стр. 526
منه، بل تأخذ منه قليلًا قليلًا، ولا تَحْبَطُ بطونُها منه. فهذا مثل المؤمن المقتصِد من (١) الدنيا؛ يأخُذُ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها، قَدْرَ بُلْغَتِه وحاجتِه، ويجتزِئ من متاعِها بأدونِه وأخشنِه، ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلَّا إذا نفِدَ ما عندَه وخرجَت فضلاته، فلا يوجِبُ له هذا الأخْذُ ضَررًا ولا مَرَضًا ولا هلاكًا، بل يكون ذلك بلاغًا له، ويتبلَّغ به مُدَّة حياته، ويعينُه على التزوُّد لآخرته. وفي هذا إشارة إلى مدح مَن أخذ من حلال الدنيا بقدر بُلْغَتِه وقنعَ بذلك، كما قال ﷺ : "قد أَفْلَحَ مَن هَدَاهُ اللهُ إلى الإسلام، وكان عيشُه كفافًا فقنِعَ به" (٢). وقال ﷺ : "خيرُ الرِّزْقِ ما يكفي " (٣). وقال: "اللهم! اجْعَلْ رِزْقَ آلِ محمَّد قُوتًا" (٤).
خُذْ مِن الرِّزق ما كَفَى … وَمِنَ العَيْشِ ما صَفَا
كُلُّ هذا سينقضِي … كسِراجٍ إذا انْطَفا
ثم قال ﷺ : "إن هذا المال خَضِرة حُلْوةٌ" فأعاد مرةً ثانية تحذيرًا من الاغترار به، فخضرته بهجةُ منظرِه، وحلاوتُه طِيبُ طَعْمِه؛ فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه، ولكن لو فكرتْ في عواقبه لهربَت منه. الدنيا في الحال حُلوة خضِرةٌ، وفي المآل مُرَّةٌ كدِرَةٌ؛ نعمَتْ المرضِعَةُ، وبئست الفاطمةُ!