← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1152

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ت السواس

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (583 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

منه، بل تأخذ منه قليلًا قليلًا، ولا تَحْبَطُ بطونُها منه. فهذا مثل المؤمن المقتصِد من (١) الدنيا؛ يأخُذُ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها، قَدْرَ بُلْغَتِه وحاجتِه، ويجتزِئ من متاعِها بأدونِه وأخشنِه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلَّا إذا نفِدَ ما عندَه وخرجَت فضلاته، فلا يوجِبُ له هذا الأخْذُ ضَررًا ولا مَرَضًا ولا هلاكًا، بل يكون ذلك بلاغًا له، ويتبلَّغ به مُدَّة حياته، ويعينُه على التزوُّد لآخرته. وفي هذا إشارة إلى مدح مَن أخذ من حلال الدنيا بقدر بُلْغَتِه وقنعَ بذلك، كما قال ﷺ : "قد أَفْلَحَ مَن هَدَاهُ اللهُ إلى الإسلام، وكان عيشُه كفافًا فقنِعَ به" (٢). وقال ﷺ : "خيرُ الرِّزْقِ ما يكفي " (٣). وقال: "اللهم! اجْعَلْ رِزْقَ آلِ محمَّد قُوتًا" (٤). خُذْ مِن الرِّزق ما كَفَى … وَمِنَ العَيْشِ ما صَفَا كُلُّ هذا سينقضِي … كسِراجٍ إذا انْطَفا ثم قال ﷺ : "إن هذا المال خَضِرة حُلْوةٌ" فأعاد مرةً ثانية تحذيرًا من الاغترار به، فخضرته بهجةُ منظرِه، وحلاوتُه طِيبُ طَعْمِه؛ فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه، ولكن لو فكرتْ في عواقبه لهربَت منه. الدنيا في الحال حُلوة خضِرةٌ، وفي المآل مُرَّةٌ كدِرَةٌ؛ نعمَتْ المرضِعَةُ، وبئست الفاطمةُ!

стр. 527

إنَّما الدُّنيا نَهَارٌ … ضَوْؤه ضَوْءٌ مُعَارُ بينما عَيْشُكَ غَضٌّ … ناعِمٌ فيه اخْضِرارُ إذْ رَمَاهُ زَمَناهُ … فإذا فيه اصْفِرارُ وكذاكَ اللَّيلُ يأتي … ثم يمحُوه النَّهارُ مَثَلُ حرامِ الدُّنيا كشجرة الدِّفْلَى (١)، تعجِبُ من رآها، وتقتُلُ مَن أكلَها. نَرَى الدُّنيا وَزَهْرَتَها فنصْبُوا … وما يَخْلُو مِنَ الشَّهوَاتِ قَلْبُ فُضُولُ العَيْشِ أكثَرُهُ همومٌ … وأكثَرُما يضرُّكَ ما تُحِبُّ إذا اتفَقَ القليلُ وفيه سِلْمٌ … فلا تُرِدِ الكَثيرَ وفيه حَرْبُ الذي بشَّر أمَّته بفتح الدنيا عليهم حذَّرهم من الاغترار بزهرتها، وخوَّفهم من خُضْرتِها وحلاوتِها، وأخبرَهم بخرابها وفنائها، وأنَّ بين أيديهم دارًا لا تنقطع خُضْرَتُها وحلاوتُها؛ فمن وقف مع زَهْرةِ هذه العاجِلة انقطَعَ وهَلَكَ، ومَن لم يقفْ مَعَهَا وسار إلى تلك (٢)، وَصَلَ ونجا. في "المسند" (٣) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتاه فيما يَرَى النائمُ مَلَكانِ، فقعد أحدُهما عند رأسه، والآخرُ عند رجليه، فقال (٤) أحدُهما للآخر: اضرِبْ له مثَلًا، فقال: إنَّ مَثَلَهُ ومَثَلَ أُمَّتِه كمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ انْتَهَوْا إلى رأسِ مَفَازَةٍ، فلم يكنْ معهم من الزَّاد ما يقطعون به المفازَةَ، ولا ما يرجعون به، فبيما هم كذلك إذْ أتاهم رجلٌ في حُلَّةٍ حِبَرَةٍ، فقال: أرأيتم إنْ وَرَدْتُ بكم رياضًا مُعْشِبةً وحِياضًا رُوَاءً، أَتَتْبعوني؟ قالوا: نعم. قال (٥): فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشِبةً وحياضًا رُواءً، فأكلوا وشربوا وسَمِنوا، فقال لهم: ألم أَلْقَكم على تلك الحال فجعلتم لي إنْ وردت بكم رياضًا معشِبةً وحياضًا رُواءً أن تَتَّبعوني؟ قالوا: بلى. قال: فإنَّ بين أيديكم رِياضًا

стр. 528

هي أعْشَبُ من هذه، وحِياضًا هي أَرْوَى مِن هذه، فاتَّبعوني. قال: فقالت طائفةٌ: صَدَقَ واللهِ، لنتَّبِعَنَّه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نُقيمُ عليه. وقد خرَّجه ابن أبي الدنيا وغيرُه عن الحسن مرسلًا بسياقٍ أبسَطَ من هذا، وفيه أنَّهم لما رَتَعوا وسَمِنوا وأعجَبَهم المنزلُ صاح بهم، فقال: ارتحلوا؛ فإنَّ هذه الروضة ذاهِبةٌ، وإنَّ هذا الماء غائرٌ ذاهبٌ، وإنَّ أمامكم روضَةٌ أعشَبُ من هذه، وماءٌ أَرْوَى من هذا الماء. فكرِه ذلك عامَّةُ الناس، وقالوا: ما نريد بهذه (١) بدلًا، وهم أكثر الناس. وقال آخرون: والله إنَّ آخر قوله كأوَّله، ارتحلوا، فأبوا، فارتحل قوم فنجَوا، ولم يشعر الذين أقاموا حتى طرقَهُم العدوُّ ليلًا، فأصبحوا من بين قتيل وأسير. الدنيا خَضْرَاءُ الدِّمَن (٢). ومعنى ذلك أن خُضْرتَها نابتة على مَزْبَلَةٍ منتنةٍ. يا دَني الهِمَّة، قنِعْتَ بروضةٍ على مَزْبَلةٍ، والملِكُ يدعوك إلى فردوسه الأعلى؛ ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٣)، أرضيتم بخرابات البِلى من (٤) الفردوس؟ يا لها صفقة غبن ما أخسرها (٥)! أتقنَعُ بخسائسِ الحشائش والرِّياضُ معشِبةٌ بين يديك؟ فإنْ حَنَنْتَ لِلْحِمَى وَرَوْضِهِ … فبالغَضَى ماءٌ وَرَوْضَاتٌ أُخَر (٦) وقوله ﷺ : "مَن أخذَهُ بحقِّه ووضَعَه في حقِّه، فنِعْمَ المعونة هو؛ ومَن أخذَهُ بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع" تقسيمٌ لمن يأخذُ المالَ إلى قسمين: فأحدهما: يُشبِه حالَ آكلةِ الخَضِر، وهو مَن أخذَه بحقِّه ووضَعَه في حقِّه؛ وذكر أنه نِعْم المعونةُ هو؛ فإنَّه نعم العونُ لمن هذه صفته على الآخرة، كما في حديث عمرو بن العاص عن النبي ﷺ ، قال: "نعم المالُ الصَّالح للرجُل الصَّالح"، (٧) وهو الذي يأخذُه بحقِّه ويضعه في حَقِّه، فهذا يوصِله مالُه إلى الله ، فمن أخَذَ من

стр. 529

المال بحقِّه ما يقوِّيه على طاعة الله، ويستعين به عليها، كان أخذُه طاعةً، ونفقتُه طاعةً. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّكَ لن تُنْفِقَ نفقةً تبتَغي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عليها، حتى اللقمةُ ترفَعُها إلى فِي امرأتِك" (١). وفي حديث آخر: "ما أطعمْتَ نفسَكَ فهو لَكَ صَدَقَةٌ، وما أطعمْتَ أهلَكَ فهو لك صَدَقة، وما أطعمْتَ ولَدَكَ فهو لك صَدَقَة، وما أطعمْتَ خادِمَكَ فهو لك صَدَقة" (٢). فما أخِذَ من الدُّنيا بنيَّة التقوِّي على طلب الآخرة فهو داخِلٌ في قسم إرادة الآخرة والسَّعي لها، لا في إرادة الدنيا والسعي لها؛ قال الحسن: ليس من حُبِّ الدنيا طلبُكَ ما يُصلحك فيها، ومن زُهدك فيها تركُ الحاجة يسدُّها عنك تَرْكها. ومَن أحبَّ الدنيا وسرَّته ذهب خوفُ الآخرة من قلبه. وقال سعيد بن جُبَيرٍ (٣): متاع الغرور ما يُلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يُلْهِك فليس بمتاع (٤) الغرور، ولكنَّه بلاغٌ إلى ما هو خير منه. وقال بعضُ العارفين: كُلُّ ما أصبْتَ من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكُلُّ ما أصبْتَ منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا. وقال أبو سليمان: الدنيا حجابٌ عن الله لأعدائه، ومطِيَّةٌ موصِلَةٌ إليه لأوليائه، فسبحان مَن جَعَلَ شيئًا واحدًا سببًا للاتصال به والانقطاع عنه. والقسم الثاني: يشبه حالُه حالَ البهائم التي ترعى مما ينبت الربيع، فيقتلها حَبَطًا أو يُلِمُّ، وهو من يأخذ المالَ بغير حقِّه، فيأخذه من الوجوه المحرمة، فلا يقنع منه بقليل ولا بكثير، ولا تشبع نفسُه منه، ولهذا قال: "وكان كالَّذي يأكُلُ ولا يشبَعُ". وكان النبي ﷺ "يتعوَّذ من نفسٍ لا تشبع" (٥).

стр. 530

وفي حديث زيد بن ثابتٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "من كانَت الدُّنيا همَّه، فرَّقَ اللهُ عليه أمرَه، وجعَلَ فَقْرَه بين عينيه، ولم يأتِه من الدَّنيا إلَّا ما كُتِبَ لَهُ" (١). فمن كان فقرُه بين عينيه لم يَزَلْ خائفًا من الفقر، لا يستغني قلبُه بشيءٍ، ولا يشبَعُ من الدنيا؛ فإنَّ الغِنَى غِنَى القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرَّجه "الطبراني" (٢) مرفوعًا: "الغِنَى في القَلْب، والفَقْرُ في القَلْب، ومَن كان الغِنَى في قلبه فلا يضرّه ما لقِي من الدُّنيا، ومَن كان الفقرُ في قلبه فلا يغنيه ما أُكثر له منها، وإنما يضُرُّ نفسه [شحُّها] ". وعن عيسى ﵇، قال: مَثَلُ طالبِ الدنيا كشارب البحر، كلما زاد شرْبًا منه زاد عطشًا حتى يقتلَه. قال يحيى بن معاذ: مَن كان غِناهُ في قلبه لم يزل غنيًا، ومَن كان غناه في كسْبه لم يزل فقيرًا، ومن قَصَدَ المخلوقين لحوائجه (٣) لم يزلْ محرومًا، ويشهدُ لذلك كلِّه الحديثُ الصحيح، عن النبي ﷺ : "لو كان لابن آدَمَ وادِيان مِن ذَهَبٍ لابْتَغَى لهما ثالثًا، ولا يملأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، وَيتُوبُ اللّهُ على مَن تاب" (٤). لو فكَّر الطامع في عاقبة الدنيا لقنِع، ولو تذكَّر الجائع إلى فضول مآلها لشبع. هَب انَّكَ قَدْ مَلَكْتَ الأَرْضَ طُرًّا … وَدَانَ لَكَ العِبادُ فكان ماذا أليس إذًا مَصِيرُكَ جَوْفَ قَبْرٍ (٥) … ويحثي التُّرْبَ هذا ثمَّ هذا وقد ضرب الله تعالى في كتابه مثلَ الدنيا وخُضرتها ونضرتها وبهجتها وسُرعة تقلُّبها وزوالها، وجعل مثَلها كمثل نباتِ الأرض النابت من (٦) مطر السماء في تقلُّب أحواله ومآله.

стр. 531

قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤). فالدُّنيا وجميعُ ما فيها من الخُضْرة والبَهْجة والنَّضْرة تتقلَّب أحوالُه وتتبدَّل، ثم تصيرُ حُطامًا يابسًا. وقد عدَّدَ اللهُ سبحانه زِينةَ الدُّنيا ومتاعَها المبهج في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٥). وهذا كلُّه يصيرُ ترابًا، ما خلا الذهب والفضة، ولا ينتفع بأعيانهما، بل هما قيم الأشياء، فلا ينتفع صاحبُهما بإمساكهما، وإنما ينتفعُ بإنفاقهما (٦)، ولهذا قال الحسن: بئس الرفيقُ الدِّرهم والدِّينار، لا ينفعانك حتى يفارقانك. وأجسام بني آدم، بل وسائرُ الحيوانات، كنباتِ الأرض تتقلَّب من حالٍ إلى حال، ثم تجِفُّ وتصيرُ ترابًا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (٧).

стр. 532

وما المرءُ إلَّا كالنَّبَاتِ وَزَهْرُه … يَعُودُ رُفاتًا بَعْدَ ما هُوَ سَاطِعُ فينتقل ابنُ آدم من الشباب إلى الهرم، ومن الصحة إلى السَّقَم، ومن الوجود إلى العدم (١)، كما قيل: وما حالاتُنا إلَّا ثلاثٌ … شَبَابٌ ثُمَّ شَيْبٌ ثمَّ مَوْتُ وآخرُ (٢) ما يُسَمَّى المرءُ شيخًا … ويتلُوهُ مِنَ الأسْماءِ مَيْتُ مدة الشباب قصيرة كمدّة زَهْر الربيع وبهجته ونَضَارته، فإذا يَبِسَ وأبْيضَّ فقد آن ارتحالُه، كما أن الزرْع إذا ابْيضَّ فقد آن حصادُهُ. وأَجَلُّ زهور الربيع الوردُ، ومتى كثُر فيه البياضُ فقد قرُبَ زمنُ انتقالِه. قال وهيب بن الوَرْد: إنَّ لله مَلَكًا يُنادِي في السَّماء كُلَّ يومٍ: أبناءَ الخمسين، زرْعٌ دَنَا حَصَادُه. وفي حديث مرفوعٍ: "إنَّ لِكُلِّ شيءٍ حصادًا، وحصادُ أمَّتي ما بينَ السِّتِّين إلى السَّبعين" (٣). قَدْ يَبْلُغُ الزَّرْعُ مُنْتَهاهُ … لا بُدَّ للزَّرْعِ مِن حَصَادِ وقد يدرك الزرعَ آفةٌ قبلَ بلوغ حصادِه فيهلِك، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (٤)، الآية. قال ميمون بن مهران لجلسائه: يا معْشرَ الشيوخ! ما يُنتظَرُ بالزَّرع إذا ابيضَّ؟ قالوا: الحصادَ، فنظر إلى الشباب، فقال: يا معشرَ الشباب! إنَّ الزَّرْع قد تدركه الآفةُ قبلَ أن يُسْتَحْصَدَ. وقال بعضُهم: أكثَرُ مَن يموتُ الشبابُ، وآيةُ ذلك أن الشيوخ في الناس قليل. أيا ابْنَ آدَمَ لا تغرُرْكَ عافيةٌ … عليكَ ضافيةٌ (٥) فالعمر معدودُ ما أنْتَ إلَّا كزرْعٍ عندَ خُضرتِه … بكُلِّ شيءٍ مِن الآفاتِ مَقْصُودُ فإنْ سَلِمْتَ مِن الآفاتِ أجمعِها … فأنْتَ عِنْدَ كمالِ الأَمْر مَحْصُودُ

стр. 533

كُلُّ ما في الدنيا فهو مذكِّر بالآخرة، ودليلٌ عليه؛ فنباتُ الأرض واخضِرارها في الربيع بعدَ مُحُولها (١) ويُبْسها في الشتاء، وإيناعُ الأشجار واخضِرارها (٢) بعد كونِها خشبًا يابسًا يدُلُّ على بعث الموتى من الأرض، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضعَ كثيرةٍ، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (٤). وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥). قال أبو رَزِين (٦) للنبي ﷺ : كَيْفَ يُحيي الله الموتى؟ وما آيةُ ذلك في خَلْقه؟ قال: "هل مررتَ بوادٍ أُهلك مَحْلًا، ثم مررت به يهتزُّ خَضِرًا"؟ قال: نعم. قال: "كذلك يُخرِجُ الله الموتى، وذلك آيته في خلْقه". خرَّجه الإِمام أحمد (٧). وقِصَرُ مدَّةِ الزَّرْع والثمار وعَوْدُ الأرض بعد ذلك إلى يُبْسها، والشجر إلى حالها الأول، كعودِ ابن آدم بعد كونه حيًّا إلى التراب الذي خُلق منه. وفصول السنة تذكِّر بالآخرة؛ فشِدَّةُ حرِّ الصيف يذكِّر بحرِّ جهنم، وهو من سمومها؛ وشدة برد الشتاء يذكِّر بزمهرير جهنَّم وهو من زمهريرها، والخريف يكمُلُ فيه اجْتناءُ [الثمرات التي تبقى وتُدَّخَر في البيوت، فهو مُنَبِّهٌ على اجتناءِ] (٨) ثمراتِ

стр. 534

الأعمال في الآخرة. وأمَّا الرَّبيع فهو أطيبُ فصولِ السَّنة، وهو يذكِّر بنعيم الجنة وطيب عيشها، فينبغي أن يحثَّ المؤمن على الاستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصَّالَحة. كان بعضُ السَّلف يخرج في أيام الرَّياحين والفواكه إلى السوق، فيقفُ وينظر ويعتبر، ويسألُ الله الجنَّةَ. وَمَرَّ سعيد بن جبير بشبابٍ من أبناء الملوك جُلوس في مجالسهم في زينتهم، فسلَّموا عليه، فلمَّا بَعُدَ عنهم بكى واشتدَّ بكاؤه، وقال: ذكَّرني (١) هؤلاء شبابَ أهل الجنَّة. تزوَّجَ صِلَةُ بن أَشْيَم (٢) بمُعاذَةَ العدويَّةِ، وكانا من كبار الصالحين، فأدخله ابنُ أخيه الحمّام، ثم أدخلَه على زوجته في بيت مطيَّبٍ منجَّدٍ، فقاما يصليان إلى الصباح، فسأله ابن أخيه عن حاله، فقال: أدخلْتنِي بالأمس بيتًا أذكرْتني به النَّارَ، يعني الحمّام، وأدخلْتني الليلةَ بيتًا أذكرْتني به الجنَّة، فلم يزلْ فكري في الجنة والنار إلى الصباح. دعا عبدُ الواحد بن زيد إخوانَه إلى طعامٍ صنعَه لهم، فقام على رؤوسهم عُتبةُ الغُلام يخدُمُهم وهو صائم، وهم يأكلون، فجعلَتْ عيناه تهملان. فسأله عبد الواحد عن سبب بكائه، فقال: ذكرْت موائدَ أهل الجنَّة إذا أكلوا وقام الولدانُ على رؤوسهم، إنما خُلِقت الدُّنيا مرآةً لننظر (٣) بها إلى الآخرة لا لننظر إليها ونُوقَفَ معها. كَفِى حَزَنًا أن لا أعاينَ بُقْعَةً … مِنَ الأرْض إلَّا ازْدَدْت شوقًا إليكُمُ وإنِّي متى ما طابَ لي خفْضُ عِيشةٍ … تذكرْتُ أيَّامًا مَضَتْ لي لَديكُم تدقيقُ النظر والفكر في حال النبات يَستدِلُّ به المؤمن على عظمةِ خالقِه وكمالِ قدرته ورحمته، فتزداد القلوبُ هَيَمانًا في محبَّته، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ

стр. 535

مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). زمانُ الربيع كلُّه واعظٌ يذكِّر بعظمةِ مُوجِدِه وكمالِ قُدْرتِه، ويُشوِّقُ إلى طِيب مجاورته في دار كرامته، كما قال ابن سَمْعُون (٢) في وصف الربيع: أرضُهُ حريرٌ، وأنفاسُهُ عبيرٌ، وأوقاتُه كلُّها وعظٌ وتذكير. وقال (٣) غيره: الأرضُ فيه زُمُرُّدَةٌ، والأشجار حُلَلٌ وَوَشْيٌ، والهواء مسْكٌ، والنَّسيم عبيرٌ (٤)، والماء راحٌ، والطير قِيانٌ (٥)، والكُلُّ دالٌّ على كمالِ الصَّانع، شاهدٌ له بالوحدانية. [أنشد بعضهم في زمان الربيع] (٦): يا قوْمَنا فَاحَ الرَّبيع … ولاحَ للأحباب نجدُ (٧) الزَّهْرُ مِسْك والرِّيا … ضُ أرِيضَةٌ والمَاءُ جَعْدُ (٨) والظِّلُّ منثورٌ وفي … جِيدِ الشقائق منه عِقْدُ هذا النَّسيمُ مُعَنْبَرٌ … وضَبَابُ هذا النَّوْءِ ندّ (٩) والغُصْنُ يرْقُصُ والغَديـ … ـرُ مصفِّق والوُرْقُ تشدُو والجوُّ بعضٌ منه يا … قُوتٌ وبَعْضٌ لازَوَرْدُ والكُلُّ يشْهَدُ أنَّ صا … نِعَهُ قدير وَهْوَ فَرْدُ وأنشد (١٠) آخر: الطَّلُّ في سلكِ الغُصون كلؤلؤٍ … رَطْبٍ يصافِحُه النَّسيمُ فيسقُطُ

стр. 536

والطَّيرُ يقرأ والغديرُ صحيفة … والرِّيح يكتبُ والغمامُ يُنَقِّطُ رُؤي بعضُ الشعراء المتقدِّمين في المنام بعد موته، فسُئل عن حاله، فقال: غُفِرَ لي بأبياتٍ قلتها في النَّرجس، وهي: تَفَكَّرْ في نباتِ الأَرْضِ وانْظُرْ … إلى آثارِ ما صَنَعَ المليكُ عيونٌ من لُجينٍ ناظِراتٌ … بأحداقٍ هِيَ الذَّهبُ السَّبيكُ على قُضُبِ (١) الزَّبَرْجَد شاهدات … بأنَّ الله ليس له شَريكُ سبحان مَن سبَّحت المخلوقاتُ بحمده، فملأ الأكوانَ (٢) تحميدُه، وأفصحت الكائنات بالشهادة بوحدانيته، فوَضَحَ توحيدُه، يُسبِّحه النباتُ جمعُه وفريدُه، والشَّجرُ عتيقُه وجديدُه، ويمجِّدُه رُهبان الأطيار (٣) في صوامع الأشجارِ، فيطرِبُ السَّامعَ تمجيدُه، كلَّما دَرَّسَ الهَزَارُ (٤) درس شكره فالبلبلُ بالحَمْدِ مُعِيدُه، وكلَّما أقام خطيبُ الحمام النَّوح على منابر الدَّوْحِ هيَّجَ المستهامَ نوحُهُ وتغريدُه، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٥). واعجبًا للمتقلِّب بين مشاهدة حِكَمه وتناولِ نعمه، ثم لا يشكر نِعمَه ولا يُبصِر حِكَمه، وأعجَبُ (٦) من ذلك أن يُعصَى المنعِمُ بِنِعَمِه، هذا عُودُ شجرِ الكَرْم يكونُ يابسًا طولَ الشتاء، ثم إذا جاء الرَّبيعُ دَبَّ فيه الماءُ واخضرّ، ثم يُخرِج الحِصْرِمَ فينتفعُ الناسُ به حامِضًا، ويتناولون منه طبخًا واعتصارًا، ثم ينقلِبُ حلوًا فينتفع الناس به حُلوًا رطْبًا ويابسًا، ويستخرجون منه ما ينتفعون بحلاوته طولَ العام، وما يأتدِمُون بحمْضه وهو نِعْمَ الإِدام. فهذه التنقُّلاتُ (٧) توجِبُ للعاقل الدَّهْشَ والتعجُّبَ مِن صُنع صانعه وقدرة خالقه، فينبغي له أن يُفرِّغ عقلَه للتفَكُّر في هذه النِّعَم والشكر عليها. وأمَّا

стр. 537

الجاهل فيأخذ العِنَبَ فيجعلُه خمرًا فيغطِّي به العَقْلَ الذي ينبغي أن يُستعمَلَ في الفكر (١) والشُّكر، حتى ينسَى خالِقَهُ المنعِمَ عليه بهذه النِّعم كلِّها، فلا يستطيع بعد السُّكْر أن يذكره ولا يشكره، بل ينسى مَن خلَقه ورَزَقه، فلا يعرِفُه في سُكْره بالكُلِّيَّة، وهذه نهاية كُفْران النِّعم (٢). فواعجبًا كيف يُعصَى الإِلهُ … أَمْ كَيْفَ يجحَدُهُ الجاحِدُ وللُه في كُلِّ تحريكةٍ … وتسكينةٍ أبدًا شاهِدُ (٣) وفي كُلِّ شيءٍ لَهُ آيةٌ … تَدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ ومن وجوه الاعتبار في النَّظر إلى الأرض التي أحياها الله بعدَ مَوْتها في فصل الربيع بما ساق إليها من قطر السماء، أنه يُرجَى من كَرَمِه أن يحيى القلوبَ الميّتة بالذنوب وطول الغَفْلة، بسماع الذِّكر النازل من السماء، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٤)، ففيه إشارة إلى أنَّ مَن قَدَرَ على إحياء الأرض بعد مَوْتها بوابل القَطْر، فهو قادر على إحياء القلوب الميتة القاسية بالذِّكر. عسى (٥) لمحة من لمحات عطفه، ونفحة من نفحات لطفه، وقد صَلَحَ من القلوب كل ما فسد، [فهو اللطيف الكريم] (٦). عَسَى فَرَجٌ يأتي بهِ اللهُ إنَّه … لَهُ كُلَّ يومٍ في خليقته أَمْرُ إذا اشْتَدَّ عُسْرٌ فارْجُ يُسرًا فإنَّه … قَضَى الله أنَّ العُسْرَ يتبعه اليُسْرُ (٧) عسى مَن أحيا الأرض الميتة بالقطر أن يُحيي القلوب الميتة بالذِّكر. عسى نفحةٌ من نَفَحاتِ رحمته تهب؛ فمن أصابته سعِدَ سعادةً لا يشقى بعدَها أبدًا.

стр. 538

إذا ما تجدَّدَ فَصْلُ الرَّبيعِ … تجدَّدَ للقلب فَضْلُ الرَّجاءِ عَسَى الحالُ يصلحُ بَعْدَ الذنوبِ … كما الأرضُ تهتزُّ بَعْدَ الشتاءِ ومن ذا الذي ليس يرجوك ربّ (١) .... وَرَبْعُ عطائِكَ رَحْبُ الفِنَاءِ * * * المجلس الثاني في ذكر فصل الصيف خرجَّا في "الصحيحين" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "اشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالت: يارَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لها بنَفَسَيْنِ؛ نَفَسٍ في الشِّتَاء، وَنَفَسٍ في الصيف، فأشَدَّ ما تجدون من الحَرِّ من سَمُوم جهنَّم، وأشَدُّ ما تجدون من البَرْدِ مِن زَمْهَرير جهنَّم". لا شكَّ أن الله تعالى خلق لعباده دارين يجزيهم فيهما بأعمالهم، مع البقاء في الدَّارين من غير موتٍ؛ وخَلَقَ دارًا معجَّلةٌ للأعمال وجَعَلَ فيها موتًا وحياةً، وابتلَى عبادَه فيها بما أمرَهم به ونهاهم عنه، وكلَّفهم فيها الإيمان بالغيب؛ ومنه الإيمانُ بالجزاء والدَّارين المخلُوقتين له، وأنزل بذلك الكتُبَ، وأرسَلَ به الرُّسُلَ، وأقامَ الأدِلَّةَ الواضِحَةَ على الغيب الذي أمر بالإيمان به، وأقام علاماتٍ وأماراتٍ تدُلُّ على وجود دارَي الجزاءِ؛ فإنَّ إحدى الدَّاريْن المخلوقتين للجزاءِ دارُ نَعيمٍ محضٍ لا يشُوبُه ألَمٌ، والأخرى دارُ عذابٍ محضٍ لا يشُوبُه راحَةٌ. وهذه الدار الفانية ممزوجةٌ بالنِّعيم والألم؛ فما فيها من النَّعيم يُذكِّر بنعيم الجنة، وما فيها من الألم يُذكِّرُ بألم النار، وجَعَلَ الله تعالى في هذه الدار أشياءَ كثيرةً تُذكِّرُ بدار الغيب المؤجَّلة الباقية.

стр. 539

فمنها: ما يُذكِّر بالجنَّة من زمانٍ ومكانٍ: أمَّا الأماكنُ فَخَلَقَ الله تعالى بعضَ البلدان؛ كالشام وغيرها، فيها من المطاعِم والمشارِب والملابِس وغيرِ ذلك من نعيم الدنيا ما يُذكِّر بنعيم الجنَّة. وأمَّا الأزمانُ فكزمن الرَّبيع؛ فإنَّه يذكِّر طيبُهُ بنعيم الجنَّة وطيبها، وكأوقات الأسحار؛ فإنَّ بَرْدَها يُذكِّر ببرد الجنة. وفي الحديث الذي خرَّجه الطبراني: "إنَّ الجنَّة تُفتَح في (١) كُلِّ ليلةٍ في السحر، فينظرُ الله إليها، فيقول لها: ازدادي طيبًا لأهلك، فتزدادُ طيبًا، فذلك بَرْدُ السَّحَر الذي يجده الناس". وروى سعيد الجُرَيريُّ (٢)، عن سعيد بن أبي الحسن (٣)، أن داود ﵇ قال: يا جبريلُ! أيِّ الليل أفضَلُ؟ قال: ما أدري، غيرَ أن العرش يهتزُّ إذا كان من (٤) السَّحَر، ألا ترى أنَّه يفوح ريحُ كُلِّ الشجر. ومنها: ما يُذكِّر بالنَّار؛ فإنَّ الله تعالى جَعَل في الدنيا أشياءَ كثيرةً تُذكِّرُ بالنَّار [المُعَدَّة لمن عصاه وبما فيها] (٥) من الآلام والعقوبات من أماكنَ وأزمانٍ وأجسامٍ وغيرِ ذلك. أمَّا الأماكنُ فكثيرٌ من البلدان مُفرِطَةُ الحَرِّ أو البَردِ، فبردُها يُذكِّرُ بزمْهَرير جهنَّم، وحرُّها يُذكِّرُ بحَرِّ جهنَّم وسَمومِها، وبعضُ البقاع يُذكِّرُ بالنار، كالحمَّام. قال أبو هريرة: نِعْمَ البيتُ الحمَّامُ يدخُلُه المؤمن فيُزيلُ به الدَّرَنَ ويستعيذُ بالله فيه من النَّار (٦). كان السَّلَفُ يذْكُرُون النَّار بدخول الحمَّام، فيُحْدِثُ ذلك لهم عبادَةً. دخَلَ ابنُ وَهْبٍ الحمَّامَ، فسمِعَ تاليًا يتلو: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ (٧)، فغُشِي عليه. وتزوَّجَ صِلَةُ بنُ أَشْيَم، فدخَلَ الحمَّامَ، ثم دخل على زوجته تلك الليلة، فقام يصلِّي حتى أصبَحَ، وقال: دخلْتُ بالأمس بيتًا أذكرني النَّارَ، ودخلْتُ الليلةَ بيتًا ذكرْتُ

стр. 540

به الجنَّة، فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت. كان بعضُ السَّلف إذا أصابه كرْبُ الحمَّامِ، يقول: يا بَرُّ يا رَحِيمُ! مُنَّ علينا وقِنا عذابَ السَّمُوم. صَبَّ بعضُ الصالحين على رأسه ماءً مِن الحمَّامِ فوجدَه (١) شديدَ الحَرِّ، فبَكَى، وقال: ذكرْتُ قولَه تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (٢). كل ما في الدنيا يدُلُّ على صانعِهِ، ويُذكِّرُ به، ويدُلُّ على صفاته؛ فما فيها مِن نعيمٍ وراحةٍ يَدُلُّ على كرمِ خالقِهِ وفضْلِهِ وإحسانِهِ وجودِهِ ولطفِهِ، وما فيها مِن نِقْمَةٍ وشدَّةٍ وعذابٍ يَدُلُّ على شِدَّةِ بأسه وبطشِهِ وقهرِهِ وانتقامِهِ. واختلافُ أحوال الدُّنيا من حَرٍّ وبَرْدٍ وليلٍ ونهارٍ وغيرِ ذلك يَدُلُّ على انقضائِها وزوالِها. قال الحسن: كانوا (٣) - يعني الصحابة - يقولون: الحمدُ للّه الرفيق الذي لو جعل هذا الخَلْقَ خلْقًا دائمًا لا يتصرف (٤)، لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رَبٌّ لحادَثَهُ وإن اللّه قد حادث بما ترون من الآيات، إنَّه جاء بضَوْءٍ طَبَّقَ ما بين الخافقين، وجعل فيها معاشًا وسراجًا وهَّاجًا، ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلْق وجاء بظُلمةٍ طبَّقَتْ ما بين الخافقين، وجعل فيها سَكَنًا ونجومًا وقمرًا منيرًا، وإذا شاء بَنَى بناءً جَعَلَ فيه المطرَ والبرق والرَّعْدَ والصَّواعِقَ ما شاء، وإذا شاء صرف ذلك الخلْقَ، وإذا شاء جاء ببردٍ يُقَرْقِفُ (٥) النَّاسَ، وإذا شاء ذهبَ بذلك وجاء بحَرٍّ يأخذ بأنفاس النَّاس؛ ليعلمَ الناسُ أن لهذا الخلق ربًّا هو يحادثه بما ترون من الآيات، كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة. وقال خليفة العبدي (٦): لو أن الله لم يُعْبَدْ إلَّا عن رؤيةٍ ما عبدَه أحدٌ، ولكنَّ المؤمنين تفكَّروا في مجيء هذا الليل إذا جاء فطبَّقَ كُلَّ شيءٍ، وملأ كُلَّ شيء، ومُحيَ سلطانُ النهار؛ وتفكَّروا في مجيء النَّهار إذا جاء، فملأ كُلَّ شيءٍ، وطبَّقَ كُلَّ شيءٍ؛ ومحي سلطان الليل؛ وتفكَّروا في ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٧)؛ وتفكَّروا في ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (٧)؛ وتفكَّروا في مجيء

стр. 541

الشتاء والصيف، فواللهِ ما زال المؤمنون يتفكَّرون فيما خلَقَ لهم ربُّهم حتى أيقنَتْ قلوُبهم، وحتى كأنَّما عبَدُوا الله عن رؤيته. [يذكِّرُنيك الحرُّ والبردُ، والذي أخاف وأرجو، والذي أتوقَّع] (١). ما رأى العارفون شيئًا من الدُّنيا إلَّا تذكروا به ما وعَدَ الله به من جنسِه في الآخرة [من كُلِّ خير وعافية] (٢). قلوبُ العارِفينَ لها عُيونٌ … تَرَى ما لا يَرَاهُ النَّاظرونا وأمَّا الأزمان فشدَّةُ الحَرِّ والبَرْد يذكِّر بما في جهنَّم من الحَرِّ والزمهرير، وقد دَلَّ هذا الحديثُ الصحيح (٣) على أنَّ ذلك من تنفس النار في ذلك الوقت. قال الحسن: كُلُّ برد أهلك شيئًا فهو من نَفَس جهنَّم، وكُلُّ حَرٍّ أهلك شيئًا فهو من نَفَس جهنَّم. وفي الحديث الصحيح (٤) أيضًا عن النبي ﷺ ، قال: "إذا اشْتدَّ الحَرُّ فأبْرِدوا بالصَّلاة (٥)، فإنَّ شِدَّة الحَرِّ من فَيْح جَهَنَّم". وفي حديث مرفوعٍ خرَّجه عثمان الدارِمِيُّ (٦) وغيرُه: "إذا كان يومٌ شديد الحَرِّ، فقال العبدُ: لا إله إلا الله، ما أشدَّ حَرَّ هذا اليوم! اللهم، أجرني من حَرِّ جهنَّم، قال الله لِجهنَّمَ: إنَّ عبدًا من عبادي قد استجار بي منكِ، وقد أجرْتُه. وإذا كان يومٌ شديدُ البرد، فقال العبد: لا إله إلا الله، ما أشدَّ برد هذا اليوم! اللهم، أجِرْني من زمهرير جهنَّم، قال الله لجهنَّم: إنَّ عبدًا مِن عبادي قد استجارَ بي من زمهريرك، واني أُشهِدُك أنِّي قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنَّم؟ قال: بيتٌ يُلقى فيه الكافِرُ فيتميَّزُ من شِدَّة بَرْدِه". أبوابُ النار مغلقة، وتُفتح أحيانًا؛ فتفتح أبوابها كلها عند الظهيرة، فلذلك يشتدُّ

стр. 542

الحَرُّ حينئذٍ فيكون في ذلك تذكرة بنار جهنَّم. وأمَّا الأجسام المشاهَدة في الدنيا المذكِّرة بالنَّار فكثيرة. منها: الشمسُ عند اشتداد حَرِّها، وقد رُوي أنَّها خُلِقت من النَّار وتعودُ إليها. وخرَّج الطبراني (١) بإسناده أن رجلًا في عهد النبي ﷺ نزَعَ ثيابَه، ثم تمرَّغ في الرَّمْضاء (٢) وهو يقول لنفسه: ذوقي، نارُ جهنَّم أشدُّ حرًّا؛ جيفةٌ بالليل، بطَّالٌ بالنَّهار. فرآه النبي ﷺ فقال: يا رسولَ اللّه، غلبتني نفسي، فقال النبي ﷺ : "لقد فُتِحت لَكَ أبوابُ السَّماء، وباهَىَ الله بكَ الملائكةَ": وأمَّا البروز للشمس تعبُّدًا بذلك (٣) فغيرُ مشروع؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لأبي إسرائيل (٤) لما رآه قائمًا في (٥) الشمس، فأمره أن يجلسَ ويستظل، وكان نَذَرَ أن يقومَ في الشمس مع الصَّوم، فأمره أن يتمَّ صومَه (٦) فقط. وإنما يشرع البروز للشمس للمحرِم، كما قال ابنُ عمر ﵄ لمحرمٍ رآه قد استظلَّ: "إضْحَ (٧) لِمَنْ أحْرَمْتَ له"، أي ابرُزْ إلى الضَّحَاء (٨)، وهو حَرُّ الشمس. كان بعضُهم إذا أحرَمَ لم يستظِلَّ، فقيل له: لو أخذْتَ بالرُّخصة؛ فأنشَدَ:

стр. 543

ضَحَيْتُ له كي أستظِلَّ بظِلِّه … إذا الظلُّ أَضْحَى في القيامة قالِصا فوا أسَفا إنْ كان سَعْيُكَ خائبًا … ووا أسَفا إن كان حظُّك ناقصا وممَّا يُؤمَر بالصَّبر فيه على حَرِّ الشمس النفيرُ (١) للجهاد في الصيف، كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٢). وكذلك في المشي إلى المساجد للجُمَعِ والجماعاتِ، وشهودِ الجنائزِ ونحوها من الطاعات، والجلوس في الشمس لانتظار ذلك، حيث لا يوجد ظِلٌّ. خرج رجلٌ من السلف إلى الجُمعة، فوجَدَ الناسَ قد سبقوه إلى الظِّلِّ، فقعد في الشمس، فناداه رجلٌ مِن الظِّلِّ أن يدخُلَ إليه، فأبَى أن يتخطَّى الناسَ لذلك، ثم تلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). كان بعضُهم إذا رجع من الجُمعة في حَرِّ الظهيرة يذكرُ (٤) انصرافَ النَّاس مِن موقف الحساب إلى الجنَّة أو النار؛ فإنَّ السَّاعة تقومُ يوم الجمعة، ولا ينتصِف (٥) ذلك النَّهار حتى يَقِيلَ أهلُ الجنَّة في الجنَّة، وأهلُ النَّار في النار؛ قاله ابنُ مسعود، وتلا قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (٦). وينبغي لمن كانَ في حَرِّ الشمس أن يتذكَّر حَرَّها في الموقف؛ فإنَّ الشمس تدنو من رؤوس العباد يوم القيامة ويُزاد في حَرِّها، وينبغي لمن لا يصْبرُ على حَرِّ الشمس في الدنيا أن يجتنبَ من الأعمال ما يَسْتَوجبُ صاحبه به دخولَ النار؛ فإنَّه لا قُوْةَ لأحدٍ عليها ولا صبْر. قال قتادة، وقد ذكر شرابَ أهلِ جهنَّم، وهو (٧) ما يسيلُ من صَديدِهم من (٨) الجلد واللحم، فقال: هل لكم بهذا يَدَانِ أم لكم عليه صبْرٌ؟ طاعةُ اللهِ أهونُ عليكم يا قوم، فأطِيعوا اللّهَ ورسولَه. نسيتَ لَظَى عندَ ارْتكابك (٩) للهوى … وأنتَ تَوَقَّى حَرَّ شمسِ الهواجِرِ

стр. 544

كأنَّكَ لم تدفِنْ حَميمًا ولم تَكُنْ … لَهُ في سِياقِ المَوْتِ يومًا بحاضِرِ رأى عمر بن عبد العزيز قومًا في جنازة قد (١) هربُوا من الشمس إلى الظِّلِّ، وتوقَّوا الغبارَ، فبكى، ثم أنشد: مَنْ كانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جبْهَته … أو الغُبارُ يخافُ الشَّيْنَ (٢) والشَّعثَا ويألفُ الظِّلَّ كي تَبْقَى (٣) بشاشتُهُ … فسوفَ يسكنُ يومًا راغمًا جَدَثا (٤) في ظِلِّ مُقْفِرةٍ غبْراءَ مُظْلِمَةٍ … يُطيلُ تحت الثرى في غَمِّها (٥) اللَّبثَا (٦) تجهَّزِي بجَهازٍ تبلُغينَ بهِ … يا نفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لم تُخْلَقي عَبَثا وممَّا يُضَاعَفُ ثوابُه في شدَّة الحَرِّ مِن الطَّاعات الصِّيامُ؛ لما فيه من ظمأ الهواجِر؛ ولهذا كان معاذ بن جَبَل يتأسَّف عند موته على ما يفوتُه من ظمأِ الهواجر، وكذلك غيرُه من السَّلف. ورُوي عن أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ أنه كان يصوم في الصّيف ويُفطِر في الشتاء. ووصَّى عمر ﵁ عند موته ابنَه عبدَ الله، فقال له: عليك بخصالِ الإيمان، وسمَّى أوَّلَها الصَّوم في شدَّة الحر في الصيف. قال القاسم بن محمد: كانت عائشة ﵂ تصوم في الحَرِّ الشديد. قيل له: ما حمَلَها على ذلك؟ قال: كانت تبادِرُ الموتَ. وكان مُجمِّع (٧) التيميُّ يصوم في الصيف حتى يسقُطَ. كانت بعضُ الصَّالحات تتوخَّى أشدَّ الأيام حَرًّا فتصومُه، فيقال لها في ذلك، فتقول: إنَّ السِّعر إذا رَخُصَ اشتراه كُلُّ أحدٍ؛ تشيرُ إلى أنها لا تؤثِرُ إلَّا العَمَلَ الذي لا يقدِرُ عليه إلَّا قليلٌ من الناس؛ لشدَّته عليهم. وهذا من عُلوَّ الهِمَّة. كان أبو موسى

стр. 545

الأشعري في سفينة، فسمعَ هاتفًا يهتِف: يا أهلَ المركب، قفوا، يقولُها ثلاثًا، فقال أبو موسى: يا هذا! كيف نقِفُ؟ أما (١) ترى ما نحن فيه، كيف نستطيع وقوفًا؟ فقال الهاتفُ: ألا أخبركم بقضاءٍ قضاهُ الله على نفسِه؟ قال: بلَى، أخبِرنا، قال: فإنَّ الله قضى على نفسه أنَّه من عطَّش نفسَه لله في يومٍ حارٍ؛ كان حقًّا على الله أن يرويَه يومَ القيامة. فكان أبو موسى يتوخَّى ذلك اليومَ الحارَّ الشديدَ الحَرِّ، الذي يكاد الإنسان ينسلِخُ منه، فيصومُه. قال كعب: إنَّ الله تعالى قال لموسى ﵇: إنِّي آليت على نفسي أنَّه مَن عطَّشَ نفسَه لي أن أرويَه يومَ القيامة. وقال غيرُه: مكتوبٌ في التوراة: طُوبَى لمن جَوَّع نفسَه ليوم الشبعِ الأكبر، طوبَى لمن عطَّش نفسَه ليوم الرِّيِّ الأكبر. قال الحسن: تقولُ الحوراء لوليِّ الله وهو متكئ معها على نهر الخمر في الجنَّة تعاطيه الكأسَ في أنعَمِ عيشةٍ: أتدري أيّ يومٍ زوجنيك الله؟ أَنَّه نَظَر إليك في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بينَ الطرفين، وأنتَ في ظمأِ هاجِرةٍ (٢) مِن جُهدِ العطش، فباهَى بك الملائكة، وقال: انظروا إلى عبدي، ترك زوجتَه ولذَّته وطعامَه وشرابَه من أجلي؛ رغبةً فيما عندي، اشْهَدُوا أنِّي قد غفرْتُ له؛ فغَفَرَ لك يومئذٍ وزوجنيك. لمَّا سار (٣) عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام كان معاوية يسأله أن يرفَعَ إليه حوائجه فيأبَى، فلمَّا أكثَرَ عليه، قال: حاجتي أن ترُدَّ عليَّ مِن حَرِّ البصرة، لعَلَّ الصَّومَ أن يشتدَّ عليَّ شيئًا؛ فإنَّه يَخِفُّ عليَّ في بلادكم. نزل الحَجَّاج في بعض أسفاره بماءٍ بين مكة والمدينة، فدعا بغدائه، ورأى أعرابيًا فدعاه إلى الغداء معه، فقال له: دعاني مَنْ هو خيرٌ منك فأجبته. قال: ومَن هو؟ قال: اللهُ تعالى، دعاني إلى الصيام فصُمت. قال: في هذا الحَرِّ الشديد؟ قال: نعم، صُمت ليومٍ هو (٤) أشدُّ منه حَرًّا. قال: فأفطِر وصُمْ غدًا، قال: إن ضَمِنْتَ لي البقاء إلى غدٍ، قال: ليس ذلك إليّ، قال: فكيف تسألني عاجلًا بآجلٍ لا تقدِرُ عليه. خرَجَ

стр. 546

ابنُ عمرَ في سفرٍ مَعَهُ أصحابُه، فوضعوا سُفْرةً لهم، فمرَّ بهم راعٍ فدعوه إلى أن يأكلَ معهم، قال: إنِّي صائم، فقال ابنُ عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حَرُّهُ وأنتَ بين هذه الشِّعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم!؟ فقال: أبادِرُ أيَّامي هذه الخالية. فعجِبَ منه ابنُ عمر، فقال له (١): هل لك أن تبيعنا شاةً من غنمك ونطعمكَ من لحمها ما تفطِر عليه، ونعطيك ثمنَها؟ قال: إنها ليست لي، إنَّها لمولاي. قال: فما عسيتَ أن يقولَ لك مولاك إن قلْتَ: أكلَها الذئب. فمضَى الرَّاعي وهو رافعٌ أصبعَهُ إلى السَّماء، وهو يقول: فأين الله! فلم يَزَلْ ابنُ عمر يردد كلمتَه هذه. فلمَّا قدِمَ المدينة بعث إلى سيد الراعي، فاشترى منه الراعيَ والغنم، فأعتَقَ الراعيَ ووهَبَ له الغَنَمَ. نزل رَوْح بن زِنْباعٍ (٢) منزلًا بين مكَّة والمدينة في حَرٍّ شديدٍ، فانقضَّ عليه راعٍ من جبلٍ، فقال له: يا راعي (٣)، هلُمَّ إلى الغداء، قال: إنِّي صائمٌ، قال: أفتصومُ في هذا الحَرِّ؟ قال: أفأدَعُ أيامي تذهَبُ باطلًا!؟ فقال روحٌ: لقد ضَنِنتَ بأيَّامِكَ يا راعي إذ جاد بها رَوْحُ بن زِنباعٍ. كان ابنُ عمر يصوم تطوُّعًا فيُغشَى عليه فلا يفطِرُ. وكان الإمام أحمد يصومُ حتى يكاد يُغمى عليه، فيمسَحُ على وجهه الماء. وسئل عمن يصومُ فيشتدُّ عليه الحَرُّ، قال: لا بأس أن يَبُلَّ ثوبًا يتبرَّدُ به، ويصبّ عليه الماء. "كان النبي ﷺ بالعَرْج يصُبُّ على رأسه الماء وهو صائمٌ". وكان أبو الدَّرداء يقولُ: صُوموا يومًا شديدًا حَرُّة لِحَرِّ يومِ النُّشورِ، وصَلُّوا ركعتين في ظلمة الليل لِظُلمة القبور. وفي "الصحيحين" (٤) عن أبي الدَّرداء ﵁، قال: "لقد رأيتُنا مع

стр. 547

رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في اليوم الحارِّ الشديد الحَرِّ، وإنَّ الرجُلَ ليضَعُ يدَهُ على رأسه من شِدَّة الحَرِّ، وما في القوم أَحدٌ صائم إلَّا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة". وفي روايةٍ: إنَّ ذلك كان في شهر رمضان. لمَّا صبَر الصَّائمون لله في الحَرِّ على شدَّة العطش والظمأِ، أفرَدَ لهم بابًا من أبواب الجنَّة، وهو باب الريَّان؛ من دخله شرِب، ومن شرِب لم يظمأْ بعدَها أبدًا، فإذا دخلوا أُغلِق على مَن بعدَهم فلا يدخلُ منه غيرُهم. وقد تحدُث أحيانًا حوادثُ غيرُ مُعتادةٍ تُذكِّرُ بالنَّار، كالصَّواعق، والرِّيح الحارَّة المحرقة للزرع، قال الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ (١). وقد روي أن الصَّواعق قِطعةٌ من نارٍ تطير مِن فِي المَلَكِ الَّذي يزجُرُ السَّحاب عند اشْتِدادِ غضَبه. وقال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ (٢) والإعصارُ الرِّيح الشديدةُ العاصِفُ التي فيها نارٌ، والصِّرُّ: الرِّيحُ الشَّديدة البَرْدِ. وقد عذَّبَ الله تعالى قومَ شعيبٍ بالظُّلَّةِ، ورُوي أنه أصابَهم حَرٌّ أخَذَ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت إلى الصحراء فأظلَّتْهم سحابةٌ فوَجَدوا لها بَرْدًا، فاجتمعوا تحتها كلُّهم، فأمطرَتْ عليهم نارًا فاحْترقوا كلُّهم (٣). فكل هذه العقوبات بسبب المعاصي، وهي من مقدمات عقوبات جهنم وأنموذجِها. ومما يدُلُّ على الجنَّة والنار أيضًا ما يُعجِّلُه الله في الدنيا لأهل طاعته وأهل معصيته؛ فإنَّ الله تعالى يُعجِّلُ لأوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيمِ الجنَّة ورَوحها ما يجدُونه ويشهدونه بقلُوبهم، ممَّا لا تحيط به عبارة، ولا تحصُره إشارة، حتى قال بعضهم: إنَّه لتمرُّ بي أوقاتٌ أقول: إنْ كان أهلُ الجنَّة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيشٍ طيبٍ. قال أبو سليمان: أهلُ الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم. وقال بعضُهم: الرضا بابُ الله الأعظمُ، وجنةُ الدنيا، ومُستراحُ العابدين. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٤). قال

стр. 548

الحسن: يرزُقه (١) طاعةً يجدُ لذتها في قلبه. أهلُ التقوى في نعيم حيث كانوا في الدنيا، وفي البَرْزَخ، وفي الآخرة. العيشُ عيشهُمُ والملكُ ملكهُمُ … ما النَّاسُ إلَّا هُمُ بانُوا أو اقتَرَبُوا وأمَّا أهلُ المعاصي والإعْراض (٢) عن الله، فإن الله يُعجِّلُ لهم في الدنيا من أنموذج عقوباتِ جهنم ما يُعرف أيضًا بالتجربة والذوق، فلا تسألْ عمَّا هُمْ فيه من ضيق الصَّدرِ وحَرجِهِ ونَكَدِه، وعمَّا يُعجَّلُ لهم من عقوبات المعاصي في الدنيا ولو بعدَ حين من زمن العصيان. وهذا من نفحات الجحيم المعجَّلة لهم، ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشدَّ من ذلك وأضيَقَ، ولذلك يضيق على أحدهم قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه، ويُفتح له بابٌ إلى النار، فيأتيه من سَمُومها، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٣). وورد في الحديث المرفوع تفسيرُها بعذاب القبر. ثم بعد ذلك يصيرون إلى جهنَّم وضِيقها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (٤). وممَّا يدُلُّ أيضًا في الدنيا على وجود النار [ويذكر بها] (٥) الحُمَّى التي تُصيبُ بني آدم، وهي نار باطنةٌ؛ فمنها نفحةٌ من نَفَحات سَموم جهنم، ومنها نفحة من نفحات زمهريرها. وقد روي في حديثٍ خرَّجه الإمام أحمد (٦) وابنُ ماجه أنها حظُّ المؤمن من النار. والمراد (٧) أن الحُمَّى تكفِّر ذنُوبَ المؤمن وتنقِّيه منها، كما ينقي الكيرُ خَبَثَ الحديد. وإذا طُهِّرَ المؤمنُ من ذنوبه في الدنيا، لم يجدْ حَرَّ النَّار إذا مرَّ عليها يومَ القيامة؛ لأنَّ وجدانَ الناس لحرِّها عندَ المرور عليها بحسب ذنوبهم؛ فمن طُهِّرَ من

стр. 549

الذُّنوب ونُقِّي منها في الدنيا، جازَ على الصِّراط كالبَرْق الخاطِف والرِّيح، ولم يجدْ شيئًا من حَرِّ النار، ولم يُحسَّ بها، تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمنُ، فقد أطفأ نورُكَ لهبي. وفي حديث جابرٍ المرفوع في "مسند" (١) الإمام أحمد أنهم يدخلونها فتكون عليهم بَرْدًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، حتى إنَّ للنار ضجيجًا مِن بَرْدهم. ومِن أعظم ما يُذكِّر بنار جهنَّم النَّارُ التي في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (٢)، يعني أن نار الدنيا جعلَها اللهُ تذكرةً تذكِّر بنار الآخرة (٣). مَرَّ ابنُ مسعودٍ بالحدَّادين وقد أخرجُوا حديدًا مِن النار، فوقف ينظر إليه ويبكي. وروي عنه أنَّه مَرَّ على الذين ينفُخُون الكِير فَسَقَطَ. وكان أويسٌ يقِفُ على الحدَّادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكيرَ، ويسمَعُ صوتَ النَّار، فيصرُخُ، ثم يسقُطُ. وكذلك الرَّبيع بن خُثَيم. وكان كثير من السَّلف يخرجون إلى الحدَّادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد، فيبكون ويتعوَّذون بالله من النَّار. ورأى عطاء السَّلِيمي امرأةً قد سجَرَت تنورَها، فغُشي عليه (٤). قال الحسن: كان عمر رُبَّما تُوقَدُ له النار، ثم يُدني يده منها، ثم يقول: يا ابنَ الخطاب! هل لك على هذا صبر؟ كان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضَعُ أُصْبعه فيه، ويقول: حَسِّ (٥)، ثم يُعاتب نفسه على ذنوبه. أجَّجَ بعضُ العبَّاد نارًا بين يديه وعاتَب نفسَه، فلم يزل يعاتبُها حتى مات. نارُ الدنيا جُزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنَّم، وغُسِلَت بالبحر مرتين حتى أشرقَتْ وخفَّ حرُّها، ولولا ذلك ما انتفع بها أهلُ الدنيا، وهي تدعو (٦) الله ألا

стр. 550

يعيدَها إليها. قال بعضُ السَّلف: لو أُخرِجَ أهلُ النار منها إلى نار الدنيا لقالُوا فيها ألفَيْ عام. يعني أنهم كانوا ينامون فيها ويرونها بَرْدًا. كان عمرُ يقول: أكثِروا ذِكْرَ النَّار؛ فإنَّ حرَّها شديد، وإنَّ قعرها بعيد، وإنَّ مقامِعَها (١) حديد. كان ابنُ عمر وغيرُه من السَّلف إذا شرِبوا ماءً باردًا بَكوا وذكروا أمنيَّةَ أهلِ النار وأنَّهم يشتَهون الماء البارِدَ، وقد حيلَ بينهم وبين ما يشتهون، ويقولون لأهل الجنة: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، فيقولون لهم: إنَّ الله قد حرمهما على الكافرين. والمصيبة العُظْمَى حين تطبُقُ النَّارُ على أهلها، وييأسون من الفَرَج، وهو الفزع الأكبر الذي يأمنه أهلُ الجنة ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٣). لو أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ أَهْلَ الشَّقَا … سِيقوا إلى النَّار وقَدْ أُحْرِقُوا شرابُهُمُ المُهْلُ في قَعْرِها … إذ خالَفُوا الرُّسْلَ وما صَدَّقُوا تقولُ أخراهُمْ لأولاهُمُ … في لُجج المُهْلِ وقد أُغْرِقوا قد كُنْتُمُ خُوِّفْتُمُ حَرَّها … لكن مِن النِّيران لم تَفْرُقُوا وَجِيء بالنِّيران مَذْمُومَةً … شَرَارُها مِنْ حَوْلها مُحْدِقُ وقيلَ للنِّيران أَنْ أَحْرِقي … وقيلَ للخُزَّان أن أَطْبقُوا * * * المجلس الثالث في ذكر فصل الشتاء خرَّج الإمام أحمد (٤) من حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "الشتاء رَبيعُ المؤمن". وخرَّجه البيهقي (٥) وغيرُه، وزاد فيه "طال ليلُه فقامَه، وقصُرَ نهارُه فصامَه". إنَّما كان الشتاء ربيعُ المؤمن لأنَّه يرتَعُ فيه في بساتينِ

стр. 551

الطاعات، ويسرَحُ في ميادين العبادات، وينزِّه قلبه في رياض الأعمال الميسَّرةِ فيه، كما ترتَعُ البهائمُ في مَرْعَى الرَّبيع، فتسمَنُ وتصلُح أجسادُها، فكذلك يصلُح دِين المؤمن في الشتاء بما يسَّر الله فيه من الطاعات؛ فإنَّ المؤمن يقدِرُ في الشتاء على صيام نهارِه من غير مشقَّة ولا كُلفةٍ تحصُلُ له؛ من جوع ولا عَطَشٍ؛ فإنَّ نهاره قصيرٌ باردٌ، فلا يُحِسُّ فيه بمشقَّةِ الصِّيام. وفي "المسند" و"الترمذي" (١) عن النبي ﷺ ، قال: "الصِّيامُ في الشِّتاء الغَنيمةُ البَارِدَة". وكان أبو هريرة ﵁، يقول: ألا أدُلُّكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصِّيامُ في الشتاء. ومعنى كونها غنيمةً باردةً أنها غنيمةٌ حَصَلَتْ بغير قتالٍ ولا تعَبٍ ولا مشقةٍ، فصاحبُها يحوز هذه الغنيمة عفوًا صفوًا بغير كلْفةٍ. وأمَّا قيامُ ليلِ الشتاء، فلطوله يمكن أن تأخُذَ النفسُ حظَّها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلِّي وِرْدَه كلَّه من القرآن وقد أخذت نفسُه حظَّها من النوم، فيجتمع له فيه نومُه المحتاج إليه مع إدراك وِرْدِه من القرآن، فيكمُل له مصلحةُ دينه وراحةُ بدنه. ومن كلام يحيى بن معاذ: الليلُ طويلٌ فلا تقصِّرْه بمنامك، والإسلامُ نَقِيٌّ فلا تدنِّسْه بآثامِك؛ بخلاف ليل الصيف؛ فإنه لقصره وحَرِّه يغلبُ النومُ فيه فلا تكاد تأخذُ النفسُ حظَّها بدون نومِه كَلِّه، فيحتاج القيامُ فيه إلى مجاهدةٍ، وقد لا يتمكَّن فيه لقِصَرِه من الفراغ من وِرْدِه من القرآن. ورُوِي عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: مرحبًا بالشتاء تنزِلُ فيه البَرَكَةُ، ويطُولُ فيه الليل للقيام، ويقصُر فيه النهار للصيام. ورُوي عنه مرفوعًا ولا يصحُّ رَفْعُه، وعن الحسن، قال: نِعْمَ زمانُ المؤمن الشتاءُ، ليلُهُ طويل يقومُه، ونهارُه قصير يصومه. وعن عُبيد بن عمير أنَّه كان إذا جاء الشتاء، قال: يا أهلَ القرآن! طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا (٢)، وقصُرَ النهارُ لصيامكم فصُومُوا.

стр. 552

قيامُ (١) ليلِ الشتاء يعدِلُ صيامَ نهارِ الصيف، ولهذا بكى معاذ ﵁ عند موته، وقال: إنما أبكي على ظمأِ الهواجرِ، وقيام ليلِ الشتاء (٢)، ومزاحمة العلماء بالرُّكَب عند حِلَقِ الذكر. وقال معْضَد (٣): لولا ثَلاث: ظمأُ الهواجِرِ، وقيامُ ليلِ الشتاء، ولذاذَةُ التهجُّد بكتاب الله، ما باليتُ أن أكونَ يَعْسُوبًا (٤). القيامُ في ليل الشتاء يشقُّ على النفوس من وجهين: أحدُهما: من جهة تألُّم النفس بالقيام من الفراش في شدَّة البرد؛ قال داود بن رُشَيد (٥): قام بعضُ إخواني إلى وِرْده بالليل في ليلة شديدة البرد، فكان عليه خُلْقان، فضربَه البَرْدُ فبكَى، فهتف به هاتِفٌ: أقمناك وأنمناهم، وتبكي علينا! خرَّجه أبو نُعيم (٦). والثاني: بما يحصُلُ بإسباغ الوضوء في شدَّة البَرْد من التألُّم، وإسباغُ الوضوءِ في شدَّة البَرْدِ من أفضَل الأعمال. وفي "صحيح مسلم" (٧) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "ألا أَدُلُّكُم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفعُ به الدَّرجات؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: إسباغُ الوُضوءِ على المكارِهِ، وكثرةُ الخُطَا إلى المساجد، وانتظارُ الصَّلاة بعدَ الصَّلاة، فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباط". وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه رأى ربَّه يعني في المنام - فقال له: يا محمد! فِيمَ يختصِمُ الملأُ الأعلى؟ قال: في الدرجات والكفَّارات. قال: والكفَّاراتُ إسباغُ الوُضُوء في الكريهاتِ، ونقلُ الأقدام إلى

стр. 553

الجُمُعاتِ - وفي رواية: "الجماعاتِ" - وانتظارُ الصَّلاة بعدَ الصلاة، مَنْ فعل ذلك عاش بخيرٍ ومات بخيرٍ، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمُّه. والدَّرجاتُ: إطعامُ الطعام، وإفشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بالليل والناسُ نيام؛ وذكَرَ الحديث. خرَّجه الإمام أحمد (١) والترمذي. وفي بعض الروايات: "إسباغُ الوُضوء في السَّبَرات". والسَّبْرة: شِدَّة البَرْد (٢). فإسباغ الوضوء في شِدَّة البَرْدِ من أعلى خِصال الإيمان. رَوَى ابنُ سعدٍ بإسناده: أن عُمَر ﵁ وصَّى ابنَه عبد الله عند موته، فقال له: يا بُني! عليك بخصالِ الإيمان. قال: وما هي؟ قال: الصَّومُ في شِدَّة الحَرِّ أيامَ الصيف، وقَتْلُ الأعداء بالسَّيف، والصَّبْرُ على المصيبة، وإسباغُ الوُضوء في اليوم الشاتي، وتعجيلُ الصَّلاة في يوم الغيم، وتركُ رَدْغَةِ الخَبَالِ. قال: فقال: وما رَدْغَةُ الخَبَالِ؟ قال: شُرْبُ الخَمْرِ. وروى الأوْزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثير (٣)، قال: ستٌّ مَن كُنَّ فيه فقد استكمَلَ الإيمانَ؟ قتالُ أعداءِ الله بالسيف، والصِّيامُ في الصَّيف، وإسباغُ الوُضُوء في اليوم الشاتي، والتبكيرُ بالصَّلاة في اليوم الغَيم، وتركُ الجدالِ والمِرَاءِ وأنتَ تعلم أنَّك صادِقٌ، والصَّبْرُ على المصيبة. وقد رُوي هذا مرفوعًا. خرَّجه محمَّد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة" له بإسنادٍ فيه ضعف، عن أبي سعيد الخدري (٤) ﵁: "سِتٌّ مَن كُنَّ فيه بَلَغَ حقيقةَ الإيمان: ضربُ أعداءِ الله بالسَّيف، وابتِدارُ الصلاة في اليوم الدَّجْن، وإسباغُ الوُضُوء عند المكاره، والصِّيام في الحرِّ،

стр. 554

وصبْرٌ عند المصائب، وتَرْكُ المِرَاءِ وأنتَ (١) صادق". وفي كتاب "الزهد" (٢) للإمام أحمد، عن عطاء بن يسار (٣) قال: قال موسى ﵇: ياربّ! من هم أهلُك الذين هم أهلُك، تُظِلُّهم في ظِلِّ عرشِكَ؟ قال: هم البرِيَّةُ أيديهم، الطاهِرةُ قلوبهم، الذين يتحابُّون لجلالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِروا بي (٤)، وإذا ذُكِرُوا ذُكِرْتُ بذِكْرِهم، الذين يُسْبِغُون الوُضُوءَ في المكاره، ويُنيبون إلى ذكري كما تنيبُ النُّسورُ إلى أوكارها، ويَكلَفُون بحبِّي كما يَكلَفُ الصَّبِيُّ بحبِّ الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استُحِلَّتْ كما يغضَبُ النَّمِرُ إذا حَرِبَ (٥). وقد رُوي عن داود بن رُشَيد، قال: قام (٦) رجل ليلةً باردةً ليتوضأ للصلاة، فأصاب الماءَ باردًا فبكَى، فنودِي: أما ترضَى أنَّا أنمناهم وأقمناك حتّى تبكي علينا؟. خرَّجه ابنُ السمعاني. معالجةُ الوُضُوء في جَوْف الليل للتهجُّد موجِبٌ لرضا الربِّ، ومباهاةِ الملائكةِ، ففي شِدَّة البرد يتأكَّد ذلك. ففي "المسند" (٧) و"صحيح ابن حبان" عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "رجلان من أمَّتي؛ يقوم أحدُهما من الليل فيعالج (٨) نفسَه إلى الطَّهُور وعليه عُقَدٌ، فيتوضأ، فإذا وضَّأَ يديه انحلَّتْ عقدَةٌ، وإذا وضَّأ وجْهَهُ انحلَّت عقدةٌ، وإذا مسَحَ رأسَه انحلَّت عقدَةٌ، وإذا وضَّأ رجليه انحلَّتْ عقدَةٌ؛ فيقولُ الرَّبُّ للذين (٩) وراء الحِجَاب: انظروا إلى عَبْدي هذا يُعَالجُ نفسَه، ما سألني عبدي هذا فهو لَهُ". وفي حديث عطية، عن أبي سعيدٍ، عن

стр. 555

النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله ليضحَكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ: رجل قام من جوف الليل فأحسَنَ الطَّهُورَ ثم صلَّى، ورجل (١) نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمةٍ على فرسٍ جوادٍ لو شاء أن يذهب لذهب" (٢). قال أبو سليمان الداراني: كنت ليلةً باردةً في المحراب، فأقلقني البَرْدُ، فخبَّأْتُ إحدى يديَّ من البرد، وبقِيَتِ الأخرى ممدودةً، فغلبَتْني عيني، فهَتَفَ بي هاتفٌ: يا أبا سليمان، قد وَضَعْنا في هذه ما أصابَها، ولو كانت الأخرى لوضَعْنا فيها. قال: قآليت على نفسي ألَّا أدعُوَ إلَّا ويَدَاي خارجتان؛ حَرًّا كان أو بَرْدًا (٣). قال مالك ﵀: كان صفوان بن سُليم يصلِّي - يعني بالليل - في الشتاء في السَّطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقَّظُ بالحَرِّ والبَرْدِ حتى يصبحَ، ثم يقول: هذا الجهدُ من صفوان، وأنتَ أعلمُ به؛ وإنه لَتَرِمُ رِجْلاه حتَّى يعودَ مِثلَ السِّقْطِ من قيام الليل، ثم يظهَرُ فيها (٤) عروقٌ خُضْرٌ. وكان صفوان وغيرُه من العُبَّاد يُصلَّون في الشتاء بالليل في ثوبٍ واحد، لِيمنعهم البَرْدُ من النوم. ومنهم من كان إذا نَعَسَ ألقَى نفسَه في الماء، ويقول: هذا أهوَنُ من صَديد جهنَّم. كان عطاء الخراساني ينادِي أصحابَه بالليل: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان! قوموا فتوضؤوا وصلُّوا؛ فقيامُ هذا الليل، وصيامُ هذا النهار أهوَنُ مِن شُربِ الصَّديد ومقطعاتِ الحديد غدًا في النار. الوَحَا الوَحَا (٥)، النَّجاءَ النجاءَ!. كان قوم من العبَّاد يبيتون في مسجدٍ، وكانوا يتهجَّدون بالليل، فاستيقَظَ واحدٌ منهم ليلةً فوجد إخوانه نيامًا؟ فسمعَ هاتفًا يهتِفُ من جانب المسجد:

стр. 556

أيا عَجَبًا للنَّاسِ مَنْ قَرَّتْ (١) عيونُهُمْ … مطاعِمَ غُمْضٍ بعدَها الموتُ منتَصِبْ وطولُ قيامِ الليل أيسَرُ مُؤْنَةً (٢) … وأهوَنُ مِن نَارٍ تَفُورُ وتلتهِبْ وفي الحديث الصحيح أن ابن عمر رأى في منامه كأنَّ آتيًا أتاهُ فانطلَقَ به إلى النار حتى رآها، ورأى فيها رجالًا يعرفهم (٣) معلَّقين بالسلاسل، فأتاه مَلَكٌ، فقال له: لم تُرَع (٤)، لستَ من أهلها. فقصَّ ذلك على أخته حفصةَ، فقصَّته حفصةُ على رسول الله ﷺ ، فقال: "نِعْمَ الرجلُ عبدُ الله لو كان يُصلِّي من الليل". فكان ابنُ عمر بعد ذلك لا ينام من الليل إلَّا قليلًا (٥). قال الحسن: أفضَلُ العبادة الصَّلاةُ في جَوْف الليل. وقال: هو أقربُ ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله . وقال: ما وجدْتُ في العبادة أشدَّ منها. ورُؤي سلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ في المنام، فقال: وجدْتُ أفضَلَ الأعمال قيامَ الليل، ما عندَهم أشرفُ منه. ورأى بعضُ السَّلف خِيامًا ضُربت، فسأل: لمن هي؟ فقيل: للمتهجِّدين بالقرآن، فكان بعد ذلك لا ينام. فما لي بعيدُ الدَّار لا أقرَبُ (٦) الحِمَى … وقد نُصِبَتْ للسَّاهرين (٧) خِيامُ علامةُ طَرْدِي طولُ ليليَ نائمٌ … وغَيري يَرَى أنَّ المنامَ حَرَامُ ومن الصالحين مَن كان يلطُفُ به في الحَرِّ والبَرْدِ، كما دعا النبي ﷺ لعليٍّ أن يُذهِبَ الله عنه الحَرَّ والبَرْدَ، فكان يلبَسُ في الشتاء ثيابَ الصيف، وفي الصيف ثيابَ الشتاء، ولا يجدُ حَرًّا ولا بَرْدًا (٨). وكان بعضُ التابعين يشتَدُّ عليه الطَّهور في الشتاء،

стр. 557

فدعا الله ، فكان يؤتى بالماء في الشتاء وله بخارٌ من حَرِّهِ. رأى أبو سليمان في طريق الحجِّ في شدِّة البَرْدِ شيخًا عليه خُلْقَان (١) وهو يرشَحُ عَرَقًا، فعجِبَ منه وسأله عن حاله، فقال: إنَّما الحَرُّ والبَرْدُ خَلْقان لله ؛ فإنْ أمَرَهما أن يغشياني أَصاباني، وإنْ أمَرَهما أن يتركاني تركاني، وقال: أنا في هذه البَرِّيَّةِ من ثلاثين سنة، يُلْبِسُني في البَرْد فَيْحًا من محبَّته، ويُلْبِسُني في الصيف بَرْدًا من محبَّته. وقيل لآخر وعليه خِرقتان في يَوْمِ بَرْدٍ شديدٍ: لو استترْتَ في موضعٍ يُكِنُّكَ مِن البَرْدِ. فأنشد: وَيَحْسُنُ ظنِّي أنَّني في فِنائِه … وَهَلْ أَحَدٌ في كِنِّهِ يَجِدُ البَرْدَا وأمَّا من يجد البَرْدَ، وهم عامة الخلق، فإنَّه يُشرَعُ لهم دفعُ أذاهُ بما يدفعُهُ مِن لباسٍ وغيرِه. وقد امتَنَّ الله على عباده بأن خلَقَ لهم من أَصوافِ بهيمةِ الأنعام وأوبارِها وأشعارها ما فيه دِفْءٌ لهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٣). روى ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن سُلَيم بن عامر، قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا حضر الشتاءُ تعاهَدَهُم وكتَبَ لهم بالوصِيَّة: إنَّ الشتاء قد حضَرَ وهو عدُوٌّ فتأهَّبُوا له أُهْبَتَهُ مِنَ الصَّوفِ والخِفَافِ والجوارِبِ، واتخِذُوا الصُّوفَ شعارًا ودِثارًا؛ فإنَّ البَرْدَ عدُوٌّ؛ سريعٌ دخولُه، بعيدٌ خروجُه. وإنما كان يَكتبُ بذلك عُمَرُ إلى أهل الشام لمَّا فُتحت في زمنه، فكان يخشَى على مَنْ بها من الصَّحابة وغيرهم مِمَّن لم يكن له عهد بالبَرْدِ أن يتأذَّى ببردِ الشامِ؛ وذلك من تمام نصيحته وحسْن نظرِه وشفقته وحياطتِه لرعيَّتِه ﵁. ورُوي عن كعبٍ، قال: أوحَى الله تعالى إلى داودَ ﵇: أن تأهَّبْ لعدُوٍّ قد أظلَّكَ. قال: يا ربّ، مَن عدُوِّي وليس بحضرتي عدُوٌّ؟ قال: بلى، الشِّتاءُ. وليس المأمور به أن يتَّقي البَرْدَ حتى لا يصيبَه منه شيء بالكُلِّيَّة؛ فإنَّ ذلك يَضُرُّ أيضًا. وقد

стр. 558

كان بعضُ الأمراء يصُونُ نفسَه من الحَرِّ والبَرْدِ بالكُليَّة حتى لا يُحِسَّ بهما بدَنُه، فَتَلِفَ باطنُه وتُعجِّل موتُه. فإن الله تعالى بحكمته جَعَلَ الحَرَّ والبَرْدَ في الدنيا لمصالح عِباده؛ فالحَرُّ لتحلُّلِ الأخلاط، والبَرْدُ لجمودِها؛ فمتَى لم يُصبِ الأبدانَ شيء من الحَرَّ والبَرْدِ تعجَّلَ فسادُها، ولكن المأمورُ به اتقاءُ ما يؤذِي البَدَنَ من ذلك، فإن الحَرَّ المؤذِي، والبرد المؤذي معدودان من جملة أعداء بني (١) آدم. قيل لأبي حازم الزاهد: إنك لتشدِّدُ، يعني في العبادة. فقال: وكيفَ لا أُشَدِّدُ وقد ترصَّد لي أربعةَ عَشَرَ عدُوًّا. قيل له: لكَ خاصَّةً؟ قال: بل لجميع من يعقِلُ. قيل له: وما هذه الأعداء؟ قال: أمَّا أربعةٌ فمؤمِنٌ يحسُدني، ومنافِقٌ يبغُضُني، وكافِرٌ يقاتِلُني، وشيطان يُغويني ويُضِلُّني. وأَمَّا العشرَةُ: فالجوعُ، والعطشُ، والحَرُّ، والبَرْدُ، والعُرْيُ، والمَرَضُ، والفاقَةُ، والهَرَمُ، والمَوْتُ، والنَّارُ؛ ولا أطيقُهُنَّ إلَّا بسلاحٍ تامٍّ، ولا أجِدُ لَهُنَّ سِلاحًا أفضَلَ مِن التقوَى. فَعَدَّ الحَرَّ والبَرْدَ من جملة أعدائه. وقال الأصمعي: كانت العربُ تُسمِّي الشتاءَ الفاضِحَ، فقيل لامرأة منهم: أيُّما أشَدُّ عليكم؛ القيظُ أم القُرُّ؟ قالت: سبحان الله! مَنْ جعل البؤس كالأذى؟ فجعلت الشتاءَ بؤسًا، والقيظَ أذىً. قال بعضُ السَّلف: إن الله تعالى وصَفَ الجنَّة بصفة الصَّيف لا بصفة الشتاء، فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ (٢). وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣] (٣)؛ فنفَى عنهم شِدَّة الحَر والبَرْدِ. قال قَتَادة: علِمَ الله أن شِدَّةَ الحَر تؤذِي، وشدَّةَ البَرْدِ تؤذِي؟ فوقاهم أذاهما جميعًا. قال أبو عمرو بن العلاء: إني لأبغُضُ الشتاءَ لنقص الفروضِ، وذهابِ الحقوقِ،

стр. 559

وزيادةِ الكُلْفةِ على الفقراء. وقد روي في حديثٍ مرفوعٍ: أن الملائكة تفرَحُ بذهاب الشتاء؛ لما يدخُلُ فيه على فقراء المؤمنين من الشِّدَّة. ولكن لا يصحُّ إسنادُه. ورُوي أيضًا مرفوعًا: "خيرُ صيفِكُم أشدُّهُ حرًّا، وخيرُ شتائكم أشدُّه بردًا، وإن الملائكة لتبكي في الشتاء رحمةً لبني آدم،. وإسنادُه أيضًا باطل. وقال بعضُ السلف: البَرْدُ عدُوُّ الدِّين. يشير إلى أنَّه يُفتِرُ عن كثيرٍ من الأعمال، ويُثبِّطُ عنها، فتكسَلُ النفوس بذلك. وقال بعضُهم: خُلِقَتِ القلوبُ من طينٍ؛ فهي تلين في الشتاء كما يَلين الطينُ فيه. قال الحسن: الشِّتاءُ ذَكَرٌ فيه اللّقاحُ، والصَّيفُ أنثى فيه النَّتَاجُ؛ يشيرُ إلى أن الصيف تُنتَجُ فيه المواشي والشجرُ. والصيفُ عند العرب هو الرَّبيع، وأمَّا الذي تسميه الناسُ الصيفَ فالعربُ يسمُّونه القيْظَ. ففي الشتاء تغور الحرارة إلى باطن الشجر فتنعقدُ موادُّ الثمر، فتظهر في الربيع مباديها، فتزهر الشجَرُ، ثم تورِقُ، ثم إذا ظهرت الثمارُ قوِي حَرُّ الشمس؛ لإنضاجها. الإيثارُ في الشتاء للفقراء (١) بما يدفع عنهم البَرْدَ له فَضْلٌ عظيمٌ؛ خَرَج صفوان بن سُليم في ليلةٍ باردةٍ بالمدينة من المسجد، فرأى رجلًا عاريًا، فنزع ثوبَهُ وكساه إياه، فرأى بعضُ أهلِ الشام في منامه أن صفوان بن سُلَيمٍ دخل الجنة بقميصٍ كساهُ، فقدِمَ المدينة، فقال: دلوني على صَفوانَ، فأتاه فقصَّ عليه ما رأى (٢). رأي مِسْعَرٌ (٣) أعرابيًا يتشرَّق (٤) في الشمس، وهو يقول: جاء الشتاءُ وليس عندِي دِرْهَمٌ … ولقد يُخصُّ بمثلِ ذاكَ المُسْلِمُ قد قطع النَّاس الجبابَ وغيرَها … وكأَنني بِفِناءِ مكة مُحرِمُ فنزع مِسْعَرٌ جبَّته فألبسَهُ إيَّاها.

стр. 560

رُفع إلى بعض الوزراء الصالحين أن امرأة معها أربعةُ أطفال أيتام وهم عراةٌ جياعٌ، فأمر رجلًا أن يمضيَ إليهم ويحمِلَ معه ما يُصلِحُهم من كسوةٍ وطعامٍ، ثم نزع ثيابَه وحلَفَ: لا لبستها ولا دفيت حتى تعودَ وتخبرني أنك كسوْتهم وأشبَعْتهم، فمضَى وعاد وأخبره أنهم اكتسوا وشبعوا وهو يُرعد من البرد، فلبسَ حينئذٍ ثيابَه، خرَّج الترمذي (١) من حديثِ أبي سعيد مرفوعًا: "من أطعم مؤمنًا على جوعٍ أطعَمَهُ الله يوم القيامة مِن ثمار الجنَّة، ومَن سَقَاهُ على ظمإٍ سقاهُ الله يوم (٢) القيامة من الرَّحيق المختوم، ومَن كَسَاهُ على عُرْيٍ كسَاهُ الله مِن خُضْر الجنة". وروى ابنُ أبي الدنيا (٣) بإسناده، عن ابن مسعودٍ، قال: "يُحشَرُ الناس يومَ القيامة أعْرَى ما كانوا قَطُّ، وأجوَعَ ما كانوا قطُّ، وأظمأَ ما كانوا قطُّ؛ فمن كَسا لله كساهُ الله، ومن أطعم لله أطعمَهُ الله، ومَنْ سَقَى لله سقَاهُ اللهُ، ومن عَفَا لله عَفَا (٤) الله عنه". ومِن فضائل الشتاء أنَّهُ يذكِّر بزمهرير جهنَّم، ويوجب الاستعاذةَ منها. وفي حديث أبى هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ ، قال: "إذا كان يومٌ شديدُ البرد، فإذا قال العَبْدُ: لا إله إلا الله، ما أشَدَّ بَرْدَ هذا اليوم! اللهم، أجِرْني من زمهرير جهنَّم، قال الله تعالى لجهنم: إن عبدًا من عبيدي (٥) استجار بي من زمهريركِ، وإنِّي أُشهِدُكِ أنِّي قد أجَرْته. قالوا: وما زمهريرُ جهنَّم؟ قال: بيت يُلقى فيه الكافر فيتميَّز من شِدَّة برده". قام زُبَيد الياميُّ ذاتَ ليلة للتهجُّد، فعمَدَ إلى مَطْهَرةٍ له كان يتوضأ منها، فغمَسَ يَدَهُ في المَطْهَرة، فوجد الماءَ باردًا شديدًا كاد أن يجمُدَ من شِدَّة برده؛ فذكر الزمهريرَ ويدُه في المَطْهَرة، فلم يُخرِجْها حتى أصبح. فجاءت جاريته وهو على تلك

стр. 561

الحال، فقالت: ما شأنُك يا سيدي؟ لم تصلّ (١) الليلة كما كنتَ تُصلِّي، وأنت قاعدٌ هنا على هذه الحالة؟ فقال: ويحكِ! إنِّي أَدخلْت يدي في هذه المَطْهَرة فاشتَدَّ عليَّ برْدُ الماء، فذكرْتُ به الزمهرير، فواللهِ ما شعرتُ بشدَّة برْدِه حتَّى وقفْتِ عليَّ، فانْظري، لا تُحدِّثي بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا. فما علِمَ بذلك أَحدٌ حتى مات ﵀. في الحديث الصحيح (٢) عن النبي ﷺ ، قال: "إن لجهنم نَفَسَين؛ نَفَسًا في الشتاء، ونَفَسًا في الصيف، فأشَدّ ما تجدون من البرْدِ من زَمهريرها، وأشَدّ ما تجدون مِن الحَرِّ من سَمُومها". وروي عن ابن عباس، قال: يستغيثُ أهلُ النار من الحَرِّ فيُغاثون بريحٍ باردةٍ يُصَدِّعُ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ. وعن مجاهدٍ، قال: يهربون إلى الزمهرير، فإذا وقَعُوا فيه حَطَّمَ عِظَامَهُم حتى يُسمَعَ لها نَقيضٌ. وعن كعْبٍ، قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزَّمهرير، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ جهنَّم. وعن عبد الملك بن عُميرٍ، قال: بلغني أن أهل النار سألوا خازِنَها أن يخرجَهُم إلى جانبها (٣)، فأُخْرِجوا فقتلهم البَرْدُ والزمهرير، حتى رجعوا إليها فدخلُوها ممَّا وجدوا (٤) من البَرْد، وقد قال الله : ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا﴾ (٥). وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (٦). قال ابنُ عباس: الغسَّاق: الزَّمْهرير البارِدُ الذي يُحرِقُ مِن بَرْدِه. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه مِن بردِه. وقيل: إنَّ الغسَّاقَ الباردُ المنتنُ؛ أجارنا اللهُ تعالى من جهنم بفضله وكرمه. يا مَن تتلى عليه أوصافُ جهنَّم، ويشاهِدُ تنفُّسَها كلَّ عامٍ حتى يُحسَّ به ويتألَّمَ وهو مصرٌّ على ما يقتضي دخولها، مع أنَّه يعلم، ستعلم إذا

стр. 562

جيء بها تُقاد بسبعين ألف زمامٍ مَن يندَمُ. ألكَ صبرٌ على سَعِيرها وَزَمهريرها؟ قلْ وتكلَّم، ما كان صلاحُك يُرجَى، والله أعلم. كم يكونُ الشتاءُ ثم المصِيفُ … وَرَبيعٌ يَمْضِي وَيأتي الخريفُ وارْتِحال من الحَرُورِ إلى البَرْ … دِ وَسَيْفُ الرَّدَى عليك مُنيفُ يا قلِيلَ المُقَامِ في هذه الدُّنيا … إلى كَمْ يَغُرُّك التَّسويفُ يا طالبَ الزَّائلِ حتَّى مَتَى … قلبُك بالزَّائل مشغُوفُ (١) عَجَبًا لامرئٍ يذِلُّ لذي الدُّنيا … ويكفِيه كُلَّ يومٍ رغيفُ * * * مجلس في ذكر التوبة والحثِّ عليها قبل الموت وختم العمر بها والتوبة وظيفة العمر وهي خاتمة مجالس الكتاب خرَّج الإِمام أحمد (٢) والترمذي وابنُ حِبان في "صحيحه" من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ الله يقبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِر". وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. دَلَّ هذا الحديثُ على قبول تَوبةِ الله لعبدِه ما دامَتْ روحُه في جَسَدِه لم تبلُغِ الحُلْقُومَ والتراقي. وقد دَلَّ القرآن على مثل ذلك أيضًا؛ قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣). وعَمَلُ السُّوء إذا (٤) أفرد دَخَلَ فيه جميعُ السَّيئاتِ؛ صغيرُها وكبيرُها. والمراد بالجهالة الإقدامُ على عمل السُّوء وإن علِمَ صاحبُه أنَّه سُوء؛ فإن كُلَّ مَن عَصَى الله فهو جاهلٌ، وكُلَّ مَن أطاعَه فهو عالم؛ وبيانُهُ من وجهين:

стр. 563

أحدهما: أنَّ من كان عالمًا بالله تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله فإنَّه يَهَابُه ويخشاهُ؛ فلا يقَعُ منه مع اسْتِحضار ذلك عصيانُه، كلما قال بعضهم: لو تفكَّر النَّاس في عظمة الله تعالى ما عصوه. وقال آخر: كَفَى بخشية الله علمًا، وكَفَى بالاغترار بالله جهلًا. والثاني: أنَّ مَن آثر المعصيةَ على الطَّاعة فإنَّما حَمَلَه على ذلك جهلُه وظنَّه أنَّها تنفَعُه عاجلًا باستعجال لذتها، وإن كان عندَهُ إيمانٌ فهو يرجو التخلُّص من سوء عاقبتها بالتوبة (١) في آخر عمره؛ وهذا جَهْلٌ مَحْضٌ؛ فإنه يتعجَّلُ الإِثم والخِزي، ويفوته عِزُّ التقوى وثوابُها ولَذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّن من التوبة بعد ذلك، وقد يعاجله الموت بغتةً، فهو كجائعٍ أَكَلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعِه الحاضِر، ورجا أن يتخلَّص مِن ضرره بشُرْب الدِّرياق (٢) بعدَه. وهذا لا يفعله إلَّا جاهلٌ، وقد قال تعالى في حقِّ الذين يؤثرون السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). والمراد: أنَّهم آثروا السحر على التقوى والإيمان؛ لما رجوا فيه من منافع الدنيا المعجلة، مع علمهم أنَّهم يفوتهم بذلك ثوابُ الآخرة، وهذا جهلٌ منهم؛ فإنهم لو علموا لآثروا الإيمان والتقوى على ما عَداهما، فكانوا يُحرزون أجر الآخرة ويأمنون عقابَها، ويتعجَّلون عِزَّ التقوى في الدنيا، وربما وصلوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خيرٍ منه وأنفعُ؛ فإن أكثَرَ ما يُطلبُ بالسَّحر قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عند الله . والمؤمن المتقي يُعوِّضُه الله في الدنيا خيرًا مما يطلبُه السَّاحِرُ ويؤثِرُه، مع تعجيله عِزَّ التَّقوى وشرفها، وثوابَ الآخرة وعلُوَّ درجاتها، فتبيَّن بهذا أن إيثار المعصية على

стр. 564

الطاعة إنما يحمِلُ عليه الجهلُ، فلذلك كان كُلُّ مَنْ عَصَى الله جاهلًا، وكُل مَنْ أطاعَه عالمًا. وكَفَى بخشية الله علمًا، وبالاغترار به جَهْلًا. وأمَّا التوبة من قريبٍ فالجمهور على أن المراد بها التوبةُ قَبْلَ الموت؛ فالعمر كله قريبٌ، والدنيا كلُّها قريبٌ. فمن تاب قبل الموت فقد تاب من قريبٍ، ومن مات ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كُلِّ البُعد، كما قيل: [يقولُون لا تَبْعَدْ وَهُم يَدْفِنُونني … وأينَ مكانُ البُعْد إلَّا مكانِيا وقال آخر: مِن قَبْل أن تلقِي وليـ … ـــس النأْيُ إلَّا نأيُ دارِك وكما قيل] (١): فهم جِيرةُ الأحياءِ أمَّا مَزَارُهُم (٢) … فَدَانٍ وأمَّا المُلْتَقَى فَبَعيدُ فالحيُّ قريبٌ، والميتُ بعيدٌ من الدنيا على قُربه منها؛ فإنَّ جسمه في الأرض يَبْلَى، ورُوحه عند الله تُنَعَّم أو تُعَذَّب، ولقاؤه لا يرجى في الدنيا، كما قيل: مقيمٌ إلى أن يبعَثَ الله خَلْقَهُ … لقاؤكَ لا يُرجَى وأنتَ قَريبُ تزيدُ بِلىً في كُلِّ يوم وليلةٍ … وتُنْسَى كما تُبْلَى وأنْتَ حَبيبُ وهذان البيتان سمِعهما داودُ الطائيُّ ﵀ من امرأةٍ في مقبرةٍ تَنْدُبُ بهما ميّتًا لها، فوقعتا من قلبه موقعًا، فاستيقظ بهما وَرَجَعَ زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، فانقطَعَ إلى العبادة إلى أن مات ﵀. فمن تابَ قبل أن يُغَرْغِر، فقد تاب من قريبٍ، فتقبَلُ توبَتُهُ. ورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (٣)، قال: قبل المرض والموت، وهذا إشارة إلى أن أفضل أوقاتِ التوبةِ، وهو أن يبادِرَ الإِنسانُ بالتوبة في صحته قبلَ نُزول المرض به حتَّى يتمكنَ حينئذٍ من العمل الصالح، ولذلك قَرَنَ الله تعالى التوبةَ بالعمل الصالح في مواضِعَ كثيرةٍ من القرآن. وأيضًا فالتوبةُ في الصحة ورجاءِ الحياة تُشبه الصَّدَقَةَ بالمال في الصِّحة ورجاءِ البقاء،

стр. 565

والتوبة في المرض عند حضور أمارات الموت تشبه الصَّدَقَةَ بالمال عند الموت، فكأنَّ مَن لا يتوبُ إلَّا في مرضه قد اسْتَفْرَغَ صِحَّتَهُ وقوَّتَه في شهواتِ نفسِه وهواه ولَذَّات دنياه، فإذا أيسَ من الدنيا والحياة فيها تابَ حينئذٍ وترك ما كان عليه، فأين توبةُ هذا من توبةِ مَن يتوبُ [من قريبٍ] (١) وهو صحيحٌ قويٌّ قادِرٌ على عمل المعاصي، فيتركها خوفًا من الله ، ورجاءً لثوابه، وإيثارًا لطاعته على معصيته. دخل قوم على بِشْر الحافي وهو مريضٌ، فقالوا له: على ماذا عَزَمْتَ؟ قال: عَزَمْتُ أني إذا عُوفِيتُ تُبْتُ. فقال له رجلٌ منهم: فهلَّا تُبْتَ السَّاعَةَ؟ فقال: يا أخي! أَمَا عَلِمْتَ أن الملوك لا تقبَلُ الأمانَ ممن في رجليه القيدُ، وفي رقبته الغِلُّ، إنَّما يُقبَلُ الأمانُ ممن هو راكب الفرس والسيفُ مجرَّدٌ بيده، فبكَى القومُ جميعًا. ومعنى هذا أن التائب في صحته بمنزلةِ مَن هو راكبٌ على متن جوادِه وبيدِه سيفٌ مشهور، فهو يقدِرُ على الكَرِّ والفَرِّ والقتالِ، وعلى الهرب مِن الملِكِ وعِصْيانِه، فإذا جاء على هذه الحال إلى بينَ يَدَي الملكِ ذليلًا له، طالبًا لأمانه، صار بذلك من خواصِّ الملِكِ وأحبابه؛ لأنَّه جاءَهُ طائعًا مختارًا له، راغبًا في قربه (٢) وخدمته. وأمَّا من هو في أسْرِ الملِك، وفي رِجْلِه قَيْدٌ، وفي رقبتِه غِلُّ، فإنَّه إذا طلب الأمان من الملك فإنَّما طلبه خوفًا على نفسه من الهلاك، وقد لا يكون محبًّا للملك ولا مؤثرًا لرضاه، فهذا مَثَلُ مَن لا يتوبُ إلَّا في مرضه عند موته، والأول بمنزلة مَن يتوبُ في صحَّتِه وقوَّتِه وشبيبته، لكن ملِكُ الملوكِ، أكرمُ الأكرمين، وأرحَمُ الرَّاحمين، وكُلُّ خلْقه أسيرٌ في قبضته، لا يُعْجِزُه (٣) منهم أحَدٌ؛ لا يُعْجِزُه هاربٌ، ولا يفوتُه ذاهِبٌ، كما قيل (٤): لا أَقْدَرُ مِمَّن طلبتُه (٥) في يدِهِ، ولا أَعْجَزُ مِمَّن هو في يد طالبِهِ، ومع هذا فكُلُّ مَنْ طلب الأمانَ من عذابه من عباده أَمِنَهُ على أي حالٍ كان، إذا علم منه الصِّدْق في طلبه. [أنشد بعض العارفين] (٦):
следующие страницы →