← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1153

الشرح الكبير على المقنع - ط المنار

ابن أبي عمر

Полный текст (7 422 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فيه أو لغير ذلك أبيح له القصر لأنه مسافر سفراً بعيداً مباحاً فأبيح له القصر كما لو لم يجد سواه وكما لو كان الآخر مخوفاً أو شاقاً. وقال ابن عقيل أن سلك الأبعد لرفع أذية واختلاف نفع قصر قولاً واحداً وإن كان لا لغرض صحيح خرج على الروايتين في سفر التنزه وقد ذكرنا توجيههما (فصل) وإن نسي الصلاة في سفر وذكرها فيه قضاها مقصورة لأنها وجبت في السفر وفعلت فيه أشبه ما لو صلاها في وقتها، وإن ذكرها في سفر آخر فكذلك لما ذكرنا وسواء ذكرها في الحضر أو لم يذكرها ويحتمل أنه إذا ذكرها في الحضر لزمته تامة لأنه وجب عليه فعلها تامة بذكره إياها فبقيت في ذمته ويحتمل أن يلزمه إتمامها اذا ذكرها في سفر آخر سواء ذكرها في الحضر أو لا لأن الوجوب كان ثابتاً في ذمته في الحضر، والأولى أولى لأن وجوبها وفعلها في السفر فكانت صلاة سفر كما لو لم يذكرها في الحضر. وذكر بعض أصحابنا أن من شرط القصر كون الصلاة مؤداة لأنها صلاة مقصورة فاشترط لها الوقت كالجمعة وهذا فاسد لأنه اشترط بالرأي والتحكم ولم يرد الشرع به والقياس على الجمعة لا يصح فإن الجمعة لا تقضي ويشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان فجاز أن يشرط لها الوقت بخلاف هذه * (مسألة) * (واذا نوى الاقامة ببلد أكثر من احدى وعشرين صلاة أتم وإلا قصر) المشهور عن أحمد ﵀ أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام اذا نوى الإقامة فيها ما كان أكثر

стр. 912

من احدى وعشرين صلاة رواه الأثرم وغيره وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتم حكى هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. وعنه اذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإلا قصر، وهذا قولل مالك والشافعي وأبي ثور وروي عن عثمان ﵁ وعن سعيد ابن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعاً فصل أربعاً لأن الثلاث حد القلة لقوله ﵇ " يقيم المسافر بعد قضاء نسكه ثلاثا " فدل أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة. وقال الثوري وأصحاب الرأي ان أقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، فان نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: اذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي ﵁ قال يتم الصلاة الذي يقيم عشرا ويقصر الذي يقول أخرج اليوم أخرج غداً شهراً، وعن ابن عباس أنه قال يقصر اذا أقام تسعة عشر يوماً ويتم اذا زاد لأن النبي ﷺ أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، قال ابن عباس فنحن اذا أقمنا تسعة عشر نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا رواه البخاري، وقال الحسن صل ركعتين ركعتين إلا أن تقدم مصراً فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة اذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعاً ولنا ما روى أنس قال خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة فصلى ركعتين حتى

стр. 913

رجع وأقام بمكة عشراً يقصر الصلاة متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس أن النبي ﷺ قدم مكة لصبح رابعة فأقام النبي ﷺ اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها قال فاذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي ﷺ قصر واذا أجمع على أكثر من ذلك أتم، قال الاثرم وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر فقال هو كلام ليس يفقهه كل أحد، فقوله أقام النبي ﷺ عشراً يقصر الصلاة وقال قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وخامسة وسابعة ثم قال ثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي ﷺ بمكة ومنى وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام احدى وعشرين صلاة يقصر وهي تزيد على أربعة أيام وهو صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام، وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف في الصحابه لا يصح، لأنا قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي ﷺ تسعة عشر، وجهه أن النبي صلى الله عليه لم يجمع الإقامة. قال أحمد قام النبي ﷺ بمكة زمن الفتح ثماني عشرة لأنه أراد حنيناً ولم يكن تم إجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس وهو دليل على خلاف قول عائشة والحسن والله أعلم

стр. 914

* (فصل) * ومن قصد بلداً بعينه فوصله غير عازم على إقامة به مدة تقطع حكم سفره فله القصر فيه لأن النبي ﷺ كان في أسفاره يقصر حتى يرجع وحين قدم مكة كان يقصر فيها، ولا فرق بين أن يقصد الرجوع إلى بلده كما فعل النبي ﷺ في حجة الوداع على ما في حديث أنس وبين أن يريد بلداً آخر كما فعل ﵇ في غزوة الفتح كما في حديث ابن عباس * (فصل) * وإذا مر في طريقه على بلداً له فيه أهل أو مال فقال أحمد في موضع يتم وقال في موضع لا يتم إلا أن يكون ماراً وهذا قول ابن عباس، وقال مالك يتم إذا أراد أن يقيم بها يوماً وليلة، وقال الشافعي وابن المنذر يقصر ما لم يجمع على إقامة أربع لأنه مسافر ولنا ما روى عن عثمان أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه، فقال يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله ﷺ " يقول من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم " رواه أحمد في المسند، وقال ابن عباس إذا قدمت على أهل لك أو مال فصل صلاة المقيم، ولأنه مقيم ببلد له فيه أهل ومال أشبه البلد الذي سافر منه * (فصل) * قال أحمد من كان مقيماً بمكة ثم خرج إلى الحج وهو يريد أن يرجع إلى مكة فلا يقيم بها فهذا يصلي ركعتين بعرفة لأنه حين خرج من مكة أنشأ السفر الى بلده ليس على أن عرفة سفره فهو في سفر من حين خرج من مكة، ولو أن رجلاً كان مقيماً ببغداد فأراد الخروج الى الكوفة

стр. 915

فعرضت له حاجة بالنهروان ثم رجع فمر ببغداد ذاهباً الى الكوفة صلى ركعتين اذا كان يمر ببغداد مجتازاً لا يريد الاقامة بها، وإن كان الذي خرج الى عرفة في نيته الإقامة بمكة إذا رجع لم يقصر بعرفة وكذلك أهل مكة لا يقصرون، وإن صلى خلف رجل مكي يقصر الصلاة بعرفة ثم قام بعد صلاة الامام فأضاف اليها ركعتين آخرتين صحت صلاته لانه المكي يقصر بتأويل فصحت صلاة من يأتم به * (فصل) * وإذا خرج المسافر فذكر حاجة فرجع اليها فله القصر في رجوعه إلا أن يكون نوى أن يقيم اذا رجع مدة يقطع القصر ويكون في البلد أهله وماله لما ذكرنا وقول أحمد في الرواية الأخرى أتم إلا أن يكون ماراً يقتضي أنه إذا قصد أخذ حاجته والرجوع من غير إقامة أنه يقصر، وقال الشافعي يقصر ما لم ينو الاقامة أربعاً، وقال الثوري ومالك يتم حتى يخرج فاصلاً الثانية. ولنا أنه ثبت له حكم السفر بخروجه ولم يوجد إقامة نقطع حكمه فأشبه ما لو أنى قرية غير التي خرج منها * (مسألة) * (وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس ولم ينو لاقامة قصر أبداً) وجملة ذلك أن من لم يجمع على إقامة تقطع حكم السفر على ما ذكرنا من الخلاف فله القصر ولو أقام سنين كمن يقيم لقضاء الحاجة يرجو إنجاحها أو جهاد عدو أو حبسه سلطان أو مرض وسواء غلب على ظنه انقضاء حاجته في مدة يسيرة أو كثيرة وبعد أن يحتمل انقضاؤها في مدة لا ينقطع حكم

стр. 916

السفر بها. قال إبن المنذر أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع على إقامة ولو أتى عليه سنون والأصل فيه ما روى ابن عباس قال أقام النبي ﷺ في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين رواه البخاري، وقال جابر أقام النبي ﷺ في غزوة تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة رواه الإمام أحمد في المسند، وروى سعيد بإسناده عن المسور بن مخرمة قال أقمنا سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها، وقال نافع أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين حبسه الثلج. وقال أنس أقام أصحاب رسول الله ﷺ برامهز سبعة أشهر يقصرون الصلاة، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال أقمت معه بكابل سنتين نقصر الصلاة ولا نجمغ * (فصل) * وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية لا يجمع على إقامة بواحدة منها مدة تبطل حكم السفر قصر لأن النبي ﷺ أقام بمكة ومنى وعرفة عشراً فكان يقصر الأيام كلها. وروى الأثرم باسناده عن مورق قال سألت ابن عمر قلت إني رجل آتي الاهواز فأنتقل في قراها قرية قرية فأقيم الشهر أو أكثر. قال تنوي الاقامة؟ قلت لا. قال ما أراك إلا مسافرا صلى صلاة المسافرين، ولأنه لم ينوي الإقامة في مكان بعينه أشبه المتنقل في سفره من منزل الى منزل، واذا دخل بلداً فنال إن لقيت فلاناً أقمت وإلا لم أقم لم يبطل حكم سفره لأنه لم يجزم بالإقامة، ولأن المبطل للسفر هو العزم على الإقامة ولم يوجد، وانما علقه على شرط لم يوجد وذلك ليس بجزم * (فصل) * ولا بأس بالتطوع في السفر نازلاً وسائراً على الراحلة لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، وروي نحو ذلك جابر

стр. 917

وأنس متفق عليه. وعن علي ﵇ أن النبي ﷺ كان يتطوع في السفر رواه سعيد. وفي حديث أم هانئ أن النبي ﷺ كان يوتر على بعيره ولما فأتت النبي ﷺ صلاة الصبح صلى ركعتي الفجر قبلها متفق عليه. فأما سائر التطوعات والسنن قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد أرجو أن لا يكون بالتطوع بالسفر بأس روى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وابن عباس وأبي ذر وجماعة من التابعين وهو قول مالك والشافعي وإسحق وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها إلا من جوف الليل. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين لما روي أن ابن عمر رأى قوما يسبحون بعد الصلاة فقال لو كنت مسبحاً لأتممت فرضي يا ابن أخي، صحبت رسول الله ﷺ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر وعثمان وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة متفق عليه ولنا ما روى عن ابن عباس قال فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر فكنا نصلي قبلها وبعدها وكنا نصلي في السفر قبلها وبعدها رواه ابن ماجه، وقال الحسن كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وعن البراء بن عازب قال صحبت رسول الله ﷺ ثمانية عشر سفراً فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر رواه أبو داود فهذا يدل على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركه فيجمع بين الأحاديث والله أعلم * (مسألة) * (والملاح الذي معه أهله وليس له نية الاقامة ببلد ليس له الترخص)

стр. 918

قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الملاح أيقصر أو يفطر في السفينة، قال أما إذا كانت السفينة ببته فانه يتم ويصوم، قيل له وكيف تكون بيته. قال لا يكون له بيت غيرها معه فيها أهله وهو فيها مقيم وهذا قول عطاء. وقال الشافعي يقصر ويفطر لعموم النصوص ولان كون أهله معه لا يمنع الترخص كالجمال. ولنا أنه غير ظاعن عن منزله فلم يبح له الترخص كالمقيم في المدن، فأما في عام النصوص فالمراد بها الظاعن عن منزله وليس هذا كذلك. وأما الجمال والمكاري فلهم الترخص وإن سافروا بأهلهم قال أبو داود سمعت أحمد يقول في المكاري الذي هو دهره في السفر لابد أن يقيم اذا قدم اليومين والثلاثة قال هذا يقصر، وذكر القاضي وابو الخطاب أنه بمنزلة الملاح وليس بصحيح لأنه مسافر مشقوش عليه فكان له القصر كغيره، ولا يصح قياسهم على الملاح فان الملاح في منزله سفراً وحضراً معه مصالحه وتنوره وأهله لا يتكلف لحمله وهذا لا يوجد في غيره، وإن سافر هذا بأهله كان أشق عليه وأبلغ في استحقاق الترخص فأبيح له لعموم النصوص وليس هو في معنى المخصوص فوجب القول بثبوت حكم النص فيه * (فصل في الجمع) * * (مسألة) * يجوز الجمع بين الظهر والعصر والعشائين في وقت إحداهما لثلاثة أمور: السفر الطويل الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن سعد وسعيد بن زيد وأسامة ومعاذ بن جبل وأبي موسى وابن عباس وابن عمر وبه قال عكرمة والثوري

стр. 919

ومالك والشافعي وإسحق وابن المنذر وجماعة غيرهم، وقال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة وليلة مزدلفة بها وهو رواية عن ابن القاسم عن مالك واختياره واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر فلا يجوز تركها بخبر الواحد ولنا ما روى عن ابن عمر أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ويقول أن رسول الله ﷺ كان إذا جد به السير جمع بينهما، وعن أنس قال كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، وإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب متفق عليهما. ولمسلم كان اذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق، وروى الجمع معاذ وابن عباس وقولهم لا تترك الأخبار المتواترة لأخبار الآحاد. قلنا لا يتركها وإنما يخصها وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع وهذا ظاهر جداً، فان قيل معنى الجمع في الأخبار أن يصلي الاولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها. قلنا هذا فاسد لوجهين أحدهما النه قد جاء الخبر صريحاً في أنه كان يجمعها في وقت الثانية على ما ذكرنا في خبر أنس، الثاني إن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقاً وأعظم حرجاً من الاتيان بكل صلاة في وقتها لأن ذلك أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها، ومن تدبر هذا وجده كما وصفنا ولو جاز الجمع هذا لجاز الجمع من العصر والمغرب والعشاء والصبح وهو محرم بالإجماع، فاذا

стр. 920

حمل خبر رسول الله ﷺ على الأمر السابق إلى الفهم منه كان أولى من هذا التكلف الذي يصان عنه كلام رسول الله ﷺ (فصل) وإنما يجوز الجمع في السفر الذي يبيح القصر. وقال مالك والشافعي في أحد قوليه يجوز في السفر القصير لأن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة وهو سفر قصير ولنا أنه رخصة ثبتت لدفع المشقة في السفر فاختصت بالطويل كالقصر والمسح ثلاثا ولأن دليل الجمع فعل النبي ﷺ والفعل لا صيغة له وإنما هو قضية في عين فلا يثبت حكمها إلا في مثلها ولم ينقل أنه جمع إلا في سفر طويل * (مسألة) * (والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف) نص أحمد على جواز الجمع للمريض وروي عنه التوقف فيه وقال: أهاب ذلك والصحيح الأول وهذا قول عطاء ومالك. وقال أصحاب الرأي والشافعي: لا يجوز لأن أخبار التوقيف ثابتة فلا يترك بأمر محتمل ولنا ما روى ابن عباس قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، وفي رواية من غير خوف ولا سفر رواهما مسلم. وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر ثبت أنه كان لمرض، وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال في هذا الحديث هذا عندي رخصة للمريض والمرضع، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر والجمع بينهما فأباح الجمع لأجل الاستحاضة وأخبار المواقيت مخصوصة بالصور المجمع على جواز الجمع فيها فتخص محل النزاع بما ذكرنا (فصل) والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه بتركه مشقة وضعف. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله المريض يجمع بين الصلاتين، قال إني لا ارجو ذلك اذا ضعف وكذلك الجمع للمستحاضة ولمن به سلس البول ومن في معناها لما ذكرنا من الحديث

стр. 921

* (مسألة) * (والمطر الذي يبل الثياب) إلا أن جمع المطر يختص بالعشائين في أصح الوجهين لجواز الجمع في المطر بين العشائين يروي عن ابن عمر وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق، ويروى عن مروان وعمر بن العزيز ولم يجوزه أصحاب الرأي والدليل على جوازه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء رواه الأثرم وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ وقال نافع: أن عبد الله بن عمر كان يجمع اذا جمع الامراء بين المغرب والعشاء وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة وفيهم عروة بن الزبير وأبو سلمة وأبو بكر بن عبد الرحمن ولا يعرف لهم مخالف فكان إجماعا رواه الأثرم (فصل) فأما الجمع لأجل المطر بين الظهر والعصر فالصحيح أنه لا يجوز. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله الجمع بين الظهر والعصر في المطر قال: لا ما سمعته وهذا اختيار أبي بكر وابن حامد وقول مالك. وقال أبو الحسن التميمي فيه قولان: أحدهما يجوز اختاره القاضي وابو الخطاب وهو مذهب الشافعي لما روى يحيى بن واضح عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر ولأنه معنى أباح الجمع فأباحه بين الظهر والعصر كالسفر ولنا أن مستند الجمع ما ذكرنا من قول أبي سلمة والإجماع ولم يرد إلا في المغرب والعشاء وحديثهم لا يصح فإنه غير مذكور في الصحاح والسنن وقول أحمد ما سمعت يدل على أنه ليس بشئ ولا يصح القياس على المغرب والعشاء لما بينهما من المشقة لأجل الظلمة، ولا القياس على السفر لأن مشقته لأجل

стр. 922

السير وفوات الرفقة وهو غير موجود ها هنا كذا (فصل) والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه فأما الطل والمطر الخفيف فلا يبيح لعدم المشقة والثلج والبرد في ذلك كالمطر لأنه في معناه * (مسألة) * (وهل يجوز ذلك لأجل الوحل والريح الشديدة الباردة أو لمن يصلي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهين) اختلف أصحابنا في الوحل بمجرده، فقال القاضي: قال أصحابنا هو عذر يبيح الجمع لأن المشقة تلحق بذلك في الثياب والنعال كما تلحق بالمطر وهو قول مالك، وذكر أبو الخطاب فيه وجهاً ثانياً أنه لا يبيح وهو قول الشافعي لأن المشقة دون مشقة المطر فلا يصح قياسه عليه. قال شيخنا: الاولى أصح لأن الوحل يلوث الثياب والنعال ويعرض الانسان للزلق فيتأذى نفسه وثيابه وذلك أعظم ضرراً من البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم (فصل) فأما الريح الشديدة في الليلة الباردة ففيها وجهان: أحدهما يبيح الجمع قال الآمدي: وهو أصح يروى عن عمر بن عبد العزيز لأن ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة بدليل ما روى محمد بن الصباح حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ ينادي مناديه

стр. 923

في الليلة المطيرة والليلة الباردة ذات الريح صلوا في رحالكم رواه ابن ماجه. والثاني لا يبيحه لأن مشقته دون مشقة المطر فلا يصح القياس ولأن مشقتها من غير جنس مشقة المطر ولا ضابط لذلك يجتمعان فيه فلم يصح الإلحاق (فصل) وهل بجوز الجمع لمنفرد أو لمن طريقه تحت ساباط يمنع وصول المطر إليه، أو من كان مقامه في المسجد، أو لمن يصلي في بيته على وجهين: أحدهما الجواز. قال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر وكإباحة السلم في حق من ليس له اليه حاجة كاقتناء الكلب للصيد والماشية لمن لا يحتاج إليها، وقد روي أنه ﵇ جمع في مطر وليس بين حجرته ومسجده شئ، والثاني المنع. اختاره ابن عقيل لأن الجمع لأجل المشقة فاختص بمن تلحقه المشقة كالرخصة في التخلف عن الجمعة، والجماعة تختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كمن في الجامع والقريب منه * (مسألة) * (ويفعل الأرفق به من تأخير الاولى إلى وقت الثانية أو تقديم الثانية إليها) هذا هو الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب وهو أن المسافر مخير في الجمع بين التقديم والتأخير وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز الجمع إلا إذا كان سائراً في وقت الاولى فيؤخرها إلى وقت الثانية وهي رواية عن أحمد، ويروى ذلك عن سعد وابن عمر وعكرمة آخذاً بحديث ابن عمر وأنس الصحيحين. وقال القاضي. هذه الرواية هي الفضيلة والاستحباب وإن جمع بينهما في وقت الأولى جاز نازلاً كان أو سائراً أو مقيماً في بلد إقامة لا يمنع القصر وهذا قول عطاء وأكثر علماء المدينة والشافعي وإسحاق وابن المنذر لما روى معاذ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في

стр. 924

غزوة تبوك فكان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار، وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب، واه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن. وروى مالك في الموطأ عن أبي الزبير عن أبي الطفيل أن معاذاً أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جمعاً ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جمعاً. قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد، وفي هذا الدليل أوضح الدليل في الرد على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدبه السير لأنه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جمعاً فتعين الأخذ بهذا الحديث لثبوته وكونه صريحاً في الحكم من غير معارض له، ولأن الجمع رخصة من رخص السفر فلم يختص بحالة السير كالقصر والمسح ثلاثاً لكن الأفضل التأخير لأنه أحوط وفيه خروج من الخلاف عند القائلين بالجمع وعملاً بالأحاديث كلها * (فصل) * والمريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر فان استوى عنده الامران فالتأخير أفضل لما ذكرنا في المسافر، فأما الجمع للمطر فإنما يفعل في وقت الأولى لأن السلف إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى ولأن تأخير الأولى إلى وقت الثانية يفضي الى المشقة بالانتظار والخروج في الظلمة

стр. 925

ولأن العادة اجتماع الناس للمغرب، فإذا حبسهم في المسجد ليجمع بين الصلاتين في وقت الثانية كان أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها، وإن اختار تأخير الجمع جاز والمستحب أن يؤخر الأولى عن أول وقتها شيئاً، قال أحمد يجمع بينهما اذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق الذي فعل ابن عمر قيل لأبي عبد الله فكان سنة الجمع بين الصلاتين في المطر عندك أن تجمع قبل أن يغيب الشفق، وفي الشفق تؤخر حتى يغيب الشفق قال نعم * (فصل) * ولا يجوز الجمع لغير من ذكرنا، وقال ابن شبرمة يجوز اذا كانت حاجة أو شئ ما لم يتخذه عادة لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس لم فعل ذلك؟ قال اراد أن لا يحرج أمته ولنا عموم أخبار المواقيت، وحديث ابن عباس محمول على حالة المرض ويجوز أن يكون صلى

стр. 926

الاولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها فإن عمرو بن دينار روى هذا الحديث عن جابر بن زيد عن ابن عباس، قال عمرو قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء، قال وأنا أظن ذلك * (مسألة) * (وللجمع في وقت الأولى ثلاثة شروط: نية الجمع عند إحرامها ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها، وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الإقامة والوضوء فإن صلى السنة بينهما بطل الجمع في إحدى الروايتين، وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الصلاتين وسلام الأولى) نية الجمع شرط لجوازه في المشهور من المذهب، وقال أبو بكر لا يشترط نية الجمع كقوله في القصر وقد ذكرناه. والتفريع على الأول وموضع النية اذا جمع في وقت الأولى عند الاحرام بها لأنها نية تفتقر إليها الصلاة فاعتبرت عند الاحرام كنية القصر، وفيه وجه ثان أن موضعها أول الصلاة من الأولى الى سلامها فمتى نوى قبل سلام الاولى أجزاه لأن موضع الجمع عند الفراغ من الأولى الى الشروع في الثانية، فاذا لم تتأخر النية عنه أجزأه ذلك ويعتبر أن لا يفرق بينهما إلا تفريقاً يسيراً، والمرجع في اليسير إلى العرف والعادة وقدره بعض أصحابنا بقدر الوضوء والاقامة، والصحيح أنه لا حد له لأن التقدير بابه التوقيف فما لم يرد فيه توقيف فيرجع فيه إلى العادة كالقبض والإحراز،

стр. 927

فإن فرق بينهما تفريقاً كثيراً بطل الجمع سواء فعله عمداً أو لنوم أو شغل أو سهو أو غير ذلك لأن الشرط لا يثبت المشروط بدونه والمرجع في الكثير إلى العرف والعادة كما قلنا في اليسير، ومتى احتاج الى الوضوء والتيمم فعله إذا لم يطل وان تكلم بكلام يسير لم يبطل الجمع وإن صلى بينهما السنة بطل الجمع في الظاهر لأنه فرق بينهما بصلاة فبطل الجمع كما لو صلى بينهما غيرها وعنه لا تبطل لأنه تفريق يسير أشبه الوضوء * (فصل) * ويعتبر للجمع في وقت الأولى وجود العذر حال افتتاح الصلاتين والفراغ من الاولى لأن افتتاح الاولى موضع النية وبافتتاح الثانية يحصل الجمع فاعتبر العذر في هذين الوقتين فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع، وإن زال المطر في أثنا الأولى ثم عاد قبل تمامها أو انقطع بعد الاحرام بالثانية جاز الجمع ولم يؤثر انقطاعه لأن العذر وجد في وقت اشتراطه فلم يضر عدمه في غيره. فأما المسافر اذا نوى الاقامة في أثناء الصلاة الأولى انقطع الجمع والقصر ولزمه الاتمام، فلو عاد فنوى السفر لم يبح له الترخص حتى يفارق البلد الذي هو فيه، وإن نوى الإقامة بعد الاحرام بالثانية أو دخلت به السفينة البلد في أثنائها احتمل أن يتمها ويصح قياساً على انقطاع المطر، قال بعض أصحاب الشافعي هذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي واحتمل أن تنقلب نفلاً، ويبطل الجمع

стр. 928

لأنه أحد رخص السفر فبطل بذلك كالقصر والمسح ولأنه زال شرطها في أثنائها أشبه سائر شروطها ويفارق انقطاع المطر من وجهين أحدهما أنه لا يتحقق انقطاعه لاحتمال عوده في أثناء الصلاة، والثاني أنه يخلفه عذر مبيح وهو الوحل بخلاف مسألتنا وهكذا الحكم في المريض يزول عذره في أثناء الصلاة الثانية. فأما إن لم يزل العذر إلا بعد الفراغ من الثانية قبل دخول وقتها صح الجمع ولم يلزمه اعادة الثانية في وقتها لأن الصلاة وقعت صحيحة مجزئة مبرئة للذمة فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك كالمتيمم إذا وجد الماء في الوقت بعد فراغه من الصلاة * (فصل) * وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة الثانية منهما ويوتر قبل دخول الثانية لأن سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها ولأن الوتر وقته ما بين صلاة العشاء والصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته * (مسألة) * (وإن جمع في وقت الثانية كفاه نية الجمع في وقت الأولى ما لم يضق عن فعلها واستمرار العذر الى دخول وقت الثانية منهما) ولا يشترط غير ذلك متى جمع في وقت الثانية فلا بد من نية الجمع في وقت الاولى، فموضع النية في وقت الأولى من أوله الى أن يبقى منه قدر ما يصليها هكذا ذكره أصحابنا لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعاً ولأن تأخيرها عن القدر الذي يضيق عن فعلها حرام. قال شيخنا ويحتمل أن يكون وقت النية أن يبقى منه قدر ما يدركها به وهو ركعة أو تكبيرة على ما ذكرنا متقدماً، ويعتبر بقاء العذر الى حين دخول وقت الثانية فان زال في وقت الاولى كالمريض يبرأ والمسافر يقدم والمطر ينقطع لم يبح الجمع لزوال سببه، وان استمر الى وقت الثانية جمع وإن زال العذر لأنهما صارتا واجبتين في ذمته فلا بد له من فعلها * (فصل) * ولا يشترط المواصلة بينهما إذا جمع في وقت الثانية لأنه متى صلى الاولى فالثانية في وقتها لا يخرج بتأخيرها عن كونها مؤداة. وفيه وجه إن المواصلة مشترطة لأن حقيقة الجمع ضم الشئ إلى الشئ ولا يحصل مع التفريق، والصحيح الأول لأن الاولى بعد وقوعها صحيحة لا تبطل بشئ يوجد بعدها، والثانية لا تقع إلا في وقتها

стр. 929

* (فصل) * إذا صلى إحدى صلاتي الجمع مع الإمام والثانية مع امام آخر أو صلى معه مأموم في إحدى الصلاتين وصلى معه في الثانية مأموم آخر صح، وقال ابن عقيل لا يصح لأن كل واحد من الامام والمأموم أحد من يتم به الجمع فاشترط وجود دوامه كالعذر ولنا أن لكل صلاة حكم نفسها وهي منفردة بنيتها فلم يشترط اتحاد الامام والمأموم كغير المجموعتين وقوله أن الامام والمأموم أحد من يتم به الجمع لا يصح في المسافر والمريض لجواز الجمع لكل واحد منهما منفرداً. وفي المطر في أحد الوجهين، وإن قلنا أن الجمع في المطر لا يجوز للمنفرد فالذي يتم به الجمع الجماعة لا عين الامام والمأموم ولم تختل الجماعة، وعلى ما قلنا لو ائتم المأموم بالامام لا ينوي الجمع ونواه الامام فلما سلم الامام صلى المأموم الثانية جاز لأنا أبحنا له مفارقة الامام في الصلاة الواحدة للعذر ففي الصلاتين أولى وإنما نوى أن يفعل في غيرها فلم يؤثر كما لو نوى المسافر في الاولى اتمام الثانية فلم تختلف نيتهما في الصلاة الأولى، وهكذا لو صلى المسافر بمقيمين ونوى الجمع فلما صلى بهم الأولى قام فصلى الثانية جاز، وهكذا لو صلى إحدى صلاتي الجمع منفرداً ثم حضرت جماعة يصلون الثانية فأمهم فيها أو فصلى معهم مأموماً جاز، وقول ابن عقيل يقتضي أن لا يجوز شئ من ذلك والله أعلم * (قال المصنف ﵀ * * (فصل في صلاة الخوف) * وهي جائزة بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى (وإذا كنت

стр. 930

فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية. وأما السنة فثبت أن النبي ﷺ كان يصلي صلاة الخوف وحكمها باق في قول جمهور أهل العلم، وقال أبو يوسف إنما كانت مختصة بالنبي ﷺ بدليل قوله سبحانه (وإذا كنت فيهم) وما قاله غير صحيح لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصه به دليل لأن الله تعالى أمرنا باتباعه، ولما سئل ﷺ عن القبلة للصائم؟ أجاب بأني أفعل ذلك. فقال السائل لست مثلنا، فغضب وقال إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي، ولو اختص بفعله لما حصل جواب السائل بالأخبار بفعله ولا غضب من قول السائل مثلنا لأن قوله إذا كان صواباً، وقد كان أصحاب النبي ﷺ يحتجون بأفعاله ويرونها معارضة لقوله وناسخة له، وذلك لما أخبرت عائشة وأم سلمة بأن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يغتسل ويصوم ذلك اليوم تركوا به خبر أبي هريرة من أصبح جنباً فلا صوم له لما ذكروا ذلك لأبي هريرة قال هن أعلم، إنما حدثني به الفضل ابن عباس ورجع عن قوله. وأيضاً فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على صلاة الخوف فصلاها علي ليلة الهرير بصفين وصلاها أبو موسى الاشعري بأصحابه، وروي أن سعد بن العاص كان أميرا على الحيش بطبرستان فقال أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة أنا. فقدمه فصل بهم، فأما نخصيص النبي ﷺ بالخطاب فلا يوجب تخصيصه بالحكم لما ذكرنا ولأن الصحابة أنكروا على مانع الزكاة وقولهم أن الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة بقوله

стр. 931

(خذ من أموالهم صدقة (فإن قيل فالنبي ﷺ أخر الصلاة يوم الخندق ولم يصل. قلنا الاعتراض باطل في نفسه إذ لا خلاف في أن النبي ﷺ كان له أن يصلي صلاة الخوف وقد أمره الله بها في كتابه فلا يجوز الاحتجاج بما يخالف الكتاب والإجماع وإنما كان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن النبي ﷺ أخر الصلاة نسياناً فإنه روي أن النبي ﷺ سألهم عن صلاتهم. قالوا ما صلينا. وروي ان عمر قال ما صليت العصر، فقال النبي ﷺ " والله ما صليتها " أو كما جاء، ومما يدل على ذلك أنه لم يكن ثم قتال يمنعه من الصلاة إذا ثبت ذلك فإنما تجوز صلاة الخوف إذا كان العدو مباح القتال، ويشترط أن لا يؤمن هجومه على المسلمين وتجوز على كل صفة صلاها رسول الله ﷺ * (مسألة) * (قال الإمام أبو عبد الله: صح عن النبي ﷺ صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة، وقال ستة أو سبعة كل ذلك جائز لمن فعله) قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله تقول بالأحاديث كلها أو تختار واحداً منها، قال: أنا أقول من ذهب اليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا اختاره فنذكر الوجوه التي بلغتنا فاولها إذا كان العدو في جهة القبلة بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كميناً فيصلي بهم كما روى جابر قال:

стр. 932

شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه وانحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعنا جميعاً، ورفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحذر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعاً أخرجه مسلم. وروى أبو عياش الزرقي أن النبي ﷺ صلى بعسفان نحو هذه الصلاة وصلاها يوم بني سليم رواه أبو داود قلت وأخرجه مسلم عن جابر. قال البيهقي وهو صحيح وإن حرس الصف الاول في الاولى والثاني في الثانية أو لم يتقدم الثاني الى مقام الاول، أو حرس بعض الصف وسجد الباقون جاز لأن المقصود يحصل لكن الاولى أن تفعل مثل ما فعل النبي ﷺ * (والوجه الثاني) * إذا كان العدو في غير جهة القبلة فيصلي بهم كما روى صالح بن خوات عن من صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه

стр. 933

العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً وائتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم رواه مسلم. وروى سهل بن أبي حثمة نحو ذلك، واشترط القاضي لهذه الصلاة كون العدو في غير جهة القبلة، ونص أحمد على خلاف ذلك في رواية الأثرم فإنه قال: قلت له حديث سهل تستعمله مستقبلين القبلة كانوا ومستدبرين؟ قال نعم هو أنكى ولأن العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان لانتشارهم أو لخوف من كمين، فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تفويتها قال أبو الخطاب: ومن شرطها أن يكون المصلون يمكن تفريقهم طائفتين كل طائفة ثلاثة فأكثر. وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه، ووجه قولهما إن الله سبحانه ذكر الطائفة بلفظ الجمع بقوله (فإذا سجدوا) وأقل الجمع ثلاثة، ولأن أحمد ذهب إلى ظاهر فعل النبي ﷺ . قال شيخنا: والأولى أن لا يشترط هذا لأن ما دون الثلاثة تصح به الجماعة فجاز أن يكونوا طائفة كالثلاثة، فأما فعل النبي ﷺ فانه لا يشترط في صلاة الخوف أن يكون المصلون مثل أصحاب النبي ﷺ في العدد وجهاً واحداً ويستحب أن يخفف بهم الصلاة لأن موضوع صلاة الخوف على التخفيف وكذلك الطائفة التي تفارقه تخفف الصلاة ولا تفارقه حتى يستقل قائماً لأن النهوض يشتركون فيه جميعاً فلا حاجة الى

стр. 934

مفارقتهم إياه قبله لأن المفارقة إنما جازت للعذر ويقرأ في حال الانتظار ويطيل التشهد حتى يدركوه وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقرأ في الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية فتحصل التسوية بين الطائفتين ولنا أن الصلاة ليس فيها حال سكوت والقيام محل للقراءة فينبغي أن يأتي بها فيه كما في التشهد اذا انتظرهم فانه لا يسكت والتسوية بينهم تحصل بانتظاره إياهم في موضعين والاولى في موضع واحد إذا ثبت هذا فقال القاضي: إن قرأ في انتظارهم فقرأ بعد مجيئهم بقدر فاتحة الكتاب وسورة خفيفة وان لم يقرأ في انتظارهم قرأ اذا جاءوا بفاتحة الكتاب وسورة وهذا على سبيل الاستحباب، فلو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعاً ركعوا معه وصحت لهم الركعة مع تركه للسنة، واذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى وأطال التشهد والدعاء حتى يدركوه ويتشهدوا ثم يسلم بهم. وقال مالك: يتشهدون معه فاذا سلم الامام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق والأولى ما ذكرناه لموافقته الحديث ولأن قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) يدل على أن صلاتهم كلها معه ولأن الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام فينبغي أن يسلم بالثانية ليسوي بينهم، بهذا قال مالك والشافعي على ما ذكرنا من الاختلاف، واختار أبو حنيفة إن يصلي على ما في حديث ابن عمر وسوف نذكره إن شاء الله تعالى في الوجه الثالث، والاولى والمختار عند أحمد ﵀ هذا الوجه

стр. 935

الثاني لأنه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب، أما موافقة الكتاب فان قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعلى ما اختاره أبو حنيفة لا تصلي معه الا ركعة على ما يأتي وعلى ما اخترنا تصلي جميع صلاتها معه في إحدى الركعتين موافقة في أفعاله، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه. وأما الاحتياط للصلاة فان كل طائفة تأتي بصلاتها متوالية بغضها موافق للامام فيها فعلاً وبعضها يفارقه وتأتي به وحدها كالمسبوق، وعلى ما اختاره ينصرف إلى جهة العدو وهي في الصلاة ماشية أو راكبة ويستدبر القبلة وهذا ينافي الصلاة وأما الاحتياط للحرب فإنه يتمكن من الضرب والطعن والتحريض وإعلام غيره بما يراه مما خفي عليه وتحذيره وإعلام الذين مع الامام بما يحدث ولا يمكن هذا على اختياره (فصل) ولا تجب التسوية بين الطائفتين لأنه لم يرد بذلك نص ولا قياس، ويجب أن تكون الطائفة التي بازاء العدو ممن يحصل الثقة بكفايتها وحراستها ومتى خشي اختلال حالهم واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الأخرى فللإمام أن ينهد إليهم من معه ويبينوا على ما مضى من صلاتهم (فصل) وإن صلوا الجمعة صلاة الخوف جاز إذا كانت كل طائفة أربعين، فان قيل فالعدد شرط في الجمعة كلها ومتى ذهبت الطائفة الاولى بقي الامام منفرداً فبطلت الجمعة كما لو نقص العدد فالجواب أن هذا جاز لأجل العذر ولأنه يترقب مجئ الطائفة الأخرى بخلاف الانفضاض

стр. 936

ولنا أيضاً في الأصل منع ولا يجوز أن يخطب بإحدى الطائفتين ويصلي بالأخرى حتى يصلي معه من حضر الخطبة وبهذا قال الشافعي (فصل) والطائفة الاولى في حكم الائتمام قبل مفارقة الامام فان سها لحقهم حكم سهوه فيما قبل مفارقته، وان سهوا لم يلزمهم حكم سهوهم لأنهم مأمومون، وأما بعد مفارقته فلا يلحقهم حكم سهوه ويلحقهم حكم سهوهم لأنهم منفردون، وأما الطائفة الثانية فيلحقها حكم سهو امامها في جميع صلاته ما أدركت منها وما فاتها كالمسبوق يلحقه حكم سهو امامه فيما لم يدركه ولا يلحقها حكم سهوها في شئ من صلاتها لأنها أن فارقتها فعلاً لقضاء ما فاتها فهي في حكم المؤتم لأنهم يسلمون بسلامه، فاذا فرغت من قضاء ما فاتها سجد وسجدت معه، فان سجد قبل إتمامها تابعته لأنها مؤتمة به ولا يقيد السجود بعد فراغها من التشهد لأنها لم تنفرد عن الامام بخلاف المسبوق. وقال القاضي ينبني هذا على الروايتين في المسبوق اذا سجد مع امامه هل يسجد بعد القضاء أم لا وقد ذكر الفرق بينهما * (مسألة) * (وإن كانت الصلاة مغرباً صلى بالطائفة الاولى ركعتين وبالثانية ركعة) وبهذا قال مالك والاوزاعي وسفيان والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر يصلي بالاولى ركعة وبالثانية ركعتين لأنه روي عن علي ﵁ أنه صلى ذلك ليلة الهرير، ولأن الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام والتقدم فينبغي أن يزيد الثانية في الركعات ليجبر نقصهم به

стр. 937

ولنا أنه إذا لم يكن بد من التفضيل فالاولى أحق به وما فات الثانية يتخير بادراكها السلام مع الامام ولأنها تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام، والاولى تفضل بعض صلاتها في حكم الانفراد وأيا ما فعل فهو جائز، واذا صلى بالثانية الركعة الثانية وجلس للتشهد فان الطائفة تقوم ولا تتشهد معه ذكره القاضي لأنه ليس بموضع لتشهدها بخلاف الرباعية ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا إنها تقضي ركعتين متواليين لئلا يفضي إلى أن يصلي ثلاث ركعات بتشهد واحد ولا نظير لهذا في الصلوات هذا حكم صلاة المغرب على حديث سهل * (مسألة) * (وإن كانت رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الاولى بالحمد لله في كل ركعة والأخرى تتم بالحمد لله وسورة) تجوز صلاة الخوف في الحضر عند الحاجة إليها وبه قال الأوزاعي والشافعي، وحكي عن مالك لا يجوز في الحضر لأن الآية إنما دلت على صلاة ركعتين وصلاة الحضر أربع، ولأن النبي ﷺ لم يفعلها في الحضر ولنا قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وهذا عام وترك النبي ﷺ لها في الحضر إنما كان لغناه عنها فيه، وقولهم إنما دلت الآية على ركعتين ممنوع، وإن سلم فقد تكون صلاة الحضر ركعتين الصبح والجمعة والمغرب ثلاث ويجوز فعلها في الخوف في السفر فعلى هذا إذا

стр. 938

صلى بهم الرباعية فرقهم فرقتين وصلى بكل طائفة ركعتين وتقرأ الاولى بعد مفارقة امامها بالحمد لله وحدها في كل ركعة لأنها آخر صلاتها، وأما الطائفة الثانية فاذا جلس الامام للتشهد الأخير تشهدت معه التشهد الاول كالمسبوق ثم قامت وهو جالس فأتمت صلاتها وتقرأ في كل ركعة الحمد لله وسورة في ظاهر المذهب لأنه أول صلاتها على ما ذكرنا في المسبوق وتستفتح اذا قامت للقضاء كالمسبوق ولأنها لم تحصل لها مع الامام قراءة السورة ويطول الامام التشهد والدعاء حتى تصلي الركعتين، ثم يتشهد ويسلم بهم، وإذا قلنا إن الذي يقضيه المسبوق آخر صلانه فيقتضي أن لا يستفتح ولا يقرأ السورة ها هنا قياساً عليه * (مسألة) * (وهل تفارقه الاولى في التشهد الأول وفي الثالثة؟ على وجهين) أحدهما حين قيامه إلى الثالثة وهو قول مالك والاوزاعي لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار والتشهد يستحب تخفيفه، ولهذا روي أن النبي ﷺ كان إذا جلس للتشهد كأنه على الرضف حتى يقوم لأن ثواب القائم اكثر ولأنه اذا انتطرهم جالساً وجاءت الطائفة فانه يقوم قبل احرامهم فلا يحصل اتباعهم إياه في القيام، والثاني في التشهد ليدرك الطائفة الثانية جميع الركعة الثالثة ولأن الجلوس أخف على الامام ولأنه متى انتظرهم فإنما احتاج إلى قراءة السورة في الركعة الثالة وهو خلاف السنة وكلا الامرين جائز

стр. 939

* (مسألة) * (وإن فرقهم أربعاً فصلى بكل طائفة ركعة صحت صلاة الاوليين وبطلت صلاة الامام والاخريين ان علمنا بطلان صلاته) وجملة ذلك أنه متى فرقهم الإمام في صلاة الخوف أكثر من فرقتين مثل أن فرقهم أربع فرق فصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق فصلى بالاولى ركعتين وبالباقيتين ركعة صحت صلاة الاوليين لأنهما إنما ائتما بمن صلاته صحيحة ولم يوجد منهما ما يبطل صلاتهما وتبطل صلاة الامام بانتظار الثالث لأنه لم يرد الشرع به فأبطل الصلاة كما لو فعله من غير خوف، وسواء فعل ذلك لحاجة أو غيرها لأن الترخص انما يصار اليه فيما ورد به الشرع وتبطل صلاة الثالثة والرابعة لائتمامها بمن صلاته باطلة فأشبه ما لو كانت باطلة في أولها، فإن لم يعلما بطلان صلاة الامام فقال ابن حامد: لا تبطل صلاتهما لأن ذلك مما يخفى فلم تبطل صلاة المأموم كما لو ائتم بمحدث لا يعلم حدثه وينبغي على هذا أن يخفى على الامام والمأموم كما اعتبرنا ذلك في المحدث. قال شيخنا: ويحتمل أن لا تصح صلاتهما لأن الامام والمأموم يعلمان وجود المبطل، وإنما خفي عليهم حكمه فلم يمنع ذلك البطلان كما لو علم حدث الامام ولم يعلم كونه مبطلاً، وقال بعض الشافعية كقول ابن حامد. وقال بعضهم: تصح صلاة الجميع لأن الحاجة تدعو اليه أشبه الفرقتين ولنا أن الرخص إنما تتلقى من الشرع وهذا لم يرد به الشرع فلم يجزئه كغير الخوف والله أعلم (الوجه الثالث) يصلي كما روى ابن عمر قال: صلى النبي ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى لهم النبي ﷺ ركعة ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة متفق عليه

стр. 940

(الوجه الرابع) أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها كما روى أبو بكرة قال: صلى رسول الله ﷺ في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكان لرسول الله ﷺ أربع ولأصحابه ركعتان رواه أبو داود والاثرم. وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة امامه ولا الى تفريق كيفية الصلاة وهو مذهب الحسن وليس فيها أكثر من أن الامام في الثانية متنفل يؤم مفترضين (الوجه الخامس) أن يصلي كما روى جابر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع قال فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال: كانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين متفق عليه وتأول القاضي هذا على أن النبي ﷺ صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين، وأن التأويل فاسد لمخالفة صفة الرواية وقول أحمد: أما مخالفة الرواية فانه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين ولم يذكر قضاء، ثم قال في آخره للقوم ركعتين ركعتين. وأما مخالفة قول أحمد فإنه قال ستة أوجه أو سبعة يروى فيها كأنها جائز، وعلى هذا لا تكون ستة ولا خمسة، ثم أنه حمل الحديث على محمل بعيد لأن الخوف يقتضي قصر الصلاة وتخفيفها، وعلى هذا التأويل تجعل مكان الركعتين أربعاً ويتم الصلاة المقصورة ولم ينقل عنه ﵇ إتمام صلاة السفر في غير الخوف فكيف يتمها في موضع يقتضي التخفيف (فصل) وقد ذكر شيخنا ﵀ (الوجه السادس) أن يصلي بكل طائفة ركعة ركعة ولا تقضي شيئاً لما روى ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ بذي قرد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة فصف صفاً

стр. 941

خلفه وصفاً موازي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم فكانت لرسول الله ﷺ ركعتان وكانت لهم ركعة ركعة رواه الأثرم، وعن حذيفة أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ولم يقضوا شيئاً رواه أبو داود وهذا قول ابن عباس وجابر. قال جابر: إنما القصر ركعة عند القتال. وقال طاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم يقولون ركعة في شدة الخوف يومئ ايماء، وبه قال إسحاق يجزئك عند الشدة ركعة تومئ ايماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة، فهذه الصلاة يقتضي عموم كلام أحمد جوازها لأنه ذكر ستة أوجه ولا نعلم وجها سادساً سواها. وقال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد الركعات وهذا قول أصحابنا وأكثر أهل العلم منهم ابن عمر والنخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة والذي قال منهم وكعة إنما جعلها عند شدة القتال، والذين روينا عنهم صلاة رسول الله ﷺ أكثرهم لم ينقصوا من ركعتين وابن عباس لم يكن ممن يحضر النبي ﷺ في غزواته ولم يعلم ذلك ألا بالرواية فالأخذ برواية من حضر الصلاة وصلاها مع النبي ﷺ أولى (فصل) ومتى صلى بهم صلاة الخوف من غير خوف فصلاة الجميع فاسدة لأنها لا تخلو من مفارقة إمامه لغير عذر أو تارك متابعة امامه في ثلاثة أركان، أو قاصر الصلاة مع إتمام امام وكل ذلك يفسد الصلاة إلا مفارقة الامام في قول: واذا فسدت صلاة الامام لأنه صلى اماماً بمن صلاته فاسدة إلا أن يصلي بهم صلاتين كاملتين فتصح صلاته وصلاة الطائفة الاولى وصلاة الثانية تنبني على امامة المتنفل بالمفترض وقد ذكرناه

стр. 942

* (مسألة) * (ويستحب أن يحمل معه في الصلاة من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين ويحتمل أن يجب ذلك) حمل السلاح في صلاة الخوف مستحب لقوله تعالى (وليأخذوا أسلحتهم) ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم العدو كما قال الله تعالى (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) والمستحب من ذلك ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين، ولا يستحب حمل ما يثقله كالجوشرة، ولا ما يمنع إكمال السجود كالمغفر ولا ما يؤذي غيره كالرمح اذا كان متوسطاً، ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل ببعض أركان الصلاة إلا عند الضرورة كمن يخاف وقوع الحجارة والسهام، وليس ذلك بواجب ذكره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأكثر أهل العلم لأنه لو وجب لكان شرطاً كالسترة ولأن الأمر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للايجاب كما أن نهى النبي ﷺ عن الوصال لما كان للرفق لم يكن للتحريم، ويحتمل أن يجب ذلك وهو قول داود وأحد قولي الشافعي وهذا أظهر لأن ظاهر الأمر الوجوب، وقد اقترن به ما يدل على الوجوب وهو قوله سبحانه (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) ونفي الحرج مشروطاً بالأذى دليل على لزومه عند عدمه، فأما إن كان بهم أذى من مطر أو مرض فلا يجب بغير خلاف لصريح النص بنفي الحرج * (فصل) * فاذا اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً الى القبلة وغيرها يومئون ايماء على قدر الطاقة. وجملة ذلك أنه متى اشتد الخوف والتحم القتال فلهم الصلاة كيف ما أمكنهم رجالاً أو ركباناً إن أمكنهم الى القبلة أو الى غيرها أن لم يمكنهم يومئون بالركوع والسجود ويجعلون سجودهم أخفض من ركوعهم على قدر الطاقة، ولهم التقدم والتأخر والطعن والضرب والكر والفر ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها

стр. 943

في قول أكثر أهل العلم. وحكي ابن أبي موسى أنه يجوز تأخير الصلاة حال التحام القتال في رواية، وقال أبو حنيفة وابن أبي ليل لا يصلي مع المسايفة ولا مع المشي لأن النبي ﷺ لم يصل يوم الخندق وأخر الصلاة، ولأن ما يمنع الصلاة في غير شدة الخوف يمنعها معه كالحدث والصياح، وقال الشافعي يصلي لكن إن تابع الطعن والضرب أو المشي أو فعل ما يطول بطلت صلاته لأن ذلك من مبطلات الصلاة أشبه الحدث ولنا قوله عزوجل (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) وقال ابن عمر فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه. وروى ذلك عن النبي ﷺ ولأن النبي ﷺ صلى بأصحابه في غير شدة الخوف فأمرهم بالمشي الى وجاه العدو وهم في الصلاة ثم يعودن لقضاء ما بقي من صلاتهم، وهذا مشي كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة فاذا جاز ذلك مع أن الخوف ليس بشديد فمع شدته أولى، ومن العجب اختيار أبي حنيفة هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل على العمل في أثناء الصلاة وتسويغه إياه مع الغناء عنه ثم منعه في حال الحاجة اليه بحيث لا يقدر على غيره فكان العكس أولى ولأنه مكلف تصح طهارته فلم يجز له اخلاء وقت الصلاة عن فعلها كالمريض، ويخص الشافعي بأنه عمل أبيح للخوف فلم يبطل الصلاة كاستدبار القبلة والركوب والايماء وبهذا ينتقض ما ذكره. فأما تأخير الصلاة يوم الخندق فروى أبو سعيد أنه كان قبل نزول صلاة الخوف ويحتمل أنه شغله المشركون فنسي الصلاة، فقد نقل ما يدل على ذلك ويؤكد ما ذكرنا أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا في مسايفة توجب قطع الصلاة، وأما الصياح الحدث فلا حاجة بهم اليه ولا يلزم من كون الشئ مبطلاً مع عدم العذر أن تبطل معه كخروج النجاسة من المستحاضة ومن في معناها

стр. 944

* (فصل) * فان أمكنهم إفتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمهم ذلك، على روايتين: إحداهما لا تجب اختاره أبو بكر لأنه جزء من الصلاة فلم يجب الاستقبال فيه كبقية أجزائها، والثانية يجب لأنه أمكنه ابتداء الصلاة مستقبلاً فلم يجز بدونه كما لو أمكنه ذلك في ركعة كاملة * (مسألة) * (ومن هرب من عدو هرباً مباحاً أو سيل أو سبع أو نحوه فله الصلاة كذلك سواء خاف على نفسه أو ماله أو أهله) وكذلك الأسير إذا خافهم على نفسه أن صلى والمختفي في موضع يصليان كيف ما أمكنهما نص عليه أحمد في الاسير، فلو كان المختفي قاعداً لا يمكنه القيام أو مضطجعا لا يمكنه القعود صلى على حسب حاله وهذا قول ابن الحسن وقال الشافعي يصلي ويعيد. ولنا أنه خائف صلى على حسب ما أمكنه فلم يلزمه الاعادة كالهارب، ولا فرق في هذا بين الحضر والسفر لأن المبيح خوف الهلاك وقد تساويا فيه فان أمكن التخلص بدون ذلك كالهارب من السيل يصعد الى ربوة والخائف من العدو يمكنه دخول حصن يأمن فيه صولة العدو فيصلي فيه ثم يخرج لم يكن له أن يصلي صلاة الخوف لأنه لا حاجة إليها ولا ضرورة * (فصل) * فأما العاصي بهربه كالذي يهرب مما يجب عليه وقاطع الطريق واللص والسارق فليس لهم أن يصلوا الخوف لانها رخصة ثبتت للدفع عن نفسه في محل مباح فلا يثبت بالمعصية كرخص السفر * (فصل) * قال أصحابنا يجوز أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة. قال شيخنا ويحتمل أن لا يجوز وهو قول أبي حنيفة لأنهم يحتاجون الى التقدم والتأخر وربما تقدموا على الامام وتعذر عليهم الائتمام، وحجة الأصحاب أنها حالة تجوز فيها الصلاة على الانفراد فجاز فيها صلاة الجماعة كالركوب في السفينة ويعفى عن تقدم الامام للحاجة اليه كالعفو عن العمل الكئير ولمن نصر القول الأول أن

стр. 945

يفرق بينهما بأن العفو عن العمل الكثير لا يختص الامامة بل هو في حال الانفراد أيضاً فلم يؤثر الانفراد في نفسه بخلاف تقدم الامام * (مسألة) * (وهل لطالب العدو الخائف فواته الصلاة كذلك) على روايتين: إحداهما له ذلك كالمطلوب سواء، روى ذلك عن شر حبيل بن حسنة وهو قول الأوزاعي لما روى عبد الله بن أنيس قال بعثني رسول الله صلى الله عليه إلى خالد بن سفين الهذلي فقال اذهب فاقتله. فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومأ إيماء نحوه. وذكر الحديث رواه أبو داود وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النبي ﷺ أو كان قد علم جواز ذلك فإنه لا يظن به أن يفعل ذلك مخطئاً وهو رسول رسول الله ﷺ ولا يخبره بذلك ولا يسأل عن حكمه. وقال شر حبيل بن حسنة لا تصلوا الصبح إلا على ظهر، فنزل الأشتر فصلى على الأرض فمر به شر حبيل فقال مخالف خالف الله به. قال فخرج الاشتر في الفتنة ولأنها إحدى حالتي الحرب أشبهت حالة الهرب ولأن فوات الكفار ضرر عظيم فأبيحت صلاة الخوف عند فواته كالحالة الأخرى والثانية ليس له أن يصلي الا صلاة آمن وهذا قول أكثر أهل العلم لأن الله تعالى قال: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) فشرط الخوف وهذا غير خائف ولأنه آمن فلزمته صلاة الآمن كما لو لم يخش فواتهم، وهذا الخلاف فيمن يأمن رجوعهم عليه إن تشاغل بالصلاة ويأمن على أصحابه. فأما الخائف من ذلك فحكمه حكم المطلوب على ما بينا * (مسألة) * (ومن أمن في الصلاة أتم صلاة آمن، وان ابتدأها آمنا ثم خاف أتم صلاة خائف) متى صلى بعض الصلاة في حال شدة الخوف مع الاخلال بشئ من واجباتها كالاستقبال وغيره فأمن في أثنائها أتمها آتياً بواجباتها، فاذا كان راكباً إلى غير القبلة نزل مستقبل القبلة، وإن كان ماشياً وقف واستقبل القبلة وبنى على ما مضى لأن ما مضى من صلاته كان صحيحاً قبل الأمن فجاز

стр. 946

البناء عليه كما لو لم يخل بشئ من الواجبات، وكان المريض يبتدئ الصلاة قاعداً إذا قدر على القيام في أثنائها فان ترك الاستقبال حال نزوله أو أخل بشئ من واجباتها بعد أمنه فسدت صلاته، وإن ابتدأ الصلاة آمناً بشروطها وواجباتها ثم حدث له شدة خوف أتمها على حسب ما يحتاج إليه مثل من يكون قائماً على الأرض مستقبلاً فيحتاج أن يركب ويستدبر القبلة ويطعن ويضرب نحو ذلك، فإنه يصير اليه ويبني على الماضي من صلاته. وحكي عن الشافعي أنه اذا أمن نزل فبنى واذا خاف فركب ابتدأ، ولا يصح لأن الركوب قد يكون يسيراً لا يبطل مثله في حق الآمن ففي حق الخائف أولى كالنزول ولأنه عمل أبيح للحاجة فلم يمنع صحة الصلاة كالهرب، ومن صلى صلاة الخوف لسواد ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو وبينه وبينه ما يمنعه منه فعليه الاعادة سواء صلى صلاة شدة الخوف أو غيرها، وسواء كان ظنهم مستنداً الى خبر ثقة أو غيره، أو رؤية سواد أو نحوه لأنه ترك بعض واجبات الصلاة ظنا منه أنه قد سقط فلزمته الإعادة كما لو ترك غسل رجليه ومسح على خفيه ظنا منه أن ذلك بجزي فبانا مخرقين، وكما لو ظن المحدث انه متطهرا فصلى، ويحتمل أن لا يلزم الاعادة اذا كان بينه وبين العدو ما يمنع العبور لأن سبب الخوف متحقق وإنما خفي المانع والله أعلم * (باب صلاة الجمعة) * والأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فأمر بالسعي ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا الى واجب. والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها لا الإسراع، فان

стр. 947

السعي في كتاب الله لا يراد به العدو قال الله تعالى (وأما من جاءك يسعى) وقال (وسعى لها سعيها) وقال (ويسعون في الأرض فسادا) وقال (سعى في الأرض ليفسد فيها) وأشباه هذا لم يرد بشئ منه العدو، وقد روي عن عمر أنه كان يقرأ (فامضوا إلى ذكر الله) وأما السنة فقول النبي ﷺ " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " متفق عليه، وعن أبي الجعد الضميري أن رسول الله ﷺ قال " من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه " وقال ﵇ " الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " رواهما أبو داود. وعن جابر قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال " واعلموا أن الله تعالى قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً

стр. 948

بها أو جحوداً بها فلا جمع الله له شمله ولا بارك الله أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ولا بر له حتى يتوب، فإن تاب تاب الله عليه " رواه ابن ماجه، وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة * (مسألة) * (وهي واجبة على كل مسلم مكلف ذكر حر مستوطن ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة. أكثر من فرسخ إذا لم يكن له عذر) يشترط لوجوب الجمعة ثمانية شروط: الإسلام والعقل والذكورية فهذه الثلاثة لا خلاف في اشتراطها لوجوب الجمعة وانعقادها لأن الاسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة المحضة، والذكورية شرط لوجوب الجمعة وانعقادها لما ذكرنا من الحديث ولأن الجمعة يجتمع لها الرجال والمرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ولكن الجمعة تصح منها فإن النبي ﷺ كان النساء يصلين معه في الجماعة

стр. 949

الرابع البلوغ وهو شرط لوجوب الجمعة وانعقادها في الصحيح من المذهب للحديث المذكور وهذا قول أكثر أهل العلم ولأن البلوغ من شرائط التكليف لقوله ﷺ " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ " وذكر بعض أصحابنا في الصبي المميز رواية في وجوبها عليه بناء على تكليفه ولا معول عليه (والخامس) الحرية (السادس) الاستيطان بقرية وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى (السابع) أن لا يكون بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ، وهذا الشرط في حق غير أهل المصر، أما أهل المصر فيلزمهم كلهم الجمعة بعدوا أو قربوا، نص عليه أحمد، فقال أما أهل المصر فلابد لهم من شهودها سمعوا النداء أو لم يسمعوا، وذلك لأن البلد الواحد يبنى للجمعة فلا فرق فيه

стр. 950

بين القريب والبعيد، ولأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ فهو في مظنة القرب فاعتبر ذلك وهو قول أصحاب الرأي ونحوه قول الشافعي. فأما غير أهل المصر فمن كان بينه وبين الجامع فرسخ فما دون فعليه الجمعة وإلا فلا جمعة عليه. وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وهو قول مالك والليث، وروى عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال " الجمعة على من سمع النداء " رواه أبو داود والأشبه أنه من كلام بن عمرو ولأن النبي ﷺ قال للأعمى الذي قال ليس لي قائد يقودني " أتسمع النداء؟ " قال نعم. " قال فأجب " ولأنه داخل في قوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله) وروي عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع وعكرمة وعطاء والاوزاعي أنهم قالوا الجمعة على من أواه الليل إلى أهله لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " الجمعة على من أواه الليل إلى أهله " وقال أصحاب الرأي لا جمعة على من كان خارج المصر لأن عثمان ﵁ صلى العيد في يوم جمعة ثم قال لأهل العوالي من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة ولأنهم خارج المصر فأشبهوا أهل الحلل
следующие страницы →