أشبه ما لو صلى ركعة كاملة، والثالثة أنه إن كان جاهلاً بتحريم ذلك صحت صلاته وإلا لزمته الاعادة اختارها الخرقي لما روى أن أبا بكرة انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل الى الصف فذكر ذلك للنبي الله صلى عليه وسلم فقال " زادك الله حرصاً ولا تعد " رواه البخاري فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن العود، والنهي يقتضي الفساد، ولم يفرق القاضي والخرقي في هذه
المسألة بين من دخل قبل رفع رأسه من الركوع أو بعد الرفع، وذلك منصوص أحمد والدليل يقتضي التفريق فيحصل كلامهم عليه وقد ذكره أبو الخطاب على نحو ما ذكرنا * (فصل) * فإن فعل ذلك لغير عذر ولا خشي الفوات لم تصح صلاته في أحد الوجهين لأنه فاته ما تفوته الركعة بفواته وإنما أبيح للمعذور لحديث أبي بكرة فيبقى فيما عداه على قضية الدليل، والثاني تصح لأن الموقف لا يختلف بخيفة الفوات وعدمه كما لو فاتته الركعة كلها * (فصل) * السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والأسن وأن يلي الامام أكملهم وأفضلهم قال أحمد يلي الامام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان لما روى أبو سعيد الأنصاري قال كان رسول الله ﷺ يقول " ليلني منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين
стр. 877
يلونهم " (٢) وقال أبو سعيد أن النبي ﷺ رأى في أصحابه تأخراً فقال " تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عزوجل " رواهما أبو داود.
وعن قيس بن عبادة قال أتيت المدينة للقاء أصحاب رسول الله ﷺ فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال يا بني لا يسؤك الله فإني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله ﷺ قال لنا " كونوا في الصف الذي يليني " وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك.
وكان الرجل أبي بن كعب رواه أحمد والنسائي * (فصل) * والصف الأول أفضل للرجال، وللنساء بالعكس لقول رسول الله ﷺ " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " رواه أبو داود وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال " أتموا الصف الأول فما كان من نقص فليكن في الصف الآخر " رواه أبو داود، وعن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ " الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه " رواه الإمام أحمد، وميامن الصفوف أفضل لقول عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ " ان الله وملائكته يصلون على ميامن
стр. 878
الصفوف " رواه أبو داود، ويستحب أن يقف الامام في مقابلة وسط الصف لقول رسول الله ﷺ " وسطوا الإمام وسدوا الخلل " (١) * (مسألة) * وإذا كان المأموم يرى من وراء الامام صحت صلاته اذا اتصلت الصفوف، وإن لم ير من وراءه لم تصح وعنه تصح إذا كان في المسجد) وجملة ذلك أنه إذا كان الإمام والمأموم في المسجد يعتبر اتصال الصفوف.
قال الآمدي لا خلاف في المذهب أنه إذا كان في أقصى المسجد وليس بينه وبين الامام ما يمنع الاستطراق والمشاهدة أنه يصح اقتداؤه به وإن لم تتصل الصفوف وهذا مذهب الشافعي، وذلك لأن المسجد بني للجماعة فكل من حصل فيه فقد حصل في محل الجماعة، فإن كان المأموم خارج المسجد أو كانا جميعاً في غير المسجد صح أن يأتم به بشرط أمكان المشاهدة واتصال الصفوف وسواء كان المأموم في درجة المسجد أو في دار أو على سطح والامام على سطح آخر، أو كان في صحراء أو في سفينتين وهذا مذهب الشافعي إلا أنه يشترط أن لا يكون بينهما ما يمنع الاستطراق في أحد القولين.
ولنا أن هذا لا تأثير له في المنع مع الاقتداء بالامام ولم يرد فيه نهي ولا هو في معنى ذلك فلم يمنع صحة الائتمام به كالفعل اليسير إذا ثبت هذا فان معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به بحيث يمنع امكان
стр. 879
الاقتداء، وحكي عن الشافعي أنه حد الاتصال بما دون ثلاثمائة ذراع والتحديدات بابها التوقيف ولا نعلم في هذا نصاً ولا إجماعاً يعتمد عليه فوجب الرجوع فيه إلى العرف كالتفريق والاحراز * (فصل) * فإن كان بين المأموم والامام حائل يمنع رؤية الامام ومن وراءه فقال ابن حامد فيه روايتان إحداهما لا يصح الائتمام به اختاره القاضي لأن عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها لا تصلين بصلاة الامام فانكن دونه في حجاب ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب، والثانية تصح قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة أرجو أن لا يكون به بأس، وذلك لأنه يمكنه الاقتداء بالامام فصح من غير مشاهدة كالأعمى ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الامام والعلم استماع التكبير فجرى مجرى الرؤية، وعنه أنه يصح إذا كان في المسجد دون غيره لأن المسجد محل الجماعة وفي مظنة القرب ولأنه لا يشترط فيه اتصال الصفوف، لذلك فجاز أن لا يشترط الرؤية واختار شيخنا التساوي فيهما لاستوائهما في المعنى المجوز أو المانع فوجب استواؤهما في الحكم وإنما صح مع عدم المشاهدة لأنه يشترط أن يسمع التكبير فإن لم يسمعه لم يصح ائتمامه بحال لأنه لا يمكنه الاقتداء * (فصل) * وكل موضع اعتبرنا المشاهدة فانه يكفي مشاهدة من وراء الامام من باب إمامه أو عن يمينه أو عن يساره ومشاهدة طرف الصف الذي وراءه لأنه يمكنه الاقتداء بذلك، وإن حصلت
стр. 880
المشاهدة في بعض أحوال الصلاة كفاه في الظاهر لما روت عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله ﷺ فقام أناس يصلون بصلاته والحديث رواه البخاري، والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه * (فصل) * فإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن أو كانا في سفينتين مفترقتين ففيه وجهان أحدهما لا تصح اختاره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة لأن الطريق ليست محلا للصلاة أشبه ما يمنع لاتصال والثاني تصح اختاره شيخنا وهو مذهب مالك والشافعي لأنه لا نص في منع ذلك ولا إجماع ولا هو في المعنى المنصوص لأنه لا يمنع الاقتداء والمؤثر في المنع ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت وليس هذا بواحد منهما قولهم إن بينهما ما ليس محلا للصلاة ممنوع وإن سلم في الطريق فلا يصح في النهر بدليل
صحة الصلاة عليه في السفينة وحال جموده ثم كونه ليس محلاً للصلاة إنما يؤثر في منع الصلاة فيه، أما في صحة الاقتداء بالامام فتحكم محض لا يلزم المصير إليه، فأما إن كانت صلاته جمعة أو عيداً أو جنازة لم يؤثر ذلك فيها لأنها تصح في الطريق، وقد صلى أنس في موت حميد بن عبد الرحمن بصلاة الامام وبينهما طريق والله أعلم * (مسألة) * (ولا يكون الامام أعلى من المأموم، فإن فعل وكان كثيراً فهل تصح صلاته؟ وجهين) :
стр. 881
ويكره أن يكون الامام أعلى من المأموم في ظاهر المذهب سواء أراد تعليمهم أو لم يرد وهذا قول مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره واختاره الشافعي للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشئ المرتفع ليراه من خلفه ليقتدوا به، لما روى سهل بن سعد قال لقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه يعني المنبر فكبر وكبر الناس وراءه ثم ركع وهو على المنبر ثم رفع ونزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل علي الناس فقال " أيها الناس إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي " متفق عليه ولنا ما روى عمار بن ياسر أنه صلى بالمدائن فتقدم فقام على دكان والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ بيده فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول " إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم " قال عمار فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي، رواه أبو داود ولأنه يحتاج أن يقتدي بامامه فينظر ركوعه وسجوده، فاذا كان أعلى منه احتاج الى رفع بصره اليه وذلك منهي عنه في الصلاة.
فأما حديث سهل فالظاهر أن النبي ﷺ كان على الدرجة السفلى لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعاً يسيراً لا بأس به جمعاً بين الأخبار، ويحتمل أن يختص ذلك بالنبي ﷺ لأنه فعل شيئاً ونهى عنه فيكون فعله لنفسه ونهيه لغيره، وكذلك لا يستحب لغيره ﵇ ولأن النبي
стр. 882
صلى الله عليه وسلم لم يتم الصلاة على المنبر فان سجوده وجلوسه انما كان على الأرض بخلاف ما اختلفنا فيه
* (فصل) * ولا بأس بالعلو اليسير كدرجة المنبر ونحوها لما ذكرنا من حديث سهل ولأن النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة وهذا يختص الكثير * (فصل) * فإن كان العلو كثيراً أبطل الصلاة في قول ابن حامد وهو قول الأوزاعي لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وقال القاضي لا تبطل وهو قول أصحاب الرأي لأن عماراً أتم صلاته ولو كانت فاسدة لاستأنفها ولأن النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر وهو لا يبطل الصلاة فسببه أولى * (فصل) * فإن كان مع الامام من هو مساو له ومن هو أسفل منه اختصت الكراهة بمن هو أسفل منه لوجود المعنى فيهم خاصة، ويحتمل أن يتناول النهي الامام لكونه منهياً عن القيام في مكان أعلى من مقامهم، فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل الصلاة بارتكاب النهي * (فصل) * فإن كان المأموم أعلى من الامام كالذي على سطح المسجد أو رف أو دكة عالية فلا بأس لأنه روي عن ابي هريرة أنه صلى بصلاة الامام على سطح المسجد وفعله سالم وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك يعيد اذا صلى الجمعة فوق سطح المسجد بصلاة الإمام.
ولنا ما ذكرنا من فعل أبي هريرة ولأنه يمكنه الاقتداء بامامه أشبه المتساويين، ولأن علو الامام إنما كره لحاجة المأمومين الى رفع البصر المنهي عنه وهذا بخلافه
стр. 883
* (مسألة) * (ويكره للإمام أن يصلي في طاق القبلة) يكره للامام أن يدخل في طاق القبلة، كره ذلك ابن مسعود وعلقمة والاسود لأنه يستتر عن بعض المأمومين فكره كما لو كان بينه وبينهم حجاب، وفعله سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي فأما إن كان لحاجة ككون المسجد ضيقاً لم يكره للحاجة اليه * (مسألة) * (ويكره للإمام أن يتطوع في موضع المكتوبة) نص عليه أحمد وقال: كذا قال علي بن أبي طالب ﵁: فأما المأموم فلا بأس أن يتطوع مكانه فعل ذلك ابن عمر وقال اسحق وروي عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال " لا يتطوع الإمام في مكانه الذي يصلي فيه بالناس " رواه أبو داود إلا أن أحمد
قال لا أعرف ذلك عن غير علي * (مسألة) * (ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم) وكره ذلك ابن مسعود والنخعي ورخص فيه ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر ولنا ما روى معاوية بن قرة عن أبيه قال كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طرداً رواه ابن ماجه، فان كان الصف صغيراً لا ينقطع بها لم يكره لعدم ما يوجب الكراهة ولا يكره ذلك للإمام
стр. 884
* (مسألة) * (ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة) لما روت عائشة قالت كان رسول الله ﷺ إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " رواه ابن ماجه (١) ولأنه لا يستحب للمأمومين الانصراف قبل الامام، فاذا أطال الجلوس شق عليهم، فإن لم يقم استحب أن ينحرف عن قبلته لما روي عن سمرة قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه أخرجه البخاري، وعن علي ﵁ أنه صلى بقوم العصر ثم أسند ظهره الى القبلة فاستقبل القوم رواه الأثرم، قال الأثرم رأيت أبا عبد الله اذا سلم يلتفت ويتربع، قال أبو داود رأيته اذا كان إماماً فسلم انحرف عن يمينه، وروى جابر بن سمرة قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسناً، وفي لفظ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس رواه مسلم * (مسألة) * (فإن كان معه نساء لبث قليلا لنصرف النساء) لما روت ام سلمة قالت أن النساء كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال قال الزهري فنرى ذلك والله أعلم أن ذلك لكي ينفذ من ينصرف من النساء رواه البخاري، ويستحب للنساء أن لا يجلسن بعد الصلاة لذلك ولأن
стр. 885
الاخلال به من أحد الفريقين يفضي الى اختلاط الرجال بالنساء، ويستحب للمأمومين أن لا يقوموا قبل الامام لئلا يذكر سهواً فيسجد وقد قال النبي ﷺ " عليكم إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف " رواه مسلم إلا أن يخالف الامام السنة في إطالة الجلوس أو ينحرف فلا بأس بذلك * (فصل) * وينصرف الامام حيث شاء عن يمين وشمال لقول ابن مسعود: لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته، يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله ﷺ أكثر ما ينصرف عن شماله رواه مسلم (١) وعن لهب (٢) أنه صلى مع النبي ﷺ فكان ينصرف عن شقيه رواه أبو داود * (مسألة) * (فإن أمت امرأة بنساء قامت وسطهن في الصف) اختلفت الرواية هل يستحب للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة فعنه أنه مستحب يروي ذلك عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والاوزاعي والشافعي وأبي ثور، وعن أحمد أنه غير مستحب وكرهه أصحاب الرأي.
وقال الشعبي والنخعي وقتادة: لهن ذلك في التطوع خاصة.
وقال الحسن واسحاق وسليمان بن يسار: لا تؤم مطلقاً ونحوه قول مالك: لأنه يكره لها الأذان وهو دعاء إلى الجماعة فكره ما يراد له الأذان ولنا أن النبي ﷺ أذن لأم ورقة أن تؤم أهل دارها.
رواه أبو داود، ولانهن
стр. 886
من أهل الفرائض أشبهن الرجال، وانما كره لهن الأذان لما فيه من رفع الصوت ولسن من أهله.
إذا ثبت ذلك فانها تقوم وسطهن في الصف لا نعلم في ذلك خلافاً بين من رأى أن تؤمهن لأن ذلك يروي عن عائشة وأم سلمة رواه سعيد بن منصور عن أم سلمة، ولأن المرأة يستحب لها التستر ولذلك
لا يستحب لها التجافي وكونها في وسط الصف أستر لها فاستحب لها كالعريان، فان صلت بين أيديهن احتمل أن يصح لكونه موقفاً في الجملة للرجل، واحتمل أن لا يصح لأنها خالفت موقفها أشبه ما لو خالف الرجل موقفه، فان أمت امرأة واحدة قامت عن يمينها كالمأموم من الرجال وإن وقفت خلفها جاز لأن المرأة يجوز وقوفها وحدها بدليل حديث أنس (فصل) وتجهر في صلاة الجهر قياساً على الرجل، فإن كان ثم رجل لم تجهر إلا أن يكونوا من محارمها فلا بأس به والله أعلم (فصل) ويعذر في الجمعة والجماعة المريض.
قال إبن المنذر: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض، وقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال " من سمع النداء فلم يمنعه من إتباعه عذر - قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف المرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى " رواه أبو داود وقد كان بلال يؤذن بالصلاة ثم يأتي النبي ﷺ وهو مريض فيقول " مروا أبا بكر فليصل بالناس " * (مسألة) * (ومن يدافع أحد الاخبثين أو بحضرة طعام وهو محتاج إليه)
стр. 887
لما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين " رواه مسلم.
وسواء خاف فوات الجماعة أو لم يخف لقوله ﷺ " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء " رواه مسلم * (مسألة) * (والخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شئ معه) الخوف يتنوع ثلاثة أنواع (أحدهما) الخوف على نفسه بأن يخاف سلطاناً يأخذه أو لصاً أو سبعاً أو سيلاً أو نحو ذلك مما يؤذيه في نفسه، أو يخاف غريماً يحبسه ولا شئ معه يعطيه، فان حبس المعسر ظلم، وكذلك إن كان عليه دين مؤجل خشي أن يطالب به قبل محله، وإن كان الدين حالاً وهو قادر على أدائه فلا عذر له في التخلف لأن مطل الغني ظلم، وإن توجه عليه حد لله تعالى أو حد قذف فخاف أن يؤخذ به لم يكن ذلك عذراً لأنه يجب عليه وفاؤه، وكذلك أن توجه عليه
فصاص.
وقال القاضي: إن رجا الصلح عنه بمال فهو عذر حتى يصالح بخلاف الحدود لأنها لا تدخلها المصالحة، وحد القذف إن رجا العفو عنه فليس بعذر لأنه يرجو اسقاطه بغير بدل (الثاني) الخوف على ماله من لص، أو سلطان، أو نحوه، أو يخاف على بهيمة من سبع: أو شر ودإن ذهب وتركها، أو على منزله، أو متاعه، أو زرعه، أو يخاف إباق عبده، أو يكون له خبز في التنور، أو
стр. 888
طبيخ على نار يخاف تلفها بذهابه، أو يكون له مال ضائع، أو عبد آبق يرجو وجدانه في تلك الحال أو يخاف ضياعه ان اشتغل عنه، أو يكون له غريم أن ترك ملازمته ذهب، أو يكون ناطور بستان أو نحوه يخاف إن ذهب سرق، أو مستأجراً لا يمكنه ترك ما استؤجر على حفظه، فهذا وأشباهه عذر في التخلف عن الجمعة والجماعة لعموم قوله ﵇ أو خوف، ولأن في أمره ﵇ بالصلاة في الرحال لأجل الطين والمطر مع أن ضررهما أيسر من ذلك تنبيهاً على جوازه (الثالث) الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يخاف موت قريبه ولا يشهده، فهذا كله عذر في ترك الجمعة والجماعة وبهذا قال عطاء والحسن والشافعي: ولا نعلم فيه خلافاً، وقد استصرخ ابن عمر على سعيد بن زيد بعد ارتفاع الضحى وهو يتجمر للجمعة فأتاه بالعقبق وترك الجمعة والله أعلم * (مسألة) * (أو فوات رفقة، أو غلبة النعاس، أو خشية التأذي بالمطر، والوحل، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة) ويعذر في تركها من يريد سفراً يخاف فوات رفقته لأن عليه في ذلك ضرراً، ومن يخاف غلبة النعاس حتى يفوتاه الجواز له أن يصلي وحده وينصرف لأن الرجل الذي صلى مع معاذ انفرد عند تطويل معاذ، وخوف النعاس والمشقة فلم ينكر عليه النبي ﷺ حين أخبره بذلك.
ويعذر في ترك الجماعة من يخاف تطويل الامام كثيراً لذلك، فإنه إذا جاز ترك الجماعة بعد دخوله فيها لأجل التطويل فترك الخروج اليها أولى، ويعذر في المطر الذي يبل الثياب، والوحل الذي يتأذى
стр. 889
به في بدنه أو ثيابه لما روى عبد الله بن الحارث قال: قال عبد الله بن العباس لمؤذنه في يوم مطير: اذا
قلت أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل حي على الصلاة وقل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذلك.
فقال ابن عباس: اتعجبون من ذلك وقد فعل ذلك من هو خير مني، إن الجمعة عزيمة واني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض.
متفق عليه، وقد روى أبو المليح أنه شهد النبي ﷺ زمن الفتح وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالم.
رواه أبو داود، ويعذر في ترك الجماعة بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة لما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر " صلوا في رحالكم " متفق عليه، ورواه ابن ماجة بإسناد صحيح ولم يقل في السفر * (باب صلاة أهل الاعذار) * * (مسألة) * (ويصلي المريض كما قال النبي ﷺ لعمران بن حصين " صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب " رواه البخاري أجمع أهل العلم على أن من لا يطبق القيام له أن يصلي جالساً لهذا الحديث، ولما روى أنس قال:
стр. 890
سقط رسول الله ﷺ عن فرس فجحش أو خدش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعداً وصلينا قعوداً.
متفق عليه (فصل) فإن أمكنه القيام إلا أنه يخشى تباطؤ برئه أو زيادة مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة فله أن يصلي قاعداً ونحوه قال مالك واسحاق، وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه فليصل جالساً وحكي بجواز ذلك عن أحمد ولنا قول الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وهذا حرج، ولأن النبي ﷺ صلى جالساً لما جحش شقه، والظاهر أن من جحش شقه لا يعجز عن القيام بالكلية ومتى صلى قاعداً فانه يكون على صفة صلاة المتطوع جالساً على ما ذكرنا (فصل) فإن قدر على القيام بأن يتكئ على عصى، أو يستند على حائط،، أو يعتمد على أحد جانبيه لزمه لأنه قادر على القيام من غير ضرر فلزمه كما لو قدر بغير هذه الاشياء، وان قدر على
القيام إلا أنه يكون على هيئة الراكع كالأحدب والكبير لزمه ذلك لأنه قيام مثله، وإن كان لقصر سقف لا يمكنه الخروج، أو سفينة، أو خائف لا يعلم به الا اذا رفع رأسه ففيه احتمالان: أحدهما يلزمه القيام كالأحدب، والثاني لا يلزمه.
فإن أحمد قال: الذي في السفينة لا يقدر أن يستتم قائماً لقصر سماء السفينة يصلي قاعداً إلا أن يكون شيئاً يسيراً فيقاس عليه ما في معناه لحديث عمران المذكور (فصل) فإن قدر المريض على الصلاة وحده قائماً ولا يقدر مع الامام لتطويله احتمل أن يلزمه القياس ويصلي وحده لأن القيام ركن لا تتم صلاته الا به، والجماعة تصح الصلاة بدونها واحتمل أنه مخير بين الأمرين لأنا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع إمام الحي العاجز عنه مراعاة للجماعة فهاهنا أولى، ولأن الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام لأن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فصلاة الجماعة تفضل على صلاته وحده سبعاً وعشرين درجة وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي * (فصل) * فإن عجز عن القعود صلى على جنب لما ذكرنا من الحديث، ويستقبل القبلة بوجهه وهذا قول مالك والشافعي وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب وأبو ثور وأصحاب الرأي يصلي مستلقياً ورجلاه الى القبلة ليكون إيماؤه اليها فانه إذا صلى على جنبه كان وجهه في الايماء إلى غير القبلة ولنا قوله ﵇ فإن لم يستطع فعلى جنب ولأنه يستقبل القبلة إذا كان على جنبه.
واذا كان على ظهره إنما يستقبل السماء ولذلك يوضع الميت على جنبه ليكون مستقبلاً للقبلة، قولهم إن وجهه في الايماء الى القبلة قلنا استقبال القبلة إنما يكون في غير حال الركوع والسجود فان
стр. 891
وجهه فيهما إنما يكون الى الأرض، فكذلك المريض ينبغي ان لا يعتبر استقباله فيهما، والمستحب أن يصلي على جنبه الأيمن لأن النبي ﷺ كان يحب التيمن في شأنه كله، وإن صلى على الأيسر جاز لأن النبي ﷺ لم يعين في الحديث جنباً ولأن المقصود استقبال القبلة، وهو حاصل على كلا الجنبين * (مسألة) * (فان صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة صحت صلاته)
في أحد الوجهين متى صلى على ظهره مستلقياً مع القدرة على الصلاة على جنبه ففيه وجهان: أحدهما يصح وهو ظاهر كلام أحمد لأنه نوع إستقبال، ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت، والثاني لا يصح وهو أظهر لأنه مخالف للحديث المذكور فإنه قال ﵇ " فإن لم يستطع فعلى جنب " ولأن في حديث عمران؟ ن رواية إلا وسعها، وهذا صريح فإن نقله إلى الاستلقاء عند العجز عن الصلاة على جنب فدل على أنه لا يجوز مع القدرة عليه، فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقياً وجهاً واحداً للحديث المذكور * (مسألة) * (ويومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه) متى عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه اعتباراً بالأصل كما قلنا في حالة الخوف، فإن عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره فصار كالراكع زاد في الانحناء قليلاً اذا ركع ويقرب وجهه الى الأرض في السجود حسب الامكان، فإن قدر على السجود على صدغه لم يفعل لأنه ليس من أعضاء السجود، وان وضع بين يديه وسادة أو شيئاً عالياً أو سجد على ربوة أو حجر جاز إذا لم يكن يمكنه تنكيس وجهه أكثر من ذلك.
وحكي عن أحمد أنه قال اختار السجود على المرفقة وقال هو أحب إلي من الايماء واختاره إسحق وجوزه الشافعي وأصحاب الرأي ورخص فيه ابن عباس وسجدت أم سلمة على مرفقة، وكره ابن مسعود السجود على عود وقال الايماء أحب إلي، ووجه الجواز أنه أتى بما يمكنه من الانحطاط أشبه الايماء.
فأما إن رفع الى وجهه شيئاً فسجد عليه فقال بعض أصحابنا لا يجزيه، وروي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأنس وهو قول مالك والثوري لأنه سجد على ما هو حامل له أشبه ما لو سجد على يديه، وروى الأثرم عن أحمد أنه قال أي ذلك فعل فلا بأس يومئ أو يرفع المرفقة فيسجد عليها، قيل له فالمروحة؟ قال أما المروحة فلا.
وروي عنه أنه قال الايماء أحب إلي وإن رفع الى وجهه شيئاً أجزأه، ولا بد أن يكون بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر منه ووجه ذلك أنه أتى بما يمكنه من الانحطاط أشبه ما لو أومأ
стр. 892
* (مسألة) * (فإن عجز عنه أومأ بطرفه ولا تسقط الصلاة) متى عجز عن الايماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه ولا تسقط عنه الصلاة متى دام عقله ثابتاً.
وحكي عن أبي حنيفة ان الصلاة تسقط عنه، وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد رواه محمد بن يزيد لما روي عن أبي سعيد أنه قيل له في مرضه الصلاة قال قد كفاني إنما العمل في الصحة ولأنه عجز عن أفعال الصلاة بالكلية فسقطت عنه.
ولنا أنه مسلم بالغ عاقل فلزمته الصلاة كالقادر على الايماء برأسه * (مسألة) * (فإن قدر على القيام أو القعود في أثنائها انتقل اليه وأتمها) ومتى قدر المريض في أثناء الصلاة على ما كان عاجزاً عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو ايماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته، وهكذا لو ابتدأها قادراً ثم عجز في أثناء الصلاة لحديث عمران ولأن ما مضى من صلاته كان صحيحاً فبنى عليه كما لو لم تتغير حاله * (مسألة) * (وإن قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود أومأ بالركوع قائماً وبالسجود قاعداً) وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يسقط القيام لأنها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود فسقط فيها القيام كالنافلة على الراحلة ولنا قوله تعالى (وقوموا لله قانتين) وحديث عمران الذي ذكرناه ولأن القيام ركن قدر عليه فلم يسقط بالعجز عن غيره كالقراءة وقياسهم فاسد لوجوه: أحدها أن الصلاة على الراحلة لا يسقط فيها الركوع (الثاني) ان النافلة لا يجب القيام فيها فما سقط فيها تبعاً لسقوط الركوع والسجود (الثالث) منقوض بصلاة الجنازة * (مسألة) * (وإذا قال ثقات من العلماء بالطب للمريض إن صليت مستلقياً أمكن مداواتك فله ذلك) وهذا قول جابر بن زيد والثوري وأبي حنيفة، قال القاضي وهو قياس المذهب، وكرهه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو وائل.
وقال مالك والاوزاعي لا يجوز لما روي عن ابن عباس أنه لما كف بصره اتاه رجل فقال لو صبرت على سبعة أيام لم تصل إلا مستلقياً داويت عينك ورجوت أن تبرأ فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ فكلهم قال له أن مت في هذه الأيام ما الذي تصنع بالصلاة فنرك معالجة عينه
ولنا أن النبي ﷺ صلى جالساً لما جحش شقه، والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام لكن كان عليه فيه مشقة أو خوف ضرر وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ها هنا ولأنا أبحنا له ترك الوضوء إذا لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن المثل صونا لجز من ماله، وترك الصوم لأجل المرض والرمد ودلت الأخبار على جواز ترك القيام في صلاة الفرض على الراحلة خوفاً من ضرر الطين في ثيابه وبدنه
стр. 893
وجاز ترك القيام اتباعاً لامام الحي والصلاة على جنبه ومستلقياً في حالة الخوف من العدو، ولا ينقص الضرر بفوات البصر عن الضرر في هذه الأحوال.
وحديث ابن عباس أن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين وإنما قال أرجو أو لأنه لم يقبل خبره لكونه واحداً أو مجهول الحال بخلاف مسئلتنا * (مسألة) * (ولا تصح الصلاة في السفينة قاعداً لقادر على القيام) اختلف قوله في الصلاة في السفينة مع القدرة عل الخروج، على روايتين.
إحداهما لا يجوز لأنها ليست حال استقرار أشبه الصلاة على الراحلة، والثانية يصح لأنه يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود أشبه الصلاة على الارض وسواء في ذلك الجارية والواقفة والمسافر والحاضر وهي أصح، ومتى قدر فيها على القيام لم يجز له تركه لحديث عمران بن حصين فإن عجز عنه صحت للحديث * (فصل) * وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل إذا كان يسيراً متى تضرر بالسجود على الأرض لأجل الوحل وخاف من تلويث بدنه وثيابه بالطين والبلل جاز له الايماء بالسجود ان كان راجلاً والصلاة على دابته، وقد روي عن أنس أنه صلى على دابته في ماء وطين وفعله جابر بن زيد.
قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول إسحق وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أن يصلي الفرض عل الراحلة لأجل المطر.
وحكى ابن أبي موسى رواية مثل ذلك لما روى أبو سعيد قال فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ قد انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين متفق عليه ولأن السجود والقيام من أركان الصلاة فلم تسقط بالمطر كبقية أركانها.
ولنا ما روى يعلى بن أمية عن النبي ﷺ أنه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فصل النبي ﷺ على راحلته وأصحابه على ظهور دوابهم
يومؤن إيما يجعلون السجود أخفض من الركوع رواه الاثرم والترمذي وفعله أنس ذكره الإمام أحمد ولم ينقل عن غيره خلافه ولأن المطر عذر يبيح الجمع فأثر في أفعال الصلاة كالسفر والمرض.
وحديث أبي سعيد بالمدينة والنبي ﷺ في مسجده، والظاهر أن الطين كان يسيراً لم يؤثر في غير الجبهة والأنف وإنما يبيح ما كان كثيراً يلوث الثياب والبدن ويلحق المضرة بالسجود فيه * (فصل) * ومتى أمكن النزول والصلاة قائماً من غير مضرة لزمه ولم يصل على دابته لأنه قدر على القيام من غير ضرر فلزمه كغير حالة المطر ولا يسقط عنه الركوع لقدرته عليه، ويومئ بالسجود لما فيه من الضرر، وان تضرر بالنزول عن دابته وتلوث صلى عليها للخبر المذكور.
ولا يجوز له ترك الاستقبال في المطر لأنه قادر عليه * (مسألة) * (وهل يجوز ذلك لأجل المرض على روايتين)
стр. 894
وجملة ذلك أن الصلاة على الراحلة لأجل المرض لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها أن يخاف الانقطاع عن الرفقة أو العجز عن الركوب أو زيادة المرض ونحوه فيجوز له ذلك كما ذكرنا في صلاة الخوف، الثاني أن لا يتضرر بالنزول ولا يشق عليه فيلزمه النزول كالصحيح، الثالث أن يشق عليه النزول مشقة يمكن تحملها من غير خوف ولا زيادة مرض ففيه الروايتان احداهما لا تجوز له الصلاة على الراحلة لأن ابن عمر كان ينزل مرضاه احتج به أحمد ولأنه قادر على أفعال الصلاة من غير ضرر كثير فلزمه كغير الراكب، والثانية يجوز اختارها أبو بكر لأن المشقة في النزول أكثر من المشقة عليه في المطر فكان إباحتها ها هنا أولى، ومن نظر الرواية الأولى قال إن نزول المريض يؤثر في حصوله على الأرض وهو أسكن له وأمكن للصلاة، والممطور يتلوث بنزوله ويتضرر بحصوله على الأرض فالمريض يتضرر بنفس النزول لا في الحصول على الأرض والممطور يتضرر بحصوله على الأرض دون نفس النزول فقد اختلفت جهة الضرر فلا يصح الإلحاق * (فصل) * في قصر الصلاة، قصر الصلاة في السفر جائز والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة
إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقال يعلى بن أمية الضمري قلت لعمر بن الخطاب (ليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقد أمن الناس.
فقال عجبت مما عجبت منه.
فسألت رسول الله ﷺ فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " أخرجه مسلم.
وتواترت الأخبار أن النبي ﷺ كان يقصر في أسفاره حاجاً ومعتمراً وغازياً، قال أنس خرجنا مع رسول الله ﷺ الى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة، وقال ابن عمر صحبت رسول الله ﷺ حتى قبض - يعني في السفر - فكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قبض فكان لا يزيد على ركعتين،، وعمر وعثمان كذلك متفق عليه.
وأجمعت الأمة على أن من سافر سفراً تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد ان له قصر الصلاة الرباعية الى ركعتين * (مسألة) * (ومن سافر سفراً مباحاً يبلغ ستة عشر فرسخاً فله قصر الصلاة الرباعية خاصة إلى ركعتين)
стр. 895
يشترط لجواز القصر للمسافر شروط أحدها أن يكون سفره مباحاً لا حرج عليه فيه كسفر التجارة وهذا حكم سائر الرخص المختصة بالسفر كالجمع والمسح ثلثاً والفطر والنافلة على الراحلة وهذا قول أكثر أهل العلم.
روي نحوه عن علي وابن عباس وابن عمر وبه قال الأوزاعي والشافعي واسحق وأهل المدينة وأصحاب الرأي، وعن ابن مسعود لا تقصر إلا في حج أو جهاد لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، وعن عطاء لا تقصر الا في سبيل من سبل الخير لأن النبي ﷺ إنما قصر في سفر واجب أو مندوب ولنا قوله تعالى (فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة) وقالت عائشة أن الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر متفق عليه.
وعن ابن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة رواه مسلم.
وفي حديث صفوان بن عسال أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا مسافرين سفراً أن لا ننزع خفا قبل ثلاثة أيام ولياليهن رواه الترمذي، وهذه نصوص تدل على إباحة الترخص في كل سفر، وقد
كان النبي ﷺ يترخص في العود من السفر وهو مباح * (فصل) * فأما سفر المعصية فلا تباح فيه هذه الرخص كالاباق وقطع الطريق والتجارة في الخمر ونحوه نص عليه أحمد وهذا قول الشافعي، وقال الثوري والاوزاعي له ذلك لما ذكرنا من النصوص ولأنه مسافر أشبه المطيع ولنا قوله تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) خص إباحة الأكل بغير الباغي والعادي فدل على أنه لا يباح للباغي والعادي وهذا في معناه ولأن الترخص شرع للإعانة على المقصود المباح توصلاً الى المصلحة فلو شرع ها هنا لشرع إعانته على المحرم تحصيلاً للمفسدة والشرع منزه عن هذا والنصوص وردت في حق الصحابة وكانت أسفارهم مباحة فلا يثبت الحكم فيما خالفهما ويتعين حمله على ذلك جمعاً بين النصوص وقياس سفر المعصية على الطاعة لا يصح
стр. 896
* (فصل) * إذا غرب في الحد إلى مسافة القصر جاز له القصر وسائر الرخص، وكذلك اذا نفي قاطع الطريق لأنه سفر لزمه بالشرع أشبه سفر الغزو، وقال ابن عقيل ويحتمل أن لا يقصر لأنه سفر سببه المعصية أشبه سفر المعصية ولأنه ليس بأحسن حالا من سفر النزهة وفيه روايتان فيخرج ها هنا مثله والأولى أولى ويمكن التفريق بين هذا وبين سفر المعصية لأن ذلك تصح التوبة منه بخلاف هذا، وإن هرب المدين من غرمائه وهو معسر قصر وإن لم يكن معسراً والدين حال أو مؤجل يحل قبل مدة السفر احتمل وجهان ذكر هذا ابن عقيل أحدهما لا يقصر لأنه سفر يمنع حقاً واجباً عليه والثاني يقصر لأنه نوع حبس فلا يتوجه عليه قبل المطالبة * (فصل) * فإن عدم الماء في سفر المعصية لزمه التيمم لأنه عزيمة وهل تلزمه الإعادة على وجهين (أحدهما) لا تلزمه لأن التيمم عزيمة بدليل وجوبه والرخصة لا تجب (والثاني) عليه الإعادة لأنه حكم يتعلق بالسفر أشبه بقية الرخص والأولى أولى لأنه أتى بما أمر به فلم تلزمه الإعادة وفارق بقية الرخص لأنه ممنوع منهما وهذا مأمور به فلا يمكنه تعدية حكمها الى التيمم وقولهم إن ذلك مختص بالسفر ممنوع ويباح له المسح يوماً وليلة لأن ذلك يختص بالسفر أشبه الاستجمار وقيل لا يجوز لأنه رخصة
فلم يبح كرخص السفر والأول أولى لما بينا * (فصل) * وإذا كان السفر مباحاً فغير نيته الى المعصية انقطع الترخص لزوال سببه ولو كان لمعصية فغير نيته الى المباح في السفر، وتعتبر مسافة القصر من حين غير النية لان وجود ما مضى من سفره لا يؤثر في الإباحة فهو كعدمه فأما إن كان السفر مباحاً لكنه يعصي فيه أبيح له الترخص لأن السبب السفر وهو مباح وقد وجد فيثبت حكمه ولم تمنعه المعصية كما ان لمعصية في الحضر لا تمنع الترخص فيه * (فصل) * وفي سفر التنزه والتفرج روايتان (إحداهما) يبيح الترخص وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه مباح فيدخل في عموم النصوص وقياس على سفر التجارة (والثانية) لا يترخص فيه لأنه إنما شرع إعانته على تحصيل المصلحة ولا مصلحة في هذا والأولى أولى
стр. 897
* (فصل) * فان سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها لقوله ﵇ " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " متفق عليه قال شيحنا والصحيح إباحته وجوز الترخص فيه لأن النبي ﷺ كان يأتي قباء راكباً وماشياً، وكان يزور القبور وقال " زورها تذكركم الآخرة " والحديث المذكور محمول على نفي الفضيلة لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر فلا يضر انتفاؤها * (فصل) * الشرط الثاني: أن تكون مسافة سفره ستة عشر فرسخاً فما زاد، قال الأثرم قيل لأبي عبد الله في حكم القصر للصلاة؟ قال في أربعة برد.
قيل له مسيرة يوم تام؟ قال لا أربعة برد ستة عشر فرسخاً مسيرة يومين والفرسخ ثلاثة أميال، قال القاضي والميل أثنا عشر ألف قدم وذلك مسيرة يومين قاصدين، وقد قدره ابن عباس من عسفان إلى مكة ومن الطائف إلى مكة ومن جدة الى مكة وذكر صاحب المسالك أن من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلاً ومن دمشق الى الكسوة اثنا عشر ميلاً ومن الكسوة الى جاسم أربعة وعشرون ميلاً فعلى هذا تكون مسافة القصر يومين قاصدين، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وهو مذهب مالك والليث والشافعي وإسحق.
وروي عن ابن عمر أنه يقصر في مسيرة عشرة فراسخ حكاه ابن المنذر، وروي نحوه عن ابن عباس أنه
قال يقصر في يوم ولا يقصر فيما دونه واليه ذهب الأوزاعي، قال إبن المنذر عامة العلماء يقولون مسيرة يوم تام وبه نأخذ.
وروي عن ابن مسعود أنه يقصر في مسيرة ثلاثة أيام وبه قال الثوري وأبو حنيفة لقول النبي ﷺ " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك ولأن الثلاثة متفق عليها وليس في ما دونها توقيف ولا اتفاق.
وروي عن جماعة من السلف ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم.
فقال الأوزاعي كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ وكان قبيصة بن ذؤيب وهانئ بن كلثوم وابن محيريز يقصرون فيما بين الرملة وبيت المقدس، وروي عن علي ﵁ أنه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه فقال أردت أن أعلمكم سننكم.
وروي أن دحية الكلبي خرج
стр. 898
من قرية من دمشق مرة الى قدر ثلاثة أميال في رمضان ثم أنه أفطر وأفطر معه أناس كثير، وكره آخرون أن يفطروا فلما رجع الى قريته قال والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه، إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ يقول ذلك للذين صاموا، رواه أبو داود.
وعن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة رواه سعيد واحتج اصحابنا بقول ابن عباس وابن عمر يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ما بين عسفان إلى مكة قال الخطابي وهو أصح الروايتين عن ابن عمر ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الحل والعقد فجاز القصر فيها كالثلاث ولم يجز فيما دونها لأنه لم يثبت دليل بوجوب القصر فيه، وحديث أبي سعيد يحمل على أنه ﵇ كان إذا سافر سفراً طويلاً قصر واذا بلغ فرسخاً قال شيخنا ولا أدري لما صار إليه الائمة حجة لأن أقوال الصحابة مختلفة متعارضة ولا حجة فيها مع الاختلاف، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن قولهم حجة مع قول النبي ﷺ وفعله، واذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير الى التقدير الذي ذكروه لوجهين: أحدهما أنه مخالف للسنة التي رويناها ولظاهر القرآن، فان ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في الأرض.
فأما قول النبي ﷺ " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " فإنما جاء لبيان أكثر مدة المسح فلا يصح الاحتجاج به
стр. 899
ها هنا، على أنه يمكنه قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام وقد سماه النبي ﷺ سفراً فقال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم " والثاني أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد لاسيما وليس له أصل يرد اليه ولا نظير يقاس عليه والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الاجماع على خلافه * (فصل) * وحكم سفر البر حكم سفر البحر إن بلغت مسافة القصر، وان شك في كون السفر مبيحاً أو لا لم يبح لأن الأصل عدمه ووجوب الاتمام، فان قصر لم تصح صلاته وإن تبين له بعدها أنه طويل لأنه صلى مع الشك فلم تصح صلاته كما لو صلى شاكاً في دخول الوقت * (فصل) * والاعتبار بالنية لا بالفعل فيعتبر أن ينوي مسافة القصر فلو خرج يقصد سفراً بعيداً فقصر الصلاة ثم بدا له فرجع كان ما صلاه صحيحاً ولا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها نص عليه أحمد، على هذا ولو خرج طالباً عبدا آبقاً لا يعلم أين هو أو منتجعاً غيثاً أو كلأ متى وجده أقام أو سائحاً في الأرض لا يقصد مكاناً لم يبح له القصر وان سار أياماً، وقال ابن عقيل يباح له القصر اذا بلغ مسافة القصر لأنه سافر سفراً طويلاً
стр. 900
ولنا أنه لم يقصد مسافة القصر فلم يبح له كابتداء سفره ولأنه سفر لم يبح القصر في ابتدائه فلم يبح في أثنائه اذا لم يغير نيته كالسفر القصير وسفر المعصية ومتى رجع هذا يقصد بلاد أو نوى مسافة القصر فله القصر لوجود النية المبيحة، ولو قصد بلداً بعيداً وفي عزمه أنه متى وجد طلبته دونه رجع أو أقام لم يبح له القصر لأنه لم يجزم بسفر طويل، وإن كان لا يرجع ولا يقيم بوجوده فله القصر * (فصل) * ومن خرج الى سفر مكرهاً كالأسير فله القصر إذا كان سفره بعيداً نص عليه أحمد وقال الشافعي لا يقصر لانه غيرنا وللسفر ولا جازم به، فان نيته متى أقلت رجع ولنا أنه مسافر سفراً بعيداً غير محرم فأبيح له القصر كالمرأة مع زوجها والعبد مع سيده اذا كان عزمهما أنه لو مات أو زال ملكهما رجعا، قياسهم منتقض بهذا إذا ثبت هذا فانه يتم إذا صار
في حصونهم نص عليه أيضاً لأنه قد انتقضى سفره، ويحتمل أن لا يلزمه الاتمام لأن في عزمه أنه متى أفلت رجع فهو كالمحبوس ظلماً (الشرط الثالث) ان القصر يختص ابرباعية، فأما المغرب والصبح فلا قصر فيهما.
قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح وان القصر إنما هو في الرباعية ولأن الصبح ركعتان فلو قصرت صارت ركعة وليس في الصلاة ركعة إلا الوتر والمغرب وتر النهار فان قصر منها ركعة لم يبق وتراً، وإن قصر ركعتان كان اجحافاً بها واسقاطاً لأكثرها * (مسألة) * (إذا جاوز بيوت قريته أو خيام قومه) وجملة ذلك أنه ليس لمن نوى السفر القصر حتى يشرع في السفر بخروجه من بيوت قريته وهذا
стр. 901
قول الشافعي والاوزاعي واسحق.
وحكي ذلك عن جماعة من التابعين، وحكي عن عطاء وسليمان بن موسى أنهما أباحا القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحرث بن أبي ربيعة أنه أراد سفراً فصلى بهم في منزله ركعتين وفيهم الأسود بن يزيد وغيره من أصحاب عبد الله، وروي عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداه فلم تجاوز البيوت حتى دعاه بالسفرة ثم قال اقترب، قلت ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله ﷺ فأكل، رواه أبو داود ولنا قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ولا يكون ضارباً حتى يخرج.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه إنما كان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة، فروى أنس قال صليت مع النبي ﷺ بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين متفق عليه.
فأما أبو بصرة فانه لم يأكل حتى دفع بدليل قول عبيد له ألست ترى البيوت وقوله لم يجاوز البيوت معناه لم يتعد منها إذا ثبت هذا فانه يجوز القصر، وان كان قريباً قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها.
وروي عن مجاهد أنه قال إذا خرجت مسافراً فلا تقصر الصلاة يومك
стр. 902
ذلك الى الليل واذا رجعت فلا تقصر ليلتك حتى تصبح، والآية تدل على خلاف قوله.
وروي أن النبي ﷺ كان إذا خرج من المدينة لا يزيد على ركعتين حتى يرجع اليها وقد ذكرنا حديث أبي بصرة، وقال البخاري خرج علي فقصر الصلاة وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة.
قال لا حتى ندخلها * (فصل) * فاذا خرج من البلد وصار بين حيطان بساتينه فله القصر لأنه قد ترك البيوت وراء ظهره، وان كان حول البلد خراب قد تهدم وصار فضاء أبيح القصر فيه كذلك وإن كان حيطانه قائمة فكذلك قاله الآمدي، وقال القاضي لا يباح وهو مذهب الشافعي لأن السكنى فيه ممكنة أشبه العامر ولنا أنها غير معدة للسكنى أشبهت حيطان البساتين، وإن كان في وسط البلد نهر فاجتازه فليس له القصر لأنه لم يخرج من البلد ولم يفارق البنيان فأشبه الرحبة والميدان في وسط البلد، وإن كان للبلد محال كل محلة منفردة عن الأخرى كبغداد فمتى خرج من محلة أبيح له القصر اذا فارق محلته، وإن كان بعضها متصلاً ببعض لم يقصر حتى يفارق جميعاً، ولو كانت قريتان متدانيتين واتصل بناء إحداهما بالأخرى فهما كالواحدة، وان لم يتصل فلكل قرية حكم نفسها * (فصل) * وحكم السفر من الخيام والحلل حكم السفر من القرى فيما ذكرنا متى فارق حلته قصر وان كانت حللاً فلكل حلة حكم نفسها كالقرى، وإن كان بيته منفرداً فحتى يفارق منزله ورحله
стр. 903
ويجعله وراء ظهره كالحضري.
وقال القاضي إن كان نازلاً في واد وسافر في طوله فكذلك، وان سافر في عرضه فكذلك إن كن واسعاً، وان كان ضيقاً لم يقصر حتى يقطع عرض الوادي ويفارقه وقال ابن عقيل متى كانت حلته في واد لم يقصر حتى يفارقه، والأولى جواز القصر اذا فارق البنيان مطلقاً لما ذكرنا من الأدلة كما لو كان نازلاً في الصحراء ولأن المعنى المجوز للترخص وجود المشقة وذلك موجود في الوادي كوجوده في غيره * (مسألة) * (وهو أفضل من الاتمام وإن أتم جاز)
القصر أفضل من الاتمام في قول جمهور العلماء ولا نعلم احدا خالف فيه الا الشافعي في أحد قوليه قال الاتمام أفضل لأنه أكثر عملاً وعدداً وهو الأصل فكان أفضل كغسل الرجلين.
ولنا أن النبي ﷺ كان يداوم على القصر، قال ابن عمر صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله متفق عليه.
ولما بلغ ابن مسعود أن عثمان صلى أربعاً استرجع وقال صليت مع النبي ﷺ ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق ولوددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان.
وقد كره طائفة من الصحابة الاتمام فقال ابن عباس للذي قال له كنت أنم الصلاة وصاحبي يقصر: أنت الذي كنت تقصر وصاحبك يتم.
وروي ان رجلاً سأل ابن عمر عن صلاة السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر ولأنه اذا قصر أدى الفرض بالإجماع بخلاف الاتمام، وأما الغسل فلا نسلم أنه أفضل من المسح * (فصل) * والاتمام جائز في المشهور عن أحمد وقد روي عنه أنه توقف وقال أنا أحب العافية من هذا المسألة وقال مرة أخرى ما يعجبني، وممن روي عنه الاتمام في السفر عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وبه قال الأوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك، وقال حماد بن أبي سليمان ليس له
стр. 904
الاتمام في السفر وهو قول الثوري وأبي حنيفة، وأوجب حماد على من أتم الاعادة، وقال أصحاب الرأي إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد فصلاته صحيحة وإلا فلا، وقال عمر بن عبد العزيز الصلاة في السفر ركعتان حتى لا يصلح غيرهما، واحتجوا بأن صلاة السفر ركعتان بدليل قول عائشة إن الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر متفق عليه.
وقال عمر ﵁ صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ وقد خاب من افترى رواه ابن ماجه، وسئل ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر ولأن الركعتين الآخرتين يجوز تركهما إلى غير بدل فلم يجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين كالزيادة على صلاة الفجر
ولنا قوله تعالى (فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة) وهذا يدل على أن القصر رخصة يتخير بين فعله وتركه كسائر الرخص وقول النبي ﷺ في حديث يعلى بن أمية " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " يدل على أنه رخصة وليس بعزيمة، وقالت عائشة خرجت مع رسول الله ﷺ في عمره في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتمت قال " أحبسنت " رواه أبو داود الطيالسي ولأنه لو ائتم بمقيم صلى أربعاً والصلاة لا تزيد بالائتمام، وعن أنس قال - كنا أصحاب رسول الله - نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحد على أحد وهذا إجماع منهم على جواز الامرين، فأما قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين فإنما أرادت أن ابتداء فرضها كان ركعتين ثم أتمت بعد الهجرة فصارت أربعاً وكذلك كانت تتم الصلاة ولو اعتقدت ما أراده هؤلاء لم تتم.
وقول عمر تمام غير قصر أراد تمام فضلها ولم يرد أنها غير مقصورة الركعتان لأنه خلاف ما دلت عليه الآية والاجماع إذ الخلاف إنما هو في القصر والاتمام، وقد ثبت برواية عن النبي صلى الله عليه
стр. 905
وسلم في حديث يعلى بن أمية أنها مقصورة، ثم لو ثبت أن أصل الفرض ركعتان لم تمتنع الزيادة عليها كما لو ائتم بمقيم ويخالف زيادة ركعتين على صلاة الفجر فإنه لا تجوز زيادتهما بحال * (مسألة) * (وإن أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام أو ذكر صلاة حضر في سفر أو صلاة سفر في حضر أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه أو أحرم بصلاة يلزمه اتمامها ففسدت وأعادها أو لم القصر لزمه أن يتم، وقال أبو بكر لا يحتاج الجمع والقصر الى نية) اذا أحرم بالصلاة في سفينة في الحضر فخرجت به في أثناء الصلاة أو أحرم في السفر فدخلت في أثناء الصلاة البلد لم يقصر لأنها عبادة تختلف بالسفر والحضر فاذا أوجد أحد طرفها في الحضر غلب حكمه كالمسح * (فصل) * فأما إن سافر بعد دخول الوقت فقال أصحابنا يتم، وذكر ابن عقيل فيه روايتين إحداهما يتم لأنها وجبت في الحضر فلزمه إتمامها كما لو سافر بعد خروج وقتها، والثانية له قصرها وهو قول
مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكاه ابن المنذر إجماعا لأنه سافر قبل خروج وقتها أشبها ما لو سافر قبل وجوبها وكلابس الخف اذا أحدث ثم سافر قبل المسح * (فصل) * وإن نسي صلاة حضر فذكرها في السفر وجبت عليه أربعاً بالإجماع حكاه الإمام أحمد وابن المنذر قال لأنه قد اختلف فيه عن الحسن فروي عنه أنه قال يصليها ركعتين وروي عنه كقول الجماعة لأن الصلاة يتعين فعلها فلم يجز له النقصان من عددها كما لو لم يسافر، وأما إذا نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر فقال أحمد في رواية الأثرم عليه الاتمام احتياطا وبه قال الأوزاعي وداود والشافعي في أحد قوليه وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي يصليها صلاة سفر لأنه إنما يقضي ما فاته وهو ركعتان.
ولنا أن القصر رخصة من رخص السفر فبطلت بزواله كالمسح ثلاثا ولأنها وجبت عليه في الحضر بدليل قوله ﵇ " فليصلها إذا ذكرها " ولانها عبادة تختلف بالحضر والسفر
стр. 906
فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه كالسفينة اذا دخلت به البلد في أثناء الصلاة، وقياسهم ينتقض بالجمعة اذا فاتت وبالمتيمم اذا فاتته الصلاة فقضاها عند وجود الماء * (فصل) * وإذا ائتم المسافر بمقيم لزمه الائتمام سواء أدرك جميع الصلاة أو بعضها، وقال ابن أبي موسى فيه رواية أنه اذا أحرم في آخر صلاته لا يلزمه أن يتم، قال الأثرم سألت أبا عبد الله عن المسافر يدخل في تشهد المقيمين قال يصلي أربعاً، روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين وبه قال الثوري والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال إسحق للمسافر القصر لأنها صلاة يجوز فعلها ركعتين فلم تزد بالائتمام كالفجر، وقال طاوس والشعبي في المسافر يدرك من صلاة المقيمين ركعتين تجزيان، وقال الحسن والنخعي والزهري وقتادة ومالك إن أدرك أتم وإن أدرك دونها قصر لقول النبي ﷺ " من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة " ولأن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها ولنا ما روى أنه قيل لابن عباس ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعاً اذا ائتم بمقيم؟ فقال تلك السنة رواه الإمام أحمد وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ ولأنه فعل
من سمينا من الصحابة ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً ولأنها صلاة مردودة من أربع الى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة وما ذكروه لا يصح عندنا فانه لا تصح له صلاة الفجر خلف من يصلي رباعية، وإدراك الجمعة يخالف ما نحن فيه فانه لو أدرك ركعة من الجمعة رجع الى الركعتين وهذا بخلافه ولأن النبي ﷺ قال " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " ومفارقة إمامه مع إمكان متابعته اختلاف عليه * (فصل) * وإذا أحرم المسافرون خلف مسافر وأحدث واستخلف مسافراً فلهم القصر وإن استخلف مقيماً لزمهم الاتمام لأنهم ائتموا بمقيم، وللامام المحدث القصر لأنه لم يأتم بمقيم ولو صلى
стр. 907
المسافرون خلف مقيم فأحدث واستخلف مسافراً أو مقيماً لزمهم الاتمام لأنهم ائتموا بمقيم فان استخلف مسافراً لم يكن معهم في الصلاة فله أن يصلي صلاة السفر لأنه لم يأتم بمقيم * (فصل) * وإذا أحرم المسافر خلف من يشك فيه أو من يغلب على ظنه أنه مقيم لزمه الإتمام وإن قصر إمامه لأن الأصل وجوب الائتمام فليس له نية قصرها مع الشك في وجوب إتمامها فلزمه الإتمام اعتباراً بالنية وهذا مذهب الشافعي، وإن غلب على ظنه ان الامام مسافر بإمارة آثار السفر فله أن ينوي القصر فان قصر إمامه قصر معه وإن أتم تابعه فيه وان نوى الاتمام لزمه الاتمام سواء قصر إمامه أو أتم اعتباراً بالنية، وان نوى القصر فأحدث امامه قبل علمه بحاله فله القصر لأن الظاهر أن امامه مسافر لوجود دليله وقد أتيحت له نية القصر بناء على هذا الظاهر ويحتمل أن يلزمه الإتمام إحتياطاً (فصل) واذا صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين ففرقهم فرقتين فأحدث قبل مفارقة الطائفة الاولى واستخلف مقيماً لزم الطائفتين الإتمام لأنهم ائتموا بمقيم وإن كان ذلك بعد مفارقة الاولى أتمت الثانية وحدها لأنها اختصت بموجبه، وإن كان الإمام مقيماً فاستخلف مسافراً ممن كان معه في الصلاة فعلى الجميع الاتمام لأن المستخلف قد لزمه الاتمام باقتدائه بالمقيم فصار كالمقيم، وإن لم يكن دخل معه في الصلاة وكان استخلافه قبل مفارقة الاولى فعليها الاتمام لائتمامها بمقيم وكقصر الامام والطائفة الثانية وإن استخلف بعد دخول الثانية فعلى الجميع الاتمام وللمستخلف
القصر وحده لأنه لم يأتم بمقيم (فصل) وإذا صلى مقيم ومسافر خلف مسافر أتم المقيم إذا سلم إمامه وذلك إجماع، وقد روى عمران بن حصين قال: شهدت الفتح مع رسول الله ﷺ فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي
стр. 908
إلا ركعتين ثم يقول لأهل البلد " صلوا أربعاً فإنا سفر " رواه أبو داود، ولأن الصلاة واجبة عليه أربعاً فلم يسقط شئ منها كما لو لم يأتم بالمسافر ويستحب أن يقول الإمام للمقيمين أتموا فإنا سفر كما في الحديث، ولئلا يلتبس على الجاهل عدد ركعات الصلاة، وقد روى الأثرم عن الزهري ان عثمان إنما أتم لأن الاعراب حجوا فأراد أن يعرفهم أن الصلاة أربع (فصل) واذا أم المسافر المقيمين فأتم بهم الصلاة فصلاتهم تامة، وبهذا قال الشافعي واسحاق وقال الثوري وأبو حنيفة: تفسد صلاة المقيمين وتصح صلاة الامام والمسافرين معه، وعن أحمد نحوه قال القاضي: لأن الركعتين الآخرتين نفل من الامام ولا يؤم بها مفترضين ولنا أن المسافر يلزمه الإتمام بنيته فيكون الجميع واجباً، ثم لو كانت نفلاً فائتمام المفترض بالمتنفل صحيح على ما مضى (فصل) وإن أم مسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة صحت صلاة الجميع ولا يلزمه سجود سهو لأنها زيادة لا يبطل عمدها الصلاة فلا يجب السجود لسهوها كزيادات الاقوال، وهل يشرع السجود يخرج على روايتين فيما إذا قرأ في الركوع والسجود، وقال ابن عقيل لا يحتاج إلى سجود لأنه أتى بالأصل ولنا أن هذا زيادة نقضت الفضيلة وأخلت بالكمال أشبهت القراءة في غير محلها كقراءة السورة في الأخيرتين، فاذا ذكر الامام بعد قيامه إلى الثالثة لم يلزمه الاتمام وله أن يجلس، فان الموجب للإتمام نيته أو الائتمام بمقيم ولم يوجد واحد منهما، وإن علم المأموم أن قيامه لسهو لم يلزمه متابعته
стр. 909
ويسبحون له لأنه سهو فلا يجب إتباعه فيه ولهم مفارقته إن لم يرجع كما لو قام إلى ثالثة في الفجر وإن
تابعوه لم تبطل صلاتهم لأنها زيادة لا تبطل صلاة الامام فلا تبطل صلاة المأموم بمتابعته فيها كزيادات الأقوال.
وقال القاضي: تفسد صلاتهم لأنهم زادوا ركعتين عمداً، وإن لم يعلموا هل قاموا سهواً أو عمداً لزمهم متابعته لأن وجوب المتابعة ثابتة فلا تزول بالشك (فصل) وإذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها مثل إن نوى الاتمام أو ائتم بمقيم فسدت الصلاة وأراد اعادتها لزمه الاتمام لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم ونية الاتمام وهذا قول الشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة اذا فسدت صلاة الامام عاد المسافر إلى القصر ولنا أنها وجبت بالشروع فيها تامة فلم يجز له قصرها كما لو لم تفسد (فصل) ومن لم ينو القصر لزمه الاتمام لأن نية القصر شرط في جوازه ويعتبر وجودها عند أول الصلاة كنيتها كذلك ذكره الخرقي والقاضي، وقال أبو بكر لا يحتاج الجمع والقصر الى نية لأن من خير في العبادة قبل الدخول فيها خير بعد الدخول فيها كالصوم، ولأن القصر هو الأصل بدليل خبر عائشة وعمر وابن عباس فلا يحتاج إلى نية كالاتمام في الحضر، ووجه الأول أن الاتمام هو الأصل على ما ذكرنا، وقد أجبنا عن الأخبار المذكورة وإطلاق النية ينصرف إلى الأصل ولا ينصرف
стр. 910
عنه إلا بتعيين ما يصرف إليه كما لو نوى الصلاة مطلقاً ولم ينو أماماً ولا مأموماً فانه ينصرف إلى الانفراد إذ هو الأصل والتفريع على هذا القول، فلو شك في أثناء صلاته هل نوى القصر في ابتدائها أو لا ألزمه الاتمام؟ احتياطاً لأن الأصل عدم النية، فان ذكر بعد ذلك انه قد نوى القصر لم يجز له القصر لأنه قد لزمه الاتمام فلم يزل (فصل) ومن نوى القصر ثم نوى الاتمام أو نوى ما يلزمه به الاتمام من الاقامة وسفر المعصية أو نوى الرجوع ومسافة رجوعه لا يباح فيها القصر ونحو هذا لزمه الاتمام ولزم من خلفه متابعته وبهذا قال الشافعي وقال مالك: لا يجوز له الاتمام لأنه نوى عدداً واذا زاد عليه حصلت الزيادة بغير نية ولنا أن نية صلاة الوقت قد وجدت وهي أربع، وإنما أبيح ترك ركعتين رخصة، فاذا أسقط نية الترخص صحت الصلاة بنيتها ولزمه الاتمام ولأن الاتمام الأصل، وإنما أبيح تركه يشرط
فاذا زال الشرط عاد الأصل إلى حاله (فصل) واذا قصر المسافر معتقداً تحريم القصر لم تصح صلاته لأنه فعل ما يعتقد تحريمه فلم يقع مجزئاً كمن صلى ويعتقد أنه محدث ولأن نية التقرب بالصلاة شرط وهذا يعتقد أنه عاص فلم تصح نية التقرب * (مسألة) * (ومن له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد أو ذكر صلاة سفر في آخر فله القصر) اذا كان لسفره طريقان يباح القصر في أحدهما لبعده دون الآخر فسلك البعيد ليقصر الصلاة
стр. 911
فيه أو لغير ذلك أبيح له القصر لأنه مسافر سفراً بعيداً مباحاً فأبيح له القصر كما لو لم يجد سواه وكما لو كان الآخر مخوفاً أو شاقاً.
وقال ابن عقيل أن سلك الأبعد لرفع أذية واختلاف نفع قصر قولاً واحداً وإن كان لا لغرض صحيح خرج على الروايتين في سفر التنزه وقد ذكرنا توجيههما (فصل) وإن نسي الصلاة في سفر وذكرها فيه قضاها مقصورة لأنها وجبت في السفر وفعلت فيه أشبه ما لو صلاها في وقتها، وإن ذكرها في سفر آخر فكذلك لما ذكرنا وسواء ذكرها في الحضر أو لم يذكرها ويحتمل أنه إذا ذكرها في الحضر لزمته تامة لأنه وجب عليه فعلها تامة بذكره إياها فبقيت في ذمته ويحتمل أن يلزمه إتمامها اذا ذكرها في سفر آخر سواء ذكرها في الحضر أو لا لأن الوجوب كان ثابتاً في ذمته في الحضر، والأولى أولى لأن وجوبها وفعلها في السفر فكانت صلاة سفر كما لو لم يذكرها في الحضر.
وذكر بعض أصحابنا أن من شرط القصر كون الصلاة مؤداة لأنها صلاة مقصورة فاشترط لها الوقت كالجمعة وهذا فاسد لأنه اشترط بالرأي والتحكم ولم يرد الشرع به والقياس على الجمعة لا يصح فإن الجمعة لا تقضي ويشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان فجاز أن يشرط لها الوقت بخلاف هذه * (مسألة) * (واذا نوى الاقامة ببلد أكثر من احدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر) المشهور عن أحمد ﵀ أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام اذا نوى الإقامة فيها ما كان أكثر
стр. 912
من احدى وعشرين صلاة رواه الأثرم وغيره وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه إن نوى الإقامة أكثر
من أربعة أيام أتم حكى هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل.
وعنه اذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإلا قصر، وهذا قولل مالك والشافعي وأبي ثور وروي عن عثمان ﵁ وعن سعيد ابن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعاً فصل أربعاً لأن الثلاث حد القلة لقوله ﵇ " يقيم المسافر بعد قضاء نسكه ثلاثا " فدل أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة.
وقال الثوري وأصحاب الرأي ان أقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، فان نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: اذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي ﵁ قال يتم الصلاة الذي يقيم عشرا ويقصر الذي يقول أخرج اليوم أخرج غداً شهراً، وعن ابن عباس أنه قال يقصر اذا أقام تسعة عشر يوماً ويتم اذا زاد لأن النبي ﷺ أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، قال ابن عباس فنحن اذا أقمنا تسعة عشر نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا رواه البخاري، وقال الحسن صل ركعتين ركعتين إلا أن تقدم مصراً فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة اذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعاً ولنا ما روى أنس قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة فصلى ركعتين حتى
стр. 913
رجع وأقام بمكة عشراً يقصر الصلاة متفق عليه.
وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس أن النبي ﷺ قدم مكة لصبح رابعة فأقام النبي ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها قال فاذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر واذا أجمع على أكثر من ذلك أتم، قال الاثرم وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر فقال هو كلام ليس يفقهه كل أحد، فقوله أقام النبي ﷺ عشراً يقصر الصلاة وقال قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وخامسة وسابعة ثم قال ثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي ﷺ بمكة ومنى وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه
أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام احدى وعشرين صلاة يقصر وهي تزيد على أربعة أيام وهو صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام، وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف في الصحابه لا يصح، لأنا قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي ﷺ تسعة عشر، وجهه أن النبي صلى الله عليه لم يجمع الإقامة.
قال أحمد قام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح ثماني عشرة لأنه أراد حنيناً ولم يكن تم إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس وهو دليل على خلاف قول عائشة والحسن والله أعلم
стр. 914
* (فصل) * ومن قصد بلداً بعينه فوصله غير عازم على إقامة به مدة تقطع حكم سفره فله القصر فيه لأن النبي ﷺ كان في أسفاره يقصر حتى يرجع وحين قدم مكة كان يقصر فيها، ولا فرق بين أن يقصد الرجوع إلى بلده كما فعل النبي ﷺ في حجة الوداع على ما في حديث أنس وبين أن يريد بلداً آخر كما فعل ﵇ في غزوة الفتح كما في حديث ابن عباس * (فصل) * وإذا مر في طريقه على بلداً له فيه أهل أو مال فقال أحمد في موضع يتم وقال في موضع لا يتم إلا أن يكون ماراً وهذا قول ابن عباس، وقال مالك يتم إذا أراد أن يقيم بها يوماً وليلة، وقال الشافعي وابن المنذر يقصر ما لم يجمع على إقامة أربع لأنه مسافر ولنا ما روى عن عثمان أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه، فقال يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله ﷺ " يقول من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم " رواه أحمد في المسند، وقال ابن عباس إذا قدمت على أهل لك أو مال فصل صلاة المقيم، ولأنه مقيم ببلد له فيه أهل ومال أشبه البلد الذي سافر منه * (فصل) * قال أحمد من كان مقيماً بمكة ثم خرج إلى الحج وهو يريد أن يرجع إلى مكة فلا يقيم بها فهذا يصلي ركعتين بعرفة لأنه حين خرج من مكة أنشأ السفر الى بلده ليس على أن عرفة سفره فهو في سفر من حين خرج من مكة، ولو أن رجلاً كان مقيماً ببغداد فأراد الخروج الى الكوفة
стр. 915
فعرضت له حاجة بالنهروان ثم رجع فمر ببغداد ذاهباً الى الكوفة صلى ركعتين اذا كان يمر ببغداد مجتازاً لا يريد الاقامة بها، وإن كان الذي خرج الى عرفة في نيته الإقامة بمكة إذا رجع لم يقصر بعرفة وكذلك أهل مكة لا يقصرون، وإن صلى خلف رجل مكي يقصر الصلاة بعرفة ثم قام بعد صلاة الامام فأضاف اليها ركعتين آخرتين صحت صلاته لانه المكي يقصر بتأويل فصحت صلاة من يأتم به * (فصل) * وإذا خرج المسافر فذكر حاجة فرجع اليها فله القصر في رجوعه إلا أن يكون نوى أن يقيم اذا رجع مدة يقطع القصر ويكون في البلد أهله وماله لما ذكرنا وقول أحمد في الرواية الأخرى أتم إلا أن يكون ماراً يقتضي أنه إذا قصد أخذ حاجته والرجوع من غير إقامة أنه يقصر، وقال الشافعي يقصر ما لم ينو الاقامة أربعاً، وقال الثوري ومالك يتم حتى يخرج فاصلاً الثانية.
ولنا أنه ثبت له حكم السفر بخروجه ولم يوجد إقامة نقطع حكمه فأشبه ما لو أنى قرية غير التي خرج منها * (مسألة) * (وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس ولم ينو لاقامة قصر أبداً) وجملة ذلك أن من لم يجمع على إقامة تقطع حكم السفر على ما ذكرنا من الخلاف فله القصر ولو أقام سنين كمن يقيم لقضاء الحاجة يرجو إنجاحها أو جهاد عدو أو حبسه سلطان أو مرض وسواء غلب على ظنه انقضاء حاجته في مدة يسيرة أو كثيرة وبعد أن يحتمل انقضاؤها في مدة لا ينقطع حكم