← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

(باب التدبير) وهو تعليق العتق بالموت وسمي تدبيراً لأن الوفاة دبر الحياة يقال دابر الرجل يدابر مدابرة إذا مات فسمي العتق بعد الموت تدبيراً والأصل فيه السنة والإجماع أما السنة فما روى جابر أن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر فاحتاج فقال رسول الله ﷺ (من يشتريه مني؟) فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال (أنت أحوج منه) متفق عليه وقال ابن النمذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن من دبر عبده أو أمته ولم يرجع عن ذلك حتى مات والمدبر يخرج من ثلث ماله بعد قضاء دين إن كان عليه وإنفاذ وصاياه إن كان وصى وكان السيد بالغاً جائز الأمر أنه تجب له لحرية أولها (مسألة) (ويعتبر من الثلث) إنما يعتق المدبر إذا خرج من الثلث في قول أكثر أهل العلم يروي ذلك عن علي وابن عمر وبه قال شريح وابن سيرين والحسن وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري وقتادة وحماد ومالك وأهل المدينة والثوري واهل العراق والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي

стр. 7212

وروى ابن مسعود ومسروق ومجاهد والنخعي وسعيد بن جبير أنه يعتق من رأس المال قياساً على أم الولد وكما لو أعتق في الصحة ولنا أنه تبرع بعد الموت فكان من الثلث كالوصية ويفارق العتق في الصحة فإنه لم يتعلق به حق غير المعتق فنفذ في الجميع كالهبة المنجزة والاستيلاد أقوى من التدبير لأنه ينفذ من المجنون بخلاف التدبير، ونقل حنبل عن أحمد أنه يعتق من رأس المال ولا عمل عليها قال أبو بكر هذا قول قديم رجع عنه إلى ما رواه الجماعة (فصل) فإن اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق لأنه أسبق فإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا لأنهما جميعاً عتق بعد الموت ويحتمل أن يقدم التدبير لأن الحرية تقع فيه عقيب الموت من غير تأخر والوصية تقف على الإعتاق بعده (مسألة) (ويصح من كل من تصح وصيته) لأنه تبرع بالمال بعد الموت أشبه الوصية وقال الخرقي يصح تدبيره إذا جاوز العشر وكان بعرف التدبير وكذلك الجارية إذا جاوزت التسع وقال الشاففي في أحد قوليه يصح تدبير الصبي المميز قال بعض أصحابه هو أصح قوليه وهو إحدى الروايتين عن مالك وروي ذلك عن شريح وعبد الله بن عتبة وقال الحسن وابو حنيفة لا يصح تدبيره وهو إحدى الروايتين عن مالك والقول الثاني للشافعي لأنه لا يصح اعتاقه فلم يصح تدبيره كالمجنون

стр. 7213

ولنا أن عمر ﵁ أجاز وصية غلام من الانصار لاخواله من غسان بأرض يقال لها بئر جشم قومت ثلاثين ألفاً رواه سعيد بن منصور وكان الغلام ابن عشر سنين وروي اثنتي عشرة ولم يعرف له مخالف والتدبير في معنى الوصية وقد ذكرنا ذلك في كتاب الوصايا ويخالف التدبير العتق في الحياة لأن فيه تفويتاً لماله في حياته ووقت حاجته والوصية والتدبير لا ضرر عليه فيهما فإنه إن عاش لم يذهب شئ من ماله وإن مات فهو غير مستغن عن الثواب فيكون ذلك زيادة في رفع درجته وإنما خص الخرقي ابن عشر سنين لأنه يؤمر بالصلاة والجارية بتسع لقول عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة ولأنه سن يمكن بلوغها فيه ويتعلق به أحكام غير ذلك فأما المجنون فلا يصح شئ من تصرفاته فلذلك لم يصح تدبيره ويصح تدبير المحجور عليه للسفه لما ذكرنا في الصبي بل هو أولى بالصحة من الصبي لأنه مكلف وحاجته إلى الثواب أكثر من حاجة الصبي وصحة تدبير السكران مبنية على صحة وصيته وقد ذكرناه وكل من صح تدبيره فهو كالمكلف في صحة رجوعه قياسا علته (فصل) ويصح تدبير الكافر ذمياً كان أو حربياً في دار الإسلام وغيرها لأن له ملكاً صحيحاً فصح تصرفه فيه كالمسلم فإن قيل لو كان ملكه صحيحاً لم يملك عليه بغير اختياره قلنا هذا لا ينافي الملك بدليل أنه يملك في النكاح وتملك عليه زوجته بغير اختياره، وحكم تدبيره حكم تدبير المسلم على ما نذكره

стр. 7214

(مسألة) وصريحه لفظ العتق والحرية المعلقين بالموت كقوله أنت حر أو عتيق أو معتق أو محرر بعد موتي فيصير بذلك مدبراً بلا خلاف نعلمه) وكذلك إن قال أنت مدبر أو قد دبرتك فإنه يصير مدبراً بمجرد اللفظ وإن لم ينوه هذا منصوص الشافعي وقال أصحابه فيه قول آخر إنه ليس بصريح يفتقر إلى النية لأنهما لفظان لم يكثر استعمالهما فافتقرا إلى النية كالكنايات ولنا أنهما لفظان وضعا لهذا العقد فلم يفتقر إلى النية كالبيع بخلاف الكنايات فإنها غير موضوعة له ويشاركها فيه غيرها فافتقرت إلى النية للتعيين وترجيح أحد المحتملين بخلاف الموضوع فإنه لا يفتقر إلى النية كلفظ العتق (مسألة) (ويصح مطلقاً ومقيداً) فالمطلق تعليق العتق بالموت من غير شرط آخر والمقيد ضربان أحدهما خاص مثل أن يقول إن مت من مرضي هذا أو في بلدي هذا أو في عامي هذا فأنت حر فهذا جائز على ما قال إن مات على الصفة التي شرطها عتق العبد وإلا فلا وقال مهنا سألت أحمد عمن قال لعبده أنت مدبر قال يكون مدبراً ذلك اليوم فإن مات في ذلك اليوم صار حراً يعني إذا مات السيد (الثاني) أن يعلق التدبير على صفة مثل أن يقول إن دخلت الدار فلت مدبر أو إن قدم زيد أو إن شفى الله مريضي فأنت حر بعد موتي فهذا لا يصير مدبراً في الحال لأنه علق التدبير على شرط

стр. 7215

فإذا وجد صار مدبراً وعتق بموت سيده وإن لم يوجد في حياة السيد ووجد بعد موته لم يعتق لأن إطلاق الشرط يقتضي وجوده في الحياة بدليل ما لو علق عليه عتقاً منجزاً فقال إذا دخلت الدار فأنت حر فدخلها بعد موته لم يعتق ولان المدير من علق عتقه بالموت وهذا قبل الموت لم يكن مدبراً وبعد الموت لا يمكن حدوت التدبير فيه (فصل) فإن قال لعبد إذا قرأت القرآن فأنت حر بعد موتي فقرأ القرآن جميعه صار مدبراً وإن قرأ بعضه لم يصر مدبراً، وإن قال إذا قرأت قرآنا فأنت حر بعد موتي فقرأ بعض القرآن صار مدبراً لأنه في الأولى عرفه بالألف واللام المقتضية للاستغراق فعاد إلى جميعه وههنا نكره فاقتضى بعضه فإن قيل فقد قال الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم - وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) ولم يرد القرآن جميعه قلنا قضية اللفظ تتناول جميعه لأن الألف واللام للاستغراق وإنما حمل على بعضه بدليل فلا يحمل على البعض في غير ذلك الموضع بغير دليل ولأن قرينة الحال تقتضي قراءة جميعه لأن الظاهر أنه أراد ترغيبه في قراءة القرآن فتتعلق الحرية به أو مجازاته على قراءته بالحرية والظاهر أنه لا يجازي بهذا لامر الكثير ولا يرغب به إلا فيما يشق اما قراءة آية أو آيتين فلا (مسألة) (وإن قال متى شئت فأنت مدبر أو أنت حر بعد موتي أو إذا شئت أو أي وقت شئت فهو تدبير بصفة فمتى شاء في حياة سيده صار مدبراً يعتق بموته) لأن المشيئة هنا على التراخي فمتى وجدت المشيئة وجد الشرط فهو كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي فدخلها في حياة السيد وإن مات السيد قبل مشيئته بطلت الصفة كما لو مات في

стр. 7216

في المسألة الأخرى قبل دخول الدار وإن قال متى شئت بعد موتي فأنت حر أو أي وقت شئت بعد موتي فهو تعليق للعتق على صفة بعد الموت وقد ذكرنا أنه لا يصح، وقال القاضي يصح فعلى قوله يكون ذلك التراخي فمتى شاء بعد موت سيده عتق وما كسب قبل مشيئته فهو لورثة سيده لأنه عبد قبل ذلك بخلاف الموصى به فإن في كسبه قبل القبول وجهين (أحدهما) يكون للموصي له لأنا تبينا ملكه حين الموت وههنا لا يثبت الملك قبل المشيئة وجهاً واحداً لأنه عتق معلق على شرط فلا يثبت العتق قبل الشرط وجهاً واحداً (مسألة) (وإن قال إن شئت فأنت مدبر فقياس المذهب أنه على التراخي كقوله متى شئت) وقال أبو الخطاب أن شاء في المجلس صار مدبراً وإلا فلا وكذلك قال القاضي في قوله إذا شئت وإن شئت فأنت حر بعد موتي على أنه على الفور إن شاء في المجلس صار مدبراً وإلا بطلت الصفة ولم يصر مدبراً بالمشيئة بعده بناء على قوله اختاري نفسك فإنه يقف على المجلس وهذا في معناه، وإن قال إن شئت بعد موتي أو إذا شئت بعد موتي فأنت حر كان على الفور أيضاً فمتى شاء عقيب موت سيده أو في المجلس صار حراً وإن تراخت مشيئته عن المجلس لم يثبت فيه حرية وذكر في الطلاق أنه إذا قال أنت طالق إن شئت وشاء أبوك فشاءا معاً وقع الطلاق سواء شاء على الفور أو التراخي أو شاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي وهذا مثله فيخرج في كل مسألة مثل ما ذكره في الآخرى

стр. 7217

(فصل) وإذا قال لعبده إذا مت فأنت حر أولا؟ أو قال فأنت حر؟ أو لست بحر؟ لم يصر مدبراً لأنه استفهام ولم يقطع بالعتق فهو كما لو قال لزوجته أنت طالق أولا؟ وسنذكر ذلك في الطلاق (مسألة) (وإذا قال قد رجعت في تدبيري أو أبطلته لم يبطل لأنه تعليق للعتق بصفة وعنه أنه يبطل كالوصية) اختلفت الرواية عن أحمد في بطلان التدبير بالرجوع فيه قولاً فالصحيح أنه لا يبطل لأنه علق العتق بصفة فلا يبطل كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر (والثانية) يبطل لأنه جعل له نفسه بعد موته فكان ذلك وصية فجاز الرجوع فيه بالقول كما لو وصى له بعبد آخر وهو قول الشافعي القديم وقوله الجديد كالرواية الأولى وهو الصحيح كتعليقه بصفة في الحياة ولا يصح القول بأنه وصيه به لنفسه لأنه لا يملك نفسه وإنما تحصل فيه الحرية ويسقط عنه الرق ولهذا لا تقف الحرية على قبوله واختياره وتنجز عقيب الموت كتنجيزها عقيب سائر الشروط ولأنه غير ممتنع أن يجمع الامرين فيثبت فيه حكم التعليق في امتناع الرجوع ويجتمعان في حصول العتق بالموت.

стр. 7218

(فصل) إذا قال السيد لمدبره إذا أديت إلى ورثتي كذا فأنت حر فهو رجوع عن التدبير وينبني على الروايتين إن قلنا إن له الرجوع بالقول بطل التدبير وإن قلنا ليس له الرجوع لم يؤثر هذا القول شيئاً، وإن دبره كله ثم رجع في نصفه صح إذا قلنا بصحة الرجوع في جميعه لأنه لما صح أن يدبر نصفه ابتداء صح أن يرجع في تدبير نصفه وإن غير التدبير فكان مطلقاً فجعله مقيداً إن قلنا يصح الرجوع وإلا فلا فإن كان مقيداً فأطلقه صح على كل حال لأنه زيادة فلا يمنع منها وإذا دبر الأخرس وكانت إشارته أو كتابته معلومة صح تدبيره ويصح رجوعه ان قلنا بصحة الرجوع في التدبير لإن إشارته وكتابته تقوم مقام نطق الناطق في أحكامه وإن دبر وهو ناطق ثم خرس صح رجوعه باشارته المعلومة أو كتابته وإن لم تفهم إشارته فلا عبرة بها لأنه لا يعلم رجوعه (فصل) وإذا رهن المدبر لم يبطل تدبيره لأنه تعليق للعتق بصفة فإن مات السيد وهو رهن عتق وأخذ من تركته قيمته فتكون رهناً مكانه لأن عتقه بسبب من جهة سيده فأشبه ما لو باشره بالعتق ناجزاً. (فصل) وإن ارتد المدبر ولحق بدار الحرب لم يبطل تدبيره لأن ملك سيده باق عليه ويصح تصرفه فيه بالعتق والهبة والبيع إن كان مقدوراً عليه فإن سباه المسلمون لم يملكوه لأنه مملوك لمعصوم ويرد إلى سيده إن علم به قبل قسمه ويستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن لم يعلم به حتى قسم لم يرده

стр. 7219

إلى سيده في أحدى الروايتين والأخرى إن اختار سيده أخذه بالثمن الذي حسب به على آخذه أخذه وإن لم يختر أخذه بطل تدبيره ومتى عاد إلى سيده بوجه من الوجوه عاد تدبيره وإن لم يعد إلى سيده بطل تدبير كما لو بيع وكان رقيقاً لمن هو في يده وإن مات سيده قبل سبيه عتق فإن سبي بعد هذا لم يرد إلى ورثة سيده لأن ملكه زال عنه بحريته فصار كأحرار دار الحرب ولكن يستتاب فإن تاب وأسلم صار رقيقاً يقسم بين الغانمين وإن لم يتب قتل ولم يجز استرقاقه لأنه لا يقر على كفره. وقال القاضي لا يجوز استرقاقه إذا أسلم. وهو قول للشافعي لأن في استرقاقه إبطال ولاء المسلم الذي أعتقه ولنا أن هذا لا يمنع قتله وإذهاب نفسه وولائه لا يمنع تملكه أولى ولأن المملوك الذي لم يعتقه سيده يثبت الملك فيه للغانمين إذا لم يعرف مالكه بعينه ويثبت فيه إذا قسم قبل العلم بمالكه والملك آكد من الولاء فلأن يثبت مع الولاء وحده أولى فعلى هذا لو كان المدبر ذمياً فلحق بدار الحرب ثم مات سيده أو أعتقه ثم قدر عليه المسلمون فسبوه ملكوه وقسموه، وعلى قول القاضي وقول الشافعي لا يملكوه فإن كان سيده ذمياً جاز استرقاقه في قول القاضي ولأصحاب الشافعي في استرقاقه وجهان: (أحدهما) يجوز وهذا حجة عليهم لأن عصمة مال الذمي كعصمة مال المسلم بدليل قطع سارقه سواء كان مسلماً أو ذمياً ووجوب ضمانه وتحريم تملك ماله إذا أخذه الكفار ثم قدر عليه المسلمون

стр. 7220

فأدركه صاحبه قبل قسمه قال القاضي الفرق بينهما أن سيده ههنا لو لحق بدار الحرب جاز تملكه فجاز تملك عتيقه بخلاف المسلم قلنا إنما جاز استرقاق سيده لزوال عصمته وذهاب عاصمه وهو ذمته وعهده وأما إذا ارتد مدبره فإن عصمة ولائه ثابته بعصمة من له ولاؤه وهو والمسلم في ذلك سواء فإذا جاز إبطال أحدهما جاز في الآخر مثله (فصل) فإن ارتد سيد المدبر فذكر القاضي أن المذهب أنه يكون موقوفاً فإن عاد إلى الإسلام فالتدبير باق بحاله وإلا تبينا أن ملكه لم يزل وإن قتل أو مات على ردته لم يعتق المدبر لأنا تبينا أن ملكه زال بردته وقال أبو بكر قياس قول أبي عبد الله أن تدبيره يبطل بالردة فإن عاد إلى الإسلام استأنف التدبير وقال الشافعي التدبير باق ويعتق بموت سيده لأن تدبيره سبق ردته؟ فهو كبيعه وهبته قبل ارتداده وهذا ينبني على القول في مال المرتد هل هو باق على ملكه أو قد زال بردته، وسيذكر في باب المرتد، فأما إن دبر في حال ردته فتدبيره مراعى، وإن عاد إلى الإسلام تبينا أن تدبيره وقع صحيحاً وإن قتل أو مات تبينا أنه وقع باطلاً ولم يعتق المدبر، وقال ابن أبي موسى تدبيره باطل وهو قول أبي بكر لأن المال يزول بالردة وإذا أسلم رد إليه تملكاً مستأنفاً (مسألة) (وله بيع المدبر وهبته وإن عاد إليه عاد التدبير وعنه لا يباع إلا في الدين وعنه لاتباع الأمة خاصة) اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في بيع المدبر فنقل عنه جماعة جواز بيعه مطلقاً في الدين

стр. 7221

وغيره مع الحاجة وعدمها قال اسماعيل بن سعد سألت أحمد عن بيع المدبر إذا كان بالرجل حاجة إلى ثمنه فقال له أن يبيعه محتاجاً كان أو غير محتاج قال شيخنا وهذا هو الصحيح. وروي مثل هذا عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد وهو قول الشافعي وكره بيعه ابن عمر وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وابن سيرين والزهري والثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي ومالك لأن ابن عمر روي أن النبي ﷺ قال (لا يباع المدبر ولا يشتري) ولأنه استحق العتق بموت سيده أشبه أم الولد؟ ولنا ما روى جابر أن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر فاحتاج فقال رسول الله ﷺ (من يشتريه مني؟) فباعه من نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه وقال (أنت أحوج منه) متفق عليه قال جابر عبد قبطي مات عام أول في إمارة بن الزبير قال أبو إسحاق الجوزجاني صحت أحاديث بيع لمدبر ستقامة الطرق والخبر إذا ثبت استغني به عن غيره من رأي الناس ولأنه عتق بصفة ثبت بقول المعتق فلم يمنع البيع كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر ولأنه تبرع بمال بعد الموت فلم يمنع البيع في الحياة كالوصية قال أحمد هم يقولون من قال غلامي حر رأس الشهر فله بيعه قبل رأس الشهر فإن قال غداً فله بيعه اليوم وإن قال إذا مت قال لا يبيعه فالموت أكثر من الاجل ليس هذا قياساً إن جاز أن يبيعه قبل رأس الشهر فله أن يبيعه قبل محئ الموت وهم يقولون في من قال إن مت

стр. 7222

من مرضي هذا فعبدي حر ثم لم يمت من مرضه ذلك فليس بشئ فإن قال إن مت فهو حر لا يباع هذا متناقض إنما أصله الوصية من الثلث فله أن يغير وصيته ما دام حياً فأما خبرهم فلم يصح عن النبي ﷺ إنما هو من قول ابن عمر قال الطحاوي هو عن ابن عمر وليس بمسند عن رسول الله ﷺ ويحتمل أنه أراد بعد الموت أو على الاستحباب ولا يصح قياسه على أم الولد لأن عتقها ثبت بغير اختيار سيدها وليس بتبرع ويكون من جميع المال ولا يمكن إبطاله بحال والتدبير بخلافه والهبة كالبيع لأنها تمليك في الحياة فأشبهت البيع وروي عنه رواية ثانية أنه لا يباع إلا في الدين وهو ظاهر كلام الخرقي وقال مالك لا يباع إلا في دين يغلب رقبة العبد فإذا كان العبد يساوي ألفاً وكان عليه خمسمائة لم يبع وروي عن أحمد أنه قال أنا أرى بيع المدبر في الدين وإذا كان فقيراً لا يملك شيئاً رأيت أن أبيعه لأن النبي ﷺ باع المدبر لما علم أن صاحبه لا يملك شيئاً غيره، باعه النبي ﷺ لما علم من حاجته وهذا قول إسحاق وأبي أيوب وأبي خيثمة وقال إن باعه من غير حاجة أجزناه وهذا مثل الرواية الأولى. ووجه قول الخرقي والرواية التي قال أحمد أنه يرى بيعه في الدين وإذا كان صاحبه فقيراً لا يملك غيره حديث جابر المذكور فإن النبي ﷺ إنما باع المدبر عند الحاجة فلا يتجاوز به موضع الحاجة وعن أحمد رواية رابعة أن الأمة لا تباع خاصة قال شيخنا لا نعلم هذا

стр. 7223

التفريق بين المدبر والمدبرة عن غير إمامنا ﵀ وإنما احتاط في رواية المنع من بيعها لأن فيه إباحة فرجها وتسليط مشتريها على وطئها مع الخلاف في بيعها وحلها فكرة الإقدام على ذلك مع الاختلاف فيه والظاهر أن المنع منه كان على سبيل الورع لا على التحريم فإنه إنما قال لا يعجبني بيعها والصحيح جواز بيعها فإن عائشة باعت مدبرة لها سحرتها ولأن المدبرة في معنى المدبر فما ثبت فيه ثبت فيها (مسألة) (وإن عاد إليه عاد التدبير) لأنه علق عتقه بصفة فإذا باعه ثم عاد إليه عادت الصفة كما لو قال أنت حر إن دخلت الدار فباعه ثم اشتراه وذكر القاضي أن هذا مبني على أن التدبير تعليق بصفة وفيه رواية أخرى أنه وصية فيبطل بالبيع ولا يعود لأنه لو وصى بشئ ثم باعه بطلت الوصية ولم تعد بشرائه وهذا مذهب الشافعي إلا أن عود الصفة بعد الشراء له فيه قولان والصحيح أن الصفة تعود بعوده إلى ملكه لأن التدبير وجد فيه التعليق بصفة فلا يزول حكم التعليق بوجود معنى الوصية فيه بل هو جامع لأمرين وغير ممتنع وجود الحكم بسببين فيثبث حكمهما فيه (مسألة) (وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها فهو بمنزلتها ولا يتبعها ولدها من قبل التدبير) وجملة ذلك أن الولد الحادث من المدبرة بعد تدبيرها لا يخلو من حالين (أحدهما) أن يكون موجوداً حال تدبيرها ويعلم ذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من حين التدبير فهذا يدخل معها في

стр. 7224

التدبير بغير خلاف لأنه كعضور من أعضائها فإن بطل التدبير في الأم لبيع أو موت أو رجوع بالقول لم يبطل في الولد لأنه ثبت أصلاً (الحال الثاني) أن تحمل به بعد التدبير فهذا يتبع أمه في التدبير ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري والحمن ابن صالح وأصحاب الرأي وذكر القاضي أن حنبلاً نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشرط المولى قال فظاهر هذا أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها وهذا قول جابر بن زيد وعطاء وللشافعي قولان كالمذهبين (أحدهما) لا يتبعها وهو اختيار المزني لأن عتقها يتعلق بصفة ثبت بقول المعتق وحده فأشبهت من عاق عتقها بدخول الدار قال جابر بن زيد إنما هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت فإن ثمرته لك ما عشت ولأن التدبير وصية وولد الموصى بها قبل الموت لسيدها ولنا ما روي عن عمر وابن عمر وجابر أنهم قالوا ولد المدبرة بمنزلتها ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفاً فكان أجماعاً ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها فيتبعها ولدها كأم الولد ويفارق التعليق بصفة في الحياة والوصية لأن التدبير آكد من كل واحد منهما لأنه اجتمع فيه الأحرار وما وجد فيه سببان آكد مما وجد فيه أحدهما ولذلك لا يبطل بالموت ولا بالرجوع عنه فعلى هذا إن بطل التدبير في الأم لمعنى اختص بها من بيع أو موت أو رجوع لم يبطل في ولدها ويعتق بموت سيدها كما لو كانت

стр. 7225

أمه باقية على التدبير فإن لم يتسع الثلث لهما جميعاً أقرع بينهما قايهما خرجت القرعة له عتق إن احتمله الثلث وإلا عتق منه بقدر الثلث وإن فضل من الثلث بعد عتقه شئ كمل من الآخر كما لو دبر عبداً أو أمة معاً فأما الولد الذي وجد قبل التدبير فلا يتبعها فإنه لا يتبع في العتق المنجز ولا في حكم الاستيلاد ولا في الكتابة فان لا يتبع في التدبير أولى قال الميموني قلت لأحمد ما كان من ولد المدبرة قبل أن تدبر قال لا يتبعها من ولدها ما كان قبل ذلك إنما يتبعها ما كان بعد ما دبرت وذكر أبو الخطاب رواية أخرى أنه يتبعها في التدبير كالموجود بعده لأن حنبلاً قال سمعت عمي يقول في الرجل يدبر الجارية ولها ولد قال ولدها معها قال شيخنا وهذا بعيد والظاهر أن أحمد إنما أراد ولدها بعد التدبير على ما صرح به في غير هذه الرواية فإن ولدها لا يتبعها في شئ من الأسباب التي تنقل الملك في الرقبة من البيع والهبة والوقف ولا يتبعها في الاستيلاد الذي هو آكد من التدبير فإن لا يتبعها في التدبير أولى (فصل) فأما ولد المدبر فحكمه حكم أمه بغير خلاف علمناه وهو قول ابن عمر وعطاء والزهري والاوزاعي والليث لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية فان تسرى المدبر بإذن سيده فولد له فروي عن أحمد أنهم يتبعونه في التدبير وروي ذلك عن مالك وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن اباحة التسري تبنى على ثبوت الملك وولد الحر من امته يتبعه في الحرية دون أمه كذلك ولد المدبر

стр. 7226

امته يتبعه دونها ولانه ولد من يستحق الحرية من أمته فيتبعه في ذلك كولد المكاتب من أمته (فصل) وإذا ولدت المدبرة فرجع في تدبيرها وقلنا بصحة الرجوع لم يتبعها ولدها لأن الولد المنفصل لا يتبع في الحرية ولا في التدبير ففي الرجوع أولى فإن رجع في تدبيرهما جاز كما لو دبرها وابنه المنفصل وإن دبرها حاملاً ثم رجع في تدبيرها حال حملها لم يتبعها الولد في الرجوع لأن التدبير إعتاق والإعتاق مبني على التغليب والسراية والرجوع عنه بعكس ذلك فلم يتبع الولد فيه وهذا كما لو ولد له توأمان فأقر بأحدهما لحقاه جميعاً وإن نفى أحدهما لم ينتف الآخر وإن رجع في أحدهما دون الآخر جاز وإن دبر الولد دون أمه أو الأم دون ولدها جاز لأنه يجوز أن يعتق كل واحد منهما دون صاحبه فجواز أن يدبر أحدهما دون صاحبه أولى ولأنه تعليق العتق بصفة فجاز في أحدهما دون الآخر كالتعليق بدخول الدار وإن دبر أمته ثم قال إن دخلت الدار فقد رجعت في تدبيري لم يصح لأن الرجوع لا يصح تعليقه بصفة وإن قال كلما ولدت ولداً فقد رجعت في تدبيره لم يصح لذلك (فصل) إذا اختلفت المدبرة وورثة سيدها في ولدها فقالت ولدتهم بعد تدبيري فعتقوا معي وقال الورثة بل ولدتهم قبل تدبيرك فهم مملوكون لنا فالقول قول الورثة مع إيمانهم لأن الأصل بقاء رقهم وانتفاء الحرية عنهم فإذا لم تكن بينة فالقول قول من يوافق قوله الأصل (فصل) وكسب المدبر في حياة سيده لسيده لم أخذه منه لأن التدبير لا يخرج عن شبهه بالوصية بالعتق أو بالتعليق له على صفة أو بالاستيلاد وكل هؤلاء كسبهم لسيدهم فكذلك المدبر فإن اختلف

стр. 7227

هو وورثة سيده فما بيده بعد عتقه فقال كسبته بعد حريتي وقالوا بل قبلها فالقول قوله لأنه في يده ولم يثبت ملكهم عليه بخلاف الولد فإنه كان رقيقاً لهم فإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه قدمت بينة الورثة عند من يرى تقديم بينة الخارج وبينة المدبر عند من يقدم بينة الداخل فإن أقر المدبر أن ذلك كان في يده في حياة سيده ثم تجدد ملكه عليه بعد موته فالقول قول الوارث لأن الأصل معهم وإن أقام المدبر بينة بدعواه قبلت وتقدم على بينة الورثة إن كانت لهم بينة لأن بينته تشهد بزيادة وإن لم يقر المدبر بأنه كان له في حياة سيده فاقام الورثة بينة به فهل تسمع بينتهم؟ على وجهين (مسألة) (وله إصابة مدبرته فإن أولدها بطل تدبيرها) . يباح وطئ أمته المدبرة، وقد روي عن ابن عمر أنه دبر امتين وكان يطؤهما وممن رأى ذلك ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري ومالك والليث والاوزاعي والشافعي قال أحمد لا أعلم أحداً كره ذلك غير الزهري وحكي عن الأوزاعي أنه كان يقول إن كان يطؤها قبل تدبيرها فلا بأس بوطئها بعده وإن كان لا يطؤها قبله لم يطأها بعد التدبير. ولنا أنها مملوكته لم تشتر نفسها منه فحل له وطؤها لقول الله تعالى (أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) وقياساً على أم الولد.

стр. 7228

(فصل) وابنة المدبرة مثلها في حل وطئها إن لم يكن وطئ أمها وعنه ليس له وطؤها لأن حق الحرية ثبت لها تبعاً أشبه ولد المكاتبة ولنا أن ملك سيدها تام فيها فحل له وطؤها للآية وكأمها واستحقاقها الحرية لا تزيد على استحقاق أمها ولم يمنع ذلك وطأها وأما ولد المكاتبة فألحقت بأمها وأمها يحرم وطؤها فكذلك ابنتها وأم هذه يحل وطؤها فيجب إلحاقها بها وكلام أحمد محمول على أنه وطئ أمها. (فصل) فإن أولدها بطل تدبيرها لأن مقتضي التدبير العتق من الثلث بعد الموت والاستيلاد يقتضي ذلك معه تأكده وقوته فإنها تعتق من رأس المال وإن لم يملك غيرها ولا يمنع الدين عتقها فوجب أن يبطل به التدبير كملك الرقبة إذا طرأ على ملك النكاح أبطله. (مسألة) (وإن كاتب المدبر أو دبر المكاتب جاز) . أما تدبير المكاتب فهو صحيح، لا نعلم فيه خلافاً لأنه تعليق لعتقه بصفة وهو يملك إعتاقه فملك التعليق وإن كان وصية فهو وصية بما ملك وهو الإعتاق وتصح كتابة المدبر، نص عليه أحمد وهو قول ابن مسعود وأبي هريرة والحسن ولفظ حديث أبي هريرة عن مجاهد قال دبرت امرأة من قريش خادماً لها ثم أرادت أن تكاتبه قال فكنت الرسول إلى أبي هريرة فقال كاتبيه فإن أدى كتابته فذاك وإن حدث بك حدث عتق وأراه قال ما كان عليه له، ولأن التدبير إن كان عتقاً بصفة

стр. 7229

لم يمنع الكتابة كالذي علق عتقه بدخول الدار وإن كان وصية لم يمنعها كما لو وصى بعتقه ثم كاتبه ولأن التدبير والكتابة سببان للعتق فلم يمنع أحدهما الآخر كتدبير المكاتب، وذكر القاضي أن التدبير يبطل بالكتابة إذا قلنا هو وصية كما لو وصى به لرجل ثم كاتبه وهذا يخالف ظاهر كلام أحمد وهو غير صحيح في نفسه، ويفارق التدبير الوصية به لرجل، لأن مقصود الكتابة والتدبير لا يتنافيان إذ كان المقصود منهما جميعاً العتق فإذا اجتمعا كانا آكد لحصوله فإنه متى فات عتقه بأحدهما حصل بالآخر وأيهما وجد قبل صاحبه حصل العتق به ومقصود الوصية به والكتابة يتنافيان لأن الكتابة تراد للعتق والوصية تراد لحصول الملك فيه للموصي له ولا يجتمعان. (مسألة) (فإن أدى عتق بالكتابة وبطل التدبير وإن مات سيده قبل الأداء عتق إن حمل الثلث ما بقي من كتابة وبطلت الكتابة وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث وسقط من الكتابة بقدر ما عتق منه وكان على الكتابة فيما بقي. (فصل) ومتى عتق بالتدبير كان ما في يده لسيده لأنه كان له قبل العتق فيكون له بعد العتق كما لو لم يكن مكاتباً وبطلت الكتابة ذكره أصحابنا ومذهب الشافعي أن ما في يده له إذا لم يكن عجز، قال شيخنا وعندي أنه ينبغي أن يعتق ويتبعه ولده وإكسابه لأن السيد لا يملك إبطال كتابته لكونها عقداً لازماً من جهته وإنما يملك اسقاط حقه عليه فأما ما يستحقه المكاتب من أولاده وإكسابه

стр. 7230

فلا يتمكن السيد من أخذه ويصير كما لو أبرأه من مال الكتابة ويحتمل أن يريد بالبطلان زوال العقد دون سقوط احكامه. (مسألة) (وإذا دبر شركا له في عبد لم يسر إلى نصيب شريكه وإن أعتق شريكه سرى إلى المدبر وغرم قيمته لسيده ويحتمل أن يسري في الأول دون الثاني) . وجملة ذلك أنه إذا دبر أحد الشريكين نصيبه لم يسر التدبير إلى نصيب شريكه موسراً كان أو معسراً، وذكر أبو الخطاب وجهاً أنه يسري تدبيره إذا كان موسراً ويقوم عليه نصيب شريكه، وهو قول أبي حنيفة، لأنه استحق العتق بموت سيده فسرى ذلك فيه كالاستيلاد وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا أنه تعليق للعتق بصفة فلم يسر كتعليقه بدخول الدار ويفارق الاستيلاد فإنه آكد ولهذا يعتق من جميع المال ولو قتلت سيدها لم يبطل حكم استيلادها والمدبر بخلاف ذلك فعلى هذا إن مات المدبر عتق نصيبه أن خرج من الثلث وهل يسري إلى نصيب شريكه إن كان موسراً فيه روايتان ذكرناهما في كتاب العتق فإن أعتق الشريك نصيبه قبل موت السيد وهو موسر عتق وسرى إلى نصيب المدبر، وذكر القاضي وابو الخطاب فيه وجهين وللشافعي فيها قولان. (أحدهما) كقولنا (والثاني) لا يسري عنقه وهو قول أبي حنيفة، لأن في المدبر قد انعقد سبب الولاء على العبد فلم يكن للآخر إبطاله.

стр. 7231

ولنا حديث ابن عمر الذي ذكرناه في سراية العتق إلى نصيب الشريك إذا كان موسراً ولأنه إذا سرى إلى إبطال الملك الذي هو آكد من الولاء فالولاء أولى وما ذكروه لا أصل له ويبطل بما إذا علق عتق نصيبه بصفة. (فصل) إذا دبر كل واحد من الشريكين نصيبه فمات أحدهما عتق نصيبه وبقي نصيب الآخر على التدبير إن لم يف ثلثه بقيمة حصة شريكه وإن كان يفي به فهل يسري؟ على روايتين ذكرناهما وإن قال كل واحد منهما إذا متنا فأنت حر فقال أبو بكر قال أحمد إذا مات أحدهما فنصيبه حر فظاهر هذا أن أحمد جعل هذا اللفظ تدبيراً من كل واحد منهما لنصيبه ومعناه إذا مات كل واحد منا فنصيبه حر فإنه قابل الجملة بالجملة فينصرف إلى مقابلة البعض بالبعض كقوله ركب الناس دوابهم ولبسوا ثيابهم وأخذوا رماحهم يريد لبس كل إنسان ثوبه وركب دابته وكذلك لو قال أعتقوا عبيدهم كان معناه اعتق كل واحد عبده، وقال القاضي هذا تعليق للحرية بموتهما جميعاً وإنما قال أحمد يعتق نصيبه بناء على أن وجود بعض الصفة يقوم مقام جميعها قال شيخنا ولا يصح هذا لأنه لو كانت هذه العلة لعتق العبد كله لوجود بعض صفة كل منهما وسنبين هذا القول بما نذكر من بعد، ومقتضي قول القاضي أن لا يعتق شئ منه قبل موتهما جميعاً، فأن قال كل واحد منهما أردت أن العبد حر بعد آخرنا موتاً انبنى هذا على تعليق الحرية على صفة توجد بعد الموت وقد ذكرنا الخلاف في ذلك فإن قلنا يجوز ذلك عتق بعد موت الآخر منهما عليهما جميعاً، وإن فلنا لا يصح عتق نصيب الآخر منهما بالتدبير وفي سرايته إلى باقيه إن كان ثلثه يحتمل ذلك روايتان، وإن قال كل واحد منهما إذا مت قبل شريكي فنصيبي له فإذا مات فهو حر وإن مت بعده فنصيبي حر فقد وصى كل واحد منهما للآخر فإذا مات أحدهما صار العبد كله للأخر فإذا مات عتق كله عليه وصار ولاؤه له كله إن قلنا لا يصح تعليق العتق على صفة بعد الموت وإن قلنا يصح عتق عليهما وولاؤه بينهما. (مسألة)) وإذا أسلم مدبر الكافر لم يقر في يده وترك في يد عدل ينفق عليه من كسبه وما فضل لسيده وإن أعوز فعليه تمامه إلا أن يرجع في التدبير ونقول بصحة رجوعه فيجبر على بيعه) وجملته أنه إذا أسلم مدبر الكافر أمر بإزالة ملكه عنه لئلا يبقى الكافر مالكاً لمسلم كغير

стр. 7232

المدبر إذا قلنا بجواز بيعه ويحتمل أن يترك في يد عدل وينفق عليه من كسبه فإن لم يكن له كسب أجبر سيده على الإنفاق عليه لأنه ملكه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه بناء على أن المدبر لا يجوز بيعه ولأن في بيعه ابطال سبب العتق فكان ابقاؤه أصلح كأم الولد فإن قلنا ببيعه فباعه بطل تدبيره وإن قلنا يترك في يد عدل فإنه يستنيب من يتولى استعماله واكتسابه وينفق عليه من كسبه وما فضل فلسيده وإن لم يف كسبه بنفقته فالباقي على سيده وإن اتفق هو وسيده على المخارجة جاز وينفق على نفسه مما فضل من كسبه فإذا مات سيده عتق إن خرج من الثلث وإلا عتق منه بقدر الثلث وبيع الباقي على الورثة إن كانوا كفاراً وإن اسلموا بعد الموت ترك فإن رجع سيده في تدبيره، وقلنا بصحة رجوعه بيع عليه وإن كان المدبر مستأمناً فأراد الرجوع به إلى دار الحرب ولم يكن، اسلم لم نمنعه منه وإن كان قد أسلم منع لأننا نحول بينه وبينه في دار الإسلام فأولى أن يمنع من التمكن منه في دار الحرب. (مسألة) (ومن أنكر التدبير لم يحكم عليه إلا بشاهدين وهل يحكم بشاهد وامرأتين أو شاهد ويمين العبد؟ على روايتين) إذا ادعى العبد على سيده أنه دبره صحت دعواه لأنه يدعي استحقاق العتق ويحتمل أن لا تصح الدعوى لأن السيد إذا انكر التدبير كان بمنزلة النكار الوصية وإنكار الوصية رجوع عنها في أحد الوجهين

стр. 7233

فيكون انكار التدبير رجوعاً عنه والرجوع عنه يبطله في إحدى الروايتين والصحيح أن الدعوى صحيحة لأن الرجوع عن التدبير لا يبطله في الصحيح من المذهب ولو أبطله فما ثبت كون الإنكار رجوعاً ولو ثبت ذلك فلا يتعين الانكار جواباً للدعوى فإنه يجوز أن يقرا إذا ثبت هذا فإن أقر السيد فلا كلام وإن أنكر ولم تكن للعبد بينة فالقول قول السيد مع يمينه لأن الأصل عدمه فإن كانت للعبد بينة حكم بها ويقبل فيها شاهدان عدلان بغير خلاف فإن لم يكن إلا شاهد واحد وقال أنا أحلف معه أو شاهد وامرأتان لم يحكم له به في إحدى الروايتين وهو مذهب الشافعي لأن الثابت به الحرية وكمال الأحكام وهذا ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال أشبه النكاح والطلاق (والثانية) بثبت بذلك لأنه لفظ يزول به ملكه عن مملوكه فاشبه البيع وهذا أجود لأن البينة إنما تراد لأثبات الحكم على المشهود عليه وهو في حقه إزالة ملكه عن ماله فيثبت بهذا وإن حصل به غرض آخر للمشهود له فلا يمنع ذلك من ثبوته بهذه البينة ولأن العتق مما يتشوف إليه وينبني على التغليب والسراية فينبغي أن يسهل طريق إثباته وإن كان الاختلاف بين العبد وورثة السيد بعد موته فهو كما لو كان الاحتلاف مع السيد إلا أن الدعوى صحيحة بغير خلاف لأنهم لا يملكون الرجوع وإيمانهم

стр. 7234

على نفي العلم لأن الخلاف في فعل موروثهم وأيمانهم على نفي فعله وتجب اليمين على كل واحد من الورثة ومن نكل منهم عتق نصيبه ولم يسر إلى باقيه وكذلك إن أقر لأن إعتاقه بفعل الموروث لا بفعل المقر ولا الناكل (فصل) إذا دبر عبده ومات وله مال سواه يفي بثلثي ماله إلا أنه غائب أو دين في ذمة إنسان لم يعتق من المدبر إلا ثلثه لجواز أن يتلف الغائب أو يتعذر استيفاء الدين فيكون العبد جميع التركة وهو شريك الورثة فيها له ثلثها ولهم ثلثاها فلا يجوز أن يحصل على جميعها لكنه يستحق عتق ثلثه ويبقى ثلثاه موقوفين لأن ثلثه حر على كل حال لأن اسوأ الاحوال أن لا يحصل من سائر المال شئ فيكون العبد جميع التركة فيعتق ثلثه وفي ذلك خلاف ذكرناه في باب الموصي به فيما إذا وصى له بمعين ولم يكن له سوى المعين إلا مال غائب أو دين وهذا مثله في اعتباره من الثلث إذا ثبت هذا فإن العبد إذا عتق كله بقدوم الغائب أو استيفاء الدين تبينا أنه كان حراً حين الموت فيكون كسبه له لأنه إنما عتق بالتدبير ووجود الشرط الذي علق عليه السيد حريته وهو الموت وإنما أوقفناه للشك في خروجه من الثلث فإذا زال الشك تبينا أنه كان حاصلاً قبل زوال الشك وإن تلف المال تبينا أنه كان ثلثاه رقيقاً ولم يعتق منه سوى ثلثه وإن تلف بعض المال رق من المدبر ما زاد على قدر ثلث الحاصل من المال (فصل) فإن دبر عبدين وله دين يحرجان من ثلث المال إذا حصل أقرعنا بينهما فعتق ممن تخرج له القرعة قدر ثلثهما وكان باقيه والعبد الاخر موقوفاً فإذا استوفي من الدين شئ كمل من

стр. 7235

عتق من وقعت له القرعة قدر ثلثه وما فضل عتق من الآخر كذلك حتى يعتقا جميعاً أو مقدار الثلث منهما فإن تعذر استيفاء الدين لم يزد العتق على مقدار ثلثهما فإن خرج الذي وقعت له القرعة مستحقاً بطل العتق فيه وعتق من الآخر ثلثه (فصل) إذا دبر عبداً قيمته مائة وله مائة ديناً عتق ثلثه ورق ثلثه ووقف ثلثه على استفياء الباقي وإن كانت له مائة حاضرة مع ذلك عتق من المدبر ثلثاه ووقف عتقه على استيفاء الدين (فصل) وإن دبر عبده وقيمته مائة وله ابنان ومائتان ديناً على أحدهما عتق من المدبر ثلثاه لأن حصة الذي عليه الدين منه كالمستوفي ويسقط عن الذي عليه الدين منه نصفه لأنه قدر حصته من الميراث ويبقى للآخر عليه مائة كلما استوفى منها شيئاً عتق قدر ثلثه فإن كانت المائتان ديناً على الاثنين بالسوية عتق المدبر كله لأن كل واحد منهما عليه قدر حقه وقد حصل له ذلك بسقوطه من دينه (فصل) إذا دبر عبداً قيمته مائة وخلف ابنين ومائتي درهم ديناً له على أحدهما ووصى لرجل بثلث ماله عتق من المدبر ثلثه وسقط عن الغريم مائة وكان للوصي سدس العبد وللابن ئلثه ويبقى سدس العبد موقوفاً لأن الحاصل من المال ثلثاه وهو العبد والمائة الساقطة عن الغريم وثلث ذلك

стр. 7236

مقسوم بين المدبر والوصي نصفين فحصة المدبر منه ثلثه يعتق في الحال ويبقى له سدسه موقوفاً فكلما اقتضي من المائة الباقية شئ عتق من المدبر قدر سدسه ويكون المستوفي بين الابن والوصي أثلاثاً فإذا استوفيت كلها حصل للابن ثلثاها وثلث العبد وهو قدر حقه وكمل للمدبر عتق نصفه وحصل للوصي ثلث المائة وسدس العبد وهو قدر حقه وإن كان الدين على أجنبي لم يعتق من المدبر إلا سدسه لأن الحاصل من التركة هو العبد وثلثه بينه وبين الوصي الآخر وللوصي سدسه ولكل ابن سدسه ويبقى ثلثه موقوفاً فكلما اقتضي من الدين شئ عتق من المدبر قدر سدسه وكان المستوفى بين الابنين والوصي أسداساً للوصي سدسه ولهما خمسة أسداسه فيحصل لكل واحد نصف المائة وثلثها وسدس العبد وهو قدر حقه ويحصل للوصي سدس العبد وهو قدر حقه ويعتق من المدبر نصفه وهو قدر حقه (مسألة) (وإذا قتل المدبر سيده بطل تدبيره لأمرين) (أحدهما) أنه قصد استعجال العتق بالقتل المحرم فعوقب بنقيض قصده وهو إبطال التدبير كمنع الميراث بقتل الموروث ولأن العتق فائدة تحصل بالموت فتنتفي بالقتل كالإرث والوصية (والثاني) أن التدبير وصية فيبطل بالقتل كالوصية بالمال ولا يلزم على هذا عتق أم الولد لكونها آكد فإنها صارت بالاستيلاد بحال لا يمكن نقل الملك فيها ولذلك لم يجز بيعها ولا هبتها ولا رهنها

стр. 7237

ولا الرجوع عن ذلك القول ولا غيره والإرث نوع من النقل فلو لم تعتق بموت سيدها انتقل الملك فيها إلى الوارث ولا سبيل إليه بخلاف المدبر ولأن سبب حرية أم الولد الفعل والبعضية الذي حصلت بينها وبين سيدها بواسطة ولدها وهو آكد من القول ولهذا نبذ استيلاد المجنون ولم ينفذ اعتاقه ولا تدبيره وسرى حكم استيلاد المعسر إلى نصيب شريكه بخلاف الاعتاق وعتقت من رأس المال والتدبير لا ينفذ إلا في الثلث ولا يملك الغرماء إبطال عتقها وإن كان سيدها مفلسا بحلاف المدبر ولا يلزم الحكم في موضع تأكد الحكم فيما دونه كما يلزم إلحاقه به في هذه المواضع التي افترقا فيها. إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونه عمداً أو خطأ كما لا فرق في ذلك في حرمان الإرث وإبطال وصية القاتل (فصل) فأما سائر جناياته غير قتل سيده فلا تبطل تدبيره لكن إن كانت جناية موجبة للمال أو للقصاص فعفا الولي إلى المال تعلق المال برقبته فمن جوز بيعه جعل سيده بالخيار بين تسليمه فيباع في الجناية وبين فدائه فإن سلمه في الجناية فبيع فيها بطل تدبيره وإن عاد إلى سيده عاد تدبيره وإن اختار فداءه وفداه يما يفدى به فهو مدبر بحاله ومن لم يجز بيعه أوجب فداءه على سيده كأم الولد وإن كانت الجناية موجبة للقصاص فاقتص منه في النفس بطل تدبيره وإن اقتص منه في الطرف فهو مدبر بحاله وإذا مات سيده بعد جنايته وقبل استيفائها عتق على كل حال سواء كانت موجبة للمال أو للقصاص لأن صفة العتق وجدت فيه فاشبه ما لو باشره به فإن الواجب قصاصاً استوفي سواء كانت

стр. 7238

جنايته على عبد أو حر لأن القصاص قد استقر وجوبه عليه في حال رقه فلا يسقط بحدوث الحرية فيه وإن كان الواجب عليه مالاً في رقبته فدي بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جناينه وإن جني على المدبر فأرش الجناية لسيده فإن كانت الجناية على نفسه وحبت قيمته لسيده وبطل التدبير بهلاكه فإن قيل فهلا جعلتم قيمته قائمة مقامه كالعبد المرهون والموقوف

стр. 7239

قلنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه (أحدها) أن كل واحد من الوقف والرهن لازم فتعلق الحق يبدله والتدبير غير لازم لانه يمكن إبطاله بالبيع وغيره فلم يتعلق الحق ببدله (الثاني) إن الحق في التدبير للمدبر فبظل حقه بفوات مستحقه والبدل لا يقوم مقامه في

стр. 7240

الاستحقاق والحق في الوقف للموقوف عليه وفي الرهن للمرتهن وهو باق فثبت حقه في بدل محل حقه (الثالث) أن المدبر إنما ثبت حقه بوجود موت سيده فإذا هلك قبل سيده فقد هلك قبل ثبوت الحق له فلم يكن له بدل بخلاف الرهن والوقف فإن الحق ثابت فيهما فقام بدلهما مقامهما وبين الرهن والمدبر فرق رابع وهو أن الواجب القيمة ولا يمكن وجود التدبير فيها ولا قيامها مقام

стр. 7241

المدبر فيه وإن أخذ عبدا مكانه فليس هو البدل انما هو بدل القيمة بخلاف الرهن فإن القيمة يجوز أن تكون رهنا فإن قيل فهذا يلزم عليه الموقوف فانه إذا قتل اخذت قيمته فاشتري بها عبد يكون وقفا مكانه قلنا قد حصل الفرق بين المدبر والرهن من الوجوه الثلاثة وكونه لا يحصل الفرق بينه وبين الوقف من هذا الوجه لا يمنع ان يحصل الفرق بينه وبين الرهن به والله أعلم

стр. 7242

(باب الكتابة) الكتابة إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدى في نجوم، سميت كتابة لأن السيد يكتب بينه وبينه كتاباً بما اتفقا عليه وقيل سميت كتابة من الكتب وهو الضم لأن المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض ومنه سمي الخرز كتاباً لأنه يضم أحد طرفيه إلى الآخر بخرزه قال الحريري وكاتبين وما خطت أناملهم * حرفاً ولا قرأوا ما خط في الكتب وقال ذو الرمة: وفراء عرفته أنأى خوارزها * مشلشل صنعته بينها الكتب يصف قربة يسيل الماء من بين خرزها وسميت الكتيبة كتيبة لانضمام بعضها إلى بعض والمكاتب يضم نجومه بعضها إلى بعض والنجوم ههنا الاوقات المختلفة لأن العرب كانت لا تعرف الحساب وإنما تعرف الاوقات بطلوع النجوم كما قال بعضهم إذا سهيل أول الليل طلع * فابن اللبون الحق والحق جذع فسميت الأوقات نجوماً والأصل في الكتابة الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكانبوهم إن علمتم فيهم خيرا) وأما السنة فروى

стр. 7243

سعيد عن سفيان عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال (إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) رواه أبو داود وابن ماجة وروى سهل بن حنيف أن النبي ﷺ قال (من أعان غارماً أو غازياً أو مكاتباً في كتابته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله) في أحاديث كثيرة سواهما وأجمعت الامة على مشروعية الكتابة (مسألة) (وهي مستحبة لمن يعلم فيه خير وهو الكسب والأمانة وعنه أنها واجبة إذا ابتغاها من سيده أجبر عليها) إذا سأل العبد سيده مكاتبته استحب له اجابته إذا علم فيه خيراً ولم يجب ذلك في ظاهر المذهب وهو قول عامة أهل العلم منهم الحسن والشعبي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنها واجبة إذا دعى العبد المكتسب سيده إليها وهو قول عطاء والضحاك وعمرو بن دينار وداود وقال اسحاق اخشى ان يأتم إن لم يفعل ولا يجبر عليها. ووجه ذلك قول الله تعالى (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) وظاهر الأمر الوجوب وروي أن سيرين أبا محمد بن سيرين كان عبداً لأنس بن مالك فسأله أن يكاتبه فأبى فأخبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك فرفع الدرة على أنس وقرأ عليه (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا) فكاتبه أنس

стр. 7244

ولنا أنه إعتاق بعوض فلم يجب عليه كالاستسعاء والآية محمولة على الندب وقول عمر يخالفه فعل أنس قال أحمد الخير صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة ونحو هذا قال ابراهيم وعمرو بن دينار وغيرهما وعبارتهم في ذلك مختلفة وقيل قوة على الكسب والأمانة قال الشافعي وقال ابن عباس غنى وإعطاء المال، وقال مجاهد غنى وأداء، وقال النخعي صدق ووفاء ولا خلاف بينهم في أن من لا خير فيه لا تجب إجابته (مسألة) (وهل تكره كتابة من لا كسب له؟ على روايتين) قال القاضي ظاهر كلام أحمد كراهته وكان ابن عمر يكرهه وهو قول مسروق والاوزاعي وعن أحمد أنه لا يكره ولم يكرهه الشافعي وإسحاق وابن المنذر وطائفة من أهل العلم لأن جويرية بنت الحارث كاتبها ثابت بن قيس بن شماس فأتت النبي ﷺ تستعينه في كتابتها فأدى عنها كتابتها وتزوجها واحتج ابن المنذر بأن بريرة كاتبت ولا حرفة لها فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ ووجه الأول ما ذكرنا في عتقه قال شيخنا وينبغي أن ينظر في المكاتب فإن كان ممن يتضرر بالكتابة ويضيع لعجزه عن الإنفاق على نفسه ولا يجد من ينفق عليه كرهت كتابته وإن كان يجد من يكفيه مؤنته لم تكره كتابته لحصول النفع بالحرية من غير ضرر فأما جويرة فإنها كانت ذات أهل وكانت ابنة سيد قومه فإذا عتقت رجعت إلى أهلها فأخلف الله لها خيراً من أهلها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 7245

وصارت إحدى أمهات المؤمنين وأعتق الناس ما كان بأيديهم من قومها حين بلغهم أن رسول الله ﷺ تزوجها وقالوا أصهار رسول الله ﷺ فلم تر امرأة أعظم بركة على قومها منها وأما بريرة فإن كتابتها تدل على إباحة ذلك وأنه ليس بمنكر ولا خلاف فيه وإنما الخلاف في كراهته قال مسروق إذا سأل العبد مولاه المكاتبة فإن كان له مكسبه أو كان له مال فليكاتبه وإن لم يكن له مال ولا مكسبة فليحسن ملكته ولا يكلفه إلا طاقته (مسألة) (ولا يصح إلا من جائز التصرف فأما المجنون والطفل فلا تصح مكاتبتهما لرقيقهما ولا مكاتبة سيدهما لهما لأن الكتابة نقل الملك بعوض فلا تصح منها كالبيع (مسألة) (فإن كاتب المميز عبده بإذن وليه صح ويحتمل أن لا يصح بناء على قولنا إنه لا يصح بيعه بإذن وليه ولأنه عقد إعتاق فلم يصح منه كالعتق بغير مال ولا يصح بغير إذن وليه بحال (مسألة) (وإن كاتب السيد عبده المميز صح وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح فيها جميعها بحال لأنه ليس بمكلف أشبه المجنون ولنا أنه يصح تصرفه وبيعه بإذن وليه فصحت منه الكتابة بذلك كالمكلف ودليل صحة تصرفه قول الله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) والابتلاء الاختبار له بتفويض التصرف إليه ليعلم هل يقع منه على وجه المصلحة أو لا؟ وهل يغبن في بيعه وشرائه أو لا؟ وإيجاب السيد لعبده

стр. 7246

المميز المكاتبة إذن له في قبولها. إذا ثبت هذا فإن كان السيد المكاتب طفلاً أو مجنوناً فلا حكم لتصرفه ولا قوله وان كاتب المكلف عبده المكلف أو المجنون لم يثبت لهذا التصرف حكم المكاتبة الصحيحة ولا الفاسدة لأنه لا حكم لقولهما لكن إن قال إن أديتما إلى فأنتما حران فأديا عتقا بالصفة لا بالكتابة وما في أيديهما لسيدهما وإن لم يقل ذلك لم يعتقا ذكره أبو بكر وقال القاضي يعتقان وهو مذهب الشافعي لأن الكتابة تتضمن معنى الصفة فيحصل العتق ههنا بالصفة المحضة كما لو قال إن أديت إلي فأنت حر ولنا أنه ليس بصفة صريحاً ولا معنى وإنما هو عقد باطل فأشبه البيع الباطل (فصل) إذا كاتب الذمي عبده ثم أسلما صح لأنه عقد معاوضة أو عتق بصفة وكلاهما يصح منه فإذا ترافعا إلى الحاكم بعد الكتابة نظر في العقد فإن كان موافقاً للشرع أمضاه وإن كانت كتابته فاسدة مثل أن يكون العوض خمراً أو خنزيراً أو غير ذلك من أنواع الفساد ففيه ثلاث مسائل (أحدها) أن يكونا قد تقابضا حال الكفر فتكون الكتابة ماضية والعتق حاصلاً لأن ما تم في حال الكفر لا ينقضه الحاكم ويحكم بالعتق سواء ترافعا قبل الإسلام أو بعده (الثانية) تقابضا بعد الإسلام ثم ترافعا إلى الحاكم فإنه يعتق لأن هذه كتابة فاسدة ويكون حكمها حكم الكتابة الفاسدة المعقودة في الإسلام على ما سنذكره إن شاء الله تعالى

стр. 7247

(والثالثة) ترافعا قبل قبض العوض الفاسد أو قبض بعضه فإن الحاكم يرفع هذه الكتابة ويبطلها لأنها كتابة فاسدة لم يتصل بها قبض تنبرم به ولا فرق بين إسلامهما أو إسلام أحدهما فيما ذكرناه من التغليب بحكم الإسلام وقال أبو حنيفة إذا كاتبه على خمر ثم أسلما لم يفسد العقد ويؤدي قيمة الخمر لأن الكتابة كالنكاح ولو مهرها خمراً ثم أسلما لم يفسد العقد ويبطل الخمر ولنا أن هذا عقد لو عقده المسلم كان فاسداً فإذا أسلما قبل التقابض أو أحدهما حكم بفساده كالبيع الفاسد ويفارق النكاح فانه لو عقده المسلم بخمر كان صحيحاً وإن أسلم مكاتب الذمي لم تنفسخ الكتابة لأنها وقعت صحيحة ولا يجبر على إزالة ملكه لأنه خارج بالكتابة عن تصرف الكافر فيه فإن عجز أجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ فإن اشترى مسلماً فكاتبه لم تصح الكتابة لأن الشراء باطل لم يثبت له به ملك وإن أسلم عبده فكاتبه بعد إسلامه لم تصح كتابته لأن الكتابة لا تزيل الملك. وقال القاضي له ذلك وقد ذكرناه في كتاب البيع فإن عجز عاد رقيقاً قنا واجبة على إزالة ملكه عنه (فصل) وتصح كتابة الحربي عبده في دار الحرب وفي دار الاسلام، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تصح لأن ملكه ناقص وحكي عن مالك أنه لا يملك ذلك بدليل أن للمسلم تملكه عليه ولنا قوله تعالى (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) وهذه الإضافة إليهم تقتضي صحة أملاكهم فتقتضي صحة تصرفاتهم. إذا ثبت هذا فإذا كاتب عبده فدخلا مستأمنين إلينا لم يتعرض الحاكم لهما وإن ترافعا إليه نظر بينهما فإن كانت كتابتهما صحيحة ألزمهما حكمها وإن كانت فاسدة بين لهما فسادها

стр. 7248

وإن جاءا وقد قهر أحدهما صاحبه بطلت الكتابة لأن العبد إن قهر سيده ملكه فبطلت كتابته بخروجه عن ملك سيده وإن قهره السيد على إبطال الكتابة ورده رقيقاً بطلت لأن دار الفكر دار قهر وإباحة ولهذا لو قهر حر حراً على نفسه ملكه وإن دخلا من غير قهر فقهر أحدهما الآخر في دار الإسلام لم تبطل الكتابة وكانا على ما كانا عليه قبله لأن دار الإسلام دار حظر لا يؤثر فيها القهر إلا بالحق وإن دخلا مستأمنين ثم أرادا الرجوع إلى دار الحرب لم يمنعا وأن أراد السيد الرجوع وأخذ المكاتب معه فأبى المكاتب الرجوع معه لم يجبر لأنه بالكتابة زال سلطانه وإنما له في ذمته حق ومن له دين في ذمة غيره لا يملك إجباره على السفر معه لأجله ويقال للسيد إن أردت الاقامة في دار الإسلام لتستوفي مال الكتابة فاعقد الذمة وأقم إن كانت مدتها طويلة وإن أردت توكيل من يقبض لك نجوم الكتابة فافعل فإذا أدى نجوم الكتابة عتق وهو مخير إن أحب المقام في دار الإسلام عقد على نفسه الذمة وإن أحب الرجوع لم يمنع وإن عجز وفسخ السيد كتابته عاد رقيقاً ويرد إلى سيده والأمان باق لأنه من مال سيده وسيده عقد الأمان لنفسه وماله فإذا اتنقض الامان في في نفسه بعوده لم ينتقض في ماله وإن كاتبه في دار الحرب فهرب ودخل إلينا بطلت الكتابة لأن ملكه زال بقهره على نفسه فأشبه ما لو قهره على غيره من ماله وسواء جاءنا مسلماً أو غير مسلم وإن جاء بإذن سيده فالكتابة بحالها لأنه لم يقهر سيده فإذا دخل إلينا بأمان بإذن سيده ثم سبى المسلمون سيده

стр. 7249

وقتل انتقلت الكتابة إلى ورثته كما لو مات حتف أنفه وإن من عليه الإمام أو فاداه أو هرب فالكتابة بحالها وإن استرقه الإمام فالمكاتب موقوف إن عتق السيد فالكتابة بحالها وإن مات أو قتل فالمكاتب للمسلمين مبقي على ما بقي من كتابته يعتق بالأداء إليهم وولاؤه لهم وإن عجز فهو رقيق لهم فإن أراد المكاتب الأداء قبل عتق سيده وموته أدى إلى الحاكم أو إلى أمينه وكان المال المقبوض موقوفاً على ما ذكرناه ويعتق المكاتب بالأداء وسيده رقيق لا يثبت له ولاء قال أبو بكر يكون الولاء للمسلمين وقال القاضي يكون موقوفاً فإن عتق سيده فهو له وإن مات رقيقاً فهو للمسلمين وإن كان استرقاق سيده بعد عتق المكاتب وثبوت الولاء عليه فقال القاضي يكون ولاؤه موقوفاً فإن عتق السيد كان الولاء له وإن قتل أو مات على رقه بطل الولاء لأنه رقيق لا يورث فبطل الولاء لعدم مستحقه وينبغي أن يكون للمسلمين لأن مال من لا وارث له للمسلمين فكذلك الولاء والله أعلم (فصل) وإن كاتب المرتد عبده فعلى قول أبي بكر الكتابة باطلة لأن ملكه زال بردته وعلى ظاهر المذهب كتابته موقوفة إن أسلم تبينا أنها كانت صحيحة وإن مات على ردته أو قبل بطلت وإن أدى في ردته لم يحكم بعتقه ويكون موقوفاً فإن أسلم سيده تبينا صحة الدفع إليه وعتقه وإن مات على ردته

стр. 7250

أو قتل فهو باطل والعبد رقيق وإن كاتبه وهو مسلم وارتد وحجر عليه لم يكن للعبد الدفع إليه ويؤدي إلى الحاكم ويعتق بالاداء وإن دفع إلى المرتد كان موقوفاً كما ذكرنا وإن كاتب المسلم عبده المرتد صحت كتابته لأنه يصح بيعه فإن أدى عتق وإن أسلم فهو على كتابته (فصل) وكتابة المريض صحيحة فإن كان مرض الموت المخوف اعتبر من الثلث لأنه بيع ماله بماله فجرى مجرى الهبة ولذلك ثبت الولاء على المكاتب لكونه معتقاً فإن خرج من الثلث كانت الكتابة لازمة وإن لم يخرج من الثلث لزمت في قدر الثلث وباقيه موقوف على إجازة الورثة يصح بإجازته ويبطل برده وهذا قول الشافعي وقال أبو الخطاب في رءوس المسائل تجوز الكتابة من رأس المال لأنه عقد معاوضة أشبه البيع والأول أولى (مسألة) ولا يصح إلا بالقول وينعقد بقوله كاتبتك على كذا) لأنه لفظها الموضوع لها فانعقدت بمجرده كلفظ النكاح فيه (مسألة) ولا يفتقر إلى قوله وإن أديت إلى فأنت حر بل متى أدى عتق) وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يعتق حتى يقول ذلك أو ينوي بالكتابة الحرية ويحتمل مثل ذلك عندنا لأن لفظ الكتابة يحتمل المخارجة ويحتمل العتق بالاداء فلابد من تمييز أحدهما عن الآخر ككنايات العتق
следующие страницы →