Полный текст (7 422 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
فسخ العقد (قال شيخنا) ويحتمل أنه إذا قال بعتك بمائة وربح عشرة ثم تبين أنه غلط بعشرة أنه لا يلزمه حط العشرة من الربح لأن البائع رضي بربح عشرة في هذا المبيع فلا يكون له أكثر منها، وكذلك إن تبين أنه زاد في رأس المال لا ينقص الربح من عشرة لأن البائع لم يبعه إلا بربح عشرة، فأما إن قال وأربح في كل عشرة درهماً فإنه يلزمه حط العشرة من الربح في الصورتين وإنما أثبتنا للمشتري الخيار لأنه دخل على أن الثمن مائة وعشرة فإذا بان أكثر كان عليه ضرر في التزامه فلم يلزمه كالمعيب، وإن اختار أحدهما بمائة واحد وعشرين لم يكن للبائع خيار لأنه قد زاده خيراً فلم يكن له خيار كبائع المعيب إذا رضيه المشتري، وإن اختار البائع إسقاط الزيادة عن المشتري فلا خيار له أيضاً لأنه قد بذلها بالثمن الذي وقع عليه العقد ورضيا به ﴿مسألة﴾ (ومتى اشتراه بثمن مؤجل أو ممن لا تقبل شهادته له أو بأكثر من ثمنه حيلة أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن فلم يبين ذلك للمشتري في تخييره بالثمن فللمشتري الخيار بين الإمساك والرد) إذا اشتراه بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره فان لم يفعل لم يفسد البيع وللمشتري الخيار بين أخذه بالثمن الذي وقع عليه حالاً وبين الفسخ في إحدى الروايتين وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لأن البائع لم يرض بذمة المشتري وقد تكون ذمته دون ذمة البائع فلا يلزم الرضى بذلك وحكى ابن المنذر عن أحمد أنه إن كان المبيع قائما فهو مخير بين الفسخ وأخذه بالثمن مؤجلاً لأنه الثمن
الذي اشترى به البائع والتأجيل صفة له فهو كما لو أخبره بزيادة في الثمن وإن كان قد استهلك حبس الثمن بقدر الأجل وهذا قول شريح (فصل) وإن اشتراه بدنانير فأخبر أنه اشتراه بدراهم أو بالعكس أو اشتراه بعوض فأخبر أنه اشتراه بثمن أو بالعكس واشباه ذلك فللمشتري الخيار بين الفسخ وبين الرضى به بالثمن الذي تبايعا به كسائر المواضع التي يثبت فيها ذلك.
(فصل) وإن اشتراه ممن لاتقبل شهادته له كأبيه وابنه لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين ذلك وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد يجوز وإن لم يبين لأنه اشتراه بعقد صحيح وأخبر بثمنه فأشبه مالو اشتراه من أجنبي.
ولنا أنه متهم في الشراء منهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم فلم يجز أن يخبر بما اشترى منهم مطلقاً كما لو اشترى من مكاتبه فانه يجب عليه أن يبين أمره لا نعلم فيه خلافا وبه يبطل قياسهم (فصل) وإن اشتراه بأكثر من ثمنه حيلة مثل أن يشتريه من غلام دكانه الحر أو غيره على وجه الحيلة لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره لأن ذلك تدليس وحرام على ما بيناه، وإن لم يكن حيله
стр. 2207
فقال القاضي إذا باع غلام دكانه سلعة ثم اشتراها منه بأكثر من ذلك لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين أمره لأنه يتهم في حقه فهو كمن لا تقبل شهادته له والصحيح إن شاء الله أن ذلك يجوز لأنه أجنبي فأشبه غيره (فصل) إذا اشترى شيئين صفقة واحدة ثم أراد بيع أحدهما مرابحة أو اشترى اثنان شيئا فتقاسماه وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة بالثمن الذي أداه فيه فإن كان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالاجزاء كالثياب ونحوها لم يجز حتى يبين الحال على وجهه نص عليه وهذا مذهب الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي يجوز بيعه بحصته من الثمن لأن الثمن ينقسم على المبيع على قدر قيمته كما لو كان المبيع شقصاً وشفعاً فإن الشفيع يأخذ الشقص بحصته من الثمن، وذكر ابن أبي موسى فيما إذا اشتراه اثنان فتقاسماه رواية عن أحمد أنه يجوز بيعه مرابحة بما اشتراه لأن ذلك ثمنه فهو صادق فيما أخبر به.
ولنا ان قسمة الثمن على المبيع طريقه الظن واحتمال الخطأ فيه
كثير وبيع المرابحة أمانة فلم يجز فيه هذا وصار هذا كالخرص الحاصل بالظن لا يجوز أن يباع به ما يجب التماثل فيه، وأما الشفيع فلنا فيه منع وإن سلم فإن ما أخذه الشفيع بالقيمة للحاجة الداعية إليه لكونه لا طريق له سوى التقويم ولأنه لو لم يأخذه به لا تخذه الناس طريقاً إلى إسقاط الشفعة فيؤدي إلى تقويتها وهاهنا يمكن الاخبار بالحال وبيعه مساومة ولا تدعوا الحاجة إليه فإن باعه ولم يبين فللمشتري الخيار بين الامساك والرد كالمسائل المذكورة وإن كان من المتماثلات التي ينقسم عليها الثمن بالأجزاء كالبر والشعير المتساوي جاز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن لا نعلم فيه خلافا لان ثمن ذلك الجزء معلوم يقيناً ولذلك جاز بيع قفيز من الصبرة.
وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة فأخذهما على الصفة فله بيع أحدهما مرابحة بحصته من الثمن على قياس ذلك لأن الثمن ينقسم عليهما نصفين لا باعتبار القيمة، ولذلك لو أقال في أحدهما أو تعذر تسليمه كان له نصف الثمن من غير اعتبار قيمة المأخوذ منهما فكأنه أخذ كل واحد منهما منفرداً وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة جرت مجرى الحادث بعد البيع على ما نذكر إن شاء الله ﴿مسألة﴾ (وما يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار أو يؤخذ أرشاً للعيب أو جناية عليه يلحق برأس المال ويخبر به) وجملة ذلك إن البائع إذا أراد الاخبار بثمن السلعة وكانت بحالها لم تتغير أخبر بثمنها، فإن تغير سعر السلعة بأن حط البائع بعض الثمن عن المشتري أو اشتراه في مدة الخيار لحق بالعقد واخبر به في الثمن، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وأن تغير سعر السلعة وهي
стр. 2208
بحالها فإن غلت لم يلزمه الإخبار بذلك لأنه زيادة فيها، وإن رخصت فكذلك نص عليه أحمد لأنه صادق بدون الإخبار بذلك، ويحتمل أن يلزمه الأخبار بالحال، فإن المشتري لو علم بذلك لم يرضها بذلك الثمن فكتمانه تغرير به فإن أخبره بدون ثمنها ولم يبين الحال لم يجز لأنه كذبه، فأما ما يؤخذ أرشاً للعيب أو جناية عليه فذكر القاضي أنه يخبر به على وجهه، وقال أبو الخطاب يحط أرش العيب من الثمن ويخبر بالباقي وهو الذي ذكره شيخنا في هذا الكتاب لأن أرش العيب عوض عما فات
به فكان ثمن الموجود ما بقي، وفي أرش الجناية وجهان (أحدهما) يحط من الثمن كأرش العيب وهو الأولى (والثاني) لا يحطه كالنماء، وقال الشافعي يحطهما من الثمن ويقول: تقوم علي بكذا.
لأنه صادق فيما أخبر به أشبه مالو أخبره بالحال على وجهه ولنا أن الإخبار بالحال أبلغ في الصدق وأقرب إلى البيان وبقي التغيير والتدليس فلزمه ذلك كما يلزمه بيان العيب وقياس أرش الجناية على النماء والكسب لا يصح لأن أرش الجناية عوض نقصه الحاصل بالجناية عليه فهو بمنزلة ثمن جزء منه باعه أو كقيمة أحد الثوبين إذا تلف أحدهما، والنماء زيادة لم ينقص بها المبيع ولا هي عوض عن شئ منه ﴿مسألة﴾ (وإن جنى ففداه المشتري أو زيد في الثمن أو حط منه بعد لزومه لم يلحق به) أما إذا جنى ففداه المشتري، فإنه لا يلحق بالثمن ولا يخبر به في المرابحة بغير خلاف علمناه لأن هذا لم يزد به المبيع قيمة ولا ذاتاً وإنما هو مزيل لنقصه بالجناية والعيب الحاصل بتعلقها برقبته فأشبهت الدواء المزيل لمرضه الحادث عند المشتري، فأما الأدوية والمؤنة والكسوة وعمله في السلعة بنفسه أو عمل غيره له بغير أجرة فإنه لا يخبر بذلك في الثمن وجها واحدا، وان أخبر بالحال على وجهه فحسن وكذلك ما زيد في الثمن أو حط منه بعد لزوم العقد لا يخبر به، ويخبر بالثمن الأول لأن ذلك هبة من أحدهما للآخر فلا يكون عوضاً وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يلحق بالعقد ويخبر به في المرابحة لانه بسبب العقد ﴿مسألة﴾ (وإن اشترى ثوباً بعشرة وقصره بعشرة أخبر بذلك على وجهه، فإن قال تحصل علي بعشرين فهل يجوز ذلك؟ على وجهين، وإن عمل فيه بنفسه عملا يساوي عشرة لم يجز ذلك وجهاً واحداً) وجملة ذلك أن من أراد البيع مرابحة والسلعة بحالها أخبر بثمنها.
وإن تغيرت فهو على ضربين (أحدهما) أن تتغير بزيادة وذلك نوعان (أحدهما) أن تزيد لنمائها كالسمن وتعلم صنعة أو يحدث منها نماء منفصل كالولد والثمرة والكسب فهذا إذا أراد بيعها مرابحة اخبر الثمن من غير زيادة لأنه الذي ابتاعها به، وإن أخذ النماء المنفصل أو استخدم الأمة أو وطئ الثيب أخبر برأس المال ولم يجب تبيين الحال، وروى ابن المنذر عن أحمد أنه يبين ذلك كله وهو قول إسحاق، وقال أصحاب الرأي
стр. 2209
في الغلة يأخذها لا بأس ان يبيع مرابحة، وفي الولد والثمرة لا يبيع مرابحة حتى يبين لأنه موجب العقد ولنا أنه صادق فيما أخبر به من غير تغرير بالمشتري فجاز كما لو لم يزد، ولأن الولد والثمرة نماء منفصل، فلم يمنع من بيع المرابحة كالغلة (النوع الثاني) أن يعمل فيها عملا مثل أن يقصرها أو يرفوها أو يخيطها أو يحملها فمتى أراد بيعها مرابحة أخبر بالحال على وجهه سواء عمل ذلك بنفسه أو استأجر من عمله هذا ظاهر كلام أحمد فإنه قال: يبين ما اشتراه وما لزمه ولا يجوز أن يقول تحصلت علي بكذا وبه قال الحسن وابن سيرين وابن المسيب وطاوس والنخعي والاوزاعي وابو ثور، وفيه وجه آخر أنه يجوز فيما استأجر عليه أن يضم الأجرة إلى الثمن ويقول.
تحصلت علي بكذا لأنه صادق، وبه قال الشعبي والحكم والشافعي.
ولنا أنه تغرير بالمشتري فإنه عسى أنه لو علم أن بعض ما تحصلت به لأجل الصناعة لم يرغب فيها لعدم رغبته في ذلك فأشبه ما ينفق على الحيوان في مؤنته وكسوته، وعلى المتاع في خزنه (الضرب الثاني) أن يتغير بنقص كالمرض والجناية عليه أو تلف بعضه أو الولادة أو أن يتعيب أو يأخذ المشتري بعضه كالصوف واللبن ونحوه فإنه يخبر بالحال ولا نعلم فيه خلافاً ﴿مسألة﴾ (وإن اشتراه بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة أخبر بذلك على وجهه وإن قال اشتريته بعشرة جاز وقال أصحابنا يحط الربح من الثمن الثاني ويخبر أنه اشتراه بخمسة) المستحب في هذه المسألة وأمثالها أو يخبر بالحال على وجهه لأن فيه خروجاً من الخلاف وهو أبعد من التغرير بالمشتري، فإن أخبر أنه اشتراه بعشرة ولم يبين جاز وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد لأنه صادق فيما أخبر به وليس فيه تهمة فأشبه مالو لم يربح، وروي عن ابن سرين أنه يطرح الربح من الثمن الثاني ويخبر أن رأس ماله عليه خمسة، وأعجب أحمد قول ابن سيرين قال فإن باعه على ما اشتراه يبين أمره يعني أنه ربح مرة ثم اشتراه وهذا من أحمد على الاستحباب لما ذكرناه، ولأنه الثمن الذي حصل به الملك الثاني أشبه مالو خسر فيه، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه مرابحة إلا أن يبين أمره أو يخبر أن رأس ماله عليه خمسة وهو قول القاضي وأصحابه لأن المرابحة تضمن فيها العقود فيخبر بما تقوم عليه كما تضم أجرة الخياط والقصاب، وقد استفاد بهذا العقد الثاني تقرير الربح في العقد الأول لأنه أمن أن يرد عليه، فعلى هذا ينبغي إذا طرح الربح من الثمن الثاني أن يقول تقوم علي
بخمسة ولا يقول اشتريته بخمسة لأنه كذب وهو حرام فيصير كما لو ضم أجرة القصارة ونحوها إلى الثمن وأخبر به.
ولنا ما ذكرناه، وما ذكروه من ضم القصارة والخياطة فشئ بنوه على أصولهم لا نسلمه ثم لا يشبه هذا ما ذكروه لأن المؤنة لزمته في هذا البيع الذي يلي المرابحة وهذا الربح في عقد آخر قبل هذا الشراء فأشبه الخسارة فيه، وأما تقويم الربح فغير صحيح فإن العقد الأول قد لزم ولم يظهر
стр. 2210
العيب ولم يتعلق به حكمه، وقد ذكرنا في مثل هذه المسألة أن للمشتري أن يرده على البائع إذا ظهر على عيب قديم وإذا لم يلزمه طرح النماء والغلة فههنا أولى، ويجئ على قولهم أنه لو اشترى بعشرة ثم باعه بعشرين ثم اشتراها بعشرة فإنه يخبر أنها حصلت عليه بغير شئ، وإن اشتراها بعشرة ثم باعها بثلاثة عشر ثم اشتراها بخمسة أخبر أنها تقومت عليه بدرهمين، وإن اشتراها بخمسة عشر أخبر أنها تقومت عليه باثني عشر نص أحمد على نظير هذا، فان لم يربح ولكن اشتراها ثانية بخمسة أخبر بها لأنها ثمن للعقد الذي يلي المرابحة، ولو خسر فيها مثل أن اشتراها بخمسة عشر ثم باعها بعشرة ثم اشتراها بأي ثمن كان أخبر به ولم يجز أن يضم الخسارة إلى الثمن الثاني ويخبر به في المرابحة بغير خلاف نعلمه وهو يدل على صحة ما ذكرناه (فصل) وإن ابتاع اثنان ثوباً بعشرين ثم بذل لهما فيه اثنان وعشرون فاشترى أحدهما نصيب صاحبه فيه بذلك السعر فإنه يخبر في المرابحة بأحد وعشرين نص عليه وهذا قول النخعي، وقال الشعبي يبيعه على اثنين وعشرين لأن ذلك الدرهم الذي كان أعطيه قد كان أحرزه ثم رجع إلى قول النخعي بعد ذلك ولا نعلم احدا خاف ذلك لأنه اشترى نصفه الأول بعشرة والثاني بأحد عشر فصار أحداً وعشرين (فصل) قال أحمد المساومة عندي أسهل من بيع المرابحة لأن بيع المرابحة يعتريه أمانة واسترسال من المشتري ويحتاج فيه إلى تعيين الحال على وجهه ولا يؤمن هوى النفس في نوع تأويل وخطر فيكون على خطر وغرر فتجنب ذلك أسلم وأولى (فصل) وإن اشترى رجل نصف سلعة بعشرة واشترى آخر نصفها بعشرين ثم باعاها مساومة بثمن واحد فهو بينهما نصفان لا نعلم فيه خلافاً لأن الثمن عوض عنها فكان بينهما على حسب ملكهما فيها
كالإتلاف وإن باعها مرابحة أو مواضعة أو تولية فكذلك نص عليه أحمد وهو قول ابن سيرين والحكم قال الأثرم قال أبو عبد الله إذا باعها فالثمن بينهما نصفان.
قلت أعطى أحدهما أكثر مما أعطى الآخر؟ فقال وإن اليس الثوب بينهما الساعة سواء؟ فالثمن بينهما لأن كل واحد منهما يملك مثل الذي يملك صاحبه.
وحكى أبو بكر عن أحمد أن الثمن بينهما على قدر رءوس أموالهما لأن بيع المرابحة يقتضي أن يكون الثمن في مقابلة رأس المال فيكون مقسوماً بينهما على حسب رءوس أموالهما، قال شخينا ولم أجد عن أحمد رواية بما قال أبو بكر، وقيل هذا وجه خرجه أبو بكر وليس برواية والمذهب الأول لأن الثمن عوض المبيع وملكهما متساو فيه فكان ملكهما لعوضه متساوياً كما لو باعه مساومة (فصل) قال ﵁ (السابع خيار يثبت لاختلاف المتبايعين فمتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا فيبدأ بيمين البائع فيحلف ما بعته بكذا وإنما بعتكه بكذا ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا)
стр. 2211
إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة فقال البائع بعتك بعشرين، وقال المشتري بعشرة ولأحدهما بينة حكم بينهما وإن لم يكن لهما بينة تحالفا، وبه قال شريح وأبو حنيفة والشافعي وهي رواية عن مالك وله رواية أخرى القول قول المشتري مع يمينه، وبه قال أبو ثور وزفر لأن البائع يدعي عشرة ينكرها المشتري والقول قول المنكر، وقال الشعبي القول قول البائع أو يترادان البيع وحكاه ابن المنذر عن أحمد لما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال " إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع " رواه سعيد وابن ماجة وغيرهما والمشهور في المذهب الأول.
ويحتمل أن يكون معنى القولين واحداً وأن القول قول البائع مع يمينه فإذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به وإن أبى حلف أيضاً وفسخ البيع لأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال " إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا " ولأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه فإن البائع يدعي عقداً بعشرين ينكره المشتري والمشتري يدعي عقداً بعشرة ينكره البائع والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في حقهما وهذا الجواب عما ذكروه (فصل) والمبتدئ باليمين البائع فيحلف ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا فإن شاء المشتري أخذه بما قال
البائع والاحلف ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يبدأ يبين المشتري لأنه منكر واليمين في جنبته أقوى ولأنه يقضى بنكوله ينفصل الحكم وما كان أقرب إلى فصل الخصومة كان أولى ولنا قول النبي ﷺ " فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع " وفي لفظ " فالقول قول البائع والمشتري بالخيار " رواه أحمد ومعناه إن شاء أخذ وإن شاء حلف ولأن البائع أقوى جنبة لانها إذا تحالفا عاد المبيع إليه فكان أقوى كصاحب اليد وقد بينا أن كل واحد منهما منكر فيتساويان من هذا الوجه والبائع إذا حلف فهو بمنزلة نكول المشتري يحلف الآخر ويقتضى به فهما سواء ويكفي كل واحد منهما يمين واحدة لأنه أقرب إلى فصل القضاء ﴿مسألة﴾ (فإن نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه) يعني إذا حلف البائع فنكل المشتري عن اليمين قضي عليه وإن نكل المشتري حلف المشتري وقضي له، ووجه ذلك حديث ابن عمر لما باع زيداً عبداً واختلفا في عيب فيه فاحتكما إلى عثمان فوجبت علي عبد الله اليمين فلم يحلف فرد عثمان عليه العبد رواه الإمام أحمد ﴿مسألة﴾ (فإن تخالفا فرضي أحدهما بقول صاحبه أقر العقد وإلا فلكل واحد منهما الفسخ) إذا تخالفا لم ينفسخ البيع بنفس التخالف لأنه عقد صحيح فلم ينفسخ باختلافهما وتعارضهما في الحجة كما لو قامت البينة لكل واحد منهما، لكن إن رضي احدهما مما قال الآخر أجبر الآخر عليه وأقر
стр. 2212
العقد بينهما وإن لم يرض واحد منهما فلكل واحد منهما الفسخ هذا ظاهر كلام أحمد ويحتمل أن يقف الفسخ على الحاكم وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن العقد صحيح وأحدهما ظالم وإنما يفسخه الحاكم لتعذر إمضائه في الحكم أشبه نكاح المرأة إذا زوجها الوليان وجهل السابق منهما ولنا قول النبي ﷺ " أو يترادان البيع " وظاهره استقلالهما بذلك، وروي أن ابن مسعود باع الأشعث بن قيس رقيقاً من رقيق الإمارة فقال عبد الله بعتك بعشرين ألفاً، وقال الأشعث شريت منك بعشرة آلاف، فقال عبد الله سمعت رسول الله ﷺ يقول " إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة والبيع قائم بعينه فالقول قول البائع أو يترادان البيع " قال فإني أرد البيع رواه سعيد
وروى أيضا حديثاً عن عبد الملك بن عبيدة قال: قال رسول الله ﷺ " إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم كان للمشتري الخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك " وهذا ظاهر في انه يفسخ من غير حاكم لأنه جعل الخيار إليه فأشبه من له خيار الشرط ولأنه فسخ لا ستدراك الظلامة أشبه الرد بالعيب ولا يشبه النكاح لأن لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق ﴿مسألة﴾ (وإن كانت السلعة تالفة رجعاً إلى قيمة مثلها فإن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري وعنه لا يتحالفان إذا كانت تالفة والقول قول المشتري مع يمينه) إذا اختلفا في ثمن السلعة بعد تلفها فعن أحمد فيها روايتان (إحداهما) يتحالفان هكذا ذكره الخرقي مثل لو كانت قائمة، وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك (والاخرى) القول قول المشتري مع يمينه اختارها أبو بكر وهو قول النخعي والثوري والاوزاعي وابي حنيفة لقوله ﵇ في الحديث " والسلعة قائمة " مفهومه أنه لا يشرع التحالف عند تلفها ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة في ثمنها، واختلفا في عشرة زائدة البائع يدعيها والمشتري ينكرها والقول قول المنكر وتركنا هذا القياس حال قيام السلعة للحديث الوارد فيه ففيما عداه يبقى على القياس، ووجه الرواية الأولى عموم قوله ﵇ " إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار " قال أحمد ولم ينقل فيه " والبيع قائم " إلا يزيد بن هارون قال أبو عبد الله وقد أخطأ، رواه الخلق عن المسعودي ولم يقولوا هذه الكلمة، ولأن كل واحد منهما مدع ومنكر فيشرع اليمين كحال قيام السلعة فإن ذلك لا يختلف بقيام السلعة وتلفها، وقولهم تركناه للحديث قلنا لم يثبت في الحديث، قال إبن المنذر وليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه، وعلي أنه إذا خولف الأصل لمعنى وجب تعديه الحكم بتعدي ذلك المعنى فنقيس عليه بل يثبت الحكم بالبينة فإن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها فإن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة فمع تعذر ذلك أولى، فإذا تحالفا
стр. 2213
فإن رضي أحدهما بما قال الآخر لم يفسخ العقد لعدم الحاجة إلى فسخه وإن لم يرضيا فلكل واحد منهما فسخه كما إذا كانت السلعة باقية ويرد الثمن إلى المشتري ويدفع المشتري قيمة السلعة إلى البائع فإن
كانا من جنس واحد وتساويا بعد التقابض تقاصا، وينبغي أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ فيما إذا كانت قيمة السلعة مساوية للثمن الذي ادعاه المشتري ويكون القول قول المشتري مع يمينه لأنه لا فائدة في ذلك لأن الحاصل به الرجوع إلى ما ادعاه المشتري.
وإن كانت القيمة أقل فلا فائدة للبائع في الفسخ فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ لأن ذلك ضرر عليه من غير فائدة، ويحتمل أن يشرع لتحصل الفائدة للمشتري، ومتى اختلفا في قيمة السلعة رجعا إلى قيمة مثلها موصوفاً بصفاتها، فإن اختلفا في الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم (فصل) وإن تقايلا المبيع أو رد بعيب بعد قبض البائع الثمن ثم اختلفا في قدره فالقول قول البائع لأنه منكر لما يدعيه المشتري بعد انفساخ العقد أشبه ما إذا اختلفا في القبض ﴿مسألة﴾ (وإن ماتا فورثتهما في منزلتهما) في جميع ما ذكرناه لأنهم يقومون مقامهما في أخذ مالهما وارث حقوقهما فكذلك فيما يلزمهما أو يصير لهما، ولأنها يمين في المال فقام الوارث فيها مقام الموروث كاليمين في الدعوى ﴿مسألة﴾ (ومتى فسخ المظلوم منهما انفسخ العقد ظاهراً وباطناً وإن فسخ الظالم لم ينفسخ قي حقه باطناً وعليه إثم الغاصب) وجملة ذلك أن الفسخ إذ وجد منهما فقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن الفسخ ينفذ ظاهراً وباطناً لأنه فسخ لا ستدراك الظلامة فهو كالرد بالعيب أو فسخ عقد بالتحالف فأشبه الفسخ باللعان.
وقال أبو الخطاب إن كان البائع ظالم لم ينفسخ العقد في الباطن لأنه لا يمكنه إمضاء العقد واستيفاء حقه فلا ينفسخ العقد في الباطن ولا يباح له التصرف في المبيع لأنه غاصب، وإن كان المشتري ظالماً انفسخ البيع ظاهراً وباطناً لعجز البائع عن استيفاء حقه فكان له الفسخ كما لو أفلس المشتري، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، ولهم وجه ثالث أنه لا ينفسخ في الباطن بحال وهذا فاسد لأنه لو علم أنه لا ينفسخ في الباطن بحال لما أمكن فسخه في الظاهر فإنه لا يباح لكل واحد منهما التصرف فيما رجع إليه بالفسخ ومتى علم أن ذلك محرم منع منه، ولأن الشارع جعل للمظلوم منهما الفسخ ظاهراً وباطناً فانفسخ بفسخه في الباطن كالرد بالعيب (قال شيخنا) ويقوى عندي أن فسخه المظلوم منهما انفسخ ظاهراً وباطناً
كذلك، وإن فسخه الكاذب عالماً بكذبه لم ينفسخ بالنسبة إليه لأنه لا يحل به الفسخ فلم يثبت حكمه بالنسبة إليه ويثبت بالنسبة إلى صاحبه فيباح له التصرف فيما رجع إليه لأنه رجع إليه بحكم من غير
стр. 2214
عدوان منه فأشبه مالو رد عليه المبيع بدعوى العيب ولا عيب فيه ﴿مسألة﴾ (وإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا إلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إليه) إذا اختلفا في صفة الثمن رجع إلى نقد البلد نص عليه في رواية الأثرم لأن الظاهر انهما لا يعقدان إلا به، وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها نص عليه في رواية جماعة فيحتمل أنه أراده إذا كان هو الأغلب والمعاملة به أكثر لأن الظاهر وقوع المعاملة به أشبه إذا كان في البلد نقد واحد، ويحتمل أنه ردهما إليه مع التساوي لأن فيه تسوية بينهما في الحق وتوسطاً بينهما وفي العدول الى غيره ميل على أحدهما فكان التوسط أولى، وعلى مدعي ذلك اليمين لأن قول خصمه محتمل فيجب اليمين لنفي ذلك الاحتمال كوجوبها على المنكر، وإن لم يكن في البلد إلا نقدان تحالفا لأنهما اختلفا في الثمن على وجه لم يترجح قول أحدهما فيتحالفان كما لو اختلفا في قدره ﴿مسألة﴾ (وإن اختلفا في أجل أو شرط فالقول قول من ينفيه، وعنه يتحالفان إلا أن يكون شرطاً فاسداً فالقول قول من يثبته) إذا اختلفا في أجل أو شرط أو رهن أو ضمين أو في قدر الأجل أو الرهن فالقول قول من ينفيه في إحدى الروايتين مع يمينه وهذا قول أبي حنيفة لأن الأصل عدمه فكان القول قول من يدعيه كأصل العقد (والثانية) يتحالفان وهو قول الشافعي لأنهما اختلفا في صفة العقد فوجب أن يتحالفا كما لو اختلفا في الثمن فأما إن اختلفا فيما يفسد العقد فقال بعتك بخمس أو خيار مجهول أو في شرط فاسد، وقال لابل بعتني بنقد معلوم أو خيار معلوم إلى ثلاث فالقول قول من يدعي الصحة مع يمينه لأن ظهور تعاطي المسلمين الصحيح أكثر من تعاطي الفاسد، وإن قال بعتك مكرهاً فأنكر فالقول قول المشتري لأن الأصل عدم الإكراه وصحة البيع كذلك، وإن قال بعتك وأنا صبي فالقول قول المشتري نص عليه وهو قول الثوري واسحاق لأنهما اتفقا على العقد واختلفا فيما يفسده فكان القول
قول من يدعي الصحة كالتي قبلها، ويحتمل أن يقبل قول من يدعي الصغر لأنه الأصل وهو قول بعض أصحاب الشافعي ويفارق ما إذا اختلفا في الإكراه والشرط الفاسد من وجهين (أحدهما) أن الأصل عدمه وههنا الأصل بقاؤه (والثاني) أن الظاهر من المكلف أنه لا يتعاطى إلا الصحيح وههنا ما ثبت أنه كان مكلفاً، وإن قال بعتك وأنا مجنون فإن لم يعلم حال جنون فالقول قول المشتري لأن الأصل عدمه، وإن ثبت أنه كان مجنوناً فهو كالصبي، وإن قال بعتك وأنا غير مأذون لي في التجارة فالقول قول المشتري نص عليه في رواية منها لأنه مكلف فالظاهر أنه لا يعقد إلا عقداً صحيحاً ﴿مسألة﴾ (وإن قال بعتني هذين قال بل أحدهما فالقول قول البائع)
стр. 2215
أما إذا قال بعتني هذا العبد والأمة بمائة قال بل بعتك العبد بخمسين فالقول قول البائع لأن المشتري يدعي عقداً ينكره البائع والقول قول المنكر، وإن قال البائع بعتك هذا العبد بألف فقال بل هو والعبد الآخر بألف فالقول قول البائع مع يمينه وهو قول أبي حنيفة لان البائع ينكر بيع العبد الزائد فكان القول قوله مع يمينه كما لو ادعى شراءه منفرداً.
وقال الشافعي يتحالفان لأنهما اختلفا في أحد عوضي العقد أشبه ما لو اختلفا في الثمن وهذا القول أقيس وأولى إن شاء الله تعالى ﴿مسألة﴾ (وإن قال بعتني هذا قال بل هذا حلف كل واحد منهما على ما أنكره ولم يثبت بيع واحد منهما) وذلك مثل أن يقول البائع بعتك هذا العبد قال بل بعتني هذه الجارية لأن كل واحد منهما يدعي عقداً على عين ينكرها المدعى عليه والقول قول المنكر فإذا حلف البائع ما بعتك هذه الجارية أقرت في يده وإن كان مدعيها قد قبضها ردت عليه وأما العبد فان كان في يد البائع أقر في يده ولم يكن للمشتري طلبه لأنه لا يدعيه وعلى البائع رد الثمن اليه لأنه لم يصل إليه المعقود عليه، وإن كان في يد المشتري فعليه رده إلى البائع لأنه يعترف أنه لم يشتره وليس للبائع طلبه إذا بذل ثمنه لاعترافه بيعه، وإن لم يعطه ثمنه فله فسخ البيع واسترجاعه لتعذر الثمن عليه فملك الفسخ كما لو أفلس المشتري، وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه ثبت العقدان لأنهما لا يتنافيان فأشبه مالو ادعى أحدهما البيع فيهما جميعاً وأنكره الآخر، وإن أقام أحدهما بينة دون
الأخر ثبت ما قامت عليه البينة دون الآخر ﴿مسألة﴾ (وإن قال البائع لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري لا أسلمه حتى أقبض المبيع وكان الثمن عيناً أو عرضاً جعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم إليهما) لأن حق البائع قد تعلق بعين الثمن كما تعلق حق المشتري بعين المبيع فاستويا وقد وجب لكل واحد منهما على الآخر حق قد استحق قبضه فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه حقه وهذا قول الثوري وأحد أقوال الشافعي، وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على تسليم المبيع أولا وهو قول ثان للشافعي والأول أولى لما ذكرنا، وقال أبو حنيفة ومالك يجبر المشتري على تسليم الثمن قبل الاستيفاء كالمرتهن ولنا أن تسليم المبيع يتعلق به استقرار البيع وتمامه فكان تقديمه أولى ويخالف الرهن فإنه لا تتعلق به مصلحة عقد الرهن والتسليم ههنا يتعلق به مصلحة عقد البيع وإن كان ديناً أجبر البائع على تسليم المبيع ثم أجبر المشتري على تسليم الثمن لأن حق المشتري تعلق بعين المبيع وحق البائع تعلق بالذمة وتقديم ما تعلق بالعين أولى لتأكده وكذلك تقديم الدين الذي به الرهن على ما في الذمة
стр. 2216
وكذلك تقديم أرش الجناية على الدين لذلك، وقال مالك وأبو حنيفة يجبر المشتري أولاً على تسليم الثمن كالمسألة قبلها وقد ذكرنا ما يدل على خلافه، إذا ثبت هذا وأجبنا على البائع التسليم فسلم فإن كان المشتري موسراً والثمن حاضراً أجبر على تسليمه وإن كان الثمن غائباً عن البلد في مسافة القصر أو كان المشتري معسراً فللبائع الفسخ لأن عليه ضرراً في تأخير الثمن فكان له الفسخ والرجوع في عين ماله كالمفلس، وإن كان الثمن في بيته أو بلده حجر على المشتري في المبيع وسائر ماله حتى يسلم الثمن لئلا يتصرف في ماله تصرفاً يضر بالبائع، وإن كان غائباً عن البلد قريباً دون مسافة القصر فللبائع الفسخ في أحد الوجهين لأن عليه ضرراً في تأخير الثمن أشبه المفلس (والثاني) لا يثبت له خيار الفسخ لأنه كالحاضر فعلى هذا يحجر على المشتري كما لو كان في البدل وهذا كله مذهب الشافعي، وقال شيخنا ويقوى عندي أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع حتى يحضر الثمن ويتمكن من تسليمه لأن البائع إنما رضي ببذل المبيع بالثمن فلا يلزمه دفعة قبل حصول عوضه ولأن المتعاقدين سواء في المعاوضة
فيستويان في التسليم وإنما يؤثر ما ذكر في الترجيح في تقديم التسليم مع حضور العوض الآخر لعدم الضرر فيه أما مع الحظر المحوج إلى الحجر أو المجوز الفسخ فلا ينبغي أن يثبت ولأن شرع الحجر لا يندفع به الضرر لأنه يقف على الحاكم ويتعذر ذلك في الغالب ولأن ما أثبت الحجر والفسخ بعد التسليم أولى أن يمنع التسليم لأن المنع أسهل من الرفع، والمنع قبل التسليم أسهل من المنع بعده ولذلك ملكت المرأة منع نفسها من التسليم قبل قبض صداقها ولم تملكه بعد التسليم على أحد الوجهين.
وكل موضع قلنا له الفسخ فإنه يفسخ بغير حكم حاكم لأنه فسخ للبيع فتعذر ثمنه فملكه البائع كالفسخ في عين ماله إذا أفلس المشتري وكل موضع قلنا يحجر عليه فذلك إلى الحاكم لأن ولاية الحجر إليه (فصل) فإن هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر فللبائع الفسخ في الحال لأنه يملك الفسخ مع حضوره فمع هربه أولى وإن كان موسراً أثبت البائع ذلك عند الحاكم ثم إن وجد الحاكم له ما لا قضاه وإلا باع المبيع وقضى ثمه منه وما فضل فللمشتري وإن أعوز ففي ذمته، قال شيخنا ويقوى عندي أن للبائع الفسخ بكل حال لأنا أبحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيداً عن البلد للضرر في التأخير فههنا مع العجز عن الاستيفاء بكل حال أولى، ولا يندفع الضرر برفع الأمر إلى الحاكم لأنه قد يعجز عن إثباته عنده وقد يكون المبيع في مكان لاحاكم فيه والغالب أن لا يحضره من يعرفه الحاكم بالعدالة فاحالته على هذا تضييع لماله وهذه الفروع تقوي ما ذكرته من أن للبائع منع المشتري من قبض المبيع قبل إحضار الثمن لما في ذلك من الضرر
стр. 2217
(فصل) وليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن لأجل الاستبراء وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك في القبيحة وقال في الجميلة يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ لأن التهمة تلحقه فيها فمنع منها.
ولنا أنه بيع عين لاخيار فيها قد قبض ثمنها فوجب تسليمها كسائر المبيعات وما ذكره من التهمة لا يمكنه من المنع كالقبيحة ولأنه إن كان استبرأها قبل بيعها فاحتمال وجود الحمل منها بعيد نادر وإن كان لم يستبرئها فهو الذي ترك التحفظ لنفسه، ولو طالب المشتري البائع بكفيل لئلا تظهر حاملاً لم يكن له ذلك لأنه ترك التحفظ لنفسه حال العقد فلم يكن له كفيل كما لو طالب كفيلا بالثمن المؤجل
﴿مسألة﴾ (ويثبت الخيار للتخلف في الصفة وتغير ما تقدمت رؤيته وقد ذكرناه) في الفصل السادس من كتاب البيع بما يغني عن إعادته (فصل) قال ﵁ (ومن اشترى مكيلا أو موزونا لم يجز بيعه حتى يقبضه، وإن تلف قبل قبضه فهو من مال البائع إلا أن يتلفه آدمي فيخير المشتري بين فسخ العقد وإمضائه ومطالبة متلفه ببدله وعنه في الصبرة المتعينة أنه يجوز بيعها قبل قبضها، وإن تلفت فهي من ضمان المشتري) ظاهر المذهب أن المكيل والموزون لا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه، وهو ظاهر كلام الخرقي وكذلك قال في المعدود سواء كان متعيناً كالصبرة أو غير متعين كقفيز منها، وهو ظاهر كلام أحمد ونحوه قول إسحاق، وروي عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد بن أبي سليمان أن كل ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه وما ليس بمكيل ولا موزون يجوز بيعه قبل قبضه، وقال القاضي وأصحابه المراد بالمكيل والموزون والمعدود ما ليس بمتعين كالقفيز من صبرة والرطل من زبده، فأما المتعين فيدخل في ضمان المشتري كالصبرة يبيعها من غير تسمية كيل، وقد نقل عن أحمد نحو ذلك فإنه قال في رواية أبي الحارث في رجل اشترى طعاماً فطلب من يحمله فرجع وقد احترق فهو من مال المشتري.
وذكر الجوز جاني عنه فيمن اشترى ما في السفينة صبرة لم يسم كيلاً فلا بأس أن يشترك فيها ويبيع ما شاء إلا أن يكون بينهما كيل فلا يولى عليه، ونحو هذا قال مالك فإنه قال فيما بيع من الطعام مكايلة أو موازنة لم يجز بيعه قبل قبضه وما بيع مجازفة أو بيع من غير الطعام مكايلة أو موازنة جاز بيعه قبل قبضه، ووجه ذلك ماروى الأوزاعي عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المبتاع رواه البخاري عن ابن عمر من قوله تعليقاً.
وقول الصحابي مضت السنة يقتضي سنة النبي ﷺ ولأن المبيع المعين لا يتعلق به حق توفيه فكان من مال المشتري كغير المكيل والموزون ونقل عن أحمد أن المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان مكيلا أو موزونا أو لم يكن، فعلى هذا
стр. 2218
يختص ذلك بالمطعوم في أنه لايدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه فإن الترمذي روي عن أحمد أنه
أرخص في بيع ما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب قبل قبضه، وقال الأثرم سألت أبا عبد الله عن قوله نهى عن ربح ما لا يضمن قال هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو مشروب فلا يبيعه حتى يقبضه، وقال ابن عبد البر الأصح عن أحمد بن حنبل أن الذي يمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام وذلك لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه فمفهومه إباحة بيع ما سواه قبل قبضه وروى ابن عمر قال رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ إن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم وهذا نص في بيع المعين وعموم قوله ﵇ " من ابتاع طعاماً فلا يبيعه (بالرفع وفي رواية فلا يبعه بالجزم والخبر في الاولى بمعنى الانشاء) حتى يستوفيه " متفق عليهما.
ولمسلم عن ابن عمر قال.
كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله ﷺ .
أن نبيعه حتى ننقله من مكانه.
وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من اشترى طعاماً فليس له أن يبيعه حتى يستوفيه ولو دخل في ضمان المشتري جاز بيعه والتصرف فيه كما بعد قبضه، وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام مع تنصيصه على البيع مجازفة بالمنع وهو خلاف قول القاضي وأصحابه ويدل بمفهومه على أن ما عدا الطعام يخالفه في ذلك (فصل) وكل مالا يدخل في ضمان المشتري إلا بقبضه لا يجوز له بيعه حتى يقبضه وقد ذكرنا ذلك وذكرنا الذي يحتاج الى قبض والخلاف فيه لما ذكرنا من الأحاديث ولأنه من ضمان بائعه فلم يجز بيعه كالسلم ولم نعلم بين أهل العلم في ذلك خلافا إلا ما حكى عن البتي أنه لا بأس ببيع كل شئ قبل قبضه.
قال ابن عبد البر وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام أظنه لم يبلغه الحديث ومثل هذا لا يلتفت إليه.
(فصل) والمبيع بصفة أو برؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع فعلى هذا لا يجوز بيعه قبل قبضه لأنه يتعلق به حق توفيه فجرى مجرى المكيل والموزون (فصل) وما يحتاج إلى القبض إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع، فإن تلف بآفة سماوية بطل العقد ورجع المشتري بالثمن وإن بان بفعل المشتري استقر عليه الثمن وكان كالقبض لأنه تصرف فيه، وإن أتلفه أجنبي لم يبطل العقد على قياس قوله في الجائحة ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن لأن التلف حصل في يد البائع فهو كحدوث العيب في يده وبين البقاء على العقد ومطالبة
المتلف بالمثل إن كان مثلياً وبالقيمة إن لم يكن مثلياً، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه مخالفاً، وإن أتلفه البائع فقال أصحابنا الحكم فيه كما لو أتلفه أجنبي، وقال الشافعي: ينفسخ العقد ويرجع المشتري بالثمن لاغير لأنه تلف يضمنه به البائع أشبه تلفه بفعل الله تعالى، وفرق أصحابنا بينهما لكونه إذا تلف بفعل
стр. 2219
الله تعالى لم يوجد مقتض للضمان سوى حكم العقد بخلاف ما إذا أتلفه، فإن إتلافه يقتضي الضمان بالمثل وحكم العقد يقتضي الضمان بالثمن فكانت الخيرة الى المشتري في التضمين بأيهما شاء (فصل) وإن تعيب في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي فالمشتري مخير بين أخذه ناقصاً ولا شئ له وبين فسخ العقد والرجوع بالثمن لأنه إن رضيه معيباً فكأنه اشترى معيباً عالما بعيبه لا يستحق شيئاً من أجل العيب، وإن فسخ العقد لم يكن له أكثر من الثمن لأنه لو تلف المبيع كله لم يكن له أكثر من الثمن أو تلف بعضه لم يكن له الفسخ لذلك لانه أتلف ملكه فلم يرجع على غيره وإن كان بفعل البائع فقياس قول اصحابنا إن المشتري مخير بين الفسخ والرجوع بالثمن وبين أخذه والرجوع على البائع بعوض ما أتلف أو عيب، وقياس قول الشافعي أنه بمنزلة ما لو تلف بفعل الله تعالى وإن كان بفعل أجنبي فله الفسخ والمطالبة بالثمن وأخذ المبيع ومطالبة الأجنبي بعوض ما أتلف (فصل) ولو باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه فإن كانت في يد المشتري فهو كما لو أتلفه، وإن كانت في يد البائع فهو كإتلافه وكذلك إن كانت في يد أجنبي فهو كإتلافه، وإن لم يكن في يد أحد انفسخ البيع لأن المبيع هلك قبل قبضه بأمر لا ينسب إلى آدمي فهو كتلفه بفعل الله تعالى (فصل) ولو اشترى شاة أو عبداً أو شقصاً بطعام فقبض الشاة أو العبد وباعهما أو أخذ الشقص بالشفعة ثم تلف الطعام قبل قبضه انفسخ الأول دون الثاني ولا يبطل الأخذ بالشفعة لأنه كمل قبل فسخ العقد ويرجع مشتري الطعام على مشتري الشاة أو العبد أو الشقص بقيمة ذلك لتعذر رده، وعلى الشفيع مثل الطعام لأنه عوض الشقص ﴿مسألة﴾ (وعنه في الصبرة المتعينة أنه يجوز بيعها قبل قبضها وإن تلفت فهي من ضمان المشتري) نقلها عنه أبو الحارث والجوزجاني واختاره القاضي وأصحابه ونحوه قول مالك لقول ابن عمر مضت
السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المتاع وقد ذكرنا ذلك ﴿مسألة﴾ (وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه وإن تلف فهو من مال المشتري) وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أنه كالمكيل والموزون في ذلك كله ما عدا المكيل والموزون والمعدود والمطعوم على ما ذكرنا فيه من الخلاف يجوز التصرف فيه قبل قبضه في أظهر الروايتين ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحكم وحماد والاوزاعي واسحاق، وعن أحمد رواية أخرى لا يجوز بيع شئ قبل القبض اختارها ابن عقيل، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة اختار بيع العقار قبل قبضه وإذا قلنا بجواز التصرف فيه فتلف فهو من ضمان المشتري، وقال أبو حنيفة كل مبيع قبل قبضه من ضمان البائع إلا العقار، وقال الشافعي
стр. 2220
هو من ضمان البائع في الجميع، وحكى أبو الخطاب عن أحمد مثل ذلك.
واحتجوا بنهي النبي ﷺ إن يباع الطعام قبل قبضه، وبما روي عن ابن عباس أنه قال أرى كل شئ بمنزلة الطعام (١) (الطعام ربوي وعليه مدار المعيشة فلا يقاس عليه ما ليس مثله في ذلك) وبما روى أبو داود أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وروى ابن ماجة أن النبي ﷺ نهى عن شرا الصدقات حيث تقبض، وروي أن النبي ﷺ لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال " انههم عن بيع ما لم يقبضوا وعن ربح ما لم يضمنوا " ولأنه لم يتم الملك عليه فلم يجز بيعه كغير المتعين أو كالمكيل والموزون.
ولنا على جواز بيعه قبل قبضه ما روى ابن عمر قال كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير ونبيع بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم فسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال " لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شئ " وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه وهو أحد العوضين، وروى ابن عمر أنه كان على بكر صعب يعني لعمر فقال النبي ﷺ لعمر " بعنيه " فقال هو لك يا رسول فقال النبي ﷺ " هو لك يا عبد الله ابن عمر فاصنع به ما شئت " وهذا ظاهر في التصرف في المبيع بالهبة قبل قبضه، واشترى من جابر جملاً ونقده ثمنه ثم وهبه إياه قبل قبضه ولأنه أحد نوعي المعقود عليه فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالمنافع في الإجارة يجوز له إجارة العين المستأجرة قبل قبض
المنافع ولأنه مبيع لا يتعلق به حق توفيه فصح بيعه كالمال في يد المودع والمضارب ولنا على أنه إذا تلف فهو من ضمان المشتري قول النبي ﷺ " الخراج بالضمان " وهذا المبيع نماؤه للمشتري فضمانه عليه وقول ابن عمر مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المبتاع، وأما أحاديثهم فقد قيل لم يصح منها إلا حديث الطعام وهو حجة لنا بمفهومة فإن تخصيص الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على جوازه فيما سواه وقولهم لم يتم الملك عليه ممنوع فإن السبب المقتضي للملك متحقق وأكثر ما فيه تخلف القبض واليد ليست شرطاً في صحة البيع بدليل جواز بيع المال المودع والموروث والتصرف في الصداق وعوض الخلع عند أبي حنيفة (فصل) وما لا يجوز بيعه قبل قبضه لا يجوز بيعه لبائعه لعموم الخبر فيه قال القاضي ولو ابتاع شيئاً مما يحتاج إلى قبض فلقيه ببلد آخر لم يكن له أخذ بدله إن تراضيا لأنه مبيع لم يقبض فإن كان مما لا يحتاج إلى قبض جاز أخذ البدل عنه إلا أن يكون سلماً لأنه لا يجوز بيع السلم قبل قبضه (فصل) وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه كالذي ذكرنا والاجرة وبدل الصلح اذا كانا من المكيل أو الموزون أو المعدود.
وما لا ينفسخ العقد بهلاكه يجوز التصرف فيه قبل القبض كعوض الخلع والعتق على مال وبدل الصلح عن دم العمد وأرش الجناية وقيمة المتلف لأن المقتضي للتصرف الملك وقد وجد لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود
стр. 2221
عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزاً من الغرر ومالا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع فجاز العقد عليه وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك عند القاضي، وهو قول أبي حنيفة لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه، وقال الشافعي لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول أو انفساخه بسبب من جهة المرأة أو بصفة بالطلاق أو انفساخه بسبب من غير جهتها وكذلك قال الشافعي في عوض الخلف وهذا التعليل باطل بما بعد القبض فإن قبضه لايمنع الرجوع فيه قبل الدخول، فأما ما ملك بإرث أو وصيه أو غنيمة أو تعين ملكه فيه فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه لأنه غير مضمون بعقد معاوضة فهو كالمبيع المقبوض، وهذا
مذهب أبي حنيفة والشافعي وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة أو عارية أو مضاربة أو جعله وكيلاً فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره لأنه عين مال مقدور على تسليمها لا يخشى انفساخ الملك فيها فهي كالتي في يده فإن كان غصباً فقد ذكرنا حكمه (فصل) فإن اشترى اثنان طعاماً فقبضاه ثم باع أحدهما الآخر نصيبه قبل أن يقسماه احتمل أن لا يجوز وكرهه الحسن وابن سيرين فيما يكال أو يوزن لأنه لم يقبض نصيبه منفرداً فأشبه غير المقبوض ويحتمل الجواز لأنه مقبوض لهما يجوز بيعه لا جنبي فجاز بيعه لشريكه كسائر الأموال فإن تقاسماه وتفرقا ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الذي كاله له لم يجز كما لو اشترى من رجل طعاماً فاكتاله وتفرقا ثم باعه إياه بذلك الكيل وإن لم يتفرقا خرج على الروايتين اللتين ذكرناهما (فصل) وكل مالا يجوز بيعه قبل قبضه لا يجوز فيه الشركة ولا التولية ولا الحوالة به، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه لأنها تختص بمثل الثمن الأول فجازت قبل القبض كالإقالة، ولنا أن التولية والشركة من أنواع البيع فإن الشركة بيع بعضه بقسطه من ثمنه والتولية بيع جميعه بمثل ثمنه فيدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ولأنه تمليك لغير من هو في ذمته فأشبه البيع.
وأما الإقالة فهي فسخ للبيع فأشبهت الرد بالعيب، وكذلك لا يصح هبته ولا رهنه ولا دفعه أجرة وما أشبه ذلك ولا التصرفات المنعقدة إلى القبض لانه غير مقبوض فلاسبيل إلى اقباضه
стр. 2222
﴿مسألة﴾ (ويحصل القبض فيما بيع بالكيل والوزن بكيله ووزنه) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة التخلية في ذلك قبض، وقد روي عن أحمد رواية أخرى أن القبض في كل شئ بالتخلية مع التمييز لأنه خلي بينه وبين المبيع من غير حائل فكان قبضاً له كالعقار.
ولنا ماروى عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال " إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل " رواه البخاري وروي أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال " من اشترى طعاماً فلا يبيعه حتى يكتاله " رواه مسلم وعن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري رواه ابن ماجه وهذا فيما بيع كيلا
﴿مسألة﴾ (وفي الصبرة وما ينقل بالنقل) لأن ابن عمر قال كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا الطعام جزافاً أن لا يبيعوه في مكانه حتى يحولوه، وفي لفظ كنا نبتاع الطعام جزافاً فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه الذي ابتعناه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، وفي لفظ كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله رواهن مسلم وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك أيضاً قوله ﵊ " إذا سميت الكيل فكل " ﴿مسألة﴾ (وفيما يتناول بالتناول وفيما عدا ذلك بالتخلية) وعنه أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز إذا كان البيع دراهم أو دنانير فقبضها باليد وإن كان ثياباً فقبضها نقلها وإن كان حيوانًا فقبضه بمشيه من مكانه وإن كان ما لا ينقل ويحول فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه لا حائل دونه ولأن القبض مطلق في الشرع فيجب فيه الرجوع إلى العرف كالإحراز والتفرق والعادة في قبض هذه الاشياء ما ذكرناه (فصل) وأجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على البائع لأن عليه تقبيض المبيع للمشتري والقبض لا يحصل إلا بذلك فكان على البائع كما أن على بائع الثمرة سقيها وكذلك أجرة العداد في المعدودات وأما نقل المنقولات وما أشبهها فهو على المشتري لأنه لا يتعلق به حق توفيه نص عليه أحمد (فصل) ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع وبغير اختياره لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن ولأن التسليم من مقتضيات العقد فمتى وجد بعده وقع موقفه كقبض الثمن
стр. 2223
﴿مسألة﴾ (والإقالة فسخ يجوز في المبيع قبل قبضه ولا يستحق بها شفعة ولايجوز إلا بمثل الثمن وعنه أنها بيع فلا يثبت.
فيها ذلك إلا بمثل الثمن في أحد الوجهين إقالة النادم مستحبة لما روي عن النبي ﷺ أنه قال " من أقال نادماً بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة " رواه ابن ماجه وأبو داود ولم يقل أبو داود يوم القيامة، وهي فسخ في أصح الروايتين اختارها أبو بكر وهي مذهب الشافعي (والثانية) هي بيع وهي مذهب مالك لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة
التي خرج عليها فكانت بيعاً كالأول، وكونها بمثل الثمن لا يمنع من كونها بيعاً كالتولية، وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق غيرهما فلا تثبت أحكام البيع في حقهما بل يجوز في المبيع قبل قبضه وفي السلم ويثبت حكم البيع في حق الشفيع فيجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه بالشفعة ولنا أن الإقالة هي الرفع والإزالة يقال أقالك الله عثرتك أي أزالها فكانت فسخاً للعقد الأول بدليل جواز الإقالة في السلم مع إجماعهم على أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قلب قبضه، ولأنها مقدرة بالثمن الأول ولو كانت بيعاً لم تقدر به ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخاً كالرد بالعيب، ويدل على أبي حنيفة ما كان فسخاً في حق المتعاقدين كان فسخاً في حق غيرهما كالرد بالعيب والفسخ بالخيار ولأن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص والأصل اعتبار الحقائق، فإن قلنا هي فسخ جازت قبل القبض وبعده وقال أبو بكر لابد من كيل ثان ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة ولنا أنه فسخ للبيع فجاز قبل القبض كالرد بالعيب والتدليس والفسخ بالخيار أو لاختلاف المتبايعين وفارق العدة فإنها اعتبرت للاستبراء والحاجة داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول بخلاف مسئلتنا.
وإن قلنا هي بيع لم يجز قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز كما لا يجوز من غيره ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخاً لأنها رفع للعقد وإزالة له وليست معاوضة فأشبهت سائر الفسوخ، ومن حلف لا يبيع فأقال لم يحنث، وإن كانت بيعاً استحقت الشفعة وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها كالتولية.
والصحيح أنها لا تجوز إلا بمثل الثمن سواء قلنا هي فسخ أو بيع لانها خصت بمثل الثمن كالتولية وفيه وجه آخر أنها تجوز بأكثر من الثمن الأول وأقل منه كسائر البياعات فإذا
стр. 2224
قلنا لا تجوز إلا بمثل الثمن وأقال بأقل منه أو أكثر لم تصح الإقالة وكان الملك باقياً للمشتري، وبهذا قال الشافعي، وعن أبي حنيفة أنها تصح بالثمن الأول ويبطل الشرط لأن لفظها اقتضى مثل الثمن والشرط ينافيه فيبطل ونفي الفسخ على مقتضاه كسائر الفسوخ، ولنا أنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل فيبطل كبيع درهم بدرهمين ولأن القصد بالإقالة رد كل حق إلى صاحبه فإذا اشترط زيادة أو نقصاً
أخرج العقد عن مقصوده فيبطل كما لو باعه بشرط أن لا يسلم إليه وفارق سائر الفسوخ لأنه لا يعتبر فيه الرضى منهما بل يسأل به أحدهما فإذا شرط عليه شئ لم يلزمه لتمكنه من الفسخ بدونه وإن شرط لنفسه شيئاً لم يلزم أيضاً لأنه لا يستحق أكثر من الفسخ وفي مسئلتنا لا تجوز الإقالة إلا برضاهما وإنما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو النقص فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه فتبطل الإقالة لعدم رضاه بها ﴿باب الربا والصرف﴾ الربا في اللغة الزيادة قال الله تعالى (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) وقال (أن تكون أمة هي أربى من أمة) أي أكثر عدداً.
وهو في الشرع الزيادة في أشياء مخصوصة وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى (وحرم الربا) وما عداها من الآيات، وأما السنة فقول النبي ﷺ " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل يا رسول الله ما هي؟ قال " الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " وروي عن النبي ﷺ أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه متفق عليهما وأجمعت الأمة على أن الربا محرم.
стр. 2225
﴿مسألة﴾ (وهو نوعان ربا الفضل وربا النسيئة) وأجمعت الأمة على تحريمهما وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير أنهم قالوا إنما الربا في النسيئة لقوله ﵇ " لاربا إلا في النسيئة " رواه البخاري والمشهور من ذلك قول ابن عباس ثم أنه رجع إلى قول الجماعة وروى ذلك الأثرم وقاله الترمذي وابن المنذر وروى سعيد بإسناده عن أبي صالح قال صحبت ابن عباس حتى مات فوالله ما رجع عن الصرف، وعن سعيد بن جبير قال سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير به بأساً وكان يأمر به، والصحيح قول الجمهور لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز " وعن أبي سعيد قال جاء
بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ " من أين هذا يا بلال؟ " قال كان عندنا تمر ردئ فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ " أوه عين الربا عين الربا لا تفعل، ولكن إن أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به " متفق عليهما قال الترمذي: على حديث أبي سعيد العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وقول النبي ﷺ " لا ربا إلا في النسيئة " محمول على الجنسين ﴿مسألة﴾ (فأما ربا الفضل فيحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون، وإن كان يسيراً
стр. 2226
كتمرة بتمرتين وحبة بحبتين، وعنه لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم وعنه لا يحرم إلا في ذلك إذا كان مكيلا أو موزونا) روي عن النبي ﷺ في الربا أحاديث كثيرة من أتمها حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال " الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل والتمر بالتمر مثلا بمثل والبر بالبر مثلا بمثل والملح بالملح مثلا بمثل والشعير بالشعير مثلا بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى، بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يداً بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم يداً بيد " رواه مسلم.
فهذه الأعيان الستة المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع، واختلف أهل العلم فيما سواها فحكي عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها، وبه قال داود ونفاة القياس وقالوا اما عداها على أصل الإباحة لقول الله تعالى (وأحل الله البيع) واتفق القائلون بالقياس على أن لربا فيها بعلة وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه علتها لأن القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته حيث وجدت علته ولأن قول الله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربا) يقتضي تحريم كل زيادة إذ الربا في اللغة الزيادة إلا ما أجمعنا على تخصيصه وهذا يعارض ما ذكروه، ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد إلا سعيد بن جبير فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة والدخن لأنها يتقارب نفعها فجرى مجرى نوعي الجنس، وهذا مخالف لقول النبي ﷺ " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد وبيعوا التمر بالبر كيف شئتم " فلا يعول عليه واتفق المعللون على أن علة الذهب
стр. 2227
والفضة واحدة وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة كونه مكيل جنس نقلها عن أحمد الجماعة ذكرها الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الأصحاب وبه قال النخعي والزهري والثوري واسحاق وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوماً كان أو غير مطعوم كالحبوب والأشنان والنورة والقطن والصوف والكتان والحناء والحديد والنحاس ونحو ذلك، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الرماء " وهو الربا فقام إليه رجل فقال: يارسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال " لا باس إذا كان يداً بيد " رواه أحمد في المسند عن ابن حبان عن أبيه عن ابن عمر، وعن أنس أن النبي ﷺ قال " ما وزن مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً " رواه الدارقطني، وعن عمار أنه قال: العبد خير من العبدين والثوب خير من الثوبين لما كان يداً بيد فلا بأس به إنما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن، ولأن قضية البيع المساواة والمعتبر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس فإن الوزن أو الكيل يسوي بينهما صورة والجنس يسوي بينهما معنى فكانا علة ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة فانه جائزا إذا تساويا
стр. 2228
في الكيل (والرواية الثانية) أن العلة في الاثمان الثمنيه وفيما عداها كونه مطعوم جنس فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها.
قال أبو بكر روى ذلك عن أحمد جماعة، ونحو ذلك قول الشافعي فإنه قال: العلة الطعم والجنس شرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالباً فيختص بالذهب والفضة لما روى معمر بن عبد الله أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل رواه مسلم، ولان الطعم وصف شرف اذبه قوام الابدان، والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال فيقتضي التعليل بهما، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات لان أحد وصفي علة الربا يكفي في تحريم النساء
(والرواية الثالثة) العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان والبطيخ والجوز والبيض ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والأشنان والحديد، ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب وهو قديم قولي الشافعي لما روى عن سعيد ابن المسيب عن رسول الله ﷺ أنه قال " لا ربا الا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب " أخرجه الدارقطني وقال الصحيح أنه من قول سعيد ومن رفعة فقد وهم، ولأن لكل واحد من هذه الأوصاف أثراً والحكم مقرون بجيعها في المنصوص عليه فلا يجوز حذفه ولان الكيل الوزن الجنس لا يقتضي وجوب المماثلة وإنما أثره في تحقيقها في العلة ما يقتضي ثبوت الحكم لاما تحقق شرطه، والطعم بمجرده لاتتحقق المماثلة به لعدم العيار الشرعي فيه، وانما تجب المماثلة في المعيار الشرعي وهو الكيل والوزن ولهذا وجبت المساواة في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً فوجب أن يكون الطعم معتبراً في المكيل
стр. 2229
والموزون دون غيرهما، والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينها وتقييد كل واحد منها بالآخر فنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي من كيل أو وزن، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه وهذا اختيار شيخنا، وقال مالك العلة القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات، وقال ربيعة يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة دون غيره.
وقال ابن سيرين في الجنس الواحد.
وهذا القول لا يصح لقول النبي ﷺ في بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل " لا بأس إذا كان يدا بيد " وروي أن النبي ﷺ ابتاع عبداً بعبدين رواه أبو داود والترمذي وقال: هو حديث صحيح، وقول مالك ينتقض بالحطب والادام يستصلح به القوت ولا ربا فيه عنده، وتعليل ربيعة ينعكس بالملح والعكس لازم عند اتحاد العلة.
فالحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد ففيه الربا رواية واحدة كالارز والدخن والذرة والقطنيات والدهن واللبن ونحوه، وهذا قول أكثر أهل العلم.
قال ابن المنذر هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث، وما يعدم فيه الكيل والوزن والطعم واختلف جنسه فلا ربا فيه رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم وذلك كالتين النوى والقت والماء، والطين الأرمني فإنه يؤكل دواء فيكون
موزوناً مأكولاً فهو إذا من القسم الأول وما عداه إنما يؤكل سفهاً فجرى مجرى الرمل والحصا.
وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل والوزن من جنس واحد ففيه روايتان، واختلف أهل العلم فيه.
والأولى إن شاء الله حله إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به ولا معنى يقوي التمسك به وهي مع ضعفها يعارض
стр. 2230
بعضها بعضاً فوجب اطراحها والجمع بينها والرجوع إلى أصل الحل الذي يقتضيه الكتاب والسنة والاعتبار، ولا فرق في المطعومات بين ما يؤكل قوتاً كالأرز والذرة أو أدماً كالقطنيات واللحم واللبن أو تفكهاً كالثمار أو تداويا كالا هليلج والسقمونيا فإن الكل في باب الربا واحد (فصل) وقوله في كل مكيل أو موزون أي ما كان جنسه مكيلا أو موزونا وإن لم يتأت فيه كيل ولا وزن أما لقلته كالحبة والحبتين والحفنة والحفنتين وما دون الأرزة من الذهب والفضة أو لكثرته كالزبرة العظيمة فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل ويحرم التفاضل فيه، وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر، ورخص أبو حنيفة في بيع الحفنة بالحفنتين والحبة بالحبتين وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله ووافق في الموزون واحتج بأن العلة الكيل ولم يوجد في اليسير ولنا قول النبي ﷺ " التمر بالتمر مثلا بمثل والبر بالبر مثلا بمثل من زاد أو ازداد فقد أربى " ولأن ما جرى الربا في كثيرة جرى في قليله كالموزون ولا يجوز بيع تمرة بتمرة ولا حفنة بحفنة وهذا قول الثوري لأن ما أصله الكيل لا تجري المماثلة في غيره (فصل) اما مالا وزن للصناعة فيه كمعمول الحديد والرصاص والنحاس والقطن والكتان والصوف والحرير فالمنصوص عن أحمد في الثياب والأكسية أنه لا يجري فيه الربا فإنه قال لا بأس بالثوب بالثوبين والكساء بالكساءين وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال لا يباع الفلس بالفلسين ولا السكين بالسكينين ولا الا برة بالإبرتين أصله الوزن ونقل القاضي حكم احدى المسئلتين إلى الأخرى فجعل في
стр. 2231
الجميع روايتين (إحداهما) لا يجري في الجميع وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم لأنه ليس بموزون ولا مكيل وهذا هو الصحيح إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع فيه
(والثانية) يجري الربا في الجميع اختارها ابن عقيل لان أصله الوزن فلا يخرج بالصناعة عنه كالخبز، وذكر أن اختار القاضي أن ما كان يقصد وزنه بعد عمله كالاسطال ففيه الربا وإلا فلا (فصل) ويجري الربا في لحم الطير وعن أبي يوسف لا يجري فيه لأنه يباع بغير وزن.
ولنا أنه لحكم فأشبه سائر اللحمان وقوله لا يوزن قلنا هو من جنس ما يوزن ويقصد نقله وتختلف قيمته بثقله وخفته أشبه ما يباع من الخبز عداً (فصل) والجيد والردئ والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وهذا قول أكثر العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه وأنكر ذلك أصحابه، وحكى بعض اصحابنا عن أحمد رواية أنه لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة لأن للصناعة قيمة بدليل حالة الإتلاف فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى الذهب.
ولنا قول النبي ﷺ " الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل " وعن عبادة عن النبي ﷺ قال " الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها " رواه أبو داود وروى مسلم عن أبي الأشعث أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات الناس فبلغ عبادة فقدم فقال أني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً
стр. 2232
بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى " وروى الأثرم عن عطاء بن يسار ان معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلاً بمثل ولأنهما تساويا في الوزن فلا يؤثر اختلافهما في القيمة كالجيد بالردئ فأما إن قال لصائغ
стр. 2233
اصنع لي خاتماً وزنه درهم وأعطيك مثل زنته وأجرتك درهماً فليس ذلك بيع درهم بدرهمين، وقال أصحابنا للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة الخاتم والباقي أجرة له
стр. 2234
(فصل) وكل ما حرم فيه ربا الفضل حرم فيه النساء بغير خلاف علمناه، ويحرم التفرق قبل القبض
لقول النبي ﷺ " عيناً بعين " وقوله " يداً بيد " ولأن تحريم النساء آكد ولذلك جرى في
стр. 2235
الجنسين المختلفين فإذا حرم التفاضل فالنساء أولى بالتحريم ﴿مسألة﴾ (ولا يباع ما أصله الكيل بشئ من جنسه وزناً ولا ما أصله الوزن كيلاً) لا خلاف بين أهل العلم في وجوب المماثلة في بيع الأموال التي يحرم التفاضل فيها وأن المساواة المرعية هي المساواة في المكيل كيلاً وفي الموزون وزناً، ومتى تحققت هذه المساواة لم يضر اختلافهما فيما سواها وإن لم توجد لم يصح البيع وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأكثر أهل العلم.
وقال مالك يجوز بيع بعض الموزونات ببعض جزافاً.
ولنا قول النبي ﷺ " الذهب بالذهب وزناً بوزن الفضة بالفضة وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل " رواه الأثرم عن عبادة ورواه أبو داود وفي لفظ " البر بالبر مداً بمد والشعير بالشعير مداً بمد فمن زاد أو ازداد فقد أربى " فأمر بالمساواة في الموزنات المذكورة في الوزن كما أمر بالمساواة في المكيلات بالكيل وما عدا الذهب والفضة من الموزونات مقيس عليهما ولأنه جنس يجري فيه الربا فلم يجز بيع بعضه ببعض جزافاً كالمكيل ولأن حقيقة الفضل مبطلة للبيع ولا يعلم عدم ذلك إلا بالوزن فوجب ذلك كما في المكيل والأثمان إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزناً ولا بيع الموزن بالموزن كيلاً لأن التماثل في
стр. 2236
الكيل مشترط في المكيل وفي الوزن في الموزون وقد عدمت ولأنه متى باع رطلاً من المكيل برطل حصل في الرطل من الخفيف أكثر ما يحصل من الثقيل فيختلفان في الكيل وإن لم يعلم الفضل لكن يجهل التساوي فلا يصح كما لو باع بعضه ببعض جزافاً.
وكذلك إذا باع الموزون بالموزون بالكيل لا يتحقق التماثل في الوزن فلم يصح كما ذكرنا في المكيل (فصل) ولو باع بعضه ببعض جزافاً أو كان جزافاً من أحد الطرفين لم يجز قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن ذلك لا يجوز إذا كنا من صنف واحد لما روى مسلم عن جابر قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر، وفي قول النبي ﷺ
" الذهب بالذهب وزناً بوزن " إلى تمام الحديث دليل على أنه لا يجوز بيعه إلا كذلك ولأن التماثل شرط والجهل به يبطل البيع الحقيقة التفاضل ﴿مسألة﴾ قال (فإن اختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزناً وجزافاً) ما لا يشترط فيه التماثل كالجنسين وما لا ربا فيه يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزناً وجزافاً وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر العلماء قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الصبرة من الطعام بالصبرة لا ندري كم كيل هذه ولا كم كيل هذه من صنف واحد غير جائز ولا بأس به من صنفين استدلالا بقوله ﵇ " فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " وذهب بعض أصحابنا إلى منع بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون جزافاً، وقال أحمد في رواية محمد بن الحكم أكره
стр. 2237
ذلك قال ابن أبي موسى: لاخير فيما يكال بما يكال جزافاً، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافاً.
اتفقت الأجناس أو اختلفت ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافاً، وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر قالوا لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام مجازفة وقياساً على الجنس الواحد ولنا قول النبي ﷺ " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " ولأنه يجوز التفاضل فيه فجاز جزافاً كالمكيل بالموزون، يحققه أنه إذا كان حقيقة الفضل لا يمنع فاحتماله أولى أن لايمنع وحديثهم أراد به الجنس الواحد، ولهذا جاء في بعض ألفاظ: نهى أن تباع الصبرة لا يعلم مكيلها من التمر بالصبرة لا يعلم مكيلها من التمر.
ثم هو مخصوص بالمكيل بالموزون فنقيس عليه محل النزاع والقياس لا يصح لأن الجنس الواحد يجب التماثل فيه فمنع من بيعه مجازفة لفوات المماثلة المشترطة وفي الجنسين لا يشترط التماثل ولا يمنع حقيقة التفاضل فاحتماله أولى (فصل) إذا قال بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة وهما من جنس واحد وقد علما كيلهما وتساويهما صح البيع لوجود التماثل المشترط، وإن قال بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة مثلاً بمثل فكيلتا فكانتا سواء صح البيع، وإن زادت إحدهما فرضي صاحب الناقصة بها مع نقصها أو رضي صاحب الزائدة برد الفضل على صاحبه جاز وإن امتنع فسخ البيع بينهما ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي
стр. 2238
﴿مسألة﴾ (والجنس ماله اسم خاص يشتمل أنواعاً كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح) الجنس الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها، والنوع الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، وقد يكون النوع جنساً بالنسبة إلى ما تحته والجنس نوعاً بالنسبة إلى ما فوقه.
والمراد ههنا الجنس الأخص والنوع الأخص فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهما جنس كأنواع التمر وأنواع الحنطة وأنواع الشعير فالتمور كلها جنس وإن كثرت أنواعها كالبرني والعقلي وغيرهما ولك شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم الشرع بتحريم التفاضل، وإن اختلفت الأنواع لما ذكرنا من قول النبي ﷺ " التمر بالتمر مثلا بمثل " الحديث بتمامه فاعتبر المساواة في جنس التمر بالتمر والبر بالبر ثم قال: فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم (فصل) واختلفت الرواية في البر والشعير فظاهر المذهب أنهما جنسان وهو قول الثوري
стр. 2239
والشافعي وأصحاب الرأي وعنه أنهما جنس واحد " يروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن ابن الأسود بن عبد يغوث والحكم وحماد ومالك والليث لما روي عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: بعه ثم اشتر به شعيراً، فذهب الغلام فأخذ صاعاً وزيادة بعض صاع فلما جاء معمراً أخبره فقال معمرا: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن الامثلا بمثل فإن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير.
قيل فإنه ليس بمثله قال إني أخاف أن يضارع.
أخرجه مسلم ولأن أحدهما يعتبر بالآخر فكانا كنوعي الجنس ولنا قول النبي ﷺ " بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يداً بيد " وفي لفظ " لا بأس ببيع
стр. 2240
البر بالشعير والشعير بالبر هما يداً بيد وأما نسيئة فلا - وفي لفظ - فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم " وهذا صريح لا يجوز تركه بغير معارض مثله وحديث معمر لابد فيه من اضمار الجنس بدليل سائر أجناس الطعام، ويحتمل أنه أراد الطعام المعهود عندهم وهو نسيئة فإنه قال في الخبر وكان طعامنا
يومئذ الشعير ثم لو كان عاماً لوجب تقديم الخاص الصريح عليه وفعل معمر وقوله لا يعارض به فعل النبي ﷺ وقياسهم منقوض بالذهب والفضة ﴿مسألة﴾ (وفروع الأجناس أجناس كالأدقة والأخباز والأدهان) إذا كان المشتركان في الاسم الخاص من جنسين فهما جنسان كالأدقة والأخباز والخلول والأدهان وعصير الاشياء المختلفة كلها أجناس مختلفة باختلاف أصولها، وحكي عن أحمد أن خل التمر وخل
стр. 2241
العنب جنس وحكي أيضاً عن مالك لأن الاسم الخاص يجمعهما.
والصحيح الأول لأنهما من جنسين مختلفين فكانا جنسين كدقيق الحنطة ودقيق الدخن وما ذكر للرواية الأخرى منقوض بسائر فروع الأصول التي ذكرناها، فكل فرع مبني على أصله فزيت الزيتون وزيت البطم وزيت الفجل أجناس ودهن السمك والشيرج والجوز واللوز والبزر أجناس، وعسل النحل وعسل القصب جنسان وتمر النخل وتمر الهند جنسان، وكل شيئين أصلهما واحد فهما جنس وإن اختلفت مقاصدهما، فدهن الورد والبنفسج والزئبق والياسمين إذا كانت من دهن واحد فهي جنس واحد وهذا الصحيح من مذهب الشافعي، وله قول آخر لا يجري الربا فيها لأنها تقصد للأكل، وقال أبو حنيفة هي أجناس لاختلاف
стр. 2242
مقاصدها.
ولنا أنها كلها شيرج وانما طيبت بهذه الرياحين فنسبت إليها فلم تصر أجناسها كما لو طيب سائر أنواع الأجناس، وقولهم لا تقصد للأكل قلنا هي صالحة للأكل وإنما تعد لما هو أعلى منه فلا تخرج عن كونها مأكولة بصلاحها لغيره، وقولهم أنها أجناس لا يصح لأنها من أصل واحد يشملها اسم واحد فكانت جنساً كأنواع التمر والحنطة (فصل) وقد يكون الجنس الواحد مشتملاً على جنسين كالتمر يشتمل على النوى وغيره وهما جنسان واللبن يشتمل على المخيض والزبد وهما جنسان فما داما متصلين اتصال الخلقة فهما جنس واحد فإذا ميز أحدهما من الآخر صارا جنسين حكمهما حكم الجنسين الأصلين
стр. 2243
(فصل) واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذلك اللبن وعنه جنس واحد وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس لحم الأنعام ولحم الوحش ولحم الطير ولحم دواب الماء) اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في اللحم فروي عنه أنه جنس واحد وهذا الذي ذكره الخرقي وهو قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذه رواية عن أحمد، وقال الأنعام والوحش والطير ودواب الماء أجناس يجوز التفاضل فيها رواية واحدة وإنما في اللحم روايتان (إحداهما) أنه أربعة أجناس كما
стр. 2244
ذكرناه وهو مذهب مالك إلا أنه يحتمل أن الأنعام والوحش جنس واحد فيكون عنده ثلاثة أصناف وروي عنه أنه أجناس باختلاف أصوله وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وهي أصح لأنها فروع أصول هي أجناس فكانت أجناساً كالأدقة والأخباز وهذا اختيار ابن عقيل، وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس على ما ذكرناه، وهذا اختيار القاضي واحتج بأن لحم هذه الحيوانات تختلف المنفعة بها والقصد إلى أكلها فكانت أجناساً (قال شيخنا) وهذا ضعيف لأن كونها أجناساً لا يوجب حصرها في أربعة
стр. 2245
أجناس ولا نظير لهذا فيقاس عليه، والصحيح أنه أجناس باختلاف أصوله، ووجه قول الخرقي أنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه فكان جنساً واحداً كالطلع، والصحيح ما ذكرنا وما ذكره من الدليل منتقض بعسل النحل وعسل القصب وغير ذلك، فعلى هذا لحم الإبل كله صنف بخاتيها وعرابها، والبقر عرابها وجواميسها صنف، والغنم ضأنها ومعزها جنس.
ويحتمل أن يكونا صنفين لأن الله تعالى سماها في الأزواج الثمانية فقال (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ففرق بينهما كما فرق بين الإبل والبقر فقال (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين) والوحش أصناف بقرها
следующие страницы →