يصلي العيد رواه أبو داود.
وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك الأعلى وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر فيها خمس تكبيرات.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعاً وخمساً رواه الشافعي، والثانية أنه يصلي ركعتين كصلاة التطوع وهو مذهب مالك وأبي ثور والاوزاعي وإسحق لأن عبد الله بن زيد قال صلى ركعتين ولم يذكر أنه كبر سبعاً وخمساً وروى ابو هريرة نحوه، وظاهره أنه لم يكبر وهذا ظاهر كلام الخرقي ويسن أن يجهر فيهما بالقراءة لما ذكرنا من حديث عبد الله بن زيد، وأن يقرأ فيهما بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية لحديثي ابن عباس (فصل) ولا يسن لها اذان ولا إقامة لا نعلم بين أهل العلم خلافاً فيه وقد روى أبو هريرة قال:
стр. 1087
خرج رسول الله ﷺ يوماً يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا اذان ولا إقامة رواه الأثرم ولأنها نافلة فلم يؤذن لها كسائر النوافل.
قال أصحابنا وينادى لها الصلاة جامعة كالعيد وصلاة الكسوف، وليس لها وقت معين إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بغير خلاف لأن وقتها متسع فلا يخاف
فوتها والأولى فعلها في وقت صلاة العيد لما روت عائشة أن رسول الله ﷺ خرج حين بدأ حاجب الشمس رواه أبو داود ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت، وقال ابن عبد البر الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء إلا أبا بكر بن حزم وهذا على سبيل الاختيار لا أنه يتعين فعلها فيه * (مسألة) * (وإذا أراد الإمام الخروج إليها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظلم والصيام والصدقة وترك التشاحن، لكون المعاصي سبب الجدب، والتقوى سبب البركات) قال الله تعالى (ولو أن أهل القرى آمنوا وتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) وقال مجاهد في قوله تعالى (ويلعنهم اللاعنون) البهائم تلعن عصاة بني آدم اذا أمسك المطر، وقال هذا من شؤم بني آدم * (مسألة) * (وبعدهم يوماً يخرجون فيه) لما روت عائشة قالت شكى الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه رواه أبو داود * (مسألة) * (ويتنظف لها بالغسل والسواك وازالة الرائحة قياسا على صلاة العيد) ولا يتطيب لأنه يوم استكانة وخشوع * (مسألة) * (ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً) السنة الخروج لصلاة الاستسقاء على الصفة المذكورة من التواضع والخشوع في ثياب بذلته، ولا يلبس ثياب زينة لأنه يوم تواضع، ويكون متخشعاً في مشيه وجلوسه متضرعاً إلى الله تعالى متذللاً راغباً إليه.
قال ابن عباس خرج رسول الله ﷺ للاستسقاء متذللاً متواضعاً متخشعاً متضرعاً
стр. 1088
حتى أتى المصلى فلم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح * (مسألة) * (ويخرج معه أهل الدين والصلاح والشيوخ لأنه أسرع للإجابة)
ويستحب الخروج لكافة الناس، فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز منهن ومن لا هيئة لها.
وقال ابن حامد يستحب، فأما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب اخراج البهائم لأن النبي ﷺ لم يفعله وبه قال أصحاب الشافعي لأنه روي أن سليمان ﵇ خرج يستسقي فرأى نملة مستلقية وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك.
فقال سليمان ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وقال ابن عقيل والقاضي لا بأس به لذلك، والاقتداء بالنبي ﷺ أولى * (مسألة) * (ويجوز خروج الصبيان كغيرهم من الناس) وقال ابن حامد يستحب اختاره القاضي فقال خروج الشيوخ والصبيان أشد استحباباً من الشباب لأن الصبيان لا ذنوب عليهم * (مسألة) * (وان خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا ولم يختلطوا بالمسلمين) وجملة ذلك أنه لا يستحب اخراج أهل الذمة لأنهم أعداء الله الذين بدلوا نعمة الله كفراً فهم بعيدون من الاجابة، وإن أغيث المسلمون فربما قالوا هذا حصل بدعائنا واجابتنا، وإن خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون أرزاقهم من ربهم فلا يمنعون من ذلك.
ولا يبعد أن يجيبهم الله تعالى لأنه قد ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين، ويؤمر بالانفراد عن المسلمين لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب فيعم من حضرهم، فان عادا استسقوا فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم، فإن قيل فينبغي أن يمنعوا الخروج يوم يخرج المسلمون لئلا يظنوا أن ما حصل من السقيا بدعائهم.
قلنا ولا يؤمن أن يتفق نزول الغيث يوم يخرجون وحدهم فيكون أعظم لفتنتهم وربما فتن بهم غيرهم * (مسألة) * (فيصلي بهم ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) قد ذكرنا الاختلاف في مشروعية صلاة الاستسقاء وصفتها، واختلفت الرواية في خطبة
стр. 1089
الاستسقاء، وفي موضعها فروي أنه لا يخطب وانما يدعو ويتضرع لقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه لكن لم يزل في الدعاء والتضرع.
والمشهور أن فيها خطبة بعد الصلاة، قال أبو بكر اتفقوا عن
أبي عبد الله أن في صلاة الاستسقاء خطبة وصعوداً على المنبر.
والصحيح أنها بعد الصلاة وبه قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن، قال ابن عبد البر وعليه جماعة الفقهاء لقول أبي هريرة صلى ركعتين ثم خطبنا لأنها صلاة ذات تكبير فأشبهت صلاة العيدين، وفيها رواية ثانية أنه يخطب قبل الصلاة.
روى ذلك عن عمر وابن الزبير وأبان بن عثمان وهشام بن اسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم وبه قال الليث بن سعد وابن المنذر لما روى أنس وعائشة أن النبي ﷺ خطب وصلى.
وعن عبد الله بن زيد قال رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي فحول ظهره إلى الناس واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة متفق عليه.
وفيها رواية ثالثة أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لورود الأخبار بكلا الأمرين ودلالتها على
стр. 1090
كلتا الصنفين، فحمل على أن النبي ﷺ فعل الأمرين، وأياما فعل ذلك فهو جائز لأن الخطبة غير واجبة على جميع الروايات والأولى أن يخطب بعد الصلاة كالعيد وليكونوا قد فرغوا من الصلاة فان أجيب دعاؤهم وأغيثوا لم يحتاجوا الى الصلاة في المطر، وقول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم نفي لصفة الخطبة لا لأصلها بدليل قوله إنما كان جل خطبته الدعاء والتضرع والتكبير، ويستحب أن يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد (فصل) والمشروع خطبة واحدة وبهذا قال عبد الرحمن بن مهدي، وقال مالك والشافعي يخطب كخطبتي العيدين لقول ابن عباس صنع النبي ﷺ كما صنع في العيد، ولأنها أشبهتها في صفة الصلاة فكذلك في صفة الخطبة ولنا قول ابن عباس لم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتكبير وهذا يدل على
стр. 1091
أنه ما فصل بين ذلك بسكوت ولا جلوس ولأن كل من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين.
والصحيح من حديث ابن عباس أنه قال صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، ولو كان النقل كما ذكروه فهو محمول على الصلاة بدليل أول الحديث، واذا صعد المنبر للخطبة جلس وان شاء لم يجلس لأنه لم
ينقل ولا ها هنا أذان يجلس لفراغه * (مسألة) * (ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) يستحب أن يكثر في خطبته الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ وقراءة الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار كقوله تعالى (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدرارا) وكقوله (استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا) ولأن الاستغفار سبب لنزول الغيث بدليل ما ذكرنا، والمعاصي سبب لانقطاع الغيث، والاستغفار والتوبة يمحوان المعاصي.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه خرج يستسقي فلم يزد على الاستغفار وقال لقد استسقيت بمجاديح السماء * (مسألة) * (ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي ﷺ يستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء لما روى البخاري عن أنس قال كان النبي صلى الله
стр. 1092
عليه وسلم لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا الاستسقاء فإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه.
وفي حديث أنس أيضاً فرفع رسول الله ﷺ يديه ورفع الناس أيديهم.
ويستحب أن يدعو بدعاء النبي ﷺ فروى عبد الله بن عمر أن رسول الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال " اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريعاً، غدقا محبللا، طبقاً سحاً دائماً.
اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللآواء والجهد والصنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنزل علينا من بركاتك.
اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، وارفع عنا من البلاء مالا يكشفه غيرك.
اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فارسل السماء علينا مدراراً " وروى جابر أن النبي ﷺ قال: " اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً مريعا، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل " رواه أبو داود.
قال الخطابي مربعاً يروى على وجهين بالياء والباء، فمن رواه بالياه جعله من المراعة يقال أمرع المكان اذا أخصب ومن رواه بالباء مربعاً كان معناه منبتاً للربيع.
وعن عائشة ﵂ قالت شكى الناس إلى
رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوم يخرجون فيه وخرج رسول الله ﷺ حين بدأ حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال
стр. 1093
" إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر إبان زمانه عنكم، فقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم " ثم قال " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين.
ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى يرى بياض إبطيه، ثم حول الى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس فنزل فصلى ركعتين " رواه أبو داود.
وروى ابن قتيبة باسناده في غريب الحديث عن أنس أن النبي ﷺ خرج للاستسقاء فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية.
فلما قضى صلاته استقبل القبلة بوجهه وقلب رداءه ورفع يديه وكبر تكبيره قبل أن يستسقي ثم قال " اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، وحياً ربيعاً، وجداً طبقاً غدقا مغدقاً مونقاً هنياً مرياً مريعاً مربعاً مرتعاً، سابلاً مسبلاً، مجللاً دائماً، دروراً نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل.
اللهم تحى به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر منا والباد.
اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل علينا في أرضنا سكنها.
اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهوراً، فأحي به بلدة ميتاً، واسقه مما خلقت أنعاماً وأناسي كثيراً " قال ابن قتيبة المغيث المحيي بإذن الله تعالى، والحيا الذي تحيا به الأرض
стр. 1094
والمال، والجدا المطر العام ومنه أخذ جدا العطية، والجدا مقصوراً، والطبق الذي يطبق الأرض، والغدق والمغدق الكثير القطر، والمونق المعجب، والمريع ذو المراعة والخصب، والمربع من قولك ربعت بمكان كذا اذا أقمت فيه، واربع على نفسك ارفق، والمرتع من رتعت الإبل اذا رعت، والسابل من السبل وهو المطر يقال سبل السابل كما يقال مطر ماطر، والرائث البطئ، والسكن القوة
لأن الأرض تسكن به * (مسألة) * (ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة ويحول رداءه ويجعل الأيسر على الأيمن والأيمن على الأيسر ويفعل الناس كذلك ويتركونه حتى ينزعوه مع ثيابهم) وجملة ذلك أنه يستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة لما روى عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ خرج يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو رواه البخاري.
وفي لفظ فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو.
ويستحب أن يحول رداءه حال استقبال القبلة لأن في حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ خرج يستسقي فاستقبل القبلة يدعو وحول رداءه متفق عليه، ولمسلم فحول رداءه حين استقبل القبلة.
وقال أبو حنيفة لا يسن لأنه دعاء فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية وسنة النبي ﷺ أولى بالاتباع.
ويستحب التحويل للمأموم في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن سعيد بن المسيب وعروة والثوري ان التحويل مختص بالإمام وهو قول الليث وأبي يوسف ومحمد لأنه إنما نقل عن النبي ﷺ دون أصحابه
стр. 1095
ولنا أن ما فعله النبي ﷺ يثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل، كيف وقد عقد المعنى في ذلك وهو التفاؤل بقلب الرداء ليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخطب، وقد جاء ذلك في بعض الحديث.
وروى الإمام أحمد حديث عبد الله بن زيد وفيه أنه ﵊ تحول الى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهراً لبطن وتحول الناس معه، إذا ثبت ذلك فصفة التقليب أن يجعل ما على اليمين على اليسار وما على اليسار على اليمين، روى ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز وهشام بن اسماعيل وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومالك وكان الشافعي يقول به ثم رجع فقال يجعل أعلاه أسفله لأن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها فلما ثقلت جعل العطاف الذي على الأيسر على الأيمن رواه أبو داود ولنا ما روى عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ حول عطافه وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن رواه أبو داود.
وفي حديث أبي هريرة أن
النبي ﷺ قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن رواه الإمام أحمد وابن ماجة، والزيادة التي نقلوها إن ثبتت فهي ظن الراوي لا يترك لها فعل النبي ﷺ وقد نقل التحويل جماعة لم ينقل أحد منهم أنه جعل أعلاه أسفله، ويبعد أن يكون النبي ﷺ ترك ذلك في جميع الأوقات لثقل الرداء * (مسألة) * (ويدعو سراً حال استقبال القبلة) فيقول اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كم أمرتنا، فاستحب لنا
стр. 1096
كما وعدتنا، اللهم فامنن علينا بمغفرة ذنوبنا واجابثنا في سقيانا وسعة أرزاقنا.
ثم يدعو بما شاء من أمر دين أو دنيا، وانما استحب الاسرار ليكون أقرب الى الاخلاص وأبلغ في الخشوع والخضوع والتضرع وأسرع في الإجابة قال الله تعالى (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) واستحب الجهر ببعضه ليسمع الناس فيؤمنون على دعائه (فصل) ويستحب أن يستسقي بمن ظهر صلاحه لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، وقد استسقى عمر ﵁ بالعباس عم رسول الله ﷺ فروى ابن عمر قال استسقى عمر عام الرمادة بالعباس فقال اللهم إن هذا عم نبيك ﷺ نتوجه اليك به فأسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله عزوجل، وروي أن معاوية خرج يستسقي فلما جلس على المنبر قال أين يزيد بن الأسود؟ فقام يزيد فدعاه معاوية فأجلسه عند رجليه ثم قال: اللهم إنا نتشفع اليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود.
ارفع يديك.
فرفع يديه ودعا الله، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهبت لها ريح فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم.
واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى * (مسألة) * (فإن سقوا وإلا عادوا ثانياً وثالثاً، وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله تعالى وسألوه المزيد من فضله) وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال إسحق لا يخرجون إلا مرة واحدة لأنه ﷺ إنما خرج مرة واحدة، ولكن يجتمعون في مساجدهم فاذا فرغوا من الصلاة ذكروا الله تعالى ودعوا
ويدعو الامام يوم الجمعة على المنبر ويؤمن الناس
стр. 1097
ولنا أن هذا أبلغ في الدعاء والتضرع.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال " إن الله يحب الملحين في الدعاء " وأما النبي ﷺ فإنما لم يخرج ثانياً لاستغنائه باجابته أول مرة، والخروج في المرة الأولى آكد مما بعدها لورود السنة بها (فصل) فإن تأهبوا فسقوا قبل خروجهم لم يخرجوا وشكروا الله وحمدوه على نعمته، وسألوه المزيد من فضله.
وقال القاضي وابن عقيل يخرجون ويصلون شكراً لله تعالى، وإن كانوا قد خرجوا فسقوا قبل أن يصلوا شكروا الله تعالى وحمدوه قال الله تعالى (لئن شكرتم لأزيدنكم) ويستحب الدعاء عند نزول الغيث لما روي عن النبي ﷺ أنه قال " اطلبوا استجابة الدعاء عند ثلاث: عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث " وعن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر قال " صيباً نافعاً " رواه البخاري * (مسألة) * (وينادى لها الصلاة جامعة) كذلك ذكره أصحابنا قياساً على صلاة الكسوف * (مسألة) * (وهل من شرطها إذن الإمام على روايتين) إحداهما لا يستحب إلا إذا خرج الإمام أو رجل من قبله، فان خرجوا بغير إذن الإمام فقال أبو بكر يدعون وينصرفون بلا صلاة ولا خطبة نص عليه أحمد والثانية لا يشترط ويصلون لأنفسهم ويخطب بهم أحدهم.
فعلى هذه الرواية يشرع الاستسقاء في حق كل أحد مقيم ومسافر وأهل القرى والاعراب قياساً على صلاة الكسوف.
ووجه الأولى أن النبي ﷺ يأمر بها وإنما فعلها على صفة وهو أنه صلاها بأصحابه فلم يتعدى تلك الصفة وكذلك فعل خلفاؤه ومن بعدهم بخلاف صلاة الكسوف فانه أمر بها
стр. 1098
* (مسألة) * (ويستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله وثيابه ليصيبها لما روى أنس ابن
مالك أن النبي ﷺ لم يزل على منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته رواه البخاري وعن ابن عباس أنه كان إذا أمطرت السماء قال لغلامه " أخرج رحلي وفراشي يصيبه المطر " ويستحب أن يتوضأ من ماء المطر اذا سال السيل، لما روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا سال السيل قال " أخرجوا بنا إلى هذا الذي جلعه الله طهوراً فنتطهر " (فصل) قال القاضي وابن عقيل اذا نقصت مياه العيون في البلد الذي يشرب منها أو غارت وتضرر الناس بذلك استحب الاستسقاء كما يستحب لانقطاع المطر، وقال أصحابنا لا يستحب لأنه لم ينقل والله أعلم (فصل) والاستسقاء ثلاثة أضرب ذكرها القاضي: أحدها الخروج والصلاة كما وصفنا وهو أكملها، والثاني استسقاء الامام يوم الجمعة على المنبر لما روى أنس أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فأدع الله يغثنا فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا " قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، ولا شئ بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت.
فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل من ذلك الباب رجل في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ يخطب فاستقبله قائماً وقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فأدع الله
стр. 1099
أن يمسكها.
قال فرفع النبي ﷺ يديه وقال " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر " قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس متفق عليه.
والثالث أن يدعوا الله تعالى عقيب صلواتهم في خلواتهم * (مسألة) * وإذا زادت المياه فخيف منها استحب له أن يقول اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على
стр. 1100
الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به الآية لما ذكرنا
стр. 1101
من الحديث.
وكذلك ان زادت مياه العيون بحيث يضر استحب لهم أن يدعوا الله ليخففه عنهم
стр. 1102
ويصرفه الى أماكن ينفع ولا يضرر لأن الضرر بزيادة المطر أحد الضررين فاستحب الدعاء لازالته وانقطاعه كالآخر.
(فصل) واذا جاء المطر استحب أن يقول مطرنا بفضل الله ورحمته ولا يقول مطرنا بنوء كذا لأنه كما جاء في الحديث
стр. 1103
كتاب الجنائز يستحب ذكر الموت لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال " أكثروا ذكر هاذم اللذات، فما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره " روى البخاري أوله.
قال ابن عقيل معناه متى ذكر في قليل من الرزق استكثره الانسان لاستقلال ما بقي من عمره، ومتى ذكره في كثير قلله لأن كثير الدنيا اذا علم انقطاعه بالموت قل عنده.
ويستحب الاستعداد للموت قال الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) واذا مرض الانسان استحب أن يصبر لما وعد الله الصابرين من الأجر قال الله تعالى (وانما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) ويكره الأنين لأنه روي عن طاوس كراهته، ولا يتمنى الموت لضر نزل به لقول النبي ﷺ " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ويقول اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي " متفق عليه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، ويحسن ظنه بربه تعالى لما روى جابر قال سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن
стр. 1104
بالله عزوجل " رواه مسلم بمعناه وأبو داود.
وقال معتمر عن أبيه أنه قال عند موته: حدثني بالرخص * (مسألة) * (ويستحب عيادة المريض وتذكيره التوبة والوصية)
عيادة المريض مستحبة لما روى البراء قال أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع.
أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وذكر الحديث رواه البخاري ورواه مسلم بمعناه.
وعن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " ما من مسلم يعود مسلماً إلا ابتعث الله له سبعون ألف ملك يصلون عليه أي ساعة من النهار كانت حتى يمسي، وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح " رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وزاد وكان له خريف في الجنة، وقال حديث حسن غريب.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " من عاد مريضاً نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً " رواه الترمذي وابن ماجة وهذا لفظه، وعنه قال قال رسول الله ﷺ " إن الله عزوجل يقول يوم القيامة يا ابن مرضت فلم تعدني.
قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت ان عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " وذكر الحديث رواه مسلم.
وإذا دخل على المريض سأل عن حاله ودعا له ورقاه.
قال ثابت لأنس يا أبا حمزة اشتكيت.
قال أنس أفلا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ قال بلى، قال " اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقماً " وروى أبو سعيد.
قال " أتى جبريل النبي صلى الله عليه
стр. 1105
وسلم فقال يا محمد اشتكيت؟ قال نعم.
قال بسم الله أرقيك، من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسدة الله يشفيك " قال أبو زرعة كلا الحديثين صحيح.
وروي أن النبي ﷺ قال " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإنه لا يرد من قضاء الله شيئاً، وإنه يطيب نفس المريض " رواه ابن ماجه (فصل) ويستحب أن يرغبه في التوبة من المعاصي والخروج من المظالم وفي الوصية، لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شئ يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده " متفق عليه * (مسألة) * (وإذا نزل به تعاهد بل حلقه بماء أو شراب ويندي شفتيه بقطنة)
يستحب أن بلي المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأنقاهم لله تعالى، فاذا رآه منزولاً به تعاهد بل حلقه بتقطير ماء أو شراب فيه ويندي شفتيه بقطنة لأنه ربما ينشف حلقه من شدة ما نزل به فيعجز عن الكلام * (مسألة) * (ويستحب أن يلقنه قول لا إله إلا الله مرة) لقول رسول الله ﷺ " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " رواه مسلم.
وقال الحسن سئل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ فقال " أن تموت يوم تموت ولسانك رطب من ذكر الله " رواه سعيد بن منصور
стр. 1106
* (مسألة) * (ولا يزيد على ثلاث لئلا يضجره إلا أن يتكلم بعده بشئ فيعيد تلقينه بلطف ومداراة ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله نص عليه أحمد وروي عن عبد الله بن المبارك أنه لما حضره الموت جعل رجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه.
فقال له عبد الله إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم: قال الترمذي إنما أراد ما روي عن النبي ﷺ أنه قال " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " رواه أبو داود.
وروى بإسناده عن معاذ بن جبل أنه لما حضرته الوفاة قال: اجلسوني.
فلما أجلسوه قال: كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ كنت أخبؤها ولولا ما حضرني من الموت ما أخبرتكم بها، سمعت رسول الله ﷺ يقول " من كان آخر قوله عند الموت أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب فلقنوها موتاكم " فقيل يا رسول الله فكيف هي للاحياء؟ قال " هي أهدم وأهدم " * (مسألة) * (ويقرأ عنده سورة يس) لما روى معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ " اقرأوا (يس) على موتاكم " رواه أبو داود.
وقال أحمد ويقرءون عند الميت اذا حضر ليخفف عنه بالقرآن يقرأ (يس) وأمر بقراءة فاتحة الكتاب.
وروى الإمام أحمد " (يس) قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة
إلا غفر له واقرأوها على مرضاكم " * (مسألة) * (ويوجهه إلى القبلة) التوجيه الى القبلة عند الموت مستحب.
وهو قول عطاء والنخعي ومالك وأهل المدينة والاوزاعي وأهل الشام والشافعي وإسحق وأنكره سعيد بن المسيب فإنهم لما أرادوا أن يحولوه إلى القبلة قال: ألم أكن على القبلة الى يومي هذا؟ والأول أولى لأن حذيفة قال وجهوني.
وقد روي عن النبي ﷺ " خير المجالس ما استقبل به القبلة " ولأن فعلهم ذلك بسعيد دليل على أنه كان مشهوراً بينهم يفعله المسلمون بموتاهم.
وصفة توجيهه الى القبلة أن يوضع على جنبه الأيمن كما يوضع
стр. 1107
في اللحد إن كان المكان واسعاً وهذا مذهب الشافعي لأن هكذا استقبل المصلى على جنبه، وإن كان المكان ضيقاً جعل على ظهره ويجعل رأسه على موضع مرتفع ليتوجه نحو القبلة، هكذا ذكره القاضي ويحتمل أن يجعل على ظهره، بكل حال ويحتمله كلام الخرقي لقوله وجعل على بطنه مرآة أو غيرها، وإنما يمكن ذلك إذا كان على ظهره.
ويستحب تطهير ثياب الميت قبل موته، لأن أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها " (١) رواه أبو داود * (مسألة) * (فإذا مات أغمض عينيه وشد لحييه ولين مفاصله وخلع ثيابه وسجاه بثوب يستره وجعل على بطنه مرآة أو نحوها ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه) يستحب تغميض الميت عقيب الموت، ويستحب لمن حضر الميت أن لا يتكلم إلا بخير، لما روت ام سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " فضج ناس من أهله فقال " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " ثم قال " اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المقربين واخلفه
стр. 1108
في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه " رواه مسلم.
وروى شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ " إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيراً فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت " رواه الإمام أحمد في المسند.
ويستحب شد ذقنه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه، لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم قبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه والماء في وقت غسله.
قال بكر بن عبد الله المزني ويقول الذي يغمضه: بسم الله وعلى وفاة رسول الله ﷺ ، ويجعل على بطنه شئ من الحديد كالمرآة ونحوها لئلا ينتفخ بطنه ويلين مفاصله وهو أن يردد ذراعيه الى عضديه وعضديه الى جنبيه ثم يرددهما ويرد ساقيه الى فخذيه وفخذيه الى بطنه ثم يرددهما ليكون ذلك أبقى للينه فيكون أمكن للغاسل في تمكينه وتمديده.
قال أصحابنا ويستحب ذلك عقيب موته قبل قسوتها ببرودته، فإن شق عليه ذلك تركه، ويخلع ثيابه لئلا يحمى فيسرع اليه الفساد والتغير ويسجيه بثوب يستره لما روت عائشة أن النبي ﷺ حين توفي سجي ببرد حبرة، متفق عليه، ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه.
قال أحمد تغمض المرأة عينيه إذا كانت ذات محرم، قال ويكره للحائض
стр. 1109
والجنب تغميضه وأن يقرباه وكره ذلك علقمة، وروي نحوه عن الشافعي، وكره الحسن وابن سيرين وعطاء أن تغسل الحائض والجنب الميت ونحوه قال مالك، وقال ابن المنذر يغسله الجنب لقول النبي ﷺ " إن المؤمن لا ينجس " ولا نعلم بينهم خلافاً في صحة تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الأولى أن يكون المتولي لذلك طاهراً لأنه أكمل وأحسن، ويوضع على سرير غسله أو لوح لأنه أحفظ له ولا يدعه على الأرض لئلا يسرع اليه التغير بسبب نداوة الأرض، ويكون متوجهاً منحدراً نحو رجليه لينصب عنه ماء الغسل وما يخرج منه ولا يستنقع تحته فيفسده * (مسألة) * (ويسارع في قضاء دينه) لما روي أن النبي ﷺ قال " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن.
وعن سمرة قال: صلى نبي الله صلى الله عليه
وسلم الصبح فقال " ها هنا أحد من بني فلان؟ " قالوا نعم.
قال " فإن صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه " رواه الإمام أحمد، وإن تعذر ايفاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه كما فعل أبو قتادة لما أتى النبي ﷺ بجنازة ولم يصل عليها، قال أبو قتادة: صل عليها يا رسول الله وعلي دينه رواه البخاري * (مسألة) * (ويسارع في تفريق وصيته ليتعجل له ثوابها يجريانها على الموصى له) * (مسألة) * (ويستحب المسارعة في تجهيزه إذا تيقن موته لأنه أصون له وأحفظ له من التغيير) قال أحمد كرامة الميت تعجيله لأن النبي ﷺ قال " إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله " رواه أبو داود.
ولا بأس أن ينتظر بها مقدار ما يجتمع لها جماعة لما يؤمل من الدعاء له اذا صلى عليه ما لم يخف عليه أو يشق على الناس نص عليه أحمد، وإن شك في أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت من انفصال كفيه واسترخاء رجليه وميل أنفه وانخساف صدغيه وامتداد جلدة وجهه، فان مات فجأة كالمصعوق أو خائف
стр. 1110
من حرب أو سبع أو تردى من جبل انتظر به هذه العلامات حتى يتيقن موته.
قال الحسن في المصعوق ينتظر به ثلاثا.
قال أحمد وربما تغير في الصيف في اليوم والليلة.
قال فكيف تقول؟ قال يترك بقدر ما يعلم أنه ميت.
قيل له من غدوة الى الليل؟ قال نعم * (فصل في غسل الميت) * * (مسألة) * (غسل الميت ودفنه وتكفينه والصلاة عليه فرض كفاية) لأن النبي ﷺ قال في الذي وقصته راحلته " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوب " متفق عليه، وقال ﷺ " صلوا على من قال لا إله إلا الله " ودفنه فرض كفاية لأن في تركه أذى للناس به وهتك حرمته، وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافاً * (مسألة) * (وأحق الناس به وصيه ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ثم ذوا أرحامه إلا الصلاة عليه فان الأمير أحق بها بعد وصيه)
أحق الناس بغسل الميت وصيه في ذلك.
وقال أصحاب الشافعي: أولى الناس بغسل الميت عصباته الأقرب فالأقرب، فإن كان له زوجة فهل تقدم على العصبات؟ فيه وجهان ولنا على تقديم الوصي أن أبا بكر ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين فقدما بذلك، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابه ولأنه حق للميت فقدم فيه وصيه على غيره كتفريق ثلثه (فصل) فإن لم يكن له وصي فالعصبات أولى الناس به وأولاهم أبوه ثم جده وان علا، ثم ابنه ثم ابن ابنه وأن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته على ترتيب الميراث لأنهم أحق بالصلاة عليه (فصل) وأحق الناس بالصلاة عليه وصية، وهذا قول سعيد بن زيد وأنس وأبي برزة وزيد ابن أرقم وأم سلمة.
وقال الثوري ومالك والشافعي وأبو حنيفة تقدم العصبات لأنها ولاية تترتب بترتيب العصبات فالولي فيها أولى كولاية النكاح ولنا إجماع الصحابة ﵃ فان أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر قاله أحمد.
قال وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأبو بكرة أوصى أن يصلي عليه أبوبرزة، وقال غيره عائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة، وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير، وأبو سريحة أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فجاء عمرو بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم فيصلي عليها.
فقال ابنه أيها الأمير ان أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم.
فقدم زيداً.
وهذه قضايا اشتهرت ولم يظهر لها مخالف فكانت إجماعاً.
ولأنه حق للميت فانها شفاعة له فقدم وصيه فيها كتفريق ثلثه، وولاية النكاح يقدم عندنا فيها الوصي أيضاً على الصحيح، وان سلمت
стр. 1111
فليست حقاً له، إنما هي حق للمولى عليه، ولأن الغرض في الصلاة الدعاء والشفاعة الى الله عزوجل، فالميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحاً وأقرب إجابة بخلاف ولاية النكاح، فإن كان الوصي فاسقاً أو مبتدعاً لم يقبل الوصية كما لو كان الوصي ذمياً، وان كان الأقرب اليه كذلك لم يقدم وصلى غيره كما يمنع من التقديم في الصلوات الخمس
* (مسألة) * (والأمير أحق بالصلاة عليه بعد الوصي) وقال به أكثر أهل العلم.
وقال الشافعي في أحد قوليه يقدم الولي قياساً على تقديمه في النكاح ولنا قوله ﷺ " لا يومن الرجل في سلطانه " وقال أبو حازم شهدت حسيناً حين مات الحسن يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول تقدم لولا السنة ما قدمتك.
وسعيد أمير المدينة وهذا يقتضي سنة رسول الله ﷺ ، وروى أحمد بإسناده عن عماد مولى بني هاشم قال شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وزيد بن عمرو فصلى عليهما سعيد بن العاص وكان أمير المدينة وخلفه يومئذ ثمانون من أصحاب محمد ﷺ وفيهم ابن عمر والحسن والحسين.
وقال علي ﵁: الامام أحق من صلى علي الجنازة، وعن ابن مسعود نحو ذلك، وهذا أشهر ولم ينكر فكان اجماعا ولأنها صلاة شرعت فيها الجماعة فقدم فيها الأمير كسائر الصلوات، وقد كان النبي ﷺ وخلفاؤه يصلون على الجنائز، ولم ينقل الينا أنهم استأذنوا أولياء الميت في التقديم والمراد بالامير ها هنا الإمام، فإن لم يكن فالأمير من جهته، فإن لم يكن فالنائب من قبله في الامامة فإن لم يكن فالحاكم (فصل) وأحق الناس بالصلاة بعد ذلك العصبات وأحقهم الأب ثم الجد أبو الأب وان علا ثم الابن ثم ابنه وان نزل، ثم الأخ العصبة ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب ثم المولى المعتق ثم عصباته، هذا الصحيح من المذهب.
وقال أبو بكر، في تقديم الأخ على الجد قولان، وحكي عن مالك تقديم الابن على الأب لأنه أقوى تعصيبا منه، والاخ على الجد لأنه يدلي بالابن والجد يدلي بالاب ولنا انهما استويا في الادلاء، والاب أرق وأشفق، ودعاؤه لابنه أقرب الى الاجابة، فكان أولى كالقريب مع البعيد، ولأن المقصود بالصلاة الدعاء للميت والشفاعة له بخلاف الميراث (فصل) وإن اجتمع زوج المرأة وعصباتها فأكثر الروايات عن أحمد تقديم العصبات، وهو ظاهر كلام الخرقي وقول سعيد بن المسيب والزهري ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي إلا أن أبا حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها منه، وروى عن أحمد تقديم العصبات، قال ابن عقيل وهي أصح لأن أبا بكر صلى على زوجته ولم يستأذن أخوتها، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول الشعبي
وعطاء وعمر بن عبد العزيز وإسحق
стр. 1112
ولنا أنه يروى عن عمر انه قال لأهل امرأته: أنتم أحق بها، ولأن الزوج قد زالت زوجيته بالموت فصار أجنبياً والقرابة لم تزل، فعلى هذه الرواية إن لم يكن لها عصبات فالزوج أولى لأن له سبباً وشفقة فكان أولى من الاجنبي (فصل) فإن اجتمع أخ من أبوين، وأخ من أب، ففي تقديم الأخ من الأبوين أو التسوية وجهان بناء على الروايتين في ولاية النكاح والحكم في الاعمام وأولادهم وأولاد الأخوة كذلك فان انقرض العصبة فالمولى المنعم، ثم عصباته ثم الرجال من ذوي أرحامه ثم الأقرب فالأقرب ثم الاجانب، فان استوى وليان في الدرجة فأحقهما أولاهما بالامامة في المكتوبات، وقال القاضي يحتمل تقديم الأسن وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء وأعظم عند الله قدراً، والاول أولى لقوله ﷺ " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " وفضيلة السن معارضة بفضيلة العلم وقد رجحها الشارع في سائر الصلوات مع أنه يقصد فيها إجابة الدعاء والحظ للمأمومين، وقد روي عنه ﷺ أنه قال " أئمتكم شفعاؤكم " ولا يسلم أن المسن الجاهل أعظم قدراً عند الله من العالم والأقرب اجابة، فان استووا وتشاحوا أقرع بينهم كما في سائر الصلوات (فصل) ومن قدمه الولي فهو بمنزلته، لأنها ولاية ثبتت له فكانت له الاستنابة فيها كولاية النكاح (فصل) وإن كان القريب عبداً فالحر البعيد أولى منه لأن العبد لا ولاية له في النكاح ولا المال، كذلك هذا.
فان اجتمع صبي ومملوك ونساء، فالمملوك أولى لأنه تصح امامته بهما، فإن لم يكن إلا نساء وصبيان فقياس المذهب أنه لا يصح أن يؤم أحد الجنسين الآخر، ويصلي كل نوع لأنفسهم وامامهم منهم، ويصلي النساء جماعة وامامتهن في وسطهن نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يصلين منفردات لا يسبق بعضهن بعضاً، وان صلين جماعة جاز ولنا أنهن من أهل الجماعة فسن أن يصلين جماعة كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضاً تحكم لا يصار إليه إلا بدليل، وقد صلي أزواج النبي ﷺ على سعد
ابن أبي وقاص رواه مسلم (فصل) فإن اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم فيمن يتقدم للصلاة عليهم قدم أولاهم بالامامة في الفرائض وقال القاضي يقدم من سبق ميته ولنا أنهم تساووا فأشبهوا الاولياء إذا تساووا في الدرجة مع قوله ﷺ " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " وان أراد ولي كل ميت أفراد ميته بصلاة جاز * (مسألة) * (وأحق الناس بغسل المرأة وصيها ثم الأقرب فالأقرب من نسائها أمها ثم بنتها ثم بناتها ثم أخواتها كما ذكرنا في حق الرجل)
стр. 1113
وكل من لها رحم ومحرم بحيث لو كانت رجلاً لم يحل له نكاحها أولى بها ممن لا رحم لها وبعدها التي لها رحم وليست بمحرم، كبنات العم والعمات وبنات الخال والخالة، فهن أولى من الاجانب، وبهذا قال الشافعي إن لم يكن لها زوج، فان كان لها زوج فهل يقدم على النساء؟ فيه وجهان: أحدهما يقدم لأنه ينظر منها الى ما لا ينظر النساء، والثاني يقدم النساء على الزوج لأن الزوجية تزول بالموت والرحم لا يزول كما ذكرنا في حق الرجل * (مسألة) * ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في إحدى الروايتين، كذلك السيد مع سريته) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله تعالى في غسل كل واحد من الزوجين الآخر، فروي عنه الجواز فيهما نقلها عنه حنبل، وروى عنه المنع مطلقاً حكاها ابن المنذر، وروي عنه التفرقة وهو جواز غسل الزوج دون الزوجة، والقول بجواز غسل المرأة زوجها قول أهل العلم حكاه ابن المنذر إجماعاً، قالت عائشة: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه رواه أبو داود، وأوصى ابو بكر ﵁ ان تغسله امرأته أسماء بنت عميس ففعلت، وغسل أبا موسى امرأته أم عبد الله، قال أحمد ليس فيه اختلاف بين الناس، وعنه لا يجوز، حكى عنه صالح ما يدل على ذلك لأنها فرقة بين الزوجين أشبهت الطلاق، ولأنها أحد الزوجين أشبهت الآخر (فصل) والمشهور عن أحمد جواز غسل الرجل زوجته، وهو قول علقمة وعبد الرحمن بن يزيد
وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وأبي سلمة وأبي قتادة وحماد ومالك والاوزاعي والشافعي واسحق، وعن أحمد رواية ثانية، ليس للزوج غسلها وهو قول أبي حنيفة والثوري لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعا سواها فحرمت اللمس والنظر كالطلاق ولنا ما روى ابن المنذر أن علياً ﵁ غسل فاطمة ﵍ واشتهر ذلك فلم ينكر فكان أجماعاً، ولأن النبي ﷺ قال لعائشة " لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك " رواه ابن ماجه، والأصل في إضافة الفعل الى الشخص أن يكون للمباشرة فان حمله على الأمر يبطل فائدة التخصيص، ولأنه أحد الزوجين فأبيح له غسل صاحبه كالآخر.
والمعنى في ذلك أن كل واحد من الزوجين يسهل عليه إطلاع الآخر على عورته لما كان بينهما في الحياة، ويأتي بالغسل على ما يمكنه لما كان بينهما من المودة والرحمة، وما قاسوا عليه لا يصح لأنه يمنع الزوجة من النظر بخلاف هذا ولأنه لا فرق بين الزوجين إلا بقاء العدة.
ولو وضعت حملها عقيب موته كان لها غسله وقد انقضت عدتها * (فصل) * فإن طلق امرأته طلاقاً بائناً ثم مات أحدهما في العدة لم يجز لواحد منهما غسل الآخر لأن اللمس والنظر محرم حال الحياة فبعد الموت أولى، وإن كان الطلاق رجعيا وقلنا الرجعية محرمة فكذلك، وإن قلنا هي مباحة فحكمها حكم الزوجين لأنها ترثه ويرثها ويباح له وطؤها والخلوة والنظر
стр. 1114
اليها أشبه سائر الزوجات (فصل) وحكم أم الولد حكم الزوجة فيما ذكرنا، واختار ابن عقيل أنه لا يجوز لها غسل سيدها لأنها عتقت بموته، ولم يبق علقة من ميراث ولا غيره، وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي ولنا أنها في معنى الزوجة في اللمس والنظر والاستمتاع فكذلك في الغسل، والميراث ليس من جملة المقتضي بدليل ما لو كان أحد الزوجين رقيقاً والاستبراء ها هنا كالعدة.
فأما غيرها من الاءماء فيجوز لسيدها غسلها في أصح الروايتين.
ذكره أبو الخطاب لأنه يلزمه كفنها ودفنها ومؤنتها فهي أولى من الزوجة، وهل يجوز لها غسل سيدها؟ قال شيخنا: يحتمل أن لا يجوز لأن الملك انتقل فيها إلى غيره، ويحتمل أن يجوز ذلك لسريته لأنها محل استمتاعه ويلزمها الاستبراء بعد موته أشبهت أم الولد،
فإن مات الزوج قبل الدخول بامرأته احتمل أن لا يباح لها غسله لأنه لم يكن بينهم استمتاع حال الحياة (فصل) فإن كانت الزوجة ذمية فليس لها غسل زوجها، لأن الكافر لا يغسل المسلم، لأن النية واجبة في الغسل ولا تصح من الكافر.
وقال الشافعي يكره لها غسله، فان غسلته جاز لأن القصد التنظيف، وليس لزوجه غسلها لأن المسلم لا يغسل الكافر، ولا يتولى دفنه ما يأتي، ولأنه لا ميراث بينهما ولا موالاة، وقد انقطعت الزوجية بالموت، ويتخرج جواز ذلك بناء على غسل المسلم الكافر وهو مذهب الشافعي (فصل) وليس لغير من ذكرنا من الرجال غسل أحد من النساء، ولا لأحد من النساء غسل غير من ذكرنا من الرجال، وإن كن ذات رحم محرم، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقد روي عن أحمد أنه حكي له عن أبي قلابة غسل ابنته فاستعظم ذلك ولم يعجبه، وذلك أنها محرمة حال الحياة فلم يجب غسلها كالأجنبية وأخته من الرضاع، فإن لم يوجد من يغسلها من النساء فقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يغسل أخته إذا لم يجد نساء؟ قال لا.
قلت فكيف يصنع؟ قال يغسلها وعليها ثيابها يصب الماء صبا.
قلت لأحمد وكذلك كل ذات محرم تغسل وعليها ثيابها؟ قال نعم.
وذلك لأنه لا يحل مسها، والأولى أنها تيمم كالأجنبية.
لأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف، ولا إزالة النجاسة.
بل ربما كثرت أشبه ما لو عدم الماء.
وقال الحسن ومحمد ومالك والشافعي لا بأس بغسل ذات محرمة عند الضرورة * (مسألة) * (وللرجل والمرأة غسل من له دون سبع سنين وفي ابن السبع وجهان) أما غسل النساء للطفل الصغير فهو إجماع حكاه ابن المنذر، واختلف أهل العلم في حده فقال أحمد لهن غسل من له دون سبع سنين.
وقال الحسن إذا كان فطيماً أو فوقه، وقال الأوزاعي ابن أربع أو خمس، وقال أصحاب الرأي الذي لم يتكلم
стр. 1115
ولنا أن من له دون سبع سنين لم يؤمر بالصلاة، ولم يخير بين أبويه، ولا عورة له أشبه ما لو سلموه فأما من بلغ السبع ففيه وجهان (أحدهما) يجوز اختاره أبو بكر لأنه غير مكلف أشبه ما قبل السبع،
(والثاني) لا يجوز اختاره ابن حامد وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، وقيل سئل عن غلام ابن سبع سنين تغسله المرأة؟ فقال هو ابن سبع وهو يؤمر بالصلاة، ولو كان أقل من سبع كان أهون عندي، وحكى أبو الخطاب فيمن بلغ السبع روايتين، والصحيح أن من بلغ عشراً ليس للنساء غسله لأن النبي ﷺ قال: " وفرقوا بينهم في المضاجع " وأمر بضربهم على الصلاة لعشر، فأما من بلغ السبع والعشر ففيه احتمالان ووجههما ما ذكرنا، وأما الجارية اذا لم تبلغ سبعاً فقال القاضي وابو الخطاب يجوز للرجال غسلها، وقال الخلال: القياس التسوية بينهما لكل واحد منهما على الآخر فعلى قولنا حكمها حكم الغلام، ولا يغسل الرجل من بلغت عشراً لما ذكرنا في الصبي ويحتمل أن يحد ذلك بتسع في حق الجارية لقول عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة وفيما قبل ذلك الوجهان، ونقل عن أحمد ﵀ كراهة ذلك وقال النساء أعجب الي، وذكر له أن الثوري قال: تغسل المرأة الصبي والرجل الصبية، فقال لا باس أن تغسل المرأة الصبي، وأما الرجل يغسل الصبية فلا أجترئ عليه إلا أن يغسل الرجل ابنته الصغيرة، ويروى عن أبي قلابة أنه غسل ابنة له صغيرة وهو قول الحسن، وكره غسل الرجل الصغيرة سعيد والزهرى، قال شيخنا: وهذا أولى من قول الاصحاب، لأن عورة الجارية أفحش من عورة الغلام، ولأن العادة مباشرة المرأة للغلام الصغير، والنظر الى عورته في حال تربيته ومسها، ولم تجر العادة للرجل بمباشرة عورة الجارية حال الحياة فكذلك حالة الموت، وهذا اختيار شيخنا والله أعلم (فصل) ويصح أن يغسل المحرم الحلال والحلام المحرم لأن كل واحد منهما تصح طهارته وغسله * (مسألة) * (واذا مات رجل بين نسوة أو امرأة بين رجال أو خنثى مشكل يمم في أصح الروايتين وفي الأخرى يصب عليه الماء من فوق قميص ولا يمس) إذا مات رجل بين نسوة أجانب، أو امرأة بين رجال أجانب، أو مات خنثى مشكل، فانه ييمم في الصحيح من المذهب.
وهذا قول سعيد بن المسيب والنخعي وحماد ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الثاني يغسل في قميص ويجعل الغاسل على يده خرقة وفيه رواية أخرى أنه يغسل من فوق القميص يصب عليه الماء صباً ولا يمس، وهو قول الحسن وإسحق
ولنا ما روى واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله ﷺ " إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال " ولأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف
стр. 1116
ولا إزالة النجاسة بل ربما كثرت، ولا يسلم من النظر، فكان العدول إلى التيمم أولى، كما لو عدم الماء فأما إن ماتت الجارية بين محارمها الرجال فقد ذكرناه * (مسألة) * (ولا يغسل مسلم كافراً ولا يدفنه إلا أن لا يجد من يواريه غيره) اذا مات كافر مع مسلمين لم يغسلوه سواء كان قريباً لهم أو لا، ولا يتولوا دفنه إلا أن لا يجدوا من يواريه وهذا قول مالك، وقال أبو حفص العكبري: يجوز له غسسل قريبه الكافر ودفنه، وحكاه قولا لأحمد وهو مذهب الشافعي لما روي عن علي ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ إن عمك الشيخ الضال قد مات، فقال النبي ﷺ " اذهب فواره " رواه أبو داود والنسائي ولنا أنه لا يصلى عليه ولا يدعو له فلم يكن له غسله كالأجنبي، والحديث يدل على مواراته وله ذلك اذا خاف من التغير به والضرر ببقائه، قال أحمد في يهودي أو نصراني مات وله ولد مسلم: فليركب دابته ويسر أمام الجنازة، وإذا أراد أن يدفن رجع مثل قول عمر ﵁ * (مسألة) * (وإذا أخذ قي غسله ستر عورته وجرده، وقال القاضي يغسل في قميص واسع الكمين) يجب ستر عورة الميت بغير خلاف علمناه وهو ما بين سرته الى ركبته وقد قال النبي ﷺ لعلي " لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " رواه أبو داود، قال ابن عبد البر: وروي " الناظر من الرجال إلى فروج الرجال كالناظر منهم إلى فروج النساء والمتكشف ملعون " قال أبو داود: قلت لأحمد الصبي يستر كما يستر الكبير (أعني) الصبي الميت في الغسل؟ قال: أي شئ يستر منه ليست عورته بعورة ويغسله النساء
стр. 1117
(فصل) ويستحب تجريد الميت عند غسله ما سوى عورته رواه الاثم عن أحمد وهذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب وإليه ذهب ابن سيرين ومالك وأبو حنيفة وروى المروذي عن
أحمد أنه قال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب قال: وكان أبو قلابة اذا غسل ميتاً جلله بثوب، وقال القاضي: السنة أن يغسل في قميص رقيق ينزل الماء فيه ولا يمنع أن يصل الى يديه، وويدخل يده في كم القميص فيمرها على بدنه والماء يصب، فان كان القميص ضيقاً فتق رأس الدخاريص وأدخل يده فيه، وهذا مذهب الشافعي لأن النبي ﷺ غسل في قميصه، وقال سعد اصنعوا پي كما صنع رسول الله ﷺ ، قال أحمد غسل النبي ﷺ في قميصه وقد أرادوا خلعه فنودوا ألا تخلعوه واستروا نبيكم ولنا أن تجريد الميت أمكن لتغسيله وتطهيره، والحي يتجرد اذا اغتسل فكذلك الميت ولأنه اذا اغتسل في ثوبه ينجس الثوب بما يخرج وقد لا يطهر بصب الماء عليه فينجس الميت به، فأما النبي ﷺ فذلك خاص له، ألا ترى أنهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا كذلك روته عائشة، قال ابن عبد البر روي ذلك عنها من وجه صحيح، فالظاهر أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهوراً عندهم ولم يكن هذا ليخفى عن النبي ﷺ بل الظاهر أنه كان بأمره لأنهم كانوا ينتهون الى رأيه ويصدرون عن أمره في الشرعيات، واتباع أمره وفعله أولى من اتباع غيره، ولأن ما يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأموناً في حق النبي ﷺ لأنه طاهر حياً وميتاً بخلاف غيره، وإنما قال سعد: إلحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1118
* (مسألة) * (ويستر الميت عن العيون، ولا يحضره إلا من يعين في غسله) يستحب ستر الميت وأن يغسل في بيت إن أمكن لأنه أستر له، فإن لم يكن بيت جعل بينه وبين السماء ستراً، وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه مظلماً ذكره أحمد، وروى أبو داود باسناد له قال: أوصى الضحاك أخاه سالماً قال: اذا غسلتني فاجعل حولي ستراً، واجعل بيني وبين السماء ستراً، وذكر القاضي أن عائشة قالت: أتانا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته فجعلنا بينها وبين السقف ستراً، وإنما استحب ذلك لئلا يستقبل السماء بعورته، وإنما استحب ستر الميت، وأن لا يحضره إلا من يعين في غسله لأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة
لأنه ربما كان بالميت عيب يكتمه ويكره أن يطلع عليه بعد موته وربما حدث منه أمر يكره الحي أن يطلع منه على مثله، وربما ظهر فيه شئ هو في الظاهر منكر فيتحدث به فيكون فضيحة وربما بدت عورته فشاهدها، ويستحب للحاضرين غض أبصارهم عنه إلا لحاجة كذلك، ولهذا أجبنا أن يكون الغاسل ثقة أميناً ليستر ما يطلع عليه.
وفي الحديث عن النبي ﷺ " ليغسل موتاكم المأمونون " رواه ابن ماجه، وعن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال " ليله أقربكم منه إن كان يعلم، فإن كان لا يعلم فمن ترون عنده حظاً من ورع " رواه الإمام أحمد.
وقال القاضي: لوليه
стр. 1119
أن يدخل كيف شاء والأولى ما ذكرنا إن شاء الله لأن العلة تقتضي التعميم * (مسألة) * (ثم يرفع رأسه برفق إلى قريب من الجلوس ويعصر بطنه عصراً رفيقاً ويكثر صب الماء حينئذ) يستحب للغاسل أن يبدأ فيحني الميت حنياً رفيقاً لا يبلغ به الجلوس لأن في الجلوس أذية، ثم يمر يده على بطنه يعصره عصراً ليخرج ما معه من نجاسة كيلا يخرج بعد ذلك، ويكثر صب الماء حينئذ ليخفي ما يخرج منه ويذهب به الماء.
ويستحب أن يكون بقربه مجمر فيه بخور حتى لا يظهر منه ريح.
وروى عن أحمد أنه قال لا يعصر بطن الميت في المرة الأولى، ولكن في الثانية، وقال في موضع آخر يعصر بطنه في الثالثة يمسح مسحاً رفيقاً مرة واحدة، وقال أيضاً: عصر بطن الميت في الثانية أمكن، لأن الميت لا يلين حتى يصيبه الماء (فصل) فإن كانت امرأة حاملاً لم يعصر بطنها لئلا يؤذي أم الولد، لما روت ام سليم قالت: قال رسول الله ﷺ " إذا توفيت المرأة فأرادوا غسلها فليبدأن ببطنها فليمسح مسحاً رفيقاً إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا يحركنها " رواه الخلال
стр. 1120
* (مسألة) * (ثم يلف على يده خرقة فينجيه ولا يحل مس عورته، ويستحب أن لا يمس سائر بدنه الا بخرقة)
يستحب للغاسل اذا عصر بطن الميت أن ينجيه فيلف على يده خرقة خشنة بمسحه بها لئلا يمس عورته لأن النظر الى عورة الميت حرام فمسها أولى، ويزيل ما على بدنه من نجاسة لأن الحي يبدأ بذلك في اغتساله من الجنابة، ويستحب أن لا يمس سائر بدنه الا بخرقة لما روي أن علياً ﵁ غسل النبي ﷺ وبيده خرقة يمسح بها ما تحت القميص.
قال القاضي: يعد الغاسل خرقتين يغسل باحداهما السبيلين وبالأخرى سائر بدنه * (مسألة) * (ثم ينوي غسلهما ويسمي) النية في غسل الميت واجبة على الغاسل، وفي وجوب التسمية روايتان كغسل الجنابة، وإنما أوجبناها على الغاسل لتعذرها من الميت ولأن الحي هو المخاطب بالغسل.
وقال القاضي وابن عقيل ويحتمل أن لا تعتبر النية لأن القصد التنظيف فأشبه غسل النجاسة، والصحيح الأول لأنه لو كان كذلك لما وجب غسل متنظف ولجاز غسله بماء الورد، وكل ما يحصل به التنظيف وانما هو غسل تعبد فأشبه غسل الجنابة * (مسألة) * قال (ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفها ويوضيه ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه)
стр. 1121
وجملة ذلك أنه إذا نجى الميت وأزال النجاسة بدأ بعد ذلك فوضاه وضوء الصلاة فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها ويجعلها على أصبيعيه فيسمح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك في رفق ثم يغسل وجهه ويتمم وضوءه لقول رسول الله ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " متفق عليه ولأن الحي يبدأ بالوضوء في غسله ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه في قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأبو حنيفة، وقال الشافعي يمضمضه وينشقه كما يفعل الحي ولنا أن ذلك لا يؤمن معه وصوله الى جوفه فيفضي الى المثلة به ولا يؤمن من خروجه في أكفانه فيفسدها
стр. 1122
* (مسألة) * (ثم يضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته وسائر بدنه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر يفعل ذلك ثلاثا) يستحب أن يبدأ الغاسل بعد وضوء الميت بغسل رأس الميت فيغسله برغوة السدر ويغسل بدنه بالتفل يفعل ذلك ثلاثا، والمنصوص عن أحمد ﵀ أنه يستحب أن يغسل ثلاثا بماء وسدر قال صالح: قال أبي: الميت يغسل بماء وسدر ثلاث غسلات.
قلت فيبقى عليه؟ قال أي شئ يكون هو أنقى له.
وذكر عن عطاء أن ابن جريج قال له أنه يبقى عليه السدر اذا غسل به كل مرة، قال عطاء هو طهور، واحتج أحمد بحديث أم عطية أن رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته قال " اغسلنها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو أكثر من ذلك أن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافوراً " متفق عليه وذهب كثير من أصحابنا المتأخرين إلى أنه لا يترك في الماء سدر يغيره ثم اختلفوا فقال ابن حامد يطرح في كل المياه شئ يسير من السدر لا يغيره ليجمع بين العمل بالحديث ويكون الماء باقياً على إطلاقه، وقال القاضي وابو الخطاب يغسل أول مرة بالسدر ثم يغسل بعد ذلك بالماء القراح فيكون الجميع غسلة واحدة ويكون الاعتداد بالآخر دون الأول، لأن أحمد ﵀ شبه غسله بغسل الجنابة، ولان السدر أن غير الماء سلبه الطهورية، وان لم يغيره فلا فائدة في ترك يسير لا يؤثر، والأول ظاهر كلام أحمد ويكون هذا من قوله دالا على أن تغيير الماء بالسدر لا يخرجه عن طهوريته، فان لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه ويقرب منه كالخطمى ونحوه لحصول المقصود به، وان غسله بذلك مع وجود السدر جاز لأن الشرع ورد بهذا لمعنى معقول وهو التنظيف فيتعدى الى كل ما وجد فيه المعنى، قال أبو الخطاب: ويستحب أن يخضب رأس المرأة ولحية الرجل بالحناء ويستحب أن يبدأ بشقه الأيمن فيغسل وجهه ويده اليمنى من المنكب الى الكفين وصفحة عنقه اليمنى وشق صدره وجنبه وفخذه وساقه وهو مستلق ثم يصنع ذلك بالجانب الأيسر ثم يرفعه من جانبه ولا
стр. 1123
يكبه لوجهه فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه ثم يعود فيحرفه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر كذلك، هكذا ذكره ابراهيم النخعي والقاضي وذلك لقوله ﷺ " ابدأن
بميامنها " وهو أشبه بغسل الحي (فصل) والواجب غسلة واحدة لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابته فكان مرة واحدة كغسل الجنابة.
قال عطاء: يجزيه غسلة واحدة ان نقوه، وقد روي عن أحمد أنه قال: لا يعجبني أن غسل واحدة لأن النبي ﷺ قال " اغسلنها ثلاثا أو خمسا " وهذا على سبيل الكراهة دون الاجزاء لما ذكرنا، ولأن النبي ﷺ قال في المحرم " اغسلوه بماء وسدر " ولم يذكر عدداً (فصل) والحائض والجنب اذا ماتا كغيرهما في الغسل، قال إبن المنذر هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار، وقد قال الحسن وسعيد بن المسيب: ما مات ميت الا جنب، وقيل عن الحسن أنه يغسل الجنب للجنابة والحائض للحيض ثم يغسلان للموت، والأول أولى لأنهما خرجا من أحكام التكليف ولم يبق عليهما عبادة واجبة، وانما الغسل للميت تعبد وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة وهذا يحصل بغسلة واحدة ولأن الغسل الواحد يجزي من وجد في حقه شيئان كالحيض والجنابة كذا هذا (فصل) وقال بعض أصحابنا: يتخذ الغاسل ثلاث أواني آنية كبيرة يجمع فيه الماء الذي يغسل به الميت تكون بالبعد منه، واناءين صغيرين يطرح من أحدهما على الميت والثالث يغرف به من الكبير في الصغير الذي يغسل به الميت ليكون الكبير مصوناً، فاذا فسد الماء الذي في الصغير وطار فيه من رشاش الماء كان ما بقي في الكبير كافياً، ويستعمل في كل أموره الرفق به في تقليبه وعرك أعضائه وعصر بطنه وتليبن مفاصله وفي سائر أموره احتراماً له فانه مشبه بالحي في حرمته ولا يأمن أن عنف به أن ينفصل منه عضو فيكون مثلة به وقد قال ﷺ " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " وقال " إن الله يحب الرفق في الأمر كله "
стр. 1124
* (مسألة) * (فإن لم ينفق بالثلاث وخرج منه شئ غسله إلى خمس فإن زاد فإلى سبع) اذا فرغ الغاسل من الغسلة الثالثة لم يمر يده على بطن الميت لئلا يخرج منه شئ، فان رأى الغاسل أنه لم ينق بالثلاث غسله خمساً أو سبعاً إن رأى ذلك ولا يقطع إلا على وتر.
قال الامام أحمد
ولا يزاد على سبع لقول النبي ﷺ " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعاً " لم يزد على ذلك وجعل ما أمر به وتراً، وقال أيضاً " اغسلنها وتراً " فإن لم ينق بالسبع فقال شيخنا: الأولى غسله حتى ينقى لقوله ﷺ " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك " ولأن الزيادة على الثلاث إنما كانت للانقاء أو للحاجة اليها، فكذلك ما بعد السبع، ولا يقطع إلا على وتر لما ذكرنا، ولم يذكر أصحابنا أنه يزيد على سبع (فصل) فإن خرج من الميت نجاسة بعد الثلاث وهو على مغتسله من قبله أو دبره غسله إلى خمس فإن خرج بعد الخمس غسله الى سبع، ويوضيه في الغسلة التي تلي خروج النجاسة.
قال صالح قال أبي يوضأ الميت مرة واحدة إلا أن يخرج منه شئ فيعاد عليه الوضوء وهذا قول ابن سيرين وإسحق، واختار أبو الخطاب أنه يغسل موضع النجاسة ويوضأ ولا يجب اعادة غسله وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة لأن خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا يبطله فكذلك الميت، وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا أن القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة ولأن النبي ﷺ قال " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك بماء وسدر " فان خرجت منه نجاسة من غير السبيلين فقال أحمد في رواية أبي داود: الدم أسهل من الحدث يعني الدم الذي يخرج من أنفه أسهل من الحدث في أنه لا يعاد له الغسل لأن الحدث ينقض الطهارة بالاتفاق ويسوى بين قليله وكثيره، ويحتمل أنه إن أراد الغسل لا يعاد من يسيره كما لا ينقض الوضوء بخلاف الخارج من السبيلين * (مسألة) * (ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً) يستحب أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً لشده ويبرده ويطيبه لقول النبي صلى الله عليه
стр. 1125
وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته " اغسلنها بالسدر وتراً ثلاثاً أو خمسا أو أكثر من ذلك واجعلن في الغسة الأخيرة كافوراً " وفي حديث أم سليم " فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها فاجعلن ماء فيه شئ من كافور وشئ من سدر ثم اجعلي ذلك في جرة جديدة ثم أفرغيه عليها وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها "
* (مسألة) * (والماء الحار والخلال والاشنان يستعمل إن احتيج إليه) هذه الثلاثة تستعمل عند الحاجة اليها مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد، أو الوسخ لا يزول إلا به، وكذلك الاشنان يستعمل إذا كان على الميت وسخ.
قال أحمد إذا طال ضنا المريض غسل بالاشنان يعني أنه يكثر وسخه فيحتاج الى الاشنان ليزيله، والخلال يحتاج إليه لاخراج شئ والأولى أن يكون من شجرة كالصفصاف ونحوه ومما ينقي ولا يجرح، وإن جعل على رأسه قطناً فحسن ويتتبع ما تحت أظفاره فينقيه فان لم يحتج إلى شئ من ذلك لم يستحب استعماله وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة والمسخن أولى لكن حال انه ينقي مالا ينقي البارد ولنا أن البارد يمسكه والمسخن يرخيه ولهذا يطرح الكافور في الماء ليشده ويبرده والانقاء يحصل بالسدر إذا لم يكثر وسخه، فان كثر ولم يزل إلا بالحار صار مستحباً * (مسألة) * (ويقص شاربه ويقلم أظافره ولا يسرح شعره ولا لحيته) متى كان شارب الميت طويلا استحب قصه وهذا قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد بن جبير وإسحق، وقال أبو حنيفة ومالك لا يؤخذ من الميت شئ لانه قطع شئ منه فلم يستحب كالختان، ولأصحاب الشافعي اختلاف كالقولين