Полный текст (7 422 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
يرى بياض إبطه قال بعض أصحابنا (فصل) ويرميها راجلاً وراكباً وكيفما شاء لأن النبي ﷺ رماها على راحلته.
رواه جابر وابن عمر وغيرهما، قال جابر ﵁ رأيت النبي ﷺ يرمي على راحتله يوم النجر ويقول " لاخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه " رواه مسلم، وقال نافع كان ابن عمر ﵄ يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا
стр. 1962
ماشياً ذاهباً وراجعاً، وزعم أن النبي ﷺ كان لا يأتيها إلا ذاهباً وراجعاً.
رواه أحمد في المسند، وفي هذا بيان للتفريق بين هذا الجمرة وغيرها، ولأن رمي هذه الجمرة مما تستحب البداية به وهي في هذا اليوم عند قدرمه ولا يسن عندها وقوف، فلو سن له المشي إليها لشغله النزول عن الابتداء بها والتعجيل إليها بخلاف سائرها (فصل) ولا يجزئه الرمي ألا إن يقع الحصى في المرمى، فإن وقع دونه لم يجزئه لا نعلم فيه خلافاً
وكذلك إن وضعها بيده في المرمى لا يجزئه في قولهم جميعاً لأنه مأمور بالرمي ولم يرم، وإن طرحها طرحاً أجزأه لأنه يسمى رمياً وهذا قول أصحاب الرأي، وقال ابن القاسم لا يجزئه، وإن رمى حصاة فوقعت في غير المرمى فأطارت حصاة أخرى فوقعت في المرمى لم يجزه لأن التي رماها لم تقع في المرمى وإن رمى حصاة فالتقطها طائر قبل وصولها لم يجزه لأنها لم تقع في المرمى، وإن وقعت على موضع صلب في غير المرمى ثم تدحرجت إلى المرمى أو على ثوب انسان تم طارت فوقعت في المرمى أجزأته لأن حصولها في المرمى بفعله، وإن نفضها الإنسان عن ثوبه فوقعت في المرمى فعن أحمد أنها تجزئه لأنه انفرد برميها، وقال ابن عقيل لاتجزئه لأن حصولها في المرمى بفعل الثاني فأشبه مالو أخذها بيده فرمى
стр. 1963
بها، وإن رمى حصاة فشك هل وقعت في المرمى أو لا لم يجزه لأن الأصل بقاء الرمي في ذمته فلا يزول بالشك، وعنه يجزئه ذكره ابن البنا في الخصال، وإن غلب على ظنه أنها وقعت فيه أجزأته لأن الظاهر دليل (مسألة) (ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي) يروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وميمونة ﵃، وبه قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن سعيد بن أبي وقاص وعائشة ﵄ يقطع التلبية إذا راح الموقف، وعن علي وأم سلمة ﵄ أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة، وقال مالك يقطع التلبية إذا راح المسجد، وكان الحسن يقول يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة ولنا أن الفضل بن عباس ﵁ روي أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وكان رديفه يومئذ وهو أعلم بحاله من غيره، وفعل النبي ﷺ يقدم على ما خالفه، ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة للخبر، وفي بعض ألفاظه: حتى رمى جمرة العقبة قطع عند أول حصاة.
رواه حنبل في المناسك وهذا بيان يتعين الأخذ به، وفي رواية من روي أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل حصاة دليل على أنه لم يكن يلي، ولأنه يتحلل بالرمي، وإذا شرع فيه قطع التلبية
كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف (مسألة) (وإن رمى بذهب أو فضة أو غير الحصى أو رمى بحجر رمى به مرة لم يجزه) يجزئ المرمي بكل ما يسمى حصى وهي الحجارة الصغار سواء كان أسود، أو أبيض، أو أحمر من المرمر أو البرام أو المرو وهو الصوان أو الرخام أو الكذان، أو حجر المسان وهذا قول مالك والشافعي، وقال القاضي لا يجزئ الرخام والبرام والكذان، ومقتضى قوله ان لا يجزئ المرو ولا حجر المسن، وقال أبو حنيفة يجزئ بالطين والمدر وما كان من جنس الأرض، ونحوه قول الثوري، وروي عن سكينة بنت الحسين أنها رمت الجمرة ورجل يناولها الحصى وسقطت حصاة فرمت بخاتمها ولنا أن النبي ﷺ رمى بالحصى وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف فلا يتناول غير الحصى ويتناول
стр. 1964
جميع أنواعه فلا يجوز تخصيص بغير دليل ولا إلحاق غيره به والذهب والفضة لا يتناوله اسم الحصى (فصل) وإن رمى بحجر أخذ من المرمى لم يجزه، وقال الشافعي يجزئه لأنه حصى فيدخل في العموم ولنا أن النبي ﷺ أخذه من غير المرمى وقال " خذوا عني مناسككم " ولأنه لو جاز الرمي بمارمي به لما احتاج أحد إلى أخذ الحصى من غير مكانه ولا نكسير، ولأن ابن عباس قال ما نقبل منه رفع، وإن رمى بخاتم فضة حجر لم يجزه في أحد الوجهين لأنه تبع والرمي بالمتبوع لا بالتابع (مسألة) (ويرمي بعد طلوع الشمس فإن رمى بعد نصف الليل أجزأه) وجملته أن لرمي هذه الجمرة وقتين: وقت فضيلة ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فعند طلوع الشمس.
قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين عن أن رسول الله ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده.
أخرجه مسلم، وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " رواه الإمام أحمد، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، وبذلك قال عطاء وابن أبي ليلى والشافعي، وعن أحمد أنه يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال مجاهد والثوري والنخعي لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس لحديث ابن عباس
ولنا ماروى أبو داود عن عائشة أن النبي ﷺ أمر أم سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة وتوافي مكة مع صلاة الصبح، احتج به أحمد، ولانه وقت للدفع من المزدلفة فكان وقتاً للرمي كبعد طلوع الشمس، والاخبار المذكورة محمولة على الاستحباب (فصل) (وإن أخر الرمي إلى آخر النهار جاز) قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن ذلك مستحباً، وروى ابن عباس قال كان النبي ﷺ يسئل يوم النحر بمنى قال رجل رميت بعد ما أمسيت قال " لا حرج " رواه البخاري فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغدو به قال أبو حنيفة واسحاق، وقال الشافعي ومحمد وأبو يوسف وابن المنذر يرمي ليلاً لقول النبي ﷺ " ارم ولا حرج
стр. 1965
ولنا أن ابن عمر ﵄ قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد، وقول النبي ﷺ " ارم ولا حرج " إنما كان في النهار لأنه سأله في يوم الحر ولا يكون اليوم إلا قبل مغيب الشمس، وقال مالك يرمي ليلاً وعليه دم، ومرة قال لادم عليه وإذا رمى انصرف ولم يقف لأن النبي ﷺ لم يقف عندها (مسألة) (ثم ينحر هديا إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وعنه يجزئه بعضه كالمسح)
стр. 1966
إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر لم يقف وانصرف فأول شئ يبدأ به نحر الهدي إن كان معه هدي واجباً كان أو تطوعاً، فإن لم يكن معه هدي وعليه هدي واجب اشتراه، وإن لم يكن عليه واجب فأحب أن يضحي اشترى ما يضحي به وينحر الإبل ويذبح ما سواها والمستحب أن يتولى ذلك بيده ويجوز أن يستنيب فيه، هذا قول مالك وأبي ثور وأصحاب الرأي، وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي ﷺ أنه رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ثم
أعطى عليا فنحر ما غبر مناه وأشركه في هديه، ويستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة ويقول بسم الله والله أكبر.
قال إبن المنذر ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح يقول " بسم الله والله أكبر " (فصل) وإذا نحر الهدي فرقة على مساكين الحرم وهم من كان في الحرم وإن أطلقها لهم جاز كما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ نحر خمس بدنات ثم قال " من شاء اقتطع " رواه أبو داود
стр. 1967
وإن قسمها فهو أحسن وأفضل لأنه بقسمها يتبين إيصالها إلى مستحقها ويكفي المساكين تعب النهب والزحام ويقسم جلودها وجلالها لما روى علي ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ إن أقوم على بدنه وأن أقسم بدنه كلها جلودها وجلالها وأن لا نعطي الجازر منها شيئاً وقال نحن نعطيه من عندنا، وإنما لزمه قسم جلالها للخير ولانه سافها الله على تلك الصفة فلا يأخذ شيئاً مما جعله الله تعالى.
وقال بعض أصحابنا لا يلزمه اعطاء جلالها لأنه إنما أهدى الحيوان دون ما عليه والسنة النحر بمنى لأن النبي ﷺ نحر بها، وحيث نحر من الحرم أجزأه لقول رسول الله ﷺ " كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق " رواه أبو داود (فصل) يلزمه الحلق أو التقصير من جميع شعره وكذلك المرأة وبه قال مالك وعنه يجزئه بعضه
стр. 1968
كالمسح كذلك قال ابن حامد، وقال الشافعي يجزئه التقصير من ثلاث شعرات.
وقال ابن المنذر يجزئه ما يقع عليه اسم التقصير لتناول اللفظ له ولنا قوله تعالى (محلقين رؤسكم) وهذا عام في جميعه، ولأن النبي ﷺ حلق جميع رأسه تفسيراً لمطلق الأمر به فيجب الرجوع إليه، فإن كان الشعر مضفوراً قصر من رءوس ضفائره كذلك قال مالك تقصر المرأة من جميع قرونها ولا يجب التقصير من كل شعره لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه وأي قدر قصر منه أجزأ لأن الأمر مطلق فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم.
قال أحمد: يقصر قدر الأنملة وهو قول ابن عمر والشافعي وهو محمول على الاستحباب.
وبأي شئ قصر الشعر أجزأه وكذلك إن نتفه أو أزاله بنورة لأن القصد إزالته ولكن السنة الحلق أو التقصير لأن النبي ﷺ حلق رأسه فروى
أنس أن النبي ﷺ رمي جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ شق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم شق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال " ههنا أبو طلحة؟ " فدفعه إلى أبي طلحة.
رواه أبو داود.
والسنة أن يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر لهذا الخبر فان لم يفعل أجزأه لا نعلم فيه خلافاً ويستقبل القبلة لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة ويكبر وقت الحلق لأنه نسك ويكون ذلك بعد النحر (فصل) وهو مخير بين الحلق والتقصير في قول الجمهور وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزي يعني في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق عليه إلا أنه يروى عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في الحجة الأولى ولا يصح هذا لأن الله تعالى قال (محلقين رءوسكم ومقصرين) ولم يفرق والنبي ﷺ قال " رحم الله المحلقين والمقصرين " وقد كان معه من قصر فلم ينكر عليه والحلق أفضل لأن النبي ﷺ فعله وقال " رحم الله المحلقين " قالوا يارسول الله والمقصرين قال " رحم المحلقين " قالوا والمقصرين يارسول الله قال " رحم الله المحلقين والمقصرين " رواه مسلم فأما من لبد أو عقص أو ضفر فقال أحمد من فعل ذلك فيحلق وهو قول النخعي ومالك والشافعي وإسحق وكان ابن عباس ﵁ يقول من لبد أو قصر أو عقد أو فتل أو عقص فهو على ما نوى إن نوى الحلق فليحلق وإلا فلا يلزمه وقال أصحاب الرأي وهو مخير على كل حال لأن ما ذكرناه يقتضي
стр. 1969
التخيير على العموم ولم يثبت في خلاف ذلك دليل ووجه القول الأول ماروي عن النبي ﷺ أنه قال من لبد فليحلق وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبد رأسه أن يحلقه والنبي ﷺ لبد رأسه وحلق والصحيح أنه مخير الا أن يتبت الخبر، وقول عمر وابنه قد خالفهما فيه ابن عباس وفعل النبي ﷺ لا يدل على وجوبه بعد ما تبين جواز الأمرين والله أعلم (مسألة) (والمرأة تقصر من شعرها قدر الأنملة والأنملة رأس الأصبع من المفصل الأعلى والمشروع للمرأة التقصير دون الحلق بغير خلاف) قال إبن المنذر أجمع على هذا أهل العلم لأن الحلق في حقهن مثله وقد روى ابن عباس قال
قال رسول الله ﷺ " ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير " رواه أبو داود، وعن علي ﵁ قال نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها رواه الترمذي وكان أحمد يقول تقصر من كل قرن قدر الأنملة وهو قول ابن عمر والشافعي واسحق وأبي ثور وقال أبو داود سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر من كل رأسها قال نعم تجمع شعرها إلى مقدم رأسها ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر الأنملة والرجل الذي يقصر كالمرأة في ذلك وقد ذكرنا فيه خلافاً (فصل) والأصلع الذي ليس على رأسه شعر يستحب أن يمر الموسى على رأسه روى ذلك عن ابن عمر وبه قال مسروق وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم وليس بواجب وقال أبو حنيفة يجب لقول النبي ﷺ " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته وإمرار الموسى على رأسه فإذا سقط أحدهما لتعذره بقي الآخر ولنا أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كماسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده ولأنه إمرار لو فعله في الإحرام لم يجب به دم فلم يجب عند التحلل كإمراره على الشعر من غير حلق (فصل) ويستحب تقليم أظفاره والأخذ من شاربه قال إبن المنذر ثبت أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه قلم أظفاره وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره وكان عطاء وطاوس والشافعي يحبون لو أخذ من لحيته شيئاً ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه كان ابن عمر يقول للحالق أبلغ العظمين افصل الرأس من اللحية وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين
стр. 1970
(مسألة) (ثم قد حل له لكل شئ إلا النساء وعنه الا الوطئ في الفرج) وجملته أن المحرم إذا رمي جمرة العقبة ثم حلق أو قصر حل له كل ماكان محرماً بالإحرام إلا النساء هذا الصحيح من المذهب نص عليه أحمد في رواية جماعة فيبقى ما كان محرما عليه من النساء من الوطئ والقبلة واللمس بشهوة وعقد النكاح ويحل له ما سوى ذلك هذا قول ابن الزبير وعائشة وعلقمة وسالم والنخعي وعبد الله بن الحسن وخارجة بن زيد والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وروي عن ابن عباس، وعن أحمد أنه يحل له كل شئ الا الوطئ في الفرج لأنه أغلظ المحرمات ويفسد
النسك بخلاف غيره وقال عمر ﵁ يحل له كل شئ إلا النساء والطيب وروي ذلك عن ابنه وعروة بن الزبير وغيرهما لأنه من دواعي الوطئ أشبه القبلة، وعن عروة أنه لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب وروي في ذلك عن النبي ﷺ حديث، ولنا ماروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال " اذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ إلا النساء " رواه سعيد وقالت عائشة: طيب رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت، متفق عليه وعن سالم عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا الطيب فقالت عائشة أنا طيبت رسول الله ﷺ فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع رواه سعيد عن ابن عباس أنه قال إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئ إلا النساء فقال له رجل والطيب فقال أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك الطيب هو ذاك أم لا؟ رواه ابن ماجه وقال مالك لا يحل له النساء ولا الطيب ولا قتل الصيد لقوله سبحانه (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وهذا حرام وقد ذكرنا ما يرد هذا القول ويمنع أنه محرم وإنما بقي بعض أحكام الاحرام (مسألة) (والحلق والتقصير نسك إن أخره عن أيام منى فهل يلزمه دم؟ على روايتين وعنه أنه إطلاق من محظور لا شئ في تركه ويحصل التحلل بالرمي وحده)
стр. 1971
الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر المذهب وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عليه بالإحرام فأطلق فيه بالحل كاللباس وسائر محظورات الإحرام فعلى هذه الرواية لا شئ على تاركه ويحصل التحلل بدونه ووجهها أن النبي ﷺ أمر بالحل من العمرة قبله فروى أبو موسى ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ فقال " بم أهللت؟ " قلت لبيك بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ ، فقال " أحسنت " وأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قال لي " أحل " متفق عليه، وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما سعى بين الصفا والمروة قال " من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة " رواه مسلم، ولان ماكان محرما في الاحرام إذا أبيح كان اطلاقا من محظور كسائر محرماته والرواية الأولى أصح فإن
النبي ﷺ أمر به، فروى ابن عمر ضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال " من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل " عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال " أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا " وأمره يقتضي الوجوب، ولأن الله تعالى وصفهم بقوله (محلقين رءوسكم ومقصرين) ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد، ولأن النبي ﷺ ترحم على المحلقين ثلاثاً وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات، ولأن النبي صلى الله
стр. 1972
عليه ولم وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم لم يخلوا به، ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه بل لم يفعلوه إلا نادراً لأنه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله، فأما أمره بالحل فإنما معناه - والله أعلم الحل بفعله لأن ذلك كان مشهوراً عندهم فاستغني عن ذكره ولا يمنع الحل من العبادة بما كان محرماً فيها كالسلام في الصلاة (فصل) فإذا قلنا إنه نسك جاز تأخيره إلى آخر أيام النحر لأنه إذا جاز تأخير النحر المقدم عليه فتأخيره أولى، فإن أخره عن ذلك فلا دم عليه في إحدى الروايتين لأن الله تعالى بين أول وقته ولم يبين آخره فمتى أتى به اجزاء كالطواف للزيارة والسعي (والثانية) عليه دم لأنه نسك أخره عن محله ومن ترك نسكاً فعليه دم ولافرق في التأخير بين القليل والكثير والعامد والساهي.
وقال مالك والثوري واسحاق وأبو حنيفة ومحمد من تركه حتى حل فعليه دم لأنه نسك فوجب أن يأتي به قبل الحل كسائر مناسكه.
ولنا ما تقدم وهل يحل قبله؟ فيه روايتان (إحداهما) أن التحلل إنما يحصل بالحلق والرمي معاً وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي ﷺ إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا النساء " وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما، ولأنهما نسكان يتعقبهما الحل فكان حاصلاً بهما كالطواف والسعي في العمرة (والثانية) يحصل التحلل بالرمي وحده وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور قال شيخنا وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة " إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئ إلا النساء "
وكذلك قال ابن عباس قال بعض أصحابنا هذا ينبني على الخلاف في الحلق إن قلناهو نسك حصل
стр. 1973
الحل وإلا حصل بالرمي وحده وهو الذي ذكره شيخنا في كتابه المشروح (مسألة) (وإن قدم الحلق على الرمي والنحر جاهلاً أو ناسياً فلا شئ عليه، وإن كان عالماً فهل يلزمه دم؟ على روايتين) السنة في يوم النحر إن يرمي ثم ينحر ثم يحلق ثم يطوف ترتيبها هكذا لأن النبي ﷺ رتبها كذلك فروى أنس أن النبي ﷺ رمى ثم نحر ثم حلق.
رواه أبو داود، فان أخل بترتيبها ناسياً أو جاهلاً فلا شئ عليه هذا قول الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والشافعي واسحاق وأبي ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري، وقال أبو حنيفة إن قدم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم، فإن كان قارنا فعليه دمان، وقال زفر عليه ثلالثة دماء لأنه لم يوجد التحلل الأول اشبه مالو حلق قبل يوم النحر.
ولنا ماروى عبد الله بن عمرو قال: قال رجل يارسول الله حلقت قبل أن أذبح، قال " اذبح ولا خرج " فقال آخر ذبحت قبل أن أرمي، قال " ارم ولا حرج " متفق عليه، وفي لفظ قال فجاء رجل ققال يارسول الله: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح وذكر الحديث قال فما سمعته يسئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم عبض الأمور على بعض وأشباهها إلا قال " افعلوا ولا حرج " رواه مسلم، وعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير متفق عليه، روواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله ابن عمرو وفيه فحلقت قبل أن أرمي، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع، فأما إن فعله عامداً عالماً مخالفة للسنة فإنه لا دم عليه في (إحدى الروايتين) وهو قول عطاء واسحاق لإطلاق حديث ابن عباس
стр. 1974
وكذلك حديث عبد الله بن عمرو من رواية سفيان بن عيينة (والثانية) عليه دم روي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة والنخعي لأن الله
تعالى قال (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ولأن النبي ﷺ رتب وقال " خذوا عني مناسككم " والحديث المطلق قد جاء مقيداً فيحمل المطلق على المقيد، قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال: إن كان جاهلاً فليس عليه دم فأما مع التعمد فلا لأن النبي ﷺ سأله رحل فقال لم أشعر، قيل لأبي عبد الله سفيان بن عيينة لا يقول لم أشعر فقال نعم ولكن مالكاً والناس عن الزهري لم أشعر وهو في الحديث، وقال مالك إن قدم الحلق على المرى فعليه دم وإن قدمه على النحر أو النحر على الرمي فلا شئ عليه لأنه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول ولا يحصل إلا برمي الجمرة، فأما النحر قبل الرمي فجائز لأن الهدي قد بلغ محله ولنا الحديث فإنه لم يفرق بينهما فإن النبي ﷺ قيل له في الحلق والنحر والتقديم والتأخير فقال " لا حرج " ولا نعلم خلافاً بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الأجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا في وجوب الدم على ما ذكرنا (فصل) فإن قدم الإفاضة على الرمي أجزأ طوافه، وبهذا قال الشافعي وقال مالك لاتجزئه الإفاضة فليرم ثم لينحر ثم ليقصر، وكان ابن عمر يقول فيمن أفاض قبل أن يحلق برجع فيحلق أو يقصر ثم يفيض
стр. 1975
ولنا ماروى عطاء أن النبي ﷺ قال له رجل أفضت قبل أن أرم، قال " ارم ولا حرج " وعنه أن النبي ﷺ قال " من قدم شيئاً قبل شئ فلا حرج " رواهما سعيد في سننه، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أتاه آخر فقال إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال " ارم ولا حرج " فما سئل رسول الله ﷺ عن شئ قدم ولا أخر إلا قال " افعل ولا حرج " رواه أبو داود والنسائي والترمذي، ولأنه أتى بالرمي في وقته فأجزأه كما لو رتب، ومقتضى كلام أصحابنا أنه يحصل له بالإفاضة قبل الرمي التحلل الأول كمن رمى ولم يفض، فعلى هذا لو واقع أهله قبل الرمي بعد الإفاضة فعليه دم ولا يفسد حجه، وكذلك قال الأوزاعي فإن رجع إلى أهله ولم يرم فعليه دم الترك الرمي وحجه صحيح فإن ابن عباس قال: من نسي أو ترك شيئاً من نسكه فليهرق لذلك دما
(مسألة) (ثم يخطب الإمام خطبة يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي) يستحب أن يخطب الامام بمعنى يوم النحر يعلمهم فيها النحر والإفاضة والرمي نص عليه
стр. 1976
أحمد وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، وذكر بعض أصحابنا أنه لا يخطب يومئذ وهو مذهب مالك لأنها تسن في اليوم الذي قبله فلا تسن فيه ولنا ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر يعنى بمنى.
أخرجه البخاري، وعن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله ﷺ بخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلي؟ عبر عنه والناس بين قائم وقاعد، وقال أبو أمامة ﵁ سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر، وقال عبد الرحمن بن معاذ خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى ففتحنا أسماعنا حتى كنا نسمع ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار.
رواهن أبو داود غير حديث ابن عباس، ولأنه يوم تكثر فيه أفعال الحج ويحتاج إلى تعليم الناس أحكام ذلك فاحتيج إلى الخطبة من أجله يوم عرفة (فصل) يوم الحج الأكبر يوم النحر فإن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر " هذا يوم الحج الأكبر " رواه البخاري وسمي بذلك لكثرة أفعال الحج فيه من الوقوف بالمشعر والدفع منه إلى منى والرمي والنحر والحلق وطواف الإفاضة والرجوع إلى منى ليبيت بها وليس في غيره مثله وهو مع ذلك يوم عيد وبرم يحل فيه من أفعال الحج (مسألة) (ثم يفيض إلى مكة ويطوف للزيارة، ويعينه بالنية وهو الطواف الواجب الذي به تمام الحج)
стр. 1977
وجملة ذلك أنه إذا رمى ونحر وحلق أفاض إلى مكة يوم النحر فطاف طواف الزيارة وسمي بذلك لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى ويسمى طواف الإفاضة لكونه يأتي به عند افضاته من منى إلى مكة، وصفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم إلا أنه ينوي به طواف
الزيارة ويعينه بالنية ولا رمل فيه ولا اضطباع لقول ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه، والنية شرط في هذا الطواف.
هذا قول اسحاق وابن القاسم صاحب مالك وابن المنذر، وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي: يجزئه وإن لم ينو الفرض الذي عليه ولنا قول النبي ﷺ " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " ولأن النبي ﷺ سماه صلاة والصلاة لا تصح إلا بنية اتفاقاً، وهذا الطواف ركن للحج لا يتم إلا به بغير خلاف علمناه.
قال ابن عبد البر هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء، قال الله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) وعن عائشة قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية فأراد النبي ﷺ منها ما يرد الرجل من أهله فقلت يارسول الله إنها حائض فقال " أحابستنا هي؟ قالوا يارسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر قال " اخرجوا " متفق عليه فدل على أن هذا الطواف لابد منه وأنه حابس لمن لم يأت به (مسألة) (وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر والأفضل فعله يوم النحر فإن أخره عنه وعن أيام منى جاز) لهذا الطواف وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر
стр. 1978
والحلق لقول جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ يوم النحر: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر.
وقد ذكرنا حديث عائشة قالت فأفضنا يوم النحر وقال ابن عمر أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر متفق عليهما، وإن أخره إلى الليل فلا بأس فإن ابن عباس وعائشة رويا أن النبي ﷺ أخر طواف الزيارة إلى الليل رواهما أبو داود والترمذي وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة أولا طلوع الفجر يوم النحر وآخره آخر أيام النحر وهذا مبني على أول وقت الرمي وقد مضى الكلام فيه، واحتج على آخر وقته بأنه نسك يفعل في الحج فكان آخره محدوداً كالوقوف الرمي والصحيح أن آخر وقته غير محدود لأنه متى أتى به صح بغير خلاف وإنما
الخلاف في وجوب الدم فنقول طاف فيما بعد أيام النحر طوافاً صحيحاً فلم يلزمه دم كما لو طاف في أيام النحر وأما الوقوف والرمي فإنهما لما كانا موقتين كان لهما وقت يفوتان بفواته وليس كذلك الطواف فإنه متى أتى به صح (مسألة) ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو لم يكن سعى من طواف القدوم وإن كان قد سعى لم يسع لأن السعي الذي سعاه المتمتع إنما كان للعمرة فيشرع له أن يسعى للحج، وإن كان المفرد والقارن لم يسعيا مع طواف القدوم سعياً بعد طواف الزيارة لأن السعي لا يكون إلا بعد الطواف لكون النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف وقال " خذوا عني مناسككم " وإن كان قد سعى مع طواف
стр. 1979
القدوم لم يسع فإنه لا يستحب التطوع بالسعي كسائر الإنساك ولا نعلم فيه خلافاً، فأما الطواف فيستحب التطوع به لأنه صلاة (مسألة) (ثم قد حل له كل شئ) يعني إذا طاف للزيارة بعد الرمي والنحر والحلق وكان قد سعى حل له كل شئ حرمه الإحرام وقد ذكرنا أنه لم يكن بقي عليه من المحظورات سوى النساء فبهذا الطواف حل له النساء قال ابن عمر ﵄: لم يحل النبي ﷺ من شئ حرم عنه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت ثم حل من كل شئ حرم منه.
وعن عائشة ﵂ مثله متفق عليهما ولا نعلم خلاف في حصول الحل بما ذكرناه على هذا الترتيب، فإن طاف ولم يكن سعى لم يحل حتى يسعى إن قلنا إن السعي ركن وإن قلنا هو سنة فهل يحل قبله على وجهين (أحدهما) يحل لأنه لم يبق عليه شئ من واجباته (والثاني) لا يحل لأنه من أفعال الحج فيأتي به في إحرام الحج كالسعي في العمرة (فصل) قال الخرقي يستحب للمتمتع إذا دخل مكة لطواف الزيارة أن يطوف طوافاً ينوي به القدوم ثم يسعى بين الصفا والمروة ثم يطوف طواف الزيارة لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك فإن
стр. 1980
الطواف الذي طافه في الأول كان طواف العمرة، وقد نص أحمد ﵀ على ذلك في رواية الأثرم
قال قلت لأبي عبد الله فإذا رجع يعني المتمتع كم يطوف ويسعى؟ قال: يطول ويسعى لحجه ويطوف طوافاً آخر للزيارة.
عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا طواف القدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد أيضا واحتج بما روت عائشة ﵂ قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طافوا طوافاً واحداً.
فحمل أحمد ﵁ قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطاً له كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض قال شيخنا ﵀ ولم أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة فإنه يكتفي بها من تحية المسجد ولأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمر به النبي ﷺ أحداً وحديث عائشة دليل على هذا فإنها قالت طافوا طوافاً واحداً بعد أن رجعوا من منى لحجتهم وهذا هو طواف الزيارة ولم تذكر طوافاً آخر ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لايتم إلا به وذكرت ما يستغني عنه وعلى كل
стр. 1981
حال فما ذكرت إلا طوافاً واحداً فمن أين يستدل على طوافين؟ وأيضاً فإنها لما حاضت فقرنت الحج إلى العرمة بأمر النبي ﷺ ولم تكن طافت للقدوم لم تطف للقدوم ولا أمرها به النبي ﷺ ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حق المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة ولأنه أول قدومه إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته وطوافه به وفي الجملة هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب إنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة وهو في حق المتمتع كهو في حق القارن والمفرد لا يتم الحج إلا به (فصل) والاطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف الزيارة وهو ركن لايتم الحج إلا به بغير
خلاف، وطواف القدوم وهو سنة لا شئ على تاركه، وطواف الوداع واجب يجب بتركه دم وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وقال مالك على تارك طواف القدوم دم ولا شئ على تارك طواف الوداع وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع وكقوله في طواف القدوم وما زاد على هذه الاطوفة فهو نقل ولا يشرع في حقه أكثر من سعي واحد بغير خلاف علمناه قال جابر لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً طوافه الأول رواه مسلم ولا يكون السعي إلا بعد طواف وقد ذكرناه
стр. 1982
(فصل) ويستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه ويصلي فيه ركعتين ويدعو الله عزوجل قال ابن عمر ﵁: دخل النبي ﷺ البيت وبلال وأسامة بن زيد فقلت لبلال هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال نعم قلت أين؟ قال بين العمودين تلقا وجهه قال ونيست أن أسأله كم صلى.
وقال ابن أسامة أخبرني أسامة أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج متفق عليهما فقدم أهل العلم رواية بلال على رواية أسامة لأنه مثبت وأسامة ناف ولأن أسامة كان حديث السن فيجوز أن يكون أشتغل بالنظر إلى ما في الكعبة عن صلاة رسول الله ﷺ .
وإن لم يدخل البيت فلا بأس فإن إسماعيل بن خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى دخل النبي ﷺ البيت في عمرته؟ قال لا متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ خرج من عندها وهو مسرور ثم رجع وهو كئيب فقال " إني دخلت الكعبة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلتها إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي (مسألة) ويستحب أن يأتي زمزم فيشرب من مائها لما أحب ويتضلع منه قال جابر في صفة حج النبي ﷺ ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون فناولوه دلواً فشرب منه.
وروي أن النبي ﷺ قال " ماء زمزم لما شرب له " وعن عبد الرحمن بن أبي بكر قال كنت عند ابن عباس جالساً فجاءه رجل فقال من أين جئت؟ قال من زمزم قال فشربت منها كما ينبغي؟ قال فكيف؟ قال إذا شربت منها فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثة من زمزم
стр. 1983
وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله ﷺ قال " آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم
стр. 1984
لا يتضلعون من زمزم " رواهما ابن ماجة ويقول عند الشرب بسم الله اللهم اجعله لنا علما نافعا، ورزقا واسعا ورياً
стр. 1985
وشبعاً وشفاء من كل داء واغسل به قلبي واملأة من خشيتك وحكمتك (فصل) قال الشيخ ﵀ (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ليالي منى) السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى لما روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى.
متفق عليه والمبيت بمنى في لياليها واجب في إحدى الروايتين عن أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي.
روى ذلك عن ابن عباس وهو قول عروة ومجاهد وابراهيم وعطاء وروي عن عمربن الخطاب وبه قال مالك والشافعي (والثانية) ليس بواجب روى ذلك عن الحسن وروي عن ابن عباس إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت ولأنه قد حل من حجه فلم يجب عليه المبيت بموضع معين كليلة الحصبة ووجه الرواية الأولى أن ابن عمر روي أن النبي ﷺ رخص للعباس بن
стр. 1986
عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، متفق عليه وتخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره وعن ابن عباس ﵄ قال: لم يرخص النبي ﷺ لأحد يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته.
رواه ابن ماجه ولأن النبي ﷺ فعله نسكاً وقال " خذوا عني مناسككم " (مسألة) (ويرمي الجمرات بها في أيام التشريق بعد الزوال كل جمرة بسبع حصيات فيبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعدهن من مكة وتلي مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويرميها بسبع ثم يتقدم قليلاً فيقف يدعو الله تعالى ويطيل ثم يأتي الوسطى فيجعلها عن يمينه ويرميها بسبع ويقف عندها فيدعو ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويستبطن الوادي ولا يقف عندها ويستقبل القبلة في الجمرات كلها) وقد ذكرنا أن جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة سبعة منها يرمي بها يوم النحر بعد طلوع
الشمس وباقيها في أيام التشريق الثلاثة بعد زوال الشمس كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث
стр. 1987
جمرات يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات من مكة قريباً من مسجد الخيف فيجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كما وصفنا في رمي جمرة العقبة ثم يتقدم منها إلى مكان لا يصيبه الحصى فيقف طويلاً يدعو الله تعالى رافعاً يديه ثم يتقدم إلى الوسطى فيجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة ويرميها بسبع ويفعل من الوقوف والدعاء كما فعل في الأولى ثم يرمي جمرة العقبة بسبع ويستبطن الوادي ويستقبل القبلة ولا يقف عندها.
هذا قول الشافعي ولا نعلم في جميع ذلك خلافاً إلا أن مالكا قال: ليس بموضع لرفع اليدين وقد ذكرنا الخلاف فيه عند رؤية البيت وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل أيقوم الرجل عند الجمرتين إذا رمى؟ قال: أي لعمري شديداً ويطيل القيام أيضاً قيل: فإلى أين يتوجه في قيامه؟ قال إلى القبلة ويرميها من بطن الوادي، والأصل في هذا ماروت عائشة قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصا ويقف عند الأولى والثانية ويتضرع ويرمي الثالثة ولا يقف عندها.
رواه أبو داود، وعن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات يكر على أثر كل حصاة ثم يتقدم وستهل ويقوم قياماً طويلاً ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ويأخذ بذات الشمال ويستهل ويقوم مستقبل القبلة فياما طويلاً ثم يرفع يديه ويقوم طويلاً ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف ويقول هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
رواه البخاري، وروى أبو داود أن ابن عمر كان يدعو بدعائه الذي
стр. 1988
دعا به بعرفة ويزيد وأصلح وأتم لنا مناسكنا وقال ابن المنذر كان ابن عمر وابن مسعود يقولان عند الرمي اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً.
وروى عبد الرحمن بن زيد قال: أفضت مع عبد الله فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويستبطن الوادي حتى إذا فرغ قال اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً، ثم قال: هكذا رأيت الذي أنزلت عليه سورة البقرة صنع رواه الأثرم
(فصل) ولا يرمي إلا بعد الزوال فإن رمى قبل الزوال أعاد نص عليه وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال مالك والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وعطاء إلا أن إسحاق وأصحاب الرأي رخصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال ولا ينفر إلا بعد الزوال وعن أحمد مثله ولنا أن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال لقول جابر ﵁ رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس وقد قال النبي ﷺ " خذوا عني مناسككم " وقال ابن عمر كنا نتحين إذا زالت الشمس رميناً، وأي وقت رمى بعد الزوال أجزأه إلا أن المستحب المبادرة إليها حين الزوال كما قال ابن عمر وقال ابن عباس كان رسول الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر مااذا فرغ من رميه صلى الظهر.
رواه ابن ماجه
стр. 1989
(فصل) فإن ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة ولا شئ عليه وبه قال الشافعي واسحاق وأبو حنيفة وعن الثوري أنه قال: يطعم شيئاً وإن أراق دما أحب إلي لأن النبي ﷺ فعله فيكون نسكاً ولنا أنه دعاء ووقوف مشروع فلم يجب بتركه دم كحالة رؤية البيت وكسائر الأدعية والنبي ﷺ يفعل الواجبات والمندوبات وقد ذكرنا الدليل على أنه مندوب (مسألة) (والترتيب شرط في الرمي وفي عدد الحصا روايتان (إحداهما) سبع والأخرى يجزئه خمس) الترتيب في هذه الجمرات واجب على ما ذكرناه فإن نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية، ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث لم يجزه إلا الأولى وأعاد الوسطى والقصوى نص عليه أحمد، وإن رمى القصوى ثم الأولى ثم الوسطى أعاد القصوى وحدها.
وبه قال مالك، والشافعي وقال الحسن وعطاء لا يجب الترتيب وهو قول أبي حنيفة فإنه قال: إذا رمى منكساً يعيد.
فان لم يفعل أجزأه، واحتج بعضهم بما روي عن النبي ﷺ أنه قال " من قدم نسكاً بين يدي نسك فلا حرج " ولأنها مناسك متكررة وفي أمكنه متفرقة في وقت واحد ليس بعضها تابعاً لبعض فلم يشترط الترتيب فيها كالرمي والذبح
ولنا أن النبي ﷺ رتبها في الرمي وقال " خذوا عني مناسككم " ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي وحديثهم إنما هو فيمن يقدم نسكاً على نسك لا فيمن يقدم بعض النسك على بعض وقياسهم يبطل بالطواف والسعي
стр. 1990
(فصل) والأولى في الرمي أن لا ينقص عن سبع حصيات لأن النبي ﷺ رمى بسبع فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس.
ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه وهو قول مجاهد وإسحاق وعنه إن رمى بست ناسياً فلا شئ عليه ولا ينبغي أن يتعمده فإن تعمد ذلك تصدق بشئ.
وكان ابن عمر يقول ما أبالي رميت بست أو سبع.
قال ابن عباس: ما أدري رماها النبي ﷺ بست أو بسبع، وعن أحمد أن عدد السبع شرط ويشبه مذهب الشافعي وأصحاب الرأي لأن النبي ﷺ رمى بسبع.
وقال أبو حية: لا بأس بما رمي به الرجل من الحصى، فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حية.
وكان أبو حية بدريا.
ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاوس عن رجل ترك حصاة، قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: أن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد قال سعد رجعنا من الحجة مع رسول الله ﷺ بعضنا يقول رميت بست وبعضنا بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض.
رواه الأثرم وغيره (مسألة) (فإن أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى لإخلاله بالترتيب فإن لم يعلم من أي الجمار تركها بني على اليقين ليتيقن براءة الذمة، فإن أخل بحصاة غير واجبة لم يؤثر تركها)
стр. 1991
(مسألة) (وإن أخر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه ويرتبه بنيته، وإن أخره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة أو ليلة واحدة ما في حلق شعرة) إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شئ عليه
стр. 1992
إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعاً رماها وعليه دم ولنا أن أيام التشريق وقت للرمي فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شئ كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته، قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء لأنه وقت واحد فإن سمي قضاء بالمراد به الفعل كقوله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم) وقولهم قضيت الدين.
والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد وإنما قلنا يلزمه الترتيب بنيته لأنها عبادة يجب الترتيب فيها إذا فعلها في أيامها فوجب ترتيبها مجموعة كالمجموعتين والفوائت من الصلوات (فصل) فإن أخره عن أيام التشريق فعليه دم لأنه ترك نسكاً واجباً فيجب عليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكاً أو نسيه فإنه يهرق دماً.
ولأن آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي هذا قول أكثر أهل العلم.
وعن عطاء فيمن رمى جمرة العقبة وخرج إلى إبله في ليلة أربع عشرة ثم رمى قبل طلوع الفجر أجزأه فإن لم يرم فعليه دم والأول أولى لأن محل الرمي النهار فيخرج وقت الرمي بخروج النهار وكذلك إن ترك المبيت بمنى في لياليها وهذا مبني على الرواية في وجوب المبيت بمنى، وعن أحمد أنه لا شئ عليه وقد أساء.
وهو قول أصحاب الرأي لأن الشرع لم يرد فيه بشئ، وعنه يطعم شيئاً وخففه ثم قال: قد قال بعضهم ليس عليه.
وقال إبراهيم عليه دم وضحك ثم قال دم بمرة شدد وبمرة (١) قلت ليس إلا أن يطعم شيئاً قال نعم يطعم شيئاً تمراً أو نحوه فعلى هذا أي شئ تصدق به أجزأه، ولا فرق بين ليلة أو أكثر لأنه لا تقدير فيه، وفيما دون الثلاث ثلاث روايات (إحداهن) في كل واحدة مد (والثانية) درهم (والثالثة) نصف درهم.
قال الشيخ ﵀: وهذا لا نظير له فإنا لا نعلم في ترك شئ من المناسك درهماً ولا نصفاً فايجابه بغير نص تحكم لا وجه له.
وفي ترك حصاة من رمي الجمار كذلك ولانه في معناه وقد ذكرنا ما في حلق الشعرة فيما مضى وذكرنا الخلاف
(مسألة) (وليس على أهل سقاية الحاج ولا الرعاة مبيت بمنى فإن غربت الشمس وهم بمنى لزم الرعاة المبيت دون أهل السقاية) لما روى ابن عمر ﵁ أن العباس استأذن النبي ﷺ إن يبيت بمكة ليالي منى من أجل
стр. 1993
سقايته.
متفق عليه.
وقد روى مالك بإسناده عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه قال: رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما.
قال مالك ظننت أنه قال في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النفر.
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه ابن عيينة قال رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس لزمهم المبيت إذا قلنا بوجوبه وأهل السقاية لا يلزمهم لأن الرعاء إنما رعيهم بالنهار فإذا غربت الشمس انقضى وقت الرعي وأهل السقاية يستقون بالليل، وصار الرعاء كالمريض الذي يسقط عنه حضور الجمعة لمرضه فإذا حضرها تعينت عليه كذلك الرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي فإذا فات وقته وجب المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة لأن النبي ﷺ رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم فوجب إلحقاهم بهم لوجود المعنى فيهم (فصل) ومن كان مريضاً أو محبوساً أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله إذا رمى عنه الجمار يشهد هو ذاك أم يكون في رحله؟ قال يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين يرمى عنه.
قلت فإن ضعف عن ذلك يكون في رحله ويبعث من يرمي عنه؟ قال: نعم قال القاضي: المستحب أن يضع الحصى في يد النائب ليكون له عمل في الرمي.
وإن أغمي على المستنيب لم تنقطع النيابة وللنائب الرمي عنه كما لو استنابه في الحج ثم أغمي عليه وبما ذكرنا في هذه المسألة قال الشافعي ونحوه قال مالك إلا أنه يتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات (فصل) ومن ترك الرمي من غير عذر فعليه دم.
قال أحمد: أعجب إلي إذا ترك رمي الأيام كلها كان عليه دم وفي ترك جمرة واحدة دم أيضاً نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي وأصحاب
الرأي.
وحكي عن مالك أنه عليه في جمرة وفي الجمرات كلها بدنة.
وقال الحسن: من نسي جمرة واحدة يتصدق على مسكين ولنا قول ابن عباس: من ترك شيئاً من مناسكه فعليه دم.
ولأنه ترك من مناسكه مالا يفسد الحج بتركه فكان الواجب عليه شاة كالمبيت.
وإن ترك أقل من جمرة فالظاهر عن أحمد أنه لا شئ في حصاة ولا حصاتين، وعنه أنه يجب الرمي بسبع فإن ترك شيئاً من ذلك تصدق بشئ أي شئ كان.
وعنه أن في حصاة دما وهو مذهب مالك والليث لأن ابن عباس ﵄ قال: من ترك
стр. 1994
شيئاً من مناسكه فعليه دم، وعنه في الثلاثة دم وهو مذهب الشافعي وفيما دون ذلك في كل حصاة مد وعنه درهم وعنه نصف درهم.
وقال أبو حنيفة: إن ترك جمرة العقبة والجمار كلها فعليه دم وإن ترك أقل من ذلك فعيه في كل حصاة نصف صاع إلى أن يبلغ دما وقد ذكرنا ذلك (فصل) ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمنى، قال ابن مسعود ﵁: صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر وعثمان ركعتين صدرا من إمارته، فإن كان الاما غير مرضي صلى المرء برفقته في رحله (مسألة) ويخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يستحب قياساً على اليومين الآخرين ولنا ماروي عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله ﷺ يخطب بين أواسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، رواه أبو داود.
ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم كيف يتعجلون وكيف يودعون بخلاف اليوم الأول والثالث
стр. 1995
(مسألة) فمن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد) أجمع أهل العلم على أن من أراد الخروج من منى شاخصاً عن الحرم غير مقيم بمكة أن له أن ينفر
بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق فإن أحب الإقامة بمكة فقال أحمد: لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة.
وقال مالك: يقول في أهل مكة من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين فإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا.
واحتج من ذهب إلى هذا بقول عمر ﵁: من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفروا إلا في النفر الآخر.
جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر: إلا آل خزيمة.
أي أنهم أهل الحرم.
والمذهب جواز النفر في النفر الاول لكل أحد وهو قول عامة العلماء لقول الله تعالى (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) قال عطاء هي للناس عامة، وروى أبو داود وابن ماجة عن يحيى بن يعمر أن رسول الله ﷺ قال " أيام منى ثلاثة فمن تعجل فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه " قال ابن عيينة هذا أجود حديث رواه سفيان، وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك وفيه زيادة أنا اختصرته، ولأنه دفع من مكان فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم كالدفع من عرفة ومزدلفة، وكلام أحمد في هذا أراد به الاستحباب موافقة لقول عمر، فمن أحب التعجيل في النفر الأول خرج قبل غروب الشمس فإن غربت قبل خروجه من منى لم ينفر سواء كان ارتحل أو لم يرتحل، هذا قول ابن عمر وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد ومالك والثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: له ان ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث لأنه لم يدخل وقت رمي اليوم الآخر فجاز له النفر كما قبل الغروب ولنا قوله سبحانه (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) واليوم اسم للنهار فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين، قال إبن المنذر: ثبت عن عمر ﵁ أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.
وما قاسوا عليه لا يشبه ما نحن فيه فإنه تعجل في يومين
стр. 1996
(فصل) قال بعض أصحابنا يستحب لمن ينفر أن يأتي المحصب وهو الأبطح وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم يهجع يسيراً ثم يدخل مكة، وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة، قال إبن المنذر كان ابن عمر يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء
وكان كثير الإتباع لسنة رسول الله ﷺ ، وكان طاوس يحصب في شعب الجور، وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة، قال ابن عباس ﵄ التحصيب ليس بشئ إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، وعن عائشة ﵂ أن نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه إذا خرج، متفق عليهما، ومن استحب ذلك فلاتباع رسول الله ﷺ فإنه كان ينزله، قال نافع كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن رسول الله ﷺ متفق عليه، وقال ابن عمر كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، ولا خلاف انه لا يجب ولا شئ على تاركه (فصل) ويستحب لمن حج أن يدخل البيت وقد ذكرناه ولا يدخله بنعليه ولا خفيه ولا إلى الحجر لأنه من البيت ولا يدخل الكعبة بسلاح قال أحمد وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها وقال إذا أراد أن يستشفي بشئ من طيب الكعبة فيأت بطيب من عنده فليزقه على البيت بحيث يأخذه ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً ولا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل فيه من الحل كذلك قال ابن عمر وابن عباس ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل والخروج أشد إلا أن ماء زمزم أخرجه كعب (فصل) قال أحمد ﵁ كيف لنا بالجوار بمكة قال النبي ﷺ " والله إنك لأحب البقاع إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " وإنما كره عمر الجوار بمكة لمن هاجر منها، وجابر ابن عبد الله جاور بمكة وجميع أهل البلاد ومن كان من أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر أي لا بأس به وابن عمر كان يقيم بمكة قال والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه لأنها مهاجر المسلمين وقد قال النبي ﷺ " لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت شفيعاً له يوم القيامة "
стр. 1997
(مسألة) فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره) وجملة ذلك أن من أتى مكة فلا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها فإن أقام بها فلا وداع عليه لأن الوداع من المفارق وسواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف
ولنا أنه غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر وانما قال رسول الله ﷺ " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وهذا ليس بنافر فأما الخارج من مكة فليس له الخروج حتى يودع البيت بطواف سبع وهو واجب يجب بتركه دم وبه قال الحسن والحكم وحماد والثوري واسحاق وأبو ثور.
وقال الشافعي في قول لا يجب بتركه شئ لأنه يسقط عن الحائض فلم يكن واجباً كطواف القدوم ولنا ما روى ابن عباس ﵄ قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
متفق عليه.
ولمسلم قال كان الناس ينصرفون كل وجه فقال رسول الله ﷺ " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها
стр. 1998
دليل على وجوبه على غيرها إذ لو كان ساقطاً عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك.
معنى إذا ثبت وجوبه فإنه ليس بركن بغير خلاف ويسمى طواف الوداع لأنه لتوديع البيت وطواف الصدر لأنه عند صدور الناس من مكة ووقته بعد فراغ الحاج من جميع ما أمره ليكون آخر عهده بالبيت كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه ولذلك قال النبي ﷺ " ليكون آخر عهده بالبيت " ولأنه خارج من الحرم فلزمه التوديع كالبعيد (مسألة) فإن ودع ثم اشتغل في تجارة أو أقام أعاد الوداع لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت.
فإن اشتغل بعده بتجارة أو إقامة فعليه إعادته هذا قول عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي إذا طاف للوداع أو طاف تطوعا بعد ماحل له النفر أجزأه عن طواف الوداع.
وإن أقام شهراً لأنه طاف بعد
стр. 1999
ماحل له النفر فلم تلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه ولنا قوله ﵇ " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " ولأنه إذا قام بعده خرج
عن أن يكون وداعاً في العادة فلم يجزه كما لو طافه قبل حل النفر.
فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه لم يعده لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت.
وبهذا قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً (مسألة) (فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع) هذا ظاهر المذهب لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت.
وقد فعل ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة، وركعتا الطواف والإحرام يجزئ عنهما المكتوبة، وعنه لا يجزئ عن طواف الوداع لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجز إحداهما عن الأخرى كالصلاتين الواجبتين فأما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزه عن طواف الزيارة لقوله ﵇ " وإنما لكل امري ما نوى " وحكمه حكم من ترك طواف الزيارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى (مسألة) (فان خرج قبل الوداع رجع إليه.
فان لم يمكنه فعليه دم إلا الحائض والنفساء لا وداع عليهما) من خرج قبل الوداع فعليه الرجوع إن كان قريباً وإن أبعد فعليه دم هذا قول عطاء والثوري والشافعي، واسحاق وأبي ثور.
والقريب من كان من مكة دون مسافة القصر.
والبعيد مسافة القصر فما زاد.
نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريباً: وقال الثوري حد ذلك الحرم.
فمن كان فيه فهو قريب.
ومن خرج منه فهو بعيد
стр. 2000
ولنا أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يفطر ولا يقصر ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام ومن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم ولا فرق بين تركه عمداً أو خطأ لعذر أو غيره لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطأه والمعذور وغيره كسائر واجباته.
فإن رجع البعيد فطاف للوداع.
فقال القاضي لا يسقط عنه الدم لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه.
وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له
عذر يسقط عنه الرجوع أولا لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحائض ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب (فصل) وإذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان تجاوزه إلا محرماً لأنه ليس من أهل الاعذار فليزمه طواف لإحرامه بالعمرة، والسعي، وطواف الوداع وفي سقوط الدم عنه الخلاف المذكور وإن كان من دون الميقات أحرم من موضعه.
فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله أنه لا يلزمه إحرام لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به فأشبه من رجع لطواف الزيارة فأما أن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة فقال أحمد أحب إلي أن لا يدخل إلا محرماً وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف، وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك، إنما دخل لحاجة غير متكررة أشبه من يدخلها للإقامة بها
следующие страницы →