Полный текст (7 422 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
العنب جنس وحكي أيضاً عن مالك لأن الاسم الخاص يجمعهما.
والصحيح الأول لأنهما من جنسين مختلفين فكانا جنسين كدقيق الحنطة ودقيق الدخن وما ذكر للرواية الأخرى منقوض بسائر فروع الأصول التي ذكرناها، فكل فرع مبني على أصله فزيت الزيتون وزيت البطم وزيت الفجل أجناس ودهن السمك والشيرج والجوز واللوز والبزر أجناس، وعسل النحل وعسل القصب جنسان وتمر النخل وتمر الهند جنسان، وكل شيئين أصلهما واحد فهما جنس وإن اختلفت مقاصدهما، فدهن الورد والبنفسج والزئبق والياسمين إذا كانت من دهن واحد فهي جنس واحد وهذا الصحيح من مذهب الشافعي، وله قول آخر لا يجري الربا فيها لأنها تقصد للأكل، وقال أبو حنيفة هي أجناس لاختلاف
стр. 2242
مقاصدها.
ولنا أنها كلها شيرج وانما طيبت بهذه الرياحين فنسبت إليها فلم تصر أجناسها كما لو طيب سائر أنواع الأجناس، وقولهم لا تقصد للأكل قلنا هي صالحة للأكل وإنما تعد لما هو أعلى منه فلا تخرج عن كونها مأكولة بصلاحها لغيره، وقولهم أنها أجناس لا يصح لأنها من أصل واحد يشملها اسم واحد فكانت جنساً كأنواع التمر والحنطة (فصل) وقد يكون الجنس الواحد مشتملاً على جنسين كالتمر يشتمل على النوى وغيره وهما جنسان واللبن يشتمل على المخيض والزبد وهما جنسان فما داما متصلين اتصال الخلقة فهما جنس واحد فإذا ميز أحدهما من الآخر صارا جنسين حكمهما حكم الجنسين الأصلين
стр. 2243
(فصل) واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذلك اللبن وعنه جنس واحد وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس لحم الأنعام ولحم الوحش ولحم الطير ولحم دواب الماء) اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في اللحم فروي عنه أنه جنس واحد وهذا الذي ذكره الخرقي وهو قول أبي ثور وأحد قولي الشافعي وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذه رواية عن أحمد، وقال الأنعام والوحش والطير ودواب الماء أجناس يجوز التفاضل فيها رواية واحدة وإنما في اللحم روايتان (إحداهما) أنه أربعة أجناس كما
стр. 2244
ذكرناه وهو مذهب مالك إلا أنه يحتمل أن الأنعام والوحش جنس واحد فيكون عنده ثلاثة أصناف وروي عنه أنه أجناس باختلاف أصوله وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وهي أصح لأنها فروع أصول هي أجناس فكانت أجناساً كالأدقة والأخباز وهذا اختيار ابن عقيل، وعنه في اللحم أنه أربعة أجناس على ما ذكرناه، وهذا اختيار القاضي واحتج بأن لحم هذه الحيوانات تختلف المنفعة بها والقصد إلى أكلها فكانت أجناساً (قال شيخنا) وهذا ضعيف لأن كونها أجناساً لا يوجب حصرها في أربعة
стр. 2245
أجناس ولا نظير لهذا فيقاس عليه، والصحيح أنه أجناس باختلاف أصوله، ووجه قول الخرقي أنه اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه فكان جنساً واحداً كالطلع، والصحيح ما ذكرنا وما ذكره من الدليل منتقض بعسل النحل وعسل القصب وغير ذلك، فعلى هذا لحم الإبل كله صنف بخاتيها وعرابها، والبقر عرابها وجواميسها صنف، والغنم ضأنها ومعزها جنس.
ويحتمل أن يكونا صنفين لأن الله تعالى سماها في الأزواج الثمانية فقال (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) ففرق بينهما كما فرق بين الإبل والبقر فقال (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين) والوحش أصناف بقرها
стр. 2246
صنف وغنمها صنف وظباؤها صنف، وكل ماله اسم يخصه فهو صنف، والطير أصناف، كل ما انفرد باسم وصفة فهو صنف، فيجوز أن يباع لحم صنف لحم صنف آخر متفاضلاً ومتماثلا ويباع بصفة متماثلا ومن جعلها صنفا واحدا لم يجز بيع لحم بلحم متماثلاً
(فصل) وفي اللبن روايتان (إحداهما) هو جنس واحد لما ذكرنا في اللحم (والثانية) هو أجناس باختلاف أصوله كاللحم وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك لبن الأنعام كلها جنس واحد وقال ابن عقيل لبن البقر الأهلية والوحشية جنس واحد على الروايات كلها لأن اسم البقر يشملها ولا يصح لأن لحمهما جنسان فكان لبنهما جنسين كالإبل والبقر، ويجوز بيع اللبن بغير جنسه متفاضلاً وكيف شاء يداً بيد وبجنسه متماثلاً كيلاً، ولا فرق بين أن يكونا حليبين أو حامضين أو أحدهما حليباً والآخر حامضاً لأن تغير الصفة لايمنع جواز البيع كالجودة والرداءة، وإن شيب أحدهما بماء أو غيره لم يجز بيعه بخالص لابمشوب من جنسه وسنذكر ذلك ﴿مسألة﴾ (واللحم والشحم والكبد أجناس) اللحم والشحم جنسان، والكبد جنس والطحال جنس والقلب جنس والمخ جنس ويجوز بيع جنس بجنس آخر متفاضلاً، وقال القاضي لا يجوز بيع اللحم بالشحم وكره مالك ذلك إلا أن يتماثلا وظاهر المذهب إباحة البيع فيهما متماثلاً ومتفاضلاً وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنهما جنسان فجاز التفاضل
стр. 2247
فيهما كالذهب والفضة، فإن منع منه لكون اللحم لا يخلو من شحم لم يصح لأن الشحم لا يظهر وإن كان فيه شئ فهو غير مقصود فلا يمنع البيع ولو منع ذلك لم يجز بيع لحم بلحم لاشتمال كل واحد منهما على ما ليس من جنسه ثم لا يصح هذا عند القاضي لأن السمين الذي يكون مع اللحم عنده لحم فلا يتصور اشتمال اللحم على الشحم، وذكر القاضي أن الأبيض الذي في ظاهر اللحم الاحمر هو والأحمر جنس واحد وإن الألية والشحم جنسان، وظاهر كلام الخرقي أن كل ما هو أبيض في الحيوان يذوب بالإذابة ويصير دهناً فهو جنس واحد (قال شيخنا) وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله سبحانه (حرمنا
стр. 2248
عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما) فاستثنى ما حملت الظهور من الشحم، ولأنه يشبه الشحم في لونه وذوبه ومقصده فكان شحما كالذي في البطن ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع لحم بحيوان من جنسه وفي بيعه بغير جنسه وجهان)
لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه وهو مذهب مالك والشافعي وقول الفقهاء السبعة وحكي عن مالك أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم ويجوز بغيره، وقال أبو حنيفة يجوز مطلقاً لأنه باع مال الربا بما لاربا فيه أشبه بيع الحيوان بالدراهم أو بلحم من غير جنسه ولنا ما روى عن مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان، قال ابن عبد البر هذا أحسن أسانيده، وورد أن النبي ﷺ نهى أن يباع حي بميت ذكره الإمام أحمد، وروى ابن عباس أن جزورا نحرت فجاء رجل بعناق فقال أعطوني جزأ بهذا العناق قال أبو بكر لا يصلح هذا قال الشافعي لا أعلم مخالفاً لأبي بكر في ذلك.
وقال أبو الزناد كل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج وهذا فارق ما قاسووا عليه، فما بيعه بحيوان من غير جنسه فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يجوز لما ذكرنا من الا حاديث واختار القاضي جوازه وللشافعي فيه قولان، واحتج من أجازه بأن مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه فجاز كما لو باعه بالأثمان، والظاهر أن الاختلاف مبني على الاختلاف في اللحم، فإن قلنا بأنه جنس واحد لم يجز، وإن قلنا إنه أجناس جاز بيعه بغير جنسه لما ذكرنا فإن باعه بحيوان غير مأكول جاز في ظاهر قول أصحابنا وهو قول عامة الفقهاء ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع حب بدقيقة ولا بسويقه في أصح الروايتين) لا يجوز بيع الحب بالدقيق في الصحيح من المذهب وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد ومكحول الثوري وأبي حنيفة وهو المشهور عن الشافعي وعن أحمد أنه جائز، وبه قال ربيعة ومالك وحكي عن النخعي وقتادة وابن شبرمة واسحاق وأبي ثور لأن الدقيق نفس الحنطة وإنما تكسرت أجزاؤها فجاز بيع بعضها ببعض كالحنطة المكسرة بالصحاح فعلى هذا إنما يباع الحب وزناً لأن أجزاءه قد تفرقت بالطحن وانتشرت فيأخذ من المكيال مكاناً كبيراً والحب يأخذ مكاناً صغيراً والوزن يسوي بينهما وبهذا قال إسحاق ولنا أن بيع الحب بالدقيق بيع مال الربا بجنسه متفاضلاً فحرم كبيع مكيلة بمكيلتين وذلك لأن الطحن قد فرق أجزاءه فيحصل في مكياله دون ما يحصل في مكيال الحب، وإن لم يتحقق التفاضل فقد جهل
التماثل والجهل بالتماثل كالعمل بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه، ولذلك لم يجز بيع بعضه ببعض جزافاً والتساوي في الوزن لا يلزم منه التساوي في الكيل، والحب والدقيق مكيلان لأن الأصل الكيل ولم
стр. 2249
يوجد ما ينقل عنه ثم لو ثبت أن الدقيق كان موزنا لم يتحقق التماثل لأن المكيل لا يقدر بالوزن كما لا يقدر الموزون بالكيل (فصل) ولا يجوز بيع الحب بالسويق، وبه قال الشافعي وحكي عن مالك وأبي ثور جواز ذلك متماثلاً ومتفاضلاً.
ولنا أنه بيع الحب ببعض أجزائه متفاضلاً فلم يجز كبيع مكوك حنطه بمكوكي دقيق ولا سبيل إلى التماثل لأن النار قد أخذت من أحدهما دون الآخر فأشبهت المقلية بالنيئة، فأما الخبز والهريسة والفالوذج والنشاء وأشباهها فلا يجوز بيعه بالحنطة، وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز بناء على مسألة مد عجوة وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى، ويجوز بيع الحب بالدقيق من غير جنسه والخبز وغير ذلك لعدم اشتراط المماثلة بينهما، وقال ابن أبي موسى لا يجوز بيع سويق الشعير بالبر في رواية وذلك مبني على أن البر والشعير جنس واحد وقد ذكرناه ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع أصله بعصيره ولا خالصه بمشوبه ولارطبه بيابسه ولانيئه بمطبوخه) لا يجوز بيع شئ من مال الربا بأصله الذي فيه منه كالسمسم بالشيرج الزيتون بزيت وسائر الأدهان بأصولها والعصير بأصله كعصير العنب والرمان التفاح والسفرجل وقصب السكر لا يباع شئ منها بأصله وبه قال الشافعي وقال ابن المنذر وقال أبو ثور يجوز، وقال أبو حنيفة يجوز إذا علم أن ما في الأصل من الدهن والعصير أقل من المنفرد وإن لم يجز، ولنا أنه مال بيع بأصله الذي هو منه فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان وقد أثبتنا ذلك بالنص (فصل) ولايجوز بيع اللبن بالزبد ولا بالسمن ولا بشئ من فروعه كاللبأ والمخيض وسواء كان فيه من غيره أولا لأنه مستخرج من اللبن فلم يجز بيعه بأصله الذي فيه منه كالسمسم بالشيرج وهذا مذهب الشافعي، وعن أحمد أنه يجوز بيع اللبن بالزبد إذا كان الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن وهذا يقتضي جواز بيعه به متفاضلاً ومنع جوازه متماثلاً، وقال القاضي وهذه الرواية لا تخرج على
المذهب لأن الشيئين إذا دخلهما الربا لم يجز بيع أحدهما بالآخر ومعه من غير جنسه كمد عجوة، والصحيح أن هذه الرواية دالة على جواز البيع في مسألة مد عجوة وكونها مخالفة لروايات أخر لا يمنع كونها رواية كسائر الروايات المخالفة لغيرها لكونها مخالفة لظاهر المذهب والحكم في السمن كالحكم في الزبد، وأما اللبن بالمخيض فلا يجوز نص عليه أحمد ويتخرج الجواز كالتي قبلها، وأما اللبن باللبأ فإن كان قبل أن تمسه النار جاز متماثلاً لأنه لبن بلبن؟ وإن مسته النار لم يجز، وذكر القاضي وجها أنه يجوز وليس بصحيح لأن النار عقدت أجزاء أحدهما وذهبت ببعض رطوبته فلم يجز بيعه بما لم تمسه النار كالخبز بالعجين المقلية بالنيئة وهذا مذهب الشافعي (فصل) ولا يجوز بيع الخالص بالمشوب كحنطة فيها شعير أو رواب بخالصة أو غير خالصة أو لبن مشوب بخالص أو مشوب أو اللبن بالكشك أو الكامخ، ويتخرج الجواز إذا كان اللبن أكثر من اللبن الذي في الكشك والكامخ بناء على مد عجوة، ولا يجوز بيع العسل في شمعه بمثله فإن كان
стр. 2250
الخلط يسيراً كحبات الشعير ويسير التراب والزوان الذي لا يظهر في الكيل لم يمنع لأنه لا يخل بالتماثل ولا يجوز بيع التمر بالدبس والخل والناطف والقطارة لأن بعضها معه من غير جنسه وبعضها مائع والتمر جامد، ولا يجوز بيع الناطف بعضه ببعض ولا بغيره من المصنوع من التمر لان معهما شيئاً مقصوداً من غير جنسهما فهو كمد عجوة والعنب كالتمر فيما ذكرناه (فصل) ولا يجوز بيع المشوب بالمشوب كالكشك والكامخ ولا يجوز بيع أحدهما بالآخر كمسألة مد عجوة ولا يجوز نيئة بمطبوخة كالخبز بالعجين والحنطة المقلية بالنيئة لأنه لا يحصل التماثل لأن النار ذهبت ببعض رطوبتها وهذا مذهب الشافعي (فصل) ولايجوز بيع نوع بنوع آخر إذا لم يكن فيه منه فيجوز بيع الزبد بالزبد والسمن بالمخيض في ظاهر المذهب متماثلا متفاضلاً لأنهما جنسان من أصل واحد أشبها اللحم والشحم، وممن أجاز بيع الزبد بالمخيض الثوري والشافعي واسحاق لأن اللبن الذي في الزبد غير مقصود وهو يسير فلم يمنع كالملح في الشيرج، وبيع السمن بالمخيض أولى بالجواز لخلوه من اللبن المخيض، ولا يجوز بيع الزبد بالسمن
لأن في الزبد لبنا يسيرا ولا شئ في السمن فيختل التماثل ولأنه من الزبد فلم يجز بيعه كالزيتون بالزيت وهذا مذهب الشافعي، واختار القاضي جوازه لأن اللبن الذي في الزبد غير مقصود فوجوده كعدمه ولهذا جاز بيع الزبد بالمخيض ولا يصح ذلك لأن التماثل شرط وانفراد أحدهما بوجود اللبن فيه يخل بالتماثل فلم يجز البيع كتمر منزوع النوى بما نواه فيه ولأن أحدهما ينفرد برطوبة لا توجد في الآخر أشبه الرطب بالتمر وكل رطب بيابس من جنسه، ولا يجوز بيع شئ من الزبد والسمن والمخيض بشئ من أنواع اللبن كالجبن واللبأ ونحوهما لأن هذه الأنواع لم ينزع منها شئ فهي كاللبن الذي فيه زبده فلم يجز بيعها به كبيع اللبن بها، وأما بيع الجبن بالأقط فلا يجوز بيع رطوبتهما أو رطوبة أحدهما كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر، وإن كانا يابسين احتمل المنع لأن الجبن موزون والأقط مكيل فأشبه بيع الخبز بالدقيق، ويحتمل الجواز إذا تماثلا كبيع الجبن بالجبن (فصل) ولا يجوز بيع رطب بيابس كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب والحنطة المبلولة أو الرطبة باليابسة والمقلية بالنيئة ونحو ذلك، وبه قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب والليث ومالك والشافعي واسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة لا يجوز لأنه إما أن يكونا جنساً فيجوز متماثلاً لقول النبي ﷺ " التمر بالتمر مثلا بمثل " أو يكونا جنسين فيجوز لقوله ﵇ " لا تبيعوا التمر بالتمر فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " ولنا قوله ﵇ " لا تبيعوا التمر بالتمر " وفي لفظ نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في بيع العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً متفق عليهما، وعن سعد أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر قال " أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا نعم.
فنهى عن ذلك رواه مالك وأبو داود والاثرم وابن ماجة، وفي رواية الأثرم قال " فلا إذن " نهى وعلل بأنه ينقص إذا يبس، وروى مالك عن
стр. 2251
نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلاً ولأنه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان فلم يجز كبيع المقلية بالنيئة، ولا يلزم الحديث بالعتيق لأن التفاوت يسير.
قال الخطابي وقد تكلم بعض
الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في بيع الرطب بالتمر، وقال زيد أبو عياش راويه ضعيف وليس الأمر على ما توهمه وأبو عياش مولى بني زهرة معروف وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن متروك الحديث ﴿مسألة﴾ (يجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة ومطبوخه بمطبوخه وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف وعصيره بعصيره ورطبه برطبه) يجوز بيع كل واحد من الدقيق والسويق بنوعه متساوياً وبه قال أبو حنيفة والمشهور عن الشافعي المنع لأنه يعتبر تساويهما حالة الكمال وهو حال كونهما حباً وقد فات ذلك لأن أحد الدقيقين يكون من حنطة رزينة والآخر من خفيفة فيستويان دقيقاً ولا يستويان حباً ولنا أنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كبيع التمر بالتمر.
إذا ثبت هذا فإنما يباع بعضه ببعض كيلاً لأن الحنطة مكيلة ولم يوجد في الدقيق والسويق ما ينقلهما عن ذلك ويشترط تساويهما في النعومة ذكره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة لأنهما إذا تفاوتا في النعومة تفاوتا في ثاني الحال فيصير كبيع الحب بالدقيق وزناً، وذكر القاضي أن الدقيق يباع بالدقيق وزنا ولاوجه له، وقد سلم في السويق أنه يباع بالكيل والدقيق مثله (فصل) ولا يجوز بيع الدقيق بالسويق وبه قال الشافعي وعنه الجواز لأن كل واحد منهما أجزاء حنطة ليس معه غيره أشبه السويق بالسويق ولنا أن النار قد أخذت من السويق فلم يجز بيعه بالدقيق كالمقلية بالنيئة، وروي عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور جواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً لأنهما جنسان، ولنا أنهما أجزاء جنس واحد فأشبه بيع أحدهما بجنسه (فصل) ويجوز بيع مطبوخه بمطبوخه كاللبأ بمثله والجبن بالجبن والأقط بالأقط والسمن بالسمن متساوياً ويعتبر التساوي بين الأقط والأقط بالكيل، ولا يباع ناشف من ذلك برطب كما لا يباع الرطب بالتمر ويباع الجبن بالجبن بالوزن لأنه لا يمكن كيله أشبه الخبز، وكذلك الزبد والسمن ويتخرج أن يباع السمن بالكيل كالشيرج
(فصل) ويجوز بيع الخبز بالخبز وزناً وكذلك النشاء بنوعه إذا تساويا في النشافة والرطوبة ويعتبر التساوي في الوزن لأنه يقدر به عادة ولا يمكن كيله، وقال مالك إذا تحرى المماثلة فلا بأس وإن لم يوزن وبه قال الأوزاعي وأبو ثور وحكي عن أبي حنيفة لا بأس به قرصاً بقرصين، وقال الشافعي لا يجوز بيع بعضه ببعض بحال إلا أن ييبس ويدق دقاً ناعماً ويباع بالكيل ففيه قولان لأنه مكيل،
стр. 2252
ويجب التساوي فيه ولا يمكن كيله فتعذرت المساواة فيه ولأن في كل واحد منهما من غير جنسه فلم يجز بيعه كالمغشوش من الذهب والفضة وغيرهما ولنا على وجوب التساوي أنه مطعوم موزون فحرم التفاضل بينهما كاللحم واللبن، ومتى وجب التساوي وجبت معرفة حقيقة التساوي في المعيار الشرعي كالحنطة بالحنطة والدقيق بالدقيق.
ولنا على الشافعي أن معظم نفعه في حال رطوبته فجاز بيعه به كاللبن باللبن ولا يمتنع أن يكون موزوناً أصله مكيل كالأدهان، ولا يجوز بيع الرطب باليابس لانفراد أحدهما بالنقص في ثاني الحال فأشبه الرطب بالتمر ولا يمنع زيادة أخذ النار من أحدهما أكثر من الآخر إذا لم يكثر لأن ذلك يسير ولا يمكن التحرز منه أشبه بيع الحديثة بالعتيقة وما فيه من الملح والماء غير مقصود ويراد لمصلحته فهو كالملح في الشيرج فإن يبس الخبز ودق وصار فتيتاً بيع بمثله كيلاً لأنه أمكن كيله فرد إلى أصله.
وقال ابن عقيل فيه وجه أنه يباع الوزن لأنه انتقل إليه (فصل) فأما ما فيه غيره من فروع الحنطة مما هو مقصود كالهريسة والخزيرة والفالوذج وخبز الا بازير والخشكنانج والسنبوسك ونحوه فلا يجوز بيع بعضه ببعض ولا بيع نوع بنوع آخر لأن كل واحد منهما يشتمل على ما ليس من جنسه، وهو مقصود كاللحم في الهريسة والعسل في الفالوذج والماء والدهن في الخزيرة ويكثر التفاوت في ذلك فلا يتحقق التماثل فيه، وحكم سائر الحبوب حكم الحنطة فيما ذكرنا، ويجوز بيع الحنطة والمصنوع منها بغيرها من الحبوب والمصنوع منها لعدم اشتراط المماثلة بينهما (فصل) ويجوز بيع العصير بجنسه متماثلا ومتفاضلاً بغير جنسه وكيف شاء لأنهما جنسان ويعتبر التساوي فيهما بالكيل لأنه يقدر به ويباع به عادة وهذا مذهب الشافعي وسواء كانا مطبوخين أو نيئين، وقال أصحاب
الشافعي: لا يجوز بيع المطبوخ بجنسه لأن النار تعقد أجزاءهما فيختلف ويؤدي إلى التفاضل ولنا أنهما متساويان في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص فأشبه النئ بالنئ، فأما بيع النئ بالمطبوخ من جنس واحد فلا يجوز لأن أحدهما ينفرد بالنقص في ثاني الحال أشبه الرطب بالتمر، وقد ذكرناه وإن باع عصير شئ من ذلك بثفله فان كان فيه بقية من المستخرج منه لم يجز بيعه به فلا يجوز بيع الشيرج بالكسب ولا الزيت بثفله الذي فيه بقية من الزيت إلا على قولنا بجواز مد عجوة وإن لم يبق فيه شئ من عصيره جاز بيعه به متفاضلاً ومتماثلا لأنهما جنسان (فصل) ويجوز بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب ونحوه من الرطب بمثله في قول الا كثرين ومنع منه الشافعي فيما يبس، فأما ما لا ييبس كالقثاء والخيار ونحوه فعلى قولين لأنه لا يعلم تساويهما حالة الادخار فأشبه الرطب بالتمر، وذهب أبو حفص العكبري إلى هذا وقال ويحتمله كلام الخرقي لقوله في اللحم لا يجوز بيع بعضه ببعض رطباً قال شيخنا ومفهوم كلام الخرقي إباحته ههنا لأنه قال: ولا يباع شئ من الرطب بيابس من جنسه مفهومه جواز الرطب بالرطب ولنا أن نهيه ﵇ عن بيع التمر بالتمر يدل بمفهومه على إباحة بيع كل واحد منهما بمثله
стр. 2253
ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كبيع اللبن باللبن والتمر بالتمر ولأن قوله تعالى (وأحل الله البيع) عام خرج منه المنصوص عليه وهو بيع التمر بالتمر وليس هذا في معناه فيبقى على العموم، وقياسهم لا يصح فإن التفاوت كثير وينفرد أحدهما بالنقصان بخلاف مسئلتنا، ولا بأس ببيع الحديث بالعتيق لأن التفاوت فيه يسير ولا يمكن ضبطه فعفي عنه (فصل) ويجوز بيع القطارة والدبس والخل كل نوع بعضه ببعض متساوياً قال أحمد في رواية مهنا في خل الدقل يجوز بيع بعضه ببعض متساويا لأن الماء في كل واحد منهما غير مقصود وهو من مصلحته فلم يمنع جواز البيع كالخبز بالخبز والتمر بالتمر في كل واحد منهما نواه ولا يباع نوع بالآخر لأن في كل واحد منهما من غير جنسه يقل ويكثر فيفضي إلى التفاضل، والعنب كالتمر إلا أنه لا يباع خل العنب بخل الزبيب لا نفراد أحدهما بما ليس من جنسه، ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ببعض
كخل العنب وخل التمر (فصل) ويجوز بيع اللحم باللحم رطباً نص عليه، وقال الخرقي لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا إذا تناهى جفافه وهذا مذهب الشافعي واختاره أبو حفص العكبري في شرحه، قال القاضي والمذهب جواز بيعه، ونص أحمد على جواز بيع الرطب بالرطب ينبه على إباحة بيع اللحم باللحم من حيث كان اللحم حال كماله ومعظم نفعه في حال رطوبته دون حال يبسه فجرى مجرى اللبن بخلاف الرطب فإن حال كماله ومعظم نفعه في حال يبسه فإذا جاز فيه البيع ففي اللحم أولى، فأما بيع رطبه بيابسه ونيئه بمطبوخه فلا يجوز لانفراد أحدهما بالنقص في ثاني الحال فلم يجز كالرطب بالتمر، قال القاضي ولا يجوز بيع بعضه ببعض إلا منزوع العظام كما لا يجوز بيع العسل بمثله إلا بعد التصفية وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وكلام أحمد ﵀ يقتضي الإباحة مطلقاً فإنه قال في رواية حنبل إذا صار إلى الوزن رطلاً برطل مثلاً بمثل فأطلق ولم يشترط شيئاً ولأن العظم تابع للحم بأصل الخلقة فأشبه النوى في التمر وفارق العسل في أن اختلاط الشمع به من فعل النحل لا من أصل الخلقة ﴿مسألة﴾ (ولا يجوز بيع المحاقلة وهو بيع الحب في سنبله بجنسه وفي بيعه بغير جنسه وجهان) وذلك لما روى البخاري عن أنس قال نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمحاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة.
والمحاضرة بيع الزرع الأخضر والمحاقلة بيع الزرع في الحقول بحب من جنسه، قال جابر: المحاقلة أن يبيع الزرع بمائة فرق حنطه، وقال الأزهري الحقل الفراخ المزروع وفسره أبو سعيد باستكراء الأرض بالحنطة ولأنه بيع الحب بجنسه جزافاً من أحد الجانبين فلم يجز كما لو كانا على الأرض فأما بيعه بغير جنسه فإن كان بدراهم أو دنانير جاز لأن نهى النبي ﷺ عن بيع الحب حتى يشتد يدل على جواز ذلك إذا اشتد وهذا أحد قولي الشافعي، وإن باعه بحب ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لقول النبي ﷺ " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " (والثاني) لا يجوز لعموم الحديث المذكور ﴿مسألة﴾ (ولا يجوز بيع المزابنة وهو بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر إلا في العرايا وهي
стр. 2254
بيع الرطب في رءوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلا فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى
أكل الرطب ولا ثمن معه) لا يجوز بيع المزابنة لأن النبي ﷺ نهى عن المزابنة وهو بيع الرطب بالتمر متفق عليه.
وروى البخاري عن أنس أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة، فأما العرايا فيجوز في الجملة وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك في أهل المدينة والاوزاعي في أهل الشام والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة لا يحل بيعها لما ذكرنا من الحديث ولأنه بيع الرطب بالتمر من غير كيل في أحدهما فلم يجز كما لو كان على وجه الأرض ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ رخص في العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق متفق عليه، ورواه زيد بن ثابت وسهل بن أبي حثمة وغيرهما وحديثهم في سياقه إلا العرايا كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها ولو قدر التعارض وجب تقديم حديثنا بخصوصه جمعاً بين الحديثين وعملاً بكلا النصين.
قال إبن المنذر الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا وطاعة رسول الله ﷺ أولى، والقياس لا يصار اليه مع النص مع أن في الحديث أنه أرخص في العرايا، والرخصة استباحة المحظور مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة لم يبق لنا رخصة بحال ﴿فصل﴾ وإنما يجوز بشروط خمسة (أحدها) أن يكون فيما دون خمسة أوسق في ظاهر المذهب ولا خلاف في أنها لا تجوز في زيادة على خسمة أوسق وانها تجوز فيما نقص عن خمسة أوسق عند القائلين بجوازها.
فأما الخمسة الأوسق فظاهر المذهب أنه لا يجوز فيها وبه قال ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والشافعي في قول يجوز ورواه اسماعيل بن سعيد عن أحمد لأن في حديث زيد وسهل أنه أرخص في العرايا مطلقاً ثم استثنى ما زاد على الخمسة وشك الراوي في الخمسة فبقي المشكوك فيه على أصل الإباحة ولنا أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة.
والمزابنة بيع الرطب بالتمر ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق وشك في الخمسة فيبقى على العموم في التحريم ولأن العرية رخصة بنيت على خلاف النص والقياس فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها فلا تثبت إباحتها مع الشك، وروى ابن المنذر
بإسناده أن النبي ﷺ أرخص في بيع العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه كما اتفقنا على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة لتخصيصه إياها بالذكر ولأن خمسة الأوسق في حكم ما زاد عليها في وجوب الزكاة فيها دون ما نقص عنها فأما قولهم أرخص في العرية مطلقاً فلم يثبت أن الرخصة المطلقة سابقة على الرخصة المقيدة ولا متأخرة عنها بل الرخصة واحدة رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة فيجب حمل المطلق على المقيد ويصير القيد المذكور في أحد الحديثين كأنه مذكور في الآخر ولذلك يقيد فيما زاد على الخمسة اتفاقاً
стр. 2255
(فصل) ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق فيما زاد على صفقة سواء اشتراها من واحد أو من جماعة، وقال الشافعي يجوز للإنسان بيع جميع حائطه عرايا من رجل واحد ومن رجال في عقود متكررة لعموم حديث زيد ولأن كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر كسائر البيوع، ولنا عموم النهي عن المزابنة استثنى منه العرية فيما دون خمسة أوسق فما زاد يبقى على العموم في التحريم ولأن مالا يجوز عليه العقد مرة إذا كان نوعاً واحداً لا يجوز في عقدين كالذي على وجه الأرض وكالجمع بين الاختين.
(فصل) (كذا في الاصل وكان المناسب ان يذكر هذا الفصل عقيب الشرط الثاني ولا ندري إن كان هذا الوضع من المصنف أو من النساخ) ولا تعتبر حاجة البائع فلو باع رجل عرية من رجلين فيها أكثر من خمسة أوسق جاز وقال أبو بكر القاضي لا يجوز لما ذكرنا في المشتري ولنا أن المغلب في التجويز حاجة المشتري بدليل ما روى محمود بن لبيد قال قلت لزيد بن ثابت ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطباً، وإذا كان سبب الرخصة حاجة المشتري لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع فلا يتقيد في حقه بخمسة أوسق، ولا ننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري وحاجة البائع إلى البيع أفضى إلى أن لا يحصل الإرفاق إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين فتسقط الرخصة.
فإن قلنا لا يجوز ذلك بطل العقد الثاني وإن اشترى عريتين أو باعهما وفيهما أقل من خمسة أوسق جاز وجهاً واحداً
(الثاني) أن يكون مشتريها محتاجاً إلى أكلها رطباً ولا يجوز بيعها لغني وهو أحد قولي الشافعي وله قول آخر أنها تباح مطلقاً لكل أحد لأن كل بيع جاز للمحتاج جاز للغني كسائر البيوع ولأن حديث أبي هريرة وسهل مطلقان.
ولنا حديث زيد بن ثابت الذي ذكرناه وإذا خولف الأصل بشرط لم يجز مخالفته بدون ذلك الشرط ولا يلزم من إباحته للحاجة إباحته مع عدمها كالزكاة للمساكين فعلى هذا متى كان المشتري غير محتاج إلى أكل الرطب لم يجز شراؤها بالتمر، ولو باعها لواهبها تحرزاً من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك أو لغيره لم يجز وقال ابن عقيل يباح ويحتمله كلام أحمد لأن الحاجة وجدت من الجانبين فجاز كما لو كان المشتري محتاجاً إلى أكلها ولنا حديث زيد الذي ذكرناه والرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه ولأن في حديث زيد وسهل يأكلها أهلها رطباً ولو جازت لتخليص المعري لما شرط ذلك (الثالث) أن لا يكون للمشتري نقد يشتري به للخبر المذكور (الرابع) أن يشتريها بخرصها من التمر ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوماً بالكيل ولا يجوز جزافاً لا نعلم خلافاً في هذا عند من أباح بيع العرايا لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً متفق عليه، ولمسلم أن تؤخذ بمثل خرصها تمراً يأكلها أهلها رطباً، إذا ثبت ذلك فمعنى خرصها بمثلها من التمر أن ينظر الخارص إلى العرية فينظر كم يجئ منها تمراً فيشتريها المشتري بمثله تمراً، وبهذا قال الشافعي، ونقل حنبل عن أحمد أنه قال يخرصها رطباً ويعطي تمراً وهذا يحتمل الأول، ويحتمل أنه يشتريها بمثل الرطب الذي عليها لأنه بيع
стр. 2256
اشترطت المماثلة فيه فاعتبرت حال البيع كسائر البيوع ولأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال وإن لا يباع الرطب بالتمر خولف في الأصل في بيع الرطب بالتمر فبقي فيما عداه على قضية الدليل.
قال القاضي والأول أصح لأنه ينبني على خرص الثمار في العشر والصحيح خرصة تمراً ولأن المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادخار وبيع الرطب بمثله تمراً يفضي إلى فوات ذلك، فأما ان اشتراها بخرصها رطباً لم يجز وهذا أحد الوجوه لاصحاب الشافعي والثاني يجوز والثالث لا يجوز مع اتفاق النوع ويجوز مع اختلافه.
ووجه جوازه ماروى الجوزجاني عن أبي صالح عن الليث عن ابن شهاب عن سالم عن ابن
عمر عن زيد بن ثابت ﵁ أن رسول الله ﷺ أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر ولم يرخص في غير ذلك، ولأنه إذا جاز بيعها بالتمر مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى ولنا ما روى مسلم بإسناده عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها تمراً، وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر وقال " ذلك الربا تلك المزابنة " إلا أنه أرخص في العرية النخلة أو النخلتين يأخذهما أهل البيت بخرصهما تمراً يأكلونها رطباً ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمراً فلم يجز بيعه بمثله رطباً كالتمر الجاف، ولأن من له رطب فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري على ما أسلفناه وحديث ابن يحيى شك في الرطب والتمر فلا يجوز العمل مع الشك سيما وهذه الأحاديث تثبته وتزيل الشك (الخامس) التقابض في المجلس وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا ولا نعلم فيه مخالفاً لأنه بيع تمر بتمر فاعتبر فيه شروطه إلا ما استثناه الشرع مما لم يمكن اعتباره في بيع العرايا، والقبض في كل واحد منهما على حسبه ففي التمر اكتياله وفي الثمر التخلية، وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل بل لو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة ثم مضيا جميعا إلى النخيل فسلمه إلى مشتريه ثم مضيا إلى التمر فسلمه البائع أو تسلم التمر أولا ثم مضيا إلى النخل فسلمه جاز لأن التفرق لم يحصل قبل القبض.
إذا ثبت هذا فإن بيع العرية يقع على وجهين (أحدهما) أن يقول بعتك ثمرة هذه النخلة بكذا ويصفه الثاني أن يكيل من التمر بقدر خرصها ثم يقول بعتك هذا بهذا، أو بعتك ثمرة النخلة بهذا التمر ونحو هذا فإن باعه بمعين فقبضه بنقله وأخذه وإن باعه بموصوف فقبضه بكيله ﴿مسألة﴾ (فيعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجفاف وعنه يعطيه مثل رطبه وقد ذكرناه) (فصل) ولا يشترط في العرية أن تكون موهوبة لبائعها، وبه قال الشافعي وظاهر قول الخرقي أنه شرط، وقال الأثرم سمعت أحمد يسئل عن تفسير العرايا فقال: العرايا أن يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة والمسكنة فللمعري أن يبيعها ممن شاء، وقال مالك بيع العرايا الجائز هو أن يعري الرجل الرجل نخلات من حائطه ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجل المعرى حائطه لأنه ربما كان مع أهله في الحائط
стр. 2257
فيؤذيه دخول صاحبه عليه فيجوز أن يشتريها منه، واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخيل عاما قال أبو عبيد الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامها ذلك قال شاعر الأنصار: ليست بسنهاء ولا رجبية * ولكن عرايا في السنين الجوائح يقول إنا نعريها الناس، فتعين صرف اللفظ الى موضوعه لغة ومقتضاه في العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك.
ولنا حديث زيد بن ثابت وهو حجة على مالك في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق لعدم اختصاص الحاجة بها ولم يجز بيعها بالتمر لان لأن الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له النخل الكثير يعريه الناس أنه لا يعجز عن اداء ثمن العرية.
وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها لأن علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب ولا ثمن معه سوى التمر فمتى وجد ذلك جاز البيع، ولأن اشتراط كونها موهوبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطباً ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولأن ما جاز بيعه لواهبة إذا كان موهوباً جاز وإن لم يكن موهوباً كسائر الأموال وما جاز بيعه لواهبة جاز لغيره كسائر الأموال وإنما سمي عرية لتعريه عن غيره وافراده بالبيع ﴿مسألة﴾ (ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين) لا يجوز بيع العرية في غير النخيل اختاره أبو حامد وهو قول الليث إلا تكون ثمرته مما لا يجري فيه الربا فيجوز بيع رطبها بيابسها لعدم جريان الربا فيها، وقال القاضي يجوز في سائر الثمار وهو قول مالك والاوزاعي قياساً على ثمرة النخيل، ويحتمل أن يجوز في العنب دون غيرهما وهو قول الشافعي لأن العنب كالرطب في وجوب الزكاة فيه وجواز خرصه وتوسيقه وكثرة يابسه واقتنائه في بعض البلدان والحاجة إلى أكل رطبه، والتنصيص على الشئ يوجب ثبوت الحكم في مثله ولايجوز في غيرهما لاختلافهما في أكثر هذه المعاني فإنه لا يمكن خرصها لتفرقها في الأغصان واستتارها بالأوراق ولا يقتات يابسها فلا يحتاج إلى الشراء به، ووجه الأولى أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة التمر بالثمرة إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب وكل ثمر بخرصة وهذا حديث حسن رواه
الترمذي وهو يدل على تخصيص العرية بالتمر فعن زيد بن ثابت ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك، وعن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وعن كل ثمر بخرصه ولان الأصل يقتضي تحريم بيع العرية وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة ولا يصح قياس غيرها عليها لوجهين (أحدهما) أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها وسهولة خرصها وكون الرخصة في الأصل لأهل المدينة، وإنما كانت حاجتهم إلى الرطب دون غيره (الثاني) أن القياس لا يعمل به إذا خالف نصاً وقياسهم يخالف نصوصاً غير مخصوصة، وإنما يجوز التخصيص بالقياس على المحل المخصوص ونهى عن بيع العنب بالزبيب لم يدل على تخصيص فيقاس عليه وكذلك سائر الثمار ﴿مسألة﴾ (ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما
стр. 2258
كمد عجوة ودرهم بمدين أو بدرهمين أو بمد ودرهم وعنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه) هذه المسألة تسمى مسألة مد عجوة وظاهر المذهب أن ذلك لا يجوز نص عليه أحمد في مواضع كثيرة قال ابن أبي موسى في السيف المحلى والمنطقة والمراكب المحلاة تباع بجنس ما عليها لا يجوز قولاً واحداً، وروى هذا عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وشريح وابن سيرين وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور، وعن أحمد أنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه: قال حرب قلت لأحمد دفعت ديناراً كوفياً ودرهما وأخذت دينار اشامياً وزنهما سواء؟ قال لا يجوز إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة، وكذلك روى عن محمد ابن أبي حرب الجرجرائي قال أبو داود سمعت أحمد يسئل عن الدراهم المسيبية بعضها صفر وبعضها فضة بالدراهم فقال لا أقول فيه شيئاً، قال أبو بكر روى هذه المسألة عن أحمد خمسة عشر نفساً كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز حتى يفصل إلا الميموني، وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة يجوز ذلك بما ذكرنا من الشرط، وقال الحسن لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم وبه قال الشعبي والنخعي
واحتجوا بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد لأنه لو اشترى لحماً من قصاب جاز مع احتمال كونه ميتة لكن يجب حمله على أنه مذكى تصحيحاً، وقد أمكن تصحيح العقد ههنا بجعل
стр. 2259
الجنس في مقابلة غير الجنس أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل ولنا ما روى فضالة بن عبيد قال أتى النبي ﷺ بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة دنانير فقال النبي ﷺ " لا، حتى تميز بينهما " قال فرده حتى ميز بينهما رواه أبو داود وفي لفظ رواه مسلم قال أمر رسول الله صلى الله عليه بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله ﷺ " الذهب بالذهب وزناً بوزن " ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإذا اختلفت القيمة اختلف ما يأخذه من العوض.
بيانه إذا اشترى عبدين قيمة أحدهما مثل نصف قيمة الآخر بعشرة كان ثمن أحدهما ثلثي العشرة والآخر ثلثها فلو رد أحدهما بعيب رده بقسطه من الثمن، وكذلك إذا اشترى شقصاً وسيفاً بثمن أخذ الشفيع الشقص بقسطه من الثمن، فإذا فعلنا هذا فيمن باع درهماً ومداً قيمته درهمان بمدين قيمتهما ثلاثة حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد، والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث هذا إذا تفاوتت القيم ومع التساوي يجهل ذلك لأن التقويم ظن وتخمين، والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه في باب الربا ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة بالظن والخرص، وقولهم يجب تصحيح العقد ممنوع بل يحمل على ما يقتضيه من صحة وفساد، كذلك لو باع بثمن وأطلق وفي البلد نقود بطل العقد ولم يحمل على نقد أقرب البلاد اليه، أما إذا اشترى من إنسان شيئاً فإنه يصح لأن الظاهر أنه ملكه لأن اليد دليل الملك، وإذا باع لحماً فالظاهر أنه مذكى لأن المسلم في الظاهر لا يبيع الميتة
стр. 2260
﴿مسألة﴾ (وإن باع نوعي جنس بنوع واحد منه كدينار قراضة وصحيح بصحيحين أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء أو تمراً برنيا ومعقلياً بابرحيمي فإن ذلك يصح قاله أبو بكر وأومأ إليه أحمد واختار القاضي أن الحكم فيها كالتي قبلها)
وهو مذهب مالك والشافعي لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته كما ذكرنا وروى عن أحمد منع ذلك في النقد وتجويزه في الثمن نقله أحمد بن القاسم لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها ويشق تمييزها فعفي عنها بخلاف الأثمان ولنا قول النبي ﷺ " الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل " الحديث وهذا يدل على إباحة البيع عند وجود المماثلة المرعية هي في الموزون وزناً وفي المكيل كيلا ولان الجودة ساقطة في باب الربويات فيما قوبل بجنسه فيما إذا اتحد النوع في كل واحد من الطرفين فكذلك إذا اختلفا واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة ولأنه باع ذهباً بذهب متساوياً في الوزن فصح كما لو اتفق النوع، وإنما يقسم العوض على المعوض فيما يشتمل على جنسين أو في غير الربويات بدليل مالو باع نوعا بنوع يشتمل على جيد وردئ ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع تمر منزوع النوى بما نواه فيه لاشتمال أحدهما على ما ليس من جنسه دون الآخر، وإن نزع النوى ثم باع النوى والتمر بنوى وتمر لم يجز لأن التبعية زالت بنزعه فصار كمسألة مد عجوة بخلاف ما إذا كان في كل واحد نواه، وإن باع تمراً منزوع النوى بتمر منزوع النوى
стр. 2261
جاز كما لو باع تمراً فيه النوى بعضه ببعض، وقال أصحاب الشافعي لا يجوز في أحد الوجهين لأنهما لم يتساويا في حال الكمال ولأنه يتجافى في المكيال ولنا قول النبي صلى الله وعليه وسلم " التمر بالتمر مداً بمد " ولأنهما تساويا في حال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كما لو كان في كل واحد نواه، ويجوز بيع النوى بالنوى كيلا كذلك ﴿مسألة﴾ (وفي بيع النوى بتمر فيه النوى، واللبن بشاة ذات لبن والصوف بنعجة عليها صوف روايتان) إذا باع النوى بتمر نواه فيه فعلى روايتين (إحداهما) لا يجوز رواه عنه مهنا وابن القاسم لأنه كمسألة مدعجوة وكما لو باع تمراً فيه نواه بتمر منزوع النوى (والثانية) يجوز رواها ابن منصور لأن النوى في التمر غير مقصود فجاز كما لو باع داراً مموهاً سقفها بذهب، فعلى هذا يجوز بيعه متفاضلاً ومتساوياً لأن النوى الذي في التمر لا عبرة به فصار كبيع النوى بتمر منزوع النوى (فصل) وإن باع شاة ذات لبن بلبن أو شاة عليها صوف بصوف أو باع لبوناً بلبون أو ذات
صوف بمثلها خرج فيه الروايتان كالتي قبلها (إحداهما) الجواز اختاره ابن حامد وهو قول أبي حنيفة وسواء كانت الشاة حية أو مذكاة لأن ما فيه الربا غير مقصود (والثاني) المنع وهو مذهب الشافعي لأنه باع مال الربا بأصله الذي فيه منه أشبه بيع اللحم بالحيوان والأول أولى، والفرق بينهما أن اللحم والحيوان مقصود بخلاف اللبن والصوف، ولو كانت الشاة محلوبة اللبن جاز بيعها بمثلها وباللبن وجهاً واحداً لأن اللبن لا أثر له ولا يقابله شئ من الثمن فأشبه الملح في الشيرج والخبز والجبن وحبات الشعير في الحنطة ولا نعلم فيه خلافاً، وكذلك لو كان اللبن المنفرد من غير جنس لبن الشاة جاز بكل حال، ويحتمل أن لا يجوز على قولنا إن اللبن جنس واحد، ولو باع نخلة عليها ثمر بثمر أو بنخلة عليها ثمر ففيه أيضاً وجهان (أحدهما) الجواز اختاره أبو بكر لأن الثمر غير مقصود بالبيع (والثاني) لا يجوز ووجه الوجهين ما ذكرنا في المسألة قبلها، واختار القاضي المنع وفرق بينها وبين الشاة ذات اللبن بكون الثمرة يصح إفرادها بالبيع وهي معلومة بخلاف اللبن في الشاة، وهذ الفرق غير مؤثر فإن ما يمنع إذا جاز
стр. 2262
إفراده يمنع وإن لم يجز إفراده كالسيف المحلى يباع بجنس حليته وما لا يمنع لا يمنع وإن جاز افراده كمال العبد (فصل) وإن باع داراً سقفها مموه بذهب أو دارا بدار مموه سقف كل واحدة منهما جاز لأن ما فيه الربا غير مقصود بالبيع فوجوده كعدمه، وكذلك لو اشترى عبداً له مال فاشترط ماله وهو من جنس الثمن جاز إذا كان المال غير مقصود فهو كالسقف المموه، ولو اشترى عبداً بعبد واشترط كل واحد منهما مال العبد جاز أيضاً إذا كان المال غير مقصود (فصل) وإن باع جنساً فيه الربا بجنسه ومع كل واحد من غير جنسه غير مقصود فهو على أقسام (أحدها) أن يكون غير المقصود يسيراً لا يؤثر في كيل ولا وزن كالملح فيما يعمل فيه وحبات الشعير في الحنطة فلا يمنع لأنه يسير لا يخل بالتماثل، وكذلك لو وجد في أحدهما دون الآخر لم يمنع لذلك ولو باع ذلك بجنس غير المقصود الذي معه كبيع الخبز بالملح جاز لأن وجود ذلك كعدمه (الثاني) أن يكون غير المقصود كثيراً إلا أنه لمصلحة المقصود كالماء في خل التمر والزبيب ودبس التمر فيجوز بيعه بمثله ويتنزل خلطه بمنزلة رطوبته لكونه من مصلحته فلم يمنع من بيعه بما يماثله كالرطب بالرطب
ولا يجوز بيعه بما ليس فيه خلط كبيع خل العنب بخل الزبيب لافضائه إلى التفاضل فجرى مجرى بيع التمر بالرطب، ومنع الشافعي ذلك كله إلا بيع الشيرج بالشيرج لكون الماء لا يظهر في الشيرج (الثالث) أن يكون غير المقصود كثيراً وليس من مصلحته كاللبن المشوب بالماء بمثله والأثمان المغشوشة بغيرها فلا يجوز بيع بعضها ببعض لأن خلطه ليس من مصلحته وهو يخل بالتماثل المقصود فيه، وإن باعه بجنس غير المقصود كبيعه الدينار المغشوش بالفضة بالدراهم احتمل الجواز لأنه يبيعه بجنس غير مقصود فيه فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن، ويحتمل المنع بناء على الوجه الآخر في
стр. 2263
الأصل وإن باع ديناراً مغشوشاً بمثله والغش فيهما متفاوت أو غير معلوم المقدار لم يجز لأنه يخل بالتماثل المقصود، وإن علم التساوي في الذهب والغش الذي فيهما خرج على وجهين أولاهما الجواز لأنهما تماثلا في المقصود وفي غيره ولا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة لكون الغش غير مقصود فكأنه لا قيمة له (فصل) ولو دفع إلى إنسان درهماً وقال أعطني بنصف هذا الدرهم نصف درهم وبنصفه فلوساً أو حاجة أخرى جاز لأنه اشترى نصفاً بنصف وهما متساويان فصح كما لو دفع إليه درهمين فقال بعني بهذا الدرهم فلوساً وأعطني بالآخر نصفين، وإن قال أعطني بهذا الدرهم نصفاً وفلوساً جاز أيضاً لأن معناه ذلك ولأن ذلك لا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة فإن قيمة النصف الذي في الدرهم كقيمة النصف الذي مع الفلوس يقيناً وقيمة الفلوس كقيمة النصف الآخر سواء ﴿مسألة﴾ (والمرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي ﷺ وما لا عرف لهم فيه ففيه وجهان) (أحدهما) يعتبر عرفة في موضعه ولا يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز ونحو هذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة الاعتبار في كل بلد بعادته، ولنا ما روى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال " المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة " والنبي ﷺ إنما يحمل كلامه على بيان الأحكام ولأن ما كان مكيلاً بالحجاز في زمن النبي ﷺ انصرف إليه التحريم في تفاضل الكيل فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك وهكذا الوزن، فأما مالا عرف له في الحجاز ففيه وجهان (أحدهما) يرد إلى أقرب الأشياء
شبهاً به بالحجاز كما أن الحوادث ترد إلى أشبه المنصوص عليه بها وهو القياس (والثاني) يعتبر عرفة في موضعه لأن ما لم يكن له في الشرع حد يرجع فيه إلى العرف كالقبض الحرز والتفرق، وعلى هذا
стр. 2264
إن اختلفت البلاد فالاعتبار بالغالب فإن لم يكن غالب تعين الوجه الأول ومذهب الشافعي كهذين الوجهين (فصل) والبر والشعير مكيلان منصوص عليهما بقول النبي ﷺ " البر بالبر كيلاً بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل " وكذلك سائر الحبوب والا بازير والاشنان والجص والنورة وما أشبهها والتمر مكيل وهو من المنصوص عليه وكذلك سائر ثمرة النخل من الرطب والبسر وغيرهما، وسائر ما تجب فيه الزكاة من الثمار مثل الزبيب والفستق والبندق واللوز والعناب والمشمش والزيتون والبطم والملح مكيل وهو من المنصوص عليه بقوله ﵇ " الملح بالملح مداً بمد " والذهب والفضة موزونان بقوله ﵇ " الذهب بالذهب والفضة بالفضة وزناً بوزن " وكذلك ما أشبههما من جواهر الأرض كالحديد والرصاص والصفر والنحاس والزجاج والزئبق وكذلك الابريسم والقطن والكتان والصوف وغزل ذلك وما أشبهه، ومنه الخبز واللحم والشحم والجبن والزبد والشمع والزعفران والورس والعصفر وما أشبه ذلك (فصل) والدقيق والسويق مكيلان لأن أصلهما مكيل ولم يوجد ما ينقلهما عنه ولأنهما يشبهان ما يكال وذكر القاضي في الدقيق أنه يجوز بيع بعضه ببعض وزناً ولا يمنع أن يكون موزوناً وأصله مكيل كالخبز.
ولنا ما ذكرناه ولأنه يقدر بالصاع بدليل أنه يخرج في الفطر صاع من دقيق، وقد جاء ذلك في الحديث والصاع إنما يقدر به المكيلات، وعلى هذا يكون الأقط مكيلاً لأن في حديث صدقة الفطر صاع من أقط.
فأما اللبن وغيره من المائعات كالأدهان من الزيت والشيرج والعسل والدبس والخل ونحو ذلك، فالظاهر أنها مكيلة.
قال القاضي في الأدهان هي مكيلة وفي اللبن يصح السلم فيه كيلاً، وقال أصحاب الشافعي لا يباع اللبن بعضه ببعض إلا كيلاً، وقد روي عن أحمد رحمه الله تعالى أنه سئل عن السلف في اللبن فقال نعم كيلاً أو وزناً وذلك لأن الماء يقدر بالصاع، ولذلك قالوا: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ويغتسل هو وزوجته من الفرق وهذه مكاييل قدر بها الماء، وكذلك
سائر المائعات، وروي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع ما في ضروع الأنعام إلا بكيل رواه ابن ماجه، وأما غير المكيل والموزون فما لم يكن له أصل بالحجاز في كيل ولا وزن ولا يشبه ما جرى فيه عرف بذلك كالنبات والحبوب والمعدودات من الجوز والبيض والرمان والقثاء والخيار وسائر الخضر
стр. 2265
والبقول والسفرجل والتفاح والكمثرى والخوخ ونحوها، فهذه إذا اعتبرنا التماثل فيها فإنه يعتبر في الوزن لأنه أخصر ذكره القاضي في الفواكة الرطبة وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والآخر قالوا يعتبر ما أمكن كيله بالكيل لأن الأصل الأعيان الأربعة وهي مكيلة، ومن شأن الفرع أن يرد إلى أصله بحكمه، والأصل حكمه تحريم التفاضل بالكيل فكذلك يكون حكم فروعه ولنا أن الوزن أخصر فوجب اعتباره في غير المكيل والموزون كالذي لا يمكن كيله، وإنما اعتبر الكيل في المنصوص لأنه يقدر به في العادة وهذا بخلافه (فصل) قال ﵁ (وأما ربا النسيئة فكل شيئين ليس أحدهما ثمناً علة ربا الفضل فيهما واحدة كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون لا يجوز النساء فيهما وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد) متى كان أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً جاز النساء بينهما بغير خلاف لأن الشرع أرخص في السلم والأصل في رأس مال السلم الدراهم والدنانير فلو حرم النساء ههنا لا نسد باب السلم في الموزونات في الغالب وإن لم يكن أحدهما ثمناً، فكل شيئين يجري فيهما الربا بعلة واحدة كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون والمطعوم بالمطعوم عند من يعلل به يحرم بيع أحدهما بالآخر نسيئة بغير خلاف نعلمه لقول رسول الله ﷺ " فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " وفي لفظ " لا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد وأما النسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير - والشعير أكثرهما - يداً بيد وأما النسيئة فلا " رواه أبو داود (فصل) وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد، وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يشترط التقابض في غير النقدين لأن ما عداهما ليس بأثمان.
فلم يشترط التقابض فيهما كغير أموال الربا كبيع ذلك بأحد النقدين، وأما قوله ﵇ " فإذا اختلفت هذه الأصناف
فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " فالمراد به القبض، ولأنهما مالان من أموال الربا علتهما واحدة فحرم التفرق بينهما قبل القبض كالذهب بالفضة ﴿مسألة﴾ (وإن باع مكيلاً بموزون كاللحم بالبر جاز التفرق قبل القبض وفي التساوي روايتان) وهذا ذكره أبو الخطاب وقال هو رواية واحدة لأن علتهما مختلفة فجاز التفرق قبل القبض كالثمن بالثمن، ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض لأنه قال: وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه يداً بيد
стр. 2266
وهل يجوز النساء؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يجوز ذكرها الخرقي لأنهما مالان من أموال الربا فلم يجز النساء فيهما كالمكيل بالمكيل (والثانية) يجوز وهو قول النخعي لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علة ربا الفضل فجاز النساء فيهما كالثياب بالحيوان وعند من يعلل بالطعم لا يجيزه ههنا وجهاً واحداً ﴿مسألة﴾ (وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النساء فيهما، وعنه لا يجوز وعنه لا يجوز في الجنس الواحد كالحيوان بالحيوان ويجوز في الجنسين كالثياب بالحيوان) فيه أربع روايات (إحداهن) لا يحرم النساء فيه سواء بيع بجنسه أو بغيره متساوياً أو متفاضلاً، وقال القاضي إن كان مطعوماً حرم النساء فيه وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، وهذا مبني على أن العلة الطعم وهو مذهب الشافعي، ووجه جواز النساء ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر وإن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، وروى سعيد في سننه عن أبي معشر عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد بن علي أن علياً باع بعيراً له يقال له عصيفير بأربعة أبعرة إلى أجل ولأنهما مالان لا يجري فيهما ربا الفضل فجاز النساء فيهما كالعرض بالدينار، ولأن النساء أحد نوعي الربا فلم يجز في الأموال كلها كالنوع الآخر فعلى هذه الرواية علة تحريم النساء الوصف الذي مع الجنس.
أما الكيل أو الوزن أو الطعم عند من يعلل به فيختص تحريم النساء بالمكيل والموزون عند من يعلل به اختاره القاضي (والرواية الثانية) يحرم النساء في كل مال بيع بمال آخر سواء كان من جنسه أو لا لما روى سمرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
قال الترمذي حديث صحيح ولم يفرق بين الجنس
والجنسين، ولأنه بيع عرض بعرض فحرم النساء بينهما كالجنسين من أموال الربا فيكون علة النساء بينهما المالية على هذه الرواية.
قال القاضي فعلى هذا لو باع عرضاً بعرض ومع أحدهما دراهم العروض نقدا والدراهم نسئية جاز وإن كان بالعكس لم يجز لأنه يفضي إلى النسئية في العروض (قال شيخنا) وهذه الرواية ضعيفة جداً لأنه إثبات حكم يخالف الأصل بغير نص.
ولا إجماع ولا قياس صحيح فإن للمحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أو صافا لها أثر في تحريم الفضل فلا يجوز حذفها عن درجة الاعتبار، وما هذا سبيله لا يجوز إثبات الحكم فيه وإن لم يخالف أصلا فكيف مع مخالفة الأصل في حل البيع؟ فأما حديث سمرة فهو من رواية الحسن عن سمرة، وأبو عبد الله لا يصحح سماع الحسن من سمرة قاله الأثرم (والرواية الثالثة) يحرم النساء في كل ما بيع بجنسه كالحيوان بالحيوان والثياب بالثياب ولا يحرم
стр. 2267
في غير ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة ويروى كراهة بيع الحيوان بالحيوان نساء عن ابن الحنفية وعبد الله ابن عبيد بن عمير وعكرمة بن خالد وابن سيرين والثوري والحسن وروي ذلك عن عمار وابن عمر لحديث سمرة ولأن الجنس أحد وصفي علة ربا الفضل فحرم النساء كالكيل والوزن (والرواية الرابعة) لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه متفاضلاً لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال " الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نساء ولا بأس به يداً بيد " قال الترمذي حديث حسن، وروي الإمام أحمد بإسناده عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً قال يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال لا باس إذا كان يداً بيد " وهذا يدل بمفهومه على إباحة النساء مع التماثل والرواية الأولى أصح لموافقتها الأصل، والأحاديث المخالفة لها قد قال أحمد ليس فيها حديث يعتمد عليه ويعجبني أن يتوقاه وذكر له حديث ابن عباس وابن عمر في هذا فقال هما مرسلان، وحديث سمرة قد أجبنا عنه وحديث جابر قال أبو عبد الله هذا حجاج زاد فيه نساء، وليث بن سعيد قال يعقوب بن شيبة هو واهي الحديث وهو صدوق، وان كان أحد المبيعين مما لا ربا فيه والآخر فيه ربا كالمكيل بالمعدود ففي تحريم النساء فيهما روايتان ﴿مسألة﴾ (ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ وهو بيع الدين بالدين) لأن النبي ﷺ نهى عن بيع
الكالئ بالكالئ رواه أبو عبيد في الغريب (فصل) قال رحمه الله تعالى (ومتى افترق المتصارفان قبل التقابض أو افترقا عن مجلس السلم قبل قبض رأس ماله بطل العقد) أما إذا افترقا عن مجلس السلم قبل قبض رأس المال فسيذكر في بابه إن شاء الله تعالى، وأما الصرف فهو بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف.
قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد لقول النبي ﷺ " اذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء " وقوله ﵇ " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد " ونهى النبي ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينا ونهى أن يباع غائب منها بناجز وكلها أحاديث صحاح.
ويجزئ القبض في المجلس وإن طال، ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما أو إلى الصراف فتقابضاه عنده جاز، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال مالك لاخير في ذلك لأنهما فارقا مجلسهما ولنا أنهما لم يتفارقا قبل التقابض فأشبه مالو كانا في سفينة تسير بهما أو راكبين على دابة واحدة تمشي بهما وقد دل على ذلك حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ في قوله للذين مشياً إليه من جانب العسكر: وما أراكما افترقتما.
وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد لفوات شرطه
стр. 2268
﴿مسألة﴾ وإن قبض البعض ثم افترقا بطل في الجميع في أحد الوجهين، وفي الآخر يبطل فيما لم يقبض بناء على تفريق الصفقة، ولو وكل أحدهما وكيلاً في القبض فقبض الوكيل قبل تفرقهما جاز وقام قبض وكيله مقام قبضه سواء فارق الوكيل المجلس قبل القبض أو لم يفارقه، وإن افترقا قبل قبض الوكيل بطل لأن القبض في المجلس شرط وقد فات، وإن تخايرا قبل القبض في المجلس لم يبطل العقد بذلك لأنهما لم يتفرقا قبل القبض، ويحتمل أن يبطل إذا قلنا بلزوم العقد وهو مذهب الشافعي لأن العقد لم يبق فيه خيار قبل القبض أشبه ما لو افترقا، والصحيح الأول فإن الشرط التقابض في المجلس وقد وجد واشتراط التقابض قبل اللزوم تحكم بغير دليل ثم يبطل بما إذا تخايرا قبل الصرف ثم اصطرفا
فإن الصرف يقع لازماً صحيحاً قبل القبض ثم يشترط القبض في المجلس (فصل) ولو صارف رجلاً ديناراً بعشرة دراهم وليس معه إلا خمسة لم يجز أن يتفرقا بل قبض العشرة، فإن قبض الخمسة وافترقا فهل يبطل في الجميع أو في نصف الدينار؟ ينبني على تفريق الصفقة فان ارادا صحة العقد فسخا الصرف في النصف الذي ليس معه عوضه أو يفسخان العقد كله ثم يشتري منه نصف الدينار بخمسة ويدفعها إليه ثم يأخذ الدينار كله فيكون نصفه له والباقي أمانة في يده ويتفرقان ثم إذا صارفه بعد ذلك بالباقي له من الدينار أو اشترى به منه شيئاً أو جعله سلما في شئ أو وهبه إياه جاز، ولو اشترى فضة بدينار ونصف ودفع إلى البائع دينارين وقال أنت وكيلي في نصف الدينار الزائد صح، ولو صارفه عشرة دراهم بدينار فأعطاه أكثر من دينار ليزن له حقه في وقت آخر جاز وإن طال ويكون الزائد أمانة في يده لا شئ عليه في تلفه نص أحمد على أكثر هذه المسائل، فإن لم يكن مع أحدهما إلا خمسة دراهم فاشترى بها نصف دينار وقبض ديناراً كاملاً ودفع إليه الدراهم ثم اقترضها منه واشترى بها النصف الباقي أو اشترى الدينار منه بعشرة ابتداء ودفع إليه الخمسة ثم اقترضها منه ودفع إليه عوضاً عن النصف الآخر على غير وجه الحيلة فلا بأس ﴿مسألة﴾ (وإن تقابضا ثم افترقا فوجدا أحدهما ما قبضه رديئاً فرده بطل العقد في إحدى الروايتين) هذا إن كان فيه عيب من غير جنسه لأنهما تفرقا قبل قبض المعقود عليه فيما يشترط قبضه اختاره القاضي، والآخر لا يبطل لأن قبض عوضه في مجلس الرد يقوم مقام قبضه في المجلس وإن رد بعضه وقلنا يبطل في المردود فهل يبطل في الباقي؟ على روايتين بناء على تفريق الصفقة، وإن كان العيب من جنسه فسنذكره إن شاء الله تعالى (فصل) فإذا باع مدي تمر ردئ بدرهم ثم اشترى بالدرهم تمراً جيداً أو اشترى من رجل ديناراً صحيحاً بدراهم وتقابضا ثم اشترى منه بالدراهم قراضة عن غير مواطأة ولا حيلة فلا بأس به، وقال ابن أبي موسى لا يجوز إلا أن يمضي الى غيره ليبتاع منه فلا يستقيم له فيجوز أن يرجع إلى البائع
стр. 2269
فيبتاع منه، وقال أحمد في رواية الأثرم يبيعها من غيره أحب إلي، قلت له فإن لم يعلمه أنه يريد أن يبيعها
منه، فقال يبيعها من غيره فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه فإنه إذا ردها إليه لعله أن لا يوفيه الذهب ولا يحكم الوزن ولا يستقصي، يقول هي ترجع إليه، قيل لأبي عبد الله فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذها منه من غيره (قوله فذهب الخرقي العبارة تعقيد واضطراب فتراجع في مظنتها من المغني) فلم يجدها فرجع إليه، فقال إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره فنعم، فظاهر هذا أنه على وجه الاستحباب لا الإيجاب ولعل أحمد إنما أراد اجتناب المواطأة على هذا ولهذا قال إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره فنعم، وقال مالك إن فعل ذلك مرة جاز وإن فعله أكثر من مرة لم يجز لأنه يضارع الربا ولنا ما روى أبو سعيد ﵁ قال: جاء بلال ﵁ إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال النبي ﷺ " من أين هذا؟ " قال بلال كان عندنا تمر ردئ فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ " أوه عين الربا عين الربا لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتربه " وروى أبو سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال " أكل تمر خيبر وهكذا؟ " فقال لا والله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال النبي ﷺ " لا تفعل بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً " متفق عليهما ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه، ولو كان ذلك محرماً لبينه له وعرفه إياه، ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط ولا مواطأة فجاز كما لو باعه من غيره، ولأن ما جاز من البياعات مرة جاز على الإطلاق كسائر البياعات، فإن تواطآ على ذلك لم يجز وكان حيله محرمة، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز ما لم يكن مشروطاً في العقد.
ولنا أنه إذا كان عن مواطأة كان حيلة والحيل محرمة على ما سنذكره (فصل) والصرف ينقسم إلى قسمين (أحدهما) أن يبيع عينا بعين وهو أن يقول بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم (والثاني) أن يقع العقد على موصوف نحو أن يقول بعتك دينارا مصريا بعشرة دراهم ناصرية وقد يكون أحد العوضين معيناً دون الأخر وكل ذلك جائز، وظاهر المذهب أن النقود تتعين بالتعيين في العقود فيثبت الملك في أعيانها، فإن تبايعا عيناً بعين ثم تقابضا فوجد أحدهما عيباً فيما قبضه فذلك قسمان (عبارة المغني في الصفحة السابقة.
لم يخل من قسمين.
وهو جواب الشرط.
وما هنا لا يصلح جوابا بل هو معطوف على ما قبله) (أحدهما) أن يكون العيب غشا من غير جنس المبيع كالنحاس في الدراهم والمس
في الذهب فالصرف باطل وهو قول الشافعي، وذكر أبو بكر فيها ثلاث روايات (إحداهن) البيع باطل (والثانية) صحيح وللمشتري الخيار والترك وأخذ البدل (والثالثة) يلزمه العقد وليس له رد ولا بدل.
ولنا انه باعه غير ما سمى له فلم يصح كما لو قال بعتك هذه البغلة فإذا هو حمار، أو هذا الثوب القز وإذا هو كتان، وأما القول بأنه يلزمه البيع فلا يصح لأنه اشترى معيباً لم يعلم عيبه فلم يلزمه ذلك بغير أرش كسائر البياعات (القسم الثاني) أن يكون العيب من جنسه كالسواد في الفضة والخشونة
стр. 2270
كونها تتفطر (لعل أصله ككونها تتفطر وانظر عبارة المغني في اوائل هذه الصفحة فهي أصرح وأفصح) عند الضرب أوان سكتها مخالفة لسكة السلطان فيصح العقد ويخير المشتري بين الامساك والترك ولا بدل له لأن العقد وقع على معين فإذا أخذ غيره أخذ ما لم يشتره، وإن قلنا أن النقد لا يتعين بالتعيين في العقد فله أخذ البدل ولا يبطل العقد لأن الذي قبضه ليس هو المعقود عليه فأشبه المسلم إذا قبضه فوجد به عيبا ومذهب الشافعي في هذا الفصل على ما ذكرناه (فصل) ولو أرادا أخذ أرش العيب والعوضان في الصرف من جنس واحد لم يجز لحصول الزيادة في أحد العوضين وفوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد، وخرج القاضي وجها لجواز أخذ الأرش في المجس لأن الزيادة طرأت بعد العقد وليس لذلك وجه فإن أرش العيب من العوض يجبر به في المرابحة ويرد به إذا رد المبيع بفسخ أو إقالة ولو لم يكن من العوض فبأي شئ استحقه المشتري فإنه ليس بهبة، على أن الزيادة في المجلس من العوض وإن لم يكن أرشا فالارش أولى، وإن كان الصرف بغير جنسه فله أخذ الأرش في المجلس لأن المماثلة غير معتبرة، وتختلف قبض بعض العوض عن بعض لا يضر ماداما في المجلس فجاز كما في سائر المبيع، وإن كان بعد التفرق لم يجز لأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل قبض أحد العوضين إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن كأنه أخذ أرش عيب الفضة حنطة فيجوز، وكذلك الحكم في سائر أموال الربا فيما بيع بجنسه أو بغير جنسه مما يشترط فيه القبض، فإذا كان مما لا يشترط قبضه كمن باع قفيز حنطة بقفيزي شعير فوجد أحدهما عيباً فأخذ أرشه درهماً جاز وإن كان بعد التفرق لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما يشترط فيه القبض
стр. 2271
(فصل) وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه فسخ العقد ويرد الموجود وتبقى قيمة العيب في ذمة من تلف في يده فيرد مثلها أو عوضها إن اتفقا عليه سواء كان الصرف بجنسه أو بغير جنسه ذكره ابن عقيل وهو قول الشافعي، قال ابن عقيل وقد روي عن أحمد جواز أخذ الأرش والأول أولى إلا أن يكونا في المجلس والعوضان من جنسين (القسم الثاني) أن يصطرفا في الذمة فيصح
стр. 2272
سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما أولا إذا تقابضا قبل الافتراق وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وحكي عن مالك لا يجوز الصرف إلا أن تكون العينان حاضرتين وعنه لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين وعن زفر مثله لأن النبي ﷺ قال " لا تبيعوا غائباً منها بناجز " ولأنه إذا لم يعين أحد العوضين كان بيع دين بدين.
ولنا أنهما تقابضا في المجلس فصح كما لو كانا حاضرين، والحديث يراد به ان لا يباع عاجل بآجل أو مقبوض بغير مقبوض بدليل ما لو غير أحدهما فإنه يصح وإن كان الآخر غائباً ولأن القبض في المجلس جرى مجرى القبض حالة العقد ألا ترى إلى قوله عيناً بعين يداً بيد، والقبض يجري في المجلس كذا التعيين.
إذا ثبت هذا فلا بد من تعينها بالتقابض في المجلس ومتى تقابضا فوجد أحدهما بما قبضه عيباً قبل التفرق فله المطالبة بالبدل سواء كان العيب من جنسه أو من غير جنسه لأن العقد وقع على مطلق لاعيب فيه فكان له المطالبة بما وقع عليه العقد كالمسلم فيه وإن رضيه بعيبه والعيب من جنسه جاز كما لو رضي بالمسلم فيه معيباً، وان اختار أخذ أرشه وكان العوضان من جنسين جاز وإن كانا من جنس لم يجز وقد ذكرناه، وإن تقابضا ثم افترقا ثم وجد العيب من جنسه فله إبداله في إحدى الروايتين اختارها الخلال والخرقي وروي ذلك عن الحسن وقتادة وبه قال أبو يوسف ومحمد وهو أحد قولي الشافعي لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعد التفرق كالمسلم فيه (والثانية) ليس له ذلك اختارها أبو بكر وهو مذهب أبي حنيفة.
والقول الثاني للشافعي لأنه يقبضه بعد التفرق ولايجوز ذلك في الصرف، ومن نصر الرواية الأولى قال قبض الأول صح
стр. 2273
به العقد وقبض الثاني بدل عن الأول، ويشترط أن يأخذ البدل في مجلس الرد فإن لم يأخذه فيه بطل
العقد، وإن وجد البعض رديئا فرده فعلى الرواية الأولى له البدل وعلى الثانية يبطل في المردود وهل يصح فيما لم يرد على وجهين بناء على تفريق الصفقة ولافرق بين كون المبيع من جنس أو من جنسين وقال مالك إن وجد درهماً زيفاً فرضي به جاز وإن رده انتقض الصرف في دينار وإن رد أحد عشر درهماً انتقض في دينارين وكلما زاد على دينار انتقض الصرف في دينار آخر ولنا أن ما لا عيب فيه لم يرد فلم ينتقض الصرف فيما يقابله كسائر العوض، وإن اختار واجد العيب الفسخ فعلى قولنا له البدل ليس له الفسخ إذا أبدل له لأنه يمكنه أخذ حقه غير معيب، وعلى الرواية الأخرى له الفسخ أو الإمساك في الجميع لأنه تعذر عليه الوصول إلى ما عقد عليه مع إبقاء العقد وان اختار أخذ أرش العيب بعد التفرق لم يكن له ذلك لأنه عوض يقبضه بعد التفرق عن الصرف ويجوز على الرواية الأخرى (فصل) ومن شرط المصارفة في الذمة أن يكون العوضان معلومين إما بصفة يتميزان بها أو يكون للبلد نقد معلوم أو غالب فينصرف الإطلاق إليه، فلو قال بعتك دينارا مصريا بعشرين درهماً من نقد عشرة بدينار لم يصح إلا أن لا يكون في البلد نقد عشرة بدينار إلا نوع واحد فتنصرف الصفة إليه وكذلك الحكم في البيع (فصل) وإذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا بما في ذمتهما لم يصح وبهذا قال الليث والشافعي، وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة جوازه لأن الذمة الحاضرة كالعين
стр. 2274
الحاضرة ولذلك جاز أن يشتري الدراهم بدينار من غير تعيين ولنا أنه بيع دين بدين وقد قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، وقال أحمد إنما هو إجماع وقد روى أبو عبيد في الغريب أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ وفسره بالدين بالدين إلا أن الأثرم روى أن أحمد سئل أيصح هذا الحديث؟ قال لا.
فأما الصرف فإنما صح بغير تعيين بشرط أن يتقابضا في المجلس فجرى القبض والتعيين في المجلس مجرى وجوده حالة العقد، ولو كان لرجل على رجل دنانير فقضاه دراهم شيئاً بعد شئ فإن كان يعطيه كل درهم
بحسابه من الدنانير صح نص عليه، فإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعد فصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز نص عليه لأن الدنانير دين والدراهم قد صارت ديناً فيصير بيع دين بدين، وإن قبض أحدهما من الآخر ماله عليه ثم صارفه بعين وذمة صح، وإذا أعطاه الدراهم شيئا بعد شئ ولم يقبضه إياها وقت دفعها إليه ثم أحضرها وقوماها قانه يحتسب بقيمتها يوم القضاء لايوم دفعها اليه لأنه قبل ذلك لم تصر في ملكه إنما هي وديعة في يده، وإن تلفت أو نقصت فهي من ضمان مالكها ويحتمل أن تكون من ضمان القابض إذا قبضها بنية الاستيفاء لأنها مقبوضة على أنها عوض ووفاء، والمقبوض في عقد فاسد كالمقبوض في عقد صحيح فيما يرجع إلى الضمان وعدمه، ولو كان لرجل عند صيرفي دنانير فأخذ منه دراهم أدراراً لتكون هذه بهذه لم يكن كذلك بل كل واحد منهما في ذمة من قبضه، فإذا أرادا التصارف أحضرا أحدهما واصطرفا بعين وذمة (فصل) ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون صرفا بعين وذمة في قول الأكثرين ومنع
стр. 2275
منه ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة، وروي عن ابن مسعود لأن القبض شرط وقد يختلف ولنا أن ابن عمر قال: كنت أبيع الإبل فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي ﷺ في بيت حفصة فقلت يارسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله ﷺ " لا بأس ان تأخذها بسعر يومها ما لم تفرقا وليس بينكما شئ " رواه أبو داود والاثرم قال أحمد إنما يقضيه إياها بالسعر لم يختلفوا إلا ما قال أصحاب الرأي أنه يقضيه مكانها ذهباً على التراضي لأنه بيع في الحال فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس كما لو كان العوض عرضاً ولنا قول النبي ﷺ " لا بأس ان تأخذها بسعر يومها " فشرط أخذها بالسعر وروي أن بكر ابن عبد الله ومسروقاً العجلي سألا ابن عمر عن كري لهما له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير فقال ابن عمر أعطوه بسعر السوق.
ولأن هذا جرى مجرى القضاء فيقيد بالمثل كالقضاء من الجنس والتماثل
ههنا بالقيمة لتعذر التماثل بالصورة، قيل لأبي عبد الله فإن أهل السوق يتغابنون بينهم بالدانق في الدينار وما أشبهه فقال إن كان مما يتغابن الناس به فسهل ما لم يكن حيلة (فصل) فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلاً فقد توقف أحمد فيه، وقال القاضي يحتمل وجهين (احدهما) المنع وهو قول مالك ومشهور قولي الشافعي لأن ما في الذمة غير مستحق القبض فكان
стр. 2276
القبض ناجزاً في أحدهما والناجز يأخذ قسطاً من الثمن (الثاني) الجواز وهو قول أبي حنيفة لأنه ثابت في الذمة وما في الذمة بمنزلة المقبوض فكأنه رضي بتعجيل المؤجل، وهذا هو الصحيح إذا قضاه بسعر يومها ولم يجعل للمقتضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة لأنه إن لم ينقض عن سعرها شيئاً فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض فأشبه مالو قضاه من جنس الدين، ولم يستفصل النبي ﷺ ابن عمر حين سأله، ولو افترق الحال لسأل واستفصل.
هذا اختيار شيخنا (فصل) قال أحمد لو كان لرجل على رجل عشرة دراهم فدفع إليه ديناراً وقال استوف حقك منه فاستوفاه بعد التفرق جاز، ولو كان عليه دنانير فوكل غريمه في بيع داره واستيفاء دينه من ثمنها فباعها بدراهم لم يجز أن يأخذ منها بقدر حقه لأنه لم يأذن له في مصارفة نفسه ولأنه متهم نص أحمد على ذلك (فصل) ولو كان له عند رجل دينار وديعة فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون صح الصرف وإن ظن عدمه لم يصح لأن حكمه حكم المعدوم، وإن شك فيه فقال ابن عقيل يصح وهو قول بعض الشافعية، وقال القاضي لا يصح لأنه غير معلوم البقاء وهو منصوص الشافعي.
ووجه الأول أن الأصل بقاؤه فصح البناء عليه عند الشك لأن الشك لا يزيل اليقين، ولذلك صح بيع الحيوان المشكوك في حياته فإن تبين أنه كان تالفاً حين العقد تبينا أن العقد وقع باطلاً (فصل) وإذا عرف المصطرفان وزن العرضين جاز أن يتبايعا بغير وزن، وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدقه فإذا باع ديناراً بدينار كذلك وافترقا فوجد أحدهما ما قبضه ناقصاً بطل الصرف لأنهما تبايعاً ذهباً بذهب متفاضلا، فان وجد أحدهما فيما قبضه زيادة على الدينار فإن كان قال بعتك هذا الدينار بهذا فالعقد باطل لوجود التفاضل وإن قال بعتك ديناراً بدينار ثم تقابضا كان
الزائد في يد القابض مشاعاً مضموناً لمالكه لأنه قبضه على أنه غوض ولم يفسد العقد لأنه إنما باع
стр. 2277
ديناراً بمثله وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه، فإن أراد دفع عوض الزائد جاز سواء كان من جنسه أو من غيره لأنها معاوضة مبتدأة، وإن أراد أحدهما الفسخ فله ذلك لأن آخذ الزائد وجد المبيع مختلطاً بغيره معيباً بعيب الشركة ودافعة لا يلزمه أخذ عوضه إلا أن يكونا في المجلس فيرد الزائد أو يدفع بدله، ولو كان لرجل على رجل عشرة دنانير فوفاه عشرة عدداً فوجدها أحد عشر كان هذا الدينار زائداً في يد القابض مشاعاً مضموناً لمالكه لأنه قبضه على أنه عوض عما له فكان مضموناً بهذا القبض ولمالكه التصرف فيه كيف شاء ﴿مسألة﴾ (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد في أظهر الروايتين فلا يجوز ابدالها، وان خرجت مغصوبة بطل العقد) وبه قال مالك والشافعي وعن أحمد أنها لا تتعين بالعقد فيجوز إبدالها ولا يبطل العقد بخروجها مغصوبة، وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه يجوز إطلاقها في العقد فلم تتعين بالتعيين كالمكيال والصنجة.
ولنا أنه عوض في عقد فيتعين بالتعيين كسائر الأعواض ولأنه أحد العوضين فيتعين بالتعيين كالآخر ويفارق ما ذكروه فإنه ليس بعوض وإنما يراد لتقدير المعقود عليه وتعريف قدره ولا يثبت فيها الملك بحال بخلاف مسئلتنا، وإنما جاز إطلاقها لأن لها عرفا ينصرف إليه يقوم في بابها مقام الصفة، فعلى هذا إن وجدها معيبة خير بين الإمساك والرد كالعوض الآخر، ويتخرج أن يمسك ويطالب بالإرش لأنه مبيع أشبه سائر المبيعات، وإن كان ذلك في الصرف فقد ذكرناه.
هذا إن كان العيب من جنس النقود وإن كان من غير جنسها كالنحاس في الفضة والفضة في الذهب وكان في جميعها بطل العقد وإن كان في بعضها بطل فيه، وفي الباقي وجهان بناء على تفريق الصفقة وإن قلنا لا يتعين انعكست هذه الأحكام
стр. 2278
(فصل) في إنفاق المغشوش من النقود وفيه روايتان أظهرهما الجواز نقل صالح عنه في دراهم يقال لها المسيبية عامتها نحاس إلا شيئاً فيها فضة فقال إذا كان شيئاً اصطلحوا عليه مثل الفلوس اصطلحوا
عليها فأرجوا أن لا يكون بها بأس (والثانية) التحريم نقل حنبل في دراهم يخلط فيها مس ونحاس يشتري بها ويباع فلا يجوز أن يبتاع بها أحد، كل ما وقع عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام، وقال أصحاب الشافعي إن كان الغش مما لا قيمة له جاز الشراء بها، وإن كان مما له قيمة ففي جواز إنفاقها وجهان.
واحتج من منع المغشوشة بقول النبي ﷺ " من غشنا فليس منا " وبأن عمر نهى عن بيع نفاية بيت المال ولأن المقصود فيه مجهول أشبه تراب الصاغة، والأولى أن يحمل كلام أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر عيبه واصطلح عليه فإن المعاملة به جائزة إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما فلا يمنع من بيعهما كما لو كانا متميزين ولأن هذا مستفيض في الأعصار جار بينهم من غير نكير وفي تحريمه مشقة وضرر وليس شراؤه بها غشاً للمسلمين ولا تغريراً لهم والمقصود منها ظاهر مرئي معلوم بخلاف تراب الصاغة، ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به فإن ذلك يفضي إلى التغرير بالمسلمين، وقد أشار أحمد إلى هذا فقال في رجل اجتمعت عنده دراهم زيوف ما يصنع بها؟ قال يسبكها.
قيل له فيبيعها بدينار؟ قال لا، قيل يبيعها بفلوس؟ قال لا إني أخاف أن يغربها مسلماً قيل لأبي عبد الله فيتصدق بها؟ قال: إني أخاف أن يغربها مسلماً، وقال ما ينبغي له أن يغربها المسلمين ولا أقول أنه حرام لأنه على تأويل وذلك إنما كرهته لأنه يغربها مسلماً.
فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين وعلى هذا يحمل منع عمر بيع نفاية بيت المال لما فيه من التغرير
стр. 2279
فإن مشتريها ربما خلطها بدراهم جيدة واشترى بها ممن لا يعرف حالها ولو كانت مما اصطلحوا على انفاقه لم تكن نفاية، فإن قيل روي عن عمر أنه قال من زافت عليه دراهمه فليخرج بها إلى البقيع فليشتر بها سحق الثياب، وهذا دليل على جواز إنفاق المغشوشة التي لم يصطلح عليها قلنا قد قال أحمد معنى زافت عليه دراهمه أي نفيت ليس أنها زيوف ويتعين حمله على هذا جمعاً بين الروايتين عنه ويحتمل أنه أراد ما ظهر غشه وبان زيفه بحيث لا يخفى على أحد ولا يحصل بها تغرير، وإن تعذر تأويلها تعارضت الروايتان عنه ويرجع إلى ما ذكرنا من المعنى ولا فرق بين ما كان غشه يبقى كالنحاس والرصاص وما لا ثبات له كالزرنيخية والأندرانية وهو زرنيخ ونورة يطلى عليه فضة فإذا دخل
النار استهلك الغش وذهب.
стр. 2280
(فصل) ولايجوز بيع تراب الصاغة والمعدن بشئ من جنسه لأنه مال ربا بيع بجنسه على وجه لا تعلم المماثلة بينهما فلم يصح كبيع الصبرة بالصبرة وان بيع بغير جنسه، وحكى ابن المنذر عن أحمد كراهة بيع تراب المعادن وهو قول عطاء والشعبي والشافعي والثوري واسحاق لأنه مجهول، وقال ابن أبي موسى في
следующие страницы →