Полный текст (7 422 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
قبل حله من عمرته وعن عطاء قال يستغفر الله
стр. 1927
ولنا ماروي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن امرأة معتمرة وقع عليها زوجها قبل
стр. 1928
أن تقصر قال من ترك من مناسكه شيئاً أو نسيه فليهرق دما قيل إنها موسرة قال فلتنحر ناقة ولأن
стр. 1929
التقصير ليس بركن فلا يفسد النسك بتركه ولا بالوطئ قبله كالرمي في الحج قال أحمد فيمن وقع على امرأته قبل تقصيرها من عمرتها تذبح شاة قيل عليها أو عليه؟ قال عليها هي وهو محمول على أنها
طاوعته فإن أكرهها فالدم عليه وقد ذكر ذلك على ما فيه من الخلاف والله تعالى أعلم
стр. 1930
(مسألة) (ومن كان متمتعاً قطع التلبية إذا وصل إلى البيت) قال أبو عبد الله يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن، وبهذا قال ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون وطاوس والنخعي والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وقال ابن عمر وعروة والحسن يقطعها إذا دخل الحرم، وعن سعيد بن المسيب يقطعها حين يرى عرش مكة، وعن مالك أنه إن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا وصل الحرم وإن أحرم بها من أدنى الحل قطع التلبية حين يرى البيت ولنا ما روى عن ابن عباس ﵄ يرفع الحديث كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر ولم يزل يلبي حتى استلم الحجر ولأن التلبية إجابة إلى العبادة وشعار للإقامة عليها وإنما يتركها إذا شرع فيما ينافيها وهو التحلل منها والتحلل يحصل بالطواف والسعي فإذا شرع في الطواف فقد أخذ في التحلل فينبغي أن يقطع التلبية كالحاج يقطها إذا شرع في رمي جمرة العقبة لحصول التحلل بها وأما قبل ذلك فلم يشرع فيما ينافيها فلا معنى لقطعها والله تعالى أعلم
стр. 1931
(باب صفة الحج) نذكر في هذا الباب صفة الحج بعد حل المتمتع من عمرته والأولى أن نبدأ بذكر حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ونقتصر منه على ما يختص بهذا الباب وقد ذكرنا بعضه متفرقاً في الأبواب المتقدمة وهو صحيح رواه مسلم وغيره بالإسناد عن جابر وذكر الحديث قال " فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي ﷺ الى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقية من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله ﷺ حتى إذا أتى عرفة
فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال " إن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.
إلا أن كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضعه من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن
стр. 1932
بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وقد تركت فيك ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله.
وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس " اللهم اشهد اللهم اشهد " ثلاث مرات ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى " أيها الناس السكينة السكينة " كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد واقامتين ولم يسبح بينها شيئاً ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وكبره وهلله ووحده ولم يزل واقفاً حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول وجهه إلى الشق الآخر
стр. 1933
ينظر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر
حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ماغبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا شرب منه.
قال عطاء كان منزل رسول الله ﷺ بمنى بالخيف (مسألة) (يستحب للمتمتع الذي حل وغيره من المحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة من مكة ومن حيث أحرم من الحرم جاز) سمي يوم التروية بهذا الاسم لأنهم كانوا يتروون من الماء فيه يعدونه ليوم عرفة وقيل سمي بذلك لأن ابراهيم ﵇ رأى ليلته في المنام ذبح ابنه فأصبح يروي في نفسه أهو حلم أم من الله تعالى فسمي يوم التروية فلما كانت ليلة عرفة رأى ذلك أيضاً فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة والله تعالى أعلم والمستحب لمن كان بمكة من المتمتعين الذين حلوا من عمرتهم أو كان مقيماً بمكة من أهلها أو
стр. 1934
من غيرهم وهو حلال أن يحرموا يوم التروية حين يتوجهون إلى منى، وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير واسحاق وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال لأهل مكة: ما لكم يقدم الناس عليكم شعثاً إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج.
وهذا مذهب ابن الزبير وقال مالك من كان بمكة فأحب أن يهل من المسجد لهلال ذي الحجة ولنا قول جابر فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وفي لفظ عن جابر ﵁ قال أمرنا النبي ﷺ لما حللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح حتى إذا كان يوم التروية جعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج رواه مسلم.
وعن عبيد بن جريج أنه قال لابن عمر رأيتك إذا كنت
بمكة أهل الناس ولم تهل أنت حتى يكون يوم التروية فقال عبد الله بن عمر أما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته متفق عليه ولأنه ميقات للاحرام فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم كميقات المكان، وإن أحرم قبل ذلك جاز (فصل) والأفضل أن يحرم من مكة لقول النبي ﷺ في المواقيت " حتى أهل مكة يهلون منها " ومن أيها أحرم جاز للحديث، وإن أحرم خارجاً منها من الحرم جاز لقول جابر فأهللنا من الأبطح ولأن المقصود أن يجمع في النسك بين الحل والحرم وذلك حاصل بإحرامه من جميع الحرم ويستحب أن يفعل عند إحرامه هذا ما يفعله عند الإحرام من الميقات من الغسل والتنظيف ويتجرد عن المخيط ويطوف سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم عقيبهما وممن استحب ذلك عطاء ومجاهد
стр. 1935
وسعيد بن جبير والثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر ولا يسن أن يطوف بعد إحرامه قال ابن عباس ﵁ لا أرى لأهل مكة أن يطوفوا بعد إن يحرموا بالحج ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتى يرجعوا، وهذا مذهب عطاء ومالك واسحاق، وإن طاف بعد إحرامه ثم سعى لم يجزه عن السعي الواجب، وهذا قول مالك وقال الشافعي يجزئه فعله ابن الزبير وهو قول القاسم بن محمد وابن المنذر لأنه سعى في الحج مرة فأجزأه كما لو سعى بعد رجوعه من منى وكما لو سعى بعد طواف القدوم ولنا أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى منى ولو شرع لهم الطواف لم يتفقوا على تركه وقالت عائشة ﵂ خرجنا مع النبي ﷺ فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى (مسألة) (ثم يخرج إلى منى فيبيت فيها) يتسحب أن يخرج محرماً من مكة يوم التروية فيصلي الظهر بمنى ثم يقيم حتى يصلي بها الصلوات الخمس ويبيت بها لأن النبي ﷺ فعل ذلك كما جاء في حديث جابر وهذا قول سفيان ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافاً وليس ذلك واجباً عند الجميع قال إبن المنذر
стр. 1936
ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم وقد تخلفت عائشة ليلة التروية حتى ذهب ثلثا الليل وصلى ابن الزبير بمكة (فصل) فإن صادف يوم التروية يوم جمعة فمن كان مقيماً بمكة حتى زالت الشمس ممن تجب عليه الجمعة لم يخرج حتى يصليها لأن الجمعة فرض والخروج إلى منى في هذا الوقت ليس بفرض فأما قبل الزوال فإن شاء خرج وإن شاء أقام حتى يصلي فقد روي أن ذلك وجد في أيام عمر بن عبد العزيز فخرج إلى منى، وقال عطاء كل من أدركت يصنعونه أدركتهم يجمع بمكة إمامهم ويخطب ومرة لا يجمع ولا يخطب فعلى هذا إذا خرج الإمام أمر من تخلف أن يصلي بالناس الجمعة وقال أحمد ﵀ إذا كان والي مكة بمكة يوم الجمعة يجمع بهم قيل له يركب إلى منى فيجئ إلى مكة يجمع بهم؟ قال لا إذا كان هو بعد بمكة (مسألة) (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة فأقام بنمرة حتى تزول الشمس) يستحب أن يدفع إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة فيقيم بنمرة لما تقدم من حديث جابر وإن شاء أقام بعرفة (مسألة) (ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة ثم ينزل فيصلي بهم الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان واقامتين) إذا زالت الشمس استحب للإمام أن يخطب خطبة يعلم الناس فيها مناسكهم من موضع الوقوف
стр. 1937
ووقته والدفع من عرفات والمبيت بمزدلفة وأخذ الحصى لرمي الجمار لما ذكرنا من حديث جابر أن النبي ﷺ فعل ذلك ثم يأمر بالأذان فينزل فيصلي الظهر والعصر يجمع بينهما ويقيم لكل صلاة إقامة وقال أبو ثور يؤذن المؤذن إذا صعد الإمام المنبر فجلس فإذا فرغ المؤذن قام الإمام فخطب وقيل يؤذن في آخر خطبة الإمام وحديث جابر يدل على أنه أذن بعد فراغ النبي ﷺ من خطبته وكيفما فعل فحسن (فصل) والأولى أن يؤذن للأولى وإن لم يؤذن فلا بأس هكذا قال أحمد لأن كلا مروي عن رسول الله ﷺ والأذان أولى، وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وقال
مالك يؤذن لكل صلاة واتباع السنة أولى من موافقة القياس على سائر المجموعات والفوائت (فصل) والسنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس وأن تقصر الخطبة ثم يروح إلى الموقف لما روي أن سالماً قال للحجاج يوم عرفة إن كنت تريد أن تصيب السنة فقصر الخطبة وعجل الصلاة فقال ابن عمر صدق رواه البخاري ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال والسنة
стр. 1938
التعجيل في ذلك فقد روي سالم أن الحجاج أرسل إلى ابن عمر أي ساعة كان رسول الله ﷺ يروح في هذا اليوم قال إذا كان ذاك رحنا فلما أراد ابن عمر أن يروح قال أزاغت الشمس قالوا لم تزغ فلما قالوا قد زاغت ارتحل رواه أبو داود قال ابن عمر غدا رسول الله ﷺ من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة حتى إذا كان عند الصلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجراً فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة، وقد ذكرنا حديث جابر قال ابن عبد البرهذا كله مما لا خلاف فيه بين علماء المسلمين (فصل) ويجوز الجمع لمن بعرفة من مكي وغيره قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك كل من صلى مع الإمام وذكر أصحابنا أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخاً إلحاقاً له بالقصر والصحيح الأول فإن النبي ﷺ جمع معه من حضر من المكيين وغيرهم فلم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر حين قال " أتموا فإنا سفر " ولو حرم لبينه لهم لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يقر النبي ﷺ على الخطأ وقد كان عثمان ﵁ يتم الصلاة لأنه اتخذ أهلا ولم يترك الجمع وروي نحو ذلك عن ابن الزبير وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة فخرج فجمع بين الصلاتين ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين الخلاف في الجمع بعرفة
стр. 1939
والمزدلفة بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره فألحق فيما أجمعوا عليه فلا يعرج على غيره فأما القصر فلا يجوز لأهل مكة، وبه قال عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال القاسم وسالم ومالك والاوزاعي لهم القصر لأن لهم الجمع فكان لهم القصر كغيرهم
ولنا أنهم في غير سفر بعيد فلم يجز لهم القصر كغير من بعرفة ومزدلفة (١) قيل لأبي عبد الله ﵀ فرجل أقام بمكة ثم خرج إلى الحج قال إن كان لا يريد أن يقيم بمكة إذا رجع صلى ركعتين وذكر فعل ابن عمر قال لأن خروجه إلى منى وعرفة ابتداء سفر فإن عزم على أن يرجع ويقيم بمكة أتم بمنى وعرفة (مسألة) (ثم يروح إلى الموقف وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة.
وهي من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر) يعني إذا صلى الصلاتين صار إلى الموقف بعرفة لما ذكرنا من حديث جابر وابن عمر، ويستحب أن يغتسل للموقف لأن ابن مسعود ﵁ كان يفعله، وروي عن علي ﵁، وبه قال الشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر لأنه مكان يجتمع فيه الناس للعبادة فاستحب له الاغتسال كالعيد والجمعة (فصل) وعرفة كلها موقف لأن النبي ﷺ قال " قد وقفت ههنا وعرفة كلها موقف " رواه أبو داود وابن ماجة وعن يزيد بن شيبان قال: أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة
стр. 1940
في مكان يباعده عمرو عن الإمام فقال إني رسول رسول الله ﷺ إليكم يقول " كونوا على مشاعركم فإنكم على ارث من ارث أبيكم إبراهيم " (فصل) وليس وادي عرنة من الموقف ولا يجزئه الوقوف به قال ابن عبد البر أجمع الفقهاء على أن من وقف به لا يجزئه، وحكي عن مالك أنه يجزئه وعليه دم ولنا قول النبي ﷺ " كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة " رواه ابن ماجه ولأنه لم يقف بعرفة فلم يجزه كما لو وقف بمزدلفة.
وحد عرفة من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي حوائط بني عامر (مسألة) (ويستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة راكباً وقيل الراجل أفضل) المستحب أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة ويستقبل القبلة لما جاء في حديث جابر أن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة والأفضل أن يقف راكباً كما فعل النبي ﷺ حيث وقف على راحلته وقيل الراجل أفضل لأنه أخف على الراحلة
ويحتمل التسوية بينهما.
والوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعاً نذكره إن شاء الله تعالى
стр. 1941
(مسألة) (ويكثر من الدعاء ومن قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير.
اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، ويسر لي أمري) وجملة ذلك أنه يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة فإنه يوم ترجى فيه الإجابة ولذلك أحببنا له الفطر ليتقوى به على الدعاء مع أن صومه بغير عرفة يعدل سنتين، وروى ابن ماجة في سننه قال قالت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال " ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو عزوجل ثم يباهي بكم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء " ويستحب أن يختار المأثور من الأدعية مثل ماروي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " أكثر دعاء الأنبياء قبلي ودعائي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير.
اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ويسر لي أمري " وكان ابن عمر ﵄ يقول: الله اكبر الله أكبر ولله الحمد، الله اكبر الله أكبر ولله الحمد، الله اكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد.
اللهم اهدني بالهدي، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى.
ويرد يديه ويسكت قدر ما كان إنسان قارئاً فاتحة الكتاب ثم يعود فيرفع يديه ويقول مثل ذلك، ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض.
وسئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، فقيل له هذا ثناء وليس بدعاء، فقال أما سمعت قول الشاعر
стр. 1942
أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حباؤك إن شيمتك الحباء إذا أثنى عليك المرء يوماً * كفاه من تعرضه الثناء وروى أن من دعاء النبي ﷺ بعرفة " اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شئ من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل
المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف المستجير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، وفاضت لك عينه، ورغم لك أنفه " وروينا عن سفيان الثوري ﵁ قال سمعت أعرابياً وهو مستلق بعرفة يقول: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفاً، ومن أولى بالعفو عني منك وعلمك في سابق وأمرك بي محيط، أطعتك باذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي وبفقري اليك وغناء عني أن تغفر لي وترحمني، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسئ حتى قضيت علي، اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك شهادة ان لا إله إلا الله، ولم اعصك في أبغض الأشياء اليك الشرك بك، فاغفر لي ما بينهما، اللهم أنت أنس المؤنسين لأوليائك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع على سرائرهم، وسري اللهم لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أصمت علي الهموم لجأت إليك استجارة بك،
стр. 1943
علما بان أزمة الأمور بيديك ومصدرها عن قضائك.
وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: اللهم قد آويتني من ضناي، وبصرتني من عماي، وأنقذتني من جهلي وجفاي، أسألك ما يتم به فوزي، وما أؤمل في عاجل دنياي وديني، ومأمول أجلي ومعادي، ثم مالا أبلغ أداء شكره ولا أنال احصاءه وذكره إلا بتوفيقك والهامك إن هيجت قلبي القاسي على الشخوص إلى حرمك، وقويت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك، ونقلت بدني لإشهادي مواقف حرمك، اقتداء بسنة خليلك، واحتذاء على مثال رسولك، واتباعاً لآثار خيرتك وأنبيائك وأصفيائك صلى الله عليهم، وأدعوك في مواقف الأنبياء ﵈، ومناسك السعداء ومشاهد الشهداء دعاء من أتاك لرحمتك راجياً، وعن وطنه نائياً، ولقضاء نسكه مؤدياً، ولفرائضك قاضياً، ولكتابك تالياً، ولربه عزوجل داعيا ملبيا، ولقبله شاكياً، ولذنبه خاشياً، ولحظة مخطئاً، ولرهنه مغلقاً، ولنفسه ظالماً، ولجرمه عالما.
دعاء من عمت عيوبه وكثرت ذنوبه، وتصرمت أيامه، واشتدت فاقته، وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافراً، ولا لعيبه غيرك مصلحاً، ولا لضعفه غيرك مقوياً، ولا لكسره غيرك جابراً، ولا لمأمول خير
غيرك معطيا، وقد أصبحت في بلد حرام ويوم حرام في شهر حرام في قيام من خير الأنام، أسألك أن لا تجعلني أشقى خلقك المذنبين عندك، ولا أخيب الراجين لديك، ولا أحرم الآملين لرحمتك الزائرين لبيتك، ولا أخسر المنقلبين من بلادك، اللهم وقد كان من تقصيري ما قد عرفت، ومن توبيقي
стр. 1944
نفسي ما قد علمت، ومن مظالمي ما قد أحصيت، فكم من كرب منه قد نجيت، وكم من غم قد جليت، ومن هم قد فرجت، ودعاء قد استجبت، وشدة قد أزلت، ورجاء قد أ؟ لت منك النعماء وحسن القضاء، ومني الجفا وطول الاستقصاء والتقصير عن أداء شكرك لك النعماء يا محمود فلا يمنعك يا محمود من اعطائي مسئلتي من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤلي ما تعرف من تقصيري، وما تعلم من ذنوبي وعيوبي.
اللهم فأدعوك راغباً، وأنصب لك وجهي طالباً، وأضع لك خدي مذنباً راهباً فتقبل دعائي، وارحم ضعفي، وأصلح الفساد من أمري، واقطع من الدنيا همي، واجعل فيما عندك رغبتي اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم، المقبول دعاؤهم، المفلوج حجتهم، المبرور حجهم، المغفور ذنبهم، المحطوط خطاياهم، الممحو سيئاتهم، المرشود أمرهم، منقلب من لا يعصي لك بعده أمراً، ولا يأتي من بعده مأثماً، ولا يركب بعده جهلاً، ولا يحمل بعده وزراً، منقلب من عمرت قلبه بذكرك، ولسانه بشكرك، وطهرت الادناس من بدنه، واستودعت الهدي قلبه، وشرحت بالإسلام صدره، وأقررت بعفوك قبل الممات عينه، وأغضضت عن المآثم بصره، واستشهدت في سبيلك نفسه، يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا كما يحب ربنا ويرضى، ولا حول ولا
стр. 1945
قوة إلا بالله العلي العظيم، ويدعو بما أحب من الدعاء والذكر إلى غروب الشمس (فصل) ووقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، فمن حصل بعرفة في شئ من هذا الوقت وهو عاقل تم حجه لا نعلم خلافاً بين العلماء أن آخر وقت الوقوف طلوع الفجر من يوم النحر، قال جابر ﵁ لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله ﷺ ذلك؟
قال نعم.
رواه الأثرم، وأما أوله فمن طلوع الفجر يوم عرفة، فمتى حصل بعرفة في شئ من هذا
стр. 1946
الوقت وهو عاقل فقد تم حجه، وقال مالك والشافعي أول وقته زوال الشمس يوم عرفة، واختاره أبو حفص العكبري، وحكى ابن عبد البر إجماعاً لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال ولنا قول النبي ﷺ " من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه " ولأنه من يوم عرفة فكان وقتاً للوقوف كما بعد الزوال، وترك الوقوف فيه لايمنع كونه وقتا له كما بعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا وقت الوقوف (فصل) وكيفما حصل بعرفة وهو عاقل أجزأه قائماً، أو جالساً، أو راكباً، أو نائماً، وإن مر بها مختاراً فلم يعلم أنها عرفة أجزأه أيضاً، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وقال أبو ثور لا يجزئه لأنه لا يكون واقفاً إلا بالإرادة ولنا عموم قوله ﵇ " وقد أتى عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً " ولأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف وهو عاقل فأجزأه كما لو علم وإن وقف وهو مغمى عليه أو مجنون ولم يفق حيت خرج منها لم يجزه وهو قول الحسن والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وقال عطاء في المغمى عليه يجزئه وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقد توقف أحمد في هذه المسألة، وقال: الحسن يقول بطل حجه، وعطاء يرخص فيه، وذلك لأنه لا يعتبر له نية ولا طهارة ويصح من النائم فصح من المغمى عليه كالمبيت بمزدلفة، ووجه الأول أنه ركن من أركان
стр. 1947
الحج فلم يصح من المغمى عليه كسائر أركانه.
قال ابن عقيل والسكران كالمغمى عليه لأنه زائل العقل بغير نوم، فأما النائم فهو في حكم المستيقظ يجزئه الوقوف (فصل) وتسن له الطهارة، قال أحمد يستحب أن يشهد المناسك كلها على وضوء، كان عطاء يقول لا يقضي شئ من المناسك إلا على وضوء ولا يجب في ذلك وحكاه ابن المنذر إجماعاً، وفي قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ " افعلي ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت " دليل على أن الوقوف
بعرفة جائز على غير طهارة، ووقفت عائشة بعرفة حائضاً بأمر النبي ﷺ ، ولا يشترط ستارة، ولا استقبال، ولا نية، ولا نعلم فيه خلافا لأنه لا تشترط له الطهارة فلم يشترط له شئ من ذلك قياساً عليها (فصل) ومن فاته ذلك فاته الحج لقول النبي ﷺ " الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " رواه أبو داود يدل على فواته بخروج ليلة جمع، ولحديث جابر الذي ذكرناه ولا نعلم في ذلك خلافاً، ولأنه ركن للعبادة فلم يتم بدونه كسائر العبادات (مسألة) (ومن وقف بها نهاراً ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم) يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس ليجع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة لأن النبي ﷺ فعل ذلك.
رواه جابر وغيره، وقال ﵇ " خذوا عني مناسككم " فإن دفع قبل الغروب فحجه صحيح في قول جماعة الفقهاء إلا مالكاً فإنه قال لاحج له.
قال ابن عبد البر لا نعلم أحدا من العلماء قال بقول مالك، ووجه قوله ماروى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال " من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحلل بعمرة وعليه الحج من قابل " ولنا ما روى عروة بن مضرس قال: أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يارسول الله إني جئت من جبل طي أكللت راحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج، فقال رسول الله ﷺ " من شهد صلاتنا هذه ووقوف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليللا أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، ولانه وقف في زمن الوقوف أشبه الليل، فأما خبره فإنما خص الليل لأن الفوات يتعلق به
стр. 1948
إذا كان بعد النهار فهو آخر وقت الوقوف كما قال ﵇ " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها " وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر العلماء منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم لقول ابن عباس ﵄: من ترك نسكاً فعليه دم ويجزئه شاة، وقال ابن جريح عليه بدنة ونحوه قول الحسن
ولنا أنه واجب لا يفسد الحج بفواته فلم يوجب بدنة كالإحرام من الميقات (فصل) فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهاراً فوقف حتى غرب الشمس فلا دم عليه، وبه قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون وأبو ثور عليه دم لأنه بالدفع لزمه الدم فلم يسقط برجوعه كما لو عاد بعد الغروب ولنا أنه أتى بالواجب وهو الوقوف في الليل والنهار فلم يجب عليه دم كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه، فإن لم يعد حتى غرب الشمس فعليه دم لأن عليه الوقوف حال الغرب وقد فاته بخروجه فأشبه من تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم عاد إليه (مسألة) (فمن وافاها ليلا فوقف بها فلا دم عليه) إذا لم يأت عرفة حتى غابت الشمس ولم يدرك جزءاً من النهار فوقف بها ليلاً فقد تم حجه ولا شئ عليه، لا نعلم فيه مخالفاً لقول النبي ﷺ من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج " ولأنه لم يدرك جزأ من النهار فأشبه من منزله دون الميقات إذا أحرم منه (مسألة) (ثم يدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة وعليه السكينة والوقار) فإذا وجد فجوة أسرع لقول جابر ﵁ في حديثه فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص فأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء بالزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى " أيها الناس السكينة السكينة " وقال أسامة
стр. 1949
رضي الله عنه كان رسول الله ﷺ يسير العنق فإذا وجد فجوة نص يعني أسرع قال هشام النص فوق العنق متفق عليه (فصل) ويستحب أن يكون دفعه مع الإمام أو الوالي الذي إليه أمر الحج من قبله ولا ينبغي للناس أن يدفعوا حتى يدفع قال احمد ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام وسئل عن رجل دفع قبل الإمام بعد غروب الشمس قال ما وجدت عن أحمد أنه سهل فيه كلهم يشدد فيه (فصل) ويكون ملبياً ذاكر الله عزوجل لأن ذكر الله مستحب في كل الأوقات وهو في هذا
الوقت أشد تأكيداً لقول الله تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله) الآية ولأنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى والتلبس بعبادته والسعي إلى شعائره ويستحب التلبية وقال قوم لا يلبي ولنا ماروى الفضل بن العباس ﵄ أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة متفق عليه، ويستحب أن يمضي على طريق المأزمين لأنه روي أن النبي ﷺ سلكها وإن سلك غيرها جاز لحصول المقصود به (مسألة) (فإذا وصل مزدلفة صلى المغرب والعشاء قبل حط الرحال) السنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب حتى يصل مزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء بغير
стр. 1950
خلاف قالل ابن المنذر أجمع اهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بجمع بين المغرب والعشاء لأن النبي ﷺ جمع بينها رواه جابر وابن عمر وأسامة وغيرهم وأحاديثهم صحاح (فصل) ويستحب أن يجمع قبل حط الرحال وأن يقيم لكل صلاة إقامة لما روى أسامة بن زيد ﵄ قال دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذ كان بالشعب نزل فبال ثم توضأ فقلت له الصلاة يارسول الله فقال " الصلاة أمامك " فركب فلما جاء مزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما متفق عليه وممن روي عنه أنه يجمع بينهما باقامتين بلا أذان ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد والشافعي واسحاق وإن اقتصر على إقامة للأولى فلا بأس يروي ذلك عن ابن عمر أيضاً وبه قال الثوري لما روي أن عمر ﵄ قال جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء يجمع صلى المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة واحدة رواه مسلم وإن أذن للأولى وأقام للثانية فحسن فإنه مروي في حديث جابر وهو متضمن للزيادة وهو معتبر بسائر الفوائت والمجموعات وهو قول ابن المنذر وأبي ثور واختار الخرقي القول الأول قال إبن المنذر هو آخر قولي أحمد لان راويه أسامة وهو أعلم بحال رسول الله ﷺ فإنه كان رديفه وإنما لم يؤذن للأولى ههنا لأنها في غير وقتها بخلاف المجموعتين
стр. 1951
بعرفة، وقال مالك يجمع بينهما بأذان وإقامتين، وروي ذلك عن عمر وابنه وابن مسعود واتباع
السنة أولى قال ابن عبد البر لا أعلم فيما قاله مالك حديثاً مرفوعاً بوجه من الوجوه وقال قوم إنما أمر عمر بالتأذين للثانية لأن الناس كانوا قد تفرقوا لعشائهم فأذن لجمعهم وكذلك ابن مسعود فإنه كان يجعل العشاء بمزدلفة بين الصلاتين (فصل) والسنة أن لا يتطوع بينهما قال ابن المنذر لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وقد روي عن ابن مسعود أنه يتطوع بينهما ورواه عن النبي ﷺ ولنا حديث أسامة وابن عمر أن النبي ﷺ لم يصل بينهما وحديثهما أصح (مسألة) (وإن صلى المغرب في الطريق ترك السنة وأجزأه) وبه قال عطاء وعروة والقاسم وسعيد بن جبير ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وأبو يوسف وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والثوري لا يجزئه لأن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين فكان نسكاً وقد قال ﵇ " خذوا عني مناسككم " ولنا أن كل صلاتين جاز الجمع بينهما جاز التفريق بينهما كالظهر والعصر بعرفة وفعل النبي ﷺ محمول على الأفضل وما ذكروه يبطل بالجمع بعرفة (مسألة) (ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو بمزدلفة جمع وحده) لا نعلم خلافاً في أنه إذا فانه الجمع مع الإمام بمزدلفة أنه يجمع وحده لأن الثانية منهما تصلى في وقتها وكذلك لو فرق بينهما لم يبطل الجمع، وقد روى أسامة قال ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها وكذلك حكم من فاته الجمع مع الإمام بعرفة بين الظهر والعصر فإنه يجمع وحده أيضاً فعله ابن عمر، وبه قال عطاء ومالك والشافعي واسحاق
стр. 1952
وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد، وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة لا يجمع إلا مع الإمام لأن لكل صلاة وقتاً محدوداً، وإنما ترك ذلك في الجمع مع الإمام فإذا لم يكن اماما رجعنا إلى الأصل ولنا فعل ابن عمر ولأن كل جمع جاز مع الإمام جاز منفرداً كالجمع بين العشاءين بجمع قولهم إنا
стр. 1953
جاز الجمع في الجماعة لا يصح لأنهم قد سملواان الإمام يجمع، وإن كان منفرداً (مسألة) (ثم يبيت بها فإن دفع قبل نصف الليل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شئ عليه وإن وافاها بعد نصف الليل فلا شئ عليه، وإن جاء بعد الفجر فعليه دم، وحد المزدلفة مابين المأزمين ووادي محسر) وجملة ذلك أن المبيت بمزدلفة واجب من تركه فعليه دم هذا قول عطاء والزهري وقتادة والثوري والشافعي واسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي لأن النبي ﷺ بات بها وقال " خذوا عني مناسككم " وقال علقمة والنخعي والشعبي من فانه جمع فاته الحج لقوله تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وقول النبي ﷺ " من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه " ولنا قول النبي ﷺ " الحج عرفة فمن جاء قبل ليلة جمع فقد تم حجه " يعني من جاء عرفة وما احتجوا به من الآية والخبر فالمنطوق فيهما ليس بركن في الحج إجماعاً فانه لو بات بجمع ولم يذكر الله تعالى ولم يشهد الصلاة صح حجه فما هو من ضرورة ذلك أولى ولأن المبيت ليس من ضرورة ذكر الله تعالى بها، وكذلك شهود صلاة الفجر فإنه لو أفاض من عرفة آخر ليلة النحر أمكنه ذلك فيتعين حمل ذلك على الإيجاب أو الفضيلة أو الاستحباب
стр. 1954
(فصل) وليس له الدفع قبل نصف الليل فإن فعل فعليه دم، وإن دفع بعده فلا شئ عليه، وبه قال الشافعي وقال مالك إن مر بها فلم ينزل فعليه دم وإن نزل فلا دم عليه متى ما دفع ولنا أن النبي ﷺ باب بها وقال " لتأخذوا عني مناسككم " وإنما أبيح الدفع بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه فروى ابن عباس ﵄ قال: كنت فيمن قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى مني متفق عليه، وعن عائشة ﵂ قالت: أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت رواه أبو داود فمن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل ولم يعد في الليل فعليه دم، وإن عاد فلا دم كالذي دفع من عرفة نهاراً ثم عاد نهاراً (فصل) ويجب الدم على من دفع قبل نصف الليل ولم يرجع في الليل وعلى من ترك المبيت بمنى
سواء فعل ذلك عامداً أو ساهياً أو جاهلاً لأنه ترك نسكاً والنسيان أثره في جعل الموجود كالمعدوم لا في جعل المعدوم كالموجود إلا أنه رخص لأهل السقاية والرعاء في ترك البيتوتة لأن النبي ﷺ رخص للرعاة في ترك البيتوتة، وفي حديث عدي وأرخص للعباس في ترك المبيت لأجل سقايته ولأن عليهم مشقة في المبيت لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاج فكان لهم ترك المبيت كليالي منى وروى عن أحمد أن المبيت بمزدلفة غير واجب والمذهب الأول (فصل) فإن وافاها بعد نصف الليل فلا شئ عليه لأنه لم يدرك جزءاً من النصف الأول فلم يتعلق به حكمه كمن أدرك الليل بعرفات دون النهار وإن جاء بعد الفجر فعليه دم لترك الواجب وهو المبيت والمستحب الأقتداء برسول الله ﷺ والمبيت إلى أن يصبح ثم يقف حتى بسفر ولا بأس بتقديم
стр. 1955
الضعفة والنساء، وممن كان يقدم ضعفه أهله عبد الرحمن بن عوف وعائشة، وبه قال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً لأن فيه رفقاً بهم ودفعاً لمشقة الزحام عنهم والاقتداء بنبيهم ﵊ (فصل) وللمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة وجمع والمشعر الحرام، وحدها من مأزمي عرفة إلى قرن محسر وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب ففي أي موضع وقف منها أجزأه لقول النبي ﷺ " كل المزدلفة موقف " رواه أبو داود وابن ماجة، وعن جابر عن النبي ﷺ إنه قال " وقفت ههنا بجمع وجمع كلها موقف " وليس وادي محسر من مزدلفة لقوله " وارفعوا عن بطن محسر " (مسألة) (فإذا أصبح بها صلى الصبح، ثم يأني المشعر الحرام فيرقى عليه أو يقف عنده ويحمد الله تعالى ويكبر ويدعو) يستحب أن يعجل صلاة الصبح ليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام لقول جابر أن النبي ﷺ صلى الصبح حين تبين له الصبح، ثم إذا صلى أتى المشعر الحرام فوقف عنده أو رقي عليه إن أمكنه فذكر الله تعالى ودعاه واجتهد لقول الله تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وفي حديث جابر أن النبي ﷺ أتى المشعر الحرام فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله ووحده، وفي
لفظ ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله وهلله وكبره واجتهد، ويستحب أن يكون من دعائه: اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا اياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق (فإذا أفضتم من عرفات - إلى - غفور رحيم) الآيتين إلى أن يسفر لأن في حديث جابر أن النبي ﷺ لم يزل واقفاً حتى أسفر جدا (مسألة) (ثم يدفع قبل طلوع الشمس لا نعلم خلافاً في استحباب الدفع قبل طلوع الشمس لأن النبي ﷺ كان يفعله.
قال ابن عمر ﵄ أن المشركين كانوا لا يفيضون يقولون: أشرق ثبير كيما نغير.
وإن رسول
стр. 1956
الله ﷺ خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس.
رواه البخاري (١) والسنة الإسفار جداً، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار ولنا حديث جابر الذي ذكرناه، وعن نافع أن ابن الزبير أخر في الوقت حتى كادت الشمس تطلع، فقال ابن عمر إني أراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية فدفع ودفع الناس معه، وكان ابن مسعود يدفع كانصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة ويستحب أن يسير وعليه السكينة.
قال ابن مسعود ﵁: ثم أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس وقال أيها النس " إن البر ليس بايجاف الخيل الابل فعليكم بالسكينة " فما رأيتها رافعة يديها حتى أتى منى (مسألة) (فإذا بلغ محسرا أسرع قدر رميه بحجر) يستحب الإسراع في وادي محسر وهو مابين المزدلفة ومنى، فإن كان ماشياً أسرع، وإن كان راكباً حرك دابته لأن جابرا قال في صفة حج النبي ﷺ أنه لما أتى بطن محسر حرك قليلا، ويروى أن عمر ﵁ لما أتى محسراً أسرع وقال: إليك يعدو قلقا وضينها * مخالفاً دين النصارى دينها * معترضاً في بطنها جنينها وذلك قدر رميه بحجر ويكون ملبياً في طريقه فإن الفضل بن عباس روي أن النبي ﷺ لم يزل
стр. 1957
يلى حتى رمى جمرة العقبة.
متفق عليه، ولأن التلبية من شعار الحج فلا تقطع إلا بالشروع في الإحلال وأوله رمي جمرة العقبة (مسألة) (ثم يأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة ومن حيث أخذه جاز، ويكون أكبر من الحمص دون البندق) إنما يستحب أخذ حصى الجمار قبل أن يصل منى لئلا يشتغل عند قدومه بشئ قبل الرمي لأنها تحيه له كما أن الطواف تحية المسجد فلا يبدة بشئ قبله، وكان ابن عمر ﵁ يأخذ حصى الجمار من جمع وفعله سعيد بن جبير وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع واستحبه الشافعي.
وقال أحمد: خذ الحصى من حيث شئت اختاره عطاء وابن المنذر وهو أصح إن شاء الله تعالى لأن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته " القط لي حصى " فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف فجعل يقبضهن في كفه ويقول " أمثال هؤلاء فارموا " ثم قال أيها
стр. 1958
الناس " إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " رواه ابن ماجه وكان ذلك بمنى ولا خلاف أنه يجزئه أخذه من حيث كان والتقاطه أولى من تكسيره لهذا الخبر ولأنه لا يؤمن في تكسيره أن يطير إلى وجهه شئ يؤذيه، ويستحب أن يكون كحصى الخذف للخبر ولقول جابر في حديثه كل حصاة منها مثل حصى الخذف، وروى سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: قال النبي ﷺ يا أيها الناس " إذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف " رواه أبو داود، قال الأثرم يكون أكبر من الحمص ودون البندق، وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم، فإن رمى بحجر كبير فقال أصحابنا يجزئه مع ترك السنة لأنه قد رمى بحجر وكذلك الحكم في الصغير، وروى عن أحمد أنه قال لا يجوز حتى يأتي بالحصى على ما فعل النبي ﷺ لأنه أمر بهذا القدر ونهى عن تجاوزه والأمر يقتضي الوجوب والنهي يقتضي فساد المنهي عنه (فصلى) واختلفت الرواية عن أحمد في استحباب غسله فروي عنه أنه مستحب ذكره الخرقي لأنه روي عن ابن عمر وكان طاوس يفعله، وكان ابن عمر يتحرى سنة النبي ﷺ وعن أحمد أنه
стр. 1959
لا يستحب قوا لم يبلغنا أن النبي ﷺ فعله وهذا الصحيح وهو قول عطاء ومالك ومالك وكثير من أهل العلم فإن النبي ﷺ لما لقطت له الحصى وهو راكب على بعيره جعل يقبضهن في يده لم يغسلهن ولا أمر بغلسهن ولا فيه معنى يقتضيه، فإن رمى بحجر نجس أجزأه لأنه حصاة ويحتمل أن لا يجزئه لأنه يؤدي به العبادة فاعتبرت طهارته كحجر الاستجمار وتراب التيمم، وإن غسله ورمى به أجزأه وجهاً واحداً والله تعالى أعلم (مسألة) (وعدده سبعون حصاة يرمي منها بسبع يوم النحر وباقيها في أيام منى كل يوم بإحدى وعشرين، فإذا وصل منى - وحدها من وادي محسر إلى العقبة - بدأ بجمرة العقبة فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة ويرفع يده حتى يرى بياض إبطه) حد منى مابين جمرة العقبة ووادي محسر كذلك قال عطاء والشافعي وليس محسر والعقبة من منى ويستحب سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى فإن النبي ﷺ سلكها كذا في حديث جابر، فإذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة لأن النبي ﷺ بدأ بها، ولأنها تحية منى فلم يتقدمها شئ كالطواف في المسجد وهي آخر الجمرات مما يلي منى وأولها مما يلي مكة وهي عند العقبة لذلك سميت بهذا فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ثم ينصرف ولا يقف وهذا بجملته قول من علمنا قوله من أهل العلم وإن رماها من فوقها جاز، ولأن عمر ﵁ جاء والزحام عند الجمرة فرماها من فوقها والأول أفضل لما روى عبد الرحمن بن يزيد أنه
стр. 1960
مشى مع عبد الله وهو يرمي الجمرة، فلما كان في بطن الوادي اعترضها فرماها، فقيل له أن ناساً يرمونها من فوقها فقال: من ههنا والذي لا إله غيره رأيت الذي أنزل عليه سورة البقرة رماها.
متفق عليه وفي لفظ لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن ثم رمى جمرة بسبع حصيات ثم قال: والذي لا إله إلا هو من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
قال الترمذي هذا حديث صحيح.
ولا يسن الوقوف عندها لأن ابن عمر وابن عباس رويا
أن رسول الله ﷺ كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف.
رواه ابن ماجه.
ويكبر مع كل حصاة لأن جابرا قال: فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وإن قال اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً، فحسن.
فإن ابن مسعود ابن عمر كانا يقولان نحو ذلك، وروى حنبل في المناسك بإسناده عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد الله استبطن الوادي ورمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله اكبر الله أكبر ثم قال: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً.
فسألته عما صنع فقال حدثني أبي أن النبي ﷺ رمى الجمرة من هذا المكان ويقول كلما رمى حصاة مثل ما قلت ويرمي الحصى واحدة بعد واحدة كما ذكر، وإن رماها دفعة وحدة لم يجزه إلا عن واحدة نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي.
وقال عطاء: بجزئه ويكبر لكل حصاة ولنا أن النبي ﷺ رمى سبع رميات وقال " خذوا عن مناسككم " ويرفع يده حتى
стр. 1961
يرى بياض إبطه قال بعض أصحابنا (فصل) ويرميها راجلاً وراكباً وكيفما شاء لأن النبي ﷺ رماها على راحلته.
رواه جابر وابن عمر وغيرهما، قال جابر ﵁ رأيت النبي ﷺ يرمي على راحتله يوم النجر ويقول " لاخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " رواه مسلم، وقال نافع كان ابن عمر ﵄ يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا
стр. 1962
ماشياً ذاهباً وراجعاً، وزعم أن النبي ﷺ كان لا يأتيها إلا ذاهباً وراجعاً.
رواه أحمد في المسند، وفي هذا بيان للتفريق بين هذا الجمرة وغيرها، ولأن رمي هذه الجمرة مما تستحب البداية به وهي في هذا اليوم عند قدرمه ولا يسن عندها وقوف، فلو سن له المشي إليها لشغله النزول عن الابتداء بها والتعجيل إليها بخلاف سائرها (فصل) ولا يجزئه الرمي ألا إن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه لم يجزئه لا نعلم فيه خلافاً
وكذلك إن وضعها بيده في المرمى لا يجزئه في قولهم جميعاً لأنه مأمور بالرمي ولم يرم، وإن طرحها طرحاً أجزأه لأنه يسمى رمياً وهذا قول أصحاب الرأي، وقال ابن القاسم لا يجزئه، وإن رمى حصاة فوقعت في غير المرمى فأطارت حصاة أخرى فوقعت في المرمى لم يجزه لأن التي رماها لم تقع في المرمى وإن رمى حصاة فالتقطها طائر قبل وصولها لم يجزه لأنها لم تقع في المرمى، وإن وقعت على موضع صلب في غير المرمى ثم تدحرجت إلى المرمى أو على ثوب انسان تم طارت فوقعت في المرمى أجزأته لأن حصولها في المرمى بفعله، وإن نفضها الإنسان عن ثوبه فوقعت في المرمى فعن أحمد أنها تجزئه لأنه انفرد برميها، وقال ابن عقيل لاتجزئه لأن حصولها في المرمى بفعل الثاني فأشبه مالو أخذها بيده فرمى
стр. 1963
بها، وإن رمى حصاة فشك هل وقعت في المرمى أو لا لم يجزه لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته فلا يزول بالشك، وعنه يجزئه ذكره ابن البنا في الخصال، وإن غلب على ظنه أنها وقعت فيه أجزأته لأن الظاهر دليل (مسألة) (ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي) يروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وميمونة ﵃، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن سعيد بن أبي وقاص وعائشة ﵄ يقطع التلبية إذا راح الموقف، وعن علي وأم سلمة ﵄ أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة، وقال مالك يقطع التلبية إذا راح المسجد، وكان الحسن يقول يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة ولنا أن الفضل بن عباس ﵁ روي أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وكان رديفه يومئذ وهو أعلم بحاله من غيره، وفعل النبي ﷺ يقدم على ما خالفه، ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة.
رواه حنبل في المناسك وهذا بيان يتعين الأخذ به، وفي رواية من روي أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل حصاة دليل على أنه لم يكن يلي، ولأنه يتحلل بالرمي، وإذا شرع فيه قطع التلبية
كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف (مسألة) (وإن رمى بذهب أو فضة أو غير الحصى أو رمى بحجر رمى به مرة لم يجزه) يجزئ المرمي بكل ما يسمى حصى وهي الحجارة الصغار سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر من المرمر أو البرام أو المرو وهو الصوان أو الرخام أو الكذان، أو حجر المسان وهذا قول مالك والشافعي، وقال القاضي لا يجزئ الرخام والبرام والكذان، ومقتضى قوله ان لا يجزئ المرو ولا حجر المسن، وقال أبو حنيفة يجزئ بالطين والمدر وما كان من جنس الأرض، ونحوه قول الثوري، وروي عن سكينة بنت الحسين أنها رمت الجمرة ورجل يناولها الحصى وسقطت حصاة فرمت بخاتمها ولنا أن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى ويتناول
стр. 1964
جميع أنواعه فلا يجوز تخصيص بغير دليل ولا إلحاق غيره به والذهب والفضة لا يتناوله اسم الحصى (فصل) وإن رمى بحجر أخذ من المرمى لم يجزه، وقال الشافعي يجزئه لأنه حصى فيدخل في العموم ولنا أن النبي ﷺ أخذه من غير المرمى وقال " خذوا عني مناسككم " ولأنه لو جاز الرمي بمارمي به لما احتاج أحد إلى أخذ الحصى من غير مكانه ولا نكسير، ولأن ابن عباس قال ما نقبل منه رفع، وإن رمى بخاتم فضة حجر لم يجزه في أحد الوجهين لأنه تبع والرمي بالمتبوع لا بالتابع (مسألة) (ويرمي بعد طلوع الشمس فإن رمى بعد نصف الليل أجزأه) وجملته أن لرمي هذه الجمرة وقتين: وقت فضيلة ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فعند طلوع الشمس.
قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين عن أن رسول الله ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده.
أخرجه مسلم، وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " رواه الإمام أحمد، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى والشافعي، وعن أحمد أنه يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال مجاهد والثوري والنخعي لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس لحديث ابن عباس
ولنا ماروى أبو داود عن عائشة أن النبي ﷺ أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة مع صلاة الصبح، احتج به أحمد، ولانه وقت للدفع من المزدلفة فكان وقتاً للرمي كبعد طلوع الشمس، والاخبار المذكورة محمولة على الاستحباب (فصل) (وإن أخر الرمي إلى آخر النهار جاز) قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحباً، وروى ابن عباس قال كان النبي ﷺ يسئل يوم النحر بمنى قال رجل رميت بعد ما أمسيت قال " لا حرج " رواه البخاري فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغدو به قال أبو حنيفة واسحاق، وقال الشافعي ومحمد وأبو يوسف وابن المنذر يرمي ليلاً لقول النبي ﷺ " ارم ولا حرج
стр. 1965
ولنا أن ابن عمر ﵄ قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد، وقول النبي ﷺ " ارم ولا حرج " إنما كان في النهار لأنه سأله في يوم الحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس، وقال مالك يرمي ليلاً وعليه دم، ومرة قال لادم عليه وإذا رمى انصرف ولم يقف لأن النبي ﷺ لم يقف عندها (مسألة) (ثم ينحر هديا إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وعنه يجزئه بعضه كالمسح)
следующие страницы →