← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

أيام البيض لا بيضاض ليلها والتقدير أيام الليالي البيض وذكر أبو الحسن التميمي إن الله سبحانه تاب

стр. 1612

على آدم فيها وبيض صحيفته وروى أسامة بن زيد أن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين والخميس

стр. 1613

فسئل عن ذلك فقال " إن أعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس " رواه أبو داود وفي لفظ فأحب

стр. 1614

أن يعرض عملي وانا صائم (مسألة) (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم، روي عن كعب الاحبار والشعبي وميمون بن مهران والشافعي وكرهه مالك وقال: ما رأيت أحداً من أهل الفقه صومها ولم يبلغني ذلك

стр. 1615

عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وإن يلحق برمضان ما ليس منه ولنا ما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله ﷺ " من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، قال أحمد هو من ثلاثة أوجه عن النبي ﷺ ولا يجري مجرى التقديم لرمضان لأن يوم العيد فاصل وروى سعيد بإسناده عن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ " من صام رمضان شهر بعشرة أشهر وصام ستة أيام بعد الفطر وذلك تمام سنة " يعني أن الحسنة بعشر أمثالها فالشهر بعشرة والستة بستين يوماً فذلك سنة كاملة فإن قيل فالحديث لا يدل على فضيلتها لأنه شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه قلنا: إنما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبه بالتبتل لولا ذلك لكان فضلاً عظيماً لاستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة والمراد بالخبر التشبيه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه كما قال ﵇ " من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر " مع ان ذلك لا يكره بل يستحب بغير خلاف وكذلك نهى عبد الله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وقال " من قرأ (قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن " أراد التشبيه بثلث القرآن في الفضل لا في كراهة الزيادة عليه. إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة في أول الشهر أو في آخره لأن الحديث ورد مطلقاً من غير تقييد ولان فضيلتها لكونها تصير مع الشهر عشر السنة والحسنة بعشر أمثالها فيكون كأنه صام السنة كلها فإذا وجد ذلك في كل سنة صار

стр. 1616

كصيام الدهر كله وهذا المعنى يحصل مع التفريق والله أعلم (مسألة) وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين ولا يستحب لمن كان بعرفة صيام هذين اليومين مستحب لما روى أبو قتادة عن النبي ﷺ أنه قال في صيام عرفة " إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده " وقال في صيام عاشوراء " إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " أخرجه مسلم (فصل) يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم هذا قول سعيد بن المسيب والحسن لما روى ابن عباس قال أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وروي عن ابن عباس أنه التاسع وروي أن النبي ﷺ كان يصوم التاسع أخرجه مسلم بمعناه وروى عنه عطاء أنه قال صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود فعلى هذا يستحب صوم التاسع والعاشر نص عليه أحمد وهو قول إسحاق وقال أحمد فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام وإنما يفعل ذلك ليحصل له التاسع والعاشر يقيناً (فصل) واختلف في صوم عاشوراء هل كان واجباً فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجباً وقال هذا قياس المذهب واستدل بأمرين (أحدهما) أن النبي ﷺ أمر من لم يأكل بالصوم والنية في الليل شرط في الواجب

стр. 1617

(والثاني) أنه لم يأمر من أكل بالقضاء ويشهد لهذا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " ان هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر " وهو حديث صحيح وروى عن أحمد أنه كان مفروضاً لما روت عائشة أن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه فلما افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه حديث صحيح وحديث معاوية محمول على أنه أراد ليس هو مكتوباً عليكم الآن، وأما تصحيحه بنية من النهار وترك الأمر بقضائه فيحتمل أن يقول من لم يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه كما قلنا فيمن أسلم وبلغ في اثناء يوم من رمضان على أنه قد روي أبو داود أن أسلم أتت النبي ﷺ فقال " صمتم يومكم هذا؟ " قالوا لا قال " فأتموا يقية يومكم واقضوه " (فصل) فأما يوم عرفة فهو اليوم التاسع من ذي الحجة لا نعلم فيه خلافاً سمي بذلك لأن الوقوف بعرفة فيه وقيل سمي بذلك لأن ابراهيم ﵇ أري في المنام ليلة التروية أنه يؤمر بذبح ابنه فأصبح يومه يتروى هل هذا من الله أو حلم فسمي يرم التروية فلما كانت الليلة الثانية رآه أيضاً فأصبح فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة وهو يوم شريف عظيم وفضله كبير

стр. 1618

(فصل) ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصومه ليتقوى على الدعاء عند أكثر أهل العلم وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه، وقال قتادة لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، وقال عطاء أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف لأن كراهة صومه إنما هي معللة بالضعف عن الدعاء فإذا قوي عليه أو كان في الشتاء لم يضعف فتزول الكراهة ولنا ما روى عن أم الفضل بنت الحارث أن ناساً تماروا بين يديها يوم عرفة في رسول الله ﷺ فقال بعضهم صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره، بعرفات فشربه النبي ﷺ متفق عليه، وقال ابن عمر حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه وأنا لا أصومه ولا أمر به ولا أنهى عنه، قال الترمذي حديث حسن وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة رواه أبو داود لأن الصوم يضعفه ويمنعه من الدعاء في هذا اليوم المعظم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يقصد من كل فج عميق رجاء فضل الله فيه واجابة دعائه فكان تركه أفضل

стр. 1619

(مسألة) (ويستحب صيام عشر ذي الحجة) أيام عشر ذي الحجة كلها شريفة مفضلة يضاعف العمل الصالح فيها ويستحب صومها والاجتهاد في العبادة فيها لما روى ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ " حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال " ما من أيام أحب إلى الله بأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر " أخرجه الترمذي وقال غريب، وروى أبو داود عن بعض أزواج النبي ﷺ قال كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء (مسألة) (وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم) وذلك لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (مسألة) (ويكره إفراد رجب بالصوم) قال أحمد إن صام رجل أفطر فيه يوماً أو أياماً بقدر ما لا يصومه كله وذلك لما روى أحمد بإسناده عن خرشة ابن الحر قال رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وبإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال صوموا منه وأفطروا وعن ابن عباس نحوه، وبإسناده عن أبي بكرة أنه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان فقال ما هذا؟ فقالوا رجب نصومه فقال أجعلتم رجب رمضان فاكفأ السلال وكسر الكيزان قال أحمد من كان يصوم السنة صامه وإلا فلا يصومه متوالياً بل يفطر فيه لاو يشبهه برمضان (مسألة) (ويكره إفراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان إلا أن يوافق عادة) وجملته أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يوافق عادة مثل من يصوم يوماً ويفطر يوماً فيوافق صومه يوم الجمعة أو من عادته صومه أول يوم الشهر أو آخره أو يوم لضعفه ونحو ذلك نص

стр. 1620

عليه أحمد في رواية الأثرم قال قيل لأبي عبد الله صيام يوم الجمعة فذكر حديث النهي أن يفرد ثم قال إلا أن يكون في صيام كان يصومه، أما أن يفرد بفلا قال قلت رجل كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصام الجمعة مفرداً فقال هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة إنما كره أن يتعمد الجمعة، وقال أبو حنيفة ومالك لا يكره إفراد الجمعة لأنه يوم فأشبه سائر الأيام. ولنا ما روى أبو هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده " وقال محمد بن عباد سألت جابراً: انهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال نعم متفق عليهما وعن جويرية بنت الحرث أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال " صمت أمس؟ " قالت لا قال " أتريدين أن تصومي غدا؟ " قال لا قال " فافطري " رواه البخاري وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع وهذا الحديث يدل على أن المكروه افراده لانه نهيه معلل بكونها لم تصم أمس ولا غداً (فصل) ويكره إفراد يوم السبت بالصوم ذكره أصحابنا لما روى عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ أنه قال " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " قال الترذي هذا حديث حسن، وروي أيضاً عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي ﷺ قال لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فان لم يجد أحدكم إلا لحاء من عنب أو عود شجرة فليمضغه " رواه أبو داود قال اسم أخت عبد الله بن بسر هجيمة أو جهيمة، قال الأثرم قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت ينفرد به، فقد جاء فيه حديث الصماء والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية، وإن وافق صوماً لإنسان لم يكره لما قدمناه (فصل) ويكره صيام يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مصحية ولم يروا الهلال إلا أن يوافق صوماً كان يصومه كمن عادته صوم يوم، وفطر يوم أو صوم يوم الخميس، أو صوم آخر يوم من الشهر وشبه ذلك، أو من صام قبل ذلك بأيام فلا بأس بصومه لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صياماً فليصمه " متفق عليه، ويحتمل أن يحرم لقول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ . حديث حسن صحيح

стр. 1621

(فصل) ويكره أفراد يم النيروز والمهرجان بالصوم ذكره أصحابنا لأنهما يومان يعظمها الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت، وعلى قياس هذا كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم يكره إفراده بالصوم لما ذكرنا إلا أن يوافق عادة فلا يكره لما ذكرنا في الفصول المتقدمة (فصل) في الوصال وهو أن لا يفطر بين اليومين أو الأيام بأكل وشرب وهو مكروه في قول أكثر أهل العلم وروى عن ابن الزبير أنه كان يواصل اقتداء برسول الله ﷺ ولنا ما روى ابن عمر قال واصل رسول الله ﷺ في رمضان فواصل الناس فنهى رسول الله ﷺ عن الوصال فقالوا إنك تواصل فقال " إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى " متفق عليه وهذا يقتضي اختصاصه بذلك ومنع إلحاق غيره به وقوله (إني أطعم وأسقى) يحتمل أنه أراد أني أعان على الصيام ويغنيه الله تعالى عن الشراب والطعام بمنزلة من طعم وشرب ويحتمل أنه أراد إني أطعم حقيقة وأسقى حقيقة حملاً للفظ على حقيقته والأول أظهر لوجهين (أحدهما) أنه لو طعم وشرب حقيقة لم يكن مواصلاً وقد أقرهم على قولهم أنك تواصل (والثاني) أنه قد روي أنه قال " إني أظل يطعمني ربي ويسقيني " وهذا يقتضي أنه في النهار ولا يجوز الأكل في النهار له ولا لغيره. إذا ثبت هذا فإن الوصال غير محرم وظاهر قول الشافعي أنه حرام لظاهر النهي ولنا (١) أنه ترك الأكل والشرب المباح فلم يكن محرماً كما لو تركه في حال الفطر فإن قيل فصوم يوم العيد محرم مع كونه تركاً للأكل والشرب المباح قلنا ما حرم ترك الأكل والشرب بنفسه وإنما حرم نية الصوم ولهذا لو تركه من غير نية الصوم لم يكن محرما وأما النهي فإنما أتى به رحمة لهم ورفقا بهم لما فيه من المشقة عليهم كما نهى عبد الله بن عمرو عن صيام النهار وقيام الليل وعن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وقالت عائشة نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم وهذه قرينة صارفة عن التحريم ولهذا لم يفهم منه أصحاب رسول الله ﷺ التحريم بدليل أنهم واصلوا بعده ولو فهموا منه التحريم لما فعلوه قال أبو هريرة نهى رسول الله ﷺ عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوماً ويوماً ثم رأوا الهلال فقال " لو تأخر لزدتكم " كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا متفق عليه فإن واصل إلى السحر جاز لما روى أبو سعيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول " لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر أخرجه البخاري وتجيل الفطر أفضل لما قدمناه

стр. 1622

(فصل) في صوم الدهر روى أبو قتادة قال قيل يارسول الله فكيف بمن صام الدهر؟ قال " لا صام ولا أفطر أو لم يصم ولم يفطر " قال الترمذي هذا حديث حسن وعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال " من صام الدهر ضيقت عليه جهنم " قال الأثرم قيل لأبي عبد الله وفسر مسدد حديث أبي موسى من صام الدهر ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها فضحك وقال من قال هذا؟ وأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ كره ذلك وما فيه من الأحاديث؟ قال أبو الخطاب إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق لأن أحمد قال إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس. وروي نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعي لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم منهم أبو طلحة قيل إنه صام بعد موت النبي ﷺ أربعين سنة قال شيخنا ويقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وأن لم يصم هذه الأيام فإن صامها فقد فعل محرما وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه لأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو " إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ " قال نعم قال " إنك إذا فعلت ذلك هجمت له عينك (١) ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله " وذكر الحديث رواه البخاري. (فصل) ويكره استقبال رمضان باليوم واليومين لقول النبي ﷺ " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صياماً فليصمه " متفق عليه وما وافق من هذا كله عادة فلا بأس لهذا الحديث، وقد دل هذا الحديث بمفهومة على جواز التقدم بأكثر من يومين، وروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال " اذا كان النصف من شعبان فامسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان " وهذا حديث حسن فيحمل الأول على الجواز، وهذا على نفي الفضيلة جمعاً بينهما (مسألة) (ولا يجوز صوم العيدين عن فرض ولا تطوع وإن قصد صيامهما كان عاصياً ولم يجزه عن الفرض) اتفق أهل العلم على أن صوم يومي العيدين محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة وذلك لما روى أبو عبيد مولى إبن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال إن هذين يومين نهى رسول الله (ص) عن صيامهما يوم فطركم من

стр. 1623

صيامكم والآخر يوم تأكلون من نسككم وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين يوم فطر ويوم أضحى متفق عليهما والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه أما صومهما عن النذر المعين ففيه خلاف نذكره في باب النذر إن شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يجوز صيام أيام التشريق تطوعاً وفي صيامها عن الفرض روايتان) وجملة ذلك أن أيام التشريق منهي عن صيامها لما روى نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل " رواه مسلم، وعن عمرو بن العاص أنه قال: هذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها وينهى عن صيامها، قال مالك وهي أيام التشريق رواه أبو داود، ولا يحل صيامها تطوعاً في قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير أنه كان يصومها، وروي نحو ذلك عن ابن عمر والأسود بن يزيد وعن أبي طلحة أنه كان لا يفطر إلا يومي العيدين، والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره، وأما صومها عن الفرض ففيه روايتان (إحداهما) لا يجوز لأنه منهي عن صيامها فأشبهت يومي العيدين (والثانية) يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي أن يصوم وهو حديث صحيح ويقاس عليه سائر المفروض (مسألة) (ومن شرع في صوم أو صلاة تطوعاً استحب له إتمامه ولا يلزمه، فإن أفسده فلا قضاء عليه) لما روى عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا صائمين ثم أفطرا، وقال ابن عمر لا بأس به ما لم يكن نذراً أو قضاء رمضان، وقال ابن عباس إذا صام الرجل تطوعاً ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في صلاة تطوعاً ثم شاء أن يقطعها قطعها، وقال ابن مسعود متى أصبحت تريد الصوم فأنت على خير النظرين، إن شئت صمت وإن شئت أفطرت، هذا قول أحمد والثوري والشافعي واسحاق، وفد روى حنبل عن أحمد إذا أجمع علي الصيام فأوجبه على نفسه فأفطر من غير عذر أعاد ذلك اليوم وهذا محمول على أنه استحب ذلك أو نذره ليكون موافقاً لسائر الروايات عنه، وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك: يلزم بالشروع فيه ولا يخرج منه إلا بعذر فإن خرج قضاه، وعن مالك لا قضاء عليه، واحتج من أوجب القضاء بما روي عن عائشة أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين

стр. 1624

فأهدي لنا حيس فأفطرنا ثم سألنا رسول الله ﷺ فقال " اقضيا يوما مكانه " ولأنها عبادة تلزم بالنذر فلزمت بالشروع فيها كالحج والعمرة ولنا ما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ يوماً فقال " هل عندكم شئ " فقلت لا، قال " فإني صائم " ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي لنا حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قلت يارسول الله: أنه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال " ادنيه أما إني قد أصبحت وأنا صائم " فأكل منه ثم قال " إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها " هذا لفظ رواية النسائي وهو أتم من غيره وروت أم هانئ قالت: دخلت علي رسول الله ﷺ فأتى بشراب فناولنيه فشربت منه ثم قلت يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها " أكنت تقضين شيئاً؟ " قالت لا، قال " فلا يضرك إن كان تطوعاً " رواه سعيد وأبو داود والاثرم، وفي لفظ قالت قلت إني صائمة، فقال رسول الله ﷺ " إن المتطوع أمير نفسه، فإن شئت فصومي، وإن شئت فافطري " ولأن كل صوم لو أتمه كان تطوعاً إذا خرج منه لم يجب قضاؤه كما لو اعتقد أنه من رمضان فبان من شعبان، فأما خبرهم فقال أبو داود لا يثبت، وقال الترمذي فيه مقال وضعفه الجوزجاني وغيره، ثم هو محمول على الاستحباب، إذا ثبت هذا فإنه يستحب له إتمامه، وإن خرج منه استحب قضاؤه للخروج من الخلاف وعملا بالخبر الذي رووه (فصل) وسائر النوافل من الأعمال حكمها حكم الصيام في أنها لا تلزم بالشروع ولا يجب قضاؤها إذا أفسدها إلا الحج والعمرة فإنهما يخالفان سائر العبادات في هذا لتأكد إحرامهما ولا يخرج منهما بافسادهما ولو اعتقد أنهما واجبان ولم يكونا واجبين لم يكن له الخروج منهما، وقد روي عن احمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع، قال الأثرم قلت لأبي عبد الله الرجل يصبح صائماً متطوعاً، أيكون بالخيار؟ والرجل يدخل في الصلاة له أن يقطعها، قال الصلاة أشد أما الصلاة فلا يقطعها، قيل له فإن قطعها قضاها؟ قال إن قضاها فليس فيه اختلاف ومال أبو إسحاق الجوزجاني إلى هذا القول وقال الصلاة ذات إحرام وإحلال فلزمت بالشروع فيها كالحج، وأكثر أصحابنا على أنها لا تلزم أيضاً وهو قول ابن عباس لأن ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة، والحج والعمرة يخالفان غيرهما بما ذكرنا

стр. 1625

(فصل) فان دخل في صوم واجب كقضاء رمضان أو نذر معين، أو مطلق، أو صيام كفارة لم يجز له الخروج منه لأن المتعين وجب الدخول فيه وغير المتعين بدخوله فيه فصار بمنزلة المتعين وهذا لا خلاف فيه بحمد الله (مسألة) (وتطلب ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وليالي الوتر آكدها) ليلة القدر ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة قال الله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر) قيل معناه العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال النبي ﷺ " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " متفق عليه، قيل إنما سميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة، ورزق وبركة، يروي ذلك عن ابن عباس قال الله تعالى (يفرق فيها كل أمر حكيم) وسماها مباركة فقال تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) وهي ليلة القدر بدليل قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر) وقال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) يروى أن جبريل نزل به من بيت العزة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل به على النبي ﷺ نجوماً في ثلاث وعشرين سنة وهي باقية لم ترفع لما روى أبو ذر قال قلت يارسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء أو هي باقية إلى يوم القيامة؟ فقال " باقية إلى يوم القيامة " قلت في رمضان أو في غيره؟ قال " في رمضان " فقلت في العشر الأول أو الثاني أو الآخر؟ فقال " في العشر الآخر " وأكثر أهل العلم على أنها في رمضان وكان ابن مسعود يقول من يقم الحول يصيبها يشير إلى

стр. 1626

أنها في السنة كلها، وفي كتاب الله تعالى ما يبين أنها في رمضان لأن الله تعالى أخبر أنه أنزل القرآن في ليلة القدر وأنه أنزله في رمضان فيجب أن يكون في رمضان لئلا يتناقض الخبران ولأن النبي ﷺ ذكر أنها في رمضان في حديث أبي ذر وقال التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر متفق عليه وقال أبي بن كعب والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا، إذا ثبت هذا فإنه يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان وفي العشر الأواخر آكد وفي ليالي الوتر آكد قال أحمد في العشر الأواخر في الوتر من الليالي لا تخطئ إن شاء الله كذا روي عن النبي ﷺ قال " اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين " وروى سالم عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ " أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر منها " متفق عليه وقالت عائشة كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، وفي لفظ البخاري تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان والأحاديث في ذلك كثيرة صحيحة (مسألة) (وأرجاها ليلة سبع وعشرين) اختلف أهل العلم في أرجى هذا الليالي فقال أبي بن كعب وعبد الله بن عباس هي ليلة سبع

стр. 1627

وعشرين قال زر بن بن حبيش قلت لأبي بن كعب أما علمت أبا المنذر أنها ليلة سبع وعشرين، قال اخبرنا رسول الله ﷺ أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع فعددنا وحفظنا والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو ذر في حديث أن النبي ﷺ لم يقم بهم في رمضان حتى بقي سبع فقام بهم حتى مضى نحو من ثلث الليل ثم قام بهم في ليلة خمس وعشرين حتى مضى نحو من شطر الليل حتى كانت ليلة سبع وعشرين فجمع نساءه وأهله واجتمع الناس قال فقام بهم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور متفق عليه وحكي عن ابن عباس أنه قال: سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرين منها (هي) وروى أبو داود بإسناده عن معاوية عن النبي ﷺ في ليلة القدر قال " ليلة سبع وعشرين " وقيل آكدها ليلة ثلاث وعشرين لأنه روي عن النبي ﷺ إن عبد الله بن أنيس سأله فقال يارسول الله أني أكون ببادية يقال لها الوطأة وإني بحمد الله أصلي بهم فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها في المسجد فأصليها فيه فقال " انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيها وإن أحببت أن تستتم آخر هذا الشهر فافعل وإن أحببت فكف " فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد. رواه أبو داود مختصراً، وقيل آكدها ليلة أربع وعشرين لأنه روي عن النبي

стр. 1628

صلى الله عليه وسلم أنه قال ليلة القدر أول ليلة من السبع الأواخر، وروي عن بعض الصحابة أنه قال: لم نكن نعد عددكم هذا وإنما نعد من آخر الشهر يعني أن السابعة والعشرين هي أول ليلة من السبع الأواخر، وقيل آكدها ليلة إحدى وعشرين لما روى أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه قال " أريت ليلة القدر ثم أنسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر وإني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين " قال فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وكان من جريد النخل فأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله ﷺ يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الماء والطين في جبهته، وفي حديث " في صبيحة إحدى وعشرين " متفق عليه قال الترمذي قد روي أنها ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين وآخر ليلة، وقال أبو قلابة أنها تنتقل في ليالي العشر قال الشافعي كان هذا عندي والله أعلم أن النبي ﷺ كان يجيب على نحو ما يسأل، فعلى هذا كانت في السنة التي رأى أبو سعيد أن النبي ﷺ يسجد في الماء والطين ليلة إحدى وعشرين وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة سبع وعشرين

стр. 1629

وقد ترى علامتها في غير هذه الليالي قال بعض أهل العلم أبهم الله هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في طلبها ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعاً في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليكثروا من الدعاء في اليوم كله وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ورضاه في الطاعات ليجتهدوا في جميعها وأخفى الأجل وقيام الساعة ليجد الناس في العلم حذراً منها (فصل) والمشهور من علامتها ما ذكره أبي بن كعب عن النبي ﷺ أن الشمس تطلع من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها وفي بعض الأحاديث بيضاء مثل الطست وروي عن النبي ﷺ أنها " ليلة بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس من صبيحتها لا شعاع لها " (مسألة) (ويستحب أن يجتهد فيها في الدعاء ويدعو فيها بما روي عن عائشة أنها قالت يارسول الله ان وافقتها بم أدعوا قال " قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " (كتاب الاعتكاف) (وهو لزوم المسجد لطاعة الله) الاعتكاف في اللغة لزوم الشئ وحبس النفس عليه براً كان أو غيره ومنه قوله تعالى (يعكفون على أصنام لهم) قال الخليل عكف يعكف ويعكف وهو في الشرع الإقامة في المسجد لطاعة الله تعالى على صفة نذكرها، وهو قربة وطاعة قال الله تعالى (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين) وقالت عائشة كان

стр. 1630

النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر متفق عليه وروى ابن ماجة في سننه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال في المعتكف " هو يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها " إلا أن الحديث ضعيف فيه فرقد السنجي قال أبو داود لأحمد ﵀ تعرف في فضل الاعتكاف شيئاً؟ قال لا إلا شيئا ضعيفا (مسألة) (وهو سنة إلا أن ينذره فيجب) لا نعلم خلافاً في استحبابه وأنه إذا نذره وجب عليه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضا إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً فيجب عليه ويدل على أنه سنة أن النبي ﷺ فعله وداوم عليه تقربا إلى الله وطلباً لثوابه واعتكف أزواجه بعده ومعه ويدل على أنه غير واجب أن أصحابه لم يعتكفوا ولا أمرهم النبي ﷺ به إلا من أراده وقال ﵇ " من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر " ولو كان واجباً لم يعلقه بالإرادة، وأما إذا نذره فيجب لقول النبي ﷺ " من نذر أن يطع الله فليطعه " وعن عمر أنه قال يارسول الله إني نذرت إن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي ﷺ " أوف بنذرك " رواهما البخاري (فصل) فإن نوى الاعتكاف مدة لم يلزمه فإن شرع فيها فله اتمامها والخروج منها متى شاء،

стр. 1631

وبهذا قال الشافعي وقال مالك: يلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه فعليه قضاؤه، قال ابن عبد البر لا يختلف في ذلك الفقهاء ويلزمه القضاء عند جميع العلماء، قال وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بما روي عن عائشة أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فاستأذنته عائشة فإذن لها فأمرت ببنائها فضرب وسألت حفصة أن يستأذن لها رسول الله ﷺ ففعلت فأمرت ببنائها فضرب، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببنائها فضرب قال فكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح دخل معتكفه، فلما صلى الصبح انصرف فبصر بالأبنية فقال " ما هذا؟ " فقالوا بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ " البر أردتن ما أنا بمعتكف " فرجع فلما أفطر اعتكف عشراً من شوال، متفق على معناه، ولأنها عبادة تتعلق بالمسجد فلزمت بالدخول فيها كالحج وما ذكره ابن عبد البر فليس بشئ، فإن هذا ليس بإجماع ولا يعرف هذا القول عن أحد سواه، وقال الشافعي: كل عمل لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه فخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة، ولم يقم الإجماع على لزوم نافلة بالشروع فيها سوى الحج والعمرة، وإذا كانت العبادات التي لها أصل في الوجوب لا تلزم بالشروع فما ليس له أصل في الوجوب أولى، وقد انعقد الاجماع على أن الإنسان لو نوى الصدقة بمال قدر وشرع في الصدقة به فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقيه وهو نظير للاعتكاف لأنه غير مقدر بالشرع

стр. 1632

فأشبه الصدقة، وما ذكره من الحديث حجة عليه فإن النبي ﷺ ترك اعتكافه ولو كان واجباً ما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب الأبنية له ولم يوجد عذر يمنع فعل الواجب ولا أمرن بالقضاء وقضاء النبي ﷺ لم يكن لوجوبه عليه وإنما فعله تطوعاً لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته فكان فعله لقضائه على سبيل التطوع كما قضى السنة التي فاتته بعد الظهر وقبل الفجر فتركه دليل على عدم وجوبه وقضاؤه لا يدل على الوجوب لأن قضاء السنن مشروع، فإن قيل إنما جاز تركه ولم يؤمر تاركه من النساء بقضائه لتركهن إياه قبل الشروع قلنا فقد سقط الاحتجاج لاتفاقنا على أنه لا يلزم قبل شروعه فيه فلم يكن القضاء دليلاً على الوجوب مع الاتفاق على انتفائه ولا يصح قياسه على الحج والعمرة لأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة، ومشقة شديدة، وانفاق مال كثير، ففي إبطالهما تضييع لماله وإبطال لأعماله الكثيرة، وقد نهينا عن إضاعة المال وإبطال الأعمال، وليس في ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه مال يضيع ولا عمل يبطل، فإن ما مضى من اعتكافه لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل، ولأن النسك يتعلق بالمسجد الحرام على الخصوص والاعتكاف بخلافه (مسألة) (ويصح بغير صوم وعنه لا يصح فعلى هذا لا يصح في ليلة مفردة ولا بعض يوم) ظاهر المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صوم يروي ذلك عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب

стр. 1633

وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس والشافعي واسحاق، وعن أحمد رواية أخرى أن الصوم شرط فيه، قال إذا اعتكف يجب عليه الصوم، يروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وبه قال الزهري وأبو حنيفة ومالك والثوري والليث والحسن بن حي لما روي عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال " لا اعتكاف إلا بصوم " وعن ابن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فقال " اعتكف وصم " رواه أبو داود، ولأنه لبث في مكان مخصوص فلم يكن بمجردة قربة كالوقوف ولنا ما روى عن عمر أنه قال يارسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي ﷺ " أوف بنذرك " رواه البخاري ولو كان الصوم شرطا لما صح اعتكاف الليل لأنه لا صيام فيه ولأنه عبادة تصح في الليل فلم يشترط له الصيام كالصلاة وكسائر العبادات ولأن إيجاب الصوم حكم لا يثبت إلا بالشرع ولم يصح فيه نص ولا إجماع فإن أحاديثهم لا تصح، أما حديث عمر فتفرد به ابن بديل وهو ضعيف قال أبو بكر النيسابوري هذا حديث منكر والصحيح ما رويناه

стр. 1634

أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما وحديث عائشة موقوف عليها ومن رفعة فقد وهم، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب فإن الصوم فيه أفضل وقياسهم ينقلب عليهم فإنه لبث في مكان مخصوص فلم يشترط له الصوم كالوقوف ثم نقول بموجبه فإنه لا يكون قربة بمجرده بل بالنية إذا ثبت هذا فإنه يستحب أن يصوم لأن النبي ﷺ كان يعتكف وهو صائم ولأن المعتكف يستحب له التشاغل بالعبادات والقرب والصوم من أفضلها ويتفرغ به مما يشغله عن العبادات ويخرج به من الخلاف (فصل) وإذا قلنا باشتراط الصوم لم يصح اعتكاف ليلة مفردة ولا بعض يوم ولا ليلة وبعض يوم لأن الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم ويحتمل أن يصح في بعض اليوم إذا صام اليوم كله لأن الصوم المشروط وجد في زمان الاعتكاف ولا يعتبر وجود المشروط في زمن الشرط كله (مسألة) (وليس للمرأة الاعتكاف إلا بإذن زوجها ولا للعبد إلا بإذن سيده) وذلك لان منافعهما مملوكة لغيرهما والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفائها وليس بواجب عليهما بالشرع فكان لهما المنع منه وأم الولد والمدبر كالقن في هذا لأن الملك باق فيهما لهما (مسألة) (فإن شرعا فيه بغير إذن فلهما تحليلهما وإن كان بإذن فلهما تحليلهما إن كان تطوعاً وإلا فلا) إذا اعتكفت الزوجة بغير إذن زوجها أو العبد بغير إذن السيد فلهما منعهما منه وإن كان فرضا لأنه يتضمن تفويت حق غيرهما بغير إذنه فكان لصاحب الحق المنع منه كالغصب وإذا أذن السيد أو الزوج في الاعتكاف ثم أرادا إخراجهما منه بعد شروعهما فيه فلهما ذلك في التطوع وبه قال الشافعي وأبو حنيفة في العبد وقال في الزوجة ليس لزوجها إخراجها لأنها تملك بالتمليك فبالإذن اسقط حقه من منافعها وأذن لها في استيفائها فلم يكن له الرجوع فيها كما لو أذن لها في الحج فأحرمت به بخلاف العبد فإنه لا يملك بالتمليك وقال مالك ليس له تحليلهما لأنهما عقدا على أنفسهما تمليك منافع كانا يملكانها بحق الله تعالى فلم يجز الرجوع فيها كما لو احرما بالحج بإذنهما ولنا أن لهما المنع منه ابتداء فكان لهما المنع منه دواما كالعارية ويخالف الحج فإنه يلزم بالشروع فيه ويجب المضي في فاسده بخلاف الاعتكاف على ما مضى من الاختلاف

стр. 1635

(فصل) وإن كان ما أذنا فيه منذوراً لم يكن لهما تحليلهما منه لأنه يتعين بالشروع فيه ويجب إتمامه فيصير كالحج إذا أحرما به فأما إن نذرا الاعتكاف فأراد السيد والزوج منعهما الدخول فيه فإن كان النذر بإذنهما وكان معيناً لم يملكا منعهما منه لأنه وجب بإذنهما وإن كان النذر المأذون فيه غير معين فشرعا فيه باذنهما لم يملكا منعهما منه لأنه يتعين بالدخول فيه فهو كالمعين بالنذر، وإن كان النذر بإذن وكان غير معين والشروع بغير إذن لم يجز تحليلهما كما لو أذن في الشروع خاصة ويحتمل أن لهما تحليلهما (مسألة) (وللمكاتب أن يحج ويعتكف بغير إذن سيده) سواء كان فرضاً أو تطوعاً لأن السيد لا يستحق منافعه ولا يملك اجباره على الكسب وإنما له دين في ذمته فهو كالحر المدين (مسألة) (ومن بعضه حر إن كان بينهما مهايأة فله أن يعتكف في نوبته بغير إذن سيده) لأن منافعه غير مملوكة لسيده في ذلك الزمن وحكمه في نوبة سيده حكم القن، فإن لم يكن بينهما مهايأة فلسيده منعه لأن له ملكاً في منافعه في جميع الأوقات (فصل) ولا يصح بغير نية لانه عبادة محضة أشبه الصوم، وإن كان فرضاً لزمه نية الفرضية ليتميز عن التطوع، فإن نوى الخروج منه ففيه وجهان (أحدهما) يبطل كما لو قطع نية الصوم (والثاني) لا يبطل لأنها قربة تتعلق بمكان فلا يخرج منها بنية الخروج كالحج (مسألة) (ولا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه إلا المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد إلا مسجد بيتها) لا يجوز للرجل الاعتكاف في غير مسجد لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم لقول الله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص بتحريم

стр. 1636

المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقاً، وفي حديث عائشة قالت: أن كان رسول الله ﷺ ليدخل إلي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة وإذا كان معتكفاً وقوله إلا في مسجد يجمع فيه أي تقام فيه الجماعة، وإنما اشترط ذلك لأن الجماعة واجبة فاعتكف الرجل في مسجد لا تقام فيه يفضي الى أحد أمرين، إما ترك الجماعة الواجبة وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيراً مع إمكان التحرز منه وذلك مناف للاعتكاف إذ هو لزوم الإقامة في المسجد على طاعة الله فعلى هذا يجوز الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة، وروي عن حذيفة وعائشة والزهري ما يدل على هذا، واعتكف أبو قلابة وسعيد بن جبير في مسجد حيهما، وروي عن عائشة والزهري أنه لا يصح إلا في مساجد الجماعات وهو قول الشافعي إذا كانت الجمعة تتخلل اعتكافه لئلا يلتزم الخروج من معتكفه لما يمكنه التحرز من الخروج إليه، وروي عن حذيفة وسعيد بن المسيب لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي، وحكي عن حذيفة أن الاعتكاف لا يصح إلا في أحد المساجد الثلاثة. قال سعيد ثنا مغيرة عن إبراهيم قال: دخل حذيفة مسجد الكوفة فإذا هو بأبنية مضروبة فسأل عنها فقيل قوم معتكفون فانطلق الى ابن مسعود فقال ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار الاشعري؟ فقال عبد الله لعلهم أصابوا واخطأت، وحفظوا ونسيت، فقال حذيفة لقد علمت ما الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد الرسول ﷺ . وقال مالك يصح الاعتكاف في كل مسجد لعموم قوله (وأنتم عاكفون

стр. 1637

في المساجد) وهو قول الشافعي إذا لم تتخلل اعتكافه جمعة ولنا ماروى الدارقطني بإسناده عن الزهري عن عروة وسعيد بن المسيب عن عائشة أن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة وهو ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، وروى سعيد ثنا هشيم أنا جرير عن الضحاك عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ " كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح " ولأن قوله (وأنتم عاكفون في المساجد) يقتضي إباحة الاعتكاف في كل مسجد إلا أنه يقيد بما يقام فيه الجماعة بالأخبار، والمعنى الذي ذكرناه فيبقى على العموم فيما عداه، واشترط الشافعي أن يكون المسجد مما تقام فيه الجمعة وهذا مخالف للأخبار المذكورة والجمعة لا تتكرر فلا يصح قياسها على الجماعة، ولا يصر الخروج إليها كاعتكاف المرأة مدة يتخللها أيام حيضها، ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها لم يجز اعتكاف الرجل فيه عندنا، ويصح عند مالك والشافعي، ومبنى ذلك على أن الجماعة واجبة عندنا فيلزم الخروج إليها وليست واجبة عندهم (فصل) فإن كان اعتكافه في مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز في كل مسجد لعدم المانع، وإن كان تقام فيه في بعض الزمان جاز الاعتكاف فيه في ذلك الزمن دون غيره، وإن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور ومن هو في قرية لا يصلي فيها غيره جاز اعتكافه في

стр. 1638

كل مسجد لأن الجماعة ساقطة عنه أشبه المرأة، ويحتمل أن لا يجوز ذلك للمريض والمعذور لأنه من أهل الجماعة فأشبه من تجب عليه، ولأنه إذا التزم الاعتكاف وكلفه نفسه فينبغي أن يجعله في مكان تصلى فيه الجماعة، ولأن من التزم مالا يلزمه لا يصح بدون شرطه كالمتطوع بالصلاة والأول أولى لأن من لا تجب عليه الجماعة لا يجب عليه الخروج إليها فلا يفوت شرط الاعتكاف، ولو اعتكف اثنان أو أكثر في مسجد لا تقام فيه الجماعة فأقاما الجماعة صح اعتكافهم لأنهما أقاما الجماعة أشبه ما لو أقامها غيرهما (فصل) فأما المرأة فيجوز اعتكافها في كل مسجد لأن الجماعة لا تجب عليها، وبهذا قال الشافعي وليس لها الاعتكاف في بيتها، وقال أبو حنيفة والثوري لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي جعلته للصلاة منه واعتكافها فيها أفضل كصلاتها فيه، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة لأن النبي ﷺ ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه وقال " البر أردتن؟ " ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل ولنا قوله تعالى (وأنتم عاكفون في المساجد) والمراد بها المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد لأنه لم يبن للصلاة فيه وتسميته مسجداً مجاز فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية بدليل جواز لبث الجنب فيه وصار كقوله ﵇ " جعلت لي الأرض مسجداً " ولأن النبي ﷺ حين استأذنه أزواجه في الاعتكاف في المسجد أذن لهن ولو لم يكن موضعاً لاعتكافهن لما أذن فيه ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لنبههن عليه ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في

стр. 1639

حق الرجل فيشترط في حق المرأة كالطواف وحديث عائشة قد بينا أنه حجة لنا وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال حيث كثرت ابنيتهن لما رأى من منافستهن فكرهه لهن خشية عليهن من فساد نيتهن ولذلك قال " البر أردتن؟ " منكراً لذلك أي لم تفعلن ذلك تبرراً ولو كان للمعنى الذي ذكروه لأمرهن بالاعتكاف في بيوتهن ولم يأذن لهن في المسجد، وأما الصلاة فلا يصح اعتبار الاعتكاف بها فان صلاة النافلة للرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه بالاتفاق (فصل) وإذا اعتكفت المرأة في المسجد استحب لها أن تستتر بشئ لأن أزواج النبي ﷺ لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربت في المسجد ولأن المسجد يحضره الرجال وخير لهم وللنساء أن لا يرى بعضهم بعضاً وإذا ضربت بناء جعلته في مكان لا يصلي فيه الرجال لئلا تقطع صفوفهم ويضيق عليهم ولا بأس أن يستتر الرجل أيضاً فإن النبي ﷺ أمر ببنائه فضرب ولانه أسترله وأخفى لعمله وروى ابن ماجة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير قال فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة ثم أطلع رأسه فكلم الناس (مسألة) (والأفضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله) إذا كانت الجمعة تتخلل الاعتكاف فالأفضل أن يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة لئلا يحتاج إلى الخروج إليها فيترك الاعتكاف مع إمكان التحرز من ذلك ولأن فيه خروجاً من الخلاف على ما ذكرناه ولأن ثواب الجماعة فيه أكثر (مسألة) (وإذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعله في غيره، ولا كفارة عليه إلا المساجد الثلاثة) وجملة ذلك أنه لا يتعين شئ من المساجد بنذره الاعتكاف أو الصلاة فيه إلا المساجد الثلاثة

стр. 1640

وهي المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى لقول رسول الله ﷺ " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا " متفق عليه ولو تعين غيرها بتعيينه لزمه المضي إليه واحتاج لشد الرحل لقضاء نذره فيه ولأن الله تعالى لم يعين لعبادته مكاناً فلم يتعين بتعيين غيره وإنما تعينت هذه المساجد للخبر الوارد فيها ولأن العبادة فيها أفضل فإذا عين ما فيه فضيلة لزمته كأنواع العبادة ولهذا قال الشافعي في صحيح قوليه وقال في الآخر لا يتعين المسجد الأقصى لأن النبي ﷺ قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " رواه مسلم، وهذا يدل على التسوية فيما عدا هذين المسجدين لأن المسجد الأقصى لو فضلت الصلاة فيه على غيره يلزم أحد أمرين إما خروجه من عموم هذا الحديث وإما كون فضيلته بألف مختصاً بالمسجد الأقصى ولنا أنه من المساجد التي تشد الرحال إليها فتعين بالتعيين في النذر كالآخرين وما ذكره لا يلزم فإنه إذا فضل الفاضل بألف فقد فضل المفضول بها أيضاً (مسألة) (وأفضلها المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم المسجد الأقصى) وقال قوم مسجد النبي ﷺ أفضل من المسجد الحرام لأن النبي (ص) إنما دفن في خير البقاع وقد نقله الله تعالى من مكة إلى المدينة فدل على أنها أفضل ولنا قوله ﵇ (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " وروى ابن ماجة بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال (صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه فيدخل في عمومه مسجد النبي ﷺ (مسألة) (فإن نذره في الأفضل لم يكن له فعله في غيره وإن نذره في غيره فله فعله فيه) إذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لزمه ولم يكن له الاعتكاف فيما سواه لان عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فسأل النبي ﷺ فقال (أوف بنذرك) متفق عليه وإن نذر أن يعتكف في مسجد النبي ﷺ جاز أن يعتكف في المسجد الحرام لأنه أفضل ولم يجز له أن يعتكف في المسجد الأقصى لأن مسجد النبي ﷺ أفضل منه فلم يجز له تفويت فضيلته وإن نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى جاز له أن يعتكف في المسجدين الآخرين لأنهما أفضل منه وروى الإمام أحمد في مسنده عن رجال من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ يوم الفتح والنبي ﷺ في مجلس قريباً من المقام فسلم على النبي ﷺ ثم قال يا نبي الله: إني نذرت إن فتح الله للنبي ﷺ والمؤمنين مكة لأصلين في بيت المقدس وإني وجدت رجلا من أهل الشام ههنا في قريش مقبلاً معي ومدبراً، فقال النبي ﷺ " ههنا فصل "

стр. 1641

فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات كل ذلك يقول النبي ﷺ " ههنا فصل " ثم قال الرابعة مقالته هذه، فقال النبي ﷺ " اذهب فصل فيه، فو الذي بعث محمدا بالحق لو صليت ههنا لقضي عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس " (فصل) وإن نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد فدخل فيه ثم انهدم معتكفه ولم يمكن المقام فيه لزم إتمام الاعتكاف في غيره ولم يبطل اعتكافه (مسألة) (وإن نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه) إذا عين بنذره زمناً تعين لأن الله تعالى عين للعبادة زمناً فتعين بتعيين العبد ويلزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه وهذا قول مالك والشافعي، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى انه يدخل في معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله وهو قول الليث وزفر لأن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه، متفق عليه، ولأن الله تعالى قال (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ولا يلزم الصوم إلا من قبل طلوع الفجر، ولأن الصوم شرط في الاعتكاف فلم يجب ابتداؤه قبل شرطه ولنا أنه نذر الشهر وأوله غروب الشمس بدليل حل الديون المعلقة به ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به فوجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر فإنه لا يمكن إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كامساك جزء من الليل في الصوم، وأما الصوم فمحله النهار فلا يدخل فيه شئ من الليل في أثنائه ولا ابتدائه الا ما حصل ضرورة بخلاف الاعتكاف وأما الحديث فقال ابن عبد البر لا أعلم أحداً من الفقهاء قال به على أن الخبر إنما هو في التطوع فمتى شاء دخل، وفي مسألتنا نذر شهراً فيلزمه اعتكاف شهر كامل، ولا يحصل إلا أن يدخل فيه قبل غروب الشمس من أوله ويخرج بعد غروبها من آخره فأشبه ما لو نذر اعتكاف يوم فإنه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره ويخرج بعد غروب شمسه وقوله: إن الاعتكاف لا يصح بغير صوم قد أجبنا عنه فيما مضى (فصل) وإن أحب اعتكاف العشر الأواخر تطوعاً ففيه روايتان (إحداهما) يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين لما روي عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأوسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال " من كان معي فليعتكف العشر الأواخر " متفق عليه ولأن العشر بغير هاء عدد الليالي فإنها عدد المؤنث قال الله تعالى (وليال عشر) وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين

стр. 1642

(والرواية الثانية) يدخل بعد صلاة الصبح قال حنبل قال أحمد أحب إلي أن يدخل قبل الليل ولكن حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه وبهذا قال الأوزاعي واسحاق ووجهه ماروت عمرة عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه متفق عليه وإن نذر اعتكاف العشر ففي وقت دخوله الروايتان (فصل) ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه نص عليه أحمد وروي عن النخعي وأبي مجاز وأبي بكر بن عبد الرحمن والمطلب بن حنطب وأبي قلابة أنهم كانو يستحبون ذلك وروى الأثرم باسناده عن أيوب عن أبي قلابة أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد وكان يعني في اعتكافه لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه كان يجلس كأنه بعض القوم قال فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة ما ظننتها إلا بعض بناته فإذا هي أمة له فأعتقها وغدا كما هو إلى العيد وقال إبراهيم كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد (مسألة) (وإن نذر شهراً مطلقاً لزمه شهر متتابع) إذا نذر اعتكاف شهر مطلق فهل يلزمه التتابع فيه وجهان بناء على الروايتين في نذر الصوم (أحدهما) لا يلزمه وهو مذهب الشافعي لأنه معنى يصح فيه التفريق فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر كالصيام (والثاني) يلزمه التتابع وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال القاضي يلزمه التتابع وجهاً واحداً لأنه معنى يحصل في الليل والنهار فإذا أطلقه اقتضى التتابع كما لو حلف لا يكلم زيداً شهراً وكمدة الإيلاء والعدة وبهذا فارق الصيام فإن أتى بشهر بين هلالين أجزأه ذلك وإن كان ناقصاً وإن اعتكف ثلاثين يوما من شهرين جاز فتدخل فيه الليالي لأن الشهر عبارة عنهما ولا يجزئه أقل من ذلك وإن قال الله تعالى أن اعتكف أيام هذا الشهر أو ليالي هذا الشهر لزمه ما نذر ولم يدخل فيه غيره وكذلك إن قال شهراً في النهار أو في الليل (مسألة) (وإن نذر أياماً معدودة فله تفريقها إلا عند القاضي) إذا قال لله علي أن اعتكف ثلاثين يوماً يلزمه التتابع كما لو نذر شهراً مطلقاً وقال أبو الخطاب لا يلزمه لأن اللفظ يقتضي تناوله والأيام المطلقة توجد بدون التتابع فلا يلزمه كما لو نذر صوم ثلاثين يوماً فعلى قول القاضي تدخل فيه الليالي الداخلة في الأيام المنذورة كما لو نذر شهراً ومن لم يوجب التتابع لا يدخل في الليل فيه إلا أن ينويه فإن نوى التتابع أو شرطه وجب (مسألة) (وإن نذر أياماً أو ليالي متتابعة ما يتخللها من ليل أو نهار)

стр. 1643

متى شرط التتابع في نذره أو نواه دخل الليالي فيه ويلزمه ما بين الأيام من الليالي وإن نذر الليالي لزمه ما بينها من الأيام حسب وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه من الليالي بعدد الأيام إذا كان على وجه الجمع أو التثنية يدخل فيه مثله من الليالي والليالي تدخل معها الأيام بدليل قوله تعالى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) وقال في موضع آخر (ثلاثة أيام إلا رمزا) ولنا أن اليوم اسم لبياض النهار والليلة اسم لسواد الليل والتثنية والجمع تكرار الواحد وإنما تدخل الليالي تبعاً لوجوب التتابع ضمناً وهذا يحصل مابين الأيام خاصة فاكتفى به وأما الآية فإن الله تعالى نص على الليل في موضع والنهار في موضع فصار منصوصاً عليهما فعلى هذا إن نذر اعتكاف يومين متتابعين لزمه يومان وليلة بينهما وإن نذر اعتكاف يومين مطلقاً فكذلك عند القاضي وكذلك لو نذر اعتكاف ليلتين لزمه اليوم الذي بينهما عند القاضي وعند أبي الخطاب لا يلزمه ما بينهما إلا بلفظ أو بنية ويتخرج أنه إذا نذر اعتكاف يومين متتابعين أن لا تلزمه الليلة التي بينهما كالليلة التي قبلهما وكذلك إذا نذر اعتكاف ليلتين لا يلزمه اليوم الذي بينهما كاليوم الذي قبلهما اختاره الشيخ أبو حكيم (فصل) وإن نذر اعتكاف يوم لزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس، وقال مالك يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم كقولنا في الشهر لأن الليل يتبع النهار بدليل ما لو كان متتابعاً ولنا أن الليلة ليست من اليوم وهي من الشهر قال الخليل اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وإنما دخل الليل في المتتابع ضمنا ولهذا خصصناه بما بين الأيام وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس ويخرج منه بعد طلوع الفجر وليس له تفريق الاعتكاف وظاهر كلام الشافعي جواز التفريق قياساً على الشهر ولنا أن إطلاق اليوم يفهم منه التتابع فلزمه كما لو قال متتابعان وفارق الشهر فإنه اسم لما بين هلالين واسم لثلاثين يوماً واليوم لا يقع في الظاهر إلا على ما ذكرنا وإن قال في وسط النهار لله علي أن اعتكف يوما من وقتي هذا، لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله ويدخل فيه الليل لأنه في خلل نذره فصار كما لو نذر يومين متتابعين وإنما لزمه بعض يومين لتعيينه ذلك بنذره فعلمنا أنه أراد ذلك ولم يرد يوماً صحيحاً (فصل) وإن نذر اعتكافاً مطلقاً لزمه ما يسمى به معتكفاً ولو ساعة من ليل أو نهار إلا على قولنا بوجوب الصوم في الاعتكاف فيلزمه يوم كامل فأما اللحظة ومالا يسمى به معتكفاً فلا يجزئه على الروايتين جميعاً (فصل) إذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان صح نذره فإن ذلك ممكن فإن قدم في بعض النهار

стр. 1644

لزمه اعتكاف الباقي منه ولم يلزمه قضاء ما فات لأنه فات قبل شرط الوجوب فلم يجب كما لو نذر اعتكاف زمن ماض لكن إن قلنا شرط صحة الاعتكاف الصوم لزمه قضاء يوم كامل لأنه لا يمكنه أن يأتي بالاعتكاف في الصوم فيما بقي من النهار ولا قضاؤه مميزاً مما قبله فلزمه يوم كامل ضرورة كما لو نذر صوم يوم يقدم فلان ويحتمل أن يجزئه اعتكاف ما بقي منه إذا كان صائماً لأنه قد وجد اعتكاف مع الصوم وإن قدم ليلاً لم يلزمه شئ لأن ما التزمه بالنذر لم يوجد فإن كان للناذر عذر يمنعه الاعتكاف عند قدوم فلان من حبس أو مرض قضى أو كفر لفوات النذر في وقته ويقضي بقية اليوم فقط لأنه الذي كان يلزم في الأداء على الرواية المنصورة وفي الأخرى يقضي يوماً كاملاً بناء على اشتراط الصوم في الاعتكاف (فصل) قال الشيخ ﵀ ولا يجوز للمعتكف الخروج إلا لما لابد له منه كحاجة الإنسان والطهارة والجمعة والنفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من فتنة أو مرض والحيض والنفاس وعدة الوفاة ونحوه. وجملته أنه ليس للمعتكف الخروج من معتكفه الا لما لابد منه قالت عائشة ﵂ وعن أبيها: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لابد منه. رواه أبو داود وقالت أيضاً: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. متفق عليه ولا خلاف في أن له الخروج لما لابد منه قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ولأن هذا لا يمكن فعله في المسجد ولو بطل الاعتكاف بالخروج إليه لم يصح لأحد اعتكاف ولأن النبي ﷺ كان يعتكف وقد علمنا أنه كان يخرج لقضاء حاجته والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط كني بذلك عنهما لأن كل إنسان يحتاج إلى فعلهما وفي معناه الحاجة إلى المأكول

стр. 1645

والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه عند الحاجة إليه وان بغته القئ فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد وكل مالا بد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه ولا يفسد اعتكافه وهو عليه ما لم يطل وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه فيحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة ولا يبطل اعتكافه به، وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي فيمن نذر اعتكافاً متتابعاً فخرج منه لصلاة الجمعة بطل اعتكافه وعليه الاستئناف لأنه أمكنه فرضه بحيث لا يخرج منه فبطل بالخروج كالمكفر إذا ابتدأ صوم الشهرين المتتابعين في شعبان أو ذي الحجة ولنا أنه خرج لواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء العدة، وكالخارج لانقاذ غريق وإطفاء حريق وأداء شهادة تعينت عليه، ولأنه إذا نذر أياماً فيها جمعة فكأنه استثنى الجمعة بلفظه ثم يبطل بما إذا نذرت المرأة أياما فيها عادة حيضها فإنه يصح مع إمكان فرضها في غيرها والأصل ممنوع. إذا ثبت هذا فإنه إذا خرج لواجب فهو على اعتكافه ما لم يطل لأنه خروج لابد منه أشبه الخروج لحاجة الإنسان، فإن كان خروجه لصلاة الجمعة فله أن يتعجل. قال الامام أحمد: أرجو أن يكون له لأنه خروج جائز فجاز تعجيله كالخروج لحاجة الإنسان، فإذا صلى الجمعة فأحب أن يعتكف في الجامع فله ذلك لأنه محل للاعتكاف والمكان لا يتعين للاعتكاف بتعيينه فمع عدم ذلك أولى. وإن

стр. 1646

أحب الرجوع إلى معتكفه فله ذلك كما لو خرج إلى غير الجمعة. قال بعض أصحابنا: يستحب له الإسراع إلى معتكفه، وقال أبو داود قلت لأحمد يركع يعني المعتكف يوم الجمعة بعد الصلاة في المسجد؟ قال نعم بقدر ما كان يركع (قال شيخنا) ﵀ ويحتمل أن تكون الخيرة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره لأنه في مكان يصلح للاعتكاف فأشبه مالو نوى الاعتكاف فيه، فأما إن خرج ابتداء إلى مسجد آخر أو إلى الجامع من غير حاجة، أو كان المسجد أبعد من موضع حاجته فمضى إليه لم يجز له ذلك لأنه خروج لغير حاجة أشبه مالو خرج لغير المسجد، فإن كان المسجدان متصلاقين يخرج من أحدهما فيصير في الآخر فله الانتقال من أحدهما إلى الآخر لأنهما كمسجد واحد ينتقل من إحدى زاويتيه إلى الأخرى، وإن كان يمشي بينهما في غيرهما لم يجز له الخروج: وإن قرب لأنه خروج من المسجد لغير حاجة (فصل) وإذا خرج لما لابد منه فليس عليه أن يتعجل في مشيه لكن يمشي على حسب عادته لأن عليه مشقة في إلزامه غير ذلك فليس له الإقامة بعد قضاء حاجته لأكل ولا لغيره، وقال ابن حامد يجوز أن يأكل اليسير في بيته كاللقمة والثنتين ولا يأكل جميع أكله، وقال القاضي: يتوجه أن له الاكل في بيته والخروج إليه ابتداء لأن الأكل في المسجد دناءة وقد يخفي جنس قوته عن الناس، وقد يكون في المسجد غيره فيستحي منه أن يأكل دونه وإن أطعمه لم يكفهما

стр. 1647

ولنا أن النبي ﷺ كان لايدخل البيت إلا لحاجة الإنسان وهذا كناية عن الحدث، ولأنه خروج لما له منه بد، ولبث في غير معتكفه لما له منه بد فأبطل الاعتكاف كمحادثة أهله وما ذكره القاضي ليس بعذر يبيح الخروج ولا الإقامة، ولو ساغ ذلك لساغ الخروج للنوم وأشباهه (فصل) وإن خرج لحاجة الإنسان وبقرب المسجد سقاية أقرب من منزله لا يحتشم من دخولها ويمكنه التنظف فيها لم يكن له المضي إلى منزله لأن له من ذلك بدا، وإن كان يحتشم من دخولها أو فيه نقيصة عليه أو مخالفة لعادته أو لا يمكنه التنظف فيها فله المضي إلى منزله لما عليه من المشقة في ترك المروءة، وكذلك إن كان له منزلان أحدهما أقرب من الآخر يمكنه الوضوء في الأقرب بلا ضرر فليس له قصد الأبعد، وإن بذل له صديقه أو غيره الوضوء في منزله القريب لم يلزمه لما عليه من المشقة بترك المروءة والاحتشام من صاحبه، قال المروذي سألت أبا عبد الله عن الاعتكاف في المسجد الكبير أعجب إليك أو مسجد الحي؟ قال: المسجد الكبير وأرخص لي أن أعتكف في غيره، قلت فأين ترى أن أعتكف في هذا الجانب، أو في ذلك الجانب؟ قال في ذاك الجانب هو أصلح من أجل السقاية، قلت فمن اعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج الى الشط يتهيأ؟ قال إذا كان له حاجة لابد له من ذلك قلت يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد (فصل) وإذا احتيج إليه في النفير إذا عم أو حضر عدو يخافون كلبه واحتيج إلى خروج

стр. 1648

المعتكف لزمه الخروج لأنه واجب متعين فكان عليه الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة، وكذلك الشهادة الواجبة عليه لما ذكرنا، وإن وقعت فتنة خاف منها على نفسه إذا قام في المسجد أو على ماله، أو خاف نهباً أو حريقاً فله ترك الاعتكاف والخروج لأن هذا مما أباح الله تعالى لأجله ترك الواجب بأصل الشرع وهو الجمعة فأولى أن يباح لأجله ترك ما اوجبه على نفسه، وكذلك إن تعذر عليه المقام في المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه كالقيام المتدارك أو سلس البول، أو الإغماء، أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش فله الخروج، وإن كان المرض خفيفاً كالصداع، ووجع الضرس ونحوه فليس له الخروج، فإن خرج بطل اعتكافه لأنه خروج لما له منه بد (فصل) وإن حاضت المعتكفة أو نفست وجب عليها الخروج من المسجد بغير خلاف لأنه حدث يمنع اللبث في المسجد، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود، والنفاس في معنى الحيض فثبت فيه حكمه، قال الخرقي تخرج من المسجد وتضرب خباء في الرحبة هذا إن كان للمسجد رحبة فإن لم يكن رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت عادت فأتمت اعتكافها وقضت ما فاتها ولا كفارة عليها لأنه خروج معتاد أشبه الخروج للجمعة، وإن كان للمسجد رحبة خارجة من المسجد يمكن ضرب خبائها فيه ضربت خباءها فيه مدة حيضها وهو قول أبي قلابة، وقال النخعي تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الأيام، وإن دخلت بيتاً أو سقفاً استأنفت، وقال الزهري وعمرو بن دينار وربيعة ومالك ترجع إلى منزلها لأنه وجب عليها الخروج من المسجد فلم تلزمها الإقامة في رحبته كالخارجة لعدة أو خوف فتنة ووجه قول الخرقي ماروى المقدام بن شريح عن عائشة ﵂ قالت: كن معتكفات إذا حضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد وإن يشربن الأخبية في رحبة المسجد. رواه أبو حفص بإسناده وفارق المعتدة فإن خروجها لتعتد في بيتها وتقيم فيه ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة خروجها لتسلم منها فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالإقامة فيه، قال والظاهر أن إقامتها في الرحبة مستحبة وليس بواجب، وإن لم تقم في الرحبة رجعت إلى منزلها أو غيره ولا شئ عليها إلا القضاء لأيام حيضها لا نعلم فيه خلافا إلا قول إبراهيم وهو تحكم لا دليل عليه (فصل) فأما الاستحاضة فلا تمنع الاعتكاف لكونها لا تمنع الصلاة، وقد قالت عائشة رضي

стр. 1649

الله عنها اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي. أخرجه البخاري ويجب عليها أن تتحفظ وتتلجم لئلا تلوث المسجد فإن لم يكن صيانته منها خرجت من المسجد لأنه عذر وخروج لحفظ المسجد من نجاستها أشبه الخروج لقضاء الحاجة (فصل) والمتوفى عنها يجب عليها أن تخرج لقضاء العدة، وبهذا قال الشافعي وقال ربيعة ومالك وابن المنذر تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه لأن الاعتكاف المنذور واجب والاعتداد في البيت واجب فقد تعارض واجبان فيقدم أسبقهما ولنا أن الاعتداد في بيت زوجها واجب فلزمها الخروج إليه كالجمعة في حق الرجل ودليلهم ينتقض بالخروج إلى الجمعة وسائر الواجبات (مسألة) (ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه فيجوز وعنه له ذلك من غير شرط) اختلفت الرواية عن الامام أحمد في الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة مع عدم الشرط فروي عنه ليس له فعله ذكره الخرقي وهو قول عطاء وعروة ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعنه أن له عيادة المريض وشهود الجنازة ثم يعود إلى معتكفه، نقلها عنه الأثرم ومحمد ابن الحكم وهو قول علي، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن لما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليحضر الجنازة، وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم، رواه الإمام أحمد والاثرم، قال أحمد عاصم بن ضمرة عندي حجة ووجه الأولى ماروي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة

стр. 1650

الإنسان. متفق عليه وعنها أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً! ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، عنها قالت: كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه. رواهما أبو داود، ولأن هذا ليس بواجب فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب له كالمشي في حاجة أخيه ليقضيها فإن تعينت عليه صلاة الجنازة فأمكنه فعلها في المسجد لم يجز الخروج اليها، وإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها، وإن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله فله الخروج لأن هذا واجب متعين فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة (فصل) فأما إن كان تطوعاً فأحب الخروج منه لعيادة مريض أو شهود جنازة جاز لأن كل واحد منهما تطوع فلا يتحتم واحد منهما لكن الأفضل المقام على اعتكافه لأن النبي ﷺ لم يكن يعرج على المريض ولم يكن الاعتكاف واجباً عليه (فصل) فإن شرط فعل ذلك في الاعتكاف فله فعله اوجبا كان الاعتكاف أو تطوعاً وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم وكذلك ماكان مباحاً مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله فعله قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله قال فإن اشترط فنعم قلت له فيبيت في أهله؟ قال إذا كان تطوعاً جاز وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن والعلاء
следующие страницы →