Полный текст (7 422 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
وقياسها على الآدمي لا يصح لأن العربي منهم لا أثر له في الحرب زيادة على غيره بخلاف العربي من الخيل فإنه يفضل على غيره والله أعلم
(فصل) ويعطى الراجل سهما بغير خلاف لما ذكرنا من الأخبار ولأن الراجل لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من النفقة ولا يغني كغنائة فاقتضى ان ينقص سهمه عن سهمه وسواء كانت الغنيمة من فتح مدينة أو حصن وبه قال الشافعي وقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن إسهام الخيل من غنائم الحصون فقال كانت الولاة قبل عمر بن عبد العزيز لا يسهمون للخيل من الحصون ويجعلون الناس كلهم رجالة حتى ولي عمر فأنكر ذلك وأمر باسهام الخيل من الحصون والمدائن ووجهه أن النبي ﷺ قسم غنائم خيبر ففضل الفارس وهي حصون ولأن الخيل ربما احتيح إليها إن خرج أهلا الحصن ويلزم صاحبه مؤنة له فأشبه الغنيمة من غير الحصن (مسألة) (ولا يسهم لأكثر من فرسين) .
يعني إذا كان مع الرجل خيل أسهم لفرسين أربعة أسهم ولصاحبهما سهما ولم يزد على ذلك، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يسهم لأكثر من فرس واحد لأنه لا يمكن أن يقاتل على أكثر منها فلم يسهم لما زاد عليها كالزائد على الفرسين.
ولنا ما روى الأوزاعي أن رسول الله ﷺ كان يسهم للخيل وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين
стр. 6267
وإن كانت معه عشرة أفراس، وعن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح إن يسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهما فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهي جنائب رواهما سعيد ولأن به إلى الثاني حاجة فإن إدامة ركوب واحد تضعفه وتمنع القتال عليه فيسهم له كالأول بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه.
(مسألة) (ولا يسهم لغير الخيل، وقال الخرقي من غزا على بعير لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان) .
أما ما عدا الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة وغيرها فلا سهم لها وإن عظم غناؤها وقامت مقام الخيل، وذكر القاضي أن الفيلة حكمها حكم الهجين لها سهم ذكره في الأحكام السلطانية والأول أولى لأن النبي ﷺ لم يسهم لها ولا أحد من خلفائه ولأنها مما لا تجوز المسابقة عليه بعوض فلم
يسهم لها كالبقر، وأما الابل فقدروي عن أحمد أنه يسهم للبعير سهم ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره وحكي نحو هذا عن الحسن لأن الله تعالى قال (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) ولأنه خيل تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس.
يحققه أن تجويز المسابقة بعوض إنما أبيح في ثلاثة أشياء دون غيرها لأنها آلات الجهاد فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضاً على رباطها وتعلم الاتقان فيها، وروى عن أحمد مثل ما ذكر الخرقي وظاهر ذلك أن لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو
стр. 6268
على فرس إذا ثبت ذلك فلا يزاد على سهم البرذون لأنه دونه ولا يسهم له إلا أن يشهد الوقعة عليه ويكون مما يمكن القتال عليه فأما هذه الإبل الثقيلة التي لا تصلح إلا للحمل فلا تستحق شيئاً لأن راكبها لا يكر ولا يفر فهو أدنى حالا من الراجل، واختار أبو الخطاب أنه لا سهم له وهو قول الأكثرين قال إبن المنذر أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل كذلك قال الحسن ومكحول والثوري والشافعي وأصحاب الراي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيراً ولم تخل غزوة من غزواته من الابل بل هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل أنه أسهم لها ولو اسهم لها لنقل وكذلك من بعد النبي ﷺ من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير ولو أسهم لم يخف ذلك ولأنه لا يمكن صاحبه الكر والفر فلم يسهم له كالبغل.
(مسألة) (ومن دخل دار الحرب راجلاً ثم ملك فرسا أو استعاره أو أستأجره فشهد به الوقعة فله سهم فارس ومن دخل فارسا فنفق فرسه أو شرد حتى تقضي الحرب فله سهم راجل) .
قال أحمد أرى أن كل من شهد الوقعة على أي حالة كان يعطى إن كان فارسا ففارس وإن كان راجلا فراجل لأن عمر ﵁ قال الغنيمة لمن شهد الوقعة، وبهذا قال الأوزاعي والشافعي وابو ثور وإسحاق ونحوه قال ابن عمر وقال أبو حنيفة الاعتبار بدخول دار الحرب فإن دخل
стр. 6269
فارسا فله سهم فارس وإن نفق فرسه قبل القتال وإن دخل راجلا فله سهم الرجال وإن استفاد فرسا
فقاتل عليه وعنه رواية أخرى كقولنا قال أحمد كان سليمان بن موسى يعرضهم إذا أدركوا الفارس فارس والراجل راجل لأنه دخل في الحرب بنية القتال فلا يتغير سهمه بذهاب دابته أو حصول دابة له كما لو كان بعد القتال وقال الخرقي الاعتبار بحال إحراز الغنيمة فإن احرزت الغنيمة وهو راجل فله سهم راجل وإن أحرزت وهو فارس فله سهم فارس فيحتمل أنه أراد بحيازة الغنيمة الاستيلاء عليها فيكون كما ذكرنا ويحتمل أن يكون أراد جمع الغنيمة وضمها وإحرازها وقد ذكرنا فيما إذا لحق مدد أو هرب أسير بعد تقضي الحرب وقبل إحراز الغنيمة هل يسهم له منها؟ على وجهين فيخرج ههنا مثل ذلك والله أعلم.
ولنا أن الفرس حيوان يسهم له فاعتبر وجوده حالة القتال فيسهم له مع الوجود فيه ولا يسهم له مع العدم كالآدمي والأصل في هذا أن حالة استحقاق السهم حال تقضي الحرب بدليل قول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأنها الحال التي يحصل فيها الاستيلاء الذي هو سبب الملك بخلاف ما قبل ذلك فإن الأموال في أيدي أصحابها فلا ندري هل يظفر بهم أولى ولأنه لو مات بعض المسلمين قبل الاستيلاء لم يستحق شيئاً ولو وجد مدداً في تلك الحال استحقوا السهم فدل على أن الاعتبار بحالة الاستيلاء فوجب اعتباره دون غيره
стр. 6270
(مسألة) (ومن غصب فرسا فقاتل عليه فسهم الفرس لمالكه) نص عليه أحمد وقال بعض الحنفية لا سهم للفرس وهو وجه لأصحاب الشافعي وقال بعضهم سهم الفرس للغاصب وعليه أجرته لمالكه لأنه آلة فكان الحاصل بها لمستعملها كما لو غصب منجلا فاحتش بها أو سيفاً فقاتل به.
ولنا أنه فرس قاتل عليه من يستحق السهم فاستحق السهم كما لو كان مع صاحبه فإذا ثبت أن له سهما كان لمالكه، لأن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما وما كان للفرس كان لصاحبه وفارق ما يحتش به فإنه لا شئ له ولأن السهم مستحق بنفع الفرس ونفعه لمالكه فوجب أن يكون ما يستحق به له.
(فصل) فإن الغاصب ممن لا سهم له إما لكونه لا شئ له كالمخذل أو ممن يرضخ له كالصبي احتمل أن يكون حكم فرسه حكمه على ما ذكرنا لان الفرس تتبع الفارس في حكمه فتتبعه إذا كان مغصوباً قياساً على فرسه واحتمل أن يكون سهم الفرس لمالكه لأن الجناية من راكبه والنقص فيه فيخص المنع به وبما هو تابع له وفرسه تابعه له لأن ما كان لها فهو له والفرس ههنا لغيره وسهمها لمالكها فلا ينقص سهمها بنقص سهمه كما لو قاتل العبد على فرس لسيده ولو قاتل العبد بغير إذن سيده على فرس لسيده خرج فيه الاحتمالان اللذان ذكرناهما فيما إذا غصب فرساً فقاتل عليه لأنه ههنا بمنزلة المغصوب.
стр. 6271
(مسألة) (وإذا قال الإمام من أخذ شيئاً فهو له أو فضل بعض الفانمين على بعض لم يجز في إحدى الروايتين ويجوز في الأخرى) إذا قال الإمام من أخذ شيئاً فهو له جاز في إحدى الروايتين وبه قال أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، قال أحمد في السرية تخرج فيقول الوالي من جاء بشئ فهو له ومن لم يجئ بشئ فلا شئ له: الأنفال إلى الإمام ما فعل من شئ جاز لأن النبي ﷺ قال في يوم بدر (من أخذ شيئاً فهو له) ولانهم على هذا غزوا ورضوا به (والثانية) لا يجوز وهو القول الثاني للشافعي لأن النبي ﷺ كان يقسم الغنائم والخلفاء بعده ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنهب عن القتال وظفر العدو بهم فلا يجوز ولأن الاغتنام سبب لاستحقاقهم لها على سبيل التساوي فلا يزول ذلك بقول الإمام كسائر الاكتساب فأما قضية بدر فإنها منسوخة فإنهم اختلفوا فيها فأنزل الله تعالى (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول) الآية (فصل) فأما تفضيل بعض الغانمين على بعض فإن كان على سبيل النفل لبعضهم زيادة على سهمه فقد ذكرناه في الأنفال فأما غير ذلك فلا يجوز لأن النبي ﷺ قسم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما وسوى بينهم ولأنهم اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية فتجب التسوية بينهم كسائر الشركاء ولأنه يفضي إلى إيقاع العداوة بينهم وافساد قلوبهم
стр. 6272
(مسألة) (ومن استؤجر للجهاد ممن لا يلزمه من العبيد والكفار فليس له إلا الأجرة إذا استأجر الإمام قوما يغزون مع المسلمين لم يسهم لهم وأعطوا ما استؤجروا به نص عليه أحمد في رواية جماعة فقال في رواية عبد الله وحنبل في الإمام يستأجر قوما يدخل بهم في بلاد العدو: لا يسهم لهم ويوفي لهم بما استؤجروا عليه وقال القاضي هذا محمول على استئجار من لا يجب عليه الجهاد كالعبيد والكفار، اما الرجال المسلمون الأحرار فلا يصح استئجارهم على الجهاد لأن الغزو يتعين بحضوره على من كان من أهله، فإذا تعين عليه الفرض لم يجز أن يفعله عنه غيره كمن عليه حجة الإسلام لا يجوز أن يحج عنه غيره، وهذا مذهب الشافعي قال شيخنا ويحتمل أن يحمل كلام أحمد على ظاهره في صحة الاستئجار على الغزو لمن لم يتعين عليه وهو ظاهر ما ذكره الخرقي لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي وروى سعيد بن منصور عن جبير بن نفير قال قال رسول الله ﷺ (مثل الذين يغزون من أمتى ويأخذون الجعل ويتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها) ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فصح الاستئجار عليه كبناء المساجد أو لم يتعين عليه الجهاد فصح أن يؤجر نفسه عليه كالعبد، ويفارق الحج حيث انه
стр. 6273
ليست بفرض عين وإن الحاجة داعية إليه، وفي المنع من أخذ الجعل عليه تعطيل له ومنع له مما للمسلمين فيه نفع وبهم إليه حاجة فينبغي أن يجوز بخلاف الحج إذا ثبت هذا فإن قلنا بالأول فالإجارة فاسدة وعليه رد الأجرة وله سهمه لأن غزوة بغير أجرة وإن قلنا بصحة الإجارة فظاهر كلام أحمد والخرقي انه لا يسهم له لما روى أبو داود بإسناده عن يعلى ابن منير قال أذن رسول الله ﷺ بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم فالتمست أجيراً يكفيني وأجري له سهمه فوجدت رجلا فلما دنى الرحيل قال ما أدري ما السهمان؟ وما يبلغ سهمي؟ فسم لي شيئاً
كان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير فلما حضرت غنيمة أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت إلى النبي ﷺ فذكرت له أمره فقال (ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى) ولأن غزوه بعوض فكأنه واقع من غيره فلم يستحق شيئاً ويحتمل أن يسهم له وهذا اختيار الخلال قال وروى جماعة عن أحمد أن للأجير السهم إذا قاتل وروي عنه جماعة أن كل من شهد القتال فله السهم إذا قاتل قال وهذا اعتمد عليه من قول أبي عبد الله ووجهه ما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو وحديث جبير بن نفير وقول عمر الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأنه حضر الوقعة وهو من أهل القتال فيسهم له كغير الأجير
стр. 6274
فأما الذين يعطون حقهم من الفئ فلهم سهامهم لأن ذلك حق جعله الله لهم ليغزوا ولأنه عوض عن جهادهم بل نفع جهادهم لهم لا لغيرهم، وكذلك من يعطى من الصدقات للغزو فإنهم يعطون معونة لهم لاعوضا، وكذلك إذا دفع دافع إلى الغزاة ما يتقوون به ويستعينون به كان له فيه الثواب ولم يكن عوضا فقد قال النبي ﷺ (من جهز غازياً كان له مثل أجره) (فصل) فأما الأجير للخدمة في الغزو والذي يكري دابة له ويخرج معها ويشهد الوقعة فعن أحمد فيه روايتان (إحداهما) لا سهم له وهو قول الأوزاعي وإسحاق قالا: المستأجر على خدمة القوم لا سهم له لحديث يعلى بن منبه (والثانية) يسهم له إذا شهد القتال مع المسلمين وهو قول مالك وابن المنذر وبه قال الليث إذا قاتل، وإن اشتغل بالخدمة فلا سهم له واحتج ابن المنذر بحديث سلمة بن الأكوع أنه كان أجيراً لطلحة حين أدرك عبد الرحمن بن عيينه حين أغار على سرح النبي ﷺ فأعطاه النبي ﷺ سهم الفارس والراجل وقال القاضي يسهم له إذا كان مع المجاهدين وقصد الجهاد فأما لغير ذلك فلا، وقال الثوري يسهم له إذا قاتل ويرفع عمن استأجره نفقة ما اشتغل عنه (فصل) ومن أجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة وحملها وسوق الدواب ورعيها أبيح له
стр. 6275
أخذ الأجرة على ذلك ولم يسقط من سهمه شئ لأن ذلك من مؤنة الغنيمة فهو كعلف الدواب وطعام السبي يجوز للإمام بذله ويباح للأجير أخذ الأجرة عليه لأنه أجر نفسه لفعل بالمسلمين إليه حاجة فحلت له الأجرة كالدلالة على الطريق ولا يجوز له أن يركب من دواب المغنم لقول رسول الله ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها) قال أحمد لا بأس أن يؤجر الرجل نفسه على دابته وكره أن يستأجر القوم على سباق الرمك على فرس حبس لأنه يستعمل الفرس الموقوفه للجهاد فيما يختص نفعه بنفسه فإن آجر نفسه فركب الدابة الحبيس أو دابة من المغنم لم تطب له أجرة لأن المعين له على العمل يختص نفع نفسه فلا يجوز أن يستعمل فيه دواب المغنم ولا دواب الحبس وينبغي أن يلزمه بقدر أجره الدابة ترد في الغنيمة إن كانت من الغنيمة أو تصرف في نفقة دواب الجيش إن كانت جيشاً فإن شرط في الإجارة ركوب دابة من الحبس لم يجز لأنها إنما حبست على الجهاد وليس هذا بجهاد وإنما هو نفع لأهل الغنيمة وإن شرط ركوب دابة من الغنيمة جاز لأن ذلك بمنزلة أجرة تدفع إليه من المغنم ولو أجر نفسه بدابة معينه من المغنم صح فإذا جعلت أجرته ركوبها كان أولى ويشترط أن يكون العمل معلوما فإن كان مجهولا لم يجز لأن من شرط صحة إجارتها كون عوضها معلوما
стр. 6276
(مسألة) (ومن مات بعد انقضاء الحرب فسهمه لوارثه) إذا مات الغازي أو قتل قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له في ظاهر كلام الخرقي لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها وسواء مات حال القتال أو قبله وإن مات بعد ذلك فسهمه لورثته لأنه مات بعد ثبوت ملكه عليها فكان سهمه لورثته كسائر أمواله، وإن مات بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة الغنيمة فقال الشافعي وأبو ثور متى حضر القتال اسهم سواء مات قبل حيازة الغنيمة أو بعدها وإن لم يحضر فلا سهم له ونحوه قال مالك والليث، والذي ذكر شيخنا في هذا الكتاب أنه إذا مات بعد انقضاء الحرب أنه يستحق السهم ويقتضيه كلام القاضي لأنه قال في الأسير يهرب بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة الغنيمة لا يستحق شيئاً فدل على أنهم بملكونها بالاستيلاء عليها ونفي الكفار عنها
ووجه الأول أنه إذا مات قبل حيازتها فقد مات قبل ثبوت اليد عليها فلم يستحق شيئاً كما لو مات قبل انقضاء الحرب، وقال أبو حنيفة إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام أو قسهما (قسمها) في دار الحرب فلا شئ له لأن ملك المسلمين لا يتم عليها إلا بذلك، وقال الأوزاعي إن مات بعد ما يدرب فاصلا في سبيل الله قبل أو بعد أسهم له ولنا على أبي حنيفة أنه مات بعد الاستيلاء عليها في حال لو قسمت صحت قسمتها وكان له سهمه منها فيجب أن يستحق سهمه فيها كما لو مات بعد إحرازها في دار الإسلام وعلى الأوزاعي أنه مات
стр. 6277
قبل الاستيلاء عليها فلم يتسحق شيئاً كما لو مات قبل دخول الدرب وإن أسر أو مات أو قتل قبل تقضي الحرب فلا شي له بغير خلاف في المذهب لأنه لم يملك شيئاً والله أعلم (مسألة) (ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ويشاركونه فيما غنم) وجملة ذلك أن الجيش إذا فصل غازياً فخرجت منه سرية أو أكثر فأيهما غنم شاركه الآخر في قول عامة العلماء منهم مالك والثوري والاوزاعي والليث وحماد والشافعي واسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال النخعي إن شاء الإمام خمس ما تأتي به السرية وإن شاء نفلهم إياه كله ولنا ماروي أن النبي ﷺ لما غزا هوازن بعث سرية من الجيش قبل أوطاس فغنمت السرية فأشرك بينها وبين الجيش قال إبن المنذر روينا أن النبي ﷺ قال (وترد سراياهم على قعدهم) رفي وفي تنفيل النبي ﷺ في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث دليل على اشتراكهم فيما سوى ذلك لأنهم لو اختصوا بما غنموه لما كان ثلثه نفلا ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهم ردء لصاحبه فيشتركون كما لو غنم أحد جانبي الجيش وان أقام الأمير ببلاد الإسلام وبعث سرية أو جيشا فما غنمت السرية فهو لها وحدها لأنه إنما يشترك المجاهدون والمقيم في بلد الإسلام ليس بمجاهد، وإن نفذ من بلد الإسلام جيشين أو سريتين فكل واحدة تنفرد بما غنمته لأن كل واحدة منهما انفردت بالغزو فانفردت بالغنيمة بخلاف ما إذا فصل الجيش فدخل بجملته بلاد الكفار فان جميعهم اشتركوا في الجهاد فاشتركوا في الغنيمة
стр. 6278
(مسألة) (وإذا قسمت الغنيمة في أرض الحرب فتبايعوها ثم غلب عليها العدو فهي مال المشتري في إحدى الروايتين اختارها الخلال وصاحبه والأخرى هي من مال البائع اختارها الخرقي) يجوز للأمير البيع في الغنيمة قبل القسمة للغانمين ولغيرهم إذا رأى المصلحة فيه لأن الولاية ثابتة له عليها وقد تدعوا الحاجة إلى ذلك لإزالة كلفة نقلها أو تعذر قسمتها بعينها ويجوز لكل واحد من الغانمين بيع ما يحصل له بعد القسم والتصرف فيه كيف شاء لأن ملكه ثابت فيه فإن باع الأمير أو بعض الغانمين في دار الحرب شيئاً فغلب عليه العدو قبل إخراجه إلى دار الإسلام فإن كان التفريط من المشتري مثل أن يخرج به منه العسكر ونحو ذلك فضمانه عليه لان ذهابه حصل بتفريطه فكان من ضمانة كما لو أتلفه وإن كان بغير تفريطه ففيه روايتان (إحداهما) ينفسخ البيع ويرد الثمن إلى المشتري من الغنيمة إن باعه الإمام أو من مال البائع وإن كان الثمن لم يؤخذ من المشتري سقط عنه وهي اختيار الخرقي لأن القبض لم يكمل لكون المال في دار الحرب غير محرز وكونه على خطر من العدو فأشبه الثمر المبيع على رؤوس النخل إذا تلف قبل الجذاذ (والثانية) هو من ضمان المشتري وعليه ثمنه وهذا أكثر الروايات عن أحمد ﵀ واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر وهو مذهب الشافعي لأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه فكان عليه ضمانة كما لو أحرز إلى دار الإسلام ولأن أخذ العدو له تلف فلم يضمنه البائع كسائر أنواع التلف ولأن
стр. 6279
نماءه للمشتري فكان ضمانه عليه لقول النبي ﷺ (الخراج بالضمان) وإن اشتراه مشتر من المشتري الأول وقلنا هو من ضمان البائع رجع البائع الثاني على البائع الأول بما رجع به عليه (فصل) قال أحمد في الرجل يشتري الجارية من المغنم معها الحلي في عنقها والثياب: يرد ذلك في المغنم إلا شيئاً تلبسه من قميص ومقنعة وإزار وهذا قول حكيم بن حزام ومكحول ويزيد بن أبي مالك وإسحاق وابن المنذر ويشبه قول الشافعي واحتج إسحاق بقول النبي ﷺ (من باع عبداً وله مال فماله للبائع) وقال الشعبي يجعله في بيت المال وكان مالك يرخص في اليسير كالقرطين وأشباههما ولا
يرد ذلك في الكثير، قال شيخنا ويمكن التفصيل في ذلك فيقال ما كان ظاهراً يشاهده البائع والمشتري كالقرط والخاتم والقلادة فهو للمشتري لأن الظاهر أن البائع إنما باعها بما عليها والمشتري اشتراها بذلك فيدخل في البيع كثياب البذلة وحلية السيف، وما خفي فلم يعلم به البائع رده لأن البيع وقع عليها بدونه فلم يدخل في البيع كجارية أخرى.
(فصل) قال أحمد لا يجوز لأمير الجيش أن يشتري من مغنم المسلمين شيئاً لأنه يحابي ولأن عمر ﵁ رد ما اشتراه ابنه في غزوة جلولاء وقال أنه يحابى احتج به أحمد ولأنه هو البائع أو وكيله فكأنه يشتري من نفسه أو من وكيله قال أبو داود قيل لأبي عبد الله إذا قوم أصحاب المغانم شيئاً معروفاً فقالوا في جلود المعاعز بكذا وفي جلود الخرفان بكذا يحتاج إليه يأخذه بتلك القيمة ولا يأتي المغانم فرخص فيه
стр. 6280
لأنه يشق الاستئذان فيه فسومح فيه كما سومح في دخول الحمام وركوب سفينة الملاح من غير تقدير أجرة (فصل) ومن اشترى من المغنم اثنين أو أكثر أو حسبوا عليه بنصيبه بناء على أنهم أقارب يحرم التفريق بينهم فبان أنه لا نسب بينهم رد الفضل الذي فيهم على المغنم لأن قيمتهم تزيد بذلك فإن من اشترى اثنتين بناء على أن إحداهما أم الأخرى لا يحل له الجمع بينهما في الوطئ ولا بيع إحداهما دون الأخرى كانت قيمتهما قليلة لذلك فإذا أبان أن إحداهما أجنبية من الأخرى أبيح له وطؤهما وبيع إحداهما فتكثر قيمتهما فيجب رد الفضل كما لو اشتراهما فوجد معهما حلياً أو ذهباً وكما لو أخذ دراهم فبانت أكثر مما حسب عليه.
(مسألة) .
(وإن وطئ جارية من المغنم ممن له فيها حق أو لولده أدب ولم يبلغ به الحد وعليه مهرها إلا أن تلد منه فيكون عليه قيمتها وتصير أم ولد له والولد حر ثابت النسب) .
إذا وطئ جارية من المغنم وكان له في الغنيمة حق أو لولده أدب لأنه فعل ما لا يحل له ولم يبلغ به الحد، لأن الملك ثبت للغانمين في الغنيمة فيكون للواطئ حق في الجارية الموطوءة وإن قل فيدرأ عنه الحد للشبهة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك وابو ثور عليه الحد لقول الله تعالى (الزانية
والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهذا زان ولأنه وطئ في غير ملك عامداً عالماً بالتحريم
стр. 6281
فلزمه الحد كما لو وطئ جارية غيره وقال الأوزاعي كل من سلف من علمائنا يقول عليه أدنى الحدين مائة جلدة ومنع بعض الفقهاء ثبوت الملك في الغنيمة وقال إنما يثبت بالاحتياز بدليل أن أحدهم لو قال اسقطت حقي سقط ولو ثبت ملكه لم يزل بذلك كالوارث.
ولنا ان له فيها شبهة ملك فلم يجب عليه الحد كوطئ جارية له فيها شرك والآية مخصوصة بوطئ الجارية المشتركة وجارية ابنه فنقيس عليه هذا ومنع الملك لا يصح لأن ملك الكفار قد زال ولا يزول إلا إلى مالك ولأنه تصح قسمته ويملك الغانمون طلب قسمتها فأشبهت حال الوارث وإنما كثر الغانمون فقل نصيب الواطئ ولم يستقر في شئ بعينه وكان للإمام تعيين نصيب كل واحد بغير اختياره فلذلك جاز أن يسقط بالإسقاط بخلاف الميراث وضعف الملك لا يخرجه عن كونه شبهة في الحد الذي يدرأ بالشبهات ولهذا أسقط الحد بادنى شئ وإن لم يكن حقيقة الملك فهو شبهة.
إذا ثبت هذا فإنه يعزر ولا يبلغ بالتعزير الحد على ما نذكره إن شاء الله تعالى ويؤخذ منه مهرها فيطرح في المغنم، وبهذا قال الشافعي وقال القاضي إنه يسقط عنه من المهر قدر حصته منها وتجب عليه بقيته كالجارية المشتركة بينه وبين غيره ولا يصح ذلك لأننا إذا أسقطنا عنه حصته وأخذنا الباقي فطرحناه في المغنم ثم قسمناه على الجميع وهو فيهم عاد إليه سهمه من حصة غيره ولأن حصته قد لا تمكن معرفتها
стр. 6282
لقلة المهر وكثرة الغانمين ثم إذا أخذناه فإن قسمناه مفرداً على من سواه لم يمكن وإن خلطناه بالغنيمة ثم قسمنا الجميع أخذ سهما مما ليس فيه حقه فإن ولدت منه فالولد حر يلحقه نسبه، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة هو رقيق لا يلحقه نسبه، لأن الغانمين إنما يملكون بالقسمة فقد صادف وطؤه غير ملكه ولنا أنه وطئ سقط فيه الحد بشبهة الملك فيلحق فيه النسب كوطئ جارية ابنه وما ذكره غير مسلم ثم يبطل بوطئ جارية ابنه وفارق الزنا فإنه يوجب الحد، وإذا ثبت ذلك فإن الأمة تصير أم ولد
له في الحال وقال الشافعي لا تصير أم ولد له في الحال لأنها ليست ملكاً له فإذا ملكها بعد ذلك فهل تصير أم ولد له؟ فيها قولان ولنا أنه وطئ يلحق به النسب لشبهة الملك فتصير به أم ولد كوطئ جارية ابنه وبه يبطل ما ذكروه ولا نسلم أنه ليس له فيها ملك فإنا قد تبينا أن الملك قد ثبت في الغنيمة بمجرد الاغتنام وعليه قيمتها تطرح في المغنم لأنه فرتها؟ عليهم بفعله فلزمته قيمتها كما لو قتلها فإن كان معسراً كان في ذمته قيمتها وقال القاضي إن كان معسراً حسب قدر حصته من الغنيمة فصارت أم ولد وباقيها رقيق للغانمين لأن كونها أم ولد إنما يثبت بالسراية إلى ملك غيره فلم يسر في حق المعسر كالاعتاق.
стр. 6283
ولنا أنه استيلاء جعل بعضها أم ولد فيجعل جميعها أم ولد كاستيلاء جارية الابن وفارق العتق لأن الاستيلاء أقوى لكونه فعلاً وينفذ من المجنون فأما قيمة الولد فقال أبو بكر فيها روايتان (إحداهما) تلزمه قيمته حين وضعه تطرح في المغنم لأنه فوت رقه فأشبه ولد المغرور (والثانية) لا تلزمه لأنه ملكها حين علقت ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئها ولأنه يعتق حين علوقها به ولا قيمة حينئذ وقال القاضي إذا صار نصفها أم ولد يكون الولد كله حراً وعليه قيمة نصفه (مسألة) (ومن أعتق منهم عبداً عتق عليه قدر حصته وقوم عليه باقيه إن كان موسراً وكذلك إن كان فيهم من يعتق عليه) إذا أعتق بعض الغانمين أسيراً من الغنيمة وكان رجلاً لم يعتق لأن العباس عم النبي ﷺ وعم علي وعقيلاً أخا علي كانا في أسرى بدر فلم يعتقا عليهما ولأن الرجل لا يصير رقيقاً بنفس السبي وإن استرق وقلنا بجواز استرقاقه أو كان امرأة أو صبياً عتق منه قدر نصيبه وسرى إلى باقيه إن كان موسراً وإن كان معسراً لم يعتق عليه إلا ما ملكه منه ويؤخذ منه قيمة باقيه تطرح في المغنم إذا كان موسراً فإن كان بقدر حقه من الغنيمة عتق ولم يأخذ شيئاً وإن كان دون حقه أخذ باقي حقه فإن أعتق عبداً ثانياً وفضل من حقه عن الاول شئ عتق بقدره من الثاني وإن لم يفضل شئ لم يعتق
من الثاني شئ وكذلك الحكم اذا كان فيهم من يعتق عليه لأنه نسب إلى ملكه أشبه مالو اشتراه
стр. 6284
وقال ابن أبي موسى في الإرشاد لا يعتق إلا أن يحصل في سهمه أو بعضه وقال الشافعي لا يعتق منه شئ وهذا مقتضى قول أبي حنيفة لأنه لا يملكه بمجرد الاغتنام ولو ملك لم يتعين ملكه فيه وإن قسم وحصل في نصيبه واختار تملكه عتق عليه وإلا فلا وإن جعل له بعضه فاختار تملكه عتق عليه وقوم عليه الباقي ولنا ما بيناه من أن الملك يثبت للغانمين لكون الاستيلاء التام وجد منهم وهو سبب للملك ولأن ملك الكفار زال ولا يزول إلا إلى المسلمين (مسألة) (والغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا السلاح والمصحف والحيوان) الغال الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة ولا يطلع الإمام عليه ولا يطرحه في الغنيمة فحكمه أن يحرق رحله كله وبه قال الحسن وفقهاء الشام منهم مكحول والاوزاعي والوليد بن هشام ويزيد بن يزيد بن جابر وأني سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه وعمر بن عبد العزيز حاضر فلم يعبه وقال يزيد بن يزيد بن جابر السنة في الذي يغل أن يحرق رحله رواهما سعيد في سننه وقال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي لا يحرق لأن النبي ﷺ لم يحرق فإن عبد الله بن عمرو روي أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال يا رسول الله هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة فقال (سمعت بلالاً ينادي
стр. 6285
ثلاثاً قال نعم قال (فما منعك ان تجئ به) فاعتذر فقال (كن انت تجئ به يوم القيامة فلن أقبله منك) رواه أبو داود ولأن إحراق المتاع إضاعة له وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال ولنا ماروى صالح بن محمد بن زائدة قال دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتي برجل قد غل فسأل سالماً عنه فقال سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه) قال فوجدنا في متاعه مصحفاً فسأل سالماً عنه فقال
بعه وتصدق بثمنه رواه سعيد وابو داود والاثرم وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال رواه أبو داود فإما حديثهم فلا حجة لهم فيه فإن الرجل لم يعترف أنه أخذ ما أخذ على سبيل الغلول ولا أخذه لنفسه وإنما توانى في المجئ به وليس الخلاف فيه ولأن الرجل جاء به من عند نفسه تائباً معتذراً والتوبة تجب ما قبلها وأما النهي عن إضاعة المال فإنما نهي عنه إذا لم يكن فيه مصلحة فأما إذا كان فيه مصلحة فلا بأس ولا يعد تضييعاً كإلقاء المتاع في البحر عند خوف الغرق وقطع يد العبد السارق مع أن المال لا تكاد المصلحة تحصل به إلا بذهابه فأكله إتلافه وإيقافه اذهابه ولا يعد شئ من ذلك تضييعاً ولا إفساداً ولا ينهى عنه.
إذا ثبت ذلك فإن السلاح لا يحرق لأنه يحتاج إليه في القتال ولا نفقته لأنه مما لا يحرق عادة ولا يحرق المصحف لحرمته ولما ذكرنا من حديث سالم فيه فعلى هذا يحتمل أن يباع ويتصدق بثمنه لما ذكرنا
стр. 6286
من حديث سالم ويحتمل أن يكون له كالحيوان والسلاح وكذلك الحيوان لا يحرق لنهي النبي ﷺ إن يعذب بالنار إلا ربها ولحرمة الحيوان في نفسه ولأنه لا يدخل في اسم المتاع المأمور بإحراقه وهذا لا خلاف فيه ولا تحرق آلة الدابة أيضاً نص عليه أحمد لأنه يحتاج إليها للانتفاع بها ولأنها تابعة لما لا يحرق أشبه جلد المصحف وكيسه وقال الأوزاعي يحرق سرجه واكافه ولنا أنه ملبوس حيوان فلا يحرق كثياب الغال فانه لا تحرق ثيابه التي عليه لأنه لا يجوز أن يترك عرياناً ولا يحرق ما غل لأنه من غنيمة المسلمين قيل لأحمد فالذي أصاب في الغلول أي شئ يصنع به قال يرفع إلى المغنم وكذلك قال الأوزاعي وجميع ما لا يحرق وما أبقت النار من حديد أو غيره فهو لصاحبه لأن ملكه كان ثابتاً عليه ولم يوجد ما يلزمه وإنما عوقب بإحراق متاعه فما لم يحترق يبقى على ما كان، وإن كان معه شئ من كتب العلم والحديث فينبغي أن لا يحرق أيضاً لأن نفع ذلك يعود إلى الدين وليس المقصود الإضرار به في دينه وإنما القصد الإضرار به في بعض دنياه (فصل) فإن لم يحرق رحله حتى استحدث متاعاً آخر أو رجع إلى بلده أحرق ما كان معه حال الغلول، نص عليه أحمد في الذي يرجع إلى بلده قال ينبغي أن يحرق ما كان معه في أرض العدو فإن
مات قبل إحراق رحله لم يحرق نص عليه لأنه عقوبة فيسقط بالموت كالحدود ولأنه بالموت انتقل إلى ورثته وإحراقه عقوبة لغير الجاني
стр. 6287
وإن باع متاعه أو وهبه احتمل أن لا يحرق لأنه صار لغيره أشبه انتقاله بالموت واحتمل أن ينقض البيع والهبة ويحرق لأنه تعلق به حق سابق على البيع والهبة فوجب تقديمه كالقصاص في حق الجاني (فصل) وإن كان العال صبياً لم يحرق متاعه وبه قال الأوزاعي لان الاحراق عقوبة وليس هو من أهلها فأشبه الحد، وإن كان عبداً لم يحرق متاعه لأنه لسيده فلا يعاقب سيده بجناية عبده، وإن استهلك ما غله فهو في رقبته لأنه من جنايته وإن غلت المرأة أو ذمي أحرق متاعهما لأنهما من أهل العقوبة ولذلك يقطعان في السرقة ويحدان في الزنا، وإن أنكر الغلول وذكر أنه ابتاع ما بيده لم يحرق متاعه حتى يثبت غلوله ببينة أو إقرار لأنه عقوبة قلا يجب قبل ثبوته بذلك كالحد ولا يقبل في بينته إلا عدلان لذلك (فصل) ولا يحرم الغال سهمه، وقال أبو بكر في ذلك روايتان (إحداهما) يحرم سهمه لأنه قد جاء في الحديث يحرم سهمه فإن صح فالحكم له، وقال الأوزاعي في الصبي يغل يحرم سهمه ولا يحرق متاعه ولنا أن سبب الاستحقاق موجود فيستحق كما لو لم يغل ولم يثبت حرمان سهمه في خبر ولا يدل عليه قياس فيبقى بحاله ولا يحرق سهمه لأنه ليس من رحله (فصل) إذا تاب الغال قبل القسمة رد ما أخذه في المقسم بغير خلاف لأنه حق تعين رده إلى أهله فإن تاب بعد القسمة فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي وهذا قول
стр. 6288
الحسن والزهري ومالك والاوزاعي والثوري والليث.
وقال الشافعي لا أعرف للصدقة وجهاً، وحديث الغال أن النبي ﷺ قال له (لا أقبله منك حتى تجئ به إلى يوم القيامة) ولنا ماروى سعيد بن منصور عن عبد الله بن المبارك عن صفوان بن عمرو عن حوشب بن سيف قال غزا الناس الروم وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فغل رجل مائة دينار فلما قسمت الغنيمة
وتفرق الناس ندم فأتى عبد الرحمن فقال قد غللت مائة دينار فامضها فقال قد تفرق الناس فلن أقبضها منك حتى توافي الله بها يوم القيامة، فأتى معاوية فذكر ذلك له فقال له مثل ذلك فخرج وهو يبكي فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال ما يبكيك؟ فأخبره فقال إنا لله وإنا إليه راجعون أمطيع أنت يا عبد الله؟ قال نعم قال فانطلق إلى معاوية فقل له خذ مني خمسك فأعطه عشرين ديناراً وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش فإن الله تعالى يعلم أسماءهم ومكانهم وإن الله يقبل التوبة عن عبادة، فقال معاوية: أحسن والله لأن أكون أنا أفتيته بهذا أحب إلي من أن يكون لي مثل كل شئ امتلكت وعن ابن مسعود ﵁ أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه فقد قال به ابن مسعود ومعاوية ومن بعدهم ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فيكون إجماعاً، ولأن تركه تضييع له وتعطيل لمنفعته التي خلق لها ولا يتخفف به شئ من إثم الغال، وفي الصدقة به نفع لمن يصل إليه من
стр. 6289
المساكين، وما يحصل من أجر الصدقة يصل إلى صاحبه فيذهب به الإثم عن الغال فيكون أولى (مسألة) (وما أخذ من الفدية أو أهداه الكفار إلى أمير الجيش أو بعض قواده فهو غنيمة) ما أخذ من فدية الأسارى فهو غنيمة، لا نعلم فيه خلافا فإن النبي ﷺ قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين ولأنه مال حصل بقوة الجيش أشبه الخيل والسلاح وأما الهدية للإمام والقواد فان كان في حال الغزو فهي غنيمة وهكذا ذكر أبو الخطاب لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لخوف من المسلمين فظاهر هذا يدل على أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له، وقال القاضي هو غنيمة لما ذكرنا، وإن كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الإسلام فهي لمن أهديت له سواء كان الإمام أو غيره لأن النبي ﷺ قبل هدية المقوقس فكانت له دون غيره، وهذا قول الشافعي ومحمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة هو للمهدي له بكل حال لأنه خص بها أشبه ما إذا كان في دار الإسلام، وحكي ذلك رواية عن أحمد ولنا أنه أخذ ذلك بظهر الجيش أشبه مالو أخذه قهراً ولأنه إذا أهدى إلى الإمام أو أمير فالظاهر
أنه يداري عن نفسه به فأشبه ما أخذ منه قهراً، وأما الهدية لآحاد المسلمين فلا يقصد بها ذلك في الظاهر لعدم الخوف منه فيكون كما لو أهدى إليه إلى دار الإسلام، ويحتمل أن ينظر فإن كانت بينهما مهاداة قبل ذلك فله ما أهدى إليه.
وان تجدد ذلك بالدخول إلى دارهم فهو للمسلمين كقولنا في الهدية إلى القاضي
стр. 6290
(باب حكم الأرضين المغنومة) وهي على ثلاثة أضرب (أحدها) ما فتح عنوة وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف فيخير الإمام بين قسمها ووقفها للمسلمين ويضرب عليها خراجا مستمراً يؤخذ ممن هي في يده يكون أجرة لها.
وعنه تصير وقفاً بنفس الاستيلاء وعنه تقسم بين الغانمين الأرضون المغنومة تنقسم قسمين عنوة وصلح (فالعنوة) ما أجلي عنها أهلها بالسيف وهي نوعان (أحدهما) ما فتح ولم يقسم بين الغانمين فتصير وقفاً للمسلمين يضرب عليها خراج معلوم يؤخذ منها في كل عام يكون أجرة لها وتقر بأيدي أربابها ما دامو يؤدون خراجها مسلمين كانوا أو من أهل الذمة لا يسقط خراجها بإسلام أربابها ولا بانتقالها إلى مسلم لأنه بمنزلة أجرتها ولم نعلم أن شيئاً مما فتح عنوة قسم بين الغانمين إلا خيبر فإن النبي ﷺ قسم نصفها فصار لأهله لاخراج عليه وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر ﵁ ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شئ فروى أبو عبيد في كتاب الاصول أن عمر ﵁ قدم الجابية فأراد قسم الأرض بين المسلمين فقال له معاذ ﵁ والله إذاً ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة ثم يأتي من بعدهم قوم يمدون من الإسلام
стр. 6291
الإسلام مسداهم لا يجدون شيئاً فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم فصار عمر إلى قول معاذ وروي أيضاً قال قال: الماجشون قال بلال لعمر بن الخطاب ﵁ في القرى التي افتتحوها عنوة اقسمها بيننا وخذ خمسها فقال عمر لا هذا عن المال ولكني أحبسه فيئاً يجري عليهم وعلى المسلمين فقال بلال
وأصحابه اقسمها بيننا فقال عمر اللهم اكفني بلالاً وذويه قال فما جاء الحول وفيهم عين تطرف وروى بإسناده عن سفيان بن وهب الخولاني قال لما افتتح عمرو بن العاص مصر قال الزبير يا عمرو بن العاص اقسمها فقال عمرو لاأقسمها فقال الزبير لتقسمنها كما قسم رسول الله ﷺ خيبر فقال عمرو لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر فكتب إليه دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة قال القاضي ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أنه قسم أرضاً عنوة إلا خيبر (فصل) قال أحمد ومن يقوم على أرض الصلح وأرض العنوة؟ ومن أين هي؟ وإلى أين هي؟ وقال أرض الشام عنوة إلا حمص وموضعاً آخر وقال ما دون النهر صلح وما وراء عنوة وقال فتح المسلمون السواد عنوة إلا ما كان منه صلح وهي أرض الحيرة وأرض بانقيا وقال أرض الري خلطوا في أمرها فأما ما فتح عنوة فمن نهاوند وطبرستان خراج وقال أبو عبيد أرض الشام عنوة ما خلا مدنها فإنها فتحت صلحاً إلا قيسارية افتتحت عنوة وأرض السواد والجبل ونهاوند والأهواز ومصر والمغرب وقال موسى بن علي بن رباع عن أبيه: المغرب كله عنوة فأما أرض الصلح فأرض هجر والبحر بن
стр. 6292
وأيله ودومه الجندل وأذرح فهذه القرى التي أدت إلى رسول الله ﷺ الجزية ومدن الشام ما خلا أرضيها إلا قيسارية وبلاد الجزيرة كلها وبلاد خراسان كلها أو أكثرها صلح وكل موضع فتح عنوة فإنه وقف على المسلمين (النوع الثاني) ما استأنف المسلمون فتحه عنوة ففيه ثلاث روايات (إحداهما) أن الامام مخير بين قسمها على الغانمين وبين وقفها على جميع المسلمين ويضرب عليها خراجا مستمراً على ما ذكرنا هذا ظاهر المذهب لأن كلا الأمرين قد ثبت فيه حجة عن النبي ﷺ فإن رسول الله ﷺ قسم نصف خيبر ووقف نصفها لنوائبه ووقف عمو الشام والعراق ومصر وسائر ما فتحه وأقره على ذلك علماء الصحابة وأشاروا عليه به، وكذلك من بعده من الخلفاء ولم نعلم أن أحداً منهم قسم شيئاً من الأرض التي افتتحوها
(والثانية) أنها تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها لاتفاق الصحابة ﵃ عليه وقسمة النبي ﷺ خيبر كانت قي بدء الإسلام وشدة الحاجة وكانت المصلحة فيه وقد تعينت المصلحة فيما بعد ذلك في وقف الأرض فكان هو الواجب (والثالثة) أن الوجب قسمها وهو قول مالك وأبي ثور لأن النبي ﷺ فعل ذلك وفعله أولى من فعل غيره مع عموم قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه يفهم من ذلك أن أربعة أخماسها للغانمين
стр. 6293
(والرواية الأولى) أولى لما ذكرنا من فعل النبي ﷺ ولأن عمر ﵁ قال لولا آخر الناس لفسمت الأرض كما قسم النبي ﷺ خيبر فقد وقف الأرض مع علمه بفعل النبي ﷺ ، فدل على أن فعله ذلك لم يكن متعيناً كيف والنبي ﷺ قد وقف نصف خيبر ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها، قال أبو عبيد تواترت الأخبار في افتتاح الارض عنوة بهذين الحكمين، حكم رسول الله ﷺ في خيبر حين قسمها، وبه أشار بلال وأصحابه على عمر في أرض الشام والزبير في أرض مصر وحكم عمر في أرض السواد وغيره حين وقفه، وبه أشار علي ومعاذ على عمر وليس فعل النبي ﷺ راداً لفعل عمر لأن كل واحد منهما اتبع آية محكمة قال الله تعالى (واعلموا أنما غنمتم منه شئ فأن لله خمسه - وقال - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) الآية فكان كل واحد من الأمرين جائزاً والنظر في ذلك إلى الامام فما رأى منه ذلك فعليه وهذا قول الثوري وأبي عبيد.
إذا ثبت هذا فإن التخيير المفوض إلى الإمام تخيير مصلحة لا تخيير تشهي فيلزمه فعل ما يرى فيه المصلحة لا يجوز له العدول عنه كالخيرة في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء ولا يحتاج إلى النطق بالوقف بل تركه لها من غير قسمه وقف لها كما أن قسمتها بين الغانمين لا يحتاج معه إلى لفظ ولأن عمر وغيره لم ينقل عنهم في وقف الأرض لفظ بالوقف ولأن معنى وقفها
стр. 6294
هاههنا أنها باقية لجميع المسلمين يؤخذ خراجها يصرف في مصالحهم ولا يخص أحد بملك شئ منها وهذا حاصل بتركها
(فصل) وكلما فعله النبي ﷺ من وقف وقسمه أو فعله الأئمة بعده فليس لأحد نقضه ولا تغييره وإنما الروايات فيما استؤنف فتحه على ما ذكرنا والذي قسم بين الغانمين ليس عليه خراج، وكذلك ما أسلم أهله عليه كالمدينة ونحوها فهي ملك لأربابها لهم التصرف فيها كيف شاؤا، وكذلك ما صولح أهله على أن الأرض لهم كأرض اليمن والحيرة وبانقيا وما أحياه المسلمون كأرض البصرة كانت سبخة أحياها عتبة بن غزوان وعثمان بن أبي العاص (مسألة) (الضرب الثاني) ما جلا عنها أهلها خوفاً وفزعاً فهذه تصير وقفاً بنفس الظهور عليها لأن ذلك يتعين فيها لأنها ليست غنيمة فنقسم فكان حكمها حكم الفيئ يكون للمسلمين كلهم، وعنه يكون حكمها حكم العنوة قياساً عليها، فعلى هذا لا تصير وقفا حتى يقفها الإمام لأن الوقف لا يثبت بنفسه (الضرب الثالث) ما صولحوا عليه وهو قسمان (أحدهما) أن يصالحهم على أن الأرض لنا ونقرها معهم بالخراج فهذه تصير وقفاً أيضاً حكمها حكم ما ذكرنا لأن النبي ﷺ فتح خيبر وصالح أهلها على أن يعمروا أرضها ولهم نصف ثمرتها فكانت للمسلمين دونهم، وصالح بني النضير على أن يجليهم من المدينة
стр. 6295
ولهم ما أقلت الابل من المتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح وكانت مما أفاء الله على رسوله (القسم الثاني) أن يصالحم على الارض لهم ويؤدون إلينا خراجها معلوماً فهذه ملك لأربابها وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا اسقط عنهم لأن الخراج الذي ضرب عليها إنما كان من أجل كفرهم فهو كالجزية على رؤوسهم فإذا أسلموا سقط كما تسقط الجزية وتبقى الأرض ملكاً لهم لا خراج عليها يتصرفون فيها كيف شاءوا بالبيع والهبة والرهن، وإن انتقل إلى مسلم فلا خراج عليه لما ذكرنا (مسألة) (ويقرون فيها بغير جزية) لأنهم في غير دار الإسلام بخلاف التي قبلها (مسألة) (والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان على قدر الطاقة وعنه يرجع إلى ما ضربه عمر ﵁ لا يزاد ولا ينقص وعنه تجوز الزيادة دون النقص) ظاهر المذهب أن المرجع في الخراج إلى اجتهاد الإمام وهو اختيار الخلال وعامة شيوخنا لأنه أجرة فلم يقدر بمقدار لا يختلف كأجرة المساكن وفيه رواية ثانية أنه يرجع إلى ما ضربه عمر رضي
الله عنه لا يزاد عليه ولا ينقص منه لأن اجتهاد عمر أولى من قول غيره كيف ولم ينكره أحد من الصحابة مع شهرته فكان إجماعاً؟ وعنه رواية ثالثة أن الزيادة تجوز دون النقص لما روى عمر بن ميمون أنه سمع عمر يقول لحذيفة وعثمان بن حنيف لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق فقال عثمان والله لو زدت عليهم فلا تجهدهم فدل على إباحة الزيادة ما لم تجهدهم وأما الجزية فتذكر في باب عقد الذمة إن شاء الله تعالى
стр. 6296
قال أحمد ﵁ وأبو عبيد القاسم بن سلام: أعلى وأصح حديث في أرض السواد حديث عمرو بن ميمون، ويعني أن عمر ﵁ وضع على كل جريب درهما وقفيزاً، وقدر القفيز ثمانية أرطال يعني بالمكي، نص عليه أحمد واختاره القاضي فيكون ستة عشر رطلاً بالعراقي، وقال أبو بكر قد قيل أن قدره ثلاثون رطلاً وينبغي أن يكون من جنس ما تخرجه الأرض لأنه روي عن عمر أنه ضرب على الطعام درهما وقفيز حنطة وعلى الشعير درهماً وقفيز شعير ويقاس عليه غيره من الحبوب.
والجريب عشر قصبات في عشر قصبات والقصبة ستة أذرع بذراع عمر وهو ذراع وسط لا أطول ذراع ولا أقصرها وقبضة وإبهام قائمة، وما بين الشجر من بياض الأرض تبع لها، فان ظلم في خراجه لم يحتسبه من العشر لانه ظلم فلم يحتسب به من العشر كالغصب، وعنه يحتسبه من العشر لأن الأخذ لهما واحد اختاره أبو بكر وقد اختلف عن عمر ﵁ قي قدر الخراج فروى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي أن عمر بعث ان حنيف إلى السواد فضرب الخراج على جريب الشعير درهمين وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب القضب وهو الرطبة ستة دراهم وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب الزيتون أثني عشر درهماً، هذا ذكره أبو الخطاب في كتاب الهداية وذكر بعده حديث عمرو بن ميمون الذي ذكرناه وهو اصح على ما ذكره أحمد وأبو عبيد
стр. 6297
(مسألة) (وما لا يناله الماء مما لا يمكن زرعه فلا خراج عليه) لأن الخراج أجرة الأرض وما لا منفعة فيه لا أجرة له، وعنه يجب فيه الخراج إذا كان على صفة
يمكن إحياؤه ليحييه من هو في يده أو يرفع يده عنه فيحييه غيره وينتفع به (مسألة) (فإن أمكن زرعه عاماً بعد عام وجب نصف خراجه في كل عام) لأن نفع هذه الأرض على النصف فكذلك الخراج لكونه في مقابلة النفع (مسألة) (ويجب الخراج على المالك دون المستأجر) لأنه يجب على رقبة الأرض فكان على مالكها كما تجب الفطرة على مالك العبد وعنه أنه على المستأجر كالعشر والأول أصح (مسألة) (والخراج كالدين يحبس به الموسر وينظر المعسر) لأنه أجرة أشبه أجرة المساكن (مسألة) (ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على إجارتها أو رفع يده عنها) من كانت في يده أرض فهو أحق بها بالخراج كالمستأجر وتنتقل إلى وارثه بعده على الوجه الذي كانت في يد موروثه فإن آثر بها أحداً صار الثاني أحق بها، فإن عجز من هي في يده عن عمارتها
стр. 6298
وأداء خراجها أجبر على رفع يده عنها بإجارة أو غيرها ويدفعها إلى من يعمرها ويقوم بخراجها لأن الأرض للمسلمين فلا يجوز تعطيلها عليهم (فصل) ويكره للمسلم أن يشتري من أرض الخراج المزارع لأن في الخراج معنى الذلة وبهذا وردت الأخبار عن عمر ﵁ وغيره ومعنى الشراء ههنا ان يتقبل الأرض بما عليها من خراجها لأن شراء هذه الأرض غير جائز أو يكون على الرواية التي أجازت شراءها لكونه استنقاذا لها فهو كاستنقاذ الأسير (فصل) ويجوز لصاحب الأرض أن يرشو العامل ليدفع عنه الظلم في خراجه لأنه يتوصل بماله إلى كف اليد العادية عنه ولا يجوز له ذلك ليدفع له شيئاً من خراجه لأنه رشوة لابطال حق فحرمت على الآخذ والمعطي كرشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق (مسألة) (وإن رأى الإمام المصلحة في إسقاط الخراج أو تخفيفه عن إنسان جاز لانه فيئ فكان النظر فيه إلى الإمام) ولأنه لو أخذ الخراج وصار في يده جاز له أن يخص به شخصاً إذا رأى المصلحة فيه فجاز له تركه بطريق الأولى
стр. 6299
باب الفيئ وهو ما أخذ من مال المشركين بغير قتال كالجزية والخراج والعشر وما تركوه فزعا وخمس الغنيمة ومال من مات لا وارث له فهو معروف في مصالح المسلمين لهم كلهم فيه حق غنيهم وفقيرهم إلا العبيد هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وذكر أحمد ﵀ الفيئ فقال فيه حق لكل المسلمين وهو بين الغني والفقير وقال عمر ﵁ ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد ليس لهم فيه شئ وقرأ عمر (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى - حتى بلغ - والذين جاءوا من بعدهم) فقل استوعبت المسلمين عامة ولان عشت ليأتين الراعي بستر وحمير نصيبه منها لم تعرق فيه جبينه وذكر القاضي أن الفيئ مختص بأهل الجهاد من المرابطين في الثغور وجند المسلمين ومن يقوم بمصالحهم لأن ذلك كان للنبي ﷺ في حياته لحصول النصرة والمصلحة به فلما مات صارت مختصة بالجند ومن يحتاج إليه المسلمون فصار لهم ذلك دون غيرهم فأما الأعراب ونحوهم ممن لا يعد نفسه للجهاد فلا حق لهم فيه والذين يعرضون إذا نشطوا يعطون من سهم سبيل الله من الصدقة قال القاضي ومعنى كلام أحمد أنه بين الغني والفقير يعني الذي فيه مصلحة للمسلمين من المجاهدين والقضاة والفقهاء قال ويحتمل أن يكون معنى كلامه أن لجميع المسلمين الانتفاع بذلك المال لكونه يصرف إلى من يعود نفعه إلى جميع المسلمين وكذلك ينتفعون بالعبور على القناطر والجسور المعقودة بذلك المال وبالأنهار
стр. 6300
والطرقات التي أصلحت به وسياق كلام أحمد يدل على أنه غير مختص بالجند وإنما هو معروف في مصالح المسلمين لكن يبدأ بجند المسلمين لأنهم أهم المصالح لكونهم يحفظون المسلمين فيعطون كفاياتهم فما فضل قدم الأهم فالأهم من عمارة الثغور وكفايتها بالكراع والسلاح وما يحتاج إليه ثم الأهم فالأهم من عمارة المساجد والقناطر وإصلاح الطرق وكراء الأنهار وسد بثوقها وأرزاق القضاه والأئمة والمؤذنين والفقهاء وما يحتاج إليه المسلمون وكلما يعود نفعه على المسلمين ثم يقسم ما فضل على المسلمين لما ذكرنا من الآية وقول عمر ﵁ وللشافعي قولان كنحو ما ذكرناه
واستدلوا على أن أربعة أخماس الفيئ كان لرسول الله ﷺ في حياته بما روى مالك بن أوس بن الحدثان قال سمعت عمر بن الخطاب والعباس وعليا يختصمان إليه في أموال النبي ﷺ فقال عمر كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول ﷺ خالصاً دون المسلمين وكان رسول الله ﷺ ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل جعله في الكراع والسلاح ثم توفي رسول الله ﷺ فوليها أبو بكر بمثل ماوليها رسول الله ﷺ ثم وليتها بمثل ماوليها رسول الله ﷺ وأبو بكر متفق عليه إلا أن فيه فيجعل ما بقي أسوة المال قال شيخنا وظاهر أخبار عمر تدل على أن لجميع المسلمين في الفيئ حقاً وهو ظاهر الآية فانه لما قرأ الآية التي في سورة الحشر قال هذه استوعبت جميع المسلمين وقال ما أحد إلا له في هذا المال نصيب فأما أموال
стр. 6301
بني النضير فيحتمل أن النبي ﷺ كان ينفق منها على أهله لأن ذلك من أهم المصالح فبدأ بهم ثم جعل باقيه أسوة المال ويحتمل أن تكون أموال بني النضير اختص بها رسول الله ﷺ من الفيئ وترك سائرة لمن سمي في الآية وهذا مبين في قول عمر كانت لرسول الله ﷺ خالصاً دون المسلمين (مسألة) (ولا يخمس وقال الخرقي يخمس فيصرف خمسه إلى أهل الخمس وباقيه في المصالح) ظاهر المذهب أن الفيئ لا يخمس نقلها أبو طالب فقال إنما تخمس الغنيمة وعنه يخمس كما تخمس الغنيمة اختارها الخرقي وهو قول الشافعي لقول الله تعالى (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فظاهر هذا أن جميعه لهؤلاء وهو أهل الخمس وجاءت الأخبار دالة على اشتراك جميع المسلمين فيه عن عمر ﵁ مستدلاً بالآيات التي بعدها فوجب الجمع بينهما كيلا تتناقض الآية والاخبار وتتعارض وفي إيجاب الخمس فيه جمع بينهما وتوقيف فإن خمسه لمن سمي في الآية وسائره يصرف إلى ما ذكر في الآيتين الآخيرتين والأخبار وقد روى البراء بن عازب قال لقيت خالي ومعه الراية فقلت إلى أين؟ قال بعثني رسول الله ﷺ الى رجل عرس بامرأة أبيه أن أضرب عنقه وأخمس ماله والرواية الأولى هي
المشهورة قال القاضي لم أجد بما قال الخرقي من أن الفيئ مخموس نصاً فأحكيه وإنما نص على أنه غير
стр. 6302
مخموس وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر لانحفظ عن أحد قبل الشافعي في أن في الفيئ خمساً كخمس الغنيمة والدليل على ذلك قوله تعالى (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) الآيات إلى قوله (والذين جاءوا من بعدهم) فجعله كله لهم ولم يذكر خمساً ولما قرأ عمر هذه الآية قال هذه استوعبت جميع المسلمين (فصل) فان قلنا إنه يخمس صرف خمسه إلى أهل الخمس في الغنيمة عند من يرى تخميس الفيئ من أصحابنا وأصحاب الشافعي وحكمهما واحد لااختلاف بينهم في هذا لأنه في معنى خمس الغنيمة ثم يصرف الباقي في مصالح المسلمين على ما ذكرنا ويبدأ بالأهم فالأهم من سد الثغور وأرزاق الجند ونحو ذلك.
(مسألة) (فإن فضل منه فضلة قسمه بين المسلمين ويبدأ بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ .
ينبغي أن يبدأ في القسمة بالمهاجرين ويقدم الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ لما روى أبو هريرة قال قدمت على عمر ﵁ ثمانمائة ألف درهم فلما أصبح أرسل إلى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم قد جاء الناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الإسلام أشيروا علي بمن أبدأ؟ قالوا بك يا أمير المؤمنين إنك ولي ذلك قال لا ولكن أبدأ برسول الله ﷺ الاقرب فالاقرب
стр. 6303
فوضع الديوان على ذلك وينبغي للإمام أن يضع ديوانا يكتب فيه أسماء المقاتلة وقدر أرزاقهم ويجعل لكل طائفة عريفاً يقوم بأمرهم ويجمعهم وقت العطاء ووقت الغزو لأنه يروى أن النبي ﷺ جعل عام خيبر على كل عشرة عريفاً ويجعل العطاء في كل عام مرة أو مرتين ولا يجعل في أقل من ذلك لئلا يشغلهم عن الغزو ويبدأ ببني هاشم لأنهم أقارب رسول الله ﷺ لما ذكرنا من خبر عمر ثم ببني المطلب لقول رسول الله ﷺ (انما بنوا هاشم وبنوا المطلب شئ واحد) وشبك بين أصابعه ثم ببني عبد شمس لأنه أخو هاشم لأبيه وأمه ثم بني نوفل لأنه أخو هاشم لأبيه ثم يعطي بني عبد الدار
وعبد العزى ويقدم عبد العزى لأن فيهم أصهار رسول الله ﷺ فإن خديجة منهم وعلى هذا يعطى الأقرب فالأقرب حتى تنقضي قريش وهم بنو النضر بن كنانة وقيل بنو فهر بن مالك (مسألة) (ثم الأنصار ثم سائر المسلمين وهل يفاضل بينهم؟ على روايتين) .
يقدم الأنصار بعد قريش لفضلهم وسابقتهم وآثارهم الجميلة ثم سائر العرب ثم العجم والموالي فإن استوى اثنان في الدرجة قدم أسنهما ثم أقدمهما هجرة وسابقة ويخص في كل ذا الحاجة.
(فصل) واختلف الخلفاء الراشدون ﵃ في قسم الفئ بين أهله فذهب ابو بكر ﵁ إلى التسوية بينهم وهو المشهور عن علي ﵁ فروي أن أبا بكر سوى بين الناس في العطاء وأدخل فيه العبيد فقال له عمر يا خليفة رسول الله ﷺ أتجعل الذين جاهدوا في سبيل
стр. 6304
الله بأموالهم وأنفسهم وهجروا ديارهم له كمن إنما دخلوا في الإسلام كرهاً؟ فقال أبو بكر إنما عملوا لله وإنما أجورهم على الله وانما الدنيا بلاغ فلما ولي عمر ﵁ فاضل بينهم وأخرج العبيد فلما ولي علي ﵁ سوى بينهم وأخرج العبيد وذكر عن عثمان ﵁ أنه فضل بينهم في القسمة فعلى هذا مذهب اثنين منهم أبي بكر وعلي التسوية ومذهب اثنين عمر وعثمان التفضيل وقد روي عن أحمد ﵀ فروى عنه الحسن بن (علي) بن الحسن أنه قال للإمام أن يفضل قوماً على قوم لأن عمر قسم بينهم على السوابق وقال لا أجعل من قاتل على الإسلام كمن قوتل عليه، ولأن النبي ﷺ قسم النفل بين أهله متفاضلاً على قدر غنائهم وهذا في معناه وروي عنه أنه لا يجوز التفضيل قال أبو بكر اختار أبو عبد الله أن لا يفضلوا وهو قول الشافعي لما ذكرنا من فعل أبي بكر ﵁ قال الشافعي إني رأيت أنه قسم المواريث على العدد يكون الأخوة متفاضلين في الغناء عن الميت والصلة في الحياة والحفظ بعد الموت فلا يفضلون وقسم رسول الله ﷺ أربعة أخماس الغنيمة على العدد ومنهم من يغني غاية الغناء ويكون الفتح على يديه ومنهم من يكون محضره إما غير نافع وإما ضرر ابا لجبن والهزيمة وذلك إنهم استووا في سبب الاستحقاق وهو انتصابهم للجهاد فصاروا كالغانمين، قال شيخنا والصحيح إن شاء الله أن ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام يفعل ما يراه
من تسوية وتفضيل لما ذكرنا من فعل النبي ﷺ في الأنفال وهذا في معناه وقد روي عن عمر ﵁ أنه فرض للمهاجرين من أهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ولأهل بدر من الأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف وفرض لأهل الحديبية ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ولاهل الفتح ألفين ألفين.
(فصل) قال القاضي ويتعرف قدر حاجة أهل العطاء وكفايتهم ويزيد ذا الولد من أجل ولده
стр. 6305
وذا الفرس من أجل فرسه وإن كان له عبيد في مصالح الحرب حسبت مؤنتهم في كفايتهم وإن كانوا لزينة أو تجارة لم تحسب مؤنتهم وينظر في أسعارهم في بلدانهم لأن أسعار البلاد تختلف والغرض الكفاية ولهذا تعتبر الذرية والولد فيختلف عطاؤهم لاختلاف ذلك وإن كانوا سواء في الكفاية لا يفضل بعضهم على بعض وإنما تتفاضل كفايتهم ويعطون قدر كفايتهم في كل عام مرة وهذا والله أعلم على قول من رأى التسوية، فأما من رأى التفضيل فإنه يفضل أهل السوابق والغناء في الإسلام على غيرهم بحسب ما يراه كما فعل عمر ﵁ ولم يقدر ذلك بالكفاية والعطاء الواجب لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال ويكون عاقلاً حراً بصيراً صحيحاً ليس به مرض يمنعه القتال فإن مرض الصحيح مرضاً غير مرجو الزوال كالزمانة ونحوها خرج من المقاتلة وسقط سهمه فإن كان مرضاً مرجو الزوال كالحمى والصداع والبرسام لم يسقط عطاؤه لأنه في حكم الصحيح ولذلك لا يستنيب في الحج كالصحيح.
(مسألة) (ومن مات بعد حلول وقت العطاء دفع إلى ورثته حقه لأنه مات بعد الاستحقاق فانتقل حقه إلى وارثه كسائر الموروثات) (مسألة) (ومن مات من أجناد المسلمين دفع إلى امرأته وأولاده الصغار ما يكفيهم) لان فيه تطييب قلوب المجاهدين فمتى علموا أن عيالهم يكفون المؤنة بعد موتهم توفروا على
следующие страницы →