قال (بئس ما جازيتها لا نذر في معصية الله) وفي رواية (لا نذر فيما لا يملك ابن آدم) أخرجه مسلم
ولأنه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحق به بغير شئ كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة فأما إن اشتراه رجل من العدو فليس لصاحبه أخذه إلا بثمنه وقال القاضي وما حصل في يده بهبة أو سرقة أو شراء فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة هل يكون صاحبه أحق به بالقيمة؟ على روايتين ولنا الحديث المذكور وما روى سعيد بإسناده قال أغار أهل ماه وجلولا على العرب فأصابوا شيئاً من سبايا العرب ورقيقاً ومتاعاً ثم أن السائب بن الأكوع عامل عمر غزاهم ففتح ماه فكتب إلى عمر في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعهم قد اشتراه التجار من أهل ماه فكتب اليه عمر ان المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يخذله فأيما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه فهو أحق به وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما انقسم فلا سبيل إليه وأيما حر اشتراه التجار فإنه يرد عليهم رؤوس أموالهم فإن الحر لا يباع ولا يشترى (فصل) وحكم أموال أهل الذمة إذا استولى عليها الكفار ثم قدر عليها حكم أموال المسلمين فيما ذكرنا قال علي ﵁ إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا ولأن أموالهم معصومة فأشبهت أموال المسلمين
стр. 6232
(فصل) فإن غنم المسلمون من المشركين شيئاً عليه علامة المسلمين ولم يعلم صاحبه فهو غنيمة قال أحمد في مركب يجئ من مصر يقطع عليها الروم فيأخذونها ثم يأخذها المسلمون منهم إن عرف صاحبها فلا يؤكل منها وهذا يدل على جواز الأكل منها إذا لم يعرف صاحبها ونحو هذا قول الثوري والاوزاعي قال في المصحف يحصل في الغنائم يباع وقال الشافعي يوقف حتى يجئ صاحبه وإن وجد شئ موسوم عليه حبس في سبيل الله رد كما كان نص عليه أحمد وبه قال الأوزاعي والشافعي وقال الثوري يقسم ما لم يأت صاحبه ولنا أن هذا قد عرف هذا مصرفه وهو الحبس فهو بمنزلة مالو عرف صاحبه قيل لأحمد فالجواميس تدرك قد ساقها العدو للمسلمين وقد ردت يؤكل منها؟ قال إذا عرف لمن هي فلا يوكل منها قيل فما حازه العدو للمسلمين فأصابه المسلمون أعليهم أن يقفوه حتى يبين صاحبه؟ قال إذا عرف فقيل هذا لفلان وكان صاحبه بالقرب
قيل له أصيب غلام في بلاد الروم فقال أنا لفلان رجل بمصر؟ قال إذا عرف الرجل لم يقسم ورد على صاحبه قيل له أصبنا مركباً في بلاد الروم فيها النواتية قالوا هذا لفلان وهذا لفلان؟ قال هذا قد عرف صاحبه لا يقسم.
(مسألة) (وبذلك الكفار أموال المسلمين بالقهر ذكره القاضي وقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد انهم لا يملكونها، وروى عن أحمد في ذلك روايتان) .
стр. 6233
(إحداهما) أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر هذا قول مالك وأبي حنيفة.
(والرواية الثانية) لا يملكونها وهو قول الشافعي لحديث ناقة النبي ﷺ قال أبو الخطاب وهو ظاهر كلام أحمد حيث قال إن أدركه صاحبه قبل القسم فهو أحق به قال إنما منعه أخذه بعد القسمة لأن قسمة الإمام له تجري مجرى الحكم ومتى صادف الحكم أمراً مجتهداً فيه نفذ حكمه ولأنه مال معصوم طرأت عليه يد عادية فلم يملك بها كالغصب ولأن من لا يملك رقبة غيره بالقهر لا يملك ماله به كالمسلم مع المسلم.
ووجه الأول أن القهر سبب يملك به المسلم مال الكافر فملك به الكفار مال المسلم كالبيع، فأما الناقة فإنما أخذها النبي ﷺ لأنه أدركها غير مقسومة ولا مشتراة فعلى هذا يملكونها قبل حيازتها إلى دار الكفر وهو قول مالك، وذكر القاضي أنهم إنما يملكونها بالحيازة إلى دارهم وهو قول أبي حنيفة وحكي عن أحمد في ذلك روايتان: ووجه الأول أن الاستيلاء سبب للملك فيثبت قبل الحيازة إلى الدار كاستيلاء المسلمين على مال الكافر، ولأن ما كان سببا للملك أثبته حيث وجد كالهبة والبيع، وفائدة الخلاف في ثبوت الملك وعدمه أن من أثبت الملك للكافر في أموال المسلمين أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها قسمتها والتصرف فيها ما لم يعلم صاحبها وأن الكافر إذا أسلم وهي في يده فهو أحق بها، ومن لم يثبت الملك اقتضى مذهبه عكس ذلك، قال الشيخ ﵀ ولا أعلم خلافاً
стр. 6234
في أن الكافر الحربي إذا أسلم أو دخل إلينا بأمان بعد أن استولى على مال مسلم فاتلفه أنه لا يلزمه ضمانه فإن أسلم وهو في يده فهو له بغير خلاف في المذهب لقول رسول الله ﷺ (من أسلم على شئ فهو له) وإن كان أخذه من المستولى
عليه بهبة أو سرقة أو شراء فكذلك لأنه استولى عليه في حال كفره فأشبه ما لو استولى عليه بقهره المسلم، وعن أحمد أن صاحبه يكون أحق به بالقيمة وإن استولى على جارية مسلم فاستولدها ثم اسلم فهي له وهي أم ولده، نص عليه أحمد لأنها مال فأشبهت سائر الاموال وإن غنمها المسلمون وأولادها قبل إسلام سابيها فعلم صاحبها ردت إليه وكان أولادها غنيمة لأنهم أولاد كافر حدثوا بعد ملك الكافر لها.
(فصل) وإن استولوا على حر لم يملكوه مسلما كان أو ذمياً، لا نعلم فيه خلافا لأنه لا يضمن بالقيمة ولا تثبت عليه اليد بحال، وإذا قدر المسلمون على أهل الذمة بعد ذلك وجب ردهم إلى ذمتهم ولم يجز استرقاقهم في قول عامة العلماء منهم الشعبي ومالك والليث والاوزاعي والشافعي واسحاق ولا نعلم لهم مخالفا لان ذمتهم باقية ولم يوجد منهم ما يوجب نقضها وكلما يضمن بالقيمة كالعروض يملكونه بالقهر وكذلك العبد القن والمدبر والمكاتب وأم الولد، وقال أبو حنيفة لا يملكون المكاتب وأم الود لأنه لا يجوز نقل الملك فيهما فهما كالحر.
ولنا أنهما يضمنان بالقيمة فملكوهما كالقن ويحتمل أن لا يملكوا أم الولد لأنها لا يجوز نقل الملك فيها ولا يثبت فيها لغير سيدها، وفائدة الخلاف أن من قال بثبوت الملك فيهما قال متى قسما أو
стр. 6235
اشتراهما انسان لم يكن لسيدهما أخذهما إلا بالثمن قال الزهري في أم الولد يأخذها سيدها بقيمة عدل وقال مالك يفديها الإمام فان لم يفعل يأخذها سيدها بقيمة عدل ولا يدعها يستحل فرجها من لا تحل له، ومن قال لا يثبت الملك فيهما ردا إلى ما كانا عليه على كل حال كالحر وإن اشتراهما انسان فالحكم فيهما كالحكم في الحر إذا اشتراه على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
(فصل) وإذا ابق عبد المسلم إلى دار الحرب فأخذوه ملكوه كالدابة وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يملكونه وعن أحمد مثل ذلك لأنه إذا صار في دار الحرب زالت يد مولاه عنه وصار في يد نفسه فلم يملك كالحر.
ولنا أنه مال لو أخذوه من دار الإسلام ملكوه فإذا أخذوه من دار الحرب ملكوه كالبهيمة (مسألة) (وما أخذوا من دار الحرب من ركاز أو مباح له قيمة فهو غنيمة)
أما الركاز إذا وجده في موضع يقدر عليه بنفسه فهو له كما لو وجده في دار الإسلام فيه الخمس وباقيه له، وإن لم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين فهو غنيمة، ونحو هذا قول مالك والاوزاعي والليث وقال الشافعي إن وجده في مواتهم فهو كما لو وجده في دار الإسلام.
ولنا ما روى عاصم بن كليب عن أبي الجوين الحرمي قال لقيت بأرض الروم جرة فيها ذهب في
стр. 6236
إمرة معاوية وعلينا معن بن يزيد السلمي فأتيته بها فقسمها بين المسلمين وأعطاني مثل ما أعطى رجلا منهم ثم قال لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك) ثم أخذ يعرض علي من نصيبه فأبيت أخرجه أبو داود ولأنه مال مشترك مظهور عليه بقوة جيش المسلمين فكان غنيمة كأموالهم الظاهرة.
(فصل) ومن وجد في دارهم لقطة فإن كانت من متاع المسلمين فهو كما وجده في غير دار الحرب وإن كانت من متاع المشركين فهي غنيمة، وإن احتمل الأمرين عرفها حولا ثم جعلها في الغنيمة نص عليه أحمد، ويعرفها في بلد المسلمين لأنها تحتمل الأمرين فغلب فيها حكم مال المسلمين في التعريف وحكم مال أهل الحرب في كونها غنيمة احتياطاً (فصل) وأما غير الركاز من المباح فما كان له قيمة في دار الحرب كالصيود والحجارة والخشب فالمسلمون شركاؤه فيه وبه قال أبو حنيفة والثوري.
وقال الشافعي ينفرد آخذه بملكه لأنه لو أخذه من دار الإسلام ملكه فكذلك إذا أخذه من دار الحرب كالشئ التافه وهذا قول مكحول والاوزاعي ونقل ذلك عن القاسم وسالم
стр. 6237
ولنا أنه مال ذو قيمة مأخوذ من دار الحرب بقوة المسلمين فكان غنيمة كالمطعومات، وفارق ما أخذه من دار الإسلام لأنه لا يحتاج إلى الجيش في أخذه فإن احتاج إلى أكله والانتفاع به فله أكله ولا يرده لأنه لو وجد طعاماً مملوكاً للكافر كان له أكله إذا احتاج إليه فما أخذه من الصيود والمباحات فهو أولى (فصل) فإن أخذ ما لا قيمة له في أرضهم كالمسن والأقلام والأدوية فله أخذه وهو أحق به وإن صارت له قيمة بمعالجته أو نقله نص أحمد ﵀ على نحو هذا وبه قال مكحول والاوزاعي
والشافعي، وقال الثوري إذا جاء به إلى دار الإسلام رده في المقسم وإن عالجه فصار له ثمن أعطي بقدر علمه فيه وبقيته في المقسم، ولنا أن القيمة إنما صارت له بعمله أو بنقله فلم يكن غنيمة كما لو لم تصر له قيمة (فصل) وإن ترك صاحب المقسم شيئاً من الغنيمة عجزاً عن حمله فقال من أخذ شيئاً فهو له فمن أخذ شيئاً ملكه نص عليه أحمد، وسئل عن قوم غنموا غنائم كثيرة فبقي خرثي المتاع مما لا يباع ولا يشتري فيدعه الوالي بمنزلة الفخار وما أشبه ذلك أيأخذه الإنسان لنفسه؟ قال نعم إذا ترك ولم يشتر ونحو هذا قول مالك، ونقل عنه أبو الخطاب في المتاع لا يقدرون على حمله إذا حمله رجل: يقسم وهذا قول ابراهيم، قال الخلال روى أبو طالب هذه في ثلاثة مواضع في موضع منها وافق أصحابه وفي موضع خالفهم قال ولا اشك أن أبا عبد الله قال هذا أولا ثم تبين له بعد ذلك أن للإمام أن يبيحه وأن يحرمه وإن لهم أن يأخذوه إذا تركه الإمام إذا لم يجد من يحمله لأنه إذا لم يجد من يحمله ولم يقدر على حمله بمنزلة ما لا قيمة له فصار كالذي ذكرناه في الفصل قبل هذا
стр. 6238
(مسألة) وتملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب ويجوز قسمها فيها) والدليل على ثبوت الملك عليها في دار الحرب ثلاثة أمور [أحدها] أن سبب الملك الاستيلاء التام وقد وجد فإن أيدينا قد ثبتت عليها حقيقة وقهرناهم ونفيناهم عنها والاستيلاء يدل على حاجة المستولي فيثبت به الملك كما في المباحات [الثاني] أن ملك الكفار قد زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد الذين حصلوا في الغنيمة ولا ينفذ تصرفهم فيها ولا يزول ملكهم إلى غير مالك إذ ليست في هذه الحال مباحة علم أن ملكهم زال إلى الغانمين [الثالث] أنه لو اسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حراً وهذا يدل على زوال ملك الكافر وثبوت الملك لمن قهره (فصل) وإذا ثبت الملك فيها جازت قسمتها وبهذا قال مالك والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وقال أصحاب الرأي لا يقسم الا في دار الإسلام لأن الملك لا يتم عليها إلا بالاستيلاء
التام ولا يحصل إلا باحرازها في دار الإسلام فإن قسمت أساء قاسمها وجازت قسمته لأنها مسألة مجتهد فيها فإذا حكم فيها الإمام بما يوافق قول بعض المجتهدين نفذ حكمه ولنا ماروى أبو إسحاق الفزاري قال قلت للاوزاعي هل قسم رسول الله ﷺ شيئاً من الغنائم بالمدينة؟ قال لا أعلمه إنما كان الناس يبتغون غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم ولم يقفل
стр. 6239
رسول الله ﷺ عن غزاة قط أصاب فيها غنيمة إلا خمسه وقسمه من قبل أن يققل، ومن ذلك غزوة بني المصطلق وهوازن وخيبر، ولأن كل دار صحت القسمة فيها جارت كدار الإسلام ولأن الملك ثبت فيها بالقهر بما ذكرنا من الأدلة فصحت قسمتها كما لو أحرزت بدار الإسلام، وبهذا يحصل الجواب عما ذكروه (مسألة) (وهي لمن شهد الوقعة من أهل القتال، قاتل أو لم يقاتل من تجار العسكر وأجرائهم الذين يستعدون للقتال) قوله: وأجرائهم يعني أجراء التجار، وإنما كانت الغنيمة لمن شهد الوقعة وإن لم يقاتل لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأن غير المقاتل ردء له معين فشاركه كردء المحارب فصل والتاجر والصانع كالخياط والخباز والبيطار ونحوهم يسهم لهم إذا حضروا نص عليه أحمد قال أصحابنا قاتلوا أو لم يقاتلوا وبه قال في التاجر الحسن وابن سيرين والثوري والاوزاعي والشافعي وقال مالك وابو حنيفة لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا، وعن الشافعي لا يسهم لهم بحال
стр. 6240
قال القاضي في التاجر والأجير إذا كانا مع المجاهدين وقصدهما الجهاد وإنما معه المتاع أن طلب؟ منه باعه والأجير قصده الجهاد أيضاً فهذان يسهم لهما لأنهما غازيان والصناع بمنزلة التجار متى كانوا مستعدين للقتال ومعهم السلاح فمتى عرض اشتغلوا به أسهم لهم لما ذكرنا من حديث عمر ولأنهم في الجهاد بمنزلة غيرهم وإنما يشتغلون بغيره عند فراغهم منه، وإن لم يكونوا مستعدين للقتال لم يسهم
لهم لأنهم لا نفع في حضورهم أشبهوا المخذل (مسألة) (فأما المريض العاجز عن القتال والمخذل والمرجف والفرس الضعيف العجيف فلا حق له) أما المريض الذي لا يتمكن من القتال فإن خرج بمرضه عن أهلية الجهاد كالزمن والأشل والمفلوج فلا سهم له لأنه لم يبق من أهل الجهاد، وإن لم يخرج بمرضه عن ذلك كالمحموم ومن به الصداع فإنه يسهم له ويعين برأيه وتكثيره ودعائه وكذلك المخذل والمرجف ومن في معناه ممن يدل على عوارات المسلمين وبؤوي جواسيس الكفار ويوقع بينهم العداوة لا يسهم له وإن قاتل لأن ضرره أكثر من نفعه، وكذلك لا يسهم لفرس ينبغي للإمام منعه كالحطم والصدع والأعجف وإن شهد عليه الوقعة وبهذا قال مالك وقال الشافعي يسهم له كما يسهم للمريض ولنا أنه لا ينتفع به فلم يسهم له كالمخذل والمرجف ولأنه حيوان يتعين منعه من الدخول فلم يسهم له كالمرجف وأما المريض فإنه يعين برأيه وتكثيره ودعائه بخلاف الفرس
стр. 6241
(مسألة) (وإذا ألحق مدد وهرب أسير فأدركوا الحرب قبل تقضيها أسهم لهم، وإن جاءوا بعد إحراز الغنيمة فلا شئ لهم) وجملة ذلك أن الغنيمة إنما هي لمن شهد الوقعة لما ذكرنا من قول عمر ﵁ لأنهم إذا قدموا قبل انقضاء الحرب فقد شاركوا الغانمين في السبب فشاركوهم في الاستحقاق كما لو قدموا قبل الحرب فمن تجدد بعد ذلك من مدد يلحق بالمسلمين أو أسير ينفلت من الكفار فيلحق بجيش المسلمين أو كافر يسلم فلا حق له فيها وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة في المدد يلحقهم قبل القسمة أو إحرازها بدار الإسلام: شاركهم لأن ملكها لا يتم إلا بتمام الاستيلا وهو الإحراز إلى دار الإسلام أو قسمها فمن جاء قبل ذلك فقد أدركها قبل ملكها فاستحق منها كما لو جاء في أثناء الحرب، وإن مات أحد من العسكر قبل ذلك فلا شئ له لما ذكرنا وقد روى الشعبي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد أسهم لمن أتاك قبل أن تتفقا قتلى فارس.
ولنا ما روى أبو هريرة أن أبان بن سعيد بن العاص وأصحابه قدموا علي رسول الله ﷺ بخيبر
بعد أن فتحها فقال أبان أقسم لنا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ (اجلس يا أبان) ولم يقسم له رسول الله ﷺ رواه أبو داود وعن طارق بن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فكتب في ذلك الى عمر ﵁ فكتب عمر أن الغنيمة لمن شهد الوقعة، رواه سعيد
стр. 6242
في سننه وروي نحوه عن عثمان ﵁ في غزوة أرمينية ولأنه مدد لحق بعد تقضي الحرب أشبه ما لو جاء بعد القسمة أو بعد إحرازها بدار الإسلام وقولهم إن ملكها باحرازها إلى دار الإسلام ممنوع بل هو بالاستيلاء وقد استولى عليها الجيش قبل المدد وحديث الشعبي مرسل يرويه مجالد وقد تكلم فيه ثم هم لا يعملون به ولا نحن فقد حصل الإجماع على خلافه فكيف يحتج به؟ (فصل) وحكم الأسير يهرب إلى المسلمين حكم المدد سواء قاتل أو لم يقاتل في أنه يستحق من الغنيمة إذا هرب قبل تقضي الحرب، وقال أبو حنيفة لا يسهم له إلا أن يقاتل لأنه لم يأت للقتال بخلاف المدد.
ولنا أن من استحق إذا قاتل إستحق وإن لم يقاتل كالمدد وسائر من حضر الوقعة.
(فصل) فإن لحقهم المدد بعد تقضي الحرب وقبل إحراز الغنيمة أو جاءهم الأسير فظاهر كلام الخرقي أنه يشاركهم لأنه جاء قبل إحرازها، وقال القاضي تملك الغنيمة بانقضاء الحرب قبل حيازتها فعلى هذا لا يسهم لهم، وإن حازوا الغنيمة ثم جاءهم قوم من الكفار يقاتلونهم فأدركهم المدد فقاتلوا معهم فقد قال أحمد إذا غنم المسلمون غنيمة فلحقهم العدو وجاء المسلمين مدد فقاتلوا العدو معهم حتى سلموا الغنيمة فلا شئ لهم في الغنيمة لأنهم إنما قاتلوا عن أصحابهم دون الغنيمة لأن الغنيمة قد صارت في أيديهم وحووها قيل له فإن أهل المصيصة غنموا ثم استنقذه منهم العدو فجاء أهل طرسوس فقاتلوا معهم حتى استنقذوه فقال أحب إلي (إلي) أن يصطلحوا، أما في الصورة الأولى فإن الأولين
стр. 6243
قد أحرزوا الغنيمة وملكوها بحيازتها فكانت لهم دون من قاتل معهم وأما في الصورة الثانية فإنما حصلت الغنيمة بقتال الذين استنقذوها في المرة الثانية فينبغي أن يشتركوا فيها لأن الإحراز الأول
قد زال باخذ الكفار لها ويحتمل أن الأولين قد ملكوها بالحيازة الأولى ولم يزل ملكهم باخذ الكفار لها منهم فلهذا أحب أحمد أن يصطلحوا على هذا.
(فصل) ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش مثل الرسول والدليل والجاسوس وأشباههم فإنه يسهم له وإن لم يحضر لأنه في مصلحه الجيش أشبه السرية ولأنه إذا أسهم للمتخلف عن الجيش فهؤلاء أولى وبهذا قال أبو بكر بن أبي مريم وراشد بن سعد وعطية بن قيس قالوا وقد تخلف عثمان ﵁ يوم بدر فأجرى له رسول الله ﷺ سهماً من الغنيمة ويروى عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قام يعني يوم بدر فقال (إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله وإني أبايع له) فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه ولم يضرب لأحد غاب غيره رواه أبو داود وعن ابن عمر قال إنما تغيب عثمان عن بدر لأنه كانت تحته ابنة رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له النبي ﷺ (إن لك أجر رجل ممن شهد بدار وسهمه) رواه البخاري (فصل) وسئل أحمد عن قوم خلفهم الأمير في بلاد العدو وغزا وغنم ولم يمر بهم فرجعوا هل يسهم لهم؟ قال نعم يسهم لهم لأن الأمير خلفهم قيل له وإن نادى الأمير من كان صبياً فليتخلف فتخلف قوم
стр. 6244
فصاروا إلى لؤلؤة وفيها المسلمون فأقاموا حتى فصلوا فقال إذا كانوا قد التجئوا إلى مأمن لهم لم يسهم لهم، ولو تخلفوا وأقاموا في موضع خوف أسهم لهم، وقال في قوم خلفهم الأمير وأغار في جلد الخيل فقال إن أقاموا في بلد العدو حتى رجع أسهم لهم، وإن رجعوا حتى صاروا إلى مأمنهم فلا شئ لهم قيل له فإن اعتل رجل أو اعتلت دابته وقد أدرب فقال له الأمير أقم أسهم لك أو انصرف إلى أهلك أسهم لك فكرهه وقال هذا ينصرف إلى أهله فكيف يسهم له؟ (مسألة) (وإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها) وإن كان فيها مال لمسلم أو لذمي دفع إليه لأن صاحبه متعين ولأنه استحقه بسبب سابق ثم بمؤنة الغنيمة من أجرة النقال والجمال والحافظ والمخزن والحاسب لأنه لمصلحة الغنيمة ثم بالرضخ في أحد الوجهين لانه استحق بالمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة النقالين والحافظين في الآخر يبدأ
بالخمس قبله لأنه استحق بحضور الوقعة فأشبه سهام الغانمين وهذا اقيس وللشافعي قولان كالروايتين (مسألة) (ثم يخمس الباقي فيقسم خمسه على خمسة أسهم سهم لله تعالى ولرسوله ﷺ يصرف مصرف الفئ وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطالب حيث كانوا للذكر مثل حظ الأنثيين غنيهم وفقيرهم فيه سواء وسهم لليتامى الفقراء وسهم للمساكين وسهم لأبناء السبيل من المسلمين) لا خلاف بين أهل العلم في أن الغنيمية مخموسة بقوله تعالى (واعلموا ان ما غنمتم من شئ فأن لله
стр. 6245
خمسه) الآية لكن اختلف في اشياء منها سلب القاتل والأكثرون على أنه مخموس ومنها إذا قال الإمام من جاء بعشرة رؤوس فله رأس ومن طلع الحصن فله كذا والظاهر أن هذا غير مخموس لأنه في معنى السلب وقد ذكرنا الاختلاف في السلب ومنها إذا قال الإمام من أخذ شيئاً فهو له وقلنا بجواز ذلك فقد قيل لا خمس فيه لأنه في معنى ما قبله قال شيخنا والصحيح أن الخمس لا يسقط ههنا لدخوله في عموم الآية وليس هو في معنى السلب والنفل لأن ترك تخميسها لا يسقط خمس الغنيمة بالكلية وهذا يسقطه بالكلية فلا يكون تخصيصاً للآية بل نسخا لحكمها ونسخا بالقياس غير جائز اتفاقاً ومنها إن دخل قوم لا منعه لهم دار الحرب فغنموا بغير إذن الإمام وقد ذكرناه (فصل) والخمس مقسوم على خمسة أسهم كما ذكرنا ههنا وبه قال عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة وابن جريج والشافعي وقيل يقسم على ستة أسهم سهم لله تعالى وسهم لرسوله لظاهر قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فعد ستة وجعل الله تعالى لنفسه سهما سادساً وهو مردود على عباد الله أهل الحاجة، وقال أبو العالية سهم الله عزوجل هو أنه إذا عزل الخمس ضرب بيده فيه فما قبض عليه من شئ جعله للكعبة فهو الذي سمى الله لا تجعلوا لله نصبيا فإن لله الدنيا والآخرة ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة أسهم وروي عن الحسن وقتادة في سهم ذوي القربى: كانت طعمه لرسول الله ﷺ في حياته فلما توفي حمل عليه أبو بكر وعمر في سبيل الله وروى ابن عباس أن أبا بكر وعمر ﵄ قسما الخمس على ثلاثة أسهم وهو قول أصحاب الرأي قالوا يقسم الخمس على ثلاثة اليتامى والمساكين وابن السبيل
стр. 6246
واسقطوا سهم رسول الله ﷺ بموته وسهم قرابته أيضا وقال مالك الفيئ والخمس واحد يجعلان في بيت المال قال ابن القاسم وبلغني عن من أثق به أن مالكاً قال يعطي الإمام أقرباء رسول الله ﷺ على ما يرى وقال الثوروي الخمس يضعه الإمام حيث أراه الله ولنا قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) وسهم الله والرسول واحد كذا قال عطاء والشعبي، وقال الحسن بن محمد ابن الحنيفة وغيره قوله (فأن لله خمسه) افتتاح كلام يعني أن ذكر الله تعالى لافتتاح الكلام باسمه تبركا به لا لافراده بسهم فإن لله تعالى الدنيا والآخرة وقد روي عن ابن عمر وابن عباس قالا كان رسول الله ﷺ يقسم الخمس على خمسة، وما ذكره أبو العالية فشئ لا يدل عليه رأي ولا يقتضيه قياس فلا يصار إليه إلا بنص صحيح ولا نعلم في ذلك أثراً صحيحاً سوى قوله، فلا يترك له ظاهر النص وقول رسول الله ﷺ وفعله من أجل قول أبي العالية، وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية فإن الله تعالى سمى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقاً كما سمى الثلاثة الأصناف الباقية فمن خالف ذلك فقد خالف نص الكتاب، وأما حمل ابي بكر وعمر ﵄ سهم ذي القربى في سبيل الله فقد ذكر لأحمد فسكت ولم يذهب إليه ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه أولى لموافقته كتاب الله وسنة رسوله الله ﷺ فإن ابن عباس لما سئل عن سهم ذي القربى فقال إنا كنا نزعم أنه لنا فأبى ذلك علينا قومنا، ولعله أراد
стр. 6247
بقوله أبى ذلك علينا قومنا فعل ابي بكر وعمر في حملهما عليه في سبيل الله ومن تبعهما على ذلك، ومتى اختلف الصحابة وكان قول بعضهم يوافق الكتاب والسنة كان أولى وقول ابن عباس موافق للكتاب والسنة فإن جبير بن مطعم روي أن رسول الله ﷺ لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئاً كما كان يقسم لبني هاشم وبني المطلب، وإن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسم رسول الله ﷺ غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله ﷺ كما كان يعطيهم وكان عمر يعطيهم
وعثمان من بعده، رواه أحمد في مسنده وقد تكلم في رواية ابن عباس عن أبي بكر وعمر أنهما حملا على سهم ذي القربى في سبيل الله فقيل إنه يرويه محمد بن مروان وهو ضعيف عن الكلبي وهو ضعيف أيضاً ولا يصح عند أهل النقل فإن قالوا فالنبي ﷺ ليس بباق فكيف يبقى سهمه؟ قلنا جهة صرفه إلى النبي ﷺ مصلحة المسلمين والمصالح باقية، قال رسول الله ﷺ (ما يحل لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس وهو مردود عليكم) رواه سعيد (فصل) فسهم رسول الله ﷺ يصرف في مصالح المسلمين لما روى جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ تناول بيده وبرة من بعير ثم قال (والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) فجعله لجميع المسلمين ولا يمكن صرفه إلى جميعهم إلا بصرفه في مصالحهم من سد الثغور
стр. 6248
وكفاية أهلها وشراء الكراع والسلاح ثم الأهم فالأهم على ما نذكره في الفيئ إن شاء الله تعالى ونحوه قول الشافعي فإنه قال أختار أن يضعه الإمام في كل أمر خص به الإسلام وأهله من سد ثغر وإعداد كراع وسلاح وإعطائه أهل البلاء في الإسلام نفلا عند الحرب وغير الحرب وعن أحمد أن سهم الرسول الله ﷺ يختص بأهل الديوان لأن النبي ﷺ استحقه بحصول النصرة فيكون لمن يقوم مقامه في النصرة، وعنه أنه يصرف في الكراع والسلاح لأن ذلك يروي عن أبي بكر وعمر ﵄، وهذا السهم كان لرسول الله ﷺ من الغنيمة حضر أو لم يحضر كما ان بقية أصحاب الخمس يستحقون وان لم يحضروا وكان رسول الله ﷺ يصنع به ما شاء فلما توفي وليه أبو بكر ولم يسقط بموته، وقد قيل إنما أضافه الله تعالى إلى نفسه وإلى رسوله ليعلم أن جهته جهة المصلحة وانه ليس بمختص بالنبي ﷺ فيسقط بموته وقد زعم قوم أنه سقط بموته ويرد على الانصباء الباقية من الخمس لأنهم شركاؤه، وقال آخرون بل يرد على الغانمين لأنهم استحلوها بقتالهم وحرمت منها سهام منها سهم رسول الله ﷺ ما دام حياً فلما مات وجب رده إلى من وجد فيه سبب الاستحقاق كما أن تركه الميت إذا خرج منها سهم بوصية ثم بطلت الوصية رد إلى التركة،
وقالت طائفة هو للخليفة بعده لأن أبا بكر ﵁ روي عن النبي ﷺ أنه قال (إذا أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه فهي للذي يقوم بها من بعده وقد رأيت أن أرده على المسلمين) والصحيح أنه باق وأنه يصرف في مصالح المسلمين لكن الإمام يقوم مقام النبي ﷺ في صرفه فيما يرى فإن أبا بكر
стр. 6249
قال لا أدع أمراً رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلا صنعته، متفق عليه، واتفق هو وعمر والصحابة ﵃ على وضعه في الخيل والعدة في سببل الله، هكذا روي عن الحسن بن محمد بن الحنفية (فصل) وكان لرسول الله ﷺ من المغنم الصفي وهو شئ يخناره من المغنم قبل القسمة كالجارية والعبد والثوب والسيف ونحوه هذا قول محمد بن سيرين والشعبي وقتادة وغيرهم من أهل العلم وقال أكثرهم إن ذلك انقطع بموت النبي ﷺ قال أحمد الصفي إنما كان لرسول الله ﷺ خاصاً لم يبق بعده لا نعلم مخالفاً لهذا إلا أبا ثور فإنه قال كان الصفي ثابتاً للنبي ﷺ فللامام أن يأخذه على نحو ماكان يأخذه النبي ﷺ ويجعله مجعل سهم النبي ﷺ من خمس الخمس فجمع بين الشك فيه في حياة النبي ﷺ ومخالفة الإجماع في ابقائه بعد موته، قال إبن المنذر لا أعلم أحداً سبق أبا ثور إلى هذا القول وقد أنكر قوم كون الصفي لرسول الله ﷺ واحتجوا بحديث جبير بن مطعم وقد روى أبو داود بإسناده عن النبي ﷺ نحوه ولأن الله تعالى قال (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) فمفهومه إن باقيها للغانمين ولنا أن النبي ﷺ كتب إلى بني زهير بن قيس (إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وآتيتم الزكاة وأديتم الخمس من المغنم وسهم الصفي إنكم آمنون بأمان الله ورسوله)) رواه
стр. 6250
أبو داود، وفي حديث وفد عبد القبيس (عبد القيس) الذي رواه ابن عباس (وإن تعطوا سهم النبي ﷺ والصفي) وقالت عائشة ﵂ كانت صفية من الصفي رواه أبو داود، وأما انقطاعه بعد النبي ﷺ فثابت بإجماع الأمة قبل أبي ثور وبعده وكون الخلفاء الراشدين ومن بعدهم لم يأخذوه ولا يجمعون الاعلى الحق (فصل) (والسهم الثاني) لذي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا غنيهم وفقيرهم
فيه سواء للذكر مثل حظ الأنثيين وسهم ذوي القربى ثابت بعد موت النبي ﷺ وقد ذكرنا ذلك والخلاف فيه وقد دل عليه ماروى جبيربن مطعم قال وضع رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وذكر الحديث وهو حديث صحيح رواه أبو داود ولم يأت لذلك نسخ ولا تغيير فوجب القول به والعمل بحكمه (فصل) وهم بنو هاشم وبنو المطلب ابنا عبد مناف دون غيرهم لما روى جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى من حنين بين بني هاشم وبني المطلب أتيت أنا وعثمان بن عفان فقلنا يارسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال (إنهم لم يفارقوني في
стр. 6251
جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد) وشبك بين أصابعه رواه أحمد وروى البخاري فراعى لهم النبي ﷺ نصرتهم وموافقتهم بني هاشم، ولا يستحق من كانت أمه منهم وأبوه من غيرهم لأن النبي ﷺ لم يدفع إلى أقارب أمه وهو بنو زهرة شيئاً ولم يدفع أيضاً إلى بني عماته كالزبير بن العوام وعبد الله بن جحش ونحوهم (فصل) ويستوي فيه الذكر والأنثى لدخولهم في اسم القرابة واختلفت الرواية في قسمه بينهم فعن أحمد أنه يقسم للذكر مثل حظ الأنثيين هذا اختيار الخرقي ومذهب الشافعي لأنه سهم استحق بالقرابة من الأب شرعاً ففضل فيه الذكر على الأنثى كالميراث ويفارق الوصية وولد الأم لأن الوصية استحقت بقول الموصي وولد الأم استحقوا الميراث بقرابة الأم وعنه أنه يساوي بين الذكر والأنثى وهو قول أبي ثور والمزني وابن المنذر لأنهم أعطوا باسم القرابة والذكر والأنثى فيها سواء فاشبه مالو وقف على قرابة فلان الا ترى أن الجد يأخذ مع الأب وابن الأب يأخذ مع الابن وهذا يدل على مخالفة المواريث ولأنه سهم من خمس الخمس لجماعة فاستوى فيه الذكر والأنثى كسهم اليتامى ويسوى بين الصغير والكبير على الروايتين لاستوائهم في القرابة وقياساً على الميراث (فصل) ويفرق فيهم حيث كانوا ويجب تعميمهم به حسب الإمكان وهذا قول الشافعي وقال
قوم يختص كل أهل ناحية بخمس مغزاها الذي ليس لهم مغزى سواه فما يوجد من مغزى الروم لأهل الشام والعراق وما يوجد من مغزى الترك لمن في خراسان من ذوي القربى لما يلحق من المشقة في نقله ولأنه بتعذر تعميمهم فلم يجب كأصناف الزكاة ووجه الأول أنه سهم مستحق بقرابة الأب فوجب
стр. 6252
دفعه إلى كل المستحقين كالميراث فعلى هذا يبعث الإمام إلى عماله في الأقاليم وينظر كم حصل من ذلك فإن استوت فيه فرق كل خمس خمس فيمن قاربه وإن اختلفت أمر بحمل الفضل ليدفع إلى مستحقه كالميراث وفارق الصدقة حيث لا تنقل لأن كل بلد لا يكاد يخلو من صدقة تفرق على فقراء أهله والخمس يوجد في بعض الأقاليم فلو لم ينقل لأدى إلى إعطاء البعض وحرمان البعض قال شيخنا والصحيح إن شاء الله أنه لا يجب التعميم لأنه يتعذر فلم يجب كتعميم المساكين وما ذكر من بعث الإمام عماله فهو متعذر في زماننا لأن الإمام لم يبق له حكم إلا في بعض بلاد الإسلام ولم يبق له جهة في الغزو ولا له فيه أمر ولان هذا سهم من سهام الخمس فلم يجب تعميمه كسائر سهامه فعلى هذا يفرقه كل سلطان فيما أمكن من بلاده (فصل) ويستوي فيه غنيهم وفقيرهم، وهذا قول الشافعي وأبي ثور.
وقيل يختص بالفقير كبقية السهام.
ولنا عموم قوله تعالى (ولذي القربى) وهو عام لا يجوز تخصيصه بغير دليل ولأن النبي ﷺ كان يعطي أقاربه كلهم وفيهم الغني كالعباس وغيره ولم ينقل عنه تخصيص الفقراء منهم ولأنه مال مستحق بالقرابة فاستوى فيه الغني والفقير كالميراث والوصية للأقارب ولأن عثمان وجبيراً طلبا حقهما وسألا عن علة المنع لهما ولأقاربهما وهما موسران فعلله النبي ﷺ بنصرة بني المطلب دونهم
стр. 6253
وكونهم مع بني هاشم كالشئ الواحد ولو كان اليسار مانعا والفقر شرطاً لم يطلبا مع عدمه ولعل النبي ﷺ منعهما بيسارهما وانتفاء فقرهما (فصل) والسهم الثالث لليتامى واليتيم الذي لا أب له ولم يبلغ الحلم لقول النبي (لايتم بعد
احتلام) قال بعض أصحابنا لا يستحقون إلا مع الفقر وهو المشهور من مذهب الشافعي لأن ذا الأب لا يستحق والمال أنفع من وجود الأب، ولأنه صرف إليهم لحاجتهم فإن اسم اليتيم يطلق عليهم في العرف للرحمة ومن كان اعطاؤه لذلك اعتبرت الحاجة وفارق ذوي القربى فإنهم استحقوا لقربهم من رسول الله ﷺ تكرمة لهم والغني والفقير في القرب سواء فاستويا في الاستحقاق.
قال شيخنا: ولم أعلم هذا نصاً عن أحمد والآية تقتضي تعميمهم وقال بعض أصحاب الشافعي له قول آحر أنه للغني والفقير لعموم النص في كل يتيم ولأنه لو خص به الفقير لكان داخلاً في جملة المساكين الذين هم أصحاب السهم الرابع وكان يستغني عن ذكرهم وتسميتهم، وقال أصحابنا ويفرقه الإمام في جميع الأقطار ولا يختص به أهل ذلك المغزى، والقول فيه كالقول في سهم ذي القربى وقد تقدم القول فيه: (فصل) والسهم الرابع للمساكين للآية وهم أهل الحاجة فيدخل فيهم الفقراء فالفقراء والمساكين صنفان في الزكاة وصنف واحد ههنا وفي سائر الأحكام وإنما يقع التميز بينهما إذا جمع بينهما بلفظين ولم يرد ذلك إلا في الزكاة، وقد ذكرناهم في اصنافها.
قال أصحابنا: ويعم بها جميعهم في جميع
стр. 6254
البلاد كقولهم في سهم ذي القربى واليتامى وقد تقدم القول في ذلك ولأن تعميمهم يتعذر فلم يجب كما لا يجب تعميمهم في الزكاة (فصل) والسهم الخامس لأبناء السبيل وقد ذكرناه في الزكاة ويعطي كل واحد منهم قدر ما يصل به إلى بلده كما ذكرنا في الزكاة فإن اجتمع في واحد اسباب كالمسكين واليتيم وابن السبيل استحق بكل واحد منهما لأنها اسباب لأحكام فوجب أن تثبت أحكامها كما لو انفردت، فإن أعطاه ليتمه فزال فقره لم يعط لفقره شيئاً (فصل) ولا حق في الخمس لكافر لانه عطية من الله تعالى فلم يكن لكافر فيه حق كالزكاة ولا لعبد لأن ما يعطاه لسيده فكانت العطية لسيده دونه (مسألة) (ثم يعطي النفل بعد ذلك)
لأنه حق ينفرد به بعض الغانمين فقدم على القسمة كالاسلاب والنفل من أربعة أخماس الغنيمة وفيه اختلاف ذكرناه فيما مضى (مسألة) (ويرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد والنساء والصبيان) ومعنى الرضخ أن يعطوا شيئاً من الغنيمة دون السهم ولا تقدير لما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام فإن رأي التسوية بينهم سوى، وإن رأى التفضيل فضل وهذا قول أكثر العلماء منهم سعيد ابن المسيب والثوري والليث واسحاق والشافعي وبه قال مالك في المرأة والعبد وروي عن ابن عباس
стр. 6255
وقال أبو ثور يسهم للعبد، وروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن والنخعي لما روي عن الأسود بن يزيد أنه شهد فتح القادسية عبيد فضرب لهم سهامهم ولأن حرمه العبد في الدين كحرمة الحر وفيه من الغناء مثل ما فيه فوجب أن يسهم له كالحر وحكي عن الأوزاعي ليس للعبيد سهم ولا رضخ إلا أن يجيئوا بغنيمة أو يكون لهم غناء فيرضخ لهم قال ويسهم للمرأة لما روى جبير بن زياد عن جدته أنها حضرت فتح خيبر قالت فأسهم لنا رسول الله ﷺ كما أسهم للرجال وأسهم أبو موسى في غزوة تستر لنسوة معه، وقال أبو بكر بن أبي مريم أسهم للنساء يوم اليرموك، وروى سعيد بإسناده عن ابن شبل أن النبي ﷺ ضرب لسهلة بنت عاصم يوم حنين فقال رجل من القوم أعطيت سهلة مثل سهمي.
ولنا ماروى ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يغزوا بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما سهم فلم يضرب لهن رواه مسلم، وروى سعيد عن يزيد بن هارون أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن المرأة والمملوك يحضران الفتح ألهما من الغنيمة شئ؟ وفي رواية ليس لهما سهم وقد يرضخ لهما وعن عمير مولى أبي اللحم قال شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله ﷺ فأخبر أبي مملوك فأمر لي بشئ من خرثي المتاع رواه أبو داود واحتج به أحمد ولانهما ليسا من أهل وجوب القتال أشبها الصبي فأما ما روي في سهام النساء فيحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما بدليل أن في حديث حشرج أنه جعل لهن نصيباً تمراً ولو كان سهما ما اختص التمر ولأن خيبر قسمت على أهل
стр. 6256
الحديبية نفر مخصوصين في غير حديثها ولم يذكرن منهم ويحتمل أنه أسهم لهن مثل سهم الرجال من التمر خاصة أو من المتاع دون الأرض وأما حديث سهلة فإن في الحديث أنها ولدت فأعطاها النبي ﷺ لها ولولدها فبلغ رضخهما سهم رجل ولذلك عجب الرجل فقال أعطيت سهلة مثل سهمي ولو كان هذا مشهورا من فعل النبي ﷺ ما عجب منه (فصل) والمدبر والمكاتب كالقن لأنهم عبيد فمن عتق منهم قبل تقضي الحرب أسهم له وكذلك إن قتل سيد المدبر قبل تقضي الحرب فخرج من الثلث فأما من بعضه حر فقال أبو بكر يرضخ له بقدر ما فيه من الرق ويسهم له بقدر ما فيه من الحرية فإذا كان نصفه حرا أعطي نصف سهم ونصف رضخ لأن هذا مما يمكن تبعيضه فقسم على قدر ما فيه من الحرية والرق كالميراث وظاهر كلام أحمد أنه يرضخ له لأنه ليس من أهل وجوب القتال فأشبه الرقيق (فصل) والخنثى المشكل يرضخ له لأنه لم يثبت أنه رجل فيسهم له ولأنه ليس من أهل وجوب الجهاد فأشبه المرأة ويحتمل أن يقسم له نصف سهم ونصف الرضخ كالميراث فإن انكشف حالة فتبين أنه رجل أتم له سهم رجل سواء انكشف قبل تقضي الحرب أو بعد أو قبل القسمة أو بعدها لأنا تبينا أنه كان مستحقاً للسهم وأنه أعطي دون حقه قأشبه مالو أعطى بعض الرجال دون حقه غلطاً (فصل) والصبي يرضخ له وبه قال الثوري والليث وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وعن القاسم في الصبي يغزو أنه ليس له شئ وقال مالك يسهم له إذا قاتل وأطاق ذلك ومثله قد بلغ القتال لأنه حر
стр. 6257
ذكر مقاتل فيسهم له كالرجل وقال الأوزاعي يسهم له وقال أسهم رسول الله ﷺ للصبيان بخيبر وأسهم أئمة المسلمين لكل مولود ولد في أرض الحرب وروى الجوزجاني بإسناده عن الوضين بن عطاء قال حدثتني جدتي قالت كنت مع حبيب بن سلمة وكان يسهم لأمهات الأولاد لما في بطونهن ولنا ما روى عن سعيد بن المسيب قال كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة وروى الجوزجاني بإسناده أن تميم بن قرع المهري كان في الجيش الذي فتح
الاسكندرية في المرة الأخيرة قال فلم يقسم لي عمرو من الفئ شيئاً وقال غلام لم يحتلم حتى كاد يكون بين قومي وبين أناس من قريش لذلك ثائرة فقال بعض القوم فيكم أناس من أصحاب رسول الله ﷺ فاسألوهم فسألوا أبا نضرة الغفاري وعقبة بن عامر فقالوا انظروا فإن كان قد أشعر فاقسموا له فنظر إلي بعض القوم فإذا أنا قد انبت فقسم لي قال الجوزجاني هذا من مشاهير حديث مضر وجيدة ولأنه ليس من أهل القتال فلم يسهم له كالعبد ولم يثبت أن النبي ﷺ قسم لصبي بل كان لا يجيزهم في القتال قال ابن عمر عرضت على النبي ﷺ وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني في القتال وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وما ذكروه يحتمل أن الراوي سمى الرضخ سهما بدليل ما ذكرناه (فصل) فان انفرد بالغنيمة من لا يسهم له مثل عبيد دخلوا دار الحرب فغنموا أو صبيان أو
стр. 6258
عبيد وصبيان أخذ خمسه وما بقي لهم فيحتمل أن يقسم بينهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لأنهم تساووا فاشبهوا الرجال الأحرار ويحتمل أن يقسم بينهم على ما يراه الإمام من المفاضلة لأنه لا تجب التسوية بينهم مع غيرهم فلا تجب مع الانفراد قياساً لاحدى الحالتين على الأخرى، وإن كان فيهم رجل حر أعطي سهما وفضل عليهم بقدر ما يفضل الأحرار على العبيد والصبيان في غير هذا الموضع ويقسم الباقي بين من بقي على ما يراه الإمام من التفضيل لان فيهم من له سهم بخلاف التي قبلها (مسألة) (وفي الكافر روايتان إحداهما يرضخ له والأخرى يسهم له) اختلفت الرواية في الكافر يغزو مع الإمام بإذنه فروي عن أحمد أنه يسهم له كالمسلم وبهذا قال الزهري والاوزاعي والثوري واسحاق قال الجوزجاني هذا قول أهل الثغور وأهل العلم بالصوائف والبعوث وعن أحمد لا يسهم له وهو مذهب مالك وابي حنيفة والشافعي لأنه من غير أهل الجهاد فلم يسهم له ولكن يرضخ له كالعبد ولنا ماروى الزهري أن رسول الله ﷺ استعان بناس من اليهود في حربه فأسهم لهم رواه سعيد في سننه وروي أن صفوان بن أمية خرج مع النبي ﷺ يوم حنين وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة ولأن الكفر نقص في الدين فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق وبهذا فارق
العبد فإن نقصه في دنياه وأحكامه، وإن غزا بغير إذن الإمام فلا سهم له لأنه غير مأمون على الدين فهو كالمرجف وشر منه وإن غزا جماعة من الكفار وحدهم فغنموا احتمل أن تكون غنيمتهم لهم لا خمس
стр. 6259
فيها لأن هذا اكتساب مباح لم يوجد على وجه الجهاد فكان لهم لا خمس فيه كالاحتشاش والاحتطاب ويحتمل أن يؤخذ خمسة والباقي لهم لائه غنيمة قوم من أهل دار الاسلام فاشبهت غنيمة المسلمين (مسألة) (ولا يبلغ بالرضخ للراجل سهم راجل ولا للفارس سهم فارس) كما لا يبلغ بالتعزير الحد ولا بالحكومة دية العضو، ويقسم الإمام بين أهل الرضخ كما يرى فيفضل العبد المقاتل ذو البأس على من ليس مثله ويفضل المرأة المقاتلة والتي تسقي الماء وتداوي الجرحى وتنفع على غيرها، فإن قيل هلا سويتم بينهم كما سويتم بين أهل السهمان؟ قلنا السهم منصوص عليه غير موكول إلى الاجتهاد فلم يختلف كالحد ودية الحر، والرضخ غير مقدر بل هو مجتهد فيه مردود إلى اجتهاد الإمام فاختلف كالتعزير وقيمة العبد والرضخ بعد الخمس في أحد الوجهين، وفيه وجه آخر أنه من أصل الغنيمة وقد ذكرناه (مسألة) (فإن تغيرت حالهم قبل تقضي الحرب أسهم لهم) يعني إن بلغ الصبي أو عتق العبد أو أسلم الكافر أسهم لهم لأنهم شهدوا الوقعة وهم من أهل القتال فأسهم لهم كغيرهم ولقول عمر ﵁: الغنيمة لمن شهد الوقعة (مسألة) (وإن غزا العبد على فرس لسيده قسم لفرس ورضخ للعبد) أما الرضخ للعبد فلما تقدم.
وأما الفرس الذي تحته فيستحق مالكها سهمها، فإن كان معه فرسان
стр. 6260
أو أكثر أسهم لفرسين كما لو كانتا مع السيد.
ويرضخ للعبد نص على هذا أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يسهم للفرس لأنه تحت من لا يسهم له فلم يسهم له كما لو كان تحت مخذل ولنا أنه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السيد راكبه.
إذا ثبت هذا فإن سهم الفرس ورضخ العبد لسيده لأنه مالكه ومالك فرسه وسواء حضر السيد القتال أو غاب عنه،
وفارق فرس المخذل لأن الفرس له فإذا لم يستحق شيئاً بحضوره فلأن لا يستحق بحضور فرسه أولى (فصل) فإن غزا الصبي على فرس أو المرأة أو الكافر إذا قلنا لا يسهم له لم يسهم للفرس في ظاهر قول أصحابنا لأنهم قالوا لا يبلغ بالرضخ للفرس سهم فارس وظاهر هذا أنه يرضخ له ولفرسه ما لم يبلغ سهم الفارس، ولأن سهم الفرس له فإذا لم يستحق السهم بحضوره فبفرسه أولى بخلاف العبد فإن الفرس لغيره (فصل) وإن غزا المخذل أو المرجف على فرس فلا شئ له ولا للفرس لما ذكرنا، وإن غزا العبد بغير إذن سيده لم يرضخ له لأنه عاص بغزوه فهو كالمخذل والمرجف، وإن غزا الرجل بغير إذن والدية أو بغير إذن غريمه استحق السهم لأن الجهاد تعين عليه بحضور الصف فلا يبقى عاصياً به بخلاف العبد (فصل) ومن استعار فرساً ليغزو عليه فسهم الفرس للمستعير وبهذا قال الشافعي لأنه متمكن
стр. 6261
من الغزو عليه بإذن صحيح شرعي أشبه مالو استأجره وعن أحمد أن سهم الفرس لمالكه لأنه من نمائه فأشبه ولده وبهذا قال بعض الحنفية، وقال بعضهم لا سهم للفرس لأن مالكه لم يستحق سهما فلم يستحق الفرس شيئاً كالمخذل والمرجف، والأول أصح لأنه فرس قاتل عليه من يستحق سهما وهو مالك نفعه فاستحق سهم الفرس كالمستأجر ولأن سهم الفرس مستحق بمنفعته وهي للمستعير بإذن المالك فيها، وفارق النماء فإنه غير مأذون فيه، فأما إن استعاره لغير الغزو ثم غزا عليه فهو كالفرس المغصوب عليه ما سنذكره إن شاء الله تعالى (فصل) فإن استأجر فرساً للغزو فغزا عليه فسهم الفرس له، لا نعلم فيه خلافاً لأنه مستحق لنفعه استحقاقاً لازماً أشبه المالك وإن كان المستأجر والمستعير ممن لا سهم له إما لكونه لا شئ له كالمخذل والمرجف أو ممن يرضخ له كالصبي فحكمه حكم فرسه على ما ذكرنا، وإن غزا على فرس حبيس فسهم الفرس له كما لو استأجره (فصل) ينبغي أن يقدم قسم اربعة الأخماس على قسم الخمس لأن أهلها حاضرون وأهل الخمس غائبون ولأن رجوع الغانمين إلى أوطانهم يقف على قسمه الغنيمة وأهل الخمس في أوطانهم، ولأن
الغنيمة حصلت بتحصيل الغانمين وتعبهم وأهل الخمس بخلاف ذلك فكان الغانمون أولى بالتقديم، ولأن الغنيمة إذا قسمت بين الغانمين أخذ كل واحد نصيبه فكفي الإمام همه ومؤنته بخلاف الخمس
стр. 6262
فإن الإمام لا يكتفي مؤنته بقسمه فلا تحصل الفائدة به، ولأن الخمس لا يمكن قسمه بين أهله كلهم لأنه يحتاج إلى معرفتهم وعددهم ولا يمكن ذلك مع غيبتهم، ولأن الغانمين ينتفعون بسهامهم ويتمكنون من التصرف فيها والله تعالى أعلم (مسألة) (ثم يقسم باقي الغنيمة للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه) أجمع أهل العلم على أن للغانمين أربعة أخماس الغنيمة، وقد دل النص على ذلك بقوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) يفهم منه أن أربعة أخماسها الباقية لهم لأنه أضافها إليهم ثم أخذ منها سهما لغيرهم فبقي سائرها لهم كقوله تعالى (وورثه أبواه فلأمه الثلث) ففهم منه أن الباقي للأب وقال عمر ﵁ الغنيمة لمن شهد الوقعة (فصل) (ويقسم بينهم للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه) هذا قول أكثر أهل العلم أن الغنيمة تقسم للفارس ثلاثة أسهم له سهم ولفرسه سهمان وللراجل سهم، قال إبن المنذر هذا مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت وعوام علماء الإسلام قي القديم والحديث منهم مالك ومن تبعه من أهل المدينة والثوري ومن وافقه من أهل العراق والليث ومن تبعه من أهل مصر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة للفرس سهم واحد لما روى مجمع بن حارثة أن رسول الله ﷺ قسم خيبر على أهل الحديبية فأعطى الفارس
стр. 6263
سهمين وأعطى الراجل سهما، رواه أبو داود ولأنه حيوان ذو سهم فلم يزد على سهم كالآدمي ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له متفق عليه وعن أبي رهم وأخيه أنهما كانا فارسين يوم خيبر فأعطيا ستة أسهم أربعة أسهم لفرسيهما وسهمين لهما رواه سعيد بن منصور وعن ابن عباس أن النبي ﷺ أعطى الفارس ثلاثة
أسهم وأعطى الرجال سهما وقال خالد الحذاء لا يختلف فيه عن النبي ﷺ أنه أسهم هكذا للفرس سهمين ولصاحبه سهما وللراجل سهما، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: أما بعد فإن سهمان الخيل فرض رسول الله ﷺ سهمين للفرس وسهما للراجل ولعمري لقد كان حديثا ما أشعر أن أحداً من المسلمين هم بانتقاص ذلك والسلام عليك رواهما سعيد والاثرم وهذا يدل على ثبوت سنة رسول الله ﷺ بهذا وأنه أجمع عليه فلا يعول على ما خالفه، فأما حديث مجمع فيحتمل أنه أراد أعطى الفارس سهمين لفرسه وأعطى الراجل سهما يعني صاحبه فيكون ثلاثة أسهم على أن حديث ابن عمر أصح منه وقد وافقه حديث أبي رهم وأخيه وابن عباس وهؤلاء أحفظ وأعلم وابن عمر وأبورهم وأخوه ممن شهدوا وأخذوا السهمان وأخبروا عن أنفسهم فلا يعارض ذلك بخبر شاذ تعين غلطه أو حمله على ما ذكرنا وقياس الفرس على الآدمي لا يصح لأن أثرها في الحرب أكثر وكلفتها أعظم فينبغي أن يكون سهما أكثر
стр. 6264
(مسألة) (إلا أن يكون فرسه هجينا أو برذونا فيكون له سهم وعنه له سهمان كالعربي) الهجين الذي أبوه عربي وأمه برذونه والعربي بالعكس قالت هند بنت النعمان ابن (١) بشير وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغسل فإن ولدت مهراً كريماً فبالحري وإن يك أقراف فما اتجب الفحل وقد حكي عن أحمد أنه قال الهجين البرذون واختلفت الرواية عنه في سهمانها فقال الخلال تواترت الروايات عن أبي عبد الله في سهام البرذون أنه سهم واحد واختاره أبو بكر والخرقي وهو قول الحسن، قال الخلال وروى عنه ثلاثة منقطعون أنه يسهم للبرذون سهم العربي اختاره الخلال وبه قال عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي والثوري لأن الله تعالى قال (والخيل والبغال) وهذا من الخيل، ولأن الرواة رووا أن النبي ﷺ أسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهما وهذا عام في كل فرس ولأنه حيوان ذو سهم فاستوى فيه العربي وغيره كالآدمي وحكى أبو بكر عن أحمد رواية ثالثة ان البرازين إن أدركت إدراك العراب أسهم لها سهم العربي وإلا فلا وهذا قول ابن أبي شيبة وابن
ابي خثيمة وأبي ايوب ولجوزجاني لأنها من الخيل وقد عملت عمل العراب فأعطيت سهما كالعربي وحكي القاضي رواية رابعة أنها لا سهم لها وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي لأنه حيوان لا يعمل عمل الخيل العراب فأشبه البغال ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها لما روى الجوزجاني بإسناده عن أبي موسى أنه كتب إلى عمر بن الخطاب إنا وجدنا بالعراق خيلا عرابا دكنا فما
стр. 6265
ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها؟ فكتب إليه تلك البراذين بما قارب العتاق منها فاجعل له سهما واحداً وألغ ما سوى ذلك ووجه الأولى ما روى سعيد بإسناده عن أبي الأقمر قال أغارت الخيل على الشام فأدركت العراب من يومها وأدركت الكوادن صحي الغدو على الخيل رجل من همدان يقال له المنذر ابن أبي حميضة فقال لا أجعل الذي أدرك من يومه مثل الذي لم يدرك ففضل الخيل العراب فقال عمر هبلت الوادعي أمه أمضوها على ما قال ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا القول وروى مكحول أن النبي ﷺ أعطى الفرس العربي سهمين وأعطى الهجين سهما رواه سعيد ولأن نفع العربي وأثره في الحرب أكثر فيكون سهمه أرجح كتفاضل من يرضخ له وأما قولهم إنه من الخيل قلنا الخيل في أنفسها تتفاضل فتتفاضل سهامها وقولهم أن النبي ﷺ قسم للفرس سهمين من غير تفريق قلنا هذه قضية في عين لا عموم لها فيحتمل أنه لم يكن فيها برذون وهو الظاهر فإنها من خيل العرب ولا براذين فيها ويدل على صحة ذلك أنهم لما وجدوا البراذين في العراق أشكل عليهم أمرها وإن عمر فرض لها سهماً واحداً وأمضى ما قال المنذر بن أبي حميضة في تفضيل العراب عليها ولو خالفه لما سكت الصحابة عن انكاره عليه سيما وابنه هو راوي الخبر فكيف يخفى عليه ذلك؟ ويحتمل أنه فضل العراب فلم يذكر الرواي ذلك لغلبة العراب وقلة البراذين وقد دل على ذلك التأويل خبر مكحول الذي رويناه
стр. 6266
وقياسها على الآدمي لا يصح لأن العربي منهم لا أثر له في الحرب زيادة على غيره بخلاف العربي من الخيل فإنه يفضل على غيره والله أعلم
(فصل) ويعطى الراجل سهما بغير خلاف لما ذكرنا من الأخبار ولأن الراجل لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من النفقة ولا يغني كغنائة فاقتضى ان ينقص سهمه عن سهمه وسواء كانت الغنيمة من فتح مدينة أو حصن وبه قال الشافعي وقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن إسهام الخيل من غنائم الحصون فقال كانت الولاة قبل عمر بن عبد العزيز لا يسهمون للخيل من الحصون ويجعلون الناس كلهم رجالة حتى ولي عمر فأنكر ذلك وأمر باسهام الخيل من الحصون والمدائن ووجهه أن النبي ﷺ قسم غنائم خيبر ففضل الفارس وهي حصون ولأن الخيل ربما احتيح إليها إن خرج أهلا الحصن ويلزم صاحبه مؤنة له فأشبه الغنيمة من غير الحصن (مسألة) (ولا يسهم لأكثر من فرسين) .
يعني إذا كان مع الرجل خيل أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما ولم يزد على ذلك، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه لا يمكن أن يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد على الفرسين.
ولنا ما روى الأوزاعي أن رسول الله ﷺ كان يسهم للخيل وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين
стр. 6267
وإن كانت معه عشرة أفراس، وعن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح إن يسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهما فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهي جنائب رواهما سعيد ولأن به إلى الثاني حاجة فإن إدامة ركوب واحد تضعفه وتمنع القتال عليه فيسهم له كالأول بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه.
(مسألة) (ولا يسهم لغير الخيل، وقال الخرقي من غزا على بعير لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان) .
أما ما عدا الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة وغيرها فلا سهم لها وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل، وذكر القاضي أن الفيلة حكمها حكم الهجين لها سهم ذكره في الأحكام السلطانية والأول أولى لأن النبي ﷺ لم يسهم لها ولا أحد من خلفائه ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم
يسهم لها كالبقر، وأما الابل فقدروي عن أحمد أنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره وحكي نحو هذا عن الحسن لأن الله تعالى قال (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) ولأنه خيل تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس.
يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنما أبيح في ثلاثة أشياء دون غيرها لأنها آلات الجهاد فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضاً على رباطها وتعلم الاتقان فيها، وروى عن أحمد مثل ما ذكر الخرقي وظاهر ذلك أن لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو
стр. 6268
على فرس إذا ثبت ذلك فلا يزاد على سهم البرذون لأنه دونه ولا يسهم له إلا أن يشهد الوقعة عليه ويكون مما يمكن القتال عليه فأما هذه الإبل الثقيلة التي لا تصلح إلا للحمل فلا تستحق شيئاً لأن راكبها لا يكر ولا يفر فهو أدنى حالا من الراجل، واختار أبو الخطاب أنه لا سهم له وهو قول الأكثرين قال إبن المنذر أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل كذلك قال الحسن ومكحول والثوري والشافعي وأصحاب الراي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيراً ولم تخل غزوة من غزواته من الابل بل هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل أنه أسهم لها ولو اسهم لها لنقل وكذلك من بعد النبي ﷺ من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير ولو أسهم لم يخف ذلك ولأنه لا يمكن صاحبه الكر والفر فلم يسهم له كالبغل.
(مسألة) (ومن دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرسا أو استعاره أو أستأجره فشهد به الوقعة فله سهم فارس ومن دخل فارسا فنفق فرسه أو شرد حتى تقضي الحرب فله سهم راجل) .
قال أحمد أرى أن كل من شهد الوقعة على أي حالة كان يعطى إن كان فارسا ففارس وإن كان راجلا فراجل لأن عمر ﵁ قال الغنيمة لمن شهد الوقعة، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابو ثور وإسحاق ونحوه قال ابن عمر وقال أبو حنيفة الاعتبار بدخول دار الحرب فإن دخل
стр. 6269
فارسا فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال وإن دخل راجلا فله سهم الرجال وإن استفاد فرسا
فقاتل عليه وعنه رواية أخرى كقولنا قال أحمد كان سليمان بن موسى يعرضهم إذا أدركوا الفارس فارس والراجل راجل لأنه دخل في الحرب بنية القتال فلا يتغير سهمه بذهاب دابته أو حصول دابة له كما لو كان بعد القتال وقال الخرقي الاعتبار بحال إحراز الغنيمة فإن احرزت الغنيمة وهو راجل فله سهم راجل وإن أحرزت وهو فارس فله سهم فارس فيحتمل أنه أراد بحيازة الغنيمة الاستيلاء عليها فيكون كما ذكرنا ويحتمل أن يكون أراد جمع الغنيمة وضمها وإحرازها وقد ذكرنا فيما إذا لحق مدد أو هرب أسير بعد تقضي الحرب وقبل إحراز الغنيمة هل يسهم له منها؟ على وجهين فيخرج ههنا مثل ذلك والله أعلم.
ولنا أن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال فيسهم له مع الوجود فيه ولا يسهم له مع العدم كالآدمي والأصل في هذا أن حالة استحقاق السهم حال تقضي الحرب بدليل قول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك فإن الأموال في أيدي أصحابها فلا ندري هل يظفر بهم أولى ولأنه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء لم يستحق شيئاً ولو وجد مدداً في تلك الحال استحقوا السهم فدل على أن الاعتبار بحالة الاستيلاء فوجب اعتباره دون غيره
стр. 6270
(مسألة) (ومن غصب فرسا فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه) نص عليه أحمد وقال بعض الحنفية لا سهم للفرس وهو وجه لأصحاب الشافعي وقال بعضهم سهم الفرس للغاصب وعليه أجرته لمالكه لأنه آلة فكان الحاصل بها لمستعملها كما لو غصب منجلا فاحتش بها أو سيفاً فقاتل به.
ولنا أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم فاستحق السهم كما لو كان مع صاحبه فإذا ثبت أن له سهما كان لمالكه، لأن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما وما كان للفرس كان لصاحبه وفارق ما يحتش به فإنه لا شئ له ولأن السهم مستحق بنفع الفرس ونفعه لمالكه فوجب أن يكون ما يستحق به له.
(فصل) فإن الغاصب ممن لا سهم له إما لكونه لا شئ له كالمخذل أو ممن يرضخ له كالصبي احتمل أن يكون حكم فرسه حكمه على ما ذكرنا لان الفرس تتبع الفارس في حكمه فتتبعه إذا كان مغصوباً قياساً على فرسه واحتمل أن يكون سهم الفرس لمالكه لأن الجناية من راكبه والنقص فيه فيخص المنع به وبما هو تابع له وفرسه تابعه له لأن ما كان لها فهو له والفرس ههنا لغيره وسهمها لمالكها فلا ينقص سهمها بنقص سهمه كما لو قاتل العبد على فرس لسيده ولو قاتل العبد بغير إذن سيده على فرس لسيده خرج فيه الاحتمالان اللذان ذكرناهما فيما إذا غصب فرساً فقاتل عليه لأنه ههنا بمنزلة المغصوب.