← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

أحب الرجوع إلى معتكفه فله ذلك كما لو خرج إلى غير الجمعة. قال بعض أصحابنا: يستحب له الإسراع إلى معتكفه، وقال أبو داود قلت لأحمد يركع يعني المعتكف يوم الجمعة بعد الصلاة في المسجد؟ قال نعم بقدر ما كان يركع (قال شيخنا) ﵀ ويحتمل أن تكون الخيرة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره لأنه في مكان يصلح للاعتكاف فأشبه مالو نوى الاعتكاف فيه، فأما إن خرج ابتداء إلى مسجد آخر أو إلى الجامع من غير حاجة، أو كان المسجد أبعد من موضع حاجته فمضى إليه لم يجز له ذلك لأنه خروج لغير حاجة أشبه مالو خرج لغير المسجد، فإن كان المسجدان متصلاقين يخرج من أحدهما فيصير في الآخر فله الانتقال من أحدهما إلى الآخر لأنهما كمسجد واحد ينتقل من إحدى زاويتيه إلى الأخرى، وإن كان يمشي بينهما في غيرهما لم يجز له الخروج: وإن قرب لأنه خروج من المسجد لغير حاجة (فصل) وإذا خرج لما لابد منه فليس عليه أن يتعجل في مشيه لكن يمشي على حسب عادته لأن عليه مشقة في إلزامه غير ذلك فليس له الإقامة بعد قضاء حاجته لأكل ولا لغيره، وقال ابن حامد يجوز أن يأكل اليسير في بيته كاللقمة والثنتين ولا يأكل جميع أكله، وقال القاضي: يتوجه أن له الاكل في بيته والخروج إليه ابتداء لأن الأكل في المسجد دناءة وقد يخفي جنس قوته عن الناس، وقد يكون في المسجد غيره فيستحي منه أن يأكل دونه وإن أطعمه لم يكفهما

стр. 1647

ولنا أن النبي ﷺ كان لايدخل البيت إلا لحاجة الإنسان وهذا كناية عن الحدث، ولأنه خروج لما له منه بد، ولبث في غير معتكفه لما له منه بد فأبطل الاعتكاف كمحادثة أهله وما ذكره القاضي ليس بعذر يبيح الخروج ولا الإقامة، ولو ساغ ذلك لساغ الخروج للنوم وأشباهه (فصل) وإن خرج لحاجة الإنسان وبقرب المسجد سقاية أقرب من منزله لا يحتشم من دخولها ويمكنه التنظف فيها لم يكن له المضي إلى منزله لأن له من ذلك بدا، وإن كان يحتشم من دخولها أو فيه نقيصة عليه أو مخالفة لعادته أو لا يمكنه التنظف فيها فله المضي إلى منزله لما عليه من المشقة في ترك المروءة، وكذلك إن كان له منزلان أحدهما أقرب من الآخر يمكنه الوضوء في الأقرب بلا ضرر فليس له قصد الأبعد، وإن بذل له صديقه أو غيره الوضوء في منزله القريب لم يلزمه لما عليه من المشقة بترك المروءة والاحتشام من صاحبه، قال المروذي سألت أبا عبد الله عن الاعتكاف في المسجد الكبير أعجب إليك أو مسجد الحي؟ قال: المسجد الكبير وأرخص لي أن أعتكف في غيره، قلت فأين ترى أن أعتكف في هذا الجانب، أو في ذلك الجانب؟ قال في ذاك الجانب هو أصلح من أجل السقاية، قلت فمن اعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج الى الشط يتهيأ؟ قال إذا كان له حاجة لابد له من ذلك قلت يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد (فصل) وإذا احتيج إليه في النفير إذا عم أو حضر عدو يخافون كلبه واحتيج إلى خروج

стр. 1648

المعتكف لزمه الخروج لأنه واجب متعين فكان عليه الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة، وكذلك الشهادة الواجبة عليه لما ذكرنا، وإن وقعت فتنة خاف منها على نفسه إذا قام في المسجد أو على ماله، أو خاف نهباً أو حريقاً فله ترك الاعتكاف والخروج لأن هذا مما أباح الله تعالى لأجله ترك الواجب بأصل الشرع وهو الجمعة فأولى أن يباح لأجله ترك ما اوجبه على نفسه، وكذلك إن تعذر عليه المقام في المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه كالقيام المتدارك أو سلس البول، أو الإغماء، أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش فله الخروج، وإن كان المرض خفيفاً كالصداع، ووجع الضرس ونحوه فليس له الخروج، فإن خرج بطل اعتكافه لأنه خروج لما له منه بد (فصل) وإن حاضت المعتكفة أو نفست وجب عليها الخروج من المسجد بغير خلاف لأنه حدث يمنع اللبث في المسجد، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود، والنفاس في معنى الحيض فثبت فيه حكمه، قال الخرقي تخرج من المسجد وتضرب خباء في الرحبة هذا إن كان للمسجد رحبة فإن لم يكن رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت عادت فأتمت اعتكافها وقضت ما فاتها ولا كفارة عليها لأنه خروج معتاد أشبه الخروج للجمعة، وإن كان للمسجد رحبة خارجة من المسجد يمكن ضرب خبائها فيه ضربت خباءها فيه مدة حيضها وهو قول أبي قلابة، وقال النخعي تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتاً أو سقفاً استأنفت، وقال الزهري وعمرو بن دينار وربيعة ومالك ترجع إلى منزلها لأنه وجب عليها الخروج من المسجد فلم تلزمها الإقامة في رحبته كالخارجة لعدة أو خوف فتنة ووجه قول الخرقي ماروى المقدام بن شريح عن عائشة ﵂ قالت: كن معتكفات إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد وإن يشربن الأخبية في رحبة المسجد. رواه أبو حفص بإسناده وفارق المعتدة فإن خروجها لتعتد في بيتها وتقيم فيه ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة خروجها لتسلم منها فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه، قال والظاهر أن إقامتها في الرحبة مستحبة وليس بواجب، وإن لم تقم في الرحبة رجعت إلى منزلها أو غيره ولا شئ عليها إلا القضاء لأيام حيضها لا نعلم فيه خلافا إلا قول إبراهيم وهو تحكم لا دليل عليه (فصل) فأما الاستحاضة فلا تمنع الاعتكاف لكونها لا تمنع الصلاة، وقد قالت عائشة رضي

стр. 1649

الله عنها اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي. أخرجه البخاري ويجب عليها أن تتحفظ وتتلجم لئلا تلوث المسجد فإن لم يكن صيانته منها خرجت من المسجد لأنه عذر وخروج لحفظ المسجد من نجاستها أشبه الخروج لقضاء الحاجة (فصل) والمتوفى عنها يجب عليها أن تخرج لقضاء العدة، وبهذا قال الشافعي وقال ربيعة ومالك وابن المنذر تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه لأن الاعتكاف المنذور واجب والاعتداد في البيت واجب فقد تعارض واجبان فيقدم أسبقهما ولنا أن الاعتداد في بيت زوجها واجب فلزمها الخروج إليه كالجمعة في حق الرجل ودليلهم ينتقض بالخروج إلى الجمعة وسائر الواجبات (مسألة) (ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه فيجوز وعنه له ذلك من غير شرط) اختلفت الرواية عن الامام أحمد في الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة مع عدم الشرط فروي عنه ليس له فعله ذكره الخرقي وهو قول عطاء وعروة ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعنه أن له عيادة المريض وشهود الجنازة ثم يعود إلى معتكفه، نقلها عنه الأثرم ومحمد ابن الحكم وهو قول علي، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن لما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليحضر الجنازة، وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم، رواه الإمام أحمد والاثرم، قال أحمد عاصم بن ضمرة عندي حجة ووجه الأولى ماروي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة

стр. 1650

الإنسان. متفق عليه وعنها أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً! ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، عنها قالت: كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه. رواهما أبو داود، ولأن هذا ليس بواجب فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب له كالمشي في حاجة أخيه ليقضيها فإن تعينت عليه صلاة الجنازة فأمكنه فعلها في المسجد لم يجز الخروج اليها، وإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها، وإن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله فله الخروج لأن هذا واجب متعين فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة (فصل) فأما إن كان تطوعاً فأحب الخروج منه لعيادة مريض أو شهود جنازة جاز لأن كل واحد منهما تطوع فلا يتحتم واحد منهما لكن الأفضل المقام على اعتكافه لأن النبي ﷺ لم يكن يعرج على المريض ولم يكن الاعتكاف واجباً عليه (فصل) فإن شرط فعل ذلك في الاعتكاف فله فعله اوجبا كان الاعتكاف أو تطوعاً وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم وكذلك ماكان مباحاً مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله فعله قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله قال فإن اشترط فنعم قلت له فيبيت في أهله؟ قال إذا كان تطوعاً جاز وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن والعلاء

стр. 1651

ابن زياد والنخعي وقتادة ومنع منه أبو مجاز ومالك والاوزاعي قال مالك لا يكون في الاعتكاف شرط ولنا أنه يجب بعقده فكان الشرط إليه فيه كالوقف ولأن الاعتكاف لا يختص بقدر وإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه وإن قال متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت جاز شرطه (فصل) وإن شرط الوطئ في اعتكافه أو الفرجة أو النزهة أو البيع للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز لأن هذا ينافي الاعتكاف أشبه إذا شرط ترك الإقامة في المسجد ولأن الله تعالى قال (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فاشتراط ذلك كاشتراط المعصية والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف ففي الاعتكاف أولى وسائر ما ذكرنا يشبه ذلك ولا حاجة إليه وإن احتاج إليه فلا يعتكف لأن ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه قال أبو طالب سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياط وغيره قال ما يعجبني أن يعمل قلت أن كان يحتاج قال إن كان يحتاج لا يعتكف (فصل) وللمعتكف صعود سطح المسجد لأنه من جملته ولهذا يمنع الجنب من اللبث فيه وهذا قول

стр. 1652

أبي حنيفة ومالك والشافعي لا نعلم فيه مخالفاً ويجوز أن يبيت فيه (فصل) ورحبة المسجد ليست منه في ظاهر كلام الخرقي هذا ليس للمعتكف الخروج إليها وعن أحمد ما يدل على هذا وروى المروذي أن المعتكف يخرج إلى رحبة المسجد هي من المسجد وجمع القاضي بين الروايتين فقال إن كان عليها حائط وباب فهي كالمسجد لأنها معه وتابعة له وإن لم تكن محوطة لم يثبت لها حكم المسجد فإن خرج إلى منارة خارج المسجد فسد اعتكافه قال أبو الخطاب ويحتمل أن لا يبطل لأن منارة المسجد كالمتصلة به (مسألة) (وله السؤال عن المريض في طريقه ما لم يعرج لأن النبي ﷺ كان يفعله) وروت عائشة ﵂ قالت: أن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة متفق عليه وليس له الوقوف لأن فيه ترك الاعتكاف وله الدخول إلى مسجد يتم اعتكافه فيه لأنه محل للاعتكاف والمكان لا يتعين للاعتكاف بنذره وتعيينه فمع عدم ذلك أولى وقد ذكرنا تفصيل ذلك (مسألة) (فإن خرج لما لا بد منه خروجاً معتاداً لحاجة الإنسان فلا شئ عليه لانه لابد له منه) فلو بطل اعتكافه بخروجه إليه لم يصح لأحد الاعتكاف وقد كان النبي ﷺ يخرج لحاجته وهو معتكف وكذلك خروج المرأة لحيضها لأنها خرجت بإذن الشرع ولا يجب عليها كفارة لأنه خروج لعذر معتاد أشبه الخروج لقضاء الحاجة وحكم النفاس حكم الحيض لأنه في معناه (مسألة) (وإن خرج لغير المعتاد في المتتابع وتطاول خير بين استئنافه وإتمامه مع كفارة يمين وإن فعله في معين قضى وفي الكفارة وجهان) إذا خرج المعتكف لغير المعتاد كالخروج إلى النفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من الفتنة والمرض وعدة الوفاة ونحو ذلك ولم يتطاول فهو على اعتكافه لأنه خروج يسير مباح أو واجب فلم يبطل به الاعتكاف كحاجة الإنسان وإن تطاول ثم زال عذره وكان الاعتكاف تطوعاً فهو مخير إن شاء رجع إلى معتكفه وان شاء لم يرجع لأنه لا يلزم بالشروع وإن كان واجباً رجع إلى معتكفه فبنى على ما مضى من اعتكافه ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون نذر اعتكافاً في أيام غير متتابعة ولا معينة فهذا يلزمه أن يتم ما بقي عليه لكن يبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله ليكون متتابعاً

стр. 1653

ولا كفارة عليه لأنه أتى بالمنذور على وجهه فلم تلزمه كفارة كما لو لم يخرج (الثاني) أن يكون معيناً كشهر رمضان فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين لتركه النذر في وقته وفيه وجه آخر لا كفارة عليه وقد روي ذلك عن أحمد (الثالث) نذر أياماً متتابعة فهو مخير بين البناء والقضاء مع التكفير وبين الاستئناف ولا كفارة عليه لأنه أتى بالمنذور على وجهه فلم تلزمه كفارة كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذي خرج منه وذكر الخرقي مثل هذا قال من نذر أن يصوم شهراً متتابعاً فلم يسمه فمرض في بعضه فإذا عوفي بنى على ما مضى من صيامه وقضى ما تركه وكفر كفارة يمين وإن أحب أتى بشهر متتابع ولا كفارة عليه. وقال أبو الخطاب فيمن ترك الصيام المنذور لعذر فعن أحمد فيه رواية أخرى لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد لأن المنذور كالمشروع ابتداء ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شئ فكذلك المنذور وقال القاضي إن خرج لواجب كجهاد تعين أو شهادة واجبة أو عدة الوفاة فلا كفارة عليه لأنه خروج واجب لحق الله تعالى فلم يجب فيه شئ كالمرأة تخرج لحيضها ونفاسها فيقتضي قوله أن الخروج إذا لم يكن واجباً بل كان مباحاً كخروج من خوف الفتنة ونحوه يوجب الكفارة لأنه خرج لحاجة نفسه خروجاً غير معتاد وظاهر كلام الخرقي وجوب الكفارة لأن النذر كاليمين ومن حلف على فعل شئ فحنث لزمته الكفارة سواء كان لعذر أو لغيره وسواء كانت المخالفة واجبة أو لم يكن وفارق صوم رمضان من حيث إن الفطر لا يوجب كفارة سواء كان لعذر أو لغيره وفارق الحيض فإنه يتكرر ويظن وجوده في زمن النذر فيصير كالخروج لحاجة الانسان (مسألة) (وإن خرج لما له منه بد في المتتابع لزمه استئنافه وإن فعله في معين فعليه الكفارة وفي الاستئناف وجهان) إذا خرج لما له منه بد عامداً بطل اعتكافه إلا أن يشترطه على ما ذكرناه. وإن خرج ناسياً فقال القاضي لا يفسد اعتكافه لأنه فعل المنهي عنه ناسياً فلم تفسد العبادة كالأكل في الصوم وقال ابن عقيل يفسد لأنه ترك الاعتكاف وهو لزوم المسجد والترك يستوي عمده وسهوه كترك النية في الصوم فإن أخرج بعض جسده لم يفسد اعتكافه وإن كان عمدا لأن النبي ﷺ كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف الى عائشة فتغسله وهي حائض متفق عليه (فصل) ويبطل اعتكافه بالخروج وإن قل وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد لا يبطل حتى يكون اكثر من نصف يوم لأن اليسير معفوعنه لأن صفية أتت النبي ﷺ تزوره في معتكفه فلما خرجت لتنقلب خرج معها ليقلبها (١) ولأن اليسير معفو عنه بدليل مالو تأنى في مشيه ولنا أنه خروج من معتكفه لغير حاجة فأبطله كما لو أقام اكثر من نصف يوم وأما خروج النبي ﷺ فيحتمل أنه لم يكن له منه بد لأنه كان ليلاً فلم يأمن عليها ويحتمل أنه فعل ذلك لكو

стр. 1654

اعتكافه تطوعاً له ترك جميعه فكان له ترك بعضه ولذلك تركه لما أراد نساؤه الاعتكاف معه وأما المشي فيختلف فيه طباع الناس وعليه في تغيير مشيه مشقه ولا كذلك هاهنا فإنه لا حاجة به إلى الخروج إذا ثبت ذلك فإنه إن فعله في متتابع لزمه الاستئناف لأنه أمكنه الاتيان بالمنذور على صفته أشبه حالة الابتداء وإن فعله في معين لزمه الكفارة لتركه النذر لغير عذر وفي الاستئناف وجهان (أحدهما) يلزمه كالمتتابع ولأنه كان يلزمه التتابع مع التعين فإن تعذر التعين لزمه التتابع لإمكانه ومن ضرورته الاستئناف (والوجه الثاني) لا يلزمه الاستئناف لأن ما مضى منه قد أدى العبادة فيه أداء صحيحاً فلم تبطل بتركها في غيره كما لو أفطر في أثناء شهر رمضان ولأن التتابع هاهنا حصل ضرورة التعيين مصرح به فإذا لم يكن بد من الإخلال بأحدهما ففيما حصل ضرورة أولى ولان وجوب التتابع من حيث الوقت لامن حيث النذر فالخروج في بعضه لا يبطل ما مضى منه كصوم رمضان إذا أفطر لغير عذر فعلى هذا يقضي ما أفسد فيه حسب ويكفر على كلا الوجهين لأصل الوجهين فيمن نذر صوماً معيناً فأفطرفي بعضه فإن فيه روايتين كالوجهين اللذين ذكرناهما وكذلك الحكم في كل من أفسد اعتكافه بجماع أو غيره فان كان الاعتكاف تطوعاً فلا قضاء عليه لأن التطوع لا يلزم بالشروع فيه في غير الحج والعمرة وقد ذكرنا ذلك (فصل) فإن نذر اعتكاف أيام متتابعة بصوم فأفطر يوما فسد تتابعه ووجب الاستئناف لإخلاله بالإتيان بما نذره على صفته والله أعلم (مسألة) (وإن وطئ المعتكف في الفرج فسد اعتكافه ولا كفارة عليه إلا لترك نذره وقال أبو بكر عليه كفارة يمين وقال القاضي عليه كفارة الظهار) الوطئ في الاعتكاف محرم بالإجماع والأصل فيه قول الله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها) فإن وطئ في الفرج متعمداً أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر ولان الوطئ إذا حرم في العبادة أفسدها كالحج والصوم وإن كان ناسياً أفسده أيضاً وهذا قول أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي لا يفسد لأنها مباشرة لا تفسد الصوم فلا تفسد الاعتكاف

стр. 1655

كالمباشرة فيما دون الفرج ولنا أن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه في إفساده كالخروج من المسجد ولا نعلم أنها لا تفسد الصوم ولأن المباشرة دون الفرج لا تفسد الاعتكاف إلا إذا اقترن بها الإنزال إذا ثبت هذا فلا تجب الكفارة بالوطئ في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقول عطاء والنخعي وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثوري وأهل الشام والاوزاعي ونقل حنبل عن الإمام أحمد أن عليه كفارة وهو قول الحسن والزهري واختيار القاضي لأنها عبادة يفسدها الوطئ بعينه فوجبت الكفارة بالوطئ فيها كالحج وصوم رمضان ولنا أنها عبادة لا تجب بأصل الشرع فلم تجب بإفسادها كفارة كالنوافل، ولأنها عبادة لا يدخل المال في جبرانها فلم تجب الكفارة بافسادها كالصلاة، ولأن وجوب الكفارة إنما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بإيجابها فيبقى على الأصل، وما ذكروه ينتقض بالصلاة وبالصوم في غير رمضان والقياس على الحج لا يصح لأنه مباين لسائر العبادات، ولهذا يمضي في فاسده ويلزم بالشروع فيه، ويجب بالوطئ فيه بدنة بخلاف غيره، ولأنه لو وجبت الكفارة ههنا بالقياس عليه لزم أن تكون بدنة لأن الحكم في الفرع يثبت على صفة الحكم في الاصل إذ كان القياس إنما هو توسعه مجرى الحكم فيصير النص الوارد في الأصل واردا في الفرع فيثبت فيه الحكم الثابت في الأصل بعينه، وأما القياس على الصوم فهو دال على

стр. 1656

نفي الكفارة لأن الصوم كله لا يجب بالوطئ فيه كفارة سوى رمضان، والاعتكاف أشبه بغير رمضان لأنه نافلة لا يجب إلا بالنذر ثم لا يصح قياسه على رمضان أيضاً لان الوطئ فيه إنما أوجب الكفارة لحرمة رمضان، ولذلك تجب على كل من لزمه الإمساك وإن لم يفسد به صوماً واختلف موجبو الكفارة فيها، فقال القاضي تجب كفارة الظهار وهو قول الحسن والزهري، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل قال أبو عبد الله إذا كان نهاراً وجبت عليه الكفارة، قال الشيخ ﵀: ويحتمل أن أبا عبد الله إنما أوجب عليه الكفارة إذا فعل ذلك في رمضان لأنه اعتبر ذلك في النهار لأجل الصوم، ولو كان بمجرد الاعتكاف لما اختص الوجوب بالنهار كما لم يختص الفساد به وحكي عن أبي بكر أن عليه كفارة يمين (قال شيخنا) ولم أر هذا عن أبي بكر في كتاب الشافي ولعل أبا بكر إنما أوجب عليه الكفارة في موضع تضمن لافساد الإخلال بالنذر فوجب لتركه نذره وهي كفارة يمين، وأما في غير ذلك فلا لأن الكفارة إنما تجب بنص أو إجماع أو قياس، وليس ههنا نص ولا إجماع ولا قياس فإن نظير الاعتكاف الصوم، ولا تجب بإفساده كفارة إذا كان تطوعاً ولا منذوراً ما لم يتضمن الإخلال بنذره فتجب به كفارة يمين كذلك ههنا، فأما إن كان منذوراً فأفسده بالوطئ فالحكم فيه كالحكم فيما إذا أفسده بالخروج لما له منه بد لأنه في معناه، وقد ذكرنا ما فيه التفصيل (مسألة) (وإن باشر فيما دون الفرج فأنزل فسد اعتكافه وإلا فلا) إذا كانت المباشرة دون الفرج لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن تغسل رأسه أو تفليه لما ذكرنا

стр. 1657

من حديث عائشة، وإن كانت لشهوة فهي محرمة لقوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) ولقول عائشة ﵂: السنة للمعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، رواه أبو داود، ولأنه لا يأمن افضاءها إلى إفساد الاعتكاف وما أفضى إلى الحرام حرام، فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه وإن لم ينزل لم يفسد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر يفسد في الحالين وهو قول مالك لأنها مباشرة محرمة فأفسدت الاعتكاف كما لو أنزل ولنا أنها مباشرة لا يفسد صوماً ولا حجاً فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة لغير شهوة وفارق التي أنزل بها لأنها تفسد الصوم ولا كفارة عليه إلا على رواية حنبل (فصل) وإن ارتد فسد اعتكافه لقول الله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) ولأنه خرج

стр. 1658

بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف، وإن شرب ما أسكره فسد اعتكافه بخروجه عن كونه من أهل

стр. 1659

المسجد، ومتى أفسد اعتكافه فلا كفارة عليه إلا أن يكون واجباً وقد ذكرناه (مسألة) (ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل القربة واجتناب ما لا يعنيه) يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة ويجتنب مالا يعنيه من الأقوال والأفعال لأن من كثر كلامه كثر سقطه، وفي الحديث " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه " ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشئ من ذلك لأنه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظوراته وعكسه الوطئ ولا بأس بالكلام بمحادثته ومحادثة غيره فان صفية زوج النبي ﷺ قالت كان رسول الله ﷺ معتكفاً فأتيته لأزوره ليلاً فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني (١) وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال النبي ﷺ " على رسلكهما إنها صفية بنت حيي " فقالا سبحان الله يارسول الله قال " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً " أو قال " شيئاً " متفق عليه وقال علي ﵁ أيما رجل معتكف فلا يساب ولا يرفث في الحديث ويأمر أهله بالحاجة أي وهو يمشي ولا يجلس عندهم رواه الإمام أحمد (فصل) ويجتنب المعتكف البيع والشراء الا مالا بد له منه قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول المعتكف لا يبيع ولا يشتري الا مالا بد له منه طعام أو نحو ذلك فأما التجارة والأخذ والعطاء فلا يجوز وقال الشافعي لا بأس أن يبيع ويشتري ويخيط ويتحدث ما لم يكن مأثماً

стр. 1660

ولنا ماروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ نهى عن البيع والشراء في المسجد رواه الترمذي وقال حديث حسن ورأي عمر أن القصير رجلاً يبيع في المسجد فقال يا هذا إن هذا سوق الآخرة فإن أردت البيع فأخرج إلى سوق الدنيا وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففيه أولى فأما الصنعة فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز منها ما يتكسب به ولانه بمنزلة البيع والشراء ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة قميصه ونحوه وقد روى المروذي قال سألت أبا عبد الله عن المعتكف ترى له أن يخيط قال لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل، وقال القاضي لا تجوز الخياطة في المسجد سواء كان محتاجاً إليها أو لم يكن لأن ذلك معيشة وتشغل عن الاعتكاف فأشبه البيع والشراء فيه قال شيخنا: والأولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيراً مثل أن ينشق قميصه فيخيطه أو ينحل شئ يحتاج إلى ربطه فيربطه لأن هذا يسير تدعو الحاجة إليه فجرى مجرى لبس قميصه وعمامته

стр. 1661

(فصل) وليس الصمت من شريعة الإسلام وظاهر الأخبار تحريمه، قال قيس بن مسلم دخل ابو بكر ﵁ على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال مالها لا تتكلم؟ قالوا حجب مصمتة، فقال لها تكلمي هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت. رواه البخاري، وروى أبو داود باسناده عن علي ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ أنه قال " لا صمات يوم إلى الليل " وروي عن النبي ﷺ أنه نهى عن صوم الصمت، فإن نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ولا نعلم فيه مخالفاً لما روى ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا

стр. 1662

يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ " مره فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صيامه " رواه البخاري، ولأنه نذر فعل منهي عنه فلم يلزمه كنذر المباشرة في المسجد، وأن أراد فعله لم يكن له ذلك سواء نذره أو لم ينذره، وقال أبو ثور وابن المنذر له فعله إذا كان أسلم ولنا النهي عنه وظاهره التحريم والأمر بالكلام ومقتضاه الوجوب، وقول ابي بكر الصديق ﵁ أن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، وهذا صريح لم يخالفه أحد من الصحابة فيما علمناه واتباع ذلك أولى (فصل) ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام لأنه استعمال له في غير ما هو له أشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه وقد جاء " لا تناظروا بكتاب الله " قيل معناه لا تتكلم به عند الشئ تراه كأن ترى رجلاً قد جاء في وقته فيقول (وجئت على قدر يا موسى) ونحوه ذكر أبو عبيد نحو هذا المعنى (مسألة) (ولا يستحب له اقراء القرآن والعلم والمناظرة فيه إلا عند الخطاب إذا قصد به الطاعة) أكثر أصحابنا لا يستحبون للمعتكف إقراء القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك مما يتعدى نفعه وهو ظاهر كلام أحمد وقال أبو الحسن الآمدي في استحباب ذلك روايتان. واختار أبو الخطاب أنه مستحب إذا قصد به طاعة الله تعالى لا المباهاة وهذا مذهب الشافعي لأن ذلك أفضل العبادات ونفعه يتعدى فكان أولى من تركه كالصلاة واحتج أصحابنا بأن النبي ﷺ كان يعتكف فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به، ولأن الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد فلم يستحب فيها ذلك كالطواف وما ذكروه يبطل بعيادة المرضى وشهود الجنازة فعلى هذا القول فعله لهذه الأفعال أفضل من الاعتكاف قال المروذي قلت لأبي عبد الله أن رجلاً يقرئ في المسجد وهو يريد أن يعتكف ولعله أن يختم في كل يوم فقال إذا فعل هذا كان لنفسه وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره يقرئ أحب إلي وسئل أيما أحب إليك الاعتكاف أو الخروج إلى عبادان فقال ليس يعدل الجهاد عندي شئ يعني أن الخروج إلى عبادان أفضل من الاعتكاف

стр. 1663

(فصل) ولا بأس أن يتزوج المعتكف ويشهد النكاح في المسجد لأنه عبادة لا تحرم الطيب فلا تحرم النكاح كالصوم ولان النكاح طاعة وحضوره قربة ومدته لا تتطاول فلم يكره كتشميت العاطس ورد السلام (فصل) ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظف لأن النبي ﷺ كان يرجل رأسه وهو معتكف وله أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب وليس ذلك بمستحب قال الامام أحمد لا يعجبني أن يتطيب وذلك لأن الاعتكاف عبادة تختص مكاناً فكان ترك الطيب فيها مشروعاً كالحج وليس ذلك بمحرم لأنه لا يحرم اللباس ولا النكاح أشبه الصوم (فصل) ولا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد ويضع سفرة يسقط عليها ما يقع منه كيلا يتلوث المسجد ويغسل يده في الطست ليفرغ خارج المسجد ولا يجوز أن يخرج ليغسل يده لأن من ذلك بدا وهل يكره تجديد الطهارة في المسجد؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يكره لأن أبا العالية قال حدثني من كان يخدم رسول الله ﷺ قال أما ما حفظت لكم منه أنه كان يتوضأ في المسجد وعن ابن عمر أنه كان يتوضأ في المسجد الحرام على عهد رسول الله ﷺ الرجال والنساء وعن ابن سيرين قال كان أبو بكر وعمر والخلفاء ﵃ يتوضئون في المسجد وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وابن جريج (والثانية) يكره لأنه لا يسلم من أن يبصق في المسجد أو يتمخط والبصاق في المسجد خطيئة ولأنه

стр. 1664

يبل من المسجد مكاناً يمنع المصلين من الصلاة فيه وإن خرج من المسجد للوضوء وكان تجديداً بطل لأنه خروج لما له منه بد وإن كان وضوأ عن حدث لم يبطل لأن الحاجة داعية إليه سواء كان في وقت الصلاة أو قبلها لأنه لا بد من الوضوء للحدث وإنما يتقدم عن وقت الحاجة إليه لمصلحة وهو كونه على وضوء ربما يحتاج إلى صلاة النافلة (فصل) إذا أراد أن يبول في المسجد في طست لم يبح له ذلك لأن المساجد لم تبن لهذا وهو

стр. 1665

مما يقبح ويفحش ويستخف به فوجب صيانة المسجد عنه كما لو أراد أن يبول في أرضه لم يغسله، وإن

стр. 1666

أراد الفصد والحجامة فيه فكذلك ذكره القاضي لأنه أراقة نجاسة في المسجد فأشبه البول فيه، وإن

стр. 1667

دعت إليه حاجة كبيرة خرج من المسجد ففعله، وإن استغنى له الخروج إليه كالمرض الذي يمكن احتماله وقال

стр. 1668

ابن عقيل يحتمل أن يجوز الفصد في المسجد في طست بدليل أن المستحاضة يجوز لها الاعتكاف ويكون

стр. 1669

تحتها شئ يقع فيه الدم، قالت عائشة ﵂: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه

стр. 1670

مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. رواه البخاري والأول أولى والفرق بينهما أن المستحاضة لا يمكنها التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف بخلاف الفصد والله أعلم

стр. 1671

(كتاب المناسك) (مسألة) (يجب الحج والعمرة في العمر مرة واحدة بخمسة شروط) الحج في اللغة القصد وعن الخليل قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه. قال الشاعر: واشهد من عوف حئولا كثيرة * يحجون سب الزبرقان المزعفرا أي يقصدون، والسب العمامة، وفي الحج لغتان الحج والحج بفتح الحاء وكسرها، والحج في الشرع اسم لأفعال مخصوصة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى وهو أحد أركان الإسلام الخمسة والدليل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا * ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) روي عن ابن عباس ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب، وقال الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) وأما السنة فقول النبي ﷺ " بنى الإسلام على خمس شهادة ان لا إله إلا الله " وذكر فيها الحج (فصل) وإنما يجب مرة واحدة في العمر لما روى مسلم بإسناده عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال " يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل أكل عام يارسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ثم قال " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتكم

стр. 1672

فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه " في أخبار سوى هذين كثيرة وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (فصل) وتجب العمرة على من يجب عليه الحج في إحدى الروايتين، يروي ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والثوري والشافعي في أحد قوليه، والرواية الثانية ليست واجبة روى ذلك عن ابن مسعود وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى جابر أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال " لا وإن تعتمروا فهو أفضل " أخرجه الترمذي قال حديث حسن صحيح وعن طلحة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول " الحج جهاد والعمرة تطوع " رواه ابن ماجه ولأنه نسك غير مؤقت فلم يكن واجباً كالطواف المجرد ووجه الأولى قول الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) ومقتضى الأمر الوجوب ثم إنه عطفها على الحج والأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه قال ابن عباس إنها لقرينة الحج في كتاب الله وعن الضبي بن معبد قال أتيت عمر فقلت يا أمير المؤمنين إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما فقال عمر هديت لسنة نبيك ﷺ رواه أبو داود والنسائي وعن ابن رزين أنه أتى النبي ﷺ فقال يارسول الله أن أبي شيخ كبير ولا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال " حج عن أبيك واعتمر " رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وذكره أحمد ثم قال وحديث يرويه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال أوصني قال " تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر " وروى الأثرم باسناده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن وكان في الكتاب " أن العمرة هي الحج الأصغر " ولأنه قول من سمينا من الصحابة لم نعلم لهم مخالفاً إلا ابن مسعود وقد اختلف عنه، وأما حديث جابر فقال الترمذي قال الشافعي هو ضعيف لا تقوم به الحجة وليس في العمرة شئ ثابت بأنها تطوع وقال ابن عبد البر روي ذلك بأسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة ثم نحلمه على المعهود وهو العمرة التي قضوها حين احصروا في الحديبية أو على العمرة التي اعتمروها مع حجتهم مع النبي ﷺ فإنها لم تكن واجبة على من اعتمر أو على ما زاد على العمرة الواحدة وتفارق العمرة الطواف لأن من شرطها الإحرام بخلاف الطواف وليس على أهل مكة عمرة نص عليه أحمد وقال: كان ابن عباس يرى العمرة واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة وإنما عمرتكم طوافكم بالبيت، وبهذا قال عطاء وطاوس، قال عطاء ليس أحد من خلق الله إلا عليه حج وعمرة واجبان لابد منهما لمن استطاع إليهما سبيلاً إلا أهل مكة

стр. 1673

فإن عليهم حجة وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت ووجه ذلك أن ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت وهم يفعلونه فأجزأ عنهم، وحمل القاضي كلام الإمام أحمد على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة لأنه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج، قال الشيخ ﵀ والأمر على ما قلناه (مسألة) (وإنما يجب الحج والعمرة بخمس شروط: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة) لا نعلم في هذا كله خلافاً، أما الصبي والمجنون فلأنهما غير مكلفين لما روى علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل " رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وأما العبد فلا تجب عليه لأنها عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة ويشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة وتضيع حقوق السيد المتعلقة به فلم تجب عليه كالجهاد، وغير المستطيع لا يجب عليه لأن الله تعالى خص المستطيع بالإيجاب عليه، وقال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وأما الكافر فلأنه ليس من أهل العبادات (فصل) وهذه الشروط تنقسم ثلاثة أقسام (منها) ما هو شرط للوجوب والصحة وهما الإسلام والعقل فلا يجب على كافر ولا مجنون، ولا يصح منهما لكونهما ليسا من أهل العبادات، (ومنها) ما هو شرط للوجوب والأجزاء وهو البلوغ والحرية وليس شرطاً للصحة فلو حج الصبي والعبد صح حجهما

стр. 1674

ولم يجزئهما عن حجة الإسلام إن بلغ الصبي أو عتق العبد، قال إبن المنذر: أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بخلافه على أن الصبي إذا حج في حال صغره والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد أن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلاً، كذلك قال ابن عباس وعطاء والحسن والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال الترمذي وقد أجمع أهل العلم عليه. وقال الإمام أحمد ﵀ عن محمد بن كعب القرظي قال رسول الله ﷺ " إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهداً أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج " رواه سعيد في سننه والشافعي في مسنده عن ابن عباس من قوله، ولأن الحج عبادة بدنية فعلها قبل وقت وجوبها فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها كما لو صلى قبل الوقت، أو كما لو صلى ثم بلغ في الوقت (ومنها) ما هو شرط للوجوب وذلك الاستطاعة (مسألة) (إلا أن يبلغ ويعتق في الحج قبل الخروج من عرفة وفي طوافها فيجزئهما) إذا بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فاحرما ووقفا بعرفة فأتما المناسك أجزأهما عن حجة الإسلام بغير خلاف علمناه لأنهما لم يفتهما شئ من أركان الحج ولا فعلا منها شيئاً قبل وجوبه، وإن كان البلوغ والعتق وهما محرمان أجزأهما أيضاً عن حجة الاسلام، كذلك قال ابن عباس وهو مذهب الشافعي واسحاق وهو قول الحسن في العبد، وقال مالك لا يجزئهما اختاره ابن المنذر. وقال أصحاب الرأي لا يجزئ العبد، فأما الصبي فإن جدد إحراماً بعد أن أحتلم قبل الوقوف أجزأه وإلا فلا لأن إحرامهما لم ينعقد واجباً فلا يجزي عن الواجب كما لو بقيا على حالهما ولنا أنه أدرك الوقوف حراً بالغاً فأجزأه كما لو احرم تلك الساعة، قال أحمد وطاوس عن ابن عباس إذا أعتق العبد بعرفة اجزأت عنه حجته، فإن أعتق بجمع لم تجز عنه، وهؤلاء يقولون لاتجزئ ومالك يقوله أيضاً، وكيف لا يجزئه وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجة تاماً وما أعلم أحداً قال لا يجزئه إلا هؤلاء (فصل) والحكم فيما إذا أعتق للعبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من عرفة فعادا إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر كالحكم فيما إذا كانا فيها لأنهما قد أدركا من الوقت ما يجزئ ولو كان لحظة، وإن لم يعودا أو كان ذلك بعد طلوع الفجر من يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الاسلام ويتمان حجهما تطوعا لفوات الوقوف المفروض ولا دم عليهما لانهما حجاً تطوعاً بإحرام صحيح من الميقات فأشبها البالغ الذي يحج تطوعاً، فإن قيل فلم لا قلتم إن الوقوف فعلاه يصير فرضاً كما قلتم في الإحرام الذي أحرم به قبل

стр. 1675

البلوغ إنه يصير بعد بلوغه فرضاً؟ قلنا إنما اعتددنا له بإحرامه الموجود بعد بلوغه وما قبله تطوع لم ينقلب فرضاً ولا اعتد له به الوقوف مثله، فنظير أن يبلغ وهو واقف بعرفة فإنه يعتد له بما أدرك من الوقوف ويصير فرضاً دون ما مضى (فصل) إذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الإتيان بالحج لزمهما ذلك لأن الحج واجب على الفور فلا يجوز تأخيره مع إمكانه كالبالغ الحر وإن فاتهما الحج لزمتهما العمرة عند من أوجبهما لأنها واجبة أمكن فعلها فأشبهت الحج ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا استقر الوجوب عليهما سواء كانا وسرين أو معشرين لأن ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده (فصل) والحكم في الكافر يسلم والمجنون يفيق حكم الصبي يبلغ في جميع ما ذكرنا إلا أن هذين لا يصح منهما إحرام ولو أحرما لم ينعقد إحرامهما لانهما من غير أهل العبادات وحكمهما حكم من لم يحرم (مسألة) (ويحرم الصبي المميز بإذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل ما يعجز عنه من عمله حج الصبي صحيح فإن كان مميزاً أحرم بإذن وليه وإن لم يكن مميزاً أحرم عنه وليه فيصير محرم بذلك وبه قال مالك والشافعي وروي عن عطاء والنخعي وقال أبو حنيفة لا ينعقد إحرام الصبي ولا يصير محرماً بإحرام وليه لأن الإحرام سبب يلزم به حكم فلم يصح من الصبي كالنذر ولنا ماروى ابن عباس قال رفعت امرأة صبياً فقالت يارسول الله ألهذا حج؟ قال " نعم ولك أجر " رواه مسلم وغيره من الأئمة وروي البخاري عن السائب بن يزيد قال حج بي مع النبي ﷺ وأنا ابن سبع سنين، ولأن أبا حنيفة قال يجتنب ما يجتنبه المحرم ومن اجتنب ما يجتنبه المحرم كان إحرامه صحيحاً والنذر لا يجب به شئ بخلاف مسئلتنا والكلام في حج الصبي في فصول أربعة في الإحرام عنه أو منه وفيما يفعله ينفسه أو بغيره وفي حكم جناياته على إحرامه وفيما يلزمه من القضاء والكفارة (الفصل الأول في إحرامه) فإن كان مميزاً أحرم بإذن وليه ولا يصح بغير إذنه لأنه عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد من الصبي بنفسه كالبيع، وإن كان غير مميز فأحرم عنه من له ولاية على ماله كالأب والوصي وأمين الحاكم صح، ومعنى إحرامه عنه انه يعقد له الاحرام فيصح للصبي دون الولي كما يعقد له النكاح فعلى هذا يصح عقد الإحرام عنه سواء كان الولي محرماً أو حلالاً ممن عليه حجة الإسلام أو غيره، فإن أحرمت عنه أمه صح لقول النبي ﷺ " ولك أجر " ولا يضاف الأجر إليها إلا لكونه تبعاً لها في الإحرام، قال الامام أحمد في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه واختاره

стр. 1676

ابن عقيل وقال المال الذي يلزم بالإحرام لا يلزم الصبي وإنما يلزم من أدخله في الإحرام في أحد الوجهين، وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه لأنه لا ولاية للأم على ماله والإحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية كشراء شئ له، فأما غير الأم والولي من الأقارب كالأخ والعم وابنه فيخرج فيهم وجهان بناء على القول في الأم، أما الأجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجهاً واحداً (الفصل الثاني) إن كل ما أمكنه فعله بنفسه لزمه فعله ولا ينوب عنه غيره فيه كالوقوف والمبيت بمزدلفة ونحوهما وما عجز عنه عمله الولي عنه. قال جابر خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجاً ومعنا النساء والصبيان فأحرمنا عن الصبيان، رواه سعيد في سننه ورواه ابن ماجة وفيه فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، ورواه الترمذي قال فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان، قال إبن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي كان ابن عمر يفعل ذلك، وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي واسحاق، وعن ابن عمر أنه كان يحج سبيانه وهم صغار فمن استطاع منهم أن يرمي رمى ومن لم يستطع أن يرمي رمى عنه، وعن أبي إسحاق أن أبا بكر ﵁ طاف بابنه في خرقة، رواهما الأثرم، قال الامام أحمد يرمي عن الصبي أبوه أو وليه، قال القاضي إن أمكنه أن يناول النائب الحصى ناوله وإن لم يمكنه استحب أن يوضع الحصى في يده ثم يؤخذ منه فيرمى عنه وإن وضعها في يد الصغير ورمى بها فجعل يده كالآلة فحسن، ولا يجوز أن يرمي إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه كالحج، وأما الطواف فإنه إن أمكنه المشي مشى وإلا طيف به محمولاً أو راكباً لما ذكرنا من فعل أبي بكر، ولأن الطواف بالكبير محمولاً لعذر يجوز فالصغير أولى، ولا فرق بين أن يكون الحامل له حلالاً أو حراماً ممن أسقط الفرض عن نفسه أو لم يسقطه لأن الطواف للمحمول لا للحامل ولذلك صح أن يطوف راكباً على بعير وإن طيف به محمولاً أو راكباً وهو يقدر على الطواف بنفسه ففيه روايتان نذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى ومتى طاف بالصبي اعتبرت النية من الطائف فإن لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه لأنه لما لم يعتبر النية من الصبي اعتبرت من غيره كما في الإحرام، فإن نوى الطواف عنه وعن الصبي احتمل وقوعه عن نفسه كالحج إذا نوى عنه وعن غيره، واحتمل أن يقع عن الصبي كما لو طاف بكبير ونوى كل واحد عن نفسه لكون المحمول أولى، واحتمل أن يلغو لعدم التعيين لكون الطواف لا يقع عن غير معين وأما الإحرام فإن الصبي يجرد كما يجرد الكبير، وقد روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم قال عطاء يفعل بالصغير كما يفعل بالكبير ويشهد به المناسك كلها إلا أنه لا يصلى عنه

стр. 1677

(الفصل الثالث في محظورات الإحرام) وهي قسمان ما يختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب ومالا يختلف كالصيد وحلق الشعر (فالأول) لا فدية على الصبي فيه لأن عمده خطأ (والثاني) عليه فيه الفدية وإن وطئ أفسد حجه ويمضي في فاسده وفي وجوب القضاء عليه وجهان (أحدهما) لا يجب لئلا تجب عبادة بدنية على غير مكلف (والثاني) يجب لأنه إفساد موجب للبدنة فاوجب القضاء كوطئ البالغ فإن قضى بعد البلوغ بدأ بحجة الإسلام فإن أحرم بالقضاء قبلها انصرف إلى حجة الاسلام وهل تجرئه عن القضاء؟ ينظر فإن كانت الفاسدة قد أدرك فيها شيئاً من الوقوف بعد بلوغه أجزأ عنهما جميعاً وإلا لم يجزئه وكذلك حكم العبد والله أعلم (مسألة) (ونفقة الحج وكفارته في مال وليه وعنه في مال الصبي) أما نفقة الحج فقال القاضي ما زاد على نفقة الحضر فهو في مال الولي لأنه كلفه ذلك عن غير حاجة بالصبي إليه اختاره أبو الخطاب وحكي عن القاضي أنه ذكر في الخلاف أن جميع النفقة على الصبي لأن الحج له فنفقته عليه كالبالغ ولأن له فيه مصلحة بتحصيل الثواب له ويتمرن عليه فصار كأجر المعلم والطبيب والصحيح الأول لأن هذا لا يجب في العمر إلا مرة فلا حاجة الى التمرن عليه ولأنه قد لا يجب فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة إليه (فصل) فإن أغمي على البالغ فأحرم عنه رفيقه لم يصح وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يصير محرماً بإحرام رفيقه عنه استحساناً ولنا أنه بالغ فلم يصر محرماً بإحرام رفيقه كالنائم ولأنه لو أذن في ذلك وأجازه لم يصح فمع عدمه أولى (مسألة) (وليس للعبد الإحرام إلا بإذن سيد ولا للمرأة الإحرام نفلاً إلا بإذن زوجها فإن شرعا فيه بغير إذن فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر وإن كان بإذن لم يجز تحليلهما) وجملته أنه ليس للعبد الإحرام بدون إذن سيده لأنه تفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ما ليس بواجب فإن فعل انعقد إحرامه صحيحاً لأنها عبادة بدنية فأشبهت الصلاة والصوم ولسيده تحليله في أظهر الروايتين اختارها ابن حامد لأن في بقائه عليه تفويتاً لحقه بغير إذنه فلم يلزم ذلك لسيده كالصوم المضر ببدنه (والثانية) ليس له تحليله اختارها أبو بكر لأنه لا يمكن التحلل من تطوع نفسه فلم يملك تحليل عبده والأول أصح وإنما لم يملك تحليل نفسه لأنه التزم التطوع باختياره فنظيره أن يحرم عبده بإذنه، وفي مسئلتنا يفوت حقه الواجب بغير اختياره فأما إن أحرم بإذن سيده لم يكن له تحليله وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة له ذلك لأنه ملكه منافع نفسه فكان له

стр. 1678

الرجوع فيها كالمعير يرجع في العارية ولنا أنه عقد لازم بإذن سيده فلم يكن لسيده فسخه كالنكاح ولا يلزم عليه العارية لأنها ليست لازمة ولو أعاره شيئاً ليرهنه فرهنه لم يكن له الرجوع فيه فإن باعه سيده بعد ما أحرم فحكم مشتريه في تحليله حكم بائعه لأنه اشتراه مسلوب المنفعة أشبه الأمة المزوجة والمستأجرة فإن علم المشتري بذلك فلا خيار له كما لو اشترى معيباً يعلم عيبه وإن لم يعلم فله الفسخ لأنه يتضرر بمضي العبد في حجة لفوات منافعه إلا أن يكون إحرامه بغير إذن سيده ونقول له تحليله فلا فسخ له لأنه يمكنه دفع الضرر عنه ولو أذن له سيده في الإحرام وعلم العبد برجوعه قبل إحرامه فهو كمن لم يؤذن له وإن لم يعلم ففيه وجهان بناء على الوكيل هل ينعزل بالعزل قبل العلم على روايتين (فصل) إذا نذر العبد الحج صح نذره لأنه مكلف فصح نذره كالحر ولسيده منعه من المضي فيه لأنه يفوت حق سيده الواجب فمنع منه كما لو لم ينذر ذكره القاضي وابن حامد وروى عن أحمد أنه قال لا يعجبني منعه من الوفاء به وذلك لما فيه من أداء الواجب فيحتمل أن ذلك على الكراهة لا على التحريم لما ذكرنا، ويحتمل التحريم لأنه واجب فلا يملك منعه منه كسائر الواجبات والأول أولى فإن أعتق لزمه الوفاء به بعد حجة الإسلام فإن أحرم به أولا انصرف إلى حجة الإسلام في الصحيح من المذهب كالحر إذا نذر حجاً (فصل) في جناياته وما جنى على إحرامه لزمه حكمه وحكمه فيما يلزمه حكم الحر المعسر فرضه الصيام وإن تحلل بحصر عدو أو حلله سيده فعليه الصيام لا يتحلل قبل فعله كالحر وليس لسيده أن يحول بينه وبين الصوم نص عليه لأنه صوم واجب أشبه صوم رمضان فإن ملكه السيد هديا وأذن له في اهدائه وقلنا أنه يملكه فهو كالواجب للهدي لا يتحلل إلا به وإن قلنا لا يملكه ففرضه الصيام وإن أذن له سيده في تمتع أو قران فعليه الصيام بدلا عن الهدي الواجب بهما وذكر القاضي أن على سيده تحمل ذلك عنه لأنه بإذنه فكان على من أذن فيه كما لو فعله النائب بإذن المستنيب، قال شيخنا وليس بجيد لأن الحج للعبد وهذا من موجباته فيكون عليه كالمرأة إذا حجت بإذن زوجها ويفارق من يحج عن غيره فإن الحج للمستنيب فموجبه عليه وإن تمتع أو قارن بغير إذن سيده فالصيام عليه بغير خلاف وإن أفسد حجه فعليه أن يصوم لذلك لأنه لا مال هل فهو كالمعسر الحر (فصل) وإن وطئ قبل التحلل الأول فسد نسكه ويلزمه المضي في فاسده كالحر لكن إن كان الإحرام مأذوناً فيه فليس لسيده إخراجه منه لأنه ليس له منعه من صحيحه فلم يملك منعه من

стр. 1679

فاسده وإن كان بغير إذنه فله تحليله منه لأن له تحليله من صحيحه فالفاسد أولى وعليه القضاء سواء كان الإحرام مأذوناً فيه أو غير مأذون ويصح القضاء في حال رقه لأنه وجب فيه فصح كالصلاة والصيام ثم إن كان الإحرام الذي أفسده مأذوناً فيه فليس له منعه من قضائه لأن إذنه في الحج الأول أذن في موجبه ومقتضاه ومن موجبه القضاء لما أفسده فإن كان الأول غير مأذون فيه احتمل أن لا يملك منعه من قضائه لأنه واجب وليس للسيد منعه من الواجبات واحتمل أن له منعه منه لأنه يملك منعه من الحج الذي شرع فيه بغير إذنه فكذلك هذا فإن أعتق قبل القضاء فليس له فعله قبل حجة الإسلام لأنها آكد فإن أحرم بالقضاء انصرف إلى حجة الإسلام في الصحيح من المذهب وبقي القضاء في ذمته وإن عتق في أثناء الحجة الفاسدة فأدرك من الوقوف ما يجزئه أجزأه القضاء عن حجة الإسلام لأن المقضي لو كان صحيحاً أجزأه فكذلك قضاؤه فإن أعتق بعد ذلك لم يجزئه لأن المقضي لم يجزئه فكذلك القضاء والمدبر والمعلق عتقه بصفة وأم الولد والمعتق بعضه حكمه حكم القن فيما ذكرناه (فصل) وإن أحرمت المرأة بحج أو عمرة تطوعاً فلزوجها تحليلها ومنعها منه في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي ليس له تحليلها لأن الحج يلزم بالشروع فيه فلم يملك تحليلها منه كالمنذور قال وحكي عن أحمد في امرأة تحلف بالصوم أو بالحج لها أن تصوم بغير إذن زوجها قد ابتليت وابتلي زوجها ولنا أنه تطوع يفوت حق غيرها منه أحرمت بغير إذنه فملك تحليلها كالأمة إذا أحرمت بغير إذن سيدها والمدينة تحرم بغير إذن غريمها على وجه يمنعه إيفاء دينه الحال عليها ولأن العدة تمنع المضي في الإحرام لحق الله عزوجل فحق الآدمي أولى لأن حقه أضيق لشحه وحاجته وكرم الله وغناه وكلام أحمد لا يتناول محل النزاع بل قد خالفه من وجهين (أحدهما) أنه في الصوم وتأثير الصوم في منع حق الزوج يسير لكونه في النهار دون الليل (الثاني) أن الصوم إذا وجب صار كالمنذور والشروع ههنا على وجه غير مشروع فلم يكن له حرمة بالنسبة إلى صاحب الحق (فصل) فإن كانت حجة الإسلام لكن لم تكمل شروطها لعدم الاستطاعة فله منعها من الخروج إليها والتلبس بها لأنها غير واجبة عليها فإن أحرمت بها بغير إذن لم يملك تحليلها لأن ما أحرمت به يقع عن حجة الإسلام الواجبة بأصل الشرع كالمريض إذا تكلف حضور الجمعة ويحتمل

стр. 1680

أن له تحليلها لفقدان شرطها فأشبهت الأمة والصغيرة فإنه لما فقدت الحرية والبلوغ ملك منعها ولأنها ليست واجبة عليها أشبهت سائر التطوع فأما الخروج إلى حج التطوع والإحرام به فله منعها منه (مسألة) (وليس للرجل منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها إن أحرمت به بغير خلاف حكاه ابن المنذر فإن أذن لها فله الرجوع ما لم تتلبس بالإحرام ومتى قلنا له تحليلها فحللها فحكمها حكم المحصر يلزمها الهدي أو الصوم إن لم تجده كسائر المحصرين) ليس للزوج منع امرأته من المضي إلى الحج الواجب عليها إذا كملت شروطه وكان لها محرم يخرج معها لأنه واجب وليس له منعها من الواجبات كالصوم والصلاة وهذا قول النخعي واسحاق وأصحاب الرأي وهو الصحيح من قولي الشافعي وله قول آخر أن له منعها بناء على أن الحج على التراخي ووجه ذلك ما تقدم ويستحب لها استئذانه نص عليه فإن أذن لها وإلا خرجت بغير إذنه (فصل) ولا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة نص عليه ولها الخروج إذا كانت مبتوتة لأن المبيت ولزوم منزلها واجب في عدة الوفاة دون لمبتوتة فإنه لا يجب عليها ذلك وقدم على الحج لأنه يفوت وأما الرجعية فحكمها حكم الزوجة فإن خرجت للحج فتوفي زوجها في الطريق فسنذكر ذلك في العدد إن شاء الله تعالى والله أعلم وإن تكمل شروطه فله منعها من المضي إليه والشروع فيه لأنه يفوت حقه بما ليس بواجب عليها فملك منعها منه كصوم التطوع (فصل) فإن أحرمت بالحج الواجب عليها لم يكن له منعها، وكذلك إن أحرمت بالعمرة الواجبة ولا تحليلها إذا أحرمت في قول أكثر أهل العلم منهم النخعي واسحاق وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، وقال في الآخر له منعها لأن الحج عنده على التراخي فلا يتعين في هذا العام والصحيح الأول لأن الحج الواجب يتعين بالشروع فيه فصار كالصلاة إذا أحرمت بها في أول وقتها وقضاء رمضان إذا شرعت فيه، ولأن حق الزوج مستمر على الدوام فلو ملك منعها في هذا العام ملكه في كل عام فيفضي إلى إسقاط أحد أركان الإسلام (فصل) فإن أحرمت بواجب فحلف عليها زوجها بالطلاق الثلاث أن لا تحج العام فليس لها أن تحل لأن الطلاق مباح وليس لها ترك الفضيلة لاجله، ونقل مهنا عن أحمد أنه سئل عن هذه المسألة فقال قال عطاء الطلاق هلاك وهي بمنزلة المحصر فاحتج بقول عطاء فلعله ذهب إليه لأن ضرر الطلاق عظيم لما فيه من خروجها من بيتها ومفارقة زوجها وولدها، وقد يكون ذلك أعظم من ذهاب مالها، ولذلك سماه عطاء هلاكاً، ولأنه لو منعها عدو من الحج إلا أن تدفع إليه مالها كان ذلك حصراً فهذا أولى

стр. 1681

(فصل) وليس للوالد منع ولده من حج الفرض والنذر ولا تحليله من إحرامه وليس للولد طاعته في تركه لأن النبي ﷺ قال " لاطاعة لمخلوق في معصية الله تعالى " فأما التطوع فله منعه من الخروج لأن له منعه من الغزو وهو من فروض الكفايات فالتطوع أولى، فإن أحرم بغير إذنه لم يملك تحليله لأنه وجب بالدخول فيه فصار كالواجب ابتداء أو كالنذر (فصل) فإن أحرمت المرأة بحجة النذر بغير إذن فهل لزوجها منعها؟ على روايتين حكاهما القاضي وأبو الحسين (إحداهما) ليس له منعها كحجة الإسلام (والثانية) له منعها لأنه وجب عليها بإيجابها أشبه حج التطوع إذا أحرمت به (فصل) الشرط الخامس الاستطاعة وهي أن يملك زادا وراحلة صالحة لمثله بآلتها لصالحة لمثله، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلاً عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤنته ومؤنة عياله على الدوام الاستطاعة المشترطة لوجوب الحج والعمرة ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد ابن جبير والشافعي واسحاق، قال الترمذي والعلم عليه عند أهل العلم، وقال عكرمة هي الصحة، وقال الضحاك إن كان شاباً فليؤاجر نفسه بأكله وعقبة حتى يقضي نسكه، وعن مالك إن كان يمكنه المشي وعادته سؤال الناس لزمه الحج لأن هذه الاستطاعة في حقه فهو كواجد الزاد والراحلة ولنا أن النبي ﷺ فسر الاستطاعة بالراد والراحلة فوجب الرجوع الى تفسيره فروى الدارقطني بإسناده عن جابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأنس وعائشة ﵃ أن النبي ﷺ سئل ما السبيل؟ قال " الزاد والراحلة " وروى ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يارسول الله ما يوجب الحج؟ قال: " الزاد والراحلة " رواه الترمذي وقال حديث حسن

стр. 1682

وروى الإمام أحمد قال: أنا هشيم عن يونس عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال رجل يارسول الله ما السبيل؟ قال " الزاد والراحلة " ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد وما ذكروه ليس باستطاعة فإنه شاق وإن كان عادة، والاعتبار بعموم الأحوال دون خصوصها كما أن رخص السفر تعم من يشق عليه ومن لا يشق عليه، وكذلك من كان له ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة بالشروط المذكورة لأنه في معنى ملك الزاد والراحلة، ولأن القدرة على ما تحصل به الرقبة في الكفارة كملك الرقبة فكذلك ههنا (فصل) ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه لأنها مسافة قريبة ويمكنه السعي إليها فلزمه كالسعي

стр. 1683

إلى الجمعة، وإن كان ممن لا يمكنه المشي كالشيخ الكبير اعتبر وجود الحمولة في حقه لأنه عاجز عن المشي أشبه البعيد، وأما الزاد فلابد منه فان لم يجد زاداً ولا قدر على كسبه لم يلزمه الحج (فصل) والزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة فإن كان يملكه أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله لزمه شراؤه وإن كانت تجحف بماله لم يلزمه كما قلنا في شراء الماء للوضوء وإذا كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله وإن لم يجده كذلك لزمه حمله وأما الماء وعلف البهائم فسنذكره إن شاء الله تعالى (فصل) ويشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله إما بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه ويجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله فإن كان ممن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط اكتفى بذلك وإن كان ممن لم تجر عادته بذلك أو يخشى السقوط عنهما اعتبر وجود محمل وما أشبهه ممن لا يخشى سقوطه عنه ولا مشقة فيه لأن اعتبار الراحلة في حق القادر على المشي إنما كان لدفع المشقة فيجب أن يعتبر ههنا ما تندفع به المشقة وإن كان ممن لا يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبرت القدرة على من يخدمه لأنه من سبيله

стр. 1684

(فصل) ويعتبر أن يكون هذا فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤنتهم في مضيه ورجوعه لأن النفقة تتعلق بها حقوق الآدميين وهم أحوج وحقهم آكد وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " رواه أبودواد وأن يكون فاضلا عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم ومالا بد منه وإن يكون فاضلاً عن قضاء دينه لأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية ويتعلق به حقوق الآدميين فهو آكد وكذلك منع الزكاة مع تعلق حقوق الفقراء بها وحاجتهم إليها فالحج الذي هو لخالص حق الله تعالى أولى وسواء كان الدين لآدمي معين أو من حقوق الله تعالى كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها وإن احتاج الى النكاح وخاف على نفسه العنت قدم التزويج لأنه واجب عليه ولا غناء به عنه فهو كنفقته وإن لم يخف قدم الحج لأن النكاح تطوع فلا يقدم على الحج الواجب وإن حج من تلزمه هذه الحقوق وضيعها صح حجه لأنها متعلقة بذمته فلا تمنه صحة حجه (فصل) ومن له دار يسكنها أو يسكنها عياله أو يحتاج إلى أجرتها لنفقة نفسه أو عياله أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم تكفهم أو سائمة يحتاجون إليها لم يلزمه الحج لما ذكرنا وإن كان له من ذلك شئ فاضل عن حاجته لزمه بيعه في الحج فإن كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل قدر ما يحتاج به لزمه وإن كانت له كتب يحتاج إليها لم يلزمه بيعها في الحج

стр. 1685

وإلا لزمه وإن كان له بكتاب نسختان يستغنى باحدهما باع الأخرى وإن كان له دين على ملئ باذل له يكفيه في الحج لزمه لأنه قادر وان كان على معسر أو تعذر استيفاؤه لم يلزمه (فصل) فإن تكلف الحج من لا يلزمه وأمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره مثل من يكتسب بصناعة كالخرز أو معاونة من ينفق عليه أو يكتري لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج لقول الله تعالى (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) فقدم ذكر الرجال ولأن فيه مبالغة في طاعة الله وخروجاً من الخلاف وإن كان يسأل الناس كره الحج له لأنه يضيق على الناس ويحصل كلاً عليهم في التزام مالا يلزمه وسئل الإمام أحمد عمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة فقال لا أحب له ذلك هذا يتوكل على أزواد الناس. (مسألة) (ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره بحال) لا يلزمه الحج ببذل غيره له ولا يصير مستطيعاً بذلك سواء كان الباذل قريباً أو أجنبياً، وسواء
следующие страницы →