مختارًا له، راغبًا في قربه (٢) وخدمته. وأمَّا من هو في أسْرِ الملِك، وفي رِجْلِه قَيْدٌ، وفي رقبتِه غِلُّ، فإنَّه إذا طلب الأمان من الملك فإنَّما طلبه خوفًا على نفسه من الهلاك، وقد لا يكون محبًّا للملك ولا مؤثرًا لرضاه، فهذا مَثَلُ مَن لا يتوبُ إلَّا في مرضه عند موته، والأول بمنزلة مَن يتوبُ في صحَّتِه وقوَّتِه وشبيبته، لكن ملِكُ الملوكِ، أكرمُ الأكرمين، وأرحَمُ الرَّاحمين، وكُلُّ خلْقه أسيرٌ في قبضته، لا يُعْجِزُه (٣) منهم أحَدٌ؛ لا يُعْجِزُه هاربٌ، ولا يفوتُه ذاهِبٌ، كما قيل (٤): لا أَقْدَرُ مِمَّن طلبتُه (٥) في يدِهِ، ولا أَعْجَزُ مِمَّن هو في يد طالبِهِ، ومع هذا فكُلُّ مَنْ طلب الأمانَ من عذابه من عباده أَمِنَهُ على أي حالٍ كان، إذا علم منه الصِّدْق في طلبه. [أنشد بعض العارفين] (٦):

стр. 566

الأمانَ الأمانَ وِزْرِي ثَقيلُ … وَذُنُوبي إذا عَدَدْتُ تَطُولُ أَوْبَقَتْنِي وَأَوْثَقَتْنِي ذُنُوبي … فَتُرَى لي إلى الخلاصِ سَبِيلُ وقوله ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١)، فسَوَّى بين مَن تاب عند الموت ومن مات من غير توبةٍ. والمرادُ بالتوبة عندَ الموت التوبةُ عند انكشافِ الغِطاء، ومعاينةِ المحتضر أمورَ الآخِرة، ومشاهدة الملائكة؛ فإن الإيمان والتوبةَ وسائرَ الأعمال إنَّما تنفع بالغيب، فإذا كُشِفَ الغِطاءُ وصار الغيبُ شهادةً، لم ينفَعِ الإِيمانُ ولا التوبةُ في تلك الحال. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسناده عن علي، قال: "لا يزالُ العبدُ في مَهَلٍ (٢) من التَّوبة ما لم يأتِه مَلَكُ الموت يقبِضُ رُوحَه، فإذا نَزَلَ مَلَكُ الموت فلا توبةَ حينئذٍ". وبإسناده عن الثوري، قال: قال ابنُ عمر: التوبةُ مبسوطةٌ ما لم ينزِلْ سلطانُ الموت. وعن الحسن، قال: التوبةُ معروضةٌ لابن آدمَ ما لم يأخُذِ الموتُ بِكَظَمِه (٣). وعن بكر المزني، قال: لا تزال التوبةُ للعبد مبسُوطةً ما لم تأتِه الرسُلُ، فإذا عاينَهم انقطعت المعرفة. وعن أبي مِجْلَزٍ (٤)، قال: لا يزال العبدُ في توبةٍ ما لم يعاين الملائكة. وروَى أيضًا في "كتاب الموت" بإسناده عن أبي موسى الأشعري، قال: "إذا عايَنَ الميتُ المَلَكَ ذهبَتِ المعرفةُ". وعن مجاهدٍ نحوه. وعن حصين، قال: بلغني أن مَلَكَ الموتِ إذا غَمَزَ وَرِيدَ الإِنسان حينئذ يشخَصُ بصرُه، ويذهَلُ عن الناس. وخرَّج ابنُ ماجه (٥) حديثَ أبي موسى الأشعري مرفوعًا، قال: سألت النبي ﷺ : متى تنقطع معرفةُ العبد من الناس؟ قال: "إذا عاين". وفي

стр. 567

إِسناده مقال. والموقوفُ أشبَهُ. وقد قيل: إنَّه (١) إِنَّما مُنع من التوبة حينئذٍ؛ لأنه إذا انقطعَتْ معرفتُه وَذَهِلَ عقلُه، لم يتصوَّر منه نَدَمٌ ولا عَزْمٌ؛ فإنَّ النَّدَمَ والعَزْمَ إِنَّما يصِحُّ مع حضور العَقْلِ، وهذا ملازم لمعاينة الملائكة، كما دَلَّت عليه هذه الأخبار. وقوله ﷺ في حديث ابن عُمَرَ: "ما لم يُغَرْغِر"، يعني إِذا لم تبلُغْ رُوحُه عند خروجها منه إلى حلْقِه، فشبَّه تردُّدَها في حلق المحتضر بما يتغرْغَرُ به الإنسانُ من الماء وغيره، ويردده في حلقه. وإلى ذلك الإِشارة في القرآن بقوله : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٢)، وبقوله : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ (٣)، وروى ابنُ أبي الدنيا بإسناده، عن الحسن، قال: أشدّ ما يكون الموت على العبد إِذا بلغت الروح التَّراقي، قال: فعند ذلك يضطرب ويعلو نَفَسُهُ، ثم بَكَى الحسنُ رحمه الله تعالى. عِشْ ما بَدَا لكَ سالمًا … في ظِل شاهِقةِ القُصُورِ يُسْعَى عليكَ بما اشتهيْتَ … لَدَى الرَّواحِ وفي البُكُورِ فإذا النُّفوسُ تَقَعْقَعَتْ … في ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ فهناكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا … ما كنْتَ إِلَّا في غُرور واعلم أن الإنسان ما دام يؤمّلُ (٤) الحياةَ فإنَّه لا يقطَعُ أملَه من الدنيا، وقد لا تسمحُ نفسُه بالإقلاع عن لَذَّاتها وشهواتها من المعاصِي وغيرِها، ويُرجِّيه الشيطان التوبة في آخر عُمُرِه، فإذا تيقَّن الموتَ، وأيسَ مِن الحياة، أفاقَ من سكرته بشهواتِ الدنيا، فندِم حينئذٍ على تفريطه ندامةً يكادُ يقتل نفسه، وطلبَ الرجعة إِلى الدنيا ليتوبَ ويعمَلَ صالحًا، فلا يجابُ إِلى شيءٍ من ذلك، فيجتمع عليه سكرةُ الموت مع حَسْرة الفَوْت. وقد حذَّر الله تعالى عِبادَهُ من ذلك في كتابه؛ ليستعدُّوا للموت قبلَ نزولِه، بالتوبة والعملِ الصالح؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ

стр. 568

الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (١). سُمِعَ (٢) بعضُ المُحتَضرين عند احتضاره يلطِمُ على وجهه، ويقول: ﴿يا حَسْرَتَا عَلى ما فَرَّطتُ في جَنْبِ الله﴾. وقال (٣) آخر عند احتضاره: سَخِرتْ بي الدنيا حتى ذهبَتْ أيامي. وقال آخر عند موته: لا تغرنكُم الحياة (٤) الدنيا كما غرتني. وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٥) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (٦). وقال الله تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٧). وقال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (٨)، وفسَّره طائفةٌ مِن السَّلف؛ منهم عمر بن عبد العزيز ﵀، بأنَّهم طلبوا التوبةَ حين حِيلَ بينهم وبينها. قال الحسن: اتقِ الله يا ابنَ آدم، لا يجتمع عليك خَصْلتان؛ سكْرةُ الموت، وحَسْرةُ الفوْت. وقال ابن السَّمَّاك: احْذر السَّكرةَ والحَسْرة أن يفجأك الموتُ وأنتَ على الغِرَّة، فلا يصفُ واصفٌ قدْرَ ما تلقى ولا قدْرَ ما ترى. قال الفُضيلُ: يقولُ الله : ابنَ آدم! إذا كنتَ تتقلَّبُ في نِعمتي وأنتَ تتقلَّبُ في معصيتي، فاحْذرْني لا أَصْرَعُك بين معاصِيَّ. وفي بعض الإسرائيليات: ابنَ آدمَ! احْذر لا يأخُذك الله على ذنبٍ فتلقاهُ لا حُجَّةَ لك. مات كثير من المُصِرِّين على المعاصي على أقبحِ أحوالهم وهم مباشرون للمعاصِي، فكان ذلك خِزيًا لهم في الدنيا مع ما صاروا إليه من عذاب الآخرة. وكثيرًا ما يقعُ هذا للمصرِّين (٩) على الخمر المدمنين لشربها، كما قال القائل:

стр. 569

أتَأْمَنُ أيُّها السَّكرانُ جَهْلًا … بأَنْ تَفْجَأْكَ في السُّكْر المنِيَّه فَتَضْحَى عِبْرةً للناس طُرًّا … وَتَلْقَى الله مِن شَرِّ البَرِيَّه سكِرَ بعضُ المتقدِّمين ليلةً، فعاتبته زوجتُه على ترك الصَّلاة، فحلف بطلاقها ثلاثًا لا يُصلِّي ثلاثة أيامٍ، فاشتدَّ عليه فراق زوجته، فاستمَرَّ على ترك الصلاة مدَّةَ الأيام الثلاثة؛ فمات فيها على حاله وهو مصِرٌّ على الخمر، تاركٌ للصلاة. كان بعضُ المصرِّين على الخمر يُكنى أبا عمرٍو، فنام ليلةً وهو سكران، فرأى في منامه قائلًا يقول له: جَدَّ بكَ الأمْرُ أبا عمرو … وأنْتَ مَعْكُوفٌ على الخَمْرِ تشرَبُ صَهْباءَ صُرَاحِيَّةً … سَالَ بكَ السَّيْلُ ولا تَدْرِي فاستيقظ منزعجًا وأخبر مَن عندَه بما رأى، ثم غلبَه سُكْرُه فنام، فلمَّا كان وقتُ الصُّبح مات فجأةً. قال يحيى بن معاذٍ: الدنيا خَمْرُ الشيطان، مَن سكِرَ منها لم يُفقْ إلَّا في عَسْكَر الموتى نادمًا مع الخاسرين. وفي حديثٍ خرَّجه "الترمذي" (١) مرفوعًا: "ما مِن أحَدٍ يموتُ إلَّا نَدِمَ". قالوا: وما ندامتُه؟ قال: "انْ كان مُحسِنًا نَدِمَ أن لا يكونَ ازدادَ، وإن كان مسيئًا ندِمَ أن لا يكونَ اسْتَعْتَبَ" (٢). إذا ندِمَ المحسنُ عند الموت فكيف يكون حالُ المسيء. غايةُ أمنيَّةِ الموتى في قبورهم حياةُ ساعةٍ يستدركون فيها ما فاتهم من توبةٍ وعمل صالحٍ، وأهلُ الدنيا يفرطون في حياتهم فتذهَبُ أعمارهُم في الغَفْلَة ضَياعًا، ومنهم من يقطعُها بالمعاصِي. قال بعضُ السَّلف. أصبحتم في أمنيَّة ناس كثيرٍ، يعني أن الموتى كلَّهم يتمنَّون حياةَ ساعةٍ؛ ليتوبوا فيها ويجتهدوا في الطاعة، ولا سبيلَ لهم إلى ذلك، [وقد أنشد بعضهم] (٣): لو قيل للقومِ ما مُنَاكُم طَلَبُوا … حياةَ يومٍ ليتوبُوا فاعْلَمِ وَيْحَكِ يا نَفْسُ أَلَّا تيقُّظٌ … يَنْفَعُ قبلَ أن تزِلَّ قدمِي

стр. 570

مضَى الزَّمان في تَوَانٍ وَهَوَى … فاسْتدْرِكي ما قدْ بقي واغْتنمِي الناس في التَّوبة على أقسامٍ: فمنهم: من لا يوفَّقُ لتوبةٍ نَصُوحٍ، بل ييسَّر لَهُ عملُ السَّيِّئات من أوَّل عُمُرِه إلى آخره حتى يموت مُصِرًّا عليها، وهذه حالة الأشقياء. وأقبَحُ من ذلك من يُسِّر له في أول عمره عملُ الطاعات، ثم خُتِمَ له بعملٍ سيِّئٍ حتى مات عليه، كما في الحديث الصحيح (١): "إِنَّ أَحَدَكُم لَيَعْمَلُ بعَمَل أَهْلِ الجنَّةِ، حتَّى ما يكونُ بينَهُ وبينَها إلَّا ذراع، فيسبِقُ عليه الكتابُ فيعمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ النَّار فيدخلها". وفي الحديث الذي خرَّجه أهل السنن: "إنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهلِ الجنَّة سبعين عامًا، ثم يحضُره الموتُ فيجورُ في وصيته فيدخل النار" (٢). ما أصعَبَ الانتقالَ من البَصَر إلى العَمَى، وأصعَبُ منه الضلالةُ بعدَ الهدى، والمعصيةُ بعد التقى. كم من وجوهٍ خاشعةٍ وُقِّعَ على قصصِ أعمالِها: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (٣). كم مَن شارَفَ مركَبُهُ ساحِل النَّجاة، فلمَّا هَمَّ أن يَرْتَقي (٤) لعِبَ به مَوْجُ الهَوَى فغرِق. الخلْقُ كلهم تحتَ هذا الخطر. قلوبُ العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء. قال بعضُهم: ما العجَبُ ممن هلك كيفَ هلك، إنما العجَبُ ممن نجا كيف نجا، وأنشد:

стр. 571

يا قلبُ إلام تطالبُني … بلِقا الأحباب وقَدْ رَحَلُوا أرسلتُكَ في طلبي لَهُمُ … لتعودَ فَضِعْتَ وما حَصَلُوا سَلِّمْ واصْبِرْ واخْضَعْ لَهُمُ … كَمْ قَبْلَكَ مِثلكَ قَدْ قَتَلُوا ما أحسَنَ ما علَّقْتَ بِهِ … آمالَكَ مِنْهُمْ لَوْ فَعَلُوا (١) وقسمٌ: يفني عمره في الغَفْلَة والبَطالة، ثم يوفقُ لعمل صالحٍ فيموت عليه، وهذه حالة من عَمِلَ بعمل أَهلِ النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبِق عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهل الجنة فيدخلها. الأعمالُ بالخواتيم، [وفي الحديث] (٢): "إذا أرادَ الله بعبْدٍ خَيْرًا عَسَلَه (٣)، قالوا: وما عَسْلُه؟ قال: يوفِّقه لِعَمَلٍ صالحٍ ثم يقبِضُهُ عليه" (٤). وهؤلاء منهم من يوقَظُ قبل موته بمدَّةٍ يتمكن فيها من التزوُّد بعملٍ صالحٍ يختم به عمرَه. ومنهم من يُوقَظُ عندَ حضور الموتِ فيُوفقُ لتوبةٍ نصوح يموت عليها. قالت عائشة ﵂: إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا قيَّضَ له مَلكًا قبل موته بعام فيُسدِّدُه وييسِّرُه حتى يموتَ وهو خير ما كان، فيقول الناس: مات فلانً خير ما كان. وخرجه البزار (٥) عنها مرفوعًا، ولفظُه: "إذا أراد الله بعبدٍ خَيْرًا بعث إليه ملكًا من عامِهِ الذي يموت فيه فيُسَدِّدُهُ وييسِّرُه، فإذا كان عند موته أتاه مَلَكُ الموت فقعد عند

стр. 572

رأسه، فقال: أيتها النَّفْسُ المطمئنة أخْرُجي إلى مغفرةٍ من اللهِ ورضوانٍ، فذلك حين يُحِبُّ لقاءَ اللهِ، ويُحِبُّ الله لقاءَه. وإذا أراد الله بعبدٍ شرًّا بَعَثَ إليه شيطانًا من عامِهِ الذي يموت فيه فأغواه، فإذا كان عند موته أتاه مَلَكُ الموت فَقَعَدَ عند رأسِه، فقال: أيتها النفس الخبيثة، اخْرُجي إلى سخطٍ من الله وغَضَبٍ، فتتفرَّق في جسده، فذلك حين يُبغِضُ لقاءَ اللهِ، ويُبْغِضُ الله لقاءَه". وفي الدعاء المأثور: اللهم، اجعَلْ خيرَ عَمَلي خاتمتَه، وخيرَ عُمري آخِرَه. وفي "المسند" (١) عن عبد الله بن عمرو بن العاصِي، قال: "مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ عامًا تِيبَ عليه، ومَن تاب قبل موته شهرًا تِيبَ عليه، حتى قال: يومًا، حتى قال: ساعةً، حتى قال: فُوَاقًا (٢). قال: قال له إنسانٌ: أرأيتَ إن كان مشركًا فأسلم؟ قال: إنما أحدِّثُكم ما سمِعْتُ مِن رسول الله ﷺ ". وفيه (٣) أيضًا، عن عبد الرحمن البَيْلمانِيّ (٤)، قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال أحدهم: سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إن الله يقبَلُ توبَةَ العَبْدِ قبْلَ أن يموتَ بيومٍ". قال الآخر: أنتَ سمِعْت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعيم. قال: وأنا سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، يقول: "إن الله يقبَلُ توبَةَ العَبْدِ قبْلَ أن يموتَ بنصف يومٍ". فقال الثالث: أنتَ سمِعْتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، يقول: "إنَّ الله يقبَلُ توبَةَ العبْدِ قبل أن يموتَ بضَحْوَةٍ". قال الرابع: أنت سمِعْتَ هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمِعتُ رسولَ الله ﷺ ، يقول: "إنَّ الله يقبَلُ توبَةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ بنفسِه".

стр. 573

وفيه (١) أيضًا: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الشيطان قال: وعِزَّتِكَ يا ربّ، لا أبرَحُ أغوِي عبادَك ما دامَتْ أرواحُهم في أجسادهم. فقال الرَّبُّ : وعِزَّتي وجلالي، لا أزالُ أغفِرُ لهم ما استغفروني". ذكر ابن أبي الدنيا (٢) بإسنادٍ له: أنَّ رجلًا من ملوك البصرة كان قد تَنَسَّك، ثم مال إلى الدُّنيا والشيطانِ (٣)، فبنَى دارًا وشيَّدها، وأمر بها ففُرِشَتْ له ونُجِّدَتْ، واتَّخَذَ مأدُبَةً، وصَنَعَ طعامًا وَدَعَا الناسَ، فجعلُوا يدخلون فيأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويَعجبون (٤) منه، ويدْعُون له ويتفرَّقون. فمكَثَ بذلك أيامًا حتى فَرَغَ من أمر الناس. ثم جلس في نفرٍ من خاصَّة إخوانه (٥)، فقال: قد ترون سُروري بداري هذه، وقد حدَّثت نفسي أن أتخذَ لكُل واحدٍ من ولدي مثلَها، فأقِيموا عندي أيامًا أستمتِع بحديثكم وأشاوِركم فيما أريد من هذا البناء لولدي، فأقاموا عندَه أيامًا يَلْهُون وَيلْعَبُون ويشاوِرُهم كيفَ يَبني لولده، وكيف يُريدُ أن يَصْنَعَ. فبينما هم ذاتَ ليلةٍ في لهوهم إذ سمعوا قائلًا يقول من أقاصي الدَّار: يا أيُّها البانيُ النَّاسِي مَنِيَّتَهُ … لا تأمنَنَّ (٦) فإنَّ المَوْتَ مكتُوبُ على الخلائق إن سُرُّوا وإنْ فَرِحوا … فالموتُ حَتْفٌ لِذِي الآمالِ مَنْصُوبُ لا تبنِيَنَّ دِيارًا لسْتَ تَسْكُنُها … وَرَاجِعِ النُّسْكَ كيما يُغْفَرَ الحُوبُ (٧) قال: ففزِعَ من ذلك (٨) وفزعَ أصحابُه فزعًا شديدًا، وراعَهُم ما سمِعوا من ذلك، فقال لأصحابه: هل سمِعْتم ما سمِعْتُ؟ قالوا: نعم. قال: فهل تجدون ما أجِدُ؟ قالوا: وما تجدُ؟ قال: أجدُ واللهِ مسْكَةً على قلبي (٩) ما أراها إلا علَّة الموت. قالوا: كلا، بل البقاءُ والعافية. قال: فبكى، وقال: أنتم أخلَّائي وإخواني فما لي عندكم؟

стр. 574

قالوا: مُرْنا بما أحببتَ. قال: فأَمَرَ (١) بالشراب فأُهريقَ، وبالملاهي فأُخرجت. ثم قال: اللهم! إنِّي أُشهِدُك ومَنْ حَضَرَ من عبادِك أنِّي تائبٌ إليك من جميع ذُنوبي، نادِمٌ على ما فرطت أيامَ مُهلتي، وإياك أسألُ إن أَقَلْتَنِي (٢) أن تُتِمَّ عليَّ نعمتَك بالإنابة إلى طاعتك، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفِرَ لي ذنوبي تفضلًا منك عليَّ. واشتدَّ به الأمر فلم يزَلْ يقول: الموتُ واللهِ! الموتُ واللهِ! حتى خرجَتْ نفسُه (٣). فكان الفقهاءُ يرون أنَّه مات على توبةٍ. وروى الواحدي (٤) في كتاب "قتلى القرآن" بإسنادٍ له، أن رجلًا من أشراف أهل البصرة كان مُنحدِرًا إليها في سفينة ومعه جارية له، فشرب يومًا، وغنَّتْهُ جاريتُه بعودٍ لها، وكان معهم في السفينة فقيرٌ صالحٌ، فقال له: يا فتى! تُحسِنُ مثل هذا؟ قال: أحْسِنُ ما هو أحسَنُ (٥) منه. وكان الفقيرُ حسَنَ الصَّوتِ، فاستفتح وقرأ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٦)، فرمَى الرجُلُ ما بيدِهِ من الشراب في الماء، وقال: أَشهدُ أن هذا أحسنُ مما سَمِعت، فهل غير هذا؟ قال: نعم، فتلا عليه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (٧)، الآية. فوقعت من (٨) قلبه مَوْقعًا، ورَمَى بالشراب في الماء، وكسَرَ العُودَ، ثم قال: يا فتى! هل هنا (٩) فرجٌ؟ قال: نعم، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠)، الآية. فصاح صَيْحَةً عظيمةً، فنظروا إليه فإذا هو قد مات ﵀.

стр. 575

وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ له أن صالحًا المُرِّيَّ ﵀ كان يومًا في مجلسه يقُصُّ على الناس، فقرأ عنده قارئ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (١)، فذكر صالحٌ النار وحالَ العصاةِ فيها، وصِفَةَ سياقهم إليها، وبالَغَ في ذلك وبكى الناس، فقام فتىً كان حاضرًا في مجلسه، وكان مسرفًا على نفسه، فقال: أكُل هذا في القيامة؟ قال (٢) صالح: نعم، وما هو أكثر (٣) منه، لقد بلغني أنهم يصرُخُون في النار حتى تنقطِعَ أصواتُهم فلا يبقَى منهم إلَّا كهيئة الأنين من المريض المدنِفِ، فصاح الفتى: أيا لله (٤)! وا غفلتاه عن نفسي أيام الحياة! وا أسفاه على تفريطي في طاعتك يا سيداه! وا أسفاه على تضييع عمري في دار الدنيا! ثم استقبل القِبْلَةَ، وعاهَدَ الله على توبةٍ نصوح، ودعا الله أن يتقبَّل منه وبكَى حتى غُشِي عليه، فَحُمِلَ من المجلس صريعًا، فمكث صالحٌ وأصحابُه يعودونه أيامًا، ثم مات، فحضره خَلْقٌ كثير، فكان صالحٌ يذكُرُه في مجلسه كثيرًا، ويقول: وبأبي قتيل القرآن! وبأبي قتيل المواعظ والأحزان! فرآه رجل في منامه، فقال: ما صنعتَ؟ قال: عمَّتْنِي بركةُ مجلسِ صالحٍ فدخلْتُ في سعة رحمة الله التي ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٥). مَن آلمتْهُ سِياطُ المواعظِ فصَاحَ فلا جُناحَ، ومن زاد ألمه فمات فدمُهُ مُبَاح. قَضَى اللهُ في القَتْلَى قَصَاصَ دِمائِهِمْ … ولكِنْ دِمَاءُ العاشِقينَ (٦) جُبَارُ وبقي ها هنا قسمٌ آخرُ، وهو أشرفُ الأقسام وأرفعُها، وهو من يفني عمرَه في الطاعة، ثمَّ يُنبَّه على قرْب الأجلِ، لِيَجِدَّ في التزوُّد ويتهيَّأ للرحيل بعمل يصلُحُ لِلِّقاء ويكون خاتمةً للعمل. قال ابنُ عباس: لما نزلت على النبي ﷺ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٧) نُعِيتْ لرسول الله ﷺ نفسُه، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهادًا في أمرِ الآخرة.

стр. 576

قالت أم سلمة: كان النبي ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعُد ولا يذهَبُ ولا يجيء إلَّا قال: "سبحان الله وبحمْدِه" فذكرْتُ ذلك له، فقال: "إنِّي أُمِرْتُ بذلك، وتلا هذه السورة. وكان من عادته أن يعتكِفَ في كُلِّ عامٍ في رمضان عشرًا، ويعرِضُ القرآن على جبريلَ مرّةً، فاعتكَفَ في ذلك العام عشرين يومًا، وعرضَ القرآن مرتين، وكان يقولُ: ما أرى ذلك إلَّا لاقتراب أجلي. ثم حَجَّ حجةَ الوَدَاع، وقال للناس: خذوا عنِّي مناسِكَكَم، فلعلِّي لا ألقاكم بعدَ عامي هذا. وطفِقَ يودعُ الناس، فقالوا: هذه حجَّةُ الوَدَاع. ثم رجع إلى المدينة فخطب قبْلَ وصوله إليها، وقال: أيها الناس! إنَّما أنا بشر، يُوشِكُ أن يأتيَني رسولُ ربِّي فأجيبَ. ثم أمَرَ بالتمسُّك بكتاب الله، ثم توفي بعدَ وصوله إلى المدينة بيسير ﷺ . إذا كان سيِّدُ المحسنين يُؤمَرُ أن يختِمَ عمرَه بالزِّيادة في الإحسان، فكيف (١) يكون حالُ المسيء. [دُو بَيْت] (٢). خُذْ في جِدٍّ فقد تولَّى العُمرُ … كم ذا التفريطُ قَدْ تَدَانَى الأمْرُ أَقبِلْ فعسَى يُقبَلُ منك العُذْر … كم تبنِي كم تنقُضُ كم ذا الغَدْرُ مرِض بعضُ العابدين فوُصِف له دواءٌ يشرَبُه، فأُتي في منامه فقيل له: أتشرَبُ الدواءَ والحورُ العينُ لك تُهيَّأ؟ فانتبَهَ فزِعًا، فصلَّى في ثلاثة أيام حتى انحنى صُلْبُه، ثم مات في اليوم الثالث. كان رجل قد اعتزل وتعبَّد، فرأى في منامه قائلًا يقولُ له: يا فلان! ربُّك يدعوك فتجهَّزْ واخْرُج إلى الحجِّ، ولسْتَ عائدًا؛ فخرَجَ إلى الحج فمات في الطريق. رأَى بعضُ الصالحين في منامه قائلًا (٣) يُنشِدُه: تأهَّبْ للذي لا بُدَّ منهُ … من الموتِ المُوَكَّلِ بالعِبادِ

стр. 577

أترضَى أن تكونَ رَفِيقَ قَوْمٍ … لَهُمْ زادٌ وأنتَ بغيرِ زادِ (١) خرَّج ابن ماجه من حديث جابرٍ، أن النبي ﷺ خَطَبَ، فقال في خطبته: "أيُّها الناس! توبوا إلى ربِّكم قبلَ أن تموتوا، وبادِروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشْغَلُوا". [وفي سنده ضعف] (٢). فأمر بالمبادرة بالتوبة قبل الموت. وكُلُّ ساعةٍ تمرُّ على ابن آدم فإنَّه يمكن أن تكونَ ساعةَ موتِه، بل كُلُّ نفسٍ، [كما قيل] (٣): لا تأمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسٍ … ولو (٤) تمنعْتَ بالحُجَّابِ والحَرَسِ قال لقمان لابنه: يا بني! لا تؤخِّر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة. وقال بعضُ الحكماء: لا تكن ممن يرجُو الآخرةَ بغير عَمَل، ويؤخرُ التوبَةَ لطول الأمَل. إلى الله تب قبل انْقِضاءٍ (٥) من العمر … أُخَيَّ ولا تأمَنْ مفاجأَةَ الأمر (٦) ولا تستَصِمَّنْ عن دُعائي فإنَّما … دَعوتُك إشفاقًا عليك من الوِزرِ فقد حَذَّرَتْكَ الحادِثاتُ نزولَها … ونادَتْكَ إلَّا أن سَمْعَكَ ذو وَقْرِ تَنُوحُ وتبكي للأحبَّة إن مَضَوْا … ونَفْسَكَ لا تبكي وأَنْتَ على الإثْرِ قال بعضُ السَّلف: أَصْبِحُوا تائبين، وأمسُوا تائبين. يشير إلى أنَّ المؤمن لا ينبغي أن يُصبحَ ويُمسِي إلَّا على تَوبةٍ؛ فإنَّه لا يدري متى يفجأه الموتُ صباحًا أو مساءً. فمن أصبَحَ أو أمسَى على غير توبةٍ، فهو على خَطَرٍ؛ لأنه يُخشَى أن يلقَى الله غيرَ تائبٍ، فيُحشَرَ في زمرة الظالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٧). [تُبْ من خطاياكَ وابْكِ خَشْيَةً … ما أثبت منها عليك في الكُتُبِ

стр. 578

أيَّةُ حالٍ تكون حال فتًى … صار إلى رَبِّه ولم يَتُبِ] (١) تأخيرُ التوبة في حال الشباب قبيحٌ، ففي حال المشيب أقبَحُ وأقبَحُ (٢). نَعَى لكَ ظِلَّ الشباب المشيبُ … ونادتْكَ باسمِ سِواكَ الخطوبُ فكُنْ مستعدًّا لداعِي الفَنَا … فكُل الذي هو آتٍ قريبُ ألسْنا نَرَى شَهَواتِ النُّفو … سِ تَفْنَى وتبقَى علينا الذُّنوبُ يخافُ على نفسِهِ مَن يتوبُ … فكَيفَ يكنْ حالُ من لا يتوبُ (٣) فإن نزل المرضُ بالعبد فتأخيرُهُ للتوبة حينئذٍ أقبَحُ مِن كُل قبيحٍ؛ فإن المرض نذيرُ الموت. وينبغي لمن عاد مريضًا أن يذكِّره التوبةَ والاستغفارَ، فلا أحسَنَ من ختامِ العملِ (٤) بالتوبة والاستغفار؛ فإنْ كان العملُ سيئًا كان كفارة له، وانْ كان حسنًا كان كالطابَع عليه. وفي حديث "سيد الاستغفار" المخرَّج في الصحيح (٥) أن من قاله إذا أصبح وإذا أمسَى، ثم مات من يومِه أو ليلته، كان من أهل الجنَّة. ولْيُكْثِرْ في مرضِهِ من ذكرِ الله ، خصوصًا كلمة التوحيد؛ فإنه من كانت آخِرَ كلامِه دَخَلَ الجنة. وفي حديث أبي سعيدٍ وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ ، أنَّه: "مَن قال في مرضه: لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله؛ فإنْ مات من (٦) مرضه لم تَطْعَمْهُ

стр. 579

النَّار". خرَّجه النسائي وابنُ ماجه والترمذي (١) وحسَّنَه. وفي رواية للنسائي: "من قالهن في يومٍ أو في ليلةٍ أو في شهرٍ، ثم مات في ذلك اليوم أو في تلك الليلة أو في ذلك الشهر، غُفِرَ له ذنبه". ويُروى من حديث حذيفةَ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ خُتم له بقولِ لا إله إلَّا الله دخل الجنَّة، ومن خُتِمَ له بصيام يومٍ أراد به وَجْهَ الله أدخلَه الله الجنة، ومَنْ (٢) خُتِمَ له بإطعام مسكينٍ أراد به وَجْهَ اللهِ أدخلَه الله الجنة" (٣). كان السَّلَفُ يرون أن من مات عقيب (٤) عمل صالح كصيامِ رمضانَ، أو عقيبَ حجٍّ أو عمرةٍ، أنَّه يرجى له أن يدخلَ الجنة. وكانوا مع اجتهاهم في الصحة في الأعمال الصالحة يجددون التوبة والاستغفار عند الموت، ويختِمُون أعمالَهم بالاستغفار وكلمةِ التوحيد. لما احتُضِر العلاء بن زيادٍ (٥) بكَى، فقيل له: ما يُبكيكَ؟ قال: كنْتُ واللهِ أُحِبُّ أن أستقبلَ الموت بتوبةٍ. قالوا: فافعل رحمكَ الله. فدعا بِطَهُور فتطهَّر، ثم دعا بثوب له جديدٍ فلبسه، ثم استقبل القبلة، فأومأ برأسِه مرتين أو نحو ذلك، ثم اضطجع ومات. ولما احتُضِر عامر بن عبد الله بكَى، وقال: لمثل هذا المصرعِ فليعملِ العاملون، اللهم! إنِّي أستغفِرك من تقصيري وتفريطي، وأتوبُ إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلَّا الله. ثم لم يزل يردِّدُها حتى مات ﵀. وقال عمرو بن العاص

стр. 580

رحمه الله عند موته: اللهم! أمرتنا فعصَيْنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسَعُنا إلَّا عفوُك، لا إله إلَّا الله. ثم ردَّدها حتى مات. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عند موته: أجلِسُوني، فأجلَسُوه، فقال: أنا الذي أمرْتَني فقصَّرْتُ، ونهيتني فعصيْتُ، ولكنْ لا إله إلَّا الله، ثم رَفَعَ رأسه فأحَدَّ النظر، فقالوا له: إنك تنظر نظرًا شديدًا يا أميرَ المؤمنين، قال: إنِّي (١) أرى حضرة ما هم بأنسٍ ولا جنٍّ، ثم قُبِضَ رحمةُ الله عليه. وسمِعوا تالِيًا يتلو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). يا غافِلَ القَلْبِ عن ذِكْرِ المَنِيَّاتِ … عمَّا قليل سَتَثْوِي بينَ أَمْواتِ فاذكُرْ مَحَلَّكَ مِن قَبْلِ الحُلُول بهِ … وتُبْ إلى اللهِ مِنْ لهوٍ ولذَّاتِ إنَّ الحِمام لَهُ وَقْتٌ إلى أَجَلٍ … فاذْكُرْ مَصَائِبَ أيَّامٍ وَسَاعَاتِ لا تطمئِنَّ إلى الدُّنيا وَزِينتِها … قَدْ حَانَ للموْتِ يا ذا اللبِّ أن يأتي التَّوْبَةَ التَّوْبَةَ قبل أن يصلَ إليكم من الموت النَّوْبَة، فيحصل المفرط على الندم والخيبة. الإنابةَ الإنابةَ قبلَ غَلْقِ باب الإِجابة. الإفاقةَ الإفاقةَ؛ فقد قَرُبَ وقْتُ الفاقَة. ما أحسَنَ قَلَقَ التُّوَّاب! ما أَحْلَى قدومَ الغُيَّاب! ما أجمَلَ وقوفَهم بالباب! أَسَأْتُ ولم أُحْسِنْ وجئتُكَ تائبًا (٣) … وأَنَّى لعبْدٍ من مواليهِ مَهْرَبُ يُؤمِّلُ غُفرانًا فإنْ خَابَ ظَنُّه … فما أحَدٌ منهُ على الأرضِ أَخْيَبُ مَن نزل به الشيبُ فهو بمنزلة الحامِل التي تمَّتْ شهورُ حَمْلِها، فما تنتظر إلَّا الولادة، كذلك صاحبُ الشيب لا ينتظر غير الموت؛ فقبيحٌ منه الإصرارُ على الذنب (٤).

стр. 581

أيُّ شيءٍ تُرِيدُ منِّي الذُّنوبُ … شَغُفَتْ بي فليس عنِّي تَغِيبُ ما يَضُرُّ الذُّنوبَ لو أعتقتني … رحمةً بي فقد عَلاني المشيبُ ولكن توبة الشابّ أحسَنُ وأفضَلُ. في حديث مرفوعٍ خرَّجه ابنُ أبي الدنيا: "إنَّ الله يحبُّ الشاب التائب". قال عُمير (١) بن هانئٍ: تقولُ التوبةُ للشاب: أهلًا ومرحبًا، وتقول للشيخ: نقبَلُكَ على ما كان منك. الشابُ ترك المعصية مع قوَّة الدَّاعي إليها، والشيخُ قد ضعُفت شهوته وقلَّ داعيه فلا يستويان. وفي بعض الآثار، يقول الله : أيُّها الشاب، التارك شهوتَه، المبتذِلُ شبابَه لأجلي، أنتَ عندي كبعض ملائكتي. قال عمر بن الخطاب ﵁: إن الذين يشتهون المعاصِي ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). كم بين حال الذي ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (٣) وبين شيخ عِنَينٍ يُدعَى لمثل ذلك فيجيب. كان عمر يَعُسُّ (٤) بالمدينة فسمِعَ امرأة غاب عنها زوجُها تقول (٥): تطاول هذا الليلُ واسْوَدَّ (٦) جانبُهْ … وأرَّقنِي أن لا خَلِيل ألاعِبُهْ فواللهِ لولا اللهُ لا شيءَ (٧) غيرُهُ … لَحُرِّكَ مِن هذا السَّرير جوانِبُهْ ولكنَ تَقْوَى اللهِ عَنْ ذا تَصُدُّني … وحِفظًا لِبَعْلِي أن تنالَ مراكبُهْ (٨) ولكنَّني أَخْشَى رَقيبًا موكّلًا … بأنْفُسِنا لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتِبُه (٩) فقال لها عمر: يرحمك الله! ثم بعث إلى زوجها فأمرَه أَن يقدُمَ عليها، وأمَرَ أن

стр. 582

لا يغيبَ أَحدٌ عن امرأته أكثرَ من أربعة (١) أشهر وعشرًا. الشيخ قد تركته الذنوب فلا حمدَ له على تركها، كما قيل: تارَكَكَ الذنبُ فتارَكْتَهُ … بالفِعْل والشَّهوةُ في القلبِ فالحمْدُ للذَّنْبِ عَلَى تَرْكِهِ … لا لَكَ في تركِكَ للذَّنْبِ أما تستحِي منَّا لما أعرضَتْ لذَّاتُ الدُّنيا عنك فلم يبقَ لك فيها رغبةُ، وصِرْتَ من سَقَطِ المتاع لا حَاجةَ لأحدٍ فيك، جئت إلى بابنا فقلْتَ: أنا تائبٌ، ومع هذا فكُلُّ من أوى إلينا آويناه، وكلّ من استجارَ بنا أجرْناه، ومَن تابَ إلينا أحببناه. أبشر، فربَّما يكون الشَّيبُ شافعًا لصاحبه من (٢) العقوبات. مات شيخ كان مفرطًا، فرؤي في المنام، فقيل له: ما فَعَلَ الله بك؟ قال: قال لي: لولا أنَّك شيخٌ لعذبتك. وقف شيخٌ بعرفَةَ والناسُ يضِجُّون بالدُّعاء وهو ساكت، ثم قبض على لحيته وقال: ياربِّ، شيخ ياربِّ، شيخ يرجُو رحمتك. لمَّا أتونا (٣) والشَّيْبُ شافعُهُمْ … وقَدْ تَوالَى عليهم الخَجَلُ قُلْنا لِسُودِ الصَّحائف انْقَلِبي … بِيضًا فإنَّ الشُّيوخَ قد قُبِلُوا كان بعضُ الصالحين يقول: إن الملوك إذا شابَتْ عبيدُهُمُ … في رِقِّهِم عتقُوهُم عِتْقَ أبرارِ وأنتَ يا خالِقي أَوْلَى بِذَا كَرَمًا … قد شِبْتُ في الرِّقِّ فاعْتِقنِي مِنَ النَّارِ أيها العاصي، ما يقطعُ من صلاحِك الطمَعْ، ما نصبنا اليوم شَرَكَ المواعِظِ إلَّا لِتَقَعْ. إذا خرجْتَ من المجلس وأنتَ عازِمٌ على التوبة، قالت لك ملائكة الرحمة: مرحبًا وأهلًا (٤)، فإن قال لك رفقاؤك في المعصية: هلُمَّ إلينا، فقل لهم: كلَّا، ذاك خَمْرُ الهَوَى الذي عهدتموه قد استحال خَلَّا. يا مَن سوَّد كتابَهُ بالسيئات قد آن لكَ

стр. 583

بالتَّوبة أن تمحُو. يا سكرانَ القلبِ بالشهوات أما آن لفؤادِك أن يصحُو. يا نداماي صَحَا القلب صَحَا … فاطرُدُوا عنِّي الصِّبَا والمَرَحا زَجَرَ الوعْظُ فؤادِي فارْعَوى … وَأَفَاقَ القلْبُ منِّي وصَحَا هَزَمَ العَزْمُ جُنودًا للهوى … فاسِدِي لا تَعْجَبُوا إن صَلَحَا بادِروا التَّوْبَةَ مِن قَبْلِ الرَّدى … فمُنَادِيهِ يُنادِينا الوَحَا (١) * * * آخر الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ووافق الفراغ من كتابته … سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وذلك على يد … سليمان بن حسن بن سليمان العرابي … بقرية يَلْدَان من غوطة دمشق المحروسة حماها الله تعالى وسائر بلاد المسلمين بمنّه وكرمه. آمين.