← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

(فصل) قال بعض أصحابنا يستحب لمن ينفر أن يأتي المحصب وهو الأبطح وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم يهجع يسيراً ثم يدخل مكة، وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة، قال إبن المنذر كان ابن عمر يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء وكان كثير الإتباع لسنة رسول الله ﷺ ، وكان طاوس يحصب في شعب الجور، وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة، قال ابن عباس ﵄ التحصيب ليس بشئ إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، وعن عائشة ﵂ أن نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه إذا خرج، متفق عليهما، ومن استحب ذلك فلاتباع رسول الله ﷺ فإنه كان ينزله، قال نافع كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن رسول الله ﷺ متفق عليه، وقال ابن عمر كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، ولا خلاف انه لا يجب ولا شئ على تاركه (فصل) ويستحب لمن حج أن يدخل البيت وقد ذكرناه ولا يدخله بنعليه ولا خفيه ولا إلى الحجر لأنه من البيت ولا يدخل الكعبة بسلاح قال أحمد وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها وقال إذا أراد أن يستشفي بشئ من طيب الكعبة فيأت بطيب من عنده فليزقه على البيت بحيث يأخذه ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً ولا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل فيه من الحل كذلك قال ابن عمر وابن عباس ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل والخروج أشد إلا أن ماء زمزم أخرجه كعب (فصل) قال أحمد ﵁ كيف لنا بالجوار بمكة قال النبي ﷺ " والله إنك لأحب البقاع إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " وإنما كره عمر الجوار بمكة لمن هاجر منها، وجابر ابن عبد الله جاور بمكة وجميع أهل البلاد ومن كان من أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر أي لا بأس به وابن عمر كان يقيم بمكة قال والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه لأنها مهاجر المسلمين وقد قال النبي ﷺ " لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت شفيعاً له يوم القيامة "

стр. 1997

(مسألة) فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره) وجملة ذلك أن من أتى مكة فلا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها فإن أقام بها فلا وداع عليه لأن الوداع من المفارق وسواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف ولنا أنه غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر وانما قال رسول الله ﷺ " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وهذا ليس بنافر فأما الخارج من مكة فليس له الخروج حتى يودع البيت بطواف سبع وهو واجب يجب بتركه دم وبه قال الحسن والحكم وحماد والثوري واسحاق وأبو ثور. وقال الشافعي في قول لا يجب بتركه شئ لأنه يسقط عن الحائض فلم يكن واجباً كطواف القدوم ولنا ما روى ابن عباس ﵄ قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. متفق عليه. ولمسلم قال كان الناس ينصرفون كل وجه فقال رسول الله ﷺ " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها

стр. 1998

دليل على وجوبه على غيرها إذ لو كان ساقطاً عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك. معنى إذا ثبت وجوبه فإنه ليس بركن بغير خلاف ويسمى طواف الوداع لأنه لتوديع البيت وطواف الصدر لأنه عند صدور الناس من مكة ووقته بعد فراغ الحاج من جميع ما أمره ليكون آخر عهده بالبيت كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه ولذلك قال النبي ﷺ " ليكون آخر عهده بالبيت " ولأنه خارج من الحرم فلزمه التوديع كالبعيد (مسألة) فإن ودع ثم اشتغل في تجارة أو أقام أعاد الوداع لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت. فإن اشتغل بعده بتجارة أو إقامة فعليه إعادته هذا قول عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي إذا طاف للوداع أو طاف تطوعا بعد ماحل له النفر أجزأه عن طواف الوداع. وإن أقام شهراً لأنه طاف بعد

стр. 1999

ماحل له النفر فلم تلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه ولنا قوله ﵇ " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " ولأنه إذا قام بعده خرج عن أن يكون وداعاً في العادة فلم يجزه كما لو طافه قبل حل النفر. فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه لم يعده لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت. وبهذا قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً (مسألة) (فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع) هذا ظاهر المذهب لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت. وقد فعل ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة، وركعتا الطواف والإحرام يجزئ عنهما المكتوبة، وعنه لا يجزئ عن طواف الوداع لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجز إحداهما عن الأخرى كالصلاتين الواجبتين فأما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزه عن طواف الزيارة لقوله ﵇ " وإنما لكل امري ما نوى " وحكمه حكم من ترك طواف الزيارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى (مسألة) (فان خرج قبل الوداع رجع إليه. فان لم يمكنه فعليه دم إلا الحائض والنفساء لا وداع عليهما) من خرج قبل الوداع فعليه الرجوع إن كان قريباً وإن أبعد فعليه دم هذا قول عطاء والثوري والشافعي، واسحاق وأبي ثور. والقريب من كان من مكة دون مسافة القصر. والبعيد مسافة القصر فما زاد. نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريباً: وقال الثوري حد ذلك الحرم. فمن كان فيه فهو قريب. ومن خرج منه فهو بعيد

стр. 2000

ولنا أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يفطر ولا يقصر ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام ومن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم ولا فرق بين تركه عمداً أو خطأ لعذر أو غيره لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطأه والمعذور وغيره كسائر واجباته. فإن رجع البعيد فطاف للوداع. فقال القاضي لا يسقط عنه الدم لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه. وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له عذر يسقط عنه الرجوع أولا لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحائض ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب (فصل) وإذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان تجاوزه إلا محرماً لأنه ليس من أهل الاعذار فليزمه طواف لإحرامه بالعمرة، والسعي، وطواف الوداع وفي سقوط الدم عنه الخلاف المذكور وإن كان من دون الميقات أحرم من موضعه. فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله أنه لا يلزمه إحرام لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به فأشبه من رجع لطواف الزيارة فأما أن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة فقال أحمد أحب إلي أن لا يدخل إلا محرماً وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف، وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك، إنما دخل لحاجة غير متكررة أشبه من يدخلها للإقامة بها

стр. 2001

(فصل) والحائض والنفساء لا وداع عليهما ولا فدية كذلك هذا قول عامة أهل العلم. وقد روي عن عمر وابنه ﵄ أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع وكان زيد بن ثابت يقول به ثم رجع عنه. فروى مسلم أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا. قال طاوس كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت يفتي: أن لاتصدر الحائض حتى يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عباس: أما لا تسأل فلانه الأنصارية هل أمرها بهذا رسول الله ﷺ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول. ما أراك إلا قد صدقت، وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضاً، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: يارسول الله إنها حائض فقال " أحابستنا هي؟ " قالوا يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر. قال " فلتنفر إذا " ولم يأمرها بفدية ولا غيرها. وفي حديث ابن عباس إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، وحكم النفساء حكم الحائض لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يجب ويسقط (فصل) إذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان وجعت فاغتسلت وودعت لأنها في حكم الإقامة لانها لا تستبيح الرخص. فإن لم تمكنها الإقامة فمضت أو مضت لغير عذر فعليها دم فأما إن فارقت البنيان لم يجب عليها الرجوع لخروجها عن حكم الحاضر فإن قيل فلم لا يجب الرجوع ما دامت قريبة كالخارج لغير عذر؟ قلنا هناك ترك واجباً فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة

стр. 2002

القصر لأنه يكون انشاء سفر طويل غير الأول وههنا لم يكن واجباً ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيماً (مسألة) (فإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب) يستحب أن يقف المودع في الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة فيلتزمه ويلصق به صدره ووجهه ويدعو الله عزوجل. لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله. فما جاء دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ. قال نعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطا وقال. هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة انطلقت فرأيت رسول الله ﷺ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﷺ وسطهم. رواه أبو داود. وقال منصور سألت مجاهداً إذا أردت الوداع كيف أصنع؟ قال: تطوف سبعاً وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم فتشرب منها ثم تأتي الملتزم ما بين الباب والحجر فتستلمه ثم تدعو ثم تسأل حاجتك ثم تستلم الحجر وتنصرف. وقال بعض أصحابنا يقول في دعائه: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على

стр. 2003

آداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك. اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبداً ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شئ قدير. وعن طاوس قال: رأيت أعرابياً أتى المتلزم فتعلق باستار الكعبة فقال: بك أعوذ وبك ألوذ، اللهم فاجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضى بضمانك، مندوحاً عن منع الباخلين، وغنى عما في أيدي المستأثرين. اللهم فرجك القريب ومعروفك التام وعادتك الحسنة. ثم أضلني في الناس فألفيته بعرفات قائماً وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجتي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم أعظم مصيبة ممن ورد حوضك وانصرف محروماً من وجه رغبتك. وقال آخر: ياخير موفود إليه، قد ضعفت قوتي، وذهبت منتي، وأتيت إليك بذنوبي لا تسعها البحار أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك عن عقوبتك، رب ارحم من شملته الخطايا، وغمرته الذنوب، وظهرت منه العيوب، ارحم أسير ضر، وطريد فقر، أسألك أن تهب لي عظيم جرمي، يا مستزاداً من نعمه، ومستعاذاً من نقمه، ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق. اللهم إن كنت بسطت إليك يدي داعياً، فطالما كفيتني ساهياً، فنعمتك التي تظاهرت علي عند الغفلة، لا أيأس منها عند التوبة، فلا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف، وهب لي الإصلاح في الولد،

стр. 2004

والامن في البلد. والعافية في الجسد، إنك سميع مجيب، اللهم إن لك علي حقوقاً فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني: وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك الليلة فاجعل قراي الجنة. اللهم إن سائلك عند بابك من ذهبت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه وإن لم ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو السيد عن عبده وهو غير راض عنه، ثم يصلي على النبي ﷺ ألا إن المرأة إذا كانت حائضا أو نفساء لم تدخل المسجد ووقفت على بابه فدعت بذلك (فصل) قال أحمد: إذا ودع البيت يقوم عند الباب إذا خرج ويدعو فإذا تلا لا يقف ولا يلتفت فإن التفت رجع وودع، وروى حنبل في المناسك عن المهاجر قال قلت لجابر بن عبد الله: الرجل يطوف بالبيت ويصلي فإذا انصرف خرج ثم استقبل القبلة فقام فقال: ما كنت أحسب يصنع هذا إلا اليهود والنصاري قال أبو عبد الله أكره ذلك، وقول أبي عبد الله إن التفت رجع فودع على سبيل الاستحسان إذ لا نعلم لا بجاب ذلك عليه دليلاً. وقد قال مجاهد هذا إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد (فصل) فإن خرج قبل طواف الزيارة رجع حراماً حتى يطوف بالبيت لأنه ركن لايتم الحج إلا به ولا يحل من إحرامه حتى يفعله، فمتى لم يفعله لم ينفك إحرامه ورجع متى أمكنه محرماً لا يجزئه غير

стр. 2005

ذلك، وبذلك قال عطاء والثوري ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الحسن يحج من العام المقبل، وحكي نحو ذلك عن عطاء أيضاً ولنا قول البني ﷺ حين ذكر له أن صفية حاضت قال " أحابستنا هي؟ " قيل إنها قد أفاضت يوم النحر قال " فلتنفر إذاً " يدل على أن هذا الطواف لابد منه وأنه حابس لمن لم يأت به، فإن نوى التحلل ورفض إحرامه لم يحل بذلك لأن الإحرام لا يخرج منه بنية الخروج، ومتى رجع إلى مكة فطاف بالبيت حل بطوافه لأن الطواف لا يفوت وقته على ما قدمناه (فصل) وترك بعض الطواف كترك الجميع فيما ذكرنا وسواء ترك شوطاً أو أقل أو أكثر وهذا قول عطاء ومالك والشافعي واسحاق وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي من طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة وطواف العمرة وسعى بين الصفا والمروة ثم رجع إلى الكوفة أن سعيه يجزئه وعليه دم لما ترك من الطواف بالبيت ولنا أن ما أتى به لا يجزئه إذا كان بمكة فلم يجزئه إذا خرج منها كما لو طاف دون أربعة أشواط (فصل) فإن ترك طواف الزيارة بعد رمي جمرة العقبة لم يبق محرماً إلا عن النساء خاصة لأنه قد حصل له التحلل الأول برمي الجمرة فحل له كل شئ إلا النساء فإن وطئ لم يفسد حجة ولم تجب عليه بدنة لكن على دم ويجدد إحرامه ليطوف في إحرام صحيح وفي ذلك اختلاف ذكرناه فيما مضى

стр. 2006

(مسألة) (فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄ تستحب زيارة قبر النبي ﷺ لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي " وفي رواية " من زار قبري وجبت له شفاعتي " رواه باللفظ الأول سعيد، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال " مامن أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ " قال وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق، ولا يتشاغل بغيره، ويروى عن العتبي قال. كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يارسول الله سمعت الله يقول (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك متسغفرا من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن البان والاكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فرأيت النبي ﷺ فقال يا عتبي " الحق الأعرابي فبشره إن الله قد غفر له "

стр. 2007

ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى ثم يقول: بسم الله والصلاة علي رسول الله، اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال مثل ذلك إلا أنه يقول وافتح لي أبواب فضلك لما روي عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ علمها أن تقول ذلك إذا دخلت المسجد، ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والسلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه وعباده، أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فصلى الله عليك كثيراً كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحداً من النبيين والمرسلين وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنك قلت وقولك الحق (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم أجعله

стр. 2008

أو الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحيمين. ثم يدعو لوالديه ولا خوانه وللمسلمين أجمعين ثم يتقدم قليلاً ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصدق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله ﷺ وضجيعيه ووزيريه ورحمه الله وبركاته، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيراً (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك ﷺ ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين (فصل) ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي ﷺ ولا تقبيله، قال أحمد ﵀ ما أعرف هذا، قال الأثرم رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي ﷺ يقومون من ناحية فيسلمون، قال أبو عبد الله وهكذا كان ابن عمر ﵄ يفعل. قال أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم بن عبد الله بن عبد القارئ أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي ﷺ من المنبر ثم يضعها على وجه (فصل) ويستحب لمن رجع من الحج أن يقول ماروى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثم يقول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون ما بدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وصلى الله على محمد

стр. 2009

وسلم، روى سعيد ثنا هشيم أنا ليث عن ثكير بن جعفر عن ابن عمر أنه قال: يقال إذا قدم الحاج تقبل الله نسكك، وأعظم أجرك، وأخلف نفقتك (فصل) في صفة العمرة قال الشيخ ﵀ (من كان في الحرم خرج إلى الحل فأحرم منه) من أراد العمرة من أهل الحرم فخرج إلى الحل فأحرم منه وكان ميقاتاً له، لا نعلم فيه خلافاً والأفضل أن يحرم من التنعيم لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم وقال ابن سيرين بلغني أن النبي ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم، وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم، ومن أي الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي ﷺ عائشة من التنعيم لأنه أقرب الحل إلى مكة، وقد روي عن أحمد في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر هي على قدر تعبها (مسألة) (فإن أحرم من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم) وذلك لتركه الإحرام من الميقات، فإن خرج قبل الطواف ثم عاد أجزأه لأنه قد جمع بين الحل والحرم، وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صح أيضاً لأنه قد أتى بأركانها، وإنما أخل بالإحرام من ميقاتها وقد جبره فأشبه من أحرم دون الميقات بالحج وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي (والقول الثاني) لا تصح عمرته

стр. 2010

لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف بعد ذلك ويسعى، وإن حلق قبل ذلك فعليه دم، وكذلك كل ما فعله من محظورات إحرامه عليه فديه، وإن وطئ أفسد عمرته ويمضي في فاسده وعليه دم لا فسادها ويقضيها بعمرة من الحل، فإن كانت العمرة التي أفسدها عمرة الإسلام أجزأه قضاؤها عن عمرة الإسلام وإلا فلا (مسألة) (ثم يطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر، ثم قد حل) لأن هذا أفعال العمرة فحل بفعلها كحله من الحج بأفعاله وهل يحل قبل الحلق والتقصير؟ على روايتين أصلهما هل الحلق والتقصير نسك أو ليس بنسك؟ فان قلنا انه نسك لم يحل قبله كالرمي، وإن قلنا ليس بنسك، بل إطلاق من محظور حل قبله كاللبس والطيب وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج وهذا مقاس عليه (مسألة) (وتجزئ عمرة القارن والعمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام في أصح الروايتين) لا نعلم في إجزاء عمرة المتمتع خلافاً كذلك قال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وروى عن أحمد أن عمرة القارن لاتجزئ اختاره أبو بكر لأن النبي ﷺ أعمر عائشة ﵂ حين حاضت من التنعيم، ولو كانت عمرتها في قرانها أجزأتها " أعمرها بعدها، ولأنها ليست عمرة تامة لأنه لا طواف لها؟ وعنه أن العمرة من أدنى الحل لا تجزئ عن العمرة الواجبة قال إنما هي من أربعة أميال وثوابها على قدر تعبها، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: والله

стр. 2011

ما كانت عمرة إنما كانت زيارة، وإذا لم تكن تامة لم تجزئ لقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) قال علي ﵁: اتمامهما أن تأتي بهما من دويرة أهلك ووجه الأولى قول الضبي بن معبد إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال عمر ﵁ هديت لسنة نبيك، وحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة فقال لها النبي ﷺ حين حلت منهما " قد حللت من حجك وعمرتك " وإنما أعمرها من التنعيم قصداً لتطييب قلبها واحابة مسألتها لا لأنها كانت واجبة عليها، ثم إن لم تكن أجزأتها عمرة القران فقد أجزأتها العمرة من أدنى الحل وهي أحد ما قصدنا الدلالة عليه، ولأن الواجب عمرة واحدة وقد أتى بها صحيحة فأجزأته كعمرة المتمتع، ولأن عمرة القارن أحد النسكين للقارن فأجزأت كالحج، ولأن الحج من مكة يجزئ في حق المتمتع فالعمرة من أدنى الحل في حق المفرد أولى، وإذا كان الطوا ف المجرد يجزئ عن العمرة في حق المكي فلأن تجزئ العمرة المشتملة على الطوا ف وغيره أولى (مسألة) (ولا بأس أن يعتمر في السنة مراراً) روى ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاوس وعكرمة والشافعي، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن وابن سيرين ومالك، قال النخعي ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة ولأن النبي ﷺ لم يفعله

стр. 2012

ولنا أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ عمرة مع قرانها وعمرة بعد حجها، ولأن النبي ﷺ قال " العرمة إلى العمرة كفارة لما بينهما " متفق عيه، وقال علي ﵁ في كل شهر مرة، وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر رواهما الشافعي في مسنده، وقال عكرمة يعتمر إذا مكن الموسى من شعره، وقال عطاء إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين، فأما الإكثار من الاعتمار والموالاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه، وكذلك قال أحمد إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس، فظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام، وقال في رواية الأثرم إن شاء اعتمر في كل سنة، وقال بعض أصحابنا يستحب الإكثار من الاعتمار كالطواف. قال شيخنا ﵀ وأحوال السلف وأقوالهم على ما قلناه، ولأن النبي ﷺ لم تنقل عنه الموالاة بينهما، وإنما نقل عن السلف إنكار ذلك والحق في اتباعهم، قال طاوس الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري يؤجرون عليها أم يعذبون، قيل له فلم يعذبون؟ قال لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ويجئ، وإلى أن يجئ من أربعة أميال قد طاف مائة طواف وكلما طاف بالبيت كان افضل من أن يمشي في غير شئ (فصل) روى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " عمرة في رمضان تعدل حجة " متفق عليه، قال أحمد من أدرك يوما من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان وقال إسحاق معنى

стр. 2013

هذا الحديث مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال " من قرأ قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القرآن " وقال أنس ﵁ حج النبي ﷺ حجة وحدة واعتمر أربع عمر: واحدة في ذي القعدة وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانه إذا قسم غنائم حنين. متفق عليه، وقال أحمد حج النبي ﷺ حجة الوداع، قال وروي عن مجاهد أنه قال حج قبل ذلك حجة أخرى وما هو يثبت عندي وروي عن جابر ﵁ قال: حج النبي ﷺ ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر وهذا حديث غريب (فصل) وروي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " تابعوا بين الحج والعمرة فانها ينفيان العقر والذنوب كما ينفي الكبر خبث الحديث والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة

стр. 2014

ثواب إلا الجنة " قال الترمذي حسن صحيح، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه ولدته أمه " متفق عليه (فصل) قال ﵁ (أركان الحج الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، وعنه أنها أربعة الوقوف والطواف والإحرام والسعي، وعنه أنها ثلاثة وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب وليس بركن) الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعاً، وقد روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت النبي ﷺ بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا يارسول

стр. 2015

الله: كيف الحج؟ قال " الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " رواه أبو داود، قال محمد بن يحيى ما أري للثوي حديثاً أشرف منه. وطواف الزيارة أيضاً ركن للحج لا يتم إلا به، قال ابن عبد البر هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء لقول الله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) (فصل) واختلفت الرواية في الإحرام والسعي، فروي عنه أن الإحرام ركن لأنه عبارة عن نية الدخول في الحج فلم يتم بدونها لقوله ﵇ " إنما الأعمال بالنيات " وكسائر العبادات،

стр. 2016

وعنه أنه ليس بركن لحديث الثوري الذي ذكرناه، وأما السعي فروي عنه أنه ركن لايتم الحج إلا به وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي لما روي عن عائشة ﵂ قالت: طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمرة. رواه مسلم، وعن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار قالت: دخلت مع نسوه من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه حتى أني أقول إني لأرى ركبتيه وسمعته يقول " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " رواه ابن ماجه، ولأنه نسك في الحج والعمرة فكان ركناً فيها كالطواف بالبيت وعن أحمد أنه سنة لا دم في تركه، روى ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين لقول الله تعالى (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه فإن هذا رتبة المباح، وإنما تثبت سنته بقوله (من شعائر الله) وروي أن في مصحف أبي وابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) وهذا إن لم يكن قرآنا فلا ينحط عن رتبة الخبر لأنهما يرويانه عن النبي ﷺ ، ولأنه نسك معدود لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركناً كالرمي، واختار القاضي أنه واجب وليس ركن لكن يجب بتركه دم وهو قول الحسن وأبي حنيفة والثوري وهذا أولى لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لاعلى أنه لايتم إلا به، وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة، وحديث بنت أبي تجراة يرويه عبد الله

стр. 2017

ابن المؤمل وقد تكلموا في حديثه ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب، فأما الآية فإنما نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة كذلك قالت عائشة وهذا أوسط الأقوال وهو اختيار شيخنا (مسألة) (وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي والحلق أو التقصير، وطواف الوداع) وفي ذلك اختلاف ذكرناه فيما منضى وذكرنا الدليل عليه وما عدا هذا سنن وهو الاغتسال وطواف القدوم، والرمل والاضطباع، واستلام الركنين وتقبيل الحجر والاسرع والمشي في مواضعها

стр. 2018

والخطب والإذكار والدعاء والصعود على الصفا والمروة، وسائر ما ذكرناه غير الأركان والواجبات وأركان العمرة الطواف قياساً على الحج، وفي الإحرام والسعي روايتان على ما ذكرنا في الحج واجبها الحلق أو التقصير في إحدى الروايتين بناء على الحلق في الحج وسنتها الغسل والدعاء والذكر والسنن التي في الطواف، فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً فعليه دم، وقد ذكرنا ذلك في مواضعه مفصلاً، ومن ترك سنة فلا شئ عليه لأنها ليست واجبة فلم يجب جبرها كسنن سائر العبادات والله تعالى أعلم

стр. 2019

(باب الفوات والاحصار) (مسألة) (ومن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج ويتحلل بطواف وسعي وعنه ينقلب إحرامه لعمرة ولا قضاء عليه إلا أن يكون فرضاً وعنه عليه القضاء) الكلام في هذه المسألة في ثلاثة أمور (أولها) إن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يومئذ فاته الحج لا نعلم فيه خلافاً، قال جابر ﵁ لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال نعم رواه الأثرم؟ وقول النبي ﷺ " الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " يدل على فواته بخروج ليلة جمع (الثاني) إن من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلق هذا الصحيح من المذهب، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير ﵃ وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن أبي موسى في المسألة روايتان

стр. 2020

(إحداهما) كما ذكرنا (والثانية) يمضي في حج فاسد وهو قول المزني قال يلزمه أفعال الحج لأن سقوط ما فات وقته لايمنع وجوب ما لم يفت ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف له مخالفا فكان إجماعا، وروى الشافعي في مسنده أن عمر ﵁ قال لأبي أيوب حين فاته الحج اصنع مايصنع المعتمر ثم قد حللت فإن ادركت الحج قابلاً فحج واهد ما استيسر من الهدي، وروى النجاد بإسناده عن عطاء أن النبي ﷺ قال " من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة وليحج من قابل " ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى إذا ثبت هذا فظاهر كلام الخرقي أنه يجعل إحرامه بعمرة وقد نص عليه أحمد واختاره أبو بكر وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعطاء وأصحاب الرأي، وعنه لا يصير إحرامه بعمرة، بل يتحلل بطواف وسعي وحلق وهو مذهب مالك والشافعي لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى

стр. 2021

الآخر كما لو أحرم بالعمرة، ويحتمل أن من قال يجعل إحرامه بعمرة أراد أنه يفعل فعل المعتمر من الطواف والسعي فلا يكون بين القولين خلاف، ويحتمل أنه يصير إحرامه بحج إحراماً بعمرة بحيث تجزئه عن عمرة الإسلام إن لم يكن اعتمر، ولو أدخل الحج عليها لصار قارناً إلا أنه لا يمكنه الحج بذلك الإحرام إلا أنه يصير محرماً به في غير أشهره فيكون كمن أحرم بالحج في غير أشهره، ولأن قلب الحج إلى العمرة يجوز من غير سبب على ما قررناه في فسخ الحج فمع الحاجة أولى، ويخرج على هذا قلب العمرة إلى الحج فإنه لا يجوز، ولأن العمرة لا يفوت وقتها ولا حاجة الى انقلاب إحرامها بخلاف الحج (الأمر الثالث) في وجوب القضاء وفيه روايتان (إحداهما) يجب سواء كان الفائت واجباً أو تطوعاً اختاره الخرقي، ويروى ذلك عن عمر وابنه وزيد وابن عباس وابن الزبير ومروان وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي (والثانية) لاقضاء عليه، بل إن كانت فرضاً فعلها بالوجوب السابق وتسقط إن كانت نفلا، روي هذا عن عطاء وهو إحدى الروايتين عن مالك لأن النبي ﷺ لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال مرة واحدة

стр. 2022

ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة، ولأنه معذور في ترك إتمام حجه فلم يلزمه القضاء كالمحصر، ولأنها عبادة تطوع فلم يجب قضاؤها إذا فاتت كسائر التطوعات ووجه الأولى ما ذكرناه من الحديث واجماع الصحابة، وروى الدارقطي بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " من فاته عرفات فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل " ولأن الحج يلزمه بالشروع فيه فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات، وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة وهذه إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها فهي كالمنذور، وأما المحصر فإنه غير منسوب إليه التفريط بخلاف من فاته الحج على أن في المحصر رواية أنه يجب عليه القضاء فهو كمسئلتنا، وإذا قضى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة لا نعلم فيه خلافاً لأن الحجة المقضية لو تمت لأجزأت عن الواجبة عليه فكذلك قضاؤها لأن القضاء يقوم مقام الاداء (مسألة) (وهل يلزمه هدي؟ على روايتين (إحداهما) عليه هدي يذبحه في حجة القضاء إن

стр. 2023

قلنا عليه قضاء وإلا ذبحه في عامة) يجب الهدي على من فاته الحج في أصح الروايتين وهو قول من سمينا من الصحابة والفقهاء إلا أصحاب الراي فإنهم قالوا لاهدي عليه وهي الرواية الثانية عن احمد لأنه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي لزم المحصر هديان للفوات والاحصار ولنا حديث عطاء وإجماع الصحابة ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه هدي كالمحصر والمحصر لم يفت حجه لأنه يحل قبل فواته، إذا ثبت هذا فإنه يخرج الهدي في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه وإلا أخرجه في عامة، وإذا كان معه هدي قد ساقه نحره ولا يجزئه إن قلنا بوجوب القضاء، بل عليه في السنة الثانية هدي أيضاً نص عليه أحمد لما روى الأثرم بإسناده أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر فقال له عمر ما حبسك؟ قال حسبت أن اليوم يوم عرفة، قال فانطلق إلى البيت فطف به سبعاً وإن كان معك هدية فانحرها، ثم إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فأهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله. والهدي ما استيسر مثل هدي المتعة لحديث عمر ﵁، والمتمتع والمفرد والقارن والكي وغيره سواء فيما ذكرنا

стр. 2024

(فصل) فإن اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه للحج من قابل فله ذلك، روى ذلك عن مالك لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا تمنع إتمامه كالعمرة والمحرم بالحج في غير أشهره ويحتمل أنه ليس له ذلك وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، ورواية عن مالك الظاهر الخبر وقول الصحابة، ولكون إحرام الحج يصير في غير أشهره فصار كالمحرم بالعبادة قبل وقتها (فصل) فإن كان الذي فاته الحج قارنا حل وعليه مثل ما أهل به من قابل نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور واسحاق ويحتمل أن يجزئه ما فعله عن عمرة الاسلام ولا يلزمه إلا قضاء الحج لأنه لم يفته غيره، وقال الثوري وأصحاب الرأي يطوف ويسعى لعمرته ثم لا يحل حتى يطوف

стр. 2025

ويسعى لحجه إلا أن سفيان قال ويهريق دماً، ووجه الأول أنه يجب القضاء على حسب الأداء في صورته ومعنا فيجب ان يكون ههنا كذلك ويلزمه هديان لقرانه وفواته، وبه قال مالك والشافعي وقيل يلزمه هدي ثالث للقضاء وليس بشئ فإن القضاء لا يجب له شئ، وإنما الهدي الذي في سنة القضاء للفوات، ولذلك لم يأمره الصحابة بأكثر من هدي واحد والله تعالى أعلم (مسألة) (وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فقد فاته الحج) إذا أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة ظناً منهم أنه يوم عرفة أجزأهم لما روى الدارقطبي باسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن جابر بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ " يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه " وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال " يوم فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون " رواه الدارقطني وغيره، ولأنه لا يؤمن مثل ذلك في القضاء، فإن اختلفوا فأصاب بعض وأخطأ بعض لم يجز من أخطأ لأنهم غير معذورين في ذلك وقد ذكرنا حديث هبار حين قال لعمر ظننت أن اليوم يوم عرفة فلم يعذر بذلك (فصل) فإن كان عبداً لم يلزمه الهدي لأنه عاجز عنه بكونه لامال له فهو كالمعسر ويجب عليه الصوم بدل الهدي، فإن أذن له سيده في الهدي لم يكن له أن يهدي في ظاهر كلام الخرقي ولا يجزئه إلا الصيام هذا قول الثوري وأصحاب الرأي والشافعي حكاه ابن المنذر عنهم في الصيد وعلى قياس

стр. 2026

هذا كل دم لزمه في الإحرام لا يجزئه عند إلا الصيام، وقال غير الخرقي من أصحابنا أن ملكه السيد هديا وأذن له في ذبحه خرج على الروايتين في ملك العبد بالتمليك، فإن قلنا يملك لزمه الهدي وأجزأ عنه لأنه قادر عليه مالك له أشبه الحر وإن قلنا لا يملك لم يجزئه إلا الصيام لأنه ليس بمالك ولا سبيل له إلها الملك فهو كالمعسر، وإذا صام فإنه يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما ذكره الخرقي، وينبغي أن يخرج فيه من الخلاف ما ذكرناه في الصيد، فإن بقي من قيمتها دون المد صام عنه يوماً لأن الصوم لا يتبعض فيجب تكملته (قال شيخنا) والأولى أن يكون الواجب من الصوم عشرة أيام كصوم المتعة كما جاء في حديث عمر أنه قال لهبار بن الأسود فإن وجدت سعة فأهد، فإن لم تجد سعة فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله، وروى الشافعي عن ابن عمر ﵄ مثل ذلك وأحمد ذهب الى حديث عمر ﵁ واحتج به، ولأنه صوم وجب لحله من إحرامه قبل إتمامه فكان عشرة أيام كصوم المحصر والمعسر في الصوم كالعبد، ولذلك قال عمر ﵁ لهبار إن وجدت سعة فاهد، وإن لم تجد فصم. ويعتبر اليسار والاعسار في زمن الوجوب وهو في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه، أو في سنة الفوات إن قلنا لا يجب القضاء، وقال الخرقي في العبد ثم يقصر ويحل

стр. 2027

يريد أن العبد لا يحلق لأن الحلق يزيل الشعر الذي يزيد في قيمته وماليته وهو ملك لسيده ولم يتعين إزالته فلم يكن له ذلك كغير حالة الإحرام فإن أذن له سيده فيه جاز لأن المنع منه لحقه (مسألة) (ومن أحرم فحصره عدو ولم يكن له طريق إلى الحج نحر هديا في موضعه رحل) لا خلاف بين أهل العلم أن المحصر إذا حصره عدو ومنعوه الوصول إلى البيت ولم يجد طريقاً آمناً أن له التحلل مشركاً كان العدو أو مسلماً لقوله تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) ولأن النبي ﷺ أمر أصحابه حين حصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا، وسواء كان الإحرام بحج أو عمرة أو بهما، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك أن المعتمر لا يتحلل لأنه لا يخاف الفوات ولا يصح ذلك لأن الآية إنما نزلت في حصر الحديبية، وإنما كانوا محرمين بعمرة فحلقوا جميعاً. وعلى من تحلل بالإحصار الهدي في قول الأكثرين، وعن مالك ليس عليه هدي لأنه

стр. 2028

تحلل أبيح له من غير تفريط أشبه من أتم حجه. ولنا قوله تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) قال الشافعي لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، ولانه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه أشبه من فاته الحج وبهذا فارق من أتم حجه (فصل) ولا فرق بين الحصر العام في حق كل الحاج وبين الخاص في حق شخص واحد مثل أن يجلس بغير حق أو تأخذه اللصوص لعموم النص ووجود المعنى في الكل، فأما من حبس بحق عليه يمكنه الخروج منه فلا يجوز له التحلل في الحبس، فإن كان عاجزاً عن أدائه فحبس بغير حق فله التحلل كمن ذكرناه، وإن كان عليه دين مؤجل يحل قبل قدوم الحاج فمنعه صاحبه من الحج فله التحلل لأنه معذور، ولو أحرم العبد بغير إذن سيده أو المرأة للتطوع بغير إذن زوجها فلهما منعهما وحكمهما حكم المحصر

стр. 2029

(فصل) فإن أمكن المحصر الوصول من طريق أخرى لم يبح له التحلل ولزمه سلوكها بعد أو قرب، خشي الفوات أو لم يخشه، فإن كان محرماً بعمرة لم تفت، وإن كان بحج ففاته تحلل بعمرة وكذا لو لم يتحلل المحصر حتى زال الحصر لزمه السعي وإن كان بعد فوات الحج ليتحلل بعمرة، ثم هل يلزمه القضاء إن فاته الحج فيه روايتان (إحداهما) يلزمه كمن فاته بخطأ الطريق (والثانية) لا يجب لأن سبب الفوات الحصر أشبه من لم يجد طريقاً أخرى وبهذا فارق المخطئ (فصل) وإذا كان العدو الذين حصروا الحاج مسلمين فأمكنه الانصراف كان أولى من قتالهم لأن في قتالهم المخاطرة بالنفس والمال وقتل مسلم فكان تركه أولى ويجوز قتالهم لأنهم تعدوا على المسلمين لمنعهم طريقهم فأشبهوا سائر قطاع الطريق، وإن كانوا مشركين لم يجب قتالهم لأنه إنما يجب بأحد أمرين إذا بدأوا بالقتال أو وقع النفير فاحتيج إلى مدد وليس ههنا واحد منهما، لكن إن غلب على ظن المسلمين الظفر استحب قتالهم لما فيه من الجهاد وحصول النصر وإتمام النسك، وإن كان

стр. 2030

بالعكس فالأولى الانصراف لئلا يغرروا بالمسلمين، ومتى احتاجوا في القتال إلى لبس ما تجب في الفدية فلهم فعله وعليهم الفدية لأن لبسهم لأجل أنفسهم فأشبه مالو لبسوا للاستدفاء من برد، فإن أذن لهم العدو في العبور فلم يثقوا بهم فلهم الانصراف لأنهم خائفون على أنفسهم فكأنهم لم يؤمنوهم وإن وثقوا بأمانهم وكانوا معروفين بالوفاء لزمهم المضي على إحرامهم لأنه قد زال حصرهم، ان طلب العدو خفارة على تخلية الطريق وكان ممن لا يؤمن بأمانة لم يلزمهم بذلة لأن الخوف باق مع البذل، وإن كان موثوقاً بأمانة والخفارة كثيرة لم يجب بذله، بل يكره إن كان العدو كافراً لأن فيه صغاراً وتقوية للكافر، وإن كانت يسيرة فقياس المذهب وجوب بذلة كالزيادة في ثمن الماء للوضوء. وقال بعض أصحابنا: لا يجب بذل خفارة بحال وله التحلل كما في ابتداء الحج لا يلزمه إذا لم يجد طريقاً آمناً من غير خفارة (مسألة) متى قدر المحصر على الهدي فليس له التحلل قبل ذبحه، فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه، وإن لم يكن معه لزمه شراؤه إن أمكنه ويجزئه أدنى الهدي وهو شاة أو سبع بدنة لقوله تعالى (فما استيسر من الهدي) وله نحره في موضع حصره من حل أو حرم نص عليه أحمد وهو قول مالك

стр. 2031

والشافعي إلا أن يكون قادراً على أطراف الحرم ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه نحره فيه لأن الحرم كله منحر وقد قدر عليه (والثاني) ينحره في موضعه لأن النبي ﷺ نحر هديه في موضعه، وعن أحمد ليس للمحصر نحر هديه إلا في الحرم ويواطئ رجلاً على نحره في وقت يتحلل فيه، يروى هذا عن ابن مسعود فيمن لدغ في الطريق، وروي نحو ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي وعطاء (قال شيخنا) وهذا والله أعلم فيمن كان حصره خاصا، وأما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدي إلى محله، ولأن النبي ﷺ وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية وهي من الحل، قال البخاري قال مالك وغيره أن النبي ﷺ وأصحابه حلقوا وحلوا من كل شئ قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه أمر أحداً أن يقضي شيئاً ولا أن يعودوا له، ويروى أن النبي ﷺ نحر هديه عند الشجرة التي كان تحتها بيعة الرضوان وهي من الحل باتفاق أهل السير وقد دل عليه قوله تعالى (والهدي معكوفا أن يبلغ محله) ولأنه موضع حله فكان

стр. 2032

موضع نحره كالحرم، فإن قيل فقد قال الله تعالى (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وقال (ثم محلها إلى البيت العتيق) ولأنه ذبح يتعلق بالإحرام فلم يجز في غير الحرم كدم الطيب واللبس، قلنا الآية في غير المحصر ولا يصح قياس المحصر عليه لأن تحلل المحصر في الحل وتحلل غيره في الحرم فكل واحد منهما ينحر في موضع تحلله، وقد قيل في قوله تعالى (حتى يبلغ الهدي محله) حتى يذبح وذبحه في حق المحصر في موضع حله اقتداء بالنبي ﷺ وما قاسوا عليه ممنوع (فصل) وإذا أحصر المعتمر فله التحلل ونحر هديه وقت حصره لأن النبي ﷺ وأصحابه زمن الحديبية حلوا ونحروا هداياهم قبل يوم النحر وإن كان مفرداً أو قارناً فكذلك في إحدى الروايتين لأنه أحد النسكين أشبه العمرة، ولأن العمرة لا تفوت وجميع الزمان وقت لها، فإذا جاز الحل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها فالحج الذي يخشى فواته أولى (والثانية) لا يحل ولا ينحر هديه إلى يوم النحر نص عليه في رواية الاثرم وحنبل لأن للهدي محل زمان ومحل مكان، فإذا سقط محل المكان للعجز عنه بقي محل الزمان واجباً لإمكانه، وإذا لم يجز له نحر الهدي قبل يوم النحر لم

стр. 2033

يجز له التحلل لقوله سبحانه (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وإذا قلنا بجواز التحلل قبل يوم النحر فالمستحب له الإقامة على إحرامه رجاء زوال الحصر ومتى زال قبل تحلله فعليه المضي لإتمام نسكه بغير خلاف علمناه. قال إبن المنذر قال كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن من يئس أنى يصل إلى البيت فجاز له الحل فلم يحل حتى خلي سبيله أن عليه أن يقضي مناسكه وإن زال الحصر بعد فوات الحج تحلل بعمرة، فإن فات الحج قبل زوال الحصر تحلل بهدي، وقد قيل إن عليه ههنا هديين: هدي للفوات وهدي للاحصار، ولم يذكر أحمد ﵀ في رواية الأثرم هدياً ثانياً في حق من لم يتحلل إلا يوم النحر (مسألة) (فإن لم يجد صام عشرة أيام ثم حل، ولو نوى التحلل قبل ذلك لم يحل) إذا عجز المحصر عن الهدي انتقل إلى صوم عشرة أيام ثم حل، وبه قال الشافعي في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة لا يدل له لأنه لم يذكر في القرآن

стр. 2034

ولنا أنه دم واجب للإحرام فكان له بدل كدم التمتع والطيب واللباس وترك النص عليه لا يمنع قياسه على غيره ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام كبدل هدي التمتع، وليس له أن يتحلل الابعد الصيام كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره وهل يلزمه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي والصيام؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يلزمه وهو ظاهر كلام الخرقي لأن الله تعالى ذكر الهدي وحده ولم يشرط سواه (والثانية) عليه الحلق أو التقصير لأن النبي ﷺ حلق يوم الحديبية وفعل في النسك دال على الوجوب ولعل هذا يبني على الخلاف في الحلق هل هو نسك أو إطلاق من محظور وفيه اختلاف ذكرناه فيما مضى (فصل) ولا يتحلل إلا بالنية مع ما ذكرنا فيحصل الحل بشيئين: النحر الصوم مع النية على قولنا إن الحلاق ليس بنسك وإن قلنا هو نسك حصل بثلاثة أشياء الحلاق مع ما ذكرنا، فإن قيل فلم اعتبرتم النية ههنا ولم تعتبروها في غير المحصر قلنا لأن من أتى بأفعال النسك فقد أتى بما عليه فيحل منها باكمالها فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصر فإنه يريد الخروج من العبادة قبل اكمالها فافتقر إلى قصده ولأن الذبح قد يكون لغير الحل فلم يتخصص إلا بقصده بخلاف الرمي فإنه لا يكون إلا للنسك فلم يحتج إلى قصد (فصل) فإن نوى التحلل قبل الهدي أو الصيام لم يحل وكان على إحرامه حتى ينجر الهدي أو

стр. 2035

يصوم لأنهما أقيما مقام أفعال الحج فلم يحل قبلهما كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها وليس عليه في نية الحل فدية لأنها لم تؤثر في العبادة، فإن فعل شيئاً من محظورات الإحرام قبل ذلك فعليه فديته كما لو فعل القادر ذلك قبل أفعال الحج (مسألة) (وفي وجوب القضاء على المحصور روايتان) (إحداهما) لا قضاء عليه إلا أن يكون واجباً فيفعله بالوجوب السابق هذا هو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك والشافعي (والثانية) عليه القضاء روى ذلك عن مجاهد وعكرمة والشعبي، وبه قال أبو حنيفة لأن النبي ﷺ لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية، ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج، ووجه الرواية الأولى أنه تطوع جاز التحلل
следующие страницы →