. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الصرف العدل والتعريف: أما العدل فعن اللفظ بأل فإنه كان الأصل أن يعرف بها، وأما التعريف فقيل بالعلمية؛ لأنه جعل علمًا لهذا الوقت وهذا ما صرح به في التسهيل. وقيل بشبه العلمية؛ لأنه تعرف بغير أداة ظاهرة كالعلم وهو اختيار ابن عصفور. وقوله هنا والتعريف يومئ إليه إذ لم يقل والعلمية. وذهب صدر الأفاضل وهو أبو الفتح ناصر بن أبي المكارم المطرزي إلى أنه مبني لتضمنه معنى حرف التعريف. قال في شرح الكافية: وما ذهب إليه بثلاثة أوجه: أحدها أن ما ادعاه ممكن وما ادعيناه ممكن لكن ما
ــ
بحمل السحر على أول الفجر لقربة منه أو حمل اليوم على ما يشمل ما قبل الفجر. قوله: "فعن اللفظ بأل" أي: عن لفظ سحر المقرون بأل أي: العهدية كما في الدماميني؛ وذلك لأنه اسم جنس أريد به معين كرجل إذا أريد به معين فحقه أن يكون مع الإضافة أو أل لكنهم عدلوا عن قرنه بأل إلى جعله علمًا على هذا الوقت. فإن قلت كما يجوز أن يكون معدولًا عن ذي أل يجوز أن يكون معدولًا عن المضاف فلم حكمتم بأنه معدول عن ذي اللام دون المضاف؟ فالجواب أن التعريف بأل أخصر من التعريف الإضافي والضرورة داعية إلى اعتبار التعريف ومعها إنا يرتكب قدر الحاجة فلهذا لم يقل الشارح أو الإضافة مع أنه المطابق لقوله سابقًا, فالأصل أن يعرف بأل أو الإضافة. واعلم أن عدل سحر تحقيقي لا تقديري لما عرفت من أنه يدل عليه دليل غير منع الصرف وهو أنه اسم جنس أريد به معين فحقه أن يعرف بأل بخلاف التقديري فإنه لا دليل عليه إلا منع الصرف وليس المراد بالتحقيق ما نطقوا بأصله.
قوله: "بالعلمية" قال الحفيد أي: الشخصية ا. هـ. قال سم ويلزم عليه تعدد الأوضاع بتعدد الأسحار المعينة أي: والأصل عدم تعدد الوضع فالأقرب جعله علم جنس.
قوله: "وهذا ما صرح به في التسهيل" استشكله أبو حيان بأن المعدول له يشتمل على معنى المعدول عنه كاشتمال مثنى وفسق على معنى اثنين اثنين وفاسق وكيف يشتمل سحر على معنى السحر ويكون علمًا مع أن تعريف العلمية لا يجامع تعريف اللام فلا يجامع علمية سحر اشتماله على معنى السحر. همع باختصار. قوله: "إلى أنه مبنى" هذا ثاني أربعة أقوال فيه ذكرها الفارضي ثالثها أنه معرب منصرف وسينقله الشارح عن السهيلي والشلوبين الصغير. رابعها أنه لا معرب ولا مبني وهي مفروضة في سحر المراد به معين المجعول ظرفًا فإن نكر صرف وإن أريد به معين ولم يجعل ظرفًا قرن بأل أو أضيف وجوبًا كما صرح به الدماميني. قوله: "لتضمنه معنى حرف التعريف" الفرق بين العدل والتضمين أن العدل تغيير صيغة اللفظ مع بقاء معناه الأصلي والتضمين إشراب اللفظ معنى زائدًا على أصل معناه من غير تغييره عن صيغته الأصلية فسحر المذكور عند الجمهور مغير عن لفظ السحر من غير تغيير لمعناه وعند صدر الأفاضل وارد على صيغته الأصلية مع إشرابه معنى زائدًا على أصل معناه وهو التعيين أفاده في التصريح فالتغيير على العدل في اللفظ دون المعنى وعلى التضمين بالعكس.
قوله: "ما ادعاه" أي: من البناء وتضمن معنى حرف التعريف فالمصنف إنما سلم إمكان
стр. 1297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ادعيناه أولى؛ لأنه خروج عن الأصل بوجه دون وجه؛ لأن الممنوع الصرف باق على الإعراب، بخلاف ما ادعاه فإنه خروج عن الأصل بكل وجه. الثاني أنه لو كان مبنيا لكان غير الفتح أولى به؛ لأنه في موضع نصب فيجب اجتناب الفتحة؛ لئلا يتوهم الإعراب كما اجتنبت في قبل وبعد والمنادى المبني. الثالث أنه لو كان مبنيا لكان جائز الإعراب جواز إعراب حين في قوله:
١٠٣٤- عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيب عَلَى الصِّبا
لتساويهما في ضعف سبب البناء بكونه عارضًا، وكان يكون علامة إعرابه تنوينه في بعض المواضع، وفي عدم ذلك دليل على عدم البناء وأن فتحته إعرابية، وأن عدم التنوين
ــ
التضمن الذي علل به صدر الأفاضل البناء لا وجوده وإنما لم يحكم بعدمه؛ لأن ما سلكه أسلم له فسقط ما نقله البعض عن البهوتي وأقره من الاعتراض. قوله: "لأنه خروج عن الأصل بوجه إلخ" إيضاحه أن أصل الاسم الإعراب والانصراف فالمنع من الصرف عدول عن وجه والبناء عدول عن وجهين معًا. قوله: "لكان غير الفتح إلخ" قد ينقض باسم لا التبرئة المبني؛ لأن بناءه على الفتح مع أنه في موضع نصب فلعل كلامه باعتبار الغالب. قوله: "فيجب اجتناب الفتحة" أي: يتأكد ليوافق قوله قبل لكان غير الفتح أولى به. قوله: "جائز الإعراب" جوازًا وقوعيا كما يؤخذ من بقية كلامه. قوله قبل لكان غير الفتح أولى به. قوله: "جائز الإعراب" جوازًا وقوعيا كما يؤخذ من بقية كلامه. قوله: "جواز إعراب حين" أي: إذا أضيف إلى جملة واللازم باطل عند صدر الأفاضل؛ لأنه مبني عنده مطلقًا زكريا.
قوله: "في ضعف إلخ" وفي كون كل منهما ظرفًا زمانيا. قوله: "بكونه عارضًا" اعترضه البعض بأن الفرق بين سحر وحين ظاهر؛ لأن سبب بناء حين إضافته لمبنى وهي مجوز للبناء لا موجبة وسبب بناء سحر تضمنه معنى الحرف وهو موجب لا مجوز كما لا يخفى أي: ومجرد اشتراكهما في عروض البناء لا يقتضي جواز البناء فقد يكون البناء العارض واجبًا كبناء المنادى واسم لا. قوله: "وكان يكون إلخ" عطف على لكان جائز الإعراب. قوله: "وفي عدم ذلك" أي: التنوين دليل على عدم البناء؛ لأن انتفاء اللازم وهو جواز الإعراب مع التنوين يوجب انتفاء الملزوم
стр. 1298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنما كان من أجل منع الصرف فلو نكر سحب وجب التصرف والانصراف كقوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ، نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر: ٣٤] ا. هـ. وذهب السهيلي إلى أنه معرب وإنما حذف تنوينه لنية الإضافة. وذهب الشلوبين الصغير إلى أنه معرب، وإنما حذف تنوينه لنية أل، وعلى هذين القولين فهو من قبيل المنصرف، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
تنبيه: نظير سحر في امتناعه من الصرف أمس عند بني تميم فإن منهم من يعربه في الرفع غير منصرف ويبنيه على الكسر في النصب والجر، ومنهم من يعربه إعراب ما لا ينصرف في الأحوال الثلاث خلافًا لمن أنكر ذلك، وغير بني تميم يبنونه على الكسر. وحكى ابن أبي الربيع أن بني تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف إذا رفع أو جر بمد أو منذ فقط. وزعم الزجاج أن من العرب من يبنيه على الفتح، واستشهد بقول الراجز:
١٠٣٥- إني رأيتُ عَجبًا مُذْ أمْسَا
قال في شرح التسهيل: ومدعاه غير صحيح لامتناع الفتح في موضع الرفع، ولأن
ــ
وهو البناء فثبت وجوب الإعراب مع عدم الصرف. قوله: "فلو نكر سحر" هذا مقابل قوله: إذا أريد به سحر يوم بعينه, واعلم أن هذا من تتمة كلام المصنف في شرح الكافية فلا يعترض بأن الأولى تأخيره عن جملة الأقوال في سحر المعرفة. قوله: "إلى أنه معرب" أي: ومنصرف كما يؤخذ من قوله: وإنما حذف تنوينه إلخ والخلاف بين السهيلي والشلوبين إنما هو في علة حذف التنوين كما هو ظاهر في سياقه. قوله: "نظير سحر في امتناعه من الصرف أمس إلخ" مثل ذلك أيضًا رجب وصفر فإن كلا منهما علم جنس على الشهر المخصوص ومعدول عن ذي أل. قوله: "من يعربه في
الرفع إلخ" قال البعض: انظر ما وجه التفرقة بين حالة الرفع وغيرها ا. هـ. وأقول قد توجه بأن الرفع شأن العمد فلم يخرج فيه عن الأصل في الأسماء بالكلية بخلاف النصب والجر فإنهما شأن الفضلات فيقبلان الخروج عن الأصل بالكلية فاعرفه. قوله: "ويبنيه على الكسر" أي: لما يأتي قريبًا. قوله: "يبنونه على الكسر" أي: بالشروط الخمسة المأخوذة من قوله فيما يأتي, ولا خلاف في إعراب أمس وهي أن لا يكسر ولا يصغر ولا ينكر ولا يضاف ولا يحلى بأل وإنما بني لتضمنه معنى حرف التعريف وعلى حركة للتخلص من التقاء الساكنين وكانت كسرة؛ لأنها الأصل في التخلص.
قوله: "إذا رفع أو جر بمذ أو منذ فقط" أي: ويبنونه على الكسر في غير ذلك, ولعل وجه تخصيص مذ ومنذ كثرة جر أمس بهما. قوله: "لامتناع الفتح في وضع الرفع" قال البعض: أي
стр. 1299
ابْنِ عَلَى الكَسْرِ فَعَالِ عَلَما ... مُؤنَّثًا وهو نَظيرُ جُشَما
ــ
سيبويه استشهد بالرجز على أن الفتح في أمسا فتح إعراب، وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه، فقد غلط فيما ذهب إليه واستحق أن لا يعول عليه ا. هـ. ويدل للإعراب قوله:
١٠٣٦- اعْتَصِمْ بالرّجاءِ إنْ عَنَّ بَأسٌ ... وتَناسَ الذي تَضَمَّنَ أمْسُ
وأجاز الخليل في لقيته أمس أن يكون التقدير بالأمس، فحذف الباء وأل، فتكون الكسرة كسرة إعراب. قال في شرح الكافية: ولا خلاف في إعراب أمس إذا أضيف، أو لفظ معه بالألف واللام، أو نكر، أو صغر، أو كسر "وابن على الكسر فعال علما مؤنثًا"
ــ
لعدم وجدان الفتح في لسانهم في موضع الرفع فقالوا: مضى أمس بالرفع ولم يفتحوه ولو كان مبنيا على الفتح في الأحوال كلها أي: عند بعض العرب لسمع مضى أمس بالفتح ا. هـ. وفيه تصريح بأن منقول الزجاج البناء على الفتح في كل الأحوال وحينئذ يتم التعليل أما إن كان منقوله البناء على الفتح في الجر فقط فلا. قوله: "ولأن سيبويه استشهد بالرجز إلخ" هذا التعليل غير ناهض إذ لا ضرر في تخريج إنسان بيتًا على خلاف تخريج من نقل هذا البيت عن العرب فتدبر. قوله: "فتح إعراب" أي: نائب عن الكسر كما هو شأن الممنوع من الصرف وزعم بعضهم أن أسسًا فيه فعل فعل ماض فاعله ضمير مستتر أي: أمسى هو أي: المساء. قوله "وأبو القاسم" أي: الزجاج. قوله: "ويدل للإعراب إلخ" إن كان مقصوده الرد بذلك على الزجاج لم يتم لأن الزجاج لم يدع البناء على الفتح عند جميع العرب بل البناء على الفتح عند بعضهم فيجوز أن يكون قائل البيت من غير هذا البعض فافهم. قوله: "اعتصم" أي: تمسك وعن ظهر. قوله: "ولا خلاف إلخ" نظ فيه بعضهم بأن من العرب من يستصحب البناء مع أل كقوله:
وإني وقفت اليوم والأمس قبله ... ببابك حتى كادت الشمس تغرب
بكسر سين الأمس وهو في موضع نصب عطفًا على اليوم وخرج على أن أل زائدة لغير تعريف واستصحب معنى المعرفة فاستديم البناء أو أنها المعرفة وجر على إضمار الباء فالكسر إعراب لا بناء. قوله: "أو نكر" أي: أريد به يوم من الأيام الماضية مبهم كما في التوضيح بقي ما إذا أريد به معين من الأيام الماضية غير اليوم الذي يليه يومك كأن يراد به اليوم الذي يلييه أول الشهر الماضي ولا يبعد أن يكون حكمه حكم ما لو أريد به اليوم الذي يليه يومك ويكون التقييد باليوم الذي يليه يومك لأن الغالب في إرادة المعنى ا. هـ. سم وربما يشير إلى ذلك قولن التوضيح سهم فما يتبادر من كلام البعض من أن حكم هذا حكم المنكر غير صحيح. قوله: "أو صغر" أي: على مذهب من يجيز تصغيره كالمبرد وابن برهان ونص سيبويه على أنه لا يصغر وكذا غد استغناء بتصغير ما هو أشد تمكنًا وهو اليوم والليلة قاله أبو حيان. قوله: "أو كسر" أي: جمع جمع
стр. 1300
عندَ تَميمِ واصْرِفَنْ ما نُكِّرا ... منْ كلِّ ما التعريفُ فيه أثَّرا
ــ
أي: مطلقًا في لغة الحجازيين لشبهه بنزال وزنا وتعريفًا وتأنيثًا وعدلًا. وقيل لتضمنه معنى هاء التأنيث. قال الربعي. وقيل لتوالي العلل وليس بعد منع الصرف إلا البناء. قاله المبرد، والأول هو المشهور: تقول هذه حذام ووبار، ورأيت حذام ووبار، ومررت بحذام ووبار، ومنه قوله:
١٠٣٧- إذا قالتْ حَذامِ فَصَدِّقُوها ... فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذامِ
"وهو نظير جشما" وعمر وزفر "عند تميم" أي: ممنوع الصرف للعلمية والعدل عن فاعلة، وهذا رأى سيبيويه. وقال المراد: للعلمية والتأنيث المعنوي كزينب، وهو أقوى على ما لا يخفى. وهذا فيما ليس آخره راء: فأما نحو: وبار وظفار وسفار فأكثرهم يبنيه على
ــ
تكسير على آمس كأفلس وأموس كفلوس وآماس كأوقات فعلم ما في قول البعض بأن قيل أموس من القصور.
قوله: "مطلقًا" أي: سواء ختم براء أو لا. والحاصل أن فيه ثلاث لغات بناءه على الكسر مطلقًا وإعرابه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا والتفصيل بين ما آخره راء فيبنى وما لا فيمنع من الصرف. قوله: "لشبهه بنزال" علة لابن ولا ينافي ما سبق من حصر سبب البناء في شبه الحرف؛ لأن الشبه بالحرف صادق بالشبه بلا واسطة وبها كما هنا؛ لأن نزال تشبه الحرف, وقوله: وتعريفًا لما مر من أن اسم الفعل الغير المنون معرفة وقوله: وتأنيثًا لعله في نزال باعتبار أنه اسم لكلمة انزل وهو جار على مذهب المبرد أن نزال بمعنى النزلة وعبارة الهمع لشبهه بفعال الواقع موقع الأمر كنزال في الوزن والعدل والتعريف فأسقط التأنيث. قوله: "لتضمنه معنى هاء التأنيث" أي: التي في المعدول عنه. قوله: "لتوالي العلل" أي: العلمية والتأنيث والعدل ورد بأن أذربيجان فيه خمسة أسباب وهو مع ذلك معرب ا. هـ. حفيد ويجاب بأنهم نبهوا بإعرابه على أن اجتماع الأسباب مجوز للبناء لا موجب سم والخمسة هي العلمية والعجمة وزيادة الألف والنون والتأنيث؛ لأنه علم بلدة والتركيب. قوله: "حذام" معدول عن حاذمة من الحذم وهو القطع, ومن هذا الباب صلاح اسمًا لمكة وسكاب اسمًا لفرس.
قوله: "جشما" معدول عن جاشم أي: عظيم كما في سم. قوله: "وهذا رأي: سيبويه" وهو مقتضى قول المصنف وهو نظير جشما. قوله: "وهو أقوى على ما لا يخفى" أي: لأن التأنيث متحقق فلا حاجة إلى تقدير العدل لأنه إنما يقدر إذا لم يتحقق غيره وأجاب الدماميني بأن الغالب
стр. 1301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكسر كأهل الحجاز؛ لأن لغتهم الإمالة، فإذا كسروا توصلوا إليها، ولو منعوه الصرف لامتنعت. وقد جمع الأعشى بين اللغتين في قوله:
١٠٣٨- ومَرَّ دهْرٌ عَلى وَبارِ ... فَهَلَكَتْ جَهْرةً وَبارُ
تنبيهات: الأول أفهم قوله مؤنثًا أن حذام وبابه لو سمي به مذكر لم يبن، وهو كذلك، بل يكون معربًا ممنوعًا من الصرف للعلمية والنقل عن مؤنث كغيره، ويجوز صرفه
ــ
على الأعلام النقل فلذا جعلها سيبويه منقولة عن فاعلة المنقولة عن الصفة كما تقدم في عمر، وعلى مذهب المبرد تكون مرتجلة وأجيب بغير ذللك أيضًا كما ذكره شيخنا. قوله: "نحو: وبار" اسم لأرض كانت لعاد وظفار اسم مدينة وسفار اسم ماء وكل معدول عن فاعلة وقولنا سفار اسم ماء تبعنا فيه التوضيح قال شارحه من مياه العرب ملحوظ فيه معنى التأنيئث؛ ولهذا قال سيبويه: اسم لماءة وقال الجوهري: اسم لبئر وهو المناسب؛ لأن الكلام في أعلام المؤنث والماء مذكر ا. هـ.
قوله: "لأن لغتهم الإمالة" أي: لغة جميعهم كما صرحوا به واعترض بأن التوصل للإمالة ليس من أسباب البناء ولو سلم فمقتضى إمالة جميعهم إن جميعهم يبنون على الكسر لا أكثرهم فقط, ويدفع بأن سبب البناء ليس التوصل للإمالة بل الشبه بنزال على ما تقدم لكن أكثرهم اعتبر هذا الشبه لتقويه بترتب الإمالة التي هي لغتهم عليه وبعضهم لم يعتبره لكونه لا يقتضي البناء عنده, ولم يعتبر ترتب الإمالة عليه لكونه لا يجنح إلى الإمالة إلا عند تحقق مقتضى الكسر فاعرف ذلك. قوله: "وقد جمع الأعشى إلخ" أي: حيث كسر الأول بلا تنوين كما في الفارضي ورفع الثاني بالضمة, قال الدنوشري: فيه إشكال؛ لأن الأعشى إن كان غير تميمي فليس عنده إلا البناء على الكسر وكذا إن كان من أكثر بني تميم وإن كان من القليل فليس عنده إلا الإعراب, وقول بعضهم: يجوز للعربي أن يتكلم بغير لغته مردود ا. هـ. والتحقيق كما أوضحناه سابقًا أن العربي قادر على التكلم بغير لغته وحينئذ لا إشكال. نعم قال في شرح الشذور وقيل إن وبار الثاني ليس باسم كوبار الذي في حشو البيت بل
الواو عاطفة وما بعدها فعل ماض وفاعل والجملة معطوفة على قوله: هلكلت وقال أولا هلكت بالتأنيث على معنى القبيلة, وثانيًا باروا بالتذكير على معنى الحي, وعلى هذا القول يكتب باروا بالواو والألف كما يكتب ساروا ا. هـ. فعلى هذا القول لا جمع بين اللغتين.
قوله: "والنقل عن مؤنث" لو قال: والتأنيث بحسب الأصل لكان أحسن؛ لأن النقل نفسه
стр. 1302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنه إنما كان مؤنثًا لإرادتك به ما عدل عنه، فلما زاد العدل زال التأنيث بزواله. الثاني فعال يكون معدولًا وغير معدول: فالمعدول إما علم مؤنث كحذام وتقدم حكمه، وإما أمر نحو: نزال، وإما مصدر نحو: حماد، وإما حال نحو:
١٠٣٩- والخَيلُ تَعْدُو في الصَّعيدِ بَدادِ
وإما صفة جارية مجرى الأعلام نحو: حلاق للمنية. وإما صفة ملازمة للنداء نحو: فساق، فهذا خمسة أنواع كلها مبنية على الكسر معدولة عن مؤنث، فإن سمي ببعضها مذكر فهو كعناق وقد يجعل كصباح، وإن سمي به مؤنث فهو كحذام ولا يجوز البناء
ــ
ليس من أسباب منع الصرف. قوله: "لأنه إنما كان مؤنثًا إلخ" أي: لأن حذام إنما كان مؤنثًا؛ لأنك أردت به في حالة كونك اسما لأنثى مدلول المؤنث الذي عدل عنه وهو حاذمة, فلما زال العدل بجعله اسمًا لمذكر وعدل إرادة مدلول حاذمة زال التأنيث فانتفى سبب منع الصرف وإنما زال العدل بذلك؛ لأنه لا يصح أن يكون في حالة كونه اسما لمذكر معدولًا عن حاذمة لامتناع إطلاق حاذمة على المذكر مع أن شأن العدل صحة إطلاق المعدول عنه على مسمى المعدول, ولو قال الشارح بدل قوله: فلما زال العبد إلخ فلما لم ترد ذلك زال التأنيث فزال العدل بزواله لكان واضحًا فتأمل.
قوله: "وأما أمر" إن حمل على الأمر الاصطلاحي كان التقدير اسم فعل أمر وإن حمل على الأمر اللغوي وهو الطلب كان التقدير دال أمر. قال في التسهيل: وفتح فعال أمرًا لغة أسدية. قال الدماميني: فيقولون نزال بفتح الآخر إيثارًا للتخفيف. قوله: "نحو: حماد" معدول عن محمدة بفتح الميم الثانية وكسرها. قوله: "في الصعيد" قال في لقاموس: الصعيد التراب أو وجه الأرض أو الطريق وبلاد بمصر مسيرة خمسة عشر يومًا طولًا, وموضع قرب وادى القرى به مسجد للنبي ﷺ ا.
هـ. وقوله: بداد معدول عن متبددة. قوله: "جارية مجرى الأعلام" أي: في استعمالها غير تابعة لموصوف وقوله: حلاق بالحاء المهملة معدول عن حالقة والمنية الموت. قوله: "معدولة عن مؤنث" هذا في الأمر ظاهر على رأي المبرد أنه معدول عن مصدر مؤنث معرفة أما على ظاهر كلام سيبويه أنه معدول عن الفعل كما في الهمع فتأنيث الفعل باعتبار أنه كلمة أو لفظة. قوله: "فهو كعناق" أي: في الإعراب والمنع من الصرف كما مر وقوله: كصباح في الإعرب والصرف.
стр. 1303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خلافًا لابن بابشاذ. وغير المعدول يكون اسما كجناح، ومصدرًا نحو: ذهاب، وصفة نحو: جواد، وجنسًا نحو: سحاب، فلو سمي بشيء من هذه مذكر انصرف قولًا واحدًا إلا ما كان مؤنثًا كعناق "واصرفن ما نكرا من كل ما التعريف فيه أثرا" وذلك الأنواع السبعة المتأخرة وهي: ما امتنع للعلمية والتركيب، أو الألف والنون الزائدتين، أو التأنيث بغير الألف، أو العجمية، أو وزن الفعل، أو ألف الإلحاق، أو العدل: تقول رب معد يكرب وعمران وفاطمة وزينب وإبراهيم أحمد وأرطى وعمر لقيتهم، لذهاب أحد السببين وهو العلمية. وأما الخمسة المتقدمة وهي: ما امتنع لألف التأنيث، أو للوصف والزيادتين، أو للوصف ووزن الفعل، أو للوصف والعدل، أو للجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل فإنها لا تصرف نكرة، فلو سمي بشيء منها لم ينصرف أيضًا. أما ما فيه ألف التأنيث؛ فلأنها كافية في منع الصرف ووهم من قال في حواء امتنع للتأنيث والعلمية. وأما ما فيه الوصف مع زيادتي فعلان أو وزن أفعل؛ فلأن العلمية تخلف الوصف فيصير منعه للعلمية والزيادتين أو للعلمية ووزن أفعل. وأما ما فيه الوصف والعدل وذلك أخر وفعال ومفعل نحو: أحاد وموحد فمذهب سيبويه أنها إذا سمي بها امتنعت من الصرف للعلمية والعدل. قال في شرح الكافية: وكل معدول سمي به فعدله باق إلا سحر وأمس في لغة بني تميم فإن عدلهما يزول بالتسمية فيصرفان، بخلاف غيرهما من المعدولات فإن عدله بالتسمية باق فيجب
ــ
قوله: "وإن سمي به مؤنث إلخ" أتى به تتميمًا للتقسيم وإلا فهو مما دخل تحت قول المصنف وابن على الكسر فعال علمًا مؤنثًا وهذا أولى مما ذكره البعض لما يلزم عليه من قصور النظم فتدبر.
قوله: "فهو كحذام" فتنبيه على لغة الحجاز وتعربه غير منصرف على لغة تميم وإن كان آخره راء فعلى ما تقدم أيضًا نحو: حذار ويسار ا. هـ. دماميني. قوله: "ولا يجوز البناء" قال الدماميني: أي: فيما سمي به مذكر ا. هـ. أي: لا فيما سمي به مؤنث حتى يعترض بأن في كلامه تناقضًا؛ لأن قضية التشبيه بحذام جواز البناء فينافي قوله: ولا يجوز البناء, لكن لو ذكره قبل قوله: وإن سمي به مؤنث إلخ, لسلم من الإيهام. قوله: "من كل إلخ" حال من ما بيان لها. قوله: "من كل ما التعريف فيه أثرًا" أي: مما يمكن تنكيره فلا يرد أن فعل في التوكيد مما يؤثر فيه التعريف مع أنه لا ينكر لوجوب إضافته ولونية إلى ضمير المؤكد. قوله: "ووهم من قال إلخ" أي: لأن ألف التأنيث كافية في المنع فلا وجه لاعتبار غيرها.
قوله: "وكل معدول إلخ" حاصل ما فرق به بين ما يبقى فيه العدل بعد التسمية وما يزول فيه بعدها أن الأول فيه ما يشعر بالعدل وهو تغيير الحركات بخلاف الثاني ا. هـ. زكريا ووجه بعضهم زوال عدل سحر وأمس بالتسمية بأن أل لا تجامع العلمية. قوله: "في لغة بني تميم" راجع لأمس فقط أي: وأما في لغة الحجازيين فمبني على الكسر. قوله: "فإن عدله بالتسمية باق"
стр. 1304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منع صرفه للعدل والعلمية عددًا كان أو غيره. هذا هو مذهب سيبويه، ومن عزا إليه غير ذلك فقد أخطأ، وقوله: ما لم يقل، وإلى هذا أشرت بقولي:
وعَدْلُ غير سَحَر وأمْسِ في ... تسْميَة تَعرِضُ غيرُ مُنْتَفِي
وذهب الأخفش وأبو علي وابن برهان إلى صرف العدد المعدول مسمى به، وهو خلاف مذهب سيبويه رحمه الله تعالى. هذا كلامه بلفظه. وأما الجمع المشبه مفاعل أو مفاعيل فقد تقدم الكلام على التسمية به، وإذا نكر شيء من هذه لأنواع الخمسة بعد التسمية لم ينصرف أيضًا. أما ذو ألف التأنيث فللألف، وأما ذو الوصف مع زيادتي فعلان أو مع وزن أفعل أو مع العدل إلى فعال أو مفعل؛ فلأنها لما نكرت شابهت حالها قبل التسمية فمنعت الصرف لشبه الوصف مع هذه العلل. هذا مذهب سيبويه. وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه. وأما باب أحمر ففيه أربعة مذاهب: الأول منع الصرف وهو الصحيح. والثاني: الصرف وهو مذهب المبرد والأخفش في أحد قوليه ثم وافق سيبويه في
ــ
الباء بمعنى مع متعلقة بباق. قوله: "عددًا كان" أي: غير سحر وأمس وتسمية نحو: ثلاث مسمى به عددًا باعتبار ما كان. قوله: "هذا كلامه بلفظه" يحتمل أنه قاله تقوية لنقله ويحتمل أنه قاله تبريًا من التكرار الذي فيه؛ لأن قوله: وهو خلاف مذهب سيبويه يغني عنه التنصيص على مذهبه أول العبارة. قوله: "أو مع العدل إلى فعال أو مفعل" لا يشمل أخر مع أن حكمه حكم معدول العدد ولو أسقط قوله إلى فعال أو مفعل لشمله. قوله: "شابهت حالها قبل التسمية" لم يقل عاد الوصف؛ لأن معنى أحمر مثلا قبل التسمية ذات ما اتصفت بالحمرة بلا قصد وصفية بالحمرة ولما لوحظ بعد التنكير اتصاف الذات المبهمة بالتسمية بأحمر أشبه أحمر بعد التنكير حاله قبل التسمية في إيهام الذات, وملاحظة مطلق الاتصاف, ولم يجعل وصفًا بالتسمية حقيقيا لعدم التعبير بقولنا مسمى بأحمر. قوله: "لشبه الوصف" القياس على مواضع تقدمت أن يقال للوصف بحسب الأصل لكن كل صحيح.
قوله: "وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه" أي: عند قصد تنكيره. قوله: "وأما باب أحمر" أي: عند قصد تنكيره ففيه أربعة مذاهب إلخ لو قال وخالف المبرد والأخفش في أحد قوليه في باب أحمر فصرفاه ثم قال: والفراء وابن الأنباري فقالا: إن سمي بأحمر رجل أحمر إلخ. ثم قال: والفارسي في بعض كتبه فجوز الصرف وتركه لكان أخصر وأولى لتقدم ذكر باب أحمر وذكر المذهب الأول فيه وأنسب بقوله وخالف الأخفش في باب سكران فصرفه. قوله: "الأول منع الصرف" أي: لشبه الوصفية ووزن الفعل. قوله: "والثاني الصرف" أي: لأن الوصفية زالت بالعلمية بلا عود بعد التنكير. قوله: "والأخفش في أحد قوليه" حكى أن أبا عثمان المازني سأل الأخفش لم صرفت أربع في نحو: مررت بنسوة أربع فقال: لأنه في الأصل اسم للعدد والوصف به
стр. 1305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كتابه الأوسط. قال في شرح الكافية: وأكثر المصنفين لا يذكرون إلا مخالفته، وذكر موافقته أولى؛ لأنها آخر قوليه. والثالث إن سمي بأحمر رجل أحمر لم ينصرف بعد التنكير، وإن سمي به أسود أو نحوه انصرف وهو مذهب الفراء وابن الأنباري. والرابع: أنه يجوز صرفه وترك صرفه. قاله الفارسي في بعض كتبه. وأما المعدول إلى فعال أو مفعل فمن صرف أحمر بعد التسمية صرفه وقد تقدم الخلاف في الجمع إذا نكر بعد التسمية.
تنبيه: إذا سمي بأفعل التفضيل مجردًا من من ثم نكرة بعد التسمية انصرف باجماع كما قاله في شرح الكافية. قال: لأنه لا يعود إلى مثل الحال التي كان عليها إذا كان
ــ
عارض فلم يعتد به فقال: هلا اعتبرت أحمر إذا نكرته يعني في كونه وصفًا في الأصل والتسمية به عارضة فلم يأت بمقنع ولعل موافقته سيبويه آخرًا من أجل ذلك كذا في الفارضي.
قوله: "لم ينصرف بعد التنكير" أي: لمشابهة حال التنكير حال الوصفية في وجود المشتق منه وهو الحمرة في المدلول فكأن الوصفية باقية بعد التنكير وهذا أحسن مما علل به البعض. قوله: "يجوز صرفه وترك صرفه" فالصرف نظرًا إلى زوال الوصفية بالعلمية والعلمية بالتنكير وتركه نظرًا إلى شبه الوصفية ووزن الفعل. قوله: "فمن صرف أحمر بعد التسمية" أي: بعد زوالها بالتنكير. قوله: "مجردًا من من" أي: لفظًا وتقديرًا كما يؤخذ مما بعده كأنه سمي شخص بأكرم.
قوله: "لأنه لا يعود إلى مثل الحال إلخ" أي: لأن أفعل من إذا كان وصفًا معناه ذات معينة ثبت لها الزيادة على ذات أخرى معينة, وإذا سمي به صار دالا على الذات فقط. وإذا نكر صار دالا على ذات ما ثبت لها الزيادة, ولم ينظر إلى كون الزيادة على ذات أخرى فلم ترجع الحالة الأولى ولا شبهها؛ لأن شبهها يكون مركبًا أيضًا من مفضل ومفضل عليه, وإن كانت مبهمين نقله البعض عن البهوتي وأقره. وأنا أقول فيه نظر من وجوه: الأول أن ما ادعاه من كون معنى أفعل من إذا كان وصفًا ذاتًا معينة إلخ غير مسلم لتصريحهم بأن مدلول الصفات ذات مبهمة لا معينة, والتعيين إذا وجد يكون بقرينة لا بالوضع وتصريحهم بأن المفضل عليه قد يكون معينًا وقد يكون مبهمًا. والثاني: أن ما ادعاه من كون معناه إذا نكر بعد التسمية ذاتًا ما ثبت لها الزيادة غير مسلم بل معناه ذات ما ثبت لها التسمية بكذا, وممن صرح بهذا وبكون مدلول الصفة ذاتا مبهمة ذلك البعض قبل هذه القولة بنحو: نصف صفحة. الثالث: أن ما ادعاه من عدم رجوع شبه الحالة الأولى ينازع فيه ما تقدم في الكلام على قول الشارح لما نكرت شابهت حالها قبل التسمية من توجيه المشابهة بأن معنى أحمر مثلا بعد التنكير ذات ما مسماة بأحمر, فلما لوحظ بعد التنكير اتصاف الذات المبهمة بالتسمية بأحمر أشبه أحمر بعد التنكير حاله قبل التسمية في الإبهام, وملاحظة مطلق الاتصاف ووجه المنازعة أن هذا التوجيه بعينه جار في أفعل من بعد التنكير وهذا يدل على رجوعه لشبه الحالة الأولى, وأما ما ادعاه من كون شبهها يكون مركبا أيضا من مفضل ومفضل عليه, ففي محل المنع؛ لأن ذلك غير لازم, وحينئذ يقال هلا منع من الصرف, وأما ما في الشرح من
стр. 1306
وما يكونُ منهُ مَنقوصًا ففي ... إعرابِهِ نَهْج جوارٍ يَقْتَفِي
ــ
صفة، فإن وصفيته مشروطة بمصاحبة من لفظا أو تقديرا ا. هـ. فإن سمي به مع من ثم نكر امتنع صرفه قولا واحدًا، وكلام الكافية وشرحها يقتضي إجراء الخلاف في نحو: أحمر فيه "وما يكون منه منقوصًا ففي إعرابه نهج جوار يقتفي" يعني أن ما كان منقوصًا من الأسماء التي لا تنصرف سواء كان من الأنواع السبعة التي إحدى علتيها العلمية أو من الأنواع الخمسة التي قبلها, فإنه يجري مجرى جوار وغواش، وقد تقدم أن نحو: جوار يلحقه التنوين رفعًا وجرا فلا وجه لما حمل عليه المرادي كلام الناظم من أنه أشار إلى الأنواع السبعة دون الخمسة؛ لأن حكم المنقوص فيهما واحد: فمثاله في غير التعريف أعيم تصغير أعمى فإنه غير منصرف للوصف والوزن، ويلحقه التنوين رفعا وجرا نحو: هذا أعيم ومررت بأعيم ورأيت أعيمي، والتنوين فيه عوض من الياء المحذوفة كما في نحو: جوار، وهذا لا خلاف فيه. ومثاله في التعريف: قاض اسم امرأة فإنه غير منصرف للتأنيث والعلمية, ويعيل تصغير يعلى ويرم مسمى به فإنه غير منصرف للوزن والعلمية، والتنوين فيهما في الرفع والجر عوض من الياء المحذوفة. وذهب يونس وعيسى بن عمر والكسائي إلى نحو: قاض
ــ
تعليل عدم العود بأن الوصفية مشروطة بمصاحبة من فلا يدل إلا على عدم عود الوصفية لا على عدم عود شبهها فيما مر على أن الوصفية المشروطة بمصاحبة من الوصفية بالزيادة لا مطلق الوصفية فتأمل.
قوله: "وما يكون منه منقوصا إلخ" أي: والذي يكون مما لا ينصرف منقوصًا فهو يقتفي نهج جوار في إعرابه فلو سميت بيرمي ويقضي أعللته إعلال جوار ولو سميت بيغزو ويدعو ورجعت بالواو للياء أجريته مجرى جوار, وتقول في النصب رأيت يرمي ويغزي. قال بعضهم ووجه الرجوع بالواو للياء ما ثبت أن الأسماء المتمكنة ليس فيها ما آخره واو قبلها ضمة فتقلب الواو ياء ويكسر ما قبلها, وإذا سميت بيرم ومن لم يرم رددت إليه ما حذف منه ومنعته من الصرف, تقول هذا يرم ومررت بيرم والتنوين للعوض ورأيت يرمي وإذا سميت بيغز من لم يغز قلت هذا يغز ومررت بيغز ورأيت يغزي, إلا أن هذا ترد إليه الواو وتقلب ياء لما تقدم, ثم يستعمل استعمال جوار سم. قوله: "من الأسماء التي لا تنصرف" يشير إلى أن الهاء في منه لما لا ينصرف أعم من المعرفة والنكرة ليشمل محل الخلاف والوفاق كما سيذكره.
قوله: "فلا وجه لما حمل إلخ" اعتذر عنه بأن الباعث له على ذلك أن أقرب مذكور إلى الضمير في وما يكون منه ما التعريف فيه أثرًا وبأن العلم منقوص محل الخلاف فيعتني به. قوله: "وهذا لا خلاف فيه" أي: لا خلاف في حذف الياء ولحوق التنوين رفعًا وجرا في نحو: أعيم بخلاف قاض ويعيل ويرم أعلامًا ففي حذف يائه ولحوق التنوين له رفعًا وجرا خلاف, نبه عليه بقوله الآتي: وذهب يونس إلخ. قوله: "إلى أن نحو: قاض إلخ" أي: من كل علم منقوص وجد فيه مقتضى ممنع الصرف قال سم: يمكن الفرق من جهة المعنى على قولهم بخفة العلم فاحتملت
стр. 1307
ولاضطرارٍ أو تناسُبْ صُرِفْ ... ذو المنعِ والمصروفُ قد لا يَنصرِفْ
ــ
اسم امرأة، ويعيل ويرم يجري مجرى الصحيح في ترك تنوينه وجره بفتحة ظاهرة، فيقولون هذا يعيلى ويرمى وقاضي، ورأيت يعيلى ويرمي وقاضي، ومررت بيعيلى ويرمى وقاضي، واحتجوا بقوله:
١٠٤٠- قَدْ عَجِبَتْ مِنّي ومن يَعْيلِيا ... لَمّا رأتني خَلَقًا مُقْلوْلِيا
وهو عند الخليل وسيبويه والجمهور محمول على الضرورة كقوله:
١٠٤١- ولكنَّ عبدَ اللهِ مَولَى مَوالِيا
"ولاضطرار أو تناسب صرف ذو المنع" بلا خلاف مثال الضرورة قوله:
١٠٤٢- ويَوْمُ دخلتُ الخدْرَ خدْرَ عُنَيزَة ... فقالتْ لك الوَيلاتُ إنّك مُرْجِلي
ــ
الحركة على الياء. قوله: "يجري مجرى الصحيح إلخ" حاصل مذهبهم أن المعرب تثبت ياؤه مطلقًا وتسكن رفعًا لثقل الضمة وتفتح جرا ونصبًا لخفة الفتحة. قوله: "خلقًا" بفتح المعجمة واللام أي: عتيقًا جدا وأراد به الضعيف رث الهيئة. وقوله: مقوليا بضم الميم؛ لأنه اسم فاعل اقلولى أي: تجافى وانكمش كما في القاموس, فقول التصريح بفتح الميم غير ظاهر, ولعل المراد بالمقلولي هنا دميم الخلقة. قوله: "مولى مواليًا" بإضافة مولى إلى مواليًا جمع مولى.
قوله: "أو تناسب" هو قسمان تناسب لكلمات منصرفة انضم إليها غير منصرف نحو: سلاسلًا وأغلالًا وتناسب لرءوس الآي, كقوارير, الأول فإنه رأس آية فنون ليناسب بقية رءوس الآي في التنوين أو بدله وهو والألف في الوقف, وأما قوارير الثاني فنون ليشاكل قوارير الأول كذا قال شيخنا وهو الصواب الموافق في التصريح وغيره. وأما في كلام البعض من العكس فخطأ. قوله: "صرف" أي: وجوبًا في الضرورة وجوازًا في التناسب. قوله: "ويوم دخلت الخدر" بكسر الخاء
стр. 1308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
١٠٤٣- وأَتاها أُحَيمرٌ كأخي السَّهْـ ... ـمِ بِعَضْبٍ فقال كُوني عَقِيرا
وقوله:
١٠٤٤- تَبَصَّرْ خَليلي هل تَرى من ظَعائِنٍ
وهو كثير. نعم اختلف في نوعين: أحدهما ما فيه ألف التأنيث المقصورة فمنع بعضهم صرفه للضرورة، قال: لأنه لا فائدة فيه إذ يزيد بقدر ما ينقص، ورد بقوله:
١٠٤٥- إنِّي مُقَسِّمُ ما مَلكتُ فجاعِلٌ ... جزءًا لآخِرَتي ودُنيا تَنفعُ
أنشده ابن الأعرابي بتنوين دنيا. وثانيهما: أفعل من، منع الكوفيون صرفه للضرورة.
ــ
المعجمة وسكون الدال أي: الهودج وقوله: إنك مرجلي أي: مصيري راجلة أي: ماشية لعقرك ظهر بعيري تصريح.
قوله: "وأتاها" أي: ناقة صالح ﵊ أحيمر هو الذي عقرها وكان أحمر أزرق أصهب كأخي السهم أي: كمثل السهم والعضب السيف وعقيرًا فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث ا. هـ. عيني, وقال الدماميني: كأخي السهم من إضافة الملغي إلى المعتبر. قوله: "أحدهما ما فيه ألف التأنيث المقصورة" مقتضى التعليل الآتي أن تكون ألف الإلحاق المقصورة كألف التأنيث المقصورة. قوله: "إذ يزيد بقدر ما ينقص" لأنه إذا نون سقطت الألف لالتقاء الساكنين والتنوين قدر الألف المحذوفة وكل ساكن. وأجيب بأنه قد يكون فيه فائدة بأن تلتقي الألف مع ساكن بعده فيحتاج الشاعر إلى كسر الأول فينون ثم يكسر. ومقتضى هذا أنه لم يحتج إلى تنوينه لم ينون ا. هـ. مرادي وهو مبني على أن الضرورة ما لا مندوحة عنه ما وقع في الشعر ا. هـ. سم أي: مما لا يقع مثله في النثر.
قوله: "ورد بقوله إلخ" قال الصفوي: وضعف الرد بمنع الدليل؛ لأن تنوين المؤنث بالألف كدنيا لغة فيه, فلعل الشاعر من أهل هذه اللغة. قوله: "ودنيا" معطوف على جزءًا والمعنى فجاعل
стр. 1309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالوا: لأن حذف تنويه لأجل من فلا يجمع بينهما. ومذهب البصريين جوازه؛ لأن المانع له إنما هو الوزن والوصف كأحمر لا من، بدليل صرف خير منه وشر منه لزوال الوزن. ومثال الصرف للتناسب قراءة نافع والكسائي: "سَلَاسِلا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا" [الإنسان: ٤] ، "قَوَارِيرا، قَوَارِيرا" [الإنسان: ١٦] ، وقراءة الأعمش بن مهران:
"وَلَا يَغُوثًا وَيَعُوقًا وَنَسْرًا" [نوح: ٢٣] .
تنبيه: أجاز قوم صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد اختيارًا, وزعم قوم أن صرف ما لا ينصرف مطلقًا لغة. قال الأخفش: وكأن هذه لغة الشعراء؛ لأنهم اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم على ذلك في الكلام "والمصروف قد لا ينصرف" أي: للضرورة أجاز ذلك الكوفيون والأخفش والفارسي، وأباه سائر البصريين. والصحيح الجواز. واختاره الناظم لثبوت سماعه، من ذلك قوله:
١٠٤٦- وما كانَ حِصنٌ ولا حابِسٌ ... يَفوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ
وقوله:
١٠٤٧- وقائِلةٍ ما بالُ دَوْسَرَ بَعْدَنا ... صحا قلْبُهُ عن آلِ ليلَى وعن هِنْدِ
ــ
منه جزءًا لآخرتي وجاعل منه دنيا تنفع. قوله: "لأجل من" أي: لقيامها مقام المضاف إليه, فالمانع قوي لكونه كلمة مستقلة بخلاف سائر موانع الصرف, وقوله: فلا يجمع بينهما أي: بين التنوين ومن ملفوظة أو مقدرة إلا اختيارًا ولا ضرورة. قوله: "ومذهب البصريين جوازه" ويدل له قول امرئ القيس:
وما الإصباح منك بأمثل
فصرف أمثل للضرورة مع وجود من المقدمة عليه في قوله: منك قاله الدماميني. قوله: "إنما هو الوزن والوصف" أي: فيجوز الجمع بينهما وبين التنوين ضرورة لعدم قوتهما قوة من. قوله: "صرف الجمع الذي لا نظير له في الآحاد" كسلاسلا وسببه جمعهم له جمع السامة نحو: صواحبات فأشبه الآحاد ا. هـ. دماميني. قوله: "في الكلام" أي: النثر. قوله: "وأباه" أي: منعه سائر
стр. 1310
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
١٠٤٨- طَلَبَ الأَزَارِقِ بالكتائِبِ إذ هَوَتْ ... بشَبيبَ غائِلةَ النفوسِ غَدُرُ
وأبيات أخر.
تنبيه: فصل بعض المتأخرين بين ما فيه علمية، فأجاز منعه لوجود إحدى العلتين، وبين ما ليس كذلك فصرفه، ويؤيده أن ذلك لم يسمع إلا في العلم. وأجاز قوم منهم ثعلب وأحمد بن يحيى منع صرف المنصرف اختيارًا.
خاتمة: قال في شرح الكافية: ما لا ينصرف بالنسبة إلى التكبير والتصغير أربعة أقسام: ما لا ينصرف مكبرًا ولا مصغرًا، وما لا ينصرف مكبرًا وينصرف مصغرًا، وما لا ينصرف مصغرًا وينصرف مكبرًا، وما يجوز فيه الوجهان مكبرًا ويتحتم منعه مصغرًا فالأول نحو: بعلبك وطلحة وزينب وحمراء وسكران وإسحاق وأحمر ويزيد مما لا يعدم سبب المنع
ــ
البصريين لكونه خروجًا عن الأصل بخلاف صرف ما لا ينصرف, فإنه رجوع إلى الأصل فاحتمل في الضرورة, وللكوفيين ومن وافقهم أن يمنعوا عدم تجويز الضرورة الخروج عن الأصل, قوله: "طلب الأزارق" أصله الأزارقة فحذف الهاء للضرورة جمع أزرقي بتقديم الزاي على الراء قوم من الخوارج نسبوا إلى نافع بن الأزرق وهو مفعول طلب وفاعله ضمير يعود على سفيان نائب الحجاج وزوج ابنته, والكتائب جمع كتيبة بفوقية بعد الكاف وهي الجيش. وإذ ظرف زمان, وهوت من هوى به الأمر إذا أطمعه وغره وغائلة النفوس فاعل هوت أي: شرها وغدور مبالغة غادرة خبر لمحذوف أو بدل من غائلة. والشاهد في شبيب بشين معجمة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية فموحدة وهو شبيب بن زيد رأس الأزارقة كذا في العيني, وشيخ الإسلام فقول البعض في هوت: أي: سقطت فيه شيء.
قوله: "بين ما فيه علمية" اقتصاره على العلمية يقتضي أن غيرها كالوصفية في نحو: قائم ليس مثلها لمزية العلمية على غيرها؛ لأن لها من القوة ما ليس لغيرها ولورود السماع فيها دون غيرها, كذا في حاشية شيخنا وعليه كان المناسب للشارح أن يعلل بما ذكر لا بوجود إحدى العلتين؛ لأنه يقتضي أن غير العلمية من العلل مثلها فليتأمل. قوله: "فأجاز منعه" أي: في الضرورة فهذا التفصيل خاص بالضرورة كما هو ظاهر كلام الشارح لكن ظاهر صنيع التصريح عدم اختصاصه بالضرورة وعبارته في منع المصروف أربعة مذاهب: أحدها الجواز مطلقًا الثاني المنع مطلقًا الثالث وهو الصحيح الجواز في الشعر والمنع في الاختيار الرابع يجوز في العلم خاصة قوله: "أربعة أقسام" هي مبنية على قاعدة وهي أن كل مصغر لم يذهب تصغيره أحد سببيه فهو
стр. 1311
إعراب الفعل:
ارفَعْ مُضارعًا إذا يُجَرَّدُ ... من ناصِب وجازِم كتَسْعَدُ
ــ
في تكبير ولا تصغير. والثاني نحو: عمر وشمر وسرحان وعلقى وجنادل أعلامًا مما يزول بتصغيره سبب المنع، فإن تصغيرها عمير وشمير وسريحين وعليق وجنيدل بزوال مثال العد ووزن الفعل, وألفي سرحان وعلقى وصيغة منتهى التكسير، والثالث نحو: تحلئ وتوسط وترتب وتهبط أعلامًا مما يتكمل فيه بالتصغير سبب المنع فإن تصغيرها تحيلئ وتويسط وتريتب وتهيبط على وزن مضارع بيطر، فالتصغير كمل لها سبب المنع، فمنعت من الصرف فيه دون التكبير فلو جيء في التصغير بياء معوضة مما حذف تعين الصرف لعدم وزن الفعل. الرابع نحو: هند وهنيدة فلك فيه مكبرًا وجهان وليس لك فيه مصغرًا إلا منع الصرف. والله أعلم.
إعراب الفعل:
"ارفع مضارعًا إذا يجرد من ناصب وجازم كتسعد" يعني أنه يجب رفع المضارع حينئذ, والرافع له التجرد المذكور كما ذهب إليه حذاق الكوفيين منهم الفراء، ولا وقوعه.
ــ
غير منصرف وإلا فهو منصرف دماميني. قوله: "وسرحان" بخلاف سكران؛ لأنك تقول في تصغيره سكيران فتبقى الزيادتان بحالهما ا. هـ. دماميني وهو بكسر السين كما في القاموس وفسره بمعان منها الذئب والأسد والمراد المجعول علمًا. قوله: "وعلقى" وهو في الأصل اسم نبت.
قوله: "وجنادل" هو في الأصل جمع جندل والجندل قال في القاموس: كجعفر ما يقله الرجل من الحجارة وتكسر الدال ا. هـ. قوله: "بزوال مثال العدل" إذ العدل في عمر تقديري فلا يصار إليه إلا عند سماع الاسم ممنوعًا من الصرف وما سمع من أفواههم عمير إلا مصروفًا فصار ادعاء العدل فيه مناقضًا لكلامهم. وإذا حكمنا في أدد بأنه غير معدول مع مجيئه على صيغة عمر لكونه مصروفًا فهذا أجدر دماميني. قوله: "نحو: تحلئ" ضبطه في التصريح بكسر التاء الفوقية وسكون الحاء المهملة وكسر اللام وبالهمزة آخره. قال الشارح في شرحه على التوضيح: هو شعر وجه الأديم ووسخه وسواده وما أفسده السكين من الجلد’ إذا قشروا لتهبط بكسرات مشددة الباء طائر والترتب كقنفذ وجندب الشيء المقيم الثابت ا. هـ. والتوسط مصدر توسط. قوله: "مما حذف" وهو أحد المثلين في توسط وتهبط بأن يقال تويسيط وتهيبيط, أما تحلئ وترتب فلم يحذف منهما شيء فكلامه بالنظر للبعض. قوله: "إلا منع الصرف" أي: لوجود التاء لفظًا.
إعراب الفعل:
قوله: "حينئذ" أي: حين إذ جرد من ناصب وجازم. قوله: "والرافع له التجرد" لأن الرافع دائر معه وجودًا وعدمًا والدوران مشعر بالعلية ا. هـ. دماميني؛ لأن الدوران من مسالكها.
стр. 1312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
موقع الاسم كما قال البصريون، ولا نفس المضارعة كما قال ثعلب، ولا حروف المضارع كما نسب للكسائي، واختار المصنف الأول. قال في شرح الكافية: لسلامته من النقض, بخلاف الثاني فإنه ينتقض بنحو: هلا تفعل وجعلت أفعل وما لك لا تفعل ورأيت الذي تفعل، فإن الفعل في هذه المواضع مرفوع مع أن الاسم لا يقع فيها، فلو لم يكن للفعل رافع غير وقوعه موقع الاسم لكان في هذه المواضع مرفوعًا بلا رافع، فبطل القول بأن رافعه وقوعه موقع الاسم، وصح القول بأن رافعه التجرد ا. هـ. ورد الأول بأن التجرد عدمي والرفع وجودي والعدمي لا يكون علة للوجودي، وأجاب الشارح بأنا لا نسلم أن التجرد من الناصب والجازم عدمي؛ لأنه عبارة عن استعمال المضارع على أول أحواله مخلصًا عن
ــ
قوله: "ولا نفس المضارع" لأنها إنما اقتضت مطلق الإعراب لا خصوص الرفع, لكن هذا لا يأتي على قول الكوفيين: إن إعراب المضارع بالأصالة لا بالحمل على الاسم ومضارعته إياه. قوله: "ولا حروف المضارعة" لأن جزء الشيء لا يعمل فيه. قوله: "كما نسب للكسائي" قال: وإنما لم تعمل مع عاملي النصب والجزم لقوتهما عنها. قوله: "فإنه ينتقض إلخ" جوابه أن المراد الحلول في الجملة ا. هـ. حفيد. وأيضًا فالرفع استقر قبل حرف التحضيض ونحوه, فلم يغيره إذ أثر العامل لا يغير إلا بعامل آخر ا. هـ. تصريح. قوله: "بنحو: هلا تفعل" لأن أداة التحضيض مختصة بالفعل ومن نحو: المذكورات سيقوم زيد وسوف يقوم زيد. قوله: "وجعلت أفعل" لأن أفعال الشروع لا يكون خبرها اسمًا مفردًا إلا شذوذًا كما مر. قوله: "وما لك لا تفعل" قال شيخنا: لعله؛ لأنه لم يسمع الاسم بعد ما لك وإن كانت الجملة في تأويله؛ لأنها حال أي: أي شيء ثبت لك حالة كونك غير فاعل.
قوله: "ورأيت الذي تفعل" لأن الصلة لا تكون اسمًا مفردًا. قوله: "فبطل القول بأن رافعه وقوعه موضع الاسم" أي: الذي هو أقوى من القول الثالث والرابع لكونه قول البصريين مع ظهور بطلانهما بما تقدم فاندفع اعتراض البعض على قوله, وصح القول بأن رافعه التجرد بأن مجرد إبطال أن الرافع وقوعه موقع الاسم لا يقتضي صحة أن الرافع التجرد, وإنما يقتضيها إبطال الأقوال الثلاثة. قوله: "وأجاب الشارح بأنا لا نسلم إلخ" هذا جواب بمنع أن التجرد عدمي وتسليم أن العدمي لا يكون علة للوجودي, ولك أن تقول سلمنا أنه عدمي لكن لا نسلم أن العدمي لا يكون علة للوجودي على الإطلاق بل ذاك في الأعدام المطلقة, أما العدم المضاف كالعمى فيجوز كونه علة للوجودي. قوله: "لأنه عبارة عن استعمال المضارع إلخ" الاستعمال هنا مصدر المبني للمجهول ليكون وصفًا للفعل فيصح تفسير التجرد الذي هو وصف للفعل به.
стр. 1313
وبِلَنِ انْصِبْهُ وكي كذا بأنْ ... لا بعدَ عَلْمٍ والتي من بعْدِ ظَنّ
ــ
لفظ يقتضي تغييره، واستعمال الشيء والمجيء به على صفة ما ليس بعدمي.
تنبيه: إنما لم يقيد المضارع هنا بالذي لم تباشره نون توكيد ولا نون إناث اكتفاء بتقدم ذلك في باب الإعراب "وبلن انصبه وكي" أي: الأدوات التي تنصب المضارع أربع: وهي لن وكي وأن وإذن، وسيأتي الكلام على الأخيرتين: فأما لن فحرف نفي تختص بالمضارع وتخلصه للاستقبال وتنصبه كما تنصب لا الاسم، نحو: لن أضرب ولن أقوم، فتنفي ما أثبت بحرف التنفيس ولا تفيد تأبيد النفي ولا تأكيده، خلافًا للزمخشري: الأول في أنموذجه والثاني في كشافه، وليس أصلها لا فأبدلت الألف نونًا خلافًا للفراء، ولا لا أن فحذفت الهمزة تخفيفًا والألف للساكنين خلافًا للخليل والكسائي.
تنبيهات: الأول الجمهور على جواز تقديم معمول معمولها عليها نحو: زيدًا لن
ــ
قوله: "اكتفاء بتقدم ذلك في باب الإعراب" قال يس: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن رفع المضارع أعم من كونه لفظيا أو محليا كالمضارع المؤكد بالنون, والذي فاعله نون الإناث ا. هـ. وهو تابع في ذلك لشيخه سم قال شيخنا: وفيه نظر إذ المضارع مع إحدى النونين ليس له محل رفع أبدًا, وله محل الناصب والجازم صرح بذلك القليوبي وغيره. قوله: "وبلن انصبه" ولا يجوز الفصل بين لن والفعل اختيارًا عند البصريين وهشام, وأجاز الكسائي الفصل بالقسم ومعمول الفعل ووافقه القراء على القسم وزاد الفصل بأظن والشرط كذا في السيوطي. قوله: "أي: الأدوات إلخ" تفسير لقوله: وبلن انصبه وكي مع ملاحظة قوله: كذا بأن وقوله: ونصبوا بإذن المستقبلا فافهم. قوله: "ما أثبت بحرف التنفيس" أي: معه وخصه بالذكر لمشاركته لن في تخليص الفعل للاستقبال.
قوله: "خلافًا للزمخشري إلخ" وافقه على التأكيد كثيرون, ورد ادعاؤه التأبيد بأنه لا دليل عليه وبأنها لو كانت للتأبيد للزم التناقض بذكر اليوم في ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ والتكرار بذكر أبدًا في ولن يتمنونه أبدًا, وأما التأبيد في لن يخلقوا ذبانًا فلأمر خارجي لا من مقتضيات لن, ويجاب عن التناقض بأن القائل بالتأبيد إنما يقول به عند إطلاق منفيها وخلوه عن مقيداته وعن التكرار بأن هذا ليس تكررًا باللفظ وهو ظاهر ولا بالمرادف؛ لأن الاسم لا يرادف الحرف؛ ولأن التأبيد نفس معنى أبدًا وجزء معنى لن فلا يكون تكرارًا وإنما هو تصريح ودلالة بالمطابقة على ما فهم بالتضمن كذا في الشمني, وحاصله أنه ليس التكرار بل من توكيد معنى تضمني لكلمة سابقة بلفظ دل على هذا المعنى مطابقة. قوله: "خلافًا للفراء" لأن المعهود إبدال النون ألفًا كنسفعا لا العكس.
قوله: "خلافًا للخليل والكسائي" لأن دعوى التركيب إنما تصح إذا كان الحرفان
стр. 1314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أضرب وبه استدل سيبويه على بساطتها، ومنع ذلك الأخفش الصغير. الثاني تأتي لن للدعاء كما أتت لا كذلك وفاقًا لجماعة منهم ابن السراج وابن عصفور، من ذلك قوله:
١٠٤٩- لن تَزالُوا كَذلِكم ثُمّ لا زِلـ ... ـتُ لكم خالِدًا خُلودَ الجِبالِ
وأما: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] فقيل ليس منه؛ لأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب، ويرده قوله: ثم لا زلت لكم. الثالث زعم بعضهم أنها قد تجزم كقوله:
١٠٥٠- فلن يَحْلَ للعَينينِ بعدَكِ مَنْظَرُ
وقوله:
١٠٥١- لَنْ يَخِبْ الآن من رجائِكَ من حَرْ ... رَكَ دونَ بابِكَ الحلقَهْ
ــ
ظاهرين حالة التركيب كلولا والظاهر هنا جزء كل منهما. قوله: "الجمهور على جواز إلخ" استثنى أبو حيان التمييز فلا يجوز عرقًا لن يتصبب زيد, قال الدماميني: إنما يمتنع ذلك عند الجمهور لمنعهم تقديم التمييز على عامله فلا يقال عندهم عرقًا تصبب زيد فهو ممتنع قبل مجيء لن, وأما ابن مالك فلا يسلم هذا الاستثناء؛ لأنه يجوز تقديم التمييز على عامله المتصرف بقلة, كما تقدم فيجوز عنده قليلًا عرقًا لن يتصبب زيدًا ا. هـ. ملخصًا. قوله: "وبه استدل سيبويه على بساطتها" وجه الاستدلال أنه يمتنع تقديم معمول معمول أن عليها ونوقش في الدليل بأنه يجوز أن يتغير حكم الشيء بالتركيب دماميني. قوله: "ومنع ذلك الأخفش" لأن النفي صدر الكلام ورد بأن ذلك خاص بما بخلاف لن بدليل قول الشاعر:
منه عاذلي فهائمًا لن أبرحا
قوله: "لن تزالوا كذلكم" الدليل على أنه دعاء لا إخبار عطف الدعاء عليه, وهو ثم لا زلت إلخ أفاده سم. قوله: "فلن يحل" بفتح اللام من حليت المرأة في عيني بالكسر تحلى بالفتح وأما حلا الشيء في فمي فمضارعه يحلو شمني والكاف في قوله: بعدك, مكسورة والمنظر بفتح الظاء.
стр. 1315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأول محتمل للاجتزاء بالفتحة عن الألف للضرورة. وأما كي فعلى ثلاثة أوجه: أحدها أن تكون اسمًا مختصرًا من كيف كقوله:
١٠٥٢- كَي تَجْنحون َإلى سِلمٍ وما ثُئِرتْ ... قَتْلاكم ولَظَى الهَيْجاء تَضْطَرِمُ
الثاني: أن تكون بمنزلة لام التعليل معنى وعملًا وهي الداخلة على ما الاستفهامية في قولهم في السؤال عن العلة: كيمه بمعنى لمه، وعلى ما المصدرية كما في قوله:
١٠٥٣- إذا أنت لم تَنْفعْ فضرَّ فإنَّما ... يُرجَّى الفتى كيما يَضُرَّ ويَنْفعٍ
وقيل ما كافة، وعلى أن المصدرية مضمرة نحو: جئت كي تكرمني إذا قدرت النصب بأن، ولا يجوز إظهار أن بعدها. وأما قوله:
١٠٥٤- كَيما أنْ تَغُرَّ وتَخْدَعَا
ــ
قوله: "لن يخب الآن إلخ" البيت من المنسرح إلا أنه سقط من قلم الناسخ لفظ من بعد حرك, والحلقة بتسكين اللام سواء حلقة الحديد وحلقة القوم, وجوز بعضهم الفتح كما في البيت. قوله: "اسمًا مختصرًا من كيف" فتكون بمعنى كيف ويليها الاسم والماضي والمضارع مرفوعًا ونظيرها في الاختصار سوأفعل أي: سوف أفعل. وحكى الكوفيون سف أقوم كذا في الفارضي. قوله: "كي تجنحون إلخ" أي: كيف تميلون والسلم بكسر السين وفتحها الصلح, وثئرت بالمثلثة في أوله مبني للمفعول من ثأرت القتيل وبالقتيل قاتله, واللظى النار والهيجاء الحرب, تمد كما في البيت وتقصر وتضطرم تلتهب, والجملتان حالان من فاعل تجنحون, أو الثانية حال من قتلاكم. قوله: شمني. "كيما يضر وينفع" أي: للضر والنفع. قوله: "وقيل ما كافة" أي: كفت كي المصدرية عن نصب المضارع. قوله: "مضمرة" أي: وجوبًا كما سيشير إليه وهو منصوب على الحالية من أن. قوله: "ولا يجوز إظهار أن بعدها إلخ" جعل في التسهيل إظهار أن بعد كي قليلًا ونقل في الهمع عن الكوفيين جواز إظهارها اختيارًا. قوله: "كيما أن تغر وتخدعا" العطف تفسيري كما
стр. 1316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فضرورة. الثالث أن تكون بمنزلة أن المصدرية معنى وعملًا وهو مراد الناظم، ويتعين ذلك في الواقعة بعد اللام وليس بعدها أن, كما في نحو: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] ، ولا يجوز أن تكون حرف جر لدخول حرف الجر عليها، فإن وقع بعدها أن كقوله:
١٠٥٥- أَردتَ لكيما أنْ تَطِيرَ بقَرْبَتِي
احتمل أن تكون مصدرية مؤكدة بأن، وأن تكون تعليلية مؤكدة للام، وبترجح هذا
ــ
قاله الشمني, ويظهر لي أن ما زائدة بين الجار ومجروره نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وصدر البيت:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحا
لسانك كيما إلخ.
قوله: "معنى وعملًا" أما الثاني فظاهر، وأما الأول؛ فلأن كلا حرف مصدري استقبالي. قوله: "ويتعين ذلك إلخ" ويتعين كونها جارة إذا جاءت قبل اللام سيوطي. قوله: "لدخول حرف الجر عليها" أي: ولا يجمع بين حرفي جر في الفصيح. ولك أن تقول هلا جاز ذلك, ويكون الثاني مؤكدًا كما لو وقع بعدها أن وكما لو جاءت قبل نحو: كي لأقرأ إلا أن يقال الضرورة داعية إلى التوكيد هناك أي: فيما إذا توسطت كي بين اللام وأن, أو تقدمت على اللام بخلاف ما هنا وفيه نظر ا. هـ. سم, ببعض تغيير ولعل وجه النظر أن الضرورة لا تدعو في صورة التوسط إلى كون خصوص كي تأكيدًا للام لاندفاعها بكون أن تأكيدًا لكي, ويمكن دفعه بأن المراد الضرورة المتلخص منها على وجه وجيه, وسيأتي أن جعل كي تأكيدًا للام أولى من جعل أن تأكيدًا لكي من ثلاثة أوجه فتأمل. وقوله: "أردت لكيما أن تطير بقربتي" تمامه:
وتتركها شنا ببيداء بلقع
تطير تذهب سريعًا مستعار من طيران الطير, والشن بفتح الشين المعجمة القربة الخلقة والبيداء بفتح الموحدة والمد الأرض التي يبيد أي: يهلك من يدخل فيها والبلقع الأرض القفر
ــ
= والبيت من الطويل، وهو لجميل بثينة في ديوانه ص١٠٨؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٨١، ٤٨٢، ٤٨٣, ٤٨٨، والدرر ٤/ ٦٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٣، ٢٣١؛ وشرح المفصل ٩/ ١٤، ١٦؛ وله أو لحسان بن ثابت في شرح شواهد المغني ١/ ٥٠٨؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/ ١١؛ وخزانة الأدب ص١٢٥؛ وجواهر الأدب ص١٢٥؛ والجنى الداني ص٢٦٢؛ ورصف المباني ص٢١٧؛ وشرح التصريح ٢/ ٣٠؛ وشرح شذور الذهب ص٣٧٣؛ وشرح عمدة الحافظ ص٢٦٧؛ ومغني اللبيب ١/ ١٨٣؛ وهمع الهوامع ٢/ ٥.
١٠٥٥- عجزه:
فتتركها شِنًّا ببيداء بَلْقَع
والبيت من الطويل، وهو بلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٨٠؛ وأوضح المسالك ٤/ ١٥٤؛ والجنى الداني ص٢٦٥؛ وجواهر الأدب ص٢٣٢؛ وخزانة الأدب ١/ ١٦، ٨/ ٤٨١؛ ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٨٦، ٤٨٧؛ ورصف المباني ص٢١٦، ٣١٦؛ وشرح التصريح ٢/ ٢٣١؛ وشرح شواهد المغني ١/ ٥٠٨؛ وشرح المفصل ٧/ ١٩، ٩/ ١٦، ومغني اللبيب ١/ ١٨٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٠٥.
стр. 1317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني بأمور: الأول أن أن أم الباب, فلو جعلت مؤكدة لكي لكانت كي هي الناصبة فيلزم تقديم الفرع على الأصل. الثاني ما كان أصلًا في بابه لا يكون مؤكدًا لغيره. الثالث أن أن لاصقت الفعل فترجح أن تكون هي العاملة، ويجوز الأمران في نحو: جئت كي تفعل: ﴿كَيْلَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] ، فإن جعلت جارة كانت أن مقدرة بعدها وإن جعلت ناصبة كانت اللام مقدرة قبلها.
تنبيهات: الأول ما سبق من أن كي تكون حرف جر ومصدرية هو مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنها ناصبة للفعل دائمًا, وتأولوا كيمه على تقدير كي تفعل ماذا، ويلزمهم كثرة الحذف وإخراج ما الاستفهامية عن الصدر، وحذف ألفها في غير الجر، وحذف الفعل المنصوب مع بقاء عامل النصب، وكل ذلك لم يثبت. ومما يرد قولهم قوله:
١٠٥٦- فأَوْقَدتُ ناري كي لِيُبْصَرَ ضَوْءُها
وقوله:
١٠٥٧- كي لِتَقْضِينِي رُقيَّةُ ما ... وَعَدَتْنِي غيرَ مُخْتَلَسِ
ــ
التي لا شيء فيها. شمني. قوله: "لا يكون مؤكدًا لغيره" أي: لا يليق أن يكون مؤكدًا لغيره, وليس المراد لا يجوز أن يكون مؤكدًا لغيره؛ لأن مقتضى ما قدمه جوازه بمرجوحية. قوله: "تنبيهات" أي: تتعلق بكي وأما التنبيهات قبل فتتعلق بلن. والحاصل أنه أفرد كلا بتنبيهات ذكرها في مبحثه, وهذا يغنيك عما للبعض من التكلف البارد. قوله: "على تقدير كي تفعل ماذا" أي: لكي تفعل أي شيء. والمتبادر من عبارته أن أداة الاستفهام في هذا التركيب بحسب أصله ماذا لا ما وحدها. وحينئذ لا يظهر قوله: وإخراج ما إلخ لما يأتي قريبًا, ولا قوله: في غير الجر؛ لأن ألف ماذا الاستفهامية لا تحذف لا في الجر ولا في غيره, فالمناسب جعل تعبيره بماذا لمجرد بيان أن ما في كيمه استفهامية؛ لا لأن الأصل ماذا. قوله: "وإخراج ما إلخ" ذهب بعضهم إلى أنها لا يلزم صدريتها وفي الصحيح أقول ماذا. قال ابن مالك: فيه شاهد على أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع ذا تفارق وجوب التصدير شمني.
قوله: "كي لتقضيني" بإسكان الياء آخر الفعل للضرورة؛ لأن البيت من المديد كما قاله
стр. 1318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأن لام الجر لا تفصل بين الفعل وناصبه. وذهب قوم إلى أنها حرف جر دائمًا، ونقل عن الأخفش. الثاني أجاز الكسائي تقديم معمول معمولها عليها نحو: جئت النحو كي أتعلم، ومنعه الجمهور. الثالث: إذا فصل بين كي والفعل لم يبطل عملها خلافًا للكسائي نحو: جئت كي فيك أرغب، والكسائي يجيزه بالرفع لا بالنصب. قيل والصحيح أن الفصل بينها وبين الفعل لا يجوز في الاختيار. الرابع زعم الفارسي أن أصل كما في قوله:
١٠٥٨- وطَرْفُكَ إمّا جِئْتَنا فاحْبِسَنَّهُ ... كما يَحْسَبوا أنَّ الهَوَى حيثُ تَنْظُرُ
ــ
العيني قال. ومختلس بفتح اللام مصدر ميمي بمعنى الاختلاس ا. هـ. وأقره شيخنا والبعض ولا حاجة إلى جعله مصدرًا ميميا, بل الظاهر أنه اسم مفعول حال من ما. قوله: "لأن لام الجر لا تفصل إلخ" أي: فليس النصب بكي بل بأن المضمرة بعد اللام المؤكدة لكي الجارة فبطل القول بأنها مصدرية ناصبة للفعل دائمًا. قوله: "حرف جر دائمًا" أي: والنصب بعدها بأن مضمرة أو ظاهرة ورد بقوله تعالى ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ فإن زعم أن كي تأكيد للام كقوله:
ولا للمابهم أبدًا دواء
رد بأن الفصيح المقيس لا يخرج على الشاذ تصريح. قوله: "ومنعه الجمهور" لأن كي من الموصولات الحرفية ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول وإن كانت جارة فأن مضمرة بعدها وهي موصولة سم. قوله: "إذا فصل بين كي إلخ" قال أبو حيان: وأجمعوا على جواز الفصل بينها وبين معمولها بلا النافية وبما زائدة وبهما معًا, وأما الفصل بغير ما ذكر فلا يجوز عند البصريين وهشام ومن وافقه من الكوفيين في الاختيار مطلقًا سواء رفع الفعل أو نصب, وجوزه الكسائي بمعمول الفعل الذي دخلت عليه وبالقسم وبالشرط فيبطل عملها فيرفع الفعل, واختار ابن مالك وولده جواز الفصل بما ذكر من العمل فينصب الفعل فتلخص في الفصل ثلاثة أقوال ا. هـ. سيوطي وبه يعلم ما في كلام الشارح من الإجمال والإبهام.
قوله: "بالرفع لا بالنصب" أي: مع الرفع لا مع النصب. قوله: "وطرفك إلخ" الطرف العين ولا يجمع؛ لأنه في الأصل مصدر بل يطلق على الواحد والجماعة. قال تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] ، وهو مبتدأ خبره جملة الشرط والجزاء ولا يجوز نصبه بمحذوف يفسره احبسنه؛ لأن فعل الجزاء لا يعمل في متقدم على شرطه فلا يفسر عاملًا فيه ا. هـ. شمني وقوله: فاحبسنه أي: عن النظر إلينا وقوله: كما يحسبوا قال شيخنا: قال شيخنا السيد: أي: يظنوا من حسب كما في
стр. 1319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كيما فحذفت الياء ونصب بها وذهب المصنف إلى أنها كاف التشبيه كفت بما ودخلها معنى التعليل فنصبت، وذلك قليل. وقد جاء الفعل بعدها مرفوعًا في قوله:
١٠٥٩- لا تَشْتُمْ الناسَ كما لا تُشْتم
الخامس: إذا قيل جئت لتكرمني فالنصب بأن مضمرة، وجوز أبو سعيد كون المضمر كي، والأول أولى؛ لأن أنَّ أمكن في عمل النصب من غيرها فهي أقوى على التجوز فيها بأن تعمل مضمرة و"كذا بأن" أي: من نواصب المضارع أن المصدرية نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ [البقرة: ١٨٤] ، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢] ، "لا بعد
ــ
نسخة قديمة بيدي من شرح الكافية ضبط قلم وتنظر بتاء الخطاب ا. هـ. والمعنى إذا جئتنا فلا تجعل نظرك إلينا بل إلى غيرنا ليظنوا أن هواك للشيء الذي تنظر إليه لا لمحبوبتك فيستتر أمرك. قوله: "ونصب بها" فتكون كي مصدرية واللام مقدرة قبلها. قوله: "كاف التشبيه إلخ" عبارة المغني, وقال ابن مالك: هي كاف التعليل وما الكافة ا. هـ. وهي تفيد أن كونها كافة التشبيه بحسب الأصل.
قوله: "فنصبت" يلزم عليه عمل عامل الاسم المختص به في الفعل وهو ممتنع. وأجيب بأن نسبة نصب الفعل إلى الكاف التعليلية كنسبته إلى اللام التعليلية وهي نسبة مجازية باعتبار أن النصب بأن مضمرة بعدها, ولا يخفى أن التكلف فيما قاله ابن مالك وأن رواية لكي يحسبوا مؤيدة لقول الفارسي, وأنه يمكن أن يقال إن ما في البيت مصدرية لا كافة والفعل منصوب بها حملًا على أن أختها كما قيل في كما تكونوا يولي عليكم كذا في الشمني. وأنا أقول لا يخفى أن ادعاءه التكلف فيما قاله ابن مالك غير ظاهر وإن تبعه البعض وإن أسهل مما قاله ومما قاله ابن مالك ومما قاله الفارسي أن تكون الكاف تعليلية وما مصدرية كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] ، والفعل مرفوع بالنون المحذوفة تخفيفًا كما في قوله:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي
فاحفظه. قوله: "وذلك قليل" أي: النصب بكاف التشبيه المضمنة معنى التعليل كذا قال شيخنا, وهو صريح في بقائها على إفادة التشبيه مع زيادة التعليل, والظاهر أنها في مثل ذلك للتعليل فقط وتسمية المصنف لها كاف التشبيه باعتبار الأصل كما مر فتدبر. قوله: "وجوز أبو سعيد" أي: السيرافي ووافقه ابن كيسان وحملهما على ذلك أن العرب أظهرت بعد لام كي أن تارة وكي تارة وهمع. قوله: "كذا بأن" هي أم الباب؛ لأنها تعمل ظاهرة ومقدرة وإنما أخرها عن لن وكي لطول
стр. 1320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
علم" أي: ونحوه من أفعال اليقين فإنها لا تنصبه؛ لأنها حينئذ المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] , ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾ [طه: ٨٩] ، أي: إنه سيكون وإنه لا يرجع. وأما قراءة بعضهم أن لا يرجع بالنصب وقوله:
١٠٦٠- نَرْضَى عنِ اللهِ أنَّ الناسَ قد عَلِموا ... أن لا يُدانِينا من خَلْقِهِ بَشَرُ
فمما شذ. نعم إذا أول العلم بغيره جاز وقوع الناصبة بعده، ولذلك أجاز سيبويه ما علمت إلا أن تقوم بالنصب، قال: لأنه كلام خرج مخرج الإشارة فجرى مجرى قولك أشير عليك أن تقوم, وقيل يجوز بلا تأويل. ذهب إليه الفراء وابن الأنباري. والجمهور على المنع
ــ
الكلام عليها عنهما قال في الهمع: ويقال فيها عن بإبدال الهمزة عينًا. قوله: "أي: ونحوه" حمل كلام المصنف على أن المعنى لا بعد مادة علم فاحتاج إلى قوله: ونحوه والأولى حمله على أن المعنى لا بعد مفيد علم كرأي وتحقق وتيقن وتبين وظن مستعملًا في العلم, وحينئذ لا يحتاج إلى ذلك, ومثل هذا يقال في قوله" والتي من بعد ظن قوله: "نرضى عن الله" يعني نثني عليه ونشكره وقوله: أن الناس إلخ استئناف بياني مسوق للتعليل وقوله: أن لا يدانينا أي: يقاربنا في المفاخر. قوله: "إذا أول العلم بغيره من ذلك ما إذا أريد به الظن.
قوله: "ولذلك أجاز سيبويه إلخ" ومنع المبرد النصب بعد العلم مطلقًا باقيًا على حقيقته أو مؤولا كما في الهمع. قوله: "خرج مخرج الإشارة" أي: وقع موقع الكلام الدال على الإشارة فمعنى ما علمت إلخ ما أشير عليك إلا بأن تقوم. وقوله: فجرى إلخ أي: فعومل معاملة قولك: أشير إلخ في نصب الفعل. قوله: "والجمهور على المنع" أي: منع وقوع الناصبة للمضارع بعد العلم بلا تأويل. قال الدماميني: هو الصواب؛ لأن الناصبة تدخل على ما ليس بمستقر ولا ثابت؛ لأنها تخلص المضارع للاستقبال فلا تقع بعد أفعال التحقيق بخلاف المخففة فإنها تقتضي تأكيد الشيء وثبوته واستقراره ا. هـ. وفيه عندي نظر؛ لأنه إن أريد بعدم استقرار مدخولها وثبوته عدم تيقنه فممنوع وتعليله باستقبال مدخولها لا يفيده فقد يكون المستقبل متيقنًا. وحينئذ لم يضر تلو أن أفعال اليقين وإن أريد به عدم حصوله وقت التكلم فمسلم, لكن لا يلزم من ذلك عدم تيقن حصوله في المستقبل. فإذا كان كذلك لم يضر تلو أن أفعال اليقين فكيف التصويب الذي ارتكبه, وقال الفارضي: إنما وجب كونها مخففة؛ لأن العلم لا يناسبه إلا التوكيد وأن المثقلة كالمخففة في التوكيد, وأما أن المصدرية فإنها للرجاء والطمع فلا يناسبان العلم ا. هـ. ثم ما ذكرناه من أن المراد بالمنع في قول الشارح والجمهور على المنع مع وقوع الناصبة للمضارع بعد العلم بلا تأويل لا مطلقًا هو المتبادر من عبارة التصريح والهمع والذي ترجاه شيخنا ويدل له تعليل الدماميني الذي قدمناه فقول البعض بعد العلم مطلقًا غير ظاهر, وقد تلخص أن الأقوال ثلاثة: قول المبرد بالمنع مطلقًا ولم يذكره الشارح, وقول الفراء وابن الأنباري بالجواز مطلقًا وقول سيبويه والجمهور
стр. 1321
فانْصَبْ بها والرفعَ صحِّحْ واعتقِدْ ... تَخْفيفها من أن فهو مُطَّرِدْ
ــ
"والتي من بعد ظن" ونحوه من أفعال الرجحان "فانصب بها" المضارع إن شئت بناء على أنها الناصبة له "والرفع صحح واعتقد" حينئذ "تخفيفها من أن" الثقيلة "فهو مطرد" وقد قرئ بالوجهين: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع تكون والباقون بنصبه. نعم النصب هو الأرجح عند عدم الفصل بينها وبين الفعل، ولهذا اتفقوا عليه في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] .
تنبيهات: الأول أجرى سيبويه والأخفش أن بعد الخوف مجراها بعد العلم لتيقن المخوف نحو: خفت أن لا تفعل وخشيت أن تقوم، ومنه قوله:
١٠٦١- أخافُ إذا ما مِتُّ أن لا أَذُوقَها
ــ
بالتفصيل فاعرف ذلك.
قوله: "والتي من بعد ظن إلخ" قال أبو حيان: وليس في الواقعة بعد الشك إلا النصب. سيوطي. قوله: "واعتقد حينئذ" أي: حين إذ رفعت بها. قوله: "هو الأرجح إلخ" أي: لأن الناصبة للمضارع أكثر وقوعًا من المخففة. أما عند الفصل فالأرجح الرفع؛ لأن الفصل بين المخففة ومدخولها أكثر من الفصل بين الناصبة للمضارع ومدخولها كذا قال البعض. وقد يقال أكثرية الفصل بين المخففة ومدخولها معارض بأكثرية وقوع الناصبة للمضارع, ومقتضى ذلك استواء الوجهين عند الفصل ويؤيده اختلاف القراء عند الفصل في قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] ولو كان راجحًا لاتفقوا عليه كما اتفقوا على النصب لرجحانه في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] ، كما سيذكره الشارح. نعم ذكر بعضهم أن السبعة قد يتفقون على المرجوح فافهم. قوله: "عند عدم الفصل" أي: بلا فقط؛ لأنها التي يحتمل معها كون أن مخففة أو ناصبة لجواز الفصل بها بين المخففة والفعل أو الناصبة والفعل بخلاف غيرها مما يفصل به بين المخففة والفعل كان وقد ولو وحرف التنفيس؛ لأن غيرها لا يفصل به بين الناصبة والفعل فمعه يتعين كون أن مخففة فيجب الرفع لا أنه يترجح فقط. فقول شيخنا عند عدم الفصل أي: بلا أو لن أو ما أشبههما من الحروف التي تفصل بين أن المخففة والفعل غير صحيح.
قوله: "بعد الخوف" أي: الذي لم يستعمل بمعنى العلم وإلا كان من بابه سم. قوله: "لتيقن المخوف" أي: عند تيقنه. قال سم: ويفهم منه وجوب النصب عند عدم التيقن وهو شامل لظن
стр. 1322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنع ذلك الفراء. الثاني: أجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها مستشهدًا بقوله:
١٠٦٢- رَبَّيْتُهُ حتّى إذا تَمَعْددا ... كانَ جزائي بالعَصا أنْ أُجْلَدا
قال في التسهيل: ولا حجة فيما استشهد به لندوره أو إمكان تقدير عامل مضمر الثالث: أجاز بعضهم الفصل بينها وبين منصوبها بالظرف وشبهه اختيارًا نحو: أريد أن عندك أقعد، وقد ورد ذلك مع غيرها اضطرارًا كقوله:
١٠٦٣- لَمَّا رأيتُ أبا يَزيدَ مُقاتِلا ... أَدَع القتالَ وأَشْهَد الهَيْجَاء
ــ
المخوف فظاهره أنه حينئذ لا يلحق بالظن كما ألحق بالعلم عند التيقن فليراجع ا. هـ. وقد يقال الذي يفهم من قوله: لتيقن المخوف أنه لا يجب الرفع عند عدم التيقن وعدم وجوب الرفع صادق بوجوب النصب وبجواز الوجهين فتأمل. قوله "أن لا أذوقها" أي: برفع أذوق كبقية القوافي والضمير للخمرة. قوله: "ومنع ذلك الفراء" أي: فأوجب النصب في تلك الصورة ونقله في الهمع عن المبرد. قوله: "أجاز الفراء إلخ" ومذهب البصريين المنع؛ لأن معمول الصلة من تمامها فكما لا تتقدم الصلة لا يتقدم معمولها همع. قوله: "تمعددا" أي: قويت معدته كناية عن كبره. قوله: "أو إمكان تقدير عامل مضمر" أي: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد فالجار والمجرور متعلق بأجلد المحذوف لا المذكور. دماميني.
قوله: "أجاز بعضهم إلخ" أما الجمهور ومنهم سيبويه فيمنعون في الاختيار الفصل مطلقًا قوله: "بالظرف إلخ" وأجازه الكوفيون بالشرط نحو: أردت أن أن تزرني أزورك بالنصب. همع. قوله: "وشبهه" هو الجار والمجرور. قوله: "لما رأيت إلخ" يلغز به فيقال: أين جواب لما وبم انتصب أدع. والجواب أن الأصل لن ما فأدغمت النون في الميم للتقارب وحقهما أن يكتبا منفصلين لكن وصلا خطأ في بعض النسخ للإلغاز وما ظرفية مصدرية وقد فصل بها وبصلتها بين لن والفعل, وأشهد ليس معطوفًا على أدع لمنافاته قوله: لن أدع القتال بل منصوب بأن مضمر وأن والفعل عطف على القتال أي: لن أدع القتال وشهود الهيجاء فهو من عطف الفعل على المصدر الصريح ونظيره في الإلغاز قوله:
عافَتَ الماء في الشتاء فقلنا ... برديه تصادفيه سخينا
فيقال كيف يكون التبريد سببًا لمصادفته سخينًا. وجوابه أن الأصل بل رديه بوزن عديه من
стр. 1323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتقدير لن أدع القتال مع شهود الهيجاء مدة رؤية أبي يزيد. الرابع أجاز بعض الكوفيين الجزم بها، ونقله اللحياني عن بعض بني صباح من ضبة وأنشدوا:
١٠٦٤- إذا ما غَدَوْنا قالَ وِلدانُ أَهْلِنا ... تعالَوْا إلى أنْ يَأْتِنا الصيدُ نَحْطِبِ
وقوله:
١٠٦٥- أُحاذِرُ أنْ تَعْلَمَ بِها فَتَرُدَّها ... فتَتْرُكَها ثِقْلا عليَّ كما هِيا
وفي هذا نظر؛ لأن عطف المنصوب -وهو فتتركها- عليه يدل على أنه سكن للضرورة لا مجزوم. الخامس تأتي أن مفسرة وزائدة فلا تنصب المضارع. فالمفسرة هي
ــ
الورود أي: اشربيه تجديه سخينا. قوله: "اللحياني" بكسر اللام وسكون الحاء المهملة, ولحيان أبو قبيلة وصباح بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة وآخره حاء مهملة أبو بطن من ضبة وضبة بمعجمة مفتوحة وموحدة مشددة أبو قبيلة. شمني مع زيادة قولي: أبو بطن من ضبة. واللحياني من البصريين كما في الهمع. قوله: "إذا ما غدونا" أي: بكرنا ونحطب بحاء مهملة فطاء مهملة مكسورة مضارع حطب أي: جمع الحطب وهو جواب الأمر. قوله: "أن تعلم بها" الضمير المستتر في تعلم يرجع إلى بثينة محبوبة الشاعر الذي هو جميل, والضمير البارز في بها يرجع إلى الحاجة المذكورة في البيت قبله, والثقل بكسر فسكون واحد الأثقال وهي الأشياء الثقيلة. قوله: "وهو فتتركها" حصر المنصوب في فتتركها؛ لأنه المنصوب نصا بخلاف فتردها إذ قد يدعي أنه مجزوم وحرك تخلصًا من التقاء الساكنين, وكان حركته فتحة للخفة. قوله: "تأتي أن مفسرة إلخ" وضميرًا للمتكلم في قول بعض العرب: أن فعلت وضميرًا للمخاطب في نحو: أنت وأنت إلخ. قال الكوفيون: وشرطية كإن المكسورة كما في قوله:
أبا خِراشة إما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
ورجحه في المغني بأمور منها مجيء الفاء بعدها كثيرًا كما في البيت, وتقدم تخريجه على غير قولهم في باب كان وأخواتها. قيل ونافية كإن المكسورة كما في قوله تعالى حكاية عن طائفة من أهل الكتاب، ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] ، وخرجه الزمخشري وغيره على معنى صدر منكم ما صدر كراهة أن يؤتى إلخ
, أي: حملكم على ذلك الحسد فيكون متعلقًا بمحذوف من مقول قل, أو على معنى ولا تظهروا الإيمان بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب إلا لمن تبع دينكم فيكون متعلقًا بقوله: ولا تؤمنوا, وجملة ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراض ونوقش
стр. 1324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه نحو: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] , ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] والزائدة هي التالية للما نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦] والواقعة بين الكاف ومجرورها كقوله:
ــ
بأن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعدها إلا المستثنى والمستثنى منه وتابع أحدهما. وأجيب باحتمال أن الزمخشري لا يرى ذلك في الظرف والجار والمجرور لتوسعهم فيهما. قوله: "مفسرة" أي: لمتعلق فعل قبلها. قال الرضي: وأن لا تفسر إلا مفعولًا لا مقدرًا نحو: كتبت إليه أن قم أي: كتبت إليه شيئًا هو قم أو ظاهرا نحو: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ . دماميني.
قوله: "المسبوقة بجملة إلخ" بقي قيدان: وهما أن يتأخر عنها جملة ولم تقترن بجار فخرج من التعريف ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لعدم تقدم الجملة فأن فيه مخففة من الثقيلة كما في الفارضي وغيره, وإنما لم تكن المسبوقة بمفرد مفسرة؛ لأن المفسرة ليس ما بعدها من صلة ما قبلها, بل يتم الكلام دونه ولا يحتاج إليه من جهة تفسير المبهم فيه وما بعد المسبوق بمفرد ليس كذلك, فإن أن الحمد لله خبر آخر دعواهم. قاله الرضي وقلت له: أن افعل لوجود حروف القول فلا يقال هذا التركيب لعدم وجوده في كلامهم؛ لأن الجملة تقع مفعولا لصريح القول, وعلى تسليم أنه يقال لا تجعل أن فيه تفسيرية بل زائدة وجوز الزمخشري في أن ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أن تكون أن مفسرة على تأويل قلت بأمرت, واستحسنه في المغني. قال: وعلى هذا فمعنى شرطهم أن لا يكون في الجملة قبلها حروف القول أي: باقيًا على حقيقته غير مؤول بغيره ا. هـ. وجوز ابن عصفور أن يفسر بها صريح القول ولا يقال أخذت عسجدًا أن ذهبًا لعدم تأخر الجملة فلا يؤتى بأن بل تحذف أو يؤتى بدلها بأي: وكتبت إليه بأن افعل أو كتبت إليه أن افعل إذا قدر معها الباء لاقترانها بالجار فهي مصدرية في الموضعين؛ لأن حرف الجر لا يدخل إلا على اسم صريح أو مؤول.
قوله: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ قيل الجملة مفسرة فلا محل لها كما في المغني, وفيه عندي نظر؛ لأنه إنما يظهر في المفسرة التي ليست في معنى المفرد كما في زيدًا ضربته لا في المفسرة بعد أن للمفعول؛ لأن الظاهر أن هذه في محل نصب تبعًا لما فسرته؛ لأنها في معنى هذا اللفظ فيحل المفرد محلها. وفي كلام الكافيجي ما نصه: الظاهر أن الإيحاء متعلق بالجملة تعلق مفعولية فتكون منصوبة المحل ا. هـ. وهو يؤيد ما قلنا: إن أراد المفعولية في المعنى مع بقاء أن على كونها مفسرة فإن أراد المفعولية في اللفظ مع كون أن زائدة فشيء آخر فتدبر. قوله: "وانطق الملأ إلخ" ليس المراد بالانطلاق المشي بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام, كما أنه ليس المراد بالمشي في أن امشوا المشي المتعارف بل الاستمرار على الشيء.
فائدة: إذا ولي أن الصالحة للتفسير مضارع معه لا, نحو: أشرت إليه أن لا يفعل جاز رفعه على تقدير لا نافية وجزمه على تقديرها ناهية, وعليهما فأن مفسرة ونصبه على تقديرها نافية, وأن مصدرية فإن فقدت لا امتنع الجزم, وجاز الرفع والنصب ا. هـ. مغني أقول: يصح على الجزم بلا ناهية أن تكون أن مصدرية بناء على الأصح من كونها توصل بالأمر والنهي. قوله: "التالية للما"
стр. 1325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٦٦- كأنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ
في رواية الجر. وبين القسم ولو كقوله:
١٠٦٧- فأُقْسِمُ أن لو التَقَيْنا وأنتم ... لكان لكم يومٌ من الشّرِّ مُظْلمُ
وأجاز الأخفش إعمال الزائدة، واستدل بالسماع كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا
ــ
أي: التوقيتية كما في المغني احترازًا عن النافية وهي الجازمة والموجبة وهي التي بمعنى إلا فما يقتضيه كلام البعض من مغايرة الجازمة للنافية فاسد.
قوله: "نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ " وتقول: أكرمك لما أن يقوم زيد بالرفع فارضي. قوله: "لكان لكم إلخ" جواب القسم لتقدمه وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب لقسم عليه بناء على أن الشرط الامتناعي كغيره في كون الجواب له عند تقدمه أو جواب لو وجواب القسم محذوف بناء على أن الجواب للامتناع, تقدم على القسم أو تأخر أو جواب لو ولو وما دخلت عليه جواب القسم. وسيأتي هذا الخلاف في بحث عوامل الجزم. قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ إن قلت ليست هذه من مواضع الزيادة المتقدمة. قلت الأخفش لا يخص الزيادة بما تقدم, بل زعم أنها تزاد في غير ذلك ا. هـ. تصريح ووجه زيادتها في الآية أن ما لنا ونحو: كما لك لا يقع بعده عند الأخفش إلا الفعل الصريح عن أن الجملة حالية نحو: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] ، أو الاسم الصريح على أنه حال نحو: ما لك قائمًا دون المؤول بالاسم ولا يرد أن الجملة الحالية لا
стр. 1326
وبَعْضُهم أَهْمَلَ أنْ حَمْلا على ... ما أُخْتِها حيثُ اسْتَحَقَّت عَمَلا
ــ
نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ، وبالقياس على حرف الجر الزائد، ولا حجة في ذلك؛ لأنها في الآية مصدرية، فقيل: دخلت بعد ما لنا لتأوله بما منعنا، وفيه نظر؛ لأنه لم يثبت إعمال الجار والمجرور في المفعول؛ ولأن الأصل أن لا تكون لا زائدة، والصواب قول بعضهم: إن الأصل وما لنا في أن لا نقاتل، والفرق بينها وبين حرف الجر أن اختصاصه باق مع الزيادة بخلافها فإنها قد وليها الاسم في البيت الأول والحرف في الثاني "وبعضهم" أي: بعض العرب "أهمل أن حملا على ما أختها" أي: المصدرية "حيث استحقت عملا" أي: واجبًا، وذلك إذا لم يتقدمها علم أو ظن كقراءة ابن محيصن: "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ" [البقرة: ٢٣٣] ، وقوله:
١٠٦٨- أَنْ تَقْرآنِ على أسْماءِ وَيَحْكُما ... مِنّي السلامَ وأن لا تُشْعرا أَحَدا
ــ
تصدر بدليل استقبال؛ لأن دليل الاستقبال أن غير الزائدة لا الزائدة, كذا في الدماميني. قوله: "لتأوله بما منعنا" أي: فأن لا نقاتل مفعول ثان للجار والمجرور لتأوله بفعل يتعدى لاثنين.
قوله: "إعمال الجار والمجرور" وهو لنا في المفعول وهو أن لا نقاتل ا. هـ. سم قال الدماميني: قد يقال إنما يرد ذلك لو كان أن لا نقاتل عند هذا القائل مفعولًا مصرحًا وليس في كلامه ما يقتضيه لاحتمال أن يكون عنده على نزع الخافض وهو عن فإنه يقال منعته عن كذا كما في الصحاح وغيره والمحل نصب أو خفض على الخلاف. قوله: "أن لا تكون لا زائدة" أي: كما لزم على هذا القول إذ المعنى عليه وما منعنا أن نقاتل سم. قوله: "والصواب قول بعضهم إلخ" هذا مقابل القيل السابق كما هو صريح المغني لا قول الأخفش, كما زعم البعض؛ لأنه قابل قول الأخفش بقوله: لأنها في الآية مصدرية, ثم ذكر قولين على أنها مصدرية. قوله: "في أن لا نقاتل" فتكون أن مصدرية منسبكة مع ما بعدها بمصدر مجرور بجار محذوف متعلق بما تعلق به لنا. قوله: "والفرق بينها إلخ" هذا رد لقياس الأخفش أن الزائدة على حرف الجر الزائد.
قوله: "حملا" أي: بالحمل على ما بجامع أن كلا منهما حرف مصدري ثنائي, وبعضهم أعمل ما المصدرية حملا على أن المصدرية نحو: كما تكونوا يولي عليكم ا. هـ. مغني قال الدماميني: ولا حاجة إلى جعل ما هنا ناصبة فإن في ذلك إثبات حكم لها لم يثبت في غير هذا المحل بل الفعل مرفوع ونون الرفع محذوفة وقد سمع نثرًا ونظمًا ا. هـ. قوله: "حيث استحقت" أي: إن عملًا أي: واجبًا كما يفيده كلام الشارح والظرف متعلق بأهمل. قوله: "وذلك" أي: استحقاق أن العمل. قوله: "لمن أراد أن يتم" أي: بالرفع والقول بأن أصله يتمون فهو منصوب
стр. 1327
ونَصَبُوا بإذَن المُسْتَقبلا ... إنْ صُدِّرَت والفِعلُ بعدُ مُوصَلا
أو قَبْلَهُ اليمينُ وانْصَبْ وارْفَعا ... إذا إذنْ من بعدِ عَطْفٍ وَقَعا
ــ
هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون فهي عندهم مخففة من الثقيلة.
تنبيه: ظاهر كلام المصنف أن إهمالها مقيس "ونصبوا بإذن المستقبلا إن صدرت والفعل بعد موصلا. أو قبله اليمين" أي: شروط النصب بإذن ثلاثة: الأول أن يكون الفعل مستقبلا، فيجب الرفع في إذن تصدق جوابًا لمن قال: أنا أحبك. الثاني: أن تكون مصدره، فإن تأخرت نحو: أكرمك إذن أهملت، وكذا إن وقعت حشوا كقوله:
ــ
بحذف النون وحذفت الواو للساكنين واستصحب ذلك خطأ, والجمع باعتبار معنى من تكلف. تصريح. قوله: "أن تقرآن إلخ" إما محل نصب بدل من حاجة في قوله قبله:
يا صاحبي فدت نفسي نفوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
أن تحملا حاجة لي خف محملها ... وتصنعا نعمة عندي بها ويدا
أو من أن تحملا المنصوب بمحذوف تقديره: أسألكما وإما في محل رفع خبر مبتدأ محذوف عائد إلى حاجة أي: هي أن تقرآن، والشاهد في أن الأولى وليست مخففة من الثقيلة خلافًا للكوفيين, قيل بدليل أن المعطوف عليها واعترض بأنه لا مانع من عطف أن الناصبة وصلتها على أن المخففة وصلتها إذ هو عطف مصدر على مصدر ا. هـ. يس مع زيادة وقد يجاب بأن مراده أن عطف أن الناصبة مرجح لكون أن العطوف عليها ناصبة للتناسب والترجيح كاف في الاستشهاد ولا يلزم التعيين ولك أن تستدل على كونها ليست المخففة بعدم وقوعها بعد دال علم أو ظن فاحفظه. قوله: "ظاهر كلام المصنف إلخ" وظاهره أيضًا اختصاصها بالإهمال ووجهه أنهم يتوسعون في الأمهات وضعفها من جهة أنها قد تهمل لا ينافي كونها أما إذ لا يلزم في الأم قوتها من كل وجه فاندفع اعتراض البعض.
قوله: "ونصبوا" اعلم أن أكثر العرب يلتزم إعمال إذن عند استيفاء شروطه والقليل منهم يلتزم إهمالها عند ذلك كما سيذكره الشارح. إذا علمت ذلك فالضمير في نصبوا لأكثر العرب وهو على الوجوب, فقول البعض تبعًا لشيخنا: ونصبوا أي: جوازًا كما سينبه الشارح عليه غير ظاهر فتأمل, والواو في والفعل بعد حالية وموصلًا حال من الضمير المستكن في الخبر أعني بعد. وقوله: أو قبله اليمين إما معطوف على بعد واليمين فاعل الظرف لاعتماده على المبتدأ أو مبتدأ مؤخر وقبله خبر مقدم, وإما معطوف على موصلًا على الوجهين المذكورين في العطف على بعد, والمراد بالبعدية على هذا ما يشمل البعدية مع الانفصال. قوله: "أن يكون الفعل مستقبلا" إجراء لها مجرى سائر النواصب وإنما لم تعمل النواصب في فعل الحال؛ لأن له تحققا في الوجود كالأسماء فلا يعمل فيه عوامل الأفعال. دماميني. قوله: "فيجب الرفع في إذن تصدق إلخ" أي: لأنه حال ومن شأن الناصب أن يخلص المضارع للاستقبال. همع. قوله: "أن تكون مصدرة" أي: في جملتها بحيث لا يسبقها شيء له تعلق بما بعدها, وإنما لم تعمل غير مصدرة لضعفها بعدم تصدرها
стр. 1328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
١٠٦٩- لَئِنْ عادَ لي عبدُ العزيزِ بِمْثِلها ... وأَمْكننِي منها إذا لا أُقِيلُهَا
فأما قوله:
١٠٧٠- لا تَتْرُكَنِّي فيهُمُ شَطِيرا ... إنِّي إذًا أَهْلِكُ أو أَطيرا
ــ
عن العمل ا. هـ. دماميني وفي الشمني أن ترك تصديرها داخلة على المضارع إنما يكون في ثلاثة مواضع بالاستقراء أن يكون ما بعدها خبرًا لما قبلها نحو: أنا إذن أكرمك أو جوابًا لشرط قبلها نحو: إن تزرني إذن أكرمك أو لقسم قبلها نحو: والله إذن لأخرجن ا. هـ. وفي الموضع الأول خلاف كما في الهمع فأجاز هشام النصب بعد مبتدأ كالمثال وأجازه الكسائي بعد اسم أنه نحو: إني إذن أهلك أو أطير أو اسم كان نحو: كان زيد إذن يكرمك قال أبو حيان: وقياس قوله جواز النصب بعد ظن نحو: ظننت زيدًا إذن يكرمك.
قوله: "أهملت" أي: وجوبًا بلا خلاف؛ لأن الفعل المنصوب لا يجوز تقديمه على ناصبه همع. قوله: "بمثلها" أي: بمثل مقالته سابقًا تمن علي وقوله: لا أقبلها أي: لا أترك مقالتي سابقًا أتمنى عليك أن أكون كاتبًا عندك. وعبد العزيز هذا والد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وأخوه بعد الملك بن مروان تولى إمارة مصر لا الخلافة العظمى كما في الشمني وغيره, كان الشاعر وهو كثير عزة امتدحه بقصيدة أعجبته فقال له: تمن علي. فقال له: أتمنى عليك أن أكون كاتبك, فقال له: ويحك أنت لا تحسن الكتابة وأعطاه جائزة فصمم على أنه إن قال له عبد العزيز ثانيًا تمن علي لا يتمنى إلا كونه كاتبه وقد عد هذا من حمقه. وإرجاع الضمير للمقالة هو ما قاله الدماميني والعيني وأرجعه الشمني لخطة الرشد في قوله قبل:
عجبت لتركي خطة الرشد بعد ما ... بدا لي من عبد العزيز قبولها
والشاهد في قوله: لا أقيلها حيث رفعه لعدم تصدر إذن لكونها جواب قسم سابق عليها في قوله:
حلفت برب الراقصات إلى منى
إلخ وجواب الشرط محذوف فعلم ما في كلام الحواشي من الخلل. قوله: "شطيرا" بفتح
стр. 1329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فضرورة أو الخبر محذوف أي: إني لا أستطيع ذلك، ثم استأنف: إذن أهلك، فإن كان المتقدم عليها حرف عطف فسيأتي. الثالث: أن لا يفصل بينها وبين الفصل بغير القسم، فيجيب الرفع في نحو. إذا أنا أكرمك ويغتفر الفصل بالقسم كقوله:
١٠٧١- إذنْ واللهِ نَرْميهُم بحَرْبٍ ... يَشِيبُ الطفلُ من قبلِ المشيبِ
وأجاز ابن بابشاذ الفصل بالنداء والدعاء، وابن عصفور الفصل بالظرف، والصحيح المنع إذ لم يسمع شيء من ذلك. وأجاز الكسائي وهشام الفصل بمعمول الفعل، والاختيار حينئذ عند الكسائي النصب وعند هشام الرفع "وانصب وارفعا إذا إذن من بعد عطف"
ــ
الشين المعجمة أي: غريبًا وأهلك بكسر اللام ويجوز فتحها على ما في القاموس. قوله: "أن لا يفصل إلخ" لضعفها مع الفصل عن العمل. ا. هـ. تصريح. قوله "وبالقسم" كذا بلا النافية؛ لأن القسم تأكيد لربط إذن ولا لم يعتد بها فاصلة في أن فكذا في إذن سيوطي. قوله "والدعاء" نحو: إذن غفر الله لك أكرمك. قوله: "بمعمول الفعل" فلو قدم معمول الفعل على إذن نحو: زيدًا إذن أكرم فذهب الفراء إلى أنه يبطل عملها, وأجاز الكسائي الرفع والنصب. قال أبو حيان: ولا نص أحفظه عن البصريين في ذلك ومقتضى اشتراطهم في عملها التصدير أن لا تعمل حينئذ؛ لأنها غير مصدرية ويحتمل أن يقال تعمل؛ لأنها وإن لم تتصدر لفظًا فهي مصدرة في النية؛ لأن النية بالمعمول التأخير ا. هـ. سيوطي قال سم: ويؤخذ من كلامه عدم العمل قطعًا في نحو: يا زيد إذن أكرمك؛ لأن المتقدم عليها معمول ا. هـ. وفيه عندي نظر لتصدرها في جملتها؛ ولأن نحو: هذا المثال ليس من المواضع الثلاثة المحصورة فيها عدم تصدرها داخلة على المضارع.
كما مر قوله: "عند الكسائي النصب" فيه أنه تقدم عن الكسائي في الفصل بين كي والفعل بمعموله أنه يبطل عملها ويمكن الفرق بشدة اقتضاء كي المصدرية الاتصال بالفعل؛ لأنهما في تأويل اسم واحد سم. قوله: "وعند هشام الرفع" لضعف عملها بالفصل وكان القياس بطلان العمل فلا أقل من أن يكون مرجوحًا. قوله: "وانصب وارفعا" وقد يجزم إن اقتضاه الحال كما سيأتي في الشرح, وإنما جاز النصب والرفع؛ لأنك عطفت جملة مستقلة على جملة مستقلة فمن حيث كون إذن في ابتداء جملة مستقلة هو متصدر فيجوز انتصاب الفعل بعده ومن حيث كون ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط حرف العطف بعض الكلام ببعض هو متوسط وإلغاؤها أجود كما في الرضي؛ لأنها غير متصدرة في الظاهر ا. هـ. سم ويشير إلى رجحانه قوله: وارفعا بنون التوكيد الخفيفة المبدلة ألفًا ومقتضى التعليل المذكور تعين النصب إذا كانت الواو أو الفاء
стр. 1330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالواو والفاء "وقعا" وقد قرئ شاذا "وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا خِلَفَك" ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] ، على الأعمال نعم الغالب الرفع على الإهمال وبه قرأ السبعة.
تنبيهات: الأول أطلق العطف والتحقيق أنه إذا كان العطف على ما له محل ألغيت، فإذا قيل أن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك فإن قدرت العطف على الجواب جزمت وأهملت إذن لوقوعها حشوًا، أو على الجملتين معًا جاز الرفع والنصب. وقيل يتعين النصب؛ لأن ما بعدها مستأنف؛ أو لأن المعطوف على الأول أول. ومثل ذلك: زيد يقوم وإذن أحسن إليه إن عطفت على الفعلية رفعت، أو على الاسمية فالمذهبان. الثاني الصحيح الذي عليه الجمهور أن إذن حرف، وذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم والأصل في إذن أكرمك إذا جئتني أكرمك، ثم حذفت الجملة وعوض عنها التنوين وأضمرت أن. وعلى الأول
ــ
استئنافية كما إذا قيل لك آتيك غدًا فقلت مستأنفًا وإذن أكرمك. قوله: "على ما له محل" قال البعض: كان الأولى أن يقول على ما له إعراب ليشمل اللفظي والمحلي بقرينة التمثيل ا. هـ. ويدفع بأن ما له محل شامل لما إعرابه لفظي؛ لأنه معرب لفظًا ومحلا فهو مما له محل فتدبر.
قوله: "ألغيت" أي: وجوبًا لوقوعها حشوًا كما سيذكره الشارح. قوله: "لوقوعها حشوًا" أي: بين جزأي الجواب, وإن شئت قلت بين الشرط والجواب؛ لأن المعطوف على الجواب جواب. قوله: "أو على الجملتين معًا" أي: جملتي الشرط والجواب.
قوله: "وقيل يتعين النصب" ليس المراد وقيل إن قدرت العطف على الجملتين معًا يتعين النصب؛ لأنه ينافيه قوله: لأن ما بعدها مستأنف بل المراد وقيل إن لم تعطف عن الجواب أعم من أن تقدر الواو عاطفة أو استئنافية ثم المراد تعين النصب على لغة أكثر العرب الملتزمين إعمال إذن عند استيفاء الشروط فلا ينافي جواز الرفع على لغة بعضهم الملغى لها عند استيفاء الشروط, فاندفع ما أطال به البعض. قوله: "لأن ما بعدها مستأنف" أي: بناء على أن الواو استئافية وقوله: لأن المعطوف إلخ أي: بناء على أنها عاطفة.
قوله: "فالمذهبان" أي: القول بجواز الأمرين والقول بتعين النصب. قوله: إلى أنها اسم" أي: غير ناصب للفعل, وإنما الناصب له أن مضمرة بعده كما سيذكره. قوله: " وعوض عنها التنوين" أي: وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. قوله: "وأضمرت أن" ولعل المفرد المؤول به أن ومدخولها عند صاحب هذا القول فاعل أي: إذا جئتني وقع إكرامك لا مبتدأ خبره محذوف أي: حاصل وإلا وجبت الفاء الرابطة الواجبة مع الجملة الاسمية الواقعة جوابًا قاله الدماميني. وذهب الرضي إلى أنها اسم وأصلها إذا حذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين وفتح ليكون في صورة ظرف منصوب وقصد جعله صالحًا لجميع الأزمنة بعد ما كان مختصا بالماضي وضمن معنى الشرط غالبًا. قال: وإنما قلنا غالبًا؛ لأنه لا معنى للشرط في نحو: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] ، ثم قال: وإذا كان بمعنى الشرط في الماضي جاز إجراؤه مجرى لو في قرن جوابه باللام نحو: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ أي: ولو ركنت شيئًا قليلا لأذقناك وإذا كان بمعنى الشرط في المستقبل جاز
стр. 1331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالصحيح أنها بسيطة لا مركبة من إذ وأن وعلى البساطة فالصحيح أنها الناصبة لا أن مضمرة بعدها كما أفهمه كلامه. الثالث معناها عند سيبويه الجواب والجزاء فقال الشلوبين: في كل موضع. وقال الفارسي: في الأكثر. وقد تتمحض للجواب بدليل أنه يقال أحبك
ــ
قرن جوابها بالفاء كقوله:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطًا إلي يدي
أي: إن أتيت فلا إلخ وقد تستعمل بعد لو وإن توكيدًا لهما نحو: لو زرتني إذن لأكرمتك وإن جئتني إذن أزرك ثم قال: ولما احتمل إذن التي يليها المضارع معنى الجزاء فالمضارع مستقبل واحتمل معنى مجرد الزمان فالمضارع حال وقصد التنصيص على معنى الجزاء في إذن نصب المشارع بأن المقدرة؛ لأنها تخلصه للاستقبال فتحمل إذن على الغالب فيها من الجزاء لانتفاء الحالية المانعة من الجزاء بسبب النصب بأن ثم قال: وإنما ادعينا أن إذن زمانية لظهور معنى الزمان فيها في جميع استعمالاتها وقلب نونها في الوقف ألفًا يرجح جانب اسميتها وتجويز الفصل بينهما وبين منصوبها بالقسم ونحوه يقوي كونها غير ناصبة بنفسها كأن ولن إذ لا يفصل بين الحرف ومعموله بما ليس من معموله ا. هـ. ولا يخفى أن أكثر ما قاله متأت على أن أصلها إذا. وفي حاشية السيوطي على المغني عن بعضها أن إذن تأتي على وجهين حرف ناصب للمضارع مختص به واسم أصله إذا أو إذ حذفت الجملة المضاف إليها وعوض عنها التنوين وهذه تدخل على غير المضارع وعلى المضارع فيرفع فيجوز أن تقول لمن قال: أنا آتيك إذن أكرمك بالرفع على أن الأصل إذا أتيتني أكرمك وبالنصب على أنها الحرفية.
قوله: "وعلى الأول" أو على أنها حرف أما على الثاني فبسيطة قطعًا وقوله: لا مركبة من إذ وإن نقلت حركة الهمزة إلى الذال ثم حذفت ا. هـ. سم أي: وغلب عليها وحكم الحرفية, وهذا قول الخليل قال: فإذا قال القائل أزورك فقلت إذن أكرمك فكأنك قلت حينئذ إكرامي واقع ا. هـ. أي: ولا من إذا وأن حذفت همزة أن ثم ألف إذ لالتقاء الساكنين كما يقول الرندي مستدلا بأنها تعطي الربط كإذا والنصب كأن أفاد كل ذلك في الهمع. قوله: "وعلى البساطة" قيد بذلك؛ لأن القائل بالتركيب يجعل النصب بأن المشتملة عليها إذن كما في حاشية السيوطي على المغني. قوله: "لا أن مضمرة بعدها" كما ذهب إليه الخليل في أحد قوليه؛ لأن أن لا تضمر إلا بعد عاطف أو جار ا. هـ. دماميني واعتل الخليل بعدم اختصاصها لدخولها على الجملة الاسمية نحو: إذن عبد الله يأتيك همع. قوله: "كما أفهمه كلامه" يعني قوله: ونصبوا بإذن المستقبلا. قوله: "الجواب" أي: لكلام آخر ملفوظ أو مقدر سواء وقعت في الصدر أو الحشو أو الآخر وقوله: والجزاء أي: المجازاة لمضمون كلام آخر وفي كلامه مسامحة أي: ربط الجواب إلخ.
قوله: "فقال الشلوبين: في كل موضع" وتكلف تخريج نحو: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ على الشرط والجزاء أي: إن كنت فعلت الوكزة كافرًا لأنعمك كما زعمت يا فرعون فأنا من
стр. 1332
وبَيْنَ لا ولامِ جَرٍّ التُزِمْ ... إظهارُ أنْ ناصِبةً وإنْ عُدِمْ
لا فأن اعمِل مُظهرًا أو مُضمرا ... وبعد نَفْي كان حَتما أضْمِرا
ــ
فتقول: إذن أظنك صادقًا إذ لا مجازاة هنا. الرابع اختلف في لفظها عند الوقف عليها والصحيح أن نونها تبدل ألفًا تشبيهًا لها بتنوين المنصوب. وقيل بوقف بالنون؛ لأنها كنون لن وأن. وروي ذلك عن المازني والمبرد، وينبني على هذا الخلاف خلاف في كتابتها، والجمهور يكتبونها بالألف وكذا رسمت في المصاحف، والمازني والمبرد بالنون وعن الفراء إن علمت كتب بالألف وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا، وتبعه ابن خروف. الخامس حكى سيبويه وعيسى بن عمر أن من العرب من يلغيها مع استيفاء الشروط وهي لغة نادرة، ولكنها القياس؛ لأنها غير مختصة، وإنما أعملها الأكثرون حملًا على ظن؛ لأنها مثلها في جواز تقدمها على الجملة وتأخرها عنها وتوسطها بين جزأيها، كما حملت ما على ليس؛ لأنها مثلها في نفي الحال ا. هـ. "وبين لا ولام جر التزم إظهار أن ناصبة" نحو: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥] ، ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ، لا في الآية الأولى نافية وفي الثانية مؤكدة زائدة "وإن عدم لا فأن اعمل مظهرا أو مضمرا" لا في موضع الرفع بعدم، وأن في موضع النصب بأعمل، ومظهرًا ومضمرًا نصب على الحال: إما من أن إن كانا اسمي مفعول، أو من فاعل أعمل المستتر إن كانا اسمي
ــ
الضالين بل فعلتها غير قاصد القتل وغير كافر لأنعمك. قوله "إذا أظنك صادقًا" برفع أظن؛ لأن للحال كما يفيده ما سننقله عن الرضي. قوله: "إذ لا مجازاة هنا" قال الرضي: لأن الشرط والجزاء إما في الاستقبال أو في الماضي ولا مدخل للجزاء في الحال ا. هـ. ولأن ظن الصدق لا يصلح جزاء للمحبة. قوله: "اختلف في لفظها إلخ" أي: في غير القرآن أما فيه فيوقف عليها وتكتب بالألف إجماعًا كما في الإتقان اتباعًا للمصحف العثمان, قال السيوطي في حاشية المغني: ينبغي أن يكون الخلاف في الوقف عليها مبنيًا على الخلاف في حقيقتها فعلى أنها حرف يوقف عليها بالنون وعلى أنها اسم منون يوقف عليها بالألف. قوله: "والجمهور يكتبونها إلخ" المناسب فالجمهور بالفاء كما في عبارة المغني. قوله: "والمازني والمبرد بالنون" وعزاه أبو حيان إلى الجمهور. قوله: "وعن الفراء إلخ" ونقل السيوطي قولًا بالعكس لضعفها في الإهمال وقوتها في العمل. قوله: "إن عملت كتبت بالألف" لمنع العمل التباسها بإذا الظرفية ويرد عليه أن العمل في اللفظ وليس الشكل لازمًا فالفرق في الكتابة محتاج له على العمل أيضًا.
قوله: "وهي لغة نادرة" تلقها البصريون بالقبول فلا التفات إلى قول من أنكرها دماميني قوله: "وبين لا" أي: سواء كانت نافية أو زائدة ولهذا مثل بمثالين. قوله: "ناصبة" أتى به مع علمه من كون الكلام في أن الناصبة دفعًا لتوهم إهمالها لفصلها من الفعل بلا. قوله: "فإن أعمل" أي: إن الواقعة بعد لام الجر سواء كانت للتعليل كما مثل أو للعاقبة نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ، أو للتوكيد وهي الآتية بعد فعل متعد نحو: وأمرنا لنسلم لرب
стр. 1333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فاعل، أي: يجوز إظهار أن وإضمارها بعد اللام إذا لم يسبقها كون ناقص ماض منفي ولم يقترن الفعل بلا فالإضمار نحو: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ،
والإظهار نحو: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] فإن سبقها كون ناقص ماض منفي وجب إضمار أن بعدها هذا أشار إليه بقوله: "وبعد نفي كان حتما أضمرا" أي: نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧] ، وتسمى هذه اللام لام الجحود، وسماها النحاس لام النفي وهو الصواب، والتي قبلها لام كي؛ لأنها للسبب كما أن كي للسبب. وحاصل كلامه أن لأن بعد لام الجحود ثلاثة أحوال: وجوب إظهارها مع المقرون بلا، ووجوب إضمارها بعد نفي كان، وجواز الأمرين فيما عدا ذلك. ولا يجب الإضمار بعد كان التامة؛ لأن اللام بعدها ليست لام الجحود،
ــ
العالمين. قاله الفاكهي, أي: أو للتعدية نحو: أعددت زيدًا ليقاتل. قوله: "إذا لم يسبقها إلخ" أخذ من قوله الآتي: وبعد نفي كان إلخ. قوله: "ماض" أي: لفظًا ومعنى أو معنى فقط. قوله: "نحو: وأمرنا لنسلم لرب العالمين إلخ" اختلف في اللام في نحو: الآيتين فقيل زائدة وقيل للتعليل والمفعول محذوف أي: وأمرنا بما أمرنا به لنسلم لرب العالمين وقيل للتعليل ولا مفعول بل الفعل في معنى مصدر مرفوع بالابتداء واللام ومجرورها خير عنه؛ لأن الفعل إذا جرد عن الزمان وأريد به الحدث فقط كان كالاسم في صحة الإضافة والإسناد إليه كذا في المغنى والشمني. قوله: "وبعد نفي كان إلخ" يعني ما لم ينتقض النفي نحو: ما كان زيد إلا ليضرب عمرًا ويجوز ذلك مع لام كي نحو: ما جاء زيد إلا ليضرب عمرًا قاله أبو حيان, وظاهر قوله ويجوز ذلك مع لام كي أن المراد بقوله: ما لم ينتقض, النفي أنه لا يجوز انتقاض النفي مع لام الجحود فتأمل. قال: والفرق أن النفي مسلط مع لام الجحود على ما قبلها وهو المحذوف الذي تتعلق به اللام, فيلزم من نفيه نفي ما بعدها وفي لام كي يتسلط على ما بعدها نحو: ما جاء زيد ليضرب فينتفي الضرب خاصة ولا ينتفي المجيء إلا بقرينة تدل على انتفائه ا. هـ. وحاصل الفرق كما قاله شيخنا أن النفي مع لام الجحود مسلط على الكلام بتمامه أعني ما قبلها وما بعدها, ومع لام كي مسلط على ما بعدها فقط أي: فاغتفر الانتقاض معها بخلاف لام الجحود.
قوله: "لا الجحود" من تسمية العام بالخاص؛ لأن الجحود إنكار الحق لا مطلق النفي والنحويون أطلقوه وأرادوا الثاني ا. هـ. تصريح وبهذا يندفع تصويت قول النحاس. قوله: "والتي قبلها لام كي" وحكمها الكسر وفتحها لغة تميم. همع. قوله: "لأنها للسبب" أي: في الجملة والأفلام كي قد تكون لغير السبب كالتي للعاقبة والزائدة والمعدية. قوله "وجوب إظهارها مع المقرون بلا" كراهة اجتماع اللامين سم. قوله: "ووجوب إضمارها إلخ" علل بأن إثبات ما كان زيد ليفعل كان زيد سيفعل جعلت اللام معادلة للسين فكما لا يجمع بين أن السين لا يجمع بين أن واللام زكريا. قوله: "ليست لام الحجود" بل هي لام كي نحو: ما كان زيد ليلعب أي: ما وجد للعب.
стр. 1334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإنما لم يقيد كلامه بالناقصة اكتفاء بأنها المفهومة عند إطلاق كان لشهرتها وكثرتها في أبواب النحو. ودخل في قوله نفي كان نحو: لم يكن أي: المضارع المنفي بلم كما رأيت؛ لأن لم تنفي المضارع. وقد فهم من النظم قصر ذلك على كان خلافًا لمن أجازه في أخواتها قياسًا ولمن أجازه في ظننت.
تنبيهات: الأول ما ذكره من أن اللام التي ينصب الفعل بعدها هي لام الجر والنصب بأن مضمرة هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن اللام ناصبة بنفسها، وذهب ثعلب إلى أن اللام ناصبة بنفسها لقيامها مقام أن، والخلاف في اللامين أعني لام الجحود ولام كي. الثاني اختلف في الفعل الواقع بعد اللام: فذهب الكوفيون إلى أنه خبر كان واللام للتوكيد. وذهب البصريون إلى أن الخبر محذوف واللام متعلقة بذلك الخبر
ــ
قوله: "لأن لم تنفي المضارع" لو قال: لأن لم تقلب المضارع إلى المضي لأنتج مطلوبه وفي بعض النسخ؛ لأن لم تنفي الماضي أي: الماضي معنى وهو المضارع لفظًا ولا إشكال عليها فتأمل.
قوله: "لمن أجازه في أخواتها" نحو: ما أصبح زيد ليضرب عمرًا ولم يصبح زيد ليضرب عمرًا وقوله: ولمن أجازه في ظننت أي: قياسًا نحو: ما ظننت زيدا ليضرب عمرًا ولم أظن زيدا ليضرب عمرا قال أبو حيان: وهذا كله تركيب لم يسمع فوجب منعه ا. هـ. فما يتبادر من قول البعض والحق أن اللام فيما ذكر لام كي لا لام الجحود كما يظهر بالنظر في المعنى ا. هـ. من جواز هذه التراكيب ممنوع من أن دعواه أن اللام فيها لام كي وأن النظر في المعنى يرشد إلى ذلك باطلة قال في التصريح وبعضهم أجازه في كل فعل تقدمه نفي نحو: ما جاء زيد ليفعل ا. هـ. قال يس: وهو فاسد؛ لأن هذه يعني اللام في نحو: ما جاء زيد ليفعل لام كي. قوله: "ما ذكره من أن اللام إلخ" لأن كلامه في أن الواقعة بعد لام الجر لقوله: وبين لا ولام جر إلخ. قوله: "والنصب بأن مضمرة" إنما قال مضمرة مع أن النصب عند البصريين بعد اللام بأن مظهرة أو مضمرة وعند الكوفيين باللام أظهر أن أو أضمرت كما سيصرح به الشارح عند شرح قول المصنف وبعد حتى إلخ لأجل قول ثعلب؛ لأنه إنما يأتي عند إضمار أن فتأمل. قوله: "ناصبة بنفسها" أي: بطريق الأصالة بدليل ما بعده واحتجوا بقوله:
لقد عذلتني أم عمرو ولم أكن ... مقالتها ما كنت حيا لأسمعا
إذا لو كانت أن الناصبة للزم تقدم معمول صلتها عليها وهو ممتنع ورد بأن مقالتها معمول لمحذوف يفسره المذكور نظير ما مر في قوله: كان جزائي العصا أن أجلدا وقوله: ما كنت أي: مدة وجودي حيا. قوله: "لقيامها مقام أن" أي: نيابة عن أن. قوله: "اختلف في الفعل إلخ" الظاهر أن هذا الاختلاف مبني على الاختلاف في الناصب هل هو اللام أو أن المضمرة. قوله: "إلى أنه" أي: الفعل وفيه مسامحة؛ لأن الخبر جملة الفعل والفاعل. قوله: "واللام للتوكيد" أي: زائدة لتوكيد النفي كالباء في ما زيد بقائم واعترض قولهم بأن اللام الزائدة تعمل الجر في
стр. 1335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المحذوف، وقدروه ما كان زيد مريدًا ليفعل، وإنما ذهبوا إلى ذلك؛ لأن اللام جارة عندهم، وما بعدها في تأويل مصدر. وصرح المصنف بأنها مؤكدة لنفي الخبر إلا أن الناصب عنده أن مضمرة، فهو قول ثالث. قال الشيخ أبو حيان: ليس بقول بصري ولا كوفي. ومقتضى قوله مؤكدة أنها زائدة، وبه صرح الشارح، لكن قال في شرحه لهذا الموضع من التسهيل: سميت مؤكدة لصحة الكلام؛ لا لأنها زائدة لم يكن لنصب
ــ
الأسماء وعوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، وأجيب بأنهم لعلهم لا يسلمون هذه الكلية ا. هـ. دماميني قال الحفيد: وتظهر فائدة الخلاف في قولك: ما كان محمد طعامك ليأكل فإنه لا يجوز على رأي البصريين؛ لأن كما في حيز أن لا يعمل فيما قبلها ويجوز على رأي: الكوفيين؛ لأن اللام لا تمنع العمل فيما قبلها.
قوله: "واللام متعلقة بذلك الخبر المحذوف" قال المرادي: قولهم متعلقة بالخبر يقتضي أنها ليست بزائدة وتقديرهم مريدا يقتضي أنها زائدة تقوية للعامل ا. هـ. وفي المغني أن المقوية ليست زائدة محضة ولا معدية محضة بل بينهما ا. هـ. فزيادتها عند الكوفيين محضة وعند البصريين غير محضة. قوله: "وقدروه إلخ" تقدير مريدًا غير لازم فيما يظهر بل قد يقدر غيره إذا اقتضاه المقام كما قدر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ، وإن كان مكرهم أهلًا لتزول إلخ ويدل لما قلناه ما يأتي من شرح التسهيل. قوله: "لأن اللام جارة عندهم" أي: جارة غير زائدة زيادة محضة أي: والجار غير الزائد زيادة محضة لا بد له من متعلق.
قوله: "إلا أن الناصب عنده أن مضمرة" اعترض بأنه يلزمه الإخبار بالمصدر عن الجثة وهو لا يجوز، وأجيب بما قاله بعضهم من أن الإخبار بالفعل المؤول بالمصدر عن الجثة جائز كما في زيد إما أن يعيش وإما أن يموت وإن لم يجز الإخبار بالمصدر الصريح عنها لدلالة الفعل بصيغته على الفاعل والزمان بخلاف المصدر الصريح لا سيما وقد التزم إضمار أن فصار منخرطا في سلك الفعل على أنه يحتمل أن يكون في الكلام حذف. قوله: "ومقتضى قوله مؤكدة" أي: مع قوله لنفي الخبر إذ لولاه لأمكن حمل قوله مؤكدة على أنها مقوية للعامل فيوافق ما يأتي عن شرح التسهيل ويكون نفس قول البصريين ولا يرد عليه لزوم الإخبار بالمصدر عن الجثة, وقوله: أنها زائدة أي: محضة. قوله: "لكن قال" أي: الناظم في شرحه إلخ كذا قال شيخنا وشيخنا السيد وهو الظاهر, وأرجع البعض الضمير للشارح ابن الناظم فإنه له شرح على التسهيل كما في الهمع ثم رأيت في بعض النسخ لكن قال المصنف في شرحه إلخ وهو نص في الأول, ورأيت بخط بعض الفضلاء بهامش الهمع عزو العبارة التي في الشرح إلى شرح التسهيل لابن الناظم وهو نص في الثاني والجمع ممكن والله أعلم.
قوله: "لصحة الكلام بدونها" هذا ظاهر على تقدير ما يتعدى بنفسه كمريدًا دون ما يتعدى باللام كمستعدا إلا أن يراد أن اللام يصح حذفها لفظًا لاطراد حذف الجار مع أن هذا وقال في