. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورد ذلك عليه لكونها رافعة للضمير، وليس ذلك مانعًا من زيادتها، كما لم يمنع من إلغاء ظن عند توسطها أو تأخرها إسنادها إلى الفاعل. وبين العاطف والمعطوف عليه كقوله:
٢٠٥- في لجة غمرت أباك بحورها ... في الجاهلية كان والإسلام
وبين نعم وفاعلها كقوله:
٢٠٦- ولبست سربال الشباب أزورها ... ولنعم كان شبيبة المختال
ومن زيادتها بين جزأي الجملة قول بعض العرب: ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم. نعم شذت زيادتها بين الجار والمجرور كقوله:
ــ
لنا على أن لنا صفة لجيران ثم وصل لما ذكر، فتحصل في كان في البيت أربعة أقوال أفاده المصرح وعلى القولين الأخيرين يكون هذا الضمير مستثنى من قاعدة أن الضمير لا يتصل إلا بعامله. قوله: "وردّ ذلك إلخ" الرد مبني على أن معنى زيادتها أنها لا تعمل أصلًا. قوله: "وليس ذلك" أي رفع كان للضمير وهذا رد للرد وهو مبني على أن معنى زيادتها صحة سقوطها وإن عملت عند ذكرها، وقد يمنع قياسه بأن الإلغاء ليس كالزيادة فتأمل. قوله: "في لجة" أي شدة ففيه استعارة تصريحية، وغمرت بحورها ترشيح. قوله: "ولبست سربال الشباب" أي تلبست بالأحوال الدالة على الشباب ففيه استعارة تصريحية تبعية في لبست أو أصلية في سربال. والشبيبة الشباب.
قوله: "بنت الخرشب" بخاء معجمة مضمومة فراء ساكنة فشين معجمة مضمومة، فموحدة والكملة جمع كامل. قال الزمخشري في المستصفي. فاطمة بنت الخرشب الأنمارية ولدت لزياد العبسي الكملة: ربيعًا الكامل، وقيسًا الحافظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس. وقيل لها: أي بنيك أفضل فقالت: ربيع بل عمارة بل قيس بل أنس ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل؟ والله إنهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. قوله: "نعم شذت إلخ" استدراك على إطلاق قوله في حشو فإنه يوهم أنها تزاد قياسًا حتى بين الجار والمجرور واستفيد منه أن زيادتها فيما سبق قياسية وهو الذي أيده سم. وفي شرح ابن عقيل على النظم أنها سماعية فيما عدا التعجب وهو المفهوم من قول الدماميني وزيادتها بعد ما التعجبية مقيس. ا. هـ. وبهذا علم أن نقل شيخنا السيد والبعض عن الدماميني قياسيتها فيما سبق فيه نظر بالنسبة إلى ما عدا التعجب. اللهم إلا أن يكون
стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٠٧- سراة بني أبي بكر تسامي ... على كان المسومة العراب
تنبيهات: الأول أفهم كلامه أنها لا تزاد بلفظ المضارع، وهو كذلك إلا ما ندر من قوله أم عقيل:
٢٠٨- أن تكون ماجد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل
الثاني أفهم قوله في حشو أنها لا تزاد في عيره، وهو كذلك خلافًا للفراء في إجازته زيادتها آخرًا. الثالث أفهم أيضًا تخصيص الحكم بها أن غيرها من أخواتها لا يزاد، وهو كذلك إلا ما شذ من قولهم: ما أصبح أبردها وما أمسى أدفاها. روى ذلك الكوفيون.
وأجاز أبو علي زيادة أصبح وأمسى في قوله:
٢٠٩- عدو عينيك وسانيهما ... أصبح مشغول بمشغول
ــ
له قولان. قوله: "سراة" بفتح السين المهملة جمع سرى أي سيد على غير قياس، تسامى أي تتسامى، والمسوّمة الخيل المجعول عليها سومة بضم السين أي علامة للترك في المرعى، والعراب العربية ويروى المطهمة الصلاب، والمطهمة المتناسقة الأعضاء والصلاب الشداد. قوله: "من قول أم عقيل" أي وهي تلاعب ولدها عقيل بن أبي طالب. قوله: "نبيل" من النبل بالضم أو بالنبالة وهما الفضل، وشمأل كجعفر كما هو أحد لغاته ريح تهب من ناحية القطب الشمالي. ثانيها شأمل كجعفر مقلوب شمأل. ثالثها شمال كسحاب. رابعها شمل بسكون الميم. خامسها شمل بتحريكها، وبليل بمعنى فاعلة أو مفعولة أي بالة أو مبلولة لما فيها من الندى، والمراد أنها رطبة وكنت بقولها إذا تهب إلخ عن الدوام. قوله: "لا تزاد في غيره" أي الأول والآخر للاعتناء بهما. قوله: "أبردها إلخ" الضميران للدنيا كما قاله زكريا.
قوله: "وشأنيهما" أي باغضهما والقصد بقوله مشغول بمشغول الدعاء عليه بعشق شخص
стр. 353
ويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيرًا ذا اشتهر
ــ
وقوله:
٢١٠- أعاذل قولي ما هويت فأوبي ... كثيرًا أرى أمسى لديك ذنوبي
وأجاز بعضهم زيادة سائر أفعال الباب إذا لم ينقص المعنى "ويحذفونها" أي كان إما وحدها أو مع الاسم وهو الأكثر "ويبقون الخبر" على حاله "وبعد إن ولو" الشرطيتين "كثير ذا" الحكم "اشتهر" من ذلك: المرء مجزي بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
وقوله:
٢١١- قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا
ــ
مشغول عنه بعشق غيره، أو المراد مشغول بمشغول به لأن المحب لا يرضى الشركة في حبيبه. قوله: "أعاذل إلخ" الهمزة للنداء، وعاذل منادى مرخم، وأوّبي من التأويب وهو الترجيع وكثيرًا مفعول ثان لأرى. قوله: "أي كان" أي هذه المادة لا بقيد الزيادة ولا بقيد الصيغة الماضوية لما سيأتي عن سيبويه في ولو تمر في تقدير يكون. قوله: "إما وحدها" فالاقتصار على الخبر في قوله ويبقون الخبر لبقائه على الحالتين فلا ينافي هذا الاقتصار قول الشارح إما وحدها وإن أورده سم. وأقره شيخنا والبعض. قوله: "وهو الأكثر" أي لأن الفعل ومرفوعه كالشيء الواحد. قوله: "وبعد إن" الظرف متعلق باشتهر وكثيرًا الأحسن أنه حال من فاعل اشتهر ولا تكرار في الجمع بين الكثرة والشهرة لأنه لا يلزم من إحداهما الأخرى. قال في التصريح والغالب في أن هذه أن تكون تنويعية. قوله: "ولو" أي المندرج ما بعدها فيما قبلها فلا يجوز الأحشف ولو تمرًا وإنما كثر حذفها بعدهما لأن إن أم أدوات الشرط العاملة ولو أم غير العاملة كما أن أم بابها وهم يتوسعون في الأمهات ما لم يتوسعوا في غيرها في التصريح. قوله: "المرء إلخ" قال شيخنا والبعض لفظ الحديث "الناس مجزيون بأعمالهم" إلخ. ا. هـ. وقال شيخنا السيد: المرء مجزي بعمله ليس حديثًا وإن صح معناه قاله القليوبي، ولذلك حكاه الحافظ في الهمع بلفظ قيل وكذا غيره. ا. هـ. وهذا قد يفيد أنه لم يرد مطلقًا ويؤيده تعبير صاحب التوضيح بقوله: وقولهم الناس مجزيون بأعمالهم إلخ وكذا في همع السيوطي فيما رأيته من نسخه وعلى تسليم ورود الناس مجزيون بأعمالهم إلخ
стр. 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
٢١٢- حدبت علي بطون ضبة كلها ... إن ظالمًا فيهم وإن مظلوما
وفي الحديث "التمس ولو خاتمًا من حديد" وقال الشاعر:
٢١٣- لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكًا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل
تنبيهان: الأول قد تحذف كان مع خبرها ويبقى الاسم، من ذلك: مع أن المرء مجزى بعمله إن خير فخير وإن شر فشر برفعهما أي إن كان في عمله خير فجزاؤه خير، وإن كان في عمله شر جزاؤه شر. وفي هذه المسألة أربعة أوجه مشهورة هذان والثالث نصبهما على تقدير إن كان عمله خيرًا فهو يجزى خيرًا. والرابع عكس الأول أي رفع الأول ونصب الثاني. وهذا الرابع أضعفها والأول أرجحها، وما بينهما متوسطان. ومنه مع لو ألا
ــ
يكون الشارح رواه بالمعنى. قوله: "بعمله" أي بجنس عمله لأن العمل ليس مجزيًا به بل عليه قاله الناصر أو الباء بمعنى على. قوله: "حدبت إلخ" حدب بحاء ودال مهملتين كفرح عطف ورقّ. وضبة بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة، ويروى بكسر الضاد وتشديد النون، ومدلولًا العلمين متغايران. قوله: "إن كان في عمله خير" لم يقدر كان التامة مع الاستغناء معها عن تقدير المنصوب لتوافق حالة النصب ولأن الناقصة أكثر استعمالًا من التامة. قوله: "أربعة أوجه مشهورة" نص في التسهيل على أنه ربما جر المقرون بأن أو إن لا إذا عاد اسم كان إلى مجرور بحرف قال الدماميني: نحو المرء مقتول بما قتل به إن سيف فسيف أي إن كان قتل بسيف فقتله أيضًا بسيف. وحكى يونس مررت برجل صالح إن لا صالح فطالح أي إن لا يكن المرور بصالح فالمرور بطالح، وذلك لقوة الدلالة على الجار بتقدم ذكره لكن هذا مما يسهل الحذف لا مما يوجب الاطراد فلا يقال منه إلا ما سمع، هذا مذهب سيبويه ونص المصنف على اطراده. ا. هـ. ببعض حذف. قوله: "وهذا الرابع أضعفها" أفعل التفضيل ليس على بابه بالنسبة إلى الأول كما أن قوله أرجحها ليس على بابه بالنسبة إلى الرابع. وإنما كان أضعف لأن فيه حذف كان وخبرها وحذف فعل ناصب بعد فاء الجزاء وكلاهما نادر. ومن هذا يعلم أن أرجحية الأول لسلامته منهما واشتماله على شيئين مطردين وما إضمار كان واسمها بعد إن وإضمار المبتدأ بعد فاء الجزاء وإن
стр. 355
وبعد أن تعويض ما عنها ارتكب
كمثل أما أنت برا فاقترب
ــ
طعام ولو تمر، جوز فيه رفع تمر على تقديره ولو يكون عندنا تمر. الثاني قل حذف كان مع غير إن ولو كقوله:
٢١٤- من لد شولا فإلى إتلائها
قديره سيبويه من لد أن كانت شولا "وبعد أن" المصدرية "تعويض ما عنها" أي عن كان "ارتكب" فتحذف كان لذلك وجوبًا إذ لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض "كمثل
ــ
توسط الثاني والثالث لسلامة كل من أحدهما واشتماله على أحد المطردين ومقتضى هذا أنهما متساويان وبه قال الشلوبين وقال ابن عصفور: رفعهما أحسن من نصبهما ووجه بأن الحذف في الرفع أقل منه في النصب وقال الدماميني: الرفع ضعيف من جهة المعنى لأن معنى إن كان في عملهم خبر غير مقصود لأن مراد المتكلم إن كان نفس عملهم خيرًا لا إن كان لهم أعمال منها خير وقد يدفع بأنه على التجريد مثل: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْد﴾ [فصلت: ٢٨] ، قاله سم.
قوله: "على تقدير ولو يكون عندنا تمر" المناسب عندكم إلا أن يكون استفهام المتكلم من أهل بيته واستفيد منه أن الحذف ليس خاصًّا بلفظ الماضي بخلاف الزيادة. قوله: "من لد شولا" بفتح الشين وسكون الواو مع التنوين جمع شائلة على غير قياس إذ قياس جمعها شوائل والشائلة الناقة التي خف لبنها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية. والشائل بلا هاء الناقة التي تشول بذنبها للقاح أي ترفعه لأجله ولا لبن بها أصلًا وجمعها شول بضم الشين وتشديد الواو كراكع وركع والفاء زائدة. والإتلاء بالكسر مصدر أتلت الناقة إذا تلاها ولدها أي تبعها أي من زمن كونها شولًا إلى زمن تبعية أولادها لها كذا في التصريح وغيره. قوله: "قدره سيبويه من لد أن كانت شولا" أتى في التقدير بأن لقلة إضافة لدن إلى الجمل واعترض بأنه يلزمه حذف الموصول الحرفي وصلته وإبقاء معمولها وهو ممنوع وإن جاز حذف إن وحدها خلافًا لما يوهمه كلام البعض. وأجيب بأنه حل معنى لا حل إعراب وحل الإعراب من لد كانت وإن كانت إضافة لد إلى الجملة قليلة وقدره بعضهم من لد شالت شولا فجعل شولا مصدرًا لا جمعًا وهو أقل كلفة من تقدير سيبويه. قوله: "ارتكب" يوهم خروجه عن القياس وليس كذلك لأنهم عوضوا الحرف عن الجملة في نحو يومئذٍ قياسًا فهذا أولى. قوله: "فتحذف كان" أي وحدها إذ لا يجوز حذف الاسم معها كما صرح به الفارضي. قوله: "وجوبًا" أي عند الجمهور وأجاز المبرد أما كنت منطلقًا انطلقت، ولم يسمع هذا العمل إلا في ضمير المخاطب، وأجاز
стр. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما أنت برا فاقترب" فإن مصدرية وما عوض عن كان وأنت اسمها وبرًّا خبرها، والأصل لأن كنت برًّا، فحذفت لام التعليل لأن حذفها مع أن مطرد، ثم حذفت كان فانفصل الضمير المتصل بها، ثم عوض عنها ما وأدغمت فيها النون، ومنه قوله:
٢١٥- أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
تنبيه: حذفت كان مع معموليها بعد أن في قولهم افعل هذا أما لا، أي إن كنت لا
ــ
سيبويه أما زيد ذاهبًا ذهبت. قوله: "إذ لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض" كما لا يجوز حذفهما معًا فلا يقال إن أنت برًّا قاله الفارضي. قوله: "فاقترب" الفاء زائدة دخلت تشبيهًا بفاء الجواب لأن الأول سبب والثاني مسبب.
قوله: "فإن مصدرية" أي عند البصريين وذهب الكوفيون إلى أنها شرطية بدليل الفاء لأنهم يجيزون فتح همزة إن الشرطية ونقل البعض في بعض نسخ حاشيته الأول عن غير البصريين والثاني عن البصريين سبق قلم قال الفارضي وأن المصدرية حينئذٍ في محل نصب أو جر على الخلاف في محلها بعد حذف حرف الجر معها. ا. هـ. قوله: "وأنت اسمها" أي اسم كان وقيل العامل نفس ما لنيابتها عن كان فالاسم والخبر لها. قوله: "والأصل لأن كنت برًّا" أي الأصل الثاني والأصل الأول اقترب لأن كنت برًّا فقدمت العلة على المعلول ثم حذفت اللام إلخ ما قال الشارح وزيدت الفاء لما مر. قوله: "ثم حذفت كان" أي وصلة الموصول الحرفي قد تحذف نحو ما أن حراء مكانه أي ما ثبت أفاده يس. قوله: "أبا خراشة" بضم الخاء المعجمة صحابي وهو منادى حذف منه حرف النداء وقوله أما أنت إلخ. حذف معلولي العلتين لدلالة المقام والأصل لأن كنت ذا نفرٍ افتخرت عليّ لا تفتخر عليّ فإن قومي إلخ. والضبع حيوان معروف شبه به السنة المجدبة على طريق الاستعارة التصريحية والأكل ترشيح. وقيل: الضبع حقيقة فيها أيضًا. ويحتمل أن المراد به الحيوان المعروف فيكون الكلام كناية عن عدم ضعف قومه لأن القوم إذا ضعفوا عاثت فيهم الضباع قاله السيوطي في شرح شواهد المغني
стр. 357
ومن مضارع لكان منجزم ... تحذف نونه وهو حذف ما التزم
ــ
تفعل غيره، فما عوض عن كان، ولا نافية للخبر ومنه قوله:
٢١٦- أمرعت الأرض لو أن ما لا ... لو أن نوقا لك أو جمالًا
أو ثلة من غنم إما لا
التقدير إن كنت لا تجدين غيرها "ومن مضارع لكان" ناقصة كانت أو تامة "منجزم" بالسكون لم يتصل به ضمير نصب وقد وليه متحرك "تحذف نون" هي لام الفعل تخفيفًا "وهو حذف" جائزة "ما التزم" نحو: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء: ٤٠] ، في القراءتين بخلاف نحو: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [القصص: ٣٧] ، ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء﴾ [يونس: ٧٨] ، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين﴾ [يوسف: ٩] ، "إن يكنه فلن تسلط عليه" ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨] ، وخالف في هذا أخيرًا يونس فأجاز الحذف حينئذ تمسكًا بقوله:
٢١٧- فإن لم تك المرآة أبدت وسامة ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
ــ
قوله: "حذفت كان" أي وجوبًا وقوله مع معموليها جعله المصنف من حذفها مع اسمها فقط لأن لا من الخبر فكأنه لم يحذف بعضه. قوله: "بعد إن في قولهم إلخ" نقل في التصريح عن الكوفيين جواز حذف الثلاثة بلا عوض فإذا قيل لك لا تأت الأمير فإنه جائر جاز أن تقول أنا آتيه وإن ومنه قالت وإنن. قوله: "فما عوض عن كان" قضيته أنها ليست عوضًا عن اسمها وخبرها أيضًا فيكونان حذفًا بلا تعويض. قوله: "ولا نافية للخبر" الظاهر أن لا جزء من الخبر أي وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. هذا. وجعل اللقاني ما زائدة لتأكيد إن الشرطية من غير تقدير لكان كما في: ﴿فَإِمَّا تَرَيِن﴾ [مريم: ٢٦] ، ولا داخلة على فعل الشرط واستحسن هذا غير واحد لأنه أقل تكلفًا وضعفه الروداني بأن ما لا تزاد قبل الشرط المنفي بلا وبأن الجواب لا يحذف إلا إن كان الشرط ماضيًا لفظًا أو معنى والشرط على زعمه مستقبل وجواب الشرط على كل محذوف لدلالة افعل قبله عليه، والتقدير فافعل هذا. قوله: "أمرعت" أي أخصبت والثلة بضم المثلثة وقد تفتح القطعة من الشيء والظاهر أن لو في الموضعين للتمني كما في: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّة﴾ [البقرة: ١٦٧] ، وخبر أن في الموضع الأول محذوف تقديره لك. قوله: "ومن مضارع إلخ" متعلق بتحذف. والحاصل أن نون مضارع كان تحذف بخمسة شروط ذكر المصنف والشارح منها أربعة والخامس أن يكون وصلًا لا وقفًا. قوله: "تحذف نون" أي لكثرة الاستعمال وشبهها بحروف العلة. قوله: "في القراءتين" أي قراءة الرفع على التمام والنصب على النقصان.
стр. 358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحمل على الضرورة، قال الناظم: وبقوله أقول؛ إذ لا ضرورة لإمكان أن يقال فإن تكن المرآة أخفت وسامة، وقد قرئ شاذًّا "لم يكن الذين كفروا".
خاتمة: إذا دخل على غير زال وأخواتها من أفعال هذا الباب ناف فالمنفي هو الخبر نحو ما كان زيد عالمًا فإن قصد الإيجاب قرن الخبر بإلا نحو ما كان زيد عالمًا فإن كان الخبر من الكلمات الملازمة للنفي نحو يعيج لم يجز أن يقترن بإلا، فلا يقال في ما كان زيد يعيج بالدواء: ما كان زيدًا لا يعيج. ومعنى يعيج ينتفع، وحكم ليس حكم ما
ــ
قوله: "بخلاف نحو من تكون إلخ" خرج هو وما بعده بالجزم وقوله: وتكونوا إلخ بالسكون وقوله: إن يكنه إلخ بقوله: لم يتصل وقوله: لم يك إلخ بقوله: وقد وليه متحرك. قوله: "فإن لم تك المرآة إلخ" كأنه نظر وجهه فلم يره حسنًا فتسلى بأنه يشبه وجه الضيغم وهو الأسد من الضغم وهو العض. قوله: "إذ لا ضرورة إلخ" مبني على مذهبه في الضرورة وقد مر ما فيه وقوله لا مكان أن يقال فإن تكن المرآة أخفت وسامة فيه أن هذا أخص من كلام الشاعر لأن الشرط على هذا إخفاء الوسامة المقتضي ثبوتها في نفسها والشرط على كلام الشاعر عدم إبداء الوسامة الصادق بانتفائها في نفسها فتأمل.
قوله: "نحو يعيج" أي التي بمعنى ينتفع كما سيذكره الشارح أما عاج التي بمعنى أقام أو وقف أو رجع أو أمال فلا يختص بالنفي، ونحو يعيج أحد وديار وعريب، فلا يقال: ما كان مثلك إلا أحدًا. قوله: "في كل ما ذكر" أي في أن المنفي هو الخبر وفي أنه إذا قصد الإيجاب قرن الخبر بإلا وفي أنه إذا كان الخبر ملازمًا للنفي لم يجز أن يقترن بإلا. بقي أن ليس وما كان يشتركان في شيء آخر نبه عليه في التسهيل. وعبارته مع زيادة من الدماميني عليه: وتختص ليس بجواز اقتران خبرها بواو وإن كان جملة موجبة بإلا كقوله:
ليس شيء إلا وفيه إذا ما ... قابلته عين البصير اعتبار
ومنع بعضهم ذلك وتأول البيت إما على حذف الخبر والجملة حال أو على زيادة الواو ويشاركها في ذلك كان بعد نفي كقوله:
ما كان من بشر إلا وميتته ... محتومة لكن الآجال تختلف
وربما شبهت الجملة المخبر بها في هذا الباب بالحالية فوليت الواو مطلقًا كقوله:
وكانوا أناسًا ينفحون فأصبحوا ... وأكثر ما يعطونك النظر الشزر
وقوله:
فظلوا ومنهم سابق دمعه له ... وآخر يثني دمعة العين بالمهل
وهذا إنما أجازه الأخفش دون غيره من البصريين ولا حجة في البيتين لاحتمال أصبح وظل
стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان في كل ما ذكر. وأما زال وأخواتها فنفيها إيجاب فلا يقترن خبرها بإلا كما لا يقترن بها خبر كان الخالية من نفي لتساويهما في اقتضاء ثبوت الخبر وما أوهم خلاف ذلك فمؤول كقوله:
٢١٨- حراجيج لا تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا
أي ما تنفصل عن الأتعاب في حال إناختها على الخسف إلى أن نرمي بها بلدًا
ــ
فيهما للتمام وجعل الجملة حالية، أو يقال: هما ناقصان والخبر محذوف. ا. هـ. وقال في التسهيل: ورفع ما بعد إلا في نحو ليس الطيب إلا المسك لغة تميم. ا. هـ. أي حملا لها عند انتقاض نفيها على ما في الإهمال كما في المغني. قال الدماميني: حكى ذلك عنهم أبو عمرو بن العلاء ثم نقل في رد نحو هذا التركيب إلى اللغة المشهورة تأويلات منها أن الطيب اسمها وإلا المسك نعت للاسم لأن تعريفه تعريف الجنس والخبر محذوف أي ليس طيب غير المسك موجودًا، وأورد عليه أن فيه التزام حذف الخبر بلا ساد مسده ثم قال ابن هشام: وما تقدم من نقل أبي عمرو أن ذلك لغة تميم يرد هذه التأويلات. ا. هـ. وقوله موجودًا عبارة المغني طيبًا. قوله: "فنفيها إيجاب" أي باعتبار مآل المعنى لما مر من أنها للنفي ونفي النفي إيجاب. قوله: "فلا يقترن خبرها بإلا" أي لأن الاستثناء المفرغ لا يكون في الموجب إلا في الفضلات على قلة والخبر ليس فضلة فلا يجوز ما زال زيد إلا قائمًا لاستحالة استمرار زيد على جميع الصفات إلا القيام. قوله: "فمؤوّل" أي بوجهين أولهما أحسنهما للاعتراض على ثانيهما بأن عامل الحال إن جعل تنفك ففيه أن ما قبل إلا لا يعمل فيما بعد المستثنى إلا في تابعه أو في المستثنى منه وعلى الخسف ليس واحدًا منهما، وإن جعل الظرف لزم تقدم المستثنى في الاستثناء المفرغ على عامله وقد منعه البصريون وتقدم الحال على عاملها الظرف وهو نادر وبأن الاستثناء المفرغ في الفضلات قليل في الإيجاب. وخرج ابن جني البيت على أن تنفك ناقصة وإلا زائدة كما جوزه الواحدي في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاء﴾ [البقرة: ١٧١] . قوله: "حراجيج" جمع حرجوج بحا مهملة فراء فجيمين بينهما واو كعصفور وهي الناقة السمينة أو الشديدة أو الضامرة والمراد بالخسف حبسها عن المرعى يعني أنها تناخ معدة للسير فلا ترسل من أجل ذلك إلى المرعى، وأو بمعنى إلى أن كما صنع الشارح تبعًا للمرادي فتسكين الياء للضرورة على رواية نرمي بالنون. قال الدماميني: وأحسن منه جعلها عاطفة على مناخة ونائب فاعل يرمي على روايته بالتحتية
стр. 360
فصل: في ما ولا ولات وإن المشبهات بليس
إعمال ليس أعملت ما دون إن ... مع بقا النفي وترتيب زكن
ــ
قفرًا، فتنفك هنا تامة، ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها على الخسف، ومناخة منصوب على الحال أي لا تنفك على الخسف إلا في حال إناختها والله أعلم.
فصل: في ما ولا ولات وإن المشبهات بليس
إنما شبهت هذه بليس في العمل لمشابهتها إياها في المعنى. وإنما أفردت عن باب كان لأنها حروف وتلك أفعال "إعمال ليس أعملت ما" النافية نحو ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ و ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِم﴾ ، وهذه لغة الحجازيين وأهملها بنو تميم وهو القياس لعدم اختصاصهم بالأسماء. ولإعمالها عند الحجازيين شروط أشار إليها بقوله: "دون إن مع بقا النفي وترتيب زكن"
ــ
قوله بها. قوله: "إلا في حال إناختها إلخ" أي فهي تنتقل من مشقة إلى مشقة. وقوله: على الخسف أي على وجه الخسف.
فصل: في ما ولا ولات وإن المشبهات بليس
أي في العمل كما أشار إليه الشارح قوله: "لمشابهتها إياها في المعنى" وهو النفي. والمثبت لاعمالها عمل ليس هو الاستقراء وتلك المشابهة علة إعمال العرب إياها عمل ليس لا أن المثبت قياسنا إياها على ليس وتلك المشابهة جامع القياس إذ لا قياس مع النص، فالاعتراض بأن هذا قياس في اللغة وهو ممتنع ساقط جدًا نعم قال سم. إنما يظهر التعليل بمشابهتها ليس في المعنى لو كان عمل ليس لما فيها من النفي وليس كذلك بدليل عملها مع انتقاض نفيها. قوله: "لأنها حروف" إن قلت: الفعل أقوى من الحرف فهلا قدم عليها أفعال المقاربة. قلت: لأنها أظهر شبهًا بباب كان من حيث ظهور عملها الرفع والنصب كثيرًا لكثرة مجيء خبرها مفردًا بخلاف أفعال المقاربة ومن حيث موافقتها لبعض باب كان معنى وعملًا بخلاف أفعال المقاربة. قوله: "أعملت ما" أي عند البصريين وجعل الكوفيون المرفوع مبتدأ والمنصوب خبره على نزع الخافض وهي وإن عند الإطلاق لنفي الحال كليس كما في الهمع. قوله: "وأهملها بنو تميم" بلغتهم قرأ ابن مسعود ما هذا بشر بالرفع ونقل عن عاصم ما هن أمهاتهم بالرفع. قوله: "شروط" أي أربعة ذكر الناظم منها ثلاثة صراحة وواحدًا ضمنًا في قوله: وسبق حرف جر إلخ فإنه تضمن أن شرط عملها لا يتقدم معمول خبرها وهو غير ظرف على اسمها. وزاد قوم شرطين آخرين أن لا تتكرر ما نحو زيد قائم وأن لا يبدل من خبرها موجب بإلا نحو ما زيد شيء إلا شيء لا يعبأ به، وتركهما المصنف لأن الأول إن كان المراد منه أن لا تتكرر على أن الثانية نافية مؤسسة فهو داخل في شرط بقاء النفي لأن نفي النفي إزالة للنفي، وإن كان المراد منه أن لا تتكرر على أن الثانية نافية مؤكدة فهو ضعيف كما ستعرفه. والثاني له داخل في شرط بقاء النفي لأن إيجاب البدل إيجاب للمبدل منه مع أن ابن عقيل رجح في شرحه على النظم أن إبدال موجب من خبرها لا يبطل
стр. 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي علم. فإن فقد شرط من هذه الشروط بطل عملها نحو ما إن زيد قائم فما حرف نفي مهمل وإن زائدة وزيد مبتدأ وقائم خبره. ومنه قوله:
٢١٩- بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم الخرف
وأما رواية يعقوب بن السكيت ذهبًا بالنصب فمخرجة على أن إن مؤكدة لما لا زائدة وكذا إذا انتقض النفي بإلا نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول﴾ [آل عمران: ١٤٤] ، فأما قوله:
ــ
عملها وعليه مشى الشارح في الاستثناء جاعلًا رفع البدل على محل الخبر. وعبارة المغني إذا قلت ليس زيد شيئًا إلا شيئًا لا يعبأ به جاز كون النصب على الاستثناء أو البدل فإن جئت بما مكان ليس بطلت البدلية لأن ما لا تعمل في الموجب. ا. هـ. قال الشاطبي: لا تعمل ما إلا بهذه الشروط بخلاف ليس فإنها تعمل دون شرط منها وأورد عليه سم أن إن لا تلي ليس كما اعترف به بعد ذلك يعني ومقتضى عموم قوله دون شرط منها أن ليس تعمل وإن وليها إن مع أنها لا تلي ليس أصلًا هذا مراد سم ولم يفهم البعض مراده فقال ما قال.
قوله: "دون إن" أي المزيدة لا النافية المؤكد بها كما يستفاد من قول الشارح فمخرجه على أن إن نافية إلخ وبالأولى تأكيد ما النافية بما نافية أخرى فلا يبطل عملها كما يصرح به كلام المصنف في شرح التسهيل واعتمده الدماميني والمرادي وإن خالف في ذلك بعضهم كما مر، وقد يتبادر من هذا الكلام أن تعقيب ما النافية بما أخرى زائدة لا نافية مبطل للعمل فلينظر. وإنما لم تعمل مع أن لبعدها عن شبه ليس بوقوع إن بعدها وقيل لضعفها عن تخطي إن وكذا يقال في زيادة ما بعدها إن قلنا بإبطالها العمل. قوله: "مع بقا النفي" أي نفي الخبر فلا يضر انتقاض نفي معمول خبرها نحو ما زيد ضاربًا إلا عمرًا سم. قوله: "أي علم" أي من باب المبتدأ والخبر فإنه علم منه أن حق المبتدأ التقدم والخبر التأخر. قوله: "بني غدانة" بضم الغين المعجمة. والصريف الفضة. والخزف الفخار. قوله: "لا زائدة" أي كما هي على رواية الإهمال فالتأكيد بإن على أنها نافية لفظي لأنه بمنزلة تكرير ما وعلى أنها زائدة معنوي كالتأكيد بسائر الحروف الزائدة وكذا في حاشية السيوطي على المغني. قوله: "وكذا" أي كوجود إن إذا انتفض إلخ وهذه الجملة معطوفة على محذوف قبل قوله نحو ما إن زيد قائم تقديره فيبطل عملها إذا وجدت أن نحو إلخ والمعطوف والمعطوف عليه تفصيل لقوله فإن فقد شرط إلخ فانتظمت عبارة الشارح.
стр. 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢٢٠- وما الدهر إلا منجنونا بأهله ... وما صاحب الحاجات إلا معذبا
فشاذ أو مؤول. وكذا يبطل عملها إذا تقدم خبرها على اسمها نحو ما قام زيد. ومنه قوله:
٢٢١- وما خذل قومي فأخضع للعدا ... ولكن إذا أدعوهم فهم هم
وأما قول الفرزدق:
٢٢٢- فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
فشاذ وقيل: غلط سببه أنه تميمي وأراد أن يتكلم بلغة الحجاز، ولم يدر أن من
ــ
قوله: "بإلا" خرج الانتقاض بغير فلا يبطل العمل عند البصريين نحو ما زيد غير قائم. قوله: "وما الدهر" قال الناصر: المراد به نفس الفلك مجازًا لا حركته فيكون اسم عين فصح أنه من باب ما زيد إلا سيرًا والمنجون الدولاب الذي يسقى عليه الماء وضم داله أكثر من فتحها. قوله: "أو مؤوّل" بجعله من باب ما زيد إلا سيرًا. والأصل وما الدهر إلا يدور دوران منجنون وما صاحب الحاجات إلا يعذب معذبًا أي تعذيبًا فهما منصوبان على المفعولية المطلقة لفعلين محذوفين مختلفين بتقدير مضاف في الأول وجعل معذبًا مصدرًا ميميًّا بمعنى تعذيبًا أو مؤوّل بجعلهما مفعولين لفعلين محذوفين متحدين أي يشبه منجنونًا ويشبه معذبًا وهذا أقل كلفة. قوله: "نحو ما قائم زيد" أي على جعل قائم خبرًا أما على جعله مبتدأ رافعًا لمكتفي به عن الخبر فلا إشكال في بقاء العمل لبقاء التركيب والمرفوع بالمبتدأ في هذه الحالة فاعل بالوصف أغنى عن خبر ما على ما تقدم قاله شيخنا السيد. قوله: "وقيل غلط" أي لحن وفيه أن المعروف أن العربي لا يقدر
стр. 363
وسبق حرف جر أو ظرف كما ... بي أنت معنيا أجاز العلما
ــ
شروط النصب عندهم بقاء الترتيب بين الاسم والخبر وقيل: مؤول.
تنيهان: الأول قال في التسهيل: وقد تعمل متوسطًا خبرها وموجبًا بإلا وفاقًا لسيبويه في الأول وليونس في الثاني. الثاني اقتضى إطلاقه منع العمل عند توسط الخبر ولو كان ظرفًا أو مجرورًا. قال في شرح الكافية: من النحويين من يرى عمل ما إذا تقدم خبرها وكان ظرفًا أم مجرورًا وهو اختيار أبي الحسن بن عصفور "وسبق حرف جر" مع مجروره
ــ
أن يلحن كما أنه لا يقدر أن ينطق بغير لغته كذا في الروداني. ثم قال: والذي ينبغي أن لا يشك فيه أن ذلك إذا ترك العربي وسليقته أما لو أراد النطق بالخطأ أو بلغة غيره فلا يشك في أنه لا يعجز عن ذلك. وقد تكلمت العرب بلغة الحبش والفرس واللغة العبرانية وغيرها وأبو الأسود عربي، وقد حكي قول بنته لأمير المؤمنين عليّ ما أشد الحر بالرفع، فقول سيبويه في قصته مع الكسائي في مسألة كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي مرهم يا أمير المؤمنين أن ينطقوا بذلك لا بد من تأويله كأن يقال: المراد مر من لم يسمع مقالة الكسائي ولم يدر القصة أو نحو ذلك مما يقتضي نطقهم على سليقتهم الذي هو المعيار. ا. هـ. وهو كلام في غاية النفاسة طالما جرى في نفسي.
قوله: "وقيل مؤول" أي بأن فتحته بناء لإضافته إلى مبني فهو في محل رفع بالابتداء أو بأن الخبر محذوف أي موجود ومثلهم حال من الضمير في الخبر وإنما قدرنا الخبر مرفوعًا لما علم من أن الشاعر تميمي. قوله: "وفاقًا لسيبويه في الأول" رد بأن المنصوص عن سيبويه المنع والمجوز إنما هو الجرمي والفراء. قوله: "اقتضى إطلاقه" لا يقال قوله وسبق إلخ يقيد هذا الإطلاق لشموله نفس الخبر ومعموله والتمثيل بالمعمول في قوله كما بي إلخ لا يخصص والقاعدة حمل المطلق على المقيد لأنا نقول عادته إعطاء الحكم بالمثال مع أن التعميم مبني على مذهب ابن عصفور المخالف للجمهور ومنهم المصنف. قوله: "وهو اختيار أبي الحسن بن عصفور" وتأييده بقياسه على معمول الخبر يمنع بالفرق بأنه يتوسع في الفضلة ما لا يتوسع في العمدة. فإن قيل: قد اغتفروا تقدم خبر إن وأخواتها على اسمها إذا كان ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا. أجيب بأن هذه الحروف ضعيفة لأنها فرع الفرع لأنها محمولة على ليس وليس محمولة على كان على ما قيل بخلاف إن وأخواتها. قوله: "وسبق إلخ" أشار به كما تقدم إلى شرط رابع وهو أن لا يتقدم معمول خبرها على اسمها إذا كان غير ظرف أو جار ومجرور لأن هذه الأحرف ضعيفة العمل فلا تقوى على أن يتصرف معها، ويؤخذ من العلة منع تقديم معمول الخبر على الخبر نفسه ومنع تقديم معمول الاسم عليه فلا يقال: ما زيد طعامك آكلًا ولا ما زيدًا ضارب قائمًا للزوم الفصل بينها وبين معمولها بأجنبي وإن تردد فيهما سم. كذا في يس واستظهر البعض عدم بطلان العمل بتقدم معمول الخبر على الخبر. وللنفس ميل إليه لأن الفصل فيه ليس بين ما ومعموليها معًا بخلاف تقدم معمول الاسم عليه. وانظر هل يجوز تقدم معمول الاسم عليه إذا كان ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا للتوسع فيهما أولا.
стр. 364
ورفع معطوف بلكن أو ببل ... من بعد منصوب بما الزم حيث حل
ــ
"أو ظرف" مدخولي ما مع بقاء العمل "كما بي أنت معنيًّا" وما عندك زيد قائمًا "أجاز العلما" سبق مصدر نصب بالمفعولية لأجاز مضاف إلى فاعله، والمراد أنه يجوز تقديم معمول خبر ما على اسمها إذا كان ظرفًا أو مجرورًا كما مثل. ومنه قوله:
٢٢٣- بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا ... فما كل حين من توالي مواليا
فإن كان غير ظرف أو مجرور بطل العمل نحو ما طعامك زيد آكل. ومنه قوله:
٢٢٤- وقالوا تعرفها المنازل من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارف
وأجاز ابن كيسان بقاء العمل والحالة هذه "ورفع معطوف بلكن أو ببل من بعد" خبر "منصوب بما" الحجازية "الزم حيث حل" رفع مصدر نصب بالمفعولية لا لزم مضاف إلى مفعوله، والفاعل محذوف، والتقدير الزم رفعك معطوفًا بلكن أو ببل إلى آخره. وإنما وجب الرفع لكونه خبر مبتدأ مقدر. ولا يجوز نصبه عطفًا على خبر ما لأنه موجب وهي لا
ــ
قوله: "أو ظرف" لا يبعد أن أو مانعة خلو تجوز الجمع. قوله: "مدخولي ما" مفعول سبق دفع به توهم أن المراد سبق ذلك على ما لامتناعه لأن ما لها الصدارة. قوله: "والمراد إلخ" عبر بالمراد لإيهام العبارة شمول نفس الخبر أيضًا. قوله: "بأهبة حزم" الأهبة كما في القاموس العدة بالضم. قوله: "وإن كنت آمنًا" عطف على محذوف أي إن لم تكن آمنًا وإن كنت آمنًا، أو الواو للحال وإن وصلية فيكون خلاف هذه الحالة مفهومًا بالأولى والشاهد في تقدم كل حين لأن كل بحسب ما بعدها وما بعدها ظرف فتكون هي ظرفًا. قوله: "تعرفها المنازل" أي اطلب معرفتها في المنازل. والشاهد في قوله وما كل إلخ حيث أهمل ما عند تقدم معمول خبرها الذي ليس ظرفًا ولا مجرورًا، هذا على رواية نصب كل، أما على رواية رفعه فكل اسمها وجملة أنا عارف في محل نصب خبرها والعائد محذوف أي عارفه. ولا شاهد فيه حينئذٍ. قوله: "من بعد منصوب" أي أو مجرور بالباء الزائدة ولا يجوز جره سم. قوله: "ولا يجوز نصبه" أي على رأي الجمهور أما على رأي يونس المتقدم من عدم اشتراط بقاء النفي فالنصب جائز. قوله: "لأنه موجب" أي على مذهب الجمهور وأجاز المبرد كون بل ناقلة النفي إلى ما بعدها فعليه يجوز ما زيد قائمًا بل قاعد
стр. 365
وبعد ما وليس جر البا الخبر ... وبعد لا ونفي كان قد يجر
ــ
تعمل في الموجب، تقول ما زيد قائمًا بل قاعد، وما عمرو شجاعًا لكن كريم، أي بل هو قاعد ولكن هو كريم. فإن كان العطف بحرف لا يوجب كالواو والفاء جاز الرفع والنصب نحو ما زيد قائمًا ولا قاعد ولا قاعدًا. والأرجح النصب.
تنبيه: قد عرفت أن تسمية ما بعد بل ولكن معطوفًا مجاز إذ ليس بمعطوف، وإنما هو خبر مبتدأ مقدر، وبل ولكن حرفا ابتداء "وبعد ما" النافية "وليس جر البا" الزائدة
ــ
بالنصب أي بل ما هو قاعدًا أفاده اللقاني وفيه إشكال لأن نقل النفي إلى ما بعد العاطف صير ما قبله غير منفي فما وجه نصبه وجوابه أن النفي إنما انتقل بعد تمام العمل فالنصب متجه.
قوله: "جاز الرفع" أي على إضمار مبتدأ أو اتباعًا لمحل الخبر قبل دخول الناسخ بناء على مذهب من لا يشترط بقاء المحرز أي وجود الطالب للمحل. قوله: "ولا قاعدًا" لا زائدة للتأكيد. قوله: "قد عرفت" أي من قوله لكونه خبر مبتدأ مقدر. قوله: "مجاز" أي بالاستعارة التصريحية لعلاقة المشابهة الصورية. قوله: "وبعد ما" أي عاملة أو مهملة ما لم يكن إهمالها لانتقاض النفي فإن كان له لم تدخل الباء لأن الكلام حينئذٍ إيجاب. قوله: "وليس" أي غير الاستثنائية لأنها بمعنى إلا ومصحوب ألا لا يقترن بالباء كذا في التصريح وسيأتي عن ابن هشام ما يوافقه. قوله: "جر البا الخبر" بشرط عدم نقض نفيه بإلا كما تقدم فلا يجوز ما زيد إلا بقائم وقبوله الإيجاب فلا يجوز ما مثلك بأحد وأن لا يكون في الاستثناء فلا يجوز قام القوم ليس بزيد أو لا يكون بزيد نقله يس عن ابن هشام. وكالخبر الاسم إذا وقع في موضع الخبر على قلة كقراءة بعضهم ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧] بنصب البر وهذه الباء لتأكيد النفي على مذهب الكوفيين وهو الصحيح. وقال البصريون: لدفع توهم الإثبات لأن السامع قد لا يسمع أول الكلام. وقيل: إنما زيد الحرف سواء كان الباء أو غيرها لاتساع دائرة الكلام إذ ربما لا يتمكن المتكلم من نظمه أو سجعه إلا بزيادة الحرف ومحل المجرور بها نصب على الأعمال وعليه يحمل ما ورد في القرآن لأن خبر ما لم يقع في القرآن مجردًا من الباء إلا منصوبًا ورفع على الإهمال.
فائدة: قال في التسهيل: وقد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها. قال الدماميني: وهذا هو المعروف عندهم بالعطف على التوهم والذي عليه جمهور النحاة أنه غير مقيس. ثم قال في التسهيل: ويندر ذلك أي جر المعطوف على الخبر المذكور في غير ليس وما ثم قال: وإن ولي العاطف بعد خبر ليس أو ما وصف يتلوه سببي نحو ليس أو ما زيد قائمًا ولا ذاهبًا أخوه أعطى الوصف ما له مفردًا فينصب أو يجر على التوهم ورفع به السببي وهو أخوه في المثال أو جعلا مبتدأ وخبرًا فترفعهما ويتطابق الوصف حينئذٍ والمبتدأ فتقول ولا ذاهبان أخواه ولا ذاهبون أخوته. ولك أن تجعل الوصف مبتدأ والسببي فاعلًا به أغنى عن الخبر لاعتماده على النفي وإن تلاه أجنبي عطف بعد ليس على اسمها والوصف على خبرها فتقول: ليس زيد قائمًا ولا ذاهبًا عمرو، وإن جر بالباء جاز على الأصح جر الوصف المذكور وليس ذلك من العطف على معمولي
стр. 366
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"الخبر" كثيرًا نحو: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت: ٤٦] ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه﴾ [الزمر: ٣٦] "وبعد لا" النافية "ونفي كان" وبقية النواسخ "قد يجر" قليلًا. من ذلك قوله:
٢٢٥- فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
وقوله:
٢٢٦- وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وقوله:
٢٢٧- دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقعدد
ــ
عاملين مختلفين لأن جر المعطوف بباء مقدرة مدلول عليها بالمتقدمة ويتعين رفع الوصف المعطوف مع ما سواء نصبت خبرها أو جررته بالباء لأن خبرها لا يتقدم على اسمها فكذا خبر ما عطف على اسمها فيرجع العطف حينئذٍ إلى عطف الجمل. ا. هـ. مع زيادة من شرحه الدماميني.
قوله: "وبعد لا" أي عاملة عمل إن أو عمل ليس. قوله: "ونفي كان" أي وكان المنفية أي غير الاستثنائية كما مر. قوله: "وبقية النواسخ" عطف على كان فنفى مسلط عليها والمراد النواسخ غير إن وأخواتها وغير كاد وأخواتها. قوله: "قليلًا" أتى به دفعًا لتوهم أن قد ليست للتقليل. قوله: "فكن" الخطاب للنبي ﷺ ، والفتيل الخيط الذي في شق النواة وهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق أي إغناء ما، وقوله عن سواد بن قارب من وضع الظاهر موضع المضمر. قوله: "إذ أجشع" من الجشع وهو شدة الحرص على الأكل، وأعجل بمعنى عجل كما في التصريح ولإبقاء أعجل على ظاهره وجه. قوله: "والخيل" يعني الفرسان، والقعدد بضم
стр. 367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وربما أجروا الاستفهام مجرى النفي لشبهه أياه كقوله:
٢٢٨- يقول إذا أقلولى عليها وأقردت ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
وندر في غير ذلك كخبر إن ولكن وليت في قوله:
٢٢٩- فإن تنا عنها حقبة لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب
وقوله:
٢٣٠- ولكن أجرا لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر
ــ
القاف فسكون المهملة فضم الدال وفتحها الضعيف المتأخر قاله العيني. قوله: "أجروا الاستفهام" ظاهره ولو غير إبطالي. وفي التصريح أن هل في البيت للجحد. قوله: "لشبهه إياه" أي في عدم تحقق مدخول كل. قوله: "يقول إلخ" هو هجو من الفرزدق لجرير بأن قومه كليبًا يأتون الأتن فالضمير في يقول إلى الكلبي، إذا أقلولى أي ارتفع على الأتان. وأقردت الأتان بالقاف أي لصقت بالأرض وسكنت ألا هل مقول القول. واعترض البعض الاستشهاد بهذا بأنه خروج عما نحن فيه إذ الكلام في زيادة الباء بعد الناسخ وهو مدفوع بأن قول الشارح: وربما أجروا الاستفهام غير مقيد بأن يكون الاستفهام داخلًا على ناسخ وإن أوهمته عبارته بل هو أعم والمعنى ربما أجروا الاستفهام الموجود في الكلام مجرى النفي الداخل على الناسخ فالاستشهاد بالبيت في محله. قوله: "وندر" أي قلّ جدًا. قوله: "كخبر إن إلخ" وكالحال في ما جاءني زيد براكب. قوله: "فإن تنأ" أي تبعد عنها أي عن أم جندب المذكورة في قوله أو القصيد:
خليلي مرا بي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
стр. 368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله:
٢٣١- ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم
على إحدى الروايتين. وإنما دخلت في خبر إن في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ، لأنه في معنى أو ليس الله بقادر.
تنبيهات: الأول لا فرق في دخول الباء في خبر ما بين أن تكون حجازية أو تميمية كما اقتضاه إطلاقه وصرح به في غير هذا الكتاب. وزعم أبو علي أن دخول الباء مخصوص بالحجازية وتبعه على ذلك الزمخشري وهو مردود، فقد نقل سيبويه ذلك عن تميم وهو موجود في أشعارهم فلا التفات إلى من منع ذلك. الثاني اقتضى إطلاقه أيضًا أنه لا فرق في ذلك بين العاملة والتي بطل عملها بدخول إن، وقد صرح بذلك في غير هذا الكتاب. ومنه قوله:
٢٣٢- لعمرك ما إن أبو مالك ... بواه ولا بضعيف قواه
ــ
حقبة أي مدة، لا تلاقها بدل من تنأ لأن عدم الملاقاة هو النأي كما قاله زكريا. قوله: "لو فعلت" معترض بين اسم لكن وخبرها وجواب لو محذوف أي لو فعلته لأصبت أو هي للتمني. قوله: "وإنما دخلت إلخ" جواب عما يرد على قوله وندر. وحاصله كيف تدعي ندور ما ذكر مع وقوعه في القرآن المنزه عن وقوع النادر استعمالًا. وحاصل الجواب أن دخولها في الآية لأن مدخولها يؤول بحسب المعنى إلى خبر ليس. قوله: "لأنه في معنى إلخ" بدليل التصريح به في قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ﴾ [يس: ٨١] ، أو يقال لأن أن ومعمولها سدا مسد مفعولي يروا العلمية وهي من النواسخ فمدخولها جزء من معمولي الناسخ فكأنه معموله وقد أجاز الزجاج القياس على ما في الآية أجاز ما ظننت أن أحدًا بقائم. قوله: "في خبر ما" الإضافة لأدنى ملابسة بالنسبة للتميمية لأنها لا خبر لها أي الخبر الواقع في حيزها. قوله: "وتبعه على ذلك الزمخشري" بناء منهما على أن المقتضي لزيادة الباء نصب الخبر وليس كذلك فإن المقتضي نفيه. ا. هـ. دماميني أي بدليل دخولها في نحو لم أكن بقائم وامتناعها في كنت قائمًا.
стр. 369
في النكرات أعملن كليس لا ... وقد تلي لات وإن ذا العملا
ــ
الثالث اقتضى إطلاقه أيضًا أنه لا فرق بين العاملة عمل ليس كما تقدم والعاملة عمل إن، نحو قولهم: لا خير بخير بعده النار أي لا خير خير "في النكرات أعملت كليس لا" النافية بشرط بقاء النفي والترتيب على ما مر، وهو أيضًا خاص بلغة الحجاز دون تميم. ومنه قوله:
٢٣٣- تعز فلا شيء على الارض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا
ــ
قوله: "في أشعارهم" كقول الفرزدق:
لعمرك ما معن بتارك حقه
قوله: "بدخول أن" أي أو بعدم الترتيب لا بانتقاض النفي بإلا فالمفهوم فيه تفصيل فلا اعتراض. قوله: "لا خير بخير" بحث فيه باحتمال كون الباء ظرفية لا زائدة والخبر الجار والمجرور. وأجاب غير واحد كالبعض بأن هذا الاحتمال خلاف الظاهر وإن ادعى الدماميني ظهوره. وأنا أقول: لا بد من التزام هذا الاحتمال أو التزام كون الكلام على زيادة الباء مقلوبًا لأن المعنى المقصود من هذا الكلام نفي كينونة الخير في الخير الذي بعده النار أي نفي وجود شيء من الخير في الخير الذي بعده النار وهذا إنما يفيده الكلام إذا جعل مقلوبًا والأصل لا خير بعده النار خير، وليس المقصود نفي الخيرية التي بعدها النار عن الخير كما يفيده جعل الباء زائدة من غير التزام القلب لأن معنى كون لا لنفي الجنس أنها لنفي الخبر عن الجنس. فإن قلت: يغني عن التزام القلب جعل بعده النار صفة لاسم لا. قلت: يلزم حينئذٍ الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو خير وحيث كانت دعوى الزيادة محوجة إلى ارتكاب القلب الذي هو خلاف الأصل كان احتمال الظرفية هو الظاهر وفاقًا للدماميني فتدبره في غاية الحسن والمتانة. قوله: "في النكرات" إنما اختص عمل لا بالنكرات لأنها عند الإطلاق لنفي الجنس برجحان والوحدة بمرجوحية وكلاهما بالنكرات أنسب. ا. هـ. سم أما التي لنفي الجنس نصًا فعاملة عمل إن وأورد على تخصيص عمل لا بالنكرات أنه وقع في أمثلة سيبويه ما زيد ذاهبًا ولا أخوه قاعدًا. وأجيب بأنه لا عمل للإبل هي زائدة والاسمان تابعان لمعمولي ما قاله المصرح. قوله: "كليس" حال من لا أو مفعول مطلق على معنى عملًا كعمل ليس.
قوله: "بشرط بقاء النفي والترتيب" أي بين اسمها وخبرها ولم يقل وعدم الاقتران بأن لأنها لا تقترن بها أصلًا فلا يحتاج إلى اشتراطه وبقي شرطان عدم تقدم معمول خبرها على اسمها
стр. 370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيهات: الأول ذكر ابن الشجري أنها أعملت في معرفة، وأنشد للنابغة الجعدي:
٢٣٤- وحلت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا عن حبها متراخيا
وتردد رأي الناظم في هذا البيت، فأجاز في شرح التسهيل القياس عليه، وتأوله في شرح الكافية فقال: يمكن عندي أن يجعل أنا مرفوع فعل مضمر ناصب باغيًا على الحال تقديره لا أرى باغيًا، فلما أضمر الفعل برز الضمير وانفصل. ويجوز أن يجعل أنا مبتدأ والفعل المقدر بعده خبرًا ناصبًا باغيًا على الحال. ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه ونظائره كثيرة منها قولهم: حكمك مسمطًا، أي حكمك لك مسمطًا أي مثبتًا، فجعل مسمطًا وهو حال مغنيًا عن عامله مع كونه غير فعل، فأن يعامل باغيًا
ــ
وهو غير ظرف أو جار ومجرور وأن لا تكون لنفي الجنس نصًّا ولا يرد البيت الآتي أعني تعز إلخ لأن التنصيص على نفي الجنس فيه من القرينة الخارجية لا من نفس لا. قوله: "على ما مر" أي من البيان قيل ومن الخلاف. قوله: "تعز" أي تصبر وتسل والوزر الملجأ، والشاهد في الشطرين وقيل لا شاهد في الشطر الأول لاحتمال أن باقيًا حال من الضمير في على الأرض وعلى الأرض خبر فيكون محتملًا للرفع والنصب. وفيه أنا لو سلمنا أن على الأرض خبر لكان نصب الخبر في الشطر الثاني قرينة على نصبه في الأول وإلا كان تلفيفًا بين لغتين فيكون الاستشهاد بالشطرين غاية الأمر أنه بقرينة الثاني. قوله: "سواد القلب" أي حبته السوداء وباغيًا طالبًا. قوله: "مرفوع فعل" أي على أنه نائب فاعل. قوله: "لا أرى" أي لا أبصر إذ لو كانت علمية لكان المنصوب مفعولًا ثانيًا لا حالًا ولعله لم يجعلها علمية والمنصوب مفعولًا مع أنه أنسب بالمعنى لأن حذف غير القلبي أكثر من حذف القلبي. قوله: "والفعل المقدر بعده" إنما قدر بعده لما مر من وجوب تأخير الخبر الفعلي الرافع لضمير المبتدأ.
قوله: "هذا" أي الوجه الثاني من باب الاستغناء بالمعمول إلخ أي من باب سد الحال مسد الخبر العامل فيها كما يؤخذ مما بعده أي قوله: ونظائره إلخ فلا اعتراض بأن الوجه الأول فيه أيضًا الاستغناء بالمعمول وهو أنا عن العامل وهو فعله المحذوف قاله شيخنا والبعض. ولك أن ترجع اسم الإشارة إلى التأويل بوجهيه ويكون التنظير على وجهه الأول بنحو حكمك مسمطًا في الاستغناء بمطلق معمول عن مطلق عامل وإن لم يكن المعمول حالًا والعامل خبرًا وحينئذٍ فلا اعتراض ولا جواب. قوله: "حكمك مسمطًا" تقدم أن هذا شاذ فلا يناسب التنظير به. قوله:
стр. 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بذلك وعامله فعل أحق وأولى، هذا لفظه. الثاني اقتضى كلامه مساواة لا لليس في كثرة العمل وليس كذلك، بل عملها عمل ليس قليل حتى منعه الفراء ومن وافقه، وقد نبه عليه في غير هذا الكتاب. الثالث على خبر لا أن يكون محذوفًا حتى قيل إن ذلك لازم كقوله:
٢٣٥- من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
أي لا براح لي. والصحيح جوازه ذكره كما تقدم "وقد تلي لات وإن ذا العملا"
ــ
"اقتضى كلامه" حيث شبه لإبليس ثم قال: وقد تلى لات فأفاد أن إعمال لا كليس كثير ولعل مراد الشارح باقتضاء كلام المصنف المساواة في الكثرة اقتضاؤه المساواة في أصل الكثرة فلا يمنع كلام الشارح بأن الغالب ضعف المشبه عن المشبه به. قوله: "قليل" بل قيده في شرح القطر بالشعر وجعله ابن الحاجب سماعيًا وتبعه الجامي وعللت القلة بنقصان شبهها بليس لأنها للنفي مطلقًا وليس لنفي الحال وما اقتضاه كلامه هنا صرح به في تسهيله حيث قال ويلحق بها أن النافية قليلًا ولا كثيرًا. ا. هـ. قال السيوطي: قال ابن مالك: عمل لا أكثر من عمل إن، وقال أبو حيان: الصواب عكسه لأنه إن قد عملت نظمًا ونثرًا ولا إعمالها قليل جدًّا بل لم يرد منه صريحًا سوى البيت السابق. ا. هـ. قوله: "عن نيرانها" أي الحرب وقوله: فأنا ابن قيس إلخ علة للجواب المحذوف أي فأنا لا أصد لأني ابن قيس والقافية مطلقة لا مقيدة بدليل بقية القوافي فلا يقال: يحتمل أن لا عاملة عمل إن لأن ظهور الضم يمنع هذا الاحتمال قاله الروداني. قوله: "وقد تلي" من ولي الشيء يليه ولاية إذا تولاه ويشترط لاعمال لات وإن عمل ليس ما اشترط في ما إلا الشرط الأول لأن إن لا تزاد بعدهما فلا معنى لاشتراط عدم زيادتها بعدهما ويظهر قياسًا على ما سبق في ما أن تأكيد إن النافية بأن نافية أخرى لا يبطل عملها وتزيد لات باشتراط أن يكون معمولاها اسمي زمان وقد للتحقيق بالنسبة للات وللتقليل النسبي بالنسبة لأن بناء على جواز استعمال المشترك في معنييه فلا ينافي قول صاحب التوضيح وعملها أي لات إجماع من العرب وعلى تسليم أن قد للتقليل بالنسبة إلى لات أيضًا يقال الإجماع على الجواز فلا ينافي قلة الوقوع. فإن قلت: إذا أجمعت العرب على إعمالها فكيف منعه بعض النحاة كالأخفش؟ قلت: معنى إجماع العرب على إعمالها كما في الروداني أنه وجد في لغة الحجازيين والتميميين بعدها مرفوع
стр. 372
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذكور أما لات فأثبت سيبويه والجمهور عملها، ونقل منعه عن الأخفش. وأما إن فأجاز إعمالها الكسائي وأكثر الكوفيين وطائفة من البصريين، ومنعه جمهور البصريين. واختلف النفل عن سيبويه والمبرد، والصحيح الإعمال فقد سمع ثنرًا ونظمًا، فمن النثر قولهم: إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية. وجعل منه ابن جني قراءة سعيد بن جبير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراب: ١٩٤] ، على أن إن نافية رفعت الذين ونصبت عبادًا أمثالكم خبرًا ونعتًا. والمعنى ليس الأصنام الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم في الاتصاف بالعقل، فلو كانوا أمثالكم وعبدتموهم لكنتم بذلك مخطئين ضالين، فكيف حالكم في عبادة من هو دونكم بعدم الحياة والإدراك؟ ومن النظم قوله:
٢٣٦- إن هو مستوليا على أحد ... إلا على أضعف المجانين
ــ
وحده ومنصوب وحده فهذا مراده بالعمل المجمع عليه وهذا لا ينافي اختلاف النحاة في ذلك الموجود هل هو معمول لها أولا.
قوله: "ذا العملا" اسم الإشارة راجع إلى عمل ليس في قوله أعمال ليس لا إلى عمل لا في قوله في النكرات إلخ كما ظنه سم لكونه أقرب فاعترض وتبعه البعض بإشعار كلامه باشتراط التنكير مع لات وإن وهو غير مسلم في أن لأنها تعمل في المعارف والنكرات بل قيل: باشتراط المعرفة. قوله: "ونقل منعه عن الأخفش" وعليه فالمرفوع الذي يليها مبتدأ حذف خبره والمنصوب الذي يليها مفعول لفعل محذوف تقديره أرى مثلًا أفاده في التصريح. قوله: "ومنعه جمهور البصريين" ومما يتخرج عليه قول بعضهم إن قائم بتشديد النون أصله إن أنا قائم حذفت همزة أنا اعتباطًا وأدغمت النون في النون وحذفت ألفها للوصل، ومثل هذا في ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] فأصله لكن أنا ففعل فيه ما مر وسمع إن قائمًا على الإعمال أفاده المغني. قال الدماميني قرأ ابن عامر لكنا بإثبات ألف أنا وصلا ووقفا تعويضًا بالألف عن الهمزة المحذوفة وغيره بإثباتها وقفًا فقط على الأصل. ا. هـ. وانظر لم لم ترسم إن قائم بألف عقب النون مع أنه القياس لثبوتها وقفًا ولعله لدفع التباس إن خطأ بأنا التي هي ضمير رفع منفصل وإعراب. ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] ، لكن حرف استدراك أنا مبتدأ أول خبره الجملة بعده ورابطها ياء المتكلم وهو ضمير الشأن مبتدأ ثان خبره الجملة بعده ولا تحتاج لرابط لأنها عين المبتدأ والله مبتدأ ثالث خبره ربي. وهذه الآية مما اجتمع فيه الجملة الكبرى فقط والصغرى فقط والكبرى والصغرى باعتبارين.
قوله: "قراءة سعيد إلخ" خرجها بعضهم على أن إن مخففة من الثقيلة ناصبة للجزأين لتتوافق القراءتان إثباتًا وهو تخريج على شاذ لأن نصبها الجزأين شاذ. قوله: "خبرًا ونعتًا" على
стр. 373
وما للات في سوى حين عمل ... وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل
ــ
وقوله:
٢٣٧- إن المرء ميتا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا
وقد عرفت أنه لا يشترط في معموليها أن يكونا نكرتين "وما للات في سوى" اسم "حين" أي زمان "عمل" بل لا تعمل إلا في أسماء الأحيان نحو حين وساعة وأوان. قال تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاص﴾ [ص: ٣] . وقال الشاعر:
٢٣٨- ندم البغاة ولات ساعة مندم
وقال الآخر:
٢٣٩- طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
ــ
اللف والنشر المرتب. قوله: "والمعنى إلخ" أشار به إلى دفع التنافي بين القراءة المشهورة المثبتة للمثلية ومقابلها النافية لها. وحاصل الدفع أن النفي والإثبات لم يتواردا على مثلية واحدة فالمثبتة المماثلة في العبودية والمنفية المماثلة في الإنسانية وأحوالها كالعقل. قوله: "إلا على أضعف المجانين" يعلم منه أن انتقاض النفي بالنسبة إلى معمول الخبر لا يبطل عمل إن كما. قوله: "وقد عرفت" أي من الأمثلة. قوله: "في سوى اسم حين" قدر اسم لدفع توهم أن المراد لفظ حين فقط كما قيل بذلك. قوله: "مناص" أي فرار. قوله: "ولات ساعة مندم" الواو للحال والمندم الندامة. قوله: "أن ليس" أن تفسيرية واسم ليس ضمير مستتر عائد إلى الأوان. وقوله: حين بقاء أي
стр. 374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي وليس الأوان أوان صلح، فحذف المضاف إليه أوان منوي الثبوت، وبني كما فعل بقبل وبعد، إلا أن أوانًا لشبهه بنزول وزنًا بني على الكسر ونون اضطرارًا. وأما قوله:
٢٤٠- لهفي عليك للهفة من خائف ... يبغي جوارك حين لات مجير
فارتفاع مجير على الابتداء أو الفاعلية، أي لأت يحصل مجير أو لات له مجير.
ولات مهملة لعدم دخولها على الزمان.
تنبيه: للنحويين في لات الواقع بعدها هنا كقوله:
٢٤١- حنت نوار ولات هنا حنت
ــ
بقاء للصلح. قوله: "أي وليس إلخ" تفسير لقوله: ولات أوان. قوله: "منويّ الثبوت" أي معنى ليصح البناء.
قوله: "وبنى" أي عند الجمهور وذهب الفراء إلى أنها قد يجر بها الزمان كما في البيت وقراءة بعضهم ولات حين مناص بالجر. وأجيب بأن الجر في الآية على تقدير من الاستغراقية ويجوز ذلك في البيت أيضًا. قوله: "لشبهه بنزال إلخ" قد يستفاد منه جواز بناء أمام في الحالة المذكورة على الكسر لشبهها بنزال فتأمل. قوله: "بني على الكسر" قال البعض: ويحتمل أن يكون مبنيًا على السكون وكسر على أصل التقاء الساكنين ونون للضرورة. ا. هـ. وهو فاسد لأن التقاء الساكنين يمنع البناء على السكون. قوله: "لهفي" بفتح الهاء من باب فرح كما في القاموس أي حزني مبتدأ خبره عليك. أو للهفة أي لأجل لهفة أي أتحزن عليك لأجل تحزن الخائف الذي يطلب جوارك أي أغاثتك. قوله: "فارتفاع مجير على الابتداء". والمسوّغ وقوعه بعد النفي أو تقدم الخبر وإلى هذا أشار بقوله أو لات له مجير. قوله: "أو الفاعلية" أي بفعل محذوف. قوله: "أي لات إلخ" لف ونشر مشوّش. قوله: "هنا" أي بضم الهاء وتشديد النون ومثلها
стр. 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مذهبان. أحدهما أن لات مهملة لا اسم لها ولا خبر. وهنا في موضع نصب على الظرفية لأنه إشارة إلى المكان. وحنت مع أن مقدرة قبلها في موضع رفع بالابتداء، والتقدير حنت نوار ولات هنالك حنين وهذا توجيه الفارسي. والثاني أن تكون هنا اسم لات وحنت خبرها على حذف مضاف، والتقدير وليس الوقت وقت حنين. وهذا الوجه ضعيف لأنه فيه إخراج هنا عن الظرفية وهي من الظروف التي لا تتصرف، وفيه أيضًا إعمال لات في معرفة وإنما تعمل في نكرة. واختصت لات بأنها لا يذكر معها معمولاها معًا، بل لا بد من حذف أحدهما "وحذف ذي الرفع" منهما وهو الاسم "فشا" فتقدير ولات حين مناص ولات الحين حين مناص، أي وليس الوقت وقت فرار، فحذف الاسم وبقي الخبر "والعكس قل" جدًّا قرأ بعضهم شذوذًا ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] ، برفع حين على أنه اسمها والخبر محذوف، والتقدير ولات حين مناص لهم، أي كائنًا لهم.
خاتمة: أصل لات لا النافية زيدت عليها تبا التأنيث كما في ربت وثمت، قيل: ليقوى شبهها بالفعل، وقيل: للمبالغة في النفي كما في نحو علامة ونسابة للمبالغة.
ــ
مكسورتها ومفتوحتها لما مر أن الثلاثة جاءت للزمان. قوله: "ولات هنا" بضم الهاء كما في الدماميني. قوله: "وهنا في موضع إلخ" أي خبر مقدم. قوله: "على حذف مضاف" أي والفعل إذا أضيف إليه كان لمجرد الحدث فهو اسم حكمًا كما ذهب إليه بعضهم ومر بيانه. قوله: "والتقدير وليس الوقت إلخ" جرى على القليل من استعمال هنا للزمان ولم يجر على الكثير من استعمالها للمكان فرارًا من عمل لات في غير الزمان. قوله: "وفيه أيضًا إلخ" وفيه أيضًا الجمع بين معمولي لات وحذف المضاف إلى جملة.
قوله: "إعمال لات في معرفة" أي ظاهرة كما في المغني. وقوله: وإنما تعمل في نكرة أي عملًا ظاهرًا فلا ينافي أن المقدر لا بد أن يكون معرفة كما قاله المصنف، وأشار إليه الشارح بقوله سابقًا فليس الأوان أوان صلح، وبقوله بعد ولات الحين حين مناص. قال المصنف: لأن المراد نفي كون الحين الخاص حينًا ينوصون فيه لا نفي كون جنس الحين. ا. هـ. ولعل هذا إذا كان المقدر الاسم بدليل تقديرهم الخبر نكرة في قراءة من رفع حين مناص. قوله: "فشا" أي كثر، لأن الخبر محط الفائدة. قوله: "أي كائنًا لهم" ظاهره جعل كائنًا خبر لات وهو لا يصح لأن من شروط عملها كون معموليها اسمي زمان فيجب أن يقدر ولات حين مناص حينًا كائنًا لهم، فيكون كائنًا صفة للخبر لا خبرًا. قوله: "كما في ربت وثمت" أي فالتأنيث المستفاد من تاء لات للفظ. قال في التصريح زيادة التاء في لات أحسن من زيادتها في ربت وثمت لأن لات محمولة على ليس وليس تتصل بها التاء ومن ثم لم تتصل بلا المحمولة على إن. قوله: "بالفعل" يعني ليس، إذ بلحاق التاء لها صارت بوزن ليس وعدد حروفها. قوله: "وقيل للمبالغة" يرد عليه وقفهم عليها بالتاء غالبًا كما في الدماميني. قوله: "كما هو نحو علامة ونسابة" التشبيه في مطلق
стр. 376
أفعال المقاربة:
ككان كاد وعسى لكن ندر ... غير مضارع لهذين خبر
ــ
وحركت فرقًا بين لحاقها الحرف ولحاقها الفعل، وليس لالتقاء الساكنين بدليل ربت وثمت فإنها فيهما متحركة مع تحريك ما قبلها. وقيل: أصلها ليس قلبت الياء ألفًا والسين تاء، وهو ضعيف لوجهين: الأول أنه فيه جمعًا بين إعلالين وهو مرفوض في كلامهم لم يجيء منه إلا ماء وشاء، ألا ترى أنهم لم يدغموا في يطد ويتد فرارًا من حذف الواو التي هي الفاء وقلب العين إلى جنس اللام. والثاني أن قلب الياء الساكنة ألفًا وقلب السين تاء شاذان لا يقدم عليهما إلا بدليل ولا دليل والله أعلم.
أفعال المقاربة:
اعلم أن هذا الباب يشتمل على ثلاثة أنواع من الفعل: أفعال المقارنة وهي ثلاثة:
ــ
المبالغة فلا ينافي أن التاء في لات لأصل المبالغة في النفي وفي علامة ونسابة لزيادة المبالغة في الإثبات. قوله: "وحركت إلخ" متعلق بالقول بأن التاء للتأنيث فكان الأوضح تقديمه على قوله وقيل للمبالغة. قوله: "أصلها ليس" أي بكسر الياء كما في المغني والتصريح وإن صرح الشارح بعد بأنها ساكنة فهي حينئذٍ فعل ماض. وقيل: هي ماضي يليت أي ينقص يقال: لات يليت وألت يألت وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] . قوله: "والسين تاء" كما قيل أصل ست سدس قلبت السين تاء وكذا الدال وأدغمت. قوله: "بين إعلالين" أي قلب الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها وقلب السين تاء. قوله: "وهو مرفوض إلخ" قال بعضهم: الحق عدم الرفض بدليل باب قه وعه، بل قد يجتمع أكثر من اعلالين كما في باب قضايا وخطايا فتدبر. قوله: "الإماء وشاء" أصلهما موه وشوه قلبت الواو ألفًا والهاء همزة. قوله: "في يطد ويتد" مضارعا وطد الشيء وطدًا وطدة أثبته، ووتده وتدًا وتدة ثبته وأصلهما يوطد ويوتد حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها الياء والكسرة. قوله: "وقلب العين إلخ" أي ليتأتى الإدغام. قوله: "الياء الساكنة" فيه أنها عند هذا القائل متحركة كما مر.
أفعال المقاربة:
لم يقل كاد وأخواتها على قياس ما سبق لأن هذه العبارة تدل على أن كاد أم بابها ولا دليل عليه بخلاف أمية كان لأن أحداث أخوات كان داخلة تحت حدثها ولأن لها من التصرفات ما ليس لغيرها والمقاربة مفاعلة على غير بابها والمراد أصل القرب لأن الفعل هنا من واحد كسافر لا من اثنين كقاتل أفاده سم وتبعه البعض وغيره. ولك أن تجعلها على بابها لقرب كل من معنى الاسم ومعنى الخبر من الآخر وإن كانت دلالتها على قرب الخبر بالوضع وعلى قرب الاسم باللزوم. وهل عين كاد ياء أو واو قولان، واستدل لكونها واوًا بحكاية سيبويه كدت بضم الكاف أكاد، وكان قياس مضارع هذه اللغة أكود لكنهم شذوا فقالوا: أكاد، وجعله ابن مالك من تداخل
стр. 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كاد وكرب وأوشك، للدلالة على قرب الخبر. وأفعال الرجاء وهي أيضًا ثلاثة: عسى وحرى وأخلولق. وضعت للدلالة على رجاء الخبر. وبقية أفعال الباب للدلالة على الشروع في الخبر وهي أنشأ وطفق وأخذ وجعل وعلق، فتسمية الكل أفعال مقاربة من باب التغليب "ككان" في العمل "كاد وعسى لكن ندر غير" جملة فعل "مضارع لهذين"
ــ
اللغتين فاستغنوا بمضارع كدت المكسورة الكاف عن مضارع مضمومها.
قوله: "وضعت للدلالة إلخ" اللام تعليلية لا صلة الوضع فلا ينافي أن الموضوع له نفس قرب الخبر لا الدلالة عليه وكذا يقال فيما بعد. قوله: "على قرب الخبر" أي قرب معناه من مسمى الاسم وقربه منه لا يستلزم وقوعه بل قد يستحيل عادة كما في يكاد زيتها يضيء. قوله: "على رجاء الخبر" يعني الطمع في الخبر محبوبًا والإشفاق أي الخوف منه مكروهًا ففي كلامه إطلاق الرجاء على الطمع والإشفاق وهو تغليب كما قاله يس. وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦] ، الآية كما في المغني. قال الدماميني: فالأولى للترجي والثانية للإشفاق بحسب ما في نفس الأمر أي ما كرهتموه من الغزو ينبغي أن يترجى لأنه خير لأن فيه إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة وما أحببتموه من القعود عن الغزو ينبغي أن يكره لأن فيه الذل وحرمان الغنيمة والأجر. وقال الشمني: الأولى لإشفاق المخاطبين نظرًا إلى ما عندهم من الكراهة. والثاني لترجيهم نظرًا إلى ما عندهم من المحبة. قوله: "على الشروع" أي التلبس بأول أجزاء الفعل.
قوله: "من باب التغليب" أي تغليب بعض أنواع الباب لشهرة غالبه وكثرة وقوعه في الكلام على بقية الأنواع فلا ترد شهرة عسى لأنها المشهورة فقط من نوعها وهو أفعال الرجاء. وما قاله الشارح أولى من قول صاحب التوضيح من باب تسمية الكل باسم جزئه لقول الناصر اللقاني تسمية الكل باسم جزئه عبارة عن إطلاق اسم الجزء على ما تركب منه ومن غيره كتسمية المركب كلمة. وأما تسمية الأشياء المجتمعة من غير تركيب منها فتغليب كالعمرين والقمرين. هذا وقد قيل: إن في أفعال الرجاء وأفعال الشروع أيضًا مقاربة. وممن أفاد ذلك النيلي حيث قال: المقاربة تختلف فتارة تكون لمقاربة الفعل من الرجاء كعسى لأن رجاء الفعل دنو لتقدير نيله، وتارة تكون للأخذ فيه لأن الشروع في الفعل يلزمه القرب منه. ا. هـ. وعلى هذا لا تغليب أيضًا لأن الكل عليه أفعال مقاربة ولو بطريق الاستلزام أفاده الروداني. قوله: "في العمل" أي لا في كل أحكامها فإن الخبر لا يتقدم هنا ويجوز حذفه إن علم بخلافه في باب كان في المسألتين على كلام في الثانية مرّ وسنذكره. وأما توسط الخبر فجائز فاتفاق إذا لم يقترن بأن وعلى أحد القولين إذا اقترن بأن وصححه ابن عصفور كذا في الهمع والدماميني. ولما كانت عبارة المصنف توهم عمل كاد في كل ما تعمل فيه كان دفع ذلك بالاستدراك. قوله: "كاد وعسى" أي وأخواتهما الآتية. قوله: "لكن ندر إلخ" قال الدماميني نقلًا عن المصنف: وقع الخبر في هذا الباب غير مضارع تنبيهًا على أصل متروك وذلك أن سائر أفعال هذا الباب مثل كان في الدخول على مبتدأ
стр. 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأخواتهما من أفعال الباب "خبر" فلذلك افترقا ببابين، وغير جملة المضارع المفرد كقوله:
٢٤٢- فأبت إلى فهم وما كدت آبيا
وقوله:
٣٤٣- لا تكثرن أني عسيت صائمًا
وأما: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ [ص: ٣٣] فالخبر محذوف أي يمسح مسحًا.
ــ
وخبر فالأصل أن يكون خبرها كخبر كان في وقوعه مفردًا وجملة اسمية وفعلية وظرفًا فترك الأصل والتزم كون الخبر مضارعًا. ثم نبه على الأصل شذوذًا في مواضع. قوله: "غير جملة إلخ" قدر جملة لأن الخبر ليس الفعل فقط لكن يرد أن خبرهما إذا اقترن بأن خرج من باب الجملة إلى باب المفرد إلا أن يراد الجملة ولو بحسب الصورة الظاهرة.
قوله: "وأخواتهما" زاده دفعًا لما يقال غير المضارع يصدق بالجملة الاسمية والماضوية وهما لم يخبر بهما عن كاد وعسى بالكلية وظاهر النظم يوهم ورودهما خبرًا عنهما. وحاصل الدفع أن في المتن حذف الواو مع ما عطفت أي لهذين وأخواتهما والمعنى على التوزيع. ويجاب أيضًا بأن غير نكرة في سياق الإثبات فلا عموم لها. قوله: "فلذلك افترقا" لاختصاص خبرها بما ذكر وهذا أيضًا حكمة تأخيرها عما حمل على ليس مع أنها حروف وهذه أفعال. قوله: "فأبت" أي رجعت إلى فهم. قبيلة. قوله: "لا تكثرن" أي من العذل. قوله: "أي يمسح مسحًا" قيل فيه حذف عامل المصدر المؤكد وهو ممنوع عند الناظم. وأجيب بأنه ليس بمؤكد بل نوعي لتعلق ما
стр. 379
وكونه بدون أن بعد عسى ... نزر وكاد الأمر فيه عكسا
ــ
والجملة الاسمية كقوله:
٢٤٤- وقد جعلت قلوص بني زياد ... من الأكوار مرتعها قريب
وجملة الماضي كقول ابن عباس ﵄: فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا "وكونه" أي كون المضارع الواقع خبرًا "بدون أن" المصدرية "بعد عسى نزر" أي قليل ومنه قوله:
٢٤٥- عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
ــ
بعده به وهو بالسوق أي فطفق يمسح السيف مسحًا كائنًا بسوق الخيل وأعناقها. قوله: "وقد جعلت إلخ" القلوص الناقة الشابة. والأكوار جمع كور بفتح الكاف وهو الرحل أي المنزل والمرتع المرعى ومن الأكوار متعلق بقريب. والمعنى طفقت تقرب مرتعها من الأكوار لما بها من الأعياء.
قوله: "فجعل الرجل إلخ" الاستشهاد به مبني على أن إذا ظرف لأرسل غير شرط. فإن جعلت شرطية فخبر جعل الجملة الشرطية وجملة أرسل جواب الشرط ولا شاهد فيه حينئذٍ. هذا ما قاله البعض تبعًا لشيخنا وفي التصريح ما يرده، ويصحح الاستشهاد به على أن إذا شرطية حيث قال بعد ذكر كلام ابن عباس ما نصه فأرسل خبر جعل وهو فعل ماض. قال الموضح في شرح الشواهد: وهذا لم أر من يحسن تقريره. ووجه أن إذا منصوبة بجوابها على الصحيح والمعمول مؤخر في التقدير عن عامله فأول الجملة في الحقيقة أرسل فافهموه. ا. هـ. قوله: "بعد عسى نزر" لأن المترجي مستقبل فناسبه أن. وقيل تجردها من أن خاص بالشعر وإنما ساغ الأخبار بأن يقوم مثلًا مع أنه في تأويل مصدر ولا يخبر عن الذات بالمعنى لأنه على تقدير مضاف أي عسى حال زيد أن يقوم أو عسى زيد ذا أن يقوم أو على سبيل المبالغة وقيل المصدر المؤول قد يصح حمله على الاسم من غير تأويل. وقيل: يقدر أن الأخبار إنما وقع أولًا بالفعل ثم جيء بأن لتؤذن بالتراخي لا لقصد السبك وبهذا الجواب الأخير يندفع الاعتراض المتقدم على تقدير الشارح جملة. وقيل المقرون بأن مفعول به على تضمين الفعل معنى قارب أو على إسقاط الخافض على تضمينه معنى
стр. 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"وكاد الأمر فيه عكسًا" فاقترانه بأن بعدها قليل كقوله:
٢٤٦- كادت النفس أن تفيظ عليه
ــ
قرب. وقيل: بدل اشتمال من الفاعل على تضمينه معنى قرب. وعسى على هذين القولين تامة. وقيل: بدل اشتمال من المرفوع وسد هذا البدل مسد الجزأين كما سد مسدّ المفعولين في قراءة حمزة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ، بالتاء الفوقية وفتح السين ولا محذور في لزوم البدل لأنه المقصود بالحكم ولا ينافيه كونه تابعًا فرب تابع يلزم كتابع مجرور رب الظاهر عند الأكثر ولم يجعل المبدل منه اسم عسى وأول مفعولي تحسب لأن المبدل منه في حكم المطروح. وعسى على هذا القول ناقصة كقول الجمهور كذا في المغني وحواشيه ولك أن تقول نص الزمخشري وغيره على أنه ليس معنى كون المبدل منه في حكم المطروح أنه مهدر بل أن البدل مستقل بنفسه لا متمم لمتبوعه كالنعت والبيان وحينئذٍ لا مانع من جعل المبدل منه اسم عسى وأول مفعولي تحسب كما أن الفاعل في نحو نفعني زيد علمه هو المبدل منه لا بدل الاشتمال فتأمل.
فائدة: قال الشيخ اللقاني: عسى موضوعة للزمن الماضي ولم تستعمل فيه فلا تكون حقيقة فهي في كلام الخلق للرجاء المجرد عن الزمان وفي كلامه تعالى للعلم المجرد فهما معنيان مجازيان بدون معنى حقيقي فقول العلامة المحلي لم يثبت مثل هذا في كلامهم ممنوع. وأجاب سم بأن مراده لم يعلم ثبوته وما ذكره في عسى غير معلوم إذ كونها موضوعة للزمان غير معلوم وإن كان جائزًا إذ المفهوم كما قاله السيد الصفوي من شرح المفصل للشيخ ابن الحاجب عدم وضع عسى للزمان لكنها لما وجد فيها خواص الفعل قدر ذلك إدراجًا لها في نظم أخواتها ومنه يتحقق أن المراد الوضع التحقيقي أو التقديري. ا. هـ. ومن المعلوم أن الوضع التقديري لا يكفي في كونه اللفظ مجازًا وكونها في كلامه تعالى للعلم المجرد أمر غير ثابت وإن قاله جماعة لاحتمال كونها في كلامه تعالى للرجاء باعتبار المخاطبين كما هو نص سيبويه في لعل. وقال الرضي إنه الحق كذا في يس؟ وقول اللقاني عسى موضوعة للزمن الماضي أي للرجاء مع الزمن الماضي، وقول الصفوي ومنه يتحقق أن المراد أي بالوضع في قولهم الفعل الماضي موضوع للزمان الماضي.
قوله: "الذي أمسيت فيه" روي بفتح التاء وضمها. وقوله يكون إلخ قال الدماميني: ينبغي أن يجعل فرج مبتدأ خبره وراءه والجملة في محل نصب خبر يكون واسمها ضمير فيها يعود إلى الكرب لما يلزم على جعل فرج اسم يكون، وراءه خبرها من رفع الفعل من الخبر أجنبيًّا عن الاسم وهو ممنوع كما يأتي. قوله: "عكسًا" لدلالة كاد على قرب الخبر فكأنه في الحال. قوله:
стр. 381
وكعسى حرى ولكن جعلًا ... خبرها حتما بأن متصلا
وألزموا اخلوق أن مثل حرى ... وبعد أوشك انتفا أن نزرا
ــ
وقوله:
٢٤٧- أبيتم قبول السلم منا فكدتمو ... لدى الحرب أن تغنو السيوف عن السل
وأنشد سيبويه:
٢٤٨- فلم أر مثلها خباسة واحد ... فنهنهت نفسي بعدما كدت أفعله
وقال: أراد بعدما كدت أن أفعله، فحذف أن وأبقى عملها. وفيه إشعار باطراد اقتران خبر كاد بأن؛ لأن العامل لا يحذف ويبقى عمله إلا إذا اطرد ثبوته "وكعسى" في العمل والدلالة على الرجاء "حرى ولكن جعلا خبرها حتما بأن متصلًا" نحو حرى زيد أن يقوم، ولا يجوز حرى زيد يقوم "وألزموا اخلولق، أن مثل حرى" فقالوا: اخلولقت السماء أن تمطر، ولم يقولوا: اخلولقت تمطر "وبعد أوشك انتفا أن نزرا" أي قل، والكثير الاقتران بها
ــ
"أن تفيض عليه" بالفاء والضاد المعجمة أي تخرج. قوله: "فلم أر مثلها" أي مثل تلك الأموال من الإبل والغنم وغيرهما التي كان أراد نهبها. وقوله: خباسة بضم الخاء المعجمة أي مغنم، ونهنهت زجرت، وكدت بكسر الكاف وضمها. قوله: "أراد بعدما كدت أن أفعله" وقيل: الأصل بعدما كدت أفعلها أي تلك الفعلة ففعل به ما فعل بقولهم والكرامة ذات أكرمكم الله به بفتح الباء، ورجحه في المغني بكون الخبر عليه من الكثير. قوله: "وفيه إشعار باطراد إلخ" دفع لما قد يقال يحتمل أن إثبات أن في البيتين السابقين شاذ لا قليل فقط. قوله: "وألزموا اخلولق أن مثل حرى" للإشعار بأنهما للرجاء ولما كانت عسى شهيرة فيه لم تلزمها أن وإن اشتركت الثلاثة في الرجاء المختص بالمستقبل. قوله: "وبعد أوشك انتفا أن نزرا" قال اللقاني: لأن القرب المرجح للتجرد من أن أمر عارض فيها دون أختيها كاد وكرب لأنها موضوعة للإسراع المفضي إلى القرب بخلاف كاد وكرب فللقرب فلهذا اختصت عنهما بغلبة الاقتران بأن وضبط شيخنا السيد نقلًا عن البهوتي أوشك في قوله وبعد أوشك بسكون الكاف لئلا ينتقل من الرجز إلى الكامل
стр. 382
ومثل كاد في الأصح كربا ... وترك أن مع ذي الشروع وجبا
ــ
وكقوله:
٢٤٩- ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
ومن التجرد قوله:
٢٥٠- يوشك من فرد من منيته ... في بعض غراته يوافقها
"ومثل كاد في الأصح كربًا" بفتح الراء ونقل كسرها أيضًا، يعني أن إثبات أن بعدها قليل ومنه قوله:
٢٥١- قد برت أو كربت أن تبورا ... لما رأيت بيهسا مثبورا
وقوله:
٢٥٢- سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطعا
ــ
سهو ظاهر لأن هذا إنما هو في أوشك في قوله بعد عسى اخلولق أوشك..
قوله: "غراته" بكسر الغين أي غفلاته. قوله: "ومثل كاد إلخ" أي في أنها للمقاربة وفي أن الكثير تجردها من أن وإن اقتضى كلام الشارح أن التشبيه في الثاني فقط. قوله: "في الأصح" مقابله شيئان مقتضى كلام سيبويه حيث لم يذكر فيها إلا التجرد. ومذهب ابن الحاجب حيث جعلها من أفعال الشروع وسيذكر الشارح الأول واقتصار شيخنا والبعض على كونه أشار بقوله في الأصح إلى خلاف ابن الحاجب قصور. قوله: "قد برت" بضم الموحدة أي هلكت. وبيهس اسم رجل، والمثبور الهالك. قوله: "سقاها" الضمير إلى العروق المتقدمة في قوله:
стр. 383
كأنشا الساشق يحدو وطفق ... كذا جعلت وأخذت وعلق
ــ
والكثير التجرد ولم يذكر سيبويه غيره. ومنه قوله:
٢٥٣- كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاه هند غضوب
"وترك أن مع ذي الشروع وجبا" لما بينهما من المنافاة لأن أفعال الشروع للحال وأن للاستقبال "كأنشا السائق يحدو وطفق" زيد يعدو بكسر الفاء وفتحها، وطبق بالباء أيضًا و"كذا جعلت" أتكلم "وأخذت" أقرأ "وعلق" زيد يسمع. ومنه قوله:
٢٥٤- أراك علقت تظلم من أجرنا ... وظلم الجار إذلال المجير
تنبيهات: الأول عد الناظم في غير هذا الكتاب من أفعال الشروع هب وقام، نحو هب زيد يفعل، وقام بكر ينشد. الثاني إذا دل دليل على خبر هذا الباب جاز حذفه ومنه
ــ
مدحت عروقًا للندى مصت الثرى
قيل المقصود بالعروق جماعة أراد الشاعر هجوهم بأنهم حديثون في الغنى والعطاء وأن أصلهم الفاقة وعدم العطاء قاله العيني في شواهده الكبرى، وهو يفيد أن العروق بضم العين جمع عرق ويؤيده الجمع في قوله أعناقها فتفسير البعض العروق في البيت بالفرس الخفيفة لحم اللحيين بانيًا ذلك على أنها بفتح العين ليس في محله. والأحلام العقول والسجل بالفتح قال في القاموس الدلو العظيمة مملوءة. ا. هـ. ونقل شيخنا عن الشارح في شرحه للتوضيح أنه الدلو التي فيها ماء قل أو جلّ. وتقطعًا أصله تتقطع. قوله: "من جواه" أي شدة وجده. قوله: "وترك أن إلخ" تحصل من كلام المصنف أن خبر أفعال هذا الباب بالنسبة إلى اقترانه بأن وتجرده منها أربعة أقسام ما يجب اقترانه وهو حرى واخلولق وما يجب تجرده وهو أفعال الشروع وما يغلب اقترانه وهو عسى وأوشك وما يغلب تجرده وهو كاد وكرب.
قوله: "وطبق بالياء" أي المكسورة كما في التصريح. قوله: "هب وقام" أقول يجب أن يعد منها شرع في نحو شرع زيد يأكل. قوله: "ينشد" إما مضارع الثلاثي نشد الضالة ينشدها من باب نصر أو مضارع الرباعي أنشد الشعر. قوله: "على خبر هذا الباب" أي بخلاف باب كان
стр. 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث "من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد". الثالث يجب في المضارع الواقع خبرًا لأفعال هذا الباب غير عسى أن يكون رافعًا لضمير الاسم وأما قوله:
٢٥٥- وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه
وقوله:
٢٥٦- وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب الثمل
فأحجاره وثوبي بدلان من اسمي كاد وجعل. وأما عسى فإنه يجوز في المضارع
ــ
فقد قال السيوطي في الهمع. قال أبو حيان: نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها ولا حذف خبرها لا اختصارًا ولا اقتصارًا. ا. هـ. قال سم: ولينظر ذلك مع ما ذكروه في نحو إن خير فخير من أن خير الأول اسم كان المحذوفة مع خبرها اللهم إلا أن يخص المنع بغير ذلك. ا. هـ. ثم نقل في الهمع قولين آخرين في حذف خبر كان وأخواتها وقد مرا في بابها. قوله: "أن يكون رافعًا لضمير الاسم" لوضعها على ارتباط الفعل المقرب أو المرجى أو المشروع فيه بنفس مرفوعها. وجوز في التسهيل رفعه السببي على قلة ومثل له الدماميني بقول الشاعر وقد جعلت إذا إلخ. قوله: "وأما قوله إلخ" مثله قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] ، فيؤول بأن قلوب بدل من الضمير في كاد الراجع إلى القوم وفاعل تزيغ ضمير راجع إلى القلوب لتقدمها رتبة وسيتضح ذلك لكن هذا إنما يتأتى على قراءة من قرأ تزيغ بالتاء الفوقية أما على قراءة من قرأه بياء الغيبة فلا لوجوب تأنيث الفعل إذا أسند إلى ضمير المؤنث وكذا لا يتأتى أن يكون في الكلام تنازع لما ذكرنا وإنما هو على إضمار ضمير الشأن كذا قال الدماميني في كونه على إضمار ضمير الشأن نظر ظاهر وإذا أرجع إلى الضمير في يزيغ بياء الغيبة إلى القلوب باعتبار الجمع كان ضمير مذكر. قوله: "وأسقيه" أي ربع فيه بدمعي وشكواي مما أبثه أظهره، وما موصول اسمي. وملاعبه مواضع اللعب. قوله: "الثمل" أي السكران.
قوله: "بدلان من اسمي كاد وجعل" أي الأول بدل بعض إن كانت الأحجار والملاعب
стр. 385
واستعملوا مضارعًا لأوشكا ... وكاد لا غير وزادوا موشكا
ــ
بعدها خاصة أن يرفع السببي كقوله:
٢٥٧- وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد
روي بنصب جهده ورفعه، ولا يجوز أن يرفع ظاهرًا غير سببي وأما قوله:
٢٥٨- عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فإن في يكون ضمير الاسم والجملة بعد خبر كان "واستعملوا مضارعًا لأوشكا" كما رأيت وهو أكثر استعمالًا من ماضيها "وكاد لا غير" أي دون غيرهما من أفعال الباب،
ــ
من أجزاء الربع وهو ظاهر وإلا فبدل اشتمال كالثاني أي لا فاعلان ليثقلني وتكلمني والتقدير جعل ثوبي يثقلني وكادت أحجاره تكلمني فعاد الضمير على البدل لأنه المقصود بالحكم مع تقدمه رتبة وصار يثقلني وتكلمني خبرين لعامل البدل المقدر فأغنى ذلك عن عود الضمير إلى المبدل منه وعن خبري عامل المبدل منه فلم يرفع الخبر إلا ضمير الاسم لا خبرين لكاد وجعل المذكورين لأن الفعل حينئذٍ رافع لغير ضمير الاسم فلا يتم الجواب. قاله الناصر. قوله: "أن يرفع السببي" أي الاسم الظاهر المتصل بضمير يعود إلى الاسم. قوله: "وماذا" مبتدأ وذا ملغاة أو اسم موصول وعسى إلخ على إضمار القول صلة لأن الإنشاء لا يقع صلة أي ما الذي يقال فيه عسى إلخ. والمعنى ما الذي يرجى للحجاج أن يناله مني أحبسي أو قتلي؟ أي لا يرجى له شيء من ذلك. والجهد بالضم الوسع والطاقة والبيت من كلام الفرزدق حين توعده الحجاج الثقفي فهرب من العراق. وحفير زياد موضع بين الشام والعراق وزياد هو أخو معاوية بن أبي سفيان كان أميرًا بالعراق نيابة عن معاوية تصريح. قوله: "روي بنصب جهده" أي على المفعولية ليبلغ ولا شاهد فيه حينئذٍ لرفعه ضمير الاسم وعائد الموصول محذوف أي يبلغ به وقوله ورفعه أي على الفاعلية والمفعول ضمير محذوف في يبلغ يعود على الموصول هو العائد. قوله: "خبر كان" أي مضارع كان ولو قال خبر يكون لكان أحسن. قوله: "كما رأيت" أي من قوله يوشك من فر إلخ.
стр. 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإنه ملازم لصيغة الماضي "وزادوا موشكا" اسم فاعل من أوشك معملًا عمله كقوله:
٢٥٩- فموشكة أرضنا أن تعودا ... خلاف الأنيس وحوشا يبابا
وقوله:
٢٦٠- فإنك موشك ألا تراها ... وتعدو دون غاضرة العوادي
وهو نادر:
تنبيهات: الأول أثبت جماعة اسم الفاعل من كاد وكرب، وأنشدوا على الأول قوله:
٢٦١- أموت أسى يوم الرجام وإنني ... يقينا لرهن بالذي أنا كائد
وعلى الثاني قوله:
ــ
قوله: "فموشكة أرضنا إلخ" موشكة خبر مقدم وأرضنا مبتدأ مؤخر وفي موشكة ضمير هو اسمها وأن تعود خبرها. خلاف الأنيس أي بعد الأنيس كقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّه﴾ [التوبة: ٨١] ، وحوشا بفتح الواو أي متوحشة وبضمها أي ذات وحوش يبابا أي خرابا خبر تعود بمعنى تصير. قوله: "وتغدو دون غاضرة" بالغين والضاد المعجمتين أي تعوق دون هذه الجارية العوائق، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر. قوله: "قوله" أي قول كبير بالباء الموحدة والتكبير ابن عبد الرحمن كما في التصريح، ولا ينافيه قول الشارح بعد في شرح ديوان كثير أي بالمثلثة والتصغير لاحتمال أن تكلمه على هذا البيت استطرادي لا لكونه في الديوان لكن نقل شيخنا عن شرح التوضيح للشارح أنه قول كثير عزة. وكان كثير بالمثلثة والتصغير رافضيًا سيئ الاعتقاد. وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقول: إني لأعرف صالح بني هاشم ببغضه لكثير وفاسدهم بحبه له. قوله: "أموت أسى" أي حزنًا. والرجام بكسر الراء وبالجيم اسم موضع وقعت به وقعة. لرهن أي مرهون بالذي أنا كائد أي كائد آتيه فالخبر محذوف. قوله:
стр. 387
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد ... غنى بأن يفعل عن ثان فقد
стр. 388
وجردن عسى أو ارفع مضمرا ... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا
ــ
الذي هو الخبر. وهذا إذا لم يكن بعد أن والمضارع اسم ظاهر فإن كان نحو عسى أن يقوم زيد فذهب الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الاسم الظاهر مرفوعًا بيقوم وأن ويقوم فاعل عسى وهي تامة لا خبر لها، وذهب المبرد والسيرافي والفارسي إلى تجويز ذلك، وتجويز وجه آخر وهو أن يكون الاسم الظاهر مرفوعًا بعسى اسمًا لها، وأن والمضارع في موضع نصب خبرًا لها متقدما على الاسم، وفاعل المضارع ضمير يعود على الاسم الظاهر، وجاز عوده عليه متأخر التقدمة في النية، وتظهر فائدة الخلاف في التثنية والجمع والثأنيث فتقول على رأيه عسى أن يقوم الزيدان، وعسى أن تقوم الهندات، وعسى أن تطلع الشمس، بتأنيث تطلع وتذكيره وعلى رأيهم يجوز عسى أن يقوما الزيدان وعسى أن يقوموا الزيدون وعسى أن يقمن الهندات وعسى أن تطلع الشمس بتأنيث تطلع فقط وهكذا أوشك واخلولق.
تنبيه: يتعين الوجه الأول في نحو عسى أن يضرب زيدًا عمرًا فلا يجوز أن يكون زيد اسم عسى لئلا يلزم الفصل بين صلة أو ومعمولها وهو عمرًا بأجنبي وهو زيد، ونظيره قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] ، "وجردن عسى" وأختيها اخلولق وأوشك من الضمير واجعلها مسندة إلى أن يفعل كما مر "أو ارفع مضمرًا بها" يكون اسمها وأن يفعل خبرها "إذا اسم قبلها قد ذكرا" ويظهر أثر ذلك في التثنية
ــ
الشارح ماش على مذهب الجمهور ولا منصوب لها عندهم حتى يقال: إن أن والفعل أغنى عنه. قوله: "وتجويز وجه آخر" أورد على هذا المذهب لزوم التباس اسم عسى المبتدأ في الأصل بفاعل الفعل بعدها، وقد منعوا في باب المبتدأ تقديم الخبر الفعلي الرافع لضمير المبتدأ خوفًا من التباس المبتدأ بالفاعل. وقد يجاب بأن هذا اللبس لا محذور فيه هنا لأنه لا يخرج الجملة عن كونها فعلية لابتدائها بفعل أبدأ وهو عسى بخلافه هناك فإنه يخرج الجملة من الاسمية إلى الفعلية وقد يدفع هذا الجواب تجويز تقدير الاسم الظاهر مبتدأ مؤخرًا كما ذكره الشارح في شرحه على التوضيح أفاده سم. وإنما منع الشلوبين هذا الوجه لضعف هذه الأفعال عن توسط الخبر بينها وبين الاسم كما في الأوضح. قوله: "أن يكون الاسم الظاهر مرفوعًا بعسى" قال سم: هل يجوز ذلك الوجه إذا لم يقترن الفعل بأن نحو عسى يقوم زيد. ا. هـ. قال البعض: الظاهر جوازه إذ لا فرق تأمل. ا. هـ. وأقول: بل يجب إذا لم يجعل الفعل على تقدير أن لعدم ما يصلح لمرفوعية عسى غيره. قوله: "بتأنيث تطلع وتذكيره" أي لجوازهما في المسند إلى ظاهر مجازي التأنيث. قوله: "بتأنيث تطلع فقط" لوجوب تأنيث المسند إلى ضمير المؤنث ولو كان مجازي التأنيث. قوله: "ونظيره قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] أي إن جعل نصب مقامًا بالفعل المذكور على أنه ظرف أو غير ذلك فإن جعل نصبه بمحذوف على المصدرية أي فتقوم مقامًا جاز أن تكون عسى تامة وأن تكون ناقصة على التقديم والتأخير قاله الفارضي. قوله: "إذا
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجمع والتأنيث فتقول على الأول الزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى أن يقوموا، وهند عسى أن تقوم، والهندات عسى أن يقوما، والهندات عسى أن يقمن. وهكذا اخلولق وأوشك هذه لغة الحجاز. وتقول على الثاني الزيدان عسيا، والزيدون عسوا، وهند عست، والهندات عستا، والهندات عسين. وهكذا اخلولق وأوشك. وهذه لغة تميم.
تنبيهان: الأول ما سوى عسى وأخلولق وأوشك من أفعال الباب يجب فيه الإضمار تقول: الزيدان أخذا يكتبان وطفقا يخصفان، ولا يجوز أخذ يكتبان وطفق يخصفان. الثاني اختلف فيما يتصل بعسى من الكاف وأخواتها نحو عساك وعساه فذهب سيبويه إلى أنه في موضع نصب حملًا على لعل كما حملت لعل على عسى في اقتران خبرها بأن كما في الحديث "فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض" وذهب المبرد والفارسي إلى أن عسى على ما كانت عليه من رفع الاسم ونصب والذي كان خبرًا جعل الخبر، لكن
ــ
اسم قبلها قد ذكرا" أي لفظًا كما مثل أو رتبة كما في عسى أن يقوم زيد على جعل زيد مبتدأ مؤخرًا فيجوز حينئذٍ في عسى الوجهان رفعها المضمر وتجريدها منه. قاله الشارح في شرح التوضيح قال سم: ويشكل على تجويزه جعل زيد مبتدأ مؤخرًا أنه يلزم التباس المبتدأ بالفاعل وقد تحرزوا منه كما مر في المبتدأ.
قوله: "لغة الحجاز" وعليها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْم﴾ [الحجرات: ١١] ، الآية. قوله: "يجب فيه الإضمار" أما فيما لا يقترن خبره بأن فلعدم جواز إسناد الفعل إلى الفعل وأما فيما يقترن بأن كحرى فلعدم السماع. قوله: "وأخواتها" كالهاء والياء التحتية في عساه وعساني. قوله: "في موضع نصب" أي اسمًا لها فمذهبه إبقاء طرفي الإسناد بحالهما والمنعكس إنما هو العمل ويدل له:
فقلت عساها نار كأس وعلها
برفع نار. قوله: "حملًا على لعل" أي في العمل بجامع الترجي أو الإشفاق في كل قال في التوضيح وشرحه التصريح ما نصه وهي حينئذٍ أي حين إذ نصبت الاسم ورفعت الخبر حرف كلعل لئلا يلزم حمل الفعل على الحرف وفاقًا للسيرافي ونقله أي نقل السيرافي القول بحرفيته عن سيبويه وخلافًا للجمهور في إطلاق القول بفعليته. ولابن السراج وثعلب في إطلاق القول بحرفيته. فالحاصل في عسى ثلاثة أقوال فعل مطلقًا حرف مطلقًا التفصيل إن عمل عمل لعل فحرف وإلا ففعل ومحل الخلاف في عسى الجامدة. أما عسى المتصرفة فإنها فعل باتفاق ومعناها اشتد. ا. هـ. ببعض حذف. قوله: "ألحن" أي أفصح. قوله: "لكن الذي كان اسمًا" أي كان حقه أن يجعل اسمًا لعسى لكونه المخبر عنه وهو المبتدأ في الأصل وهو الضمير جعل خبرًا أي مقدمًا والذي كان خبرًا أي كان حقه أن يجعل خبرًا لها وهو خبر المبتدأ في الأصل جعل اسمًا أي مؤخرًا
стр. 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي كان اسمًا جعل خبرًا اسمًا. وذهب الأخفش إلى أن عسى على ما كانت عليه إلا أن ضمير النصب ناب عن ضمير الرفع كما ناب عنه في قوله:
٢٦٣- يابن الزبير طالما عصيكا ... وطالما عنيتنا إليكا
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير النصب وضمير الجر في التوكيد نحو رأيتك أنت، ومررت بك أنت، وهذا ما اختاره الناظم قال: ولو كان الضمير المشار إليه في موضع نصب كما يقول سيبويه والمبرد لم يقتصر عليه في مثل:
٢٦٤- يا أبتا علك أو عساكا
ــ
فمذهب المبرد إقرار العمل والمنعكس إنما هو طرفا الإسناد ويلزم عليه جعل خبر عسى اسمًا صريحًا وهو نادر كما تقدم. قوله: "وذهب الأخفش إلى أن عسى على ما كانت عليه" أي من رفع الاسم ونصب الخبر مع بقاء طرفي الإسناد بحالهما فاللازم على مذهبه إنما هو التجوز في الضمير بجعل ضمير النصب مكان ضمير الرفع. قوله: "وهذا ما اختاره الناظم" ردّ بأمرين: الأول أن إنابة ضمير عن ضمير إنما ثبتت في المنفصل نحو ما أنا كأنت وأما:
يابن الزبير طالما عصيكا
فالكاف بدل من التاء بدلًا تصريفيًّا لا من باب إنابة ضمير عن ضمير. الثاني ظهور الخبر مرفوعًا في قوله:
فقلت عساها نار كأس وعلها
قاله الدماميني. قوله: "كما يقول سيبويه والمبرد" لأنهما اتفقا على أنه في محل نصب وإن افترقا في أن سيبويه يقول: هو اسم والمبرد يقول: هو خبر مقدم. قوله: "لم يقتصر عليه إلخ" قد يقال: إن علك في البيت الذي أنشده قد اقتصر فيه على ما هو في موضع نصب فلو كان