← Язык

Язык · id 11540

مناهج البحث في اللغة

تمام حسان

Полный текст (289 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بين الباب والباب أما في المعجم، فالأمر مختلف؛ لأن المعنى المعجمي قلما يتم بيانه على نمط سلبي، وإنما يشرح دائمًا بطريقة إيجابية. ويعترف سويت١ ويسبرسن٢: بالحد الفاصل بين الجراماطيقا والمعجم، حيث يدعيان أن الجرماطيقا تعالج الحقائق اللغوية العامة، على حين يتناول المعجم الحقائق الخاصة، فكلمة "Cat" تدل على الحيوان المعين، وهي لهذا حقيقة خاصة بهذا الحيوان، ولكن تكوين الجمع بإضافة "s" إلى هذه الكلمة حقيقة عامة في اللغة، ولا تخصها وحدها، وإنما تتناول جمهرة الكلمات الأخرى التي تعامل نفس المعاملة، فإذا خطرت ظاهرة جمع بغير هذه الإضافة، كما هي "Oxen"، فهناك ما يبرر أن يتم علاجها في المنهجين معًا، منهج الجراماطيقا ومنهج المعجم، وإلا ضل المطلع على أحد المنهجين دون الآخر، فاستعمل في الجمع كلمة Oxes قياسًا على غيرها. والصيغ العددية التي تدرس في النحو، يجب أن تدخل في مجال المعجم أيضًا، بما فيها من مشتقات، كثالث ورابع، والأدوات كذلك تدرس على المنهجين كليهما، ولكل أداة مكان في المعجم، لا يقل عن مكان "كان"، و"ظل"، و"ظن"، وما يسمونه النواسخ في النحو، ولهذا جميعه يقول سويت، كما يقول بسبرسن: إن المعجم والجراماطيقا متداخلان. والمعجم والجراماطيقا في الحقيقة متكاملان، بمعنى أنهما طريقتان لتناول المعنى من وجهتي نظر مختلفتين؛ فالمعجم قمة الجراماطيقا، وتاجها، وكثير مما نسميه "فسيولوجيا الأصوات"، يقع خارج نطاق اللغة، ولكن المرء حين يقارن كلمتي "راح" "ولاح"، يركز اهتمامه على القيمة الخلافية بين الكلمتين، وهي تتمثل في الفرق بين صوتي الراء واللام: فهذه دراسة للمعنى من وجهة النظر الأصواتية. فجزء معنى "راح"، أنها ليست "لاح"، ولا "ناح"، ولا "فاح"، ولا "ساح" وهلم جرا، وهذا هو الجزء السلبي الخلافي من المعنى، فإذا استطعت

стр. 247

أن تقول: إن هذه الكلمة اسم أو فعل أو ضمير أو حرف، فقد اكتشفت أحد عناصر الوضوح الصرفي، والنحو أكثر الدراسات الجراماطيقية أهمية؛ لأنه يدرس الكلام التام كوحدة مترابطة، فإذا انتهت الدراسات الجراماطيقية للمعنى، بدأت دراسة المعجم للكلمة، وعند نهايتها تبدأ دراسة المعنى الدلالي الاجتماعي، في ماجرياته الخاصة، ومعنى ذلك أن المعجم يقنع بدراسة المعنى من جهة، والتحديد الجراماطيقي من جهة أخرى، تاركا دراسة المعنى باعتباره نظرية فلسفية للإبستيمولوجيا "Epistemology". والملاحظات الخاصة التي يجب مراعاتها عن كتابة المعجم، هي نفس الأهداف التي من أجلها يكتب المعجم، فنحن نتوقع أن نتعلم من المعجم أمورًا خاصة بالكلمة المرادة، ويمكن تلخيص هذه الأمور فيما يأتي. ١- الهجاء: كلنا يعلم أن أبجديات اللغات المختلفة، قد وضعت لتعطي صورا بصرية للكلمات، تقوم مقام الصورة السمعية، عند تعذر الإسماع، ونحن نعلم كذلك أن التهجي، في كثير من الحالات، لا يراعي تمثيل أصوات الكلمة، ولا وحداتها الصوتية التي نسميها الحروف؛ ولذلك نجد المعجم مكانا طبيعيا للنظر في هجاء الكلمة، لنرى ما إذا كانت همزتها مفردة، أو على أحد حروف اللين الثلاثة، ولنرى ما إذا كانت الألف محذوفة، كما في "الرحمن"، "والله"، وما إذا كان اسم الألف اللينة في آخر الكلمة واوا، أو ياء، وهلم جرا. ٢- النطق: أما نطق الكلمات، فيجب أن يدون بالكتاب الأصواتية، التي تستخدم رمزًا معينا لكل صوت، وقد وضع علماء الأصوات في بعض اللغات معاجم خاصة بنطق الكلمات فحسب١، والناظر في معجم أوكسفورد للغة الإنجليزية، يجد الكلمة متبوعة بطريقة نطقها، أما واضعوا المعاجم العربية، فقد كانوا يعمدون.

стр. 248

إلى الطريقة أخرى في الضبط، ولا تبلغ من الدقة مبلغ الكتابة الأصواتية، تلك الطريقة هي ذكر الحركات في الكلمة؛ فكانوا يقولون مثلا في "هزبر": هي بكسر، ففتح، فسكون، وهلم جرا، ولقد كانت هذه الطريقة العربية، تهدف إلى تحديد الحروف، لا إلى تحديد الأصوات، ولذلك لا يمكن أن نسميها بيانا للنطق. ٣- التحديد الجراماطيقي: سيقول لك المعجم بعد ذكر الكلمة ما إذا كانت هذه الكلمة اسما، أو فعلا أو غير ذلك، فإذا كانت الكلمة محايدا صرفيا -كما ذكرنا حين الكلام عن التوزيع الصرفي- فعلى واضع القاموس، أن يخالف بين مداخلها المختلفة، فيخصص -مثلا- لكلمة "قاتل" باعتبارها فعل أمر، مدخلا خاصا غير مدخلها باعتبارها اسم فاعل، ولقد جرت عادة المعاجم العربية على أن تخصص مدخلا لكل مادة، لا لكل صيغة، ولعل ذلك هو الذي جعل عدد الكلمات في المعجم العربي أقل منها في المعاجم الأجنبية، التي تعالج كل صيغة، بمدخل خاص بها، والمعروف أن المادة أعم من الصيغة، وأنها قد تحتوي على عدد كبير من الصيغ. ٤- الشرح: ويشتمل ذلك على أمرين: ١- الأشكال المختلفة للكلمة، سواء أكانت هذه الأشكال متعددة من وجهة النظر السنكرونية الأفقية، أي في مرحلة معينة، من مراحل اللغة، بأن توجد الأشكال المختلفة لها جنبا إلى جنب في زمن واحد، أو كانت من وجهة النظر الدياكرونية الرأسية، أي في المراحل التاريخية المتعاقبة، بأن تقول: إن هذه الكلمة كانت في القرن الفلاني كذا، وأصبحت فيما بعد كذا، ثم آلت إلى كذا، وهذا ما يعرف بالإبتمولوجيا "Etymology"، وتلك الناحية الإيتيمولوجية هي الميزة التي امتاز بها معجم أوكسفورد، واستخدمها على نطاق واسع، وسماها وجهة النظر التاريخة١، وليس في اللغة العربية إلى الوقت الحاضر أثر لمثل هذه الدراسات،

стр. 249

على نفعها وقيمتها في دراسة المفردات، وتواريخ النصوص، ولعل المستقبل كفيل بسد هذا النقص. ب- تقسيم المادة بحسب تعدد المداخل الفرعية فيها، والاستشهاد على كل مدخل، مع الإتيان بتحديد صرفي لكل قسم فرعي، فيتم ذلك مثلا، كما يأتي: يقول صاحب القاموس١، في شرح مادة "ردح"، ما يأتي: "ردح" البيت كمنع وأردحه أدخل شقه في مؤخره، أو كاثف عليه الطين، والردحة -بالضم سترة في مؤخرة البيت، أو قطعة تزاد في البيت، وكسحاب الثقيلة الأوراك، والجفنة العظيمة، والكتيبة الثقيلة الجرارة، والدوحة الواسعة، والجمل المثقل حملا، والمخصب؛ ومن الكباش الضخم الإلية؛ ومن الفتن الثقيلة العظيمة جمع رُدُحٌ، ومنه قول علي ﵁: "إن من ورائكم أمورًا متماحلة ردحًا" ويروى رُدَّحًا، والرُّدْحُ الوجع الخفيف، والردحى -بالضم- يقال القرى ولك عنه ردحة -بالضم- ومرتدح أي سعة. والرادحة بيت يبنى للضبع، ويقال: ما صنعت فلانة؟ فيقال: سدحت، وردحت؛ سدحت أكثرت من الولد، وردحت ثبتت وتمكنت، وكذلك الرجل إذا أصاب حاجته، والمرأة إذا حظيت عنده، وأقام ردحا من الدهر -أي طويلا، وسموا رديحا كزبير وفرحان". ولو ترك لي أن أرتب هذه المادة بحسب المقتضيات المعجمية المذكورة، لخصصت الصيغ الآتية كلا بمدخلها الخاص: رَدَحٌ - أردحه الردحة - رداح - ردح - الردح - الردحى - ردحة - مرتدح - الرادحة ردحت - رديح - ردحان. ولكنا على أن أستشهد -من النصوص العربية، كلما أمكن ذلك -على استعمال كل صيغة من هذه الصيغ في مدخلها، وأن آتي لها بتحديد صرفي، وأن

стр. 250

أو فيها حقها من كل ما يتطلبه المطلع على القاموس من شرحها، كما بينته فوق هذا الكلام. لقد كان الصينيون أول واضعي المعاجم في العالم، وكان ذلك قبل المسيح بقرون عديدة، ومما يثير العجب أنهم، وقد وضعوا معاجمهم على أساس أشكال الرمز الصينية، جاء جمعم للقاموس موضوعيا إلى حد كبير، فكان المعجم عندهم أسبق من الجراماطيقا، ولقد كانت الكلمات دائما من نتائج الوضع والتعارف، فهي بطاقات وضعها الإنسان، ليلصق كلا منها بحقيبة من حقائب المدلولات، أما في أوربا المسيحية، فقد كانت الكلمة موضع عناية من الناحية الدينية؛ لأن عيسى ﵇ "كلمة الله"، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، ومن هنا لقيت الكلمة بعثها في الكنيسة، وأصبحت الدعاية التي قامت بها الكنيسة Propaganda fide مسئولة عن كثير من المعاجم في لغات متنوعة. يقول صاحب المذهر١: "أول من صنف في جمع اللغة الخليل بن أحمد؛ ألفت في ذلك كتاب العين المشهور، على أن نسبة هذا الكتاب إلى الخليل موضع شك عند بعض النحاة، ويشك بعضهم في وضعه ما بعد الغين من الكتاب، وينسبه إلى الليث بن نصر بن سيار الخراساني، وترتيب كتاب العين قصد به أن يكون على حسب مخارج الأصوات العربية، وقد كان الخليل يرى أن العين أقصى هذه الأصوات مخرجا، وهذا خطأ بالطبع؛ لأن أقصى الأصوات مخرجا أصوات الهمزة والهاء، قال صاحب المزهر٢: "وقال ابن جني في الخصائص: أما كتاب العين ففيه من التخليط، والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل، فضلا عنه نفسه، ولا محالة أن هذا التخليط لحق هذا الكتاب من غيره، فإن كان للخليل فيه علم، فلعله أومأ إلى عمل هذا الكتاب إيماء، ولم يله بنفسه، ولا قدره، ولا حرره".

стр. 251

ثم كتب ابن دريد بعد ذلك جمهرته، وهي مرتبة على الحروف الأبجدية، ولا على ترتيب المخارج، وقد قصد بها صاحبها أن يختار الشائع المقبول من كلام العرب، وأن يترك الوحشي، والنادر، والمستهجن، كما فعل الخليل في كتاب العين، ويرى ابن دريد أنه إنما اختار الترتيب على حروف الأبجدية؛ لأنها بالقلوب أعلق، وفي الأسماع، أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة، ولقد كان خصوم ابن دريد يقدحون في قيمة الجمهرة من الناحية العلمية، فيطعنون في رواياتها، ويرجعونها بجملتها إلى كتاب العين، مثال ذلك قوله نفطويه: ابن دريد بقرة ... وفيه عي وشره ويدعي من حمقه ... وضع كتاب الجمهرة وهو كتا العين إلا ... أنه قد غيره قال السيوطي١: "وقال بن جني في الخصائص، وأما كتاب الجمهرة ففيه أيضا من اضطراب التصنيف، وفساد التصريف مما أعذر واضعه فيه لبعده عن معرفة هذا الأمر". يقول صاحب المزهر٢: "وأول من التزم الصحيح مقتصرا عليه، الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، ولهذا سمي كتابه بالصحاح"، ويقول٣: وأعظم كتاب ألف في اللغة بعد عصر الصحاح كتاب المحكم والمحيط الأعظم، لأبي الحسين علي بن سيده الأندلسي الضرير، ثم كتاب العباب، للرضي الصنعاني". ثم ألف بعد ذلك لسان العرب، لابن منظور المصري، والمصباح للفيومي، والقاموس المحيط للفيروزابادي، وقد شغل اللغويون بشرح هذه المعاجم، واختصارها والتعليق عليها، زمنا طويلا، حتى خرجت اللغة العربية من ذلك بحظ لا بأس به من دراسات المعاجم، فإذا أضفنا إلى هذا المجهود مجهودًا من نوع آخر، يمكن أن نطلق عليه اسم المعاجم الخاصة بالموضوعات، عرفنا مقدار الجهد، الذي بذله اللغويون

стр. 252

في هذا السبيل، ومن أمثال هذه المعاجم الخاصة مثلثات قطرب، والنبات والشجر للأصمعي، واللبا واللبن لأبي زبد الأنصاري، وتهذيب الألفاظ لابن السكيت، والمطر والسحاب لابن دريد، والأفعال لابن القوطية، والمخصص لابن سيدة، وكشاف اصطلاحات العلوم للتهانوي. ولكن هذه المعاجم العربية العامة -على جلالها وخطرها- ينقصها الترتيب والتنظيم، وإننا لنطمع في أن يكون المعجم الذي يزعم المجمع اللغوي إخراجه للناس، قد استدرك هذه الأخطاء في المعاجم القديمة، حتى يتسنى للطالب العربي أن يجد في هذا المعجم الأسس الأربعة، التي قلنا إن الباحث في المعجم يتوقع أن يجدها، وهي الهجاء، والنطق، والتحديد الجراماطيقي، والشرح. وعندي أن أولى طرق ترتيب المعاجم بالاعتبار، هي طريقة الترتيب على أساس المخارج؛ فهذه الطريقة تعطي -إلى جانب المعلومات المعجمية- عنصرا من عناصر الدراسة الأصواتية، التي لا يمكن أن يستغني المعجم عنها. ولعل أوفى معجم في العالم في الوقت الحاضر، هو معجم أوكسفورد للغة الإنجليزية، وأوضح ميزة من ميزاته -كما قلنا- هي دراسة الناحية التاريخية للكلمات، أو ما يسمونه في الغرب ايتيمولوجيا "Etymology". لعلنا الآن قد وضحنا ماهية المعنى المعجمي بعض التوضيح، فهو معنى يقوم على أساس الكلمة، مختلفا في ذلك مع المعنى الوظيفي الجراماطيقي، والمعنى الدلالي الاجتماعي، الذي سنشرحه تحت الكلام عن منهج الدلالة.

стр. 253

منهج الدلالة: ١- النظرة الديناميكية: علم الدلالة، أو علم المعنى، أو علم السيمانتيك، فرع من فروع الدراسات التي تناولها بالبحث أنواع من العلماء تختلف موضوعاتهم، كالفلاسفة، واللغويين، وعلماء النفس، والأنثربولوجيا، والأدباء، والفنانين، والاقتصاديين، وعلماء الدراسات الطبيعية١، ولهذا كان اسم هذا العلم محل خلاف في اللغات المختلفة، حتى إن من الأسماء التي لا تزال تجري على أقلام بعض الكتاب في هذا العلم: semantics , semasiology, simology, sematology ويجري نفس الخلاف في الاصطلاحات، التي تطلق على بعض الأفكار الداخلة في نطاق هذا العلم، فقد سبق أن ذكرنا أن فندريس يميز بين ما يسميه المورفيم "morpheme"، وبين ما يطلق عليه السيمانتيم "semanteme"، وليست هذه هي التسمية الوحيدة للسيمانتيم؛ لأن بعضهم يطلق عليه "sememe"، وآخرون "seme"٢، وبرغم هذا الخلط في استخدام الإصلاح، استطاع علم الدلالة أن يشق طريقة في التطور من أفكاره الأولى، التي حددها بريال "Breal"، على أساس تاريخي لا وصفي، والواقع أن علم الدلالة التاريخي يدرس تغير المعنى من عصر إلى عصر، وأن علم الدلالة الوصفي يدرس المعنى في مرحلة معينة من مراحل تاريخ اللغة، فالأول ديا كروني -على حد تعبير دي سوسور- والثاني سينكروني، أي أن الأول يدور حول التغيرات المعنوية، والثاني حول العلاقات المعنوية، أو بعبارة أخرى يدور الأول حول المعنى المتغير، والثاني حول المعنى الثابت.

стр. 254

فإذا نظرنا إلى المعنى باعتباره علاقة بين الصيغة والفكرة، حق لنا أن نقول: إن تغير الدالالة من عصر إلى عصر، ليس إلا ربط الفكرة بصيغة جديدة، أو ربط الصيغة بفكرة جديدة، لقد كان كلمة "فرج"، فيما قبل الإسلام تدل على انفتاح، يقول لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخالفة خلفُها وأمامُها ثم جاء الإسلام، فخصص عموم هذا المعنى بالمدلول الفقهي للكلمة، الذي يوضحه أن الصيام هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، والذي نجى كلمة "مخرج" من التخصيص الفقهي بمعنى "فتحة الإفراز"، والتخيص الأصواتي بمعنى "مكان النطق"، إنما هو استعمالها في القرآن بالمعنى العام، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ . والعلق الشيء النفيس، والخول الخدم، هكذا كانت دلالتهما الفصحية، ولكن معنى الكلمتين تغير -على مر العصور- تغير مخجلا إلى مفهومهما العامي، وكان الأمي في مبدأ الإسلام هو الذي ينسب إلى العرب، في مقابل النسبة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ثم تطور المعنى حتى أصبح من العرب أميين وغير أميين، ثم انظر إلى المدلول العربي الضيق لكلمة شعب، والمدلول الواسع الذي نعطيه لها الآن، كل أولئك تغير في الدلالة من عصر إلى عصر، يدرس في الأيتيمولوجيا، وفي الدلالة التاريخية، ولقد كان العلماء يعتبرون هذا التغير في المعنى إما نموا، أو انحلالا. ولم يحاول واحد من العلماء أن يضع قاعدة شاملة لكل العوامل الداعية إلى التغير في المعنى، ولكنهم حاولوا أن يوضحوا عوامل تغير الأمثلة، حين تخطر في دراساتهم. غير أن "هرمان بول" يدعي أن التغير في المعنى يلحق اللغة عن طريق الكلام١، ويقول "شترن": إن معظم تغيرات المعنى تنتج عن رغبة المتكلم في أن يوفق بين الكلام، وبين وظيفته التي يستخدم من أجلها٢.

стр. 255

أما مسييه١، فيجعل الأساب النهائية لتغير المعنى من أنواع ثلاثة:١ لغوية، ٢ تاريخية٣ طبقية عن طريق الاقتراض، ويقول: إن الكلمات يتسع معناها، ويضيق بحسب اتساع أفقها، وضيقه بعد الاقتراض من طبقة إلى أخرى، وأما سبربر فإنه يصر على فكرة المعنى المركزي "Cintral Meniang"، والمعنى السياقي "Contextual Meaning"، ونغمة الإحساس "Felling tone"، كما فعل إردمان، والمعنى السياقي، ونغمة الإحساس عنده أهم شيء، ولذلك يحرص على أن يذكر في دراسة الكلمة أوضح المواضع التي تستعمل فيها، وما يأتي معها؛ لأن المعاني الجديدة تتبلور عن هذا الطريق في مراحل أربع ١- ورود معنى جديد في موضع خاص، ٢- مرحلة انتقالية من تكرر الورود، والارتباط بين الصيغة والمعنى، ٣- ظهور معنى جديد مستقل في مواضع مختلفة، ٤- إمكان قطع الصلة بين المعنيين القديم والجديد، وهذا لا يحدث بالطبع إلا بقرار من ملايين المتكلمين، وبالانتفاع بعوامل مثبتة للمعنى الجديد، هي القوى العاطفية، فطالب الكلية الحربية، الذي فصل منها بسبب ما قد يطعم كلامه العام بقاموس العسكريين، فيستعمل كلمات مثل التعيين، والبيادة، وساعة الصفر، والتكتيك، والتواجد، والضبط، والربط، وهلم جرا، في غير معناها العسكري، بدافع من عاطفته، ويرى سبربر أن أثر القوى العاطفية هنا، إنما يكون بالتوسع، عن طريق نقل الكلمات من مجال إلى مجال آخر، أو بالجذب، بأن يتطلب المجال عنونا من مجال آخر٢، وأما أوجدن وريتشارد٣، فإنهما لا يتكلمان عن المعنى إلا بتشقيقه إلى عناصر أربعة هي: ١- القصد،٢- والقيمة، ٣- والمدلول عليه ٤- والعاطفة. وعندهما أن معنى الكلمات، لا يرى إلا حيث يتوسع في الرموز بوضعها في سياقات مختلفة "Constextualization". فما يمكن أن يسمى حاصل جمع معنى الكلمة، أي

стр. 256

المعنى الكلي لها، إنما هو وظيفة مركبة من القصد ونغمة الإحساس والفكرة، ولا يغيب على البال أنه، "حتى في علم الدلالة التاريخي التقليدي الذي نتكلم فيه الآن، يوجد حقل واسع للعمل في أساس منهج اجتماعي على حسب الماجريات، وإن دراسة كلمات مثل "الشغل"، "العمل"، و"التجارة أو المنهة"، "الوظيفة"، "الاحتلال"، "اللعب"، "الإجازة"، "الوقت"، "الساعات"، "الوسائل"، "احترام النفس"، بمشتقاتها ومركباتها جميعا في ظل الظروف ذات المغزى الاجتماعي، التي مرت في السنين العشرين الأخيرة، سيلقى ضواءًا قويا على هذه الناحية، وكذلك دراسة الكلمات التي تتعلق بالملابس، والمهن، والمطامح الخاصة بالنساء، أو لغة الإعلان، وخصوصا الإعلان بالخطابة عن الدواء العجيب، وإعلانات اللهو، والطعام والشراب، والحركات السياسية والدعاية١. والمعنى الاجتماعي هو الغرض الأسمى، الذي يسعى إليه علم الدلالة الوصفي. وهذا المعنى هو الذي أطلقنا عليه في هذا البحث اسم المعنى الدلالي، وذلك لا يكون إلا في طور معين من أطوار اللغة، إن تحليل المعنى يتطلب أن ندخل في اعتبارنا عناصر أربعة. تلك هي ١- المتكلم، ٢- السامع ٣- الرمز، ٤- المقصود. ولقد ذكرنا في كلامنا عن رأي السلوكيين من اللغويين في التفريق بين الكلام، واللغة أن بلومفيلد يتناول المتكلم والسامع بالتحليل، ويجعل الكلام بديلا من استجابة عضوية لمثير معين، وإذا كان بلومفيلد قد قصر -بحكم سلوكيته الميكانيكية- عن أن يتكلم في أمور عقلية نفسية خالصة، كالعلاقة بين الرمز والمقصود، فقد تكفل دي سوسور بالكلام عن هذه العلاقة وأفاض فيه، والواقع أن ما قاله بلومفيلد، وما قاله دي سوسور، ليس بينهما تعارض، بل هما نظريتان متكاملتان، يمكن أن تقفا جنبا إلى جنب، والذي يعتبر أكثر اتصالا بعلم الدلالة، هو نظرية دي سوسور عن الرمز "signifiant"، والمقصود "signifie ".

стр. 257

وملخص رأي دي سوسور١ في هذا أنه يرى كافيا في دراسة القيمة اللغوية، أن ندرس عنصرين هما: الصوت, والفكرة، وقد اتفق الفلاسفة، واللغويون على أن الإنسان لا يستطيع أن يفرق بين فكرتين تفريقا حقيقا، بلا علامات لغوية، أي كلمات، فالتفكير بلا كلمات عائم، وليس في الفكر ما يفرض شكلا معينا للرموز الصوتية، فهذه الرموز موضوعة وضعا اعتباطيا، وليست وظيفة اللغة في هذا أن تخلق وسطا صوتيا للتعبير عن الأفكار، ولكن أن تقوم بدور الوسيط بين الفكرة والصوت، في حالة تدعو كلا منهما إلى الآخر، والمعنى بهذا الاعتبار علاقة مبادلة بين الاسم والفكرة، تجعلهما يتداعيان، ويحول هذا التعريف المعنى من فكرة استكاتيكية إلى فكرة وظيفية ديناميكية. حينما نتكلم عن قيمة الكلمة، نفكر قبل كل شيء في ما يجعلها تدل على فكرة، وهذه جهة من جهات القيمة على أي حال، ولكن ما الفرق بين هذه القيمة وبين القصد، وهل يصح أن تكون هاتان الكلمتان مترادفتين؟ إن دي سوسور لا يعتقد ذلك؛ فالقيمة من ناحيتها الفكرية عنصر من عناصر القصد بلا شك، ومع هذا، من الضروري أن توضح هذه المسألة، مع تحمل نتيجة جعل اللغة مجموعة أسماء لمسميات، دعنا نختبر قصدا كالذي يبدو في المثال الآتي" فكلمة arbor اللاتينية، تدل على arbre = شجرة، وواضح أن هذه العلاقة التي تباركها اللغة، تبدو لنا مؤيدة بعنصر الواقع، فنطرح أي شيء آخر نستطيع تخيله، فالعلاقات اللغوية حقيقة نفسية ذات وجهين، يمكن أن نمثلهما كما يأتي.

стр. 258

ويمثل السهمان تشابك العلاقات، والتداعي بين العنصرين، فالعلاقة إنما تكون بين الفكرة والصورة الأصواتية، في حدود الكلمة، التي تعتبر مجالا مقفلا موجودا بنفسه، ولكن هنا ناحية تناقضية وهمية في المسألة، فإن الفكرة من ناحية تبدو مقابلة للصورة الأصواتية السمعية في العلامة، وهذه العلامة نفسها، من ناحية أخرى، مقابلة لبقية العلامات في اللغة، وإذا كانت اللغة منظمة مترابطة العناصر، التي تتوقف قيمة الواحد منها، على وجود العناصر الأخرى في نفس الوقت، كما يبدو في الشكل الآتي: فكيف تكون العلامة، وهي بهذا التعريف، ممتزجة بالقصد، أو بعبارة أخرى بما يقابل الصورة السمعية؟ للإجابة على هذا السؤال، يقرر دي سوسور أولًا، أن كل القيم خارج اللغة، خاضعة لهذه القاعدة التناقضية الوهمية، فهي مركبة دائما مما يأتي:- ١- من شيء قابل للتغير مخالف لشيء آخر ثابت القيمة. ٢- من أشياء متشابهة، يستطيع الإنسان أني يقارنها بأشياء أخرى مشتملة على قيمة. وهذان العاملان ضروريان لوجود القيمة، وهكذا إذا أردنا أن نصرف قطعة من ذات الخمسة فرنكات، فيجب أن نعرف أولا أن الإنسان يستطع أن يغيرها بكمية محددة من شيء مختلف، كالخبز مثلا، وثانيا أن يقارنها بقيمة مماثلة من نفس

стр. 259

نظام العملة، كقطعة ذات فرنك وأحد مثلا، أو قطعة من عملة أخرى، كالدولار، ويجري نفس الشيء مع الكلمة، حيث يمكن تغييرها بفكرة، أو بكلمة أخرى. فقيمة الكلمة غير ثابتة، ويضرب دي سوسور لذلك مثلا بالكلمة الفرنسية "mouton"، في مقابل الكلمة الإنجليزية "sheep"؛ فيمكن أن تؤدي الكلمة الفرنسية نفس القصد، الذي تؤديه الكلمة الإنجليزية، ولكنها سوف لا تتفق معها في القمية، وهذا لأسباب متعددة، أخصها أن الإنجليزي، حين يتكلم عن قطعة من اللحم الضأن تقدم على مائدته، يسميها "mutton"، ولا يسمها "sheep"، فالفرق في القيمة بين الكلمتين يتمثل في أن الكلمة الإنجليزية، تستخد إلى جانبها كلمة ثانوية لا تستخدمها الفرنسية، ويجب أن نصر على أن هذا فرق في القيمة لا في القصد، وإن ما يقال عن الكلمات يقال أيضا عن العناصر الجراماطيقية، كالمحلقات والأدوات، ثم إن دي سوسور يقول: "إن العلامة اللغوية لا تخلق وحدة بين اسم وشيء، ولكن بين فكرة، وصورة سمعية"١. ويعتبر "جومبوكز" أكثر إصرارًا على هذه النقطة من دي سوسور، فهو يقول: إن الإسم لا يدل على الشيء، بل على فكرته التي في الذهن، ويوضح ذلك بإعادة ترتيب الشكل الإيضاحي، الذي جاء به دي سوسور، كما يأتي: وهذا يطابق مطابقة تامة، خلق علاقة بين الرمز وبين ما يدل عليه، وتعتبر هذه العلاقة حجر الزاوية في كتاب The Meanning of Meaning لا وجدن وريتشارد، وتوضح من جهة أخرى حاجتنا إلى الاعتراف بأن المعنى ينقصه

стр. 260

السيمترية، كما يقول أوربان: لأن الشجرة ليست علامة ولا رمزا للكلمة، ولا توجد علامة مباشرة بينهما، وليس للاسم في الواقع إلا علاقة واحدة، هي علاقته بالفكرة، وهذه الصلة التي نسميها "المعنى" متبادلة وسيمترية"١. ويرى أوجدان وريتشارد٢، أن الرمزية دراسة الدور الذي تلعبه اللغة، والرموز في الحياة الإنسانية، وعلى الأخص فيما يتعلق بالفكر، وهي تُفرِد بدارسة خاصة تلك الطرق التي تساعدنا بها الرموز على الفكير في الأشياء، أو تعرقلنا عن ذلك، فالرموز توجه، وتنظم، وتسجل، وتوصل. وفي النص على ما توجهه وتنظمه، وتسجله وتوصله، يجب أن نفرق بين الأفكار والأشياء، فالفكرة هي التي توجه، وتنظم، وتسجل، وتوصل؛ ولكننا كما تقول: إن البستاني هو الذي يقص الحشيش، الذي يغطي أرض الحديقة، على حين نعرف أن شخصا آخر غيره موكل بهذه المهمة، نعلم أن العلاقة المباشرة للرموز، إنما تكون بالأفكار، ومع ذلك نقول: إن الرموز تسجل الحوداث، وتوصل الحقائق. ولا تدل الكلمات بنفسها على شيء، ولكن الفكرة يستعملها فيصبح لها معنى، إذ يتخذها أدوات، ولكن بجانب هذه الناحية الفكرية، جانبا عاطفيا للكلمات، لا يمكن التقليل من شأنه. ويجب أن نبدأ حين نحلل المعنى بالعلاقات بين الأفكار، والكلمات، والأشياء باعتبار الجانب الفكري للمسألة، وسنبدأ بعدم المباشرة في العلاقة بين الكلمات والأشياء، ويمكن إيضاح ذلك بشكل إيضاحي مثلث، توضع هذه العناصر الثلاثة في زواياه، وتمثل أضلاع المثلث العلاقات بين هذه العناصر هكذا.

стр. 261

وتوجد العلاقات السببية بين الفكرة والرمز، فالرمز الذي نستعمله حين الكلام مسبب من ناحية عن الفكرة، ومن ناحية عن عوامل اجتماعية ونفسية، كالغرض الذي سبب الفكرة، وأثر الرمز في الآخرين، وموقفنا نحن، وحين نسمع ما يقال، تسبب الرموز لنا أن نقوم بعملية تفكير، وأن نتخذ موقفا مشابها لموقف المتلكم، ونشاطه. وبين الفكرة والشيء علاقة أيضا، ولكنها مباشرة "كحين تفكر في سطح ملون أو تراه"، أو غير مباشرة "كحين تفكر في نابليون أو تشير إليه"، وفي هذه الحالة توجد سلسلة طويلة من المواقف الرمزية، تتخلل العمل الفكري، والشيء مثل: كلمة - مؤرخ - معاصر - سجل - شاهد عيان - الشيء المقصود "نابليون". وليس هناك علاقة تهمنا هنا بين الرمز والشيء، إلا العلاقة غير المباشرة، التي تتكون من استعمال شيء لهذا الرمز، ليدل على الشيء، فالرمز والشيء لا يتصلان اتصالا مباشرًا، "وحين نعترف باتصال كهذا لأسباب نحوية، فسوف ننسبه باعتباره مقابلا لعلاقة حقيقية"، ولكن اتصالا غير مباشر حول جانبي المثلث. "والعلاقة بين تعريف المعنى على طريقة الوظيفة، وبين هذا المثلث، ومشتقاته لا تحتمل قولين، فهي تقصر نفسها على الضلع الأيسر من هذا المثلث، باعتباره الوحيد، الذي يشتمل مباشرة على عناصر لغوية، فالعلاقة بين الفكرة والمقصود تقع في مجال علم النفس، ولا يعني ذلك أن اللغة لم يبق لها دور هام تلعبه في تكوين

стр. 262

محتويات عقلية، وخصوصا من التجريدات، وأما العلاقة بين الرمز والمقصود فهي اعتباطية منسوبة، فليس هناك أي تناقض بين هاتين المدرستين الفكريتين؛ لأن البناء الأساسي واحد فيهما، ولكن اللغوي يجد نفسه في موقف، يقصر فيه نفسه على واحدة من هذه العلاقات الثلاث، على حين يشغل أصحاب علم النفس والمنطق، والإبستيمولوجيا أنفسهم بالعلاقات الثلاث جميعا"١. وقد جر هذا التوزيع في العمل بين اللغويين، والفلاسفة إلى خلق المزايا السلبية للتحليلات الوظيفية للمعنى، فهي تتمشى مع طرق التناول المختلفة، وتتوحى موقفا لا تورط نفسها فيه، وهي لا تحتاج مثلا إلى تقرير الطبيعة المضبوطة للصلة بين الاسم والفكرة، وما إذا كانت هذه الصلة ترابطية، أو سببية، أو شيئا آخر، أي أنها لا تضطر إلى أن تختار بين الطبيعية والمثالية، وأما مسألة دور الصور في التفكير، فيمكن أن يتجنب الوظيفيون الكلام فيها، بالتوسع في شرح معنى "الفكرة"، وأما إخراج المقصود من الدائرة الداخلية، فلا يقصد به أكثر أو أقل من أن العلاقة بين الرمز، والشيء غير مباشرة. ويرى بلومفيلد٢، أن البدع التي يتغير بها المعنى المعجمي، لا الوظيفة الجراماطيقية للصيغة، تعتبر تغيرات دلالية سيمانتيكية، هذه التغيرات الدلالية يمكن النظر إليها باعتبارها صلة بين أمور عملية، تلقي ضوءا على حياة العصور الماضية، ويمكن في هذه الحالة أن نكشف عن التطابق بين التغيرات الدلالية الخاصة، وبين الآثار الثقافية، وكما أن الملامح اللغوية الشكلية، قد تكون نتيجة عوامل خاصة متعددة، قد يكون المعنى نتيجة مواقف، لا يمكن أن تستعاد، ولا يمكن أن نعرفها إلا عن طريق المعلومات التاريخية، كانشعاب اسمي الملك في ألمانيا، وروسيا من اسم القيصر الروماني، والدراسة السطحية للتغيرات الدلالية تشير غلى أن المعاني الدقيقة التجريدية، كثيرا ما تنتج عن معان محسوسة، كما في معنى understand، الذي كانت دلالته على ما يرى بلومفيلد "يقف بين"، ولكن كل ذلك، إن

стр. 263

منحنا شيئا من الإحساس بالاحتمالات الإبتيمولوجية، فلا يدل على الطريقة التي يتغير بها المعنى من عصر إلى عصر، ولهذا يجب أن ندخل في اعتبارنا تباين تردد الكلمة في الاستعمال "fluciuation of frequency"، وتباين التغير القياسي أيضا "flucluations of analogic change"، والفرق بينهما هنا أن التباين ينتج التحول المعنوي المعجمي، لا الجراماطيقي، ولهذا يضلل اللغوي الباحث، أول لغوي رأى أن التغير الدلالي يتكون من توسع، أو بطلان هو هرمان بول، على ما يظن بلومفيلد، فقد رأى بول أن معنى الصيغة في كلام أي متكلم نتيجة للنطق الذي سمعها فيه، ولهذا فإن المتكلم الذي سمع صيغة مستعملة بمعنى عارض، أو نسق من المعاني العارضة، سوف لا ينطق هذه الصيغة إلا في ظروف مماثلة، ويسلم بول في إيضاحه للتغيرات الدلالية بورود المعنى الثانوي، أو ما يسمى "marginal Meaning"، وورود بطلان الاستعمال، وينظر إلى هذين نظرته إلى مغامرات شخصية من المتكلم في استعمال الصيغ، دون إشارة إلى الصيغ التي يعتدي على حدود معانيها، وقد يقود التوسع في استخدام الكلمة إلى عزل بعض الصيغ عنها باستعمالات خاصة، بعد أن كانت ذات معاني ثانوية، كما في كلمة Board، التي كان معناها المركزي في الإنجليزية القديمة لوحة خشبية، وكان لها بعض المعاني الخاصة الأخرى، وكان أحد المعاني الخاصة لها "درع"، وقد بطل هذا بطلانا تاما. وكان من هذه المعاني أيضا "جانب السفينة"، وقد أدى هذا المعنى الأخير إلى بعض الصيغ المنعزلة مثل: on board a ship aborad a ship to board a ship وقد توسع في هذه الصيغ، حتى استعملت مع المركبات الأخرى، كعربات السكة الحديد، والسيارات العوامل، ومن التي تساعد على هذا العزل التغيرات الأصواتية، والصوغ القياسي في اللغة، أو ما يسمى analogic new formation. ويرى بلومفيلد أن إيضاح بول للتغيرات الدلالية، لم يعلل وجود المعاني الثانوية

стр. 264

وبطلان استعمال الصيغ في مجالاتها الدلالية، ويرى أن ذلك يرجع إلى النقص في التردد، وأن التحول إلى معنى جديد في الصيغة، لا يظهر إلا حين يستتبع تحولا في العالم العملي، كتحول معنى قبعة، سفينة، جوارب بتغير صور هذه الموضوعات من عصر إلى عصر، وأوضح التوسعات الدلالية هي التوسعات الجراماطيقية. وأما مييه، فيضع رأيه في الكلمات الآتية١: "تعرف الكلمة بأنها ربط معنى ما بمجموعة من الأصوات، صالحة لاستعمال جراماطيقي ما، وليكون للتوافق بين الكلمتين قيمة، يجب أن يظهر في الصوت، والمعنى، والاستعمال الجراماطيقي. وكلما ازداد التوافق من هذه الجهات الثلاث، زاد احتمال الصواب في الربط بينهما إبتيمولوجيا"، وهو بهذا يضغط كل القواد الجوهرية، لتغير المعنى في هاتين الجملتين. وبعد هذا الكلام عن جهة النظر الدياكرونية التاريخية في تغير المعنى، سنحاول في الصفحات الآتية تلخيص نظرية استاذناج، ر. فيرث في منهج الدلالة، وأن نشرح الظروف التي مر بها أهم اصطلاح من اصطلاحات هذه النظرية، وهو "الماجريات" أو"Context of situation".

стр. 265

٢- النظرة الاستاتيكية: يقول فيرث١: إن دي سوسور أول من فرق تفريقا فنيا بين دراسة التغير في المعنى، ودراسة المعنى في حالة سينكرونية، وأطلق على الأخيرة "Semiologie"، ورأى أن هذا النوع من فروع الدراسة، يجب أن يستخدم نتائج علم النفس، والاجتماع، والأنثروبولوجيا، ليقرر أبوابه، ويصف حقائقه؛ وأن علم اللغة لن يصبح علما بغير اعتبار هذا الفرع. والآن ننفض أيدينا من وجهة النظر التاريخية، لننشئ منهجا لدراسة الصيغة، والوظيفة، في اللغة فنجعل الفكرة المركزية في هذا المنهج هي "الماجريات"،

стр. 266

وهي تدل -بأحد معانيها- على مجموع عناصر محيطة بموضوع التحليل، تشمل حتى التكوين الشخصي، والتاريخ الثقافي، للشخص؛ ويدخل في حسابها الماضي، والحاضر، والمستقبل، وهذا الاصطلاح -بالنسبة لعلم اللغة- قصد به دائمًا سياق النص، أما في السلوك الكلامي العادي، فكل وضَع -مهما كان- يعتبر عنصرًا من عناصر الماجريات. وقد تكون الصيغة أصواتية "ويشمل ذلك التنغيم"، أو إملائية، ولكنها يجب أن يقصد بها الشكل الخالص في الموضع المعين، مع إخراج الأبواب المنطقية، والجراماطيقية، وكما ينبغي أن نؤكد ضرورة الدراسة الصرفية الصحيحة، باعتبارها ضمانًا لدراسة الدلالة، من الناحية التاريخية، يجب أن نقول: إن أية دراسة دلالية وصفية للكلام، لا يمكن أن يعتمد عليها، إذا لم تأخذ في اعتبارها الأصوات "والتنغيم داخل هنا"، ونحن لا نستطيع أن نبدأ الصرف بلا دراسة الأصوات، بل إننا في بعض الحالات نجد الأصوات دراسة ضرورية للنحو أيضا. فالأبواب الشكلية أصواتية تنغيمية موقعية، ولكن هناك أبوابًا عامة نحوية في طبيعتها، كالجملة المؤكدة، وغير المؤكدة، والطلب والتقرير، والتمني، والاستفهامات الخاصة، وما إلى ذلك. ويعتبر الدكتور جاردنر الوحيد من بين علماء اللغة تقريبا، الذي خصص مكانا للتنغيم في الجراماطيقا والدلالة، وقد تبعه في المنهج الشكلي الخاص الذي يعتبر الماجريات "الدكتور شتراومان"، في كتابه "Newspapers Headilines"، وحقائق العناوين ذات الحروف الضخمة، حقائق منظورة فحسب، على وجه التقريب، ولكن هذا المنهج يتجه إلى الصيغ المسموعة كذلك، فعند فيرث أنه لا دلالة بلا صرف. ولقد لاحظنا في الكلام السابق، أن المعنى تشقق فأصبح علاقة، أو منظمة من العلاقات، وهذا هو السبب الذي فضل الكثيرون من أجله، أن يكتفوا بدراسة التغير، لوضوح العلاقة بين المعنى الأصلي، والمعنى المنقول، لقد سبق أن

стр. 267

شرحنا وجهة نظر أجدن ريتشارد في دراسة المعنى، فهم يرونه في عناصر ثلاثة الرمز، والفكرة، والمقصود، ولكن المعنى بالنسبة إليهما علاقة ذهنية بين الحقائق، والأحداث من ناحية، وبين الرموز أو الكلمات من ناحية أخرى، ولنقارن العناوين الآتية لحادثة واحدة، هي الحكم على أحد اللوردات في حادث معين: The Time: R.M. S.P. Case. Daily Heraald: Lord X sent to Prison for a year. News Chronicle: Lord X sentensed. Daily Mirror: Lord X sent to gaol for ١٢ months. Daily Mail: Lord X sentence shokcs the City. Daily Worker: Lord Xgets ١٢ Nonths sevrve him right. فبالنسبة لأوجدن وريتشارد، هناك مقصود واحد هو الحكم على اللورد، ورموز مختلفة للحكم في عناوين مختلفة، وأما الأفكار فهي العلاقات بين الحكم والرموز. ولكننا لا نعلم كثيرا عن العقل، وإن دراسة اجتماعية في جوهرها، لا تحب أن تعيد ثنائية الروح والجسد، والفكرة والكلمة، ولكنها تقنع بالشخص جميعه فكرًا وعاملا، مرتبطًا بزملائه ومحيطه، فالمعنى إذًا علاقة جوهرية في ماجريات، وفي هذا النوع من اللغة الذي يشوش الهواء، وآذان الآخرين، كنوع من أنواع السلوك ذي علاقة بعناصر أخرى من الماجريات، فالمنهج الذي يجري على أساس الماجريات، لا يؤكد العلاقات بين المفهومات التاريخية، ولا العقلية، ولكنه يدخل في العلاقات التي في الماجري الملاحظ نفسه. فنحن نشقق المعنى إلى نسق من الوظائف المكونة له، ونحد كل وظيفة بأنها استعمال شكل لغوي معين، أو عنصر لغوي معين في سياق، ومعنى هذا أننا ننظر إلى المعنى باعتباره مركبًا من علاقات الماجريات، والجراماطيقا "بفروعها"، والمعجم، والدلالة، وكل من هذه الجهات، يتناول نصيبه الدراسي من هذا المركب بالبحث في ماجرياته المناسبة. ليس هناك علم للدلالة بلا دراسة للصرف، أي دراسة الصيغ، ويجب هنا

стр. 268

أن نخطط طريقة لوصف الصيغ، وأن نرى المقصود بالوظيفة الأصواتية، والوظيفة الصرفية، والوظيفة النحوية، كأجزاء من مركب وظيفي يلمح في دراسة أي صيغة لغوية. وتزداد معارفنا كلما تقدمنا خطوة في تحليل هذه الوظائف، وإن دراسة الصوت الإنساني في وقت عمله لمهمة خطيرة جدا، لدرجة أننا يجب أن نشقق الكلام باعتباره نمطا سلوكيا مترابطًا، وأن نطبق على كل شق منه منهجًا مختصًا، بوصف انقسام عناصر الكلام، التي نعزلها للتحليل، فنجعل منجها للأصوات، وآخر للتشكيل الصوتي، وللصرف، وللنحو، وهلم جرا، ويمكننا أن نحدد حدود هذه العناصر، ونعين ماهية كل منها، على طريقة الاستبدال، فالكلمة مقابل استبدالي معجمي "lexical substitution counter"، والصوت مقابل استبدالي أصواتي، أو صرفي "phonetic or morphological substitution counter"، وهلم جرا، ونحن نجد في السياق الأصواتي الذي يبدأ بصوت "b"، وينتهي بوصت "d" سنة عشر مقابلا استبداليًا من أصوات العلة فالوظيفة الأصواتية لكل صوت من هذه الأصوات العلية الستة عشر بين صوتي "b" و"d"، وهي استخدامه في مقابل الخمسة عشرة صوتا الأخرى، وبين "P" و"I"، يمكن وجود أحد عشر صوتًا عليا، وبين "h" و"d"، يمكن وجود ثلاثة عشر، ويمكن إجراء طريقة الاستبدال أيضا على "b" و"d"، ثم"P" و"i"، ثم"h، و"d"، كل على حدة، فإذا قارنا هذه الأصوات الصحيحة،

стр. 269

فإذا درسنا توزيع هذه المقابلات الاستبدالية في كل السياقات الممكنة، وذلك بإجراء توزيع موقعي للمقابلات، فإننا نحصل على نسبة ورود هذه المقابلات في المواقع المختلفة "frequency of occurrance"، وعلى مجموع الوحدات الخلافية في صيغة ما من صيغ الكلام، ووصفها، وتنظيمها، حتى يتكون منها النظام التشكيلي للغة. فالوظيفة الأصواتية لصيغة، أو صوت، أو مظهر موقعي، هي استخدامه في مقابل الوحدات الخلافية الأخرى، والقيمة الأصواتية لأي صوت، إنما يقررها مكانه في النظام الأصواتي العام، والوظيفة الصغرى، أو الأصواتية، لأي صوت تظهر بدراسته بالنسبة للمواقع الأصواتية التي يقع فيها، وبالنسبة للأصوات الأخرى، التي يمكن أن تحل محله في نفس الموقع، أو بعبارة أخرى، وبالنسبة لماجريات النظام التشكيلي العام. ولقد سمى اللغويون المقابل الاستبدالي الأصواتي "الفونيم"، وقد استعمله في الإنجليزية لأول مرة، "ر. ج. لوبد"، في استعراضه لرأي بودوان دي كورتيني "Boudoin de Courtenay"، وكمثال من أمثلته، نورد أصوات "t" في كلمات مثل: tik- stik٠ trik- bete- vtmoust - biitn- biitl- eti.

стр. 270

فأصوات "t" هذه مختلفة في كل كلمة عنها في الأخرى، وكل منها منسوب نسبة خاصة إلى الموقع الذي يقع فيه، حتى إن صح أن أصوتا أخرى تحل محلها مثل "I" أو"P"، فإن واحدا من أصوات "t" لا يحل محل الآخر، فعندنا إذا ثمانية أصوات "t" محددة تحديدا موقعيًا، ولكل صوت منها موقعه الخاص به، في أسلوب كلام نوع من المتكلمين، من مكان أو أمكنة معينة، ولهذا يجب أن يوضع لكل هذه الأصوات رمز "t"، الذي يصبح له معنى أصواتي خاص في كل موقع، وإن اتحد معناه التشكيلي في الجميع، بتسميته رمز "t"، ويبدو في علاج "و. ف. توارل"، للفونيم أن هذه النظرية لا تزال في البوتقة، وأن عمله ليظهر كأنه تعميد قبل الولادة، وأخيرًا نحن مضطرون إلى القول: إن مجموعة من الفونيمات ليست إلا مجموعة من الرموز الكتابية، وإذا رمزنا إلى الأشكال اللغوية رمزا واضحا بنظام رمزي كتابي، ورمزنا لما في هذه الأشكال من ملامح ثانوية موقعية، برموز فرعية مصاحبة "diacritic"، فلربما يمكن استعمال كلمة "فونيم"، لوصف الوحدة الرمزية الكتابية في هذا النظام الرمزي. ولكن العناصر الاسبتدالية في الكلام رموز كتابية، ولكنها طرق لأشياء يمكن استخراجها من الصوت الإنساني الحي، وهو يعمل، ثم تحليلها، ولسنا نقصد بذلك النطق فحسب، وإنما نقصد أيضا عددا من الصفات العامة، والعلاقات التي ترتبط، كالكمية، والنغمة، والنبر، والقوة. وتجعل نظرية الفونيم في قدرة واصفي الأبجديات أن يضعوا قواعد للنطق، ولكن الكمية والنغمة، والنبر، ومثل هذه العناصر الاستبدالية، تواجه هؤلاء بصعوبات كثيرة من الناحيتين النظرية والعملية، ولهذا توسعوا في نظرية الفونيم، لتشمل هذه العناصر، ومن هنا جاءت الاصطلاحات "فونيم"، و"كرونيم"، وما أشبهها، لتدل على وحدات التنغيم، والنبر، والكمية، وهلم جرا. وكما يتشقق المعنى إلى عناصره الأصواتية، والتشكيلية، والصرفية، والنحوية وهلم جرا، يجري تحليل الكلام المنطوق إلى عناصره التي يمكن تشقيق بعضها،

стр. 271

وهو الأصوات، إلى عناصره أيضًا، فهذه الأصوات يمكن تحليلها بطرق متعددة منها: ١- النطق. ٢- الصفات العامة أو العلاقات، كالكمية، والنبر والنغمة، والجهر، التي ترتبط بالنطق، لتؤدي وظيفة خاصة. ففي النظام التشكيلي لأي لغة تتكون الصلات الأصواتية من حالات النطق، والعلاقات "أي من المخارج، والصفات"، ومن مهمة علم الأصوات أن يختبرها، ويصفها، ويخضعها للكتابة بواسطة الرموز الأصواتية، ومن الحقائق المبدئية أن عددا من الأصوات، قد يشترك في مخرج واحد، مثل "m", "b" ,"p". أو يشترك في صفة واحدة، كالجهر، أو الهمس، اللذين يسميها فيرث "علاقة الجهر" أو "Voice Correlation"، ومن الأصوات المهموسة في الفرنسية "f" "s" "t" "p"، أي أن بينها علاقة الجهر السلبية، ولكن "v" "z", "d"," b"، تتميز من هؤلاء بعلاقة الجهر الإيجابية. وليست هناك صعوبات نظرية في الأصوات؛ لأن التحليل إلى مجهور، ومهموس ليس من الضرروي أن يطابق الرموز الكتابية الرومانية، التي وضع نسقها ليعبر عن ذلك، وغالبا ما نتهم علماء التشكيل المتقدمين بشغلهم بالرمزية، والنوعية عن اللغة، وقد تتجه نفس التهمة إلى بعض علماء الأصوات المحدثين أيضا. وليس تيار الكلام خيطا من الرموز الرومانية، فهذه الرموز الكتابية في العادة تدل على النطق، وربما دلت على علاقة، أو علاقتين، كالجهر، والهمس.

стр. 272

الصفحة بالكامل إسكنر.

стр. 273

إسكنر السطر الأول. أصواتية، فق كشفنا عن جزء من المعنى، ولكن هذا الجزء ليست له أية وظيفة دلالية، فنحن لا نستطيع حتى أن نمنح الصيغة تحديدًا صرفيا عند هذه النقطة، دون أن ندخلها في تحليلات جديدة، في توزيعات شكلية، ومواقع في السياق. فهي عند هذا الحد صيغة محايدة، إلا من الناحية الأصواتية، وفي "Not on the board"، تدخل في وضوح سياقي جديد، ويتضح جزء آخر من المعنى، هو الصرفي، لوضوح أسميتها، واتضح وظيفتها الصرفية، وأما وظيفتها الدلالية، فإنها لا تزال غامضة عند هذا الحد، فالجملة كلها محايدة من الناحية الدلالية، ولا تتضح وظيفتها الدلالية، إلا بتحليلها في نطاق الماجريات أولا: إيجابيا باستعمال الكلمات بالنسبة للظروف المحيطة بالحدث الكلامي، وثانيا: سلبيا باستخدام ما يسمى الاستبعاد من الماجريات، فوجود "Chess board" في هذا الظرف الذي تم فيه النطق، ربما يتسبب في استبعاد اعتبار "Commercial borard"، أو"board of studies"، فهذه داخلة فيما سميناه من قبل استخدام القيم الخلافية في تحديد المعنى. وأما "Not on the board?", "Not on the board! "، فنوعان مختلفان اختلافا نحويا، لا دلاليا؛ لأن إحداهما تقرير، والأخرى استفهام، ومن هنا يتضح فيهما الجزء النحوي من أجزاء المعنى. والفكرة المركزية في علم الدلالة، هي فكرة الماجريات "Context of situation"، وأول من استخدام هذ الاصطلاح بالمعنى الذي يستخدمه فيه هذا البحث، هو العالم البولندي الإنجليزي "برونسلو مالينوفسكي"، في الملحق الذي دبجه في كتاب "The Meaning of Meaning"، تأليف أوجدن وريتشارد، وإلا فقد جرى الاصطلاح Context على أقلام الكثيرين من الكتاب في دارسة المعنى بمعان مختلفة، باختلاف فرع المعرفة، الذي يستخدم فيه الاصطلاح، وأحيانا باختلاف الكتاب في نفس الفرع، حتى لقد لحقه بعض الغموض، "ومن المجدي أن نؤكد على أي حال -لا أن الاصطلاح "Context"، قد أصبح أخيرًا غامضًا جدًا، كما يرى ذلك حماته الأصليون- بل إن استعمالاته ليست متساوية جميعها في

стр. 274

الاتصال بهذه المشكلة، مشكلة استقلال الكلمات"١، ويستعمل فيرث هذا الاصطلاح، باعتباره دالا على عناصر موقف كلامي كامل، كالمتكلم، والسامع، أو السامعين، والكلام، وكل ما يحدث في أثناء الكلام من انفعالات، واستجابات، ومسالك، وكل ما يتصل بالموقف ويؤثر فيه، من قريب أو بعيد. وفي هذه الماجريات المركبة يجد عالم الأصوات ما جراه، والنحوي والمعجمي كذلك ما جرياتهم، وإذا أردت أن تدخل في ذلك الظروف الثقافية العامة٢، فسوف تحصل منها على ماجريات التجربة لطرفي التبادل في الكلام، فكل إنسان يحمل معه ثقافته، وكثير من حقائقه الاجتماعية، أينما ذهب، فالإنجليزي في عزلته في أفريقيا، يحمل معه كثيرا من الطوابع الثقافية، والاجتماعية والإنجليزية، فربما عبر عن دهشته "exclaim"، باللغة الإنجليزية، إذا فاجأه شيء ما، وربما تكلم إلى أفراد الحيوان باللغة الإنجليزية أيضًا، وكتب مذكرته الخاصة، وقرأ كتبًا انجليزية، ولكن حتى بعد أن ينتهي الأصواتي، والنحوي، والمعجمي، من مهمتهم، يبقى بعد ذلك قسط كبير من تحليل المعنى، يكون بإيجاد الترابط بين نتائج أعمالهم، وفي دراسة دلالية تعتمد على الماجريات والتجارب، ويحتفظ فيرث لهذه الدراسة باسم Semantics، ولكن حتى لو لم تكن الماجريات نهاية الطريق في تحليل "The house that jack built"، فإن عملية التمييز بين بقية العناصر، ستكون من مجال التاريخ الاجتماعي. وبعد، فلسنا نستطيع أن نتنبأ بما يخبئه المستقبل من تطور في هذا الفرع، ولكننا نستطيع أن نعين، ونميز، ونقترح حلا لتلك المشكلة الصعبة، التي نصادفها أولا في وصف الماجريات النوعية، وتقسيمها في نطاق الثقافة، وثانيا في وصف أنواع الوظائف اللغوية، وتقسيمها في نطاق هذه المجريات، وأكبر صعوبة نقابلها هي عدم وجود وثائق، تستخدم في استقصاء كيفية اكتسابنا للكلام أثناء نمونا.

стр. 275

ولسنا نلقى اللوم في هذا على علماء النفس والاجتماع، ما دام من السهل أن يحصل اللغوي على تمرين كاف في علمي النفس والاجتماع، يمكنه من السير بمفرده في هذا السبيل؛ ولنسا بهذا نهدف إلى علم اللغة الاجتماعي، بل نبني على قواعد من علم اللغة، فبلا وجود الأصوات، لا يمكن وجود صرف لأي لغة من لغات الكلام، وبلا وجود التنغيم، لا يمكن أن يوجد النحو وجودًا كاملا. خذ منذ مثلًا كلمة "set"، في قاموس أو كسفورد، فستجدها تغطي ثماني عشرة صفحة، ونهرا واحدًا، فوق ذلك، ونقسم إلى ١٥٤ مدخلا آخرها "set up"، الذي ينقسم بدوره إلى أقسام فرعية، تستغرق رموز الأبجدية ترقيما، فتتكرر الرموز لها إلى "rr"، وهذا يدعونا إلى التفكير في أبواب لأنواع الوظائف اللغوية المختلفة، فالماجريات المتكاثرة، والموضحة، يمكن أن تستمر في تكاثرها إلى ما لا نهاية، حتى تملأ جزءا كاملا، ولكننا نجد من الناحية العملية أن هذه الماجريات يمكن أن تنتظمها أقسام، هي أنواع الاستعمال، وحتى لو استخدمنا الأبواب الاجتماعية القليلة المذكورة في قاموس، أو كسفورد، مثل عامي Colloquial، وسوقي common وطارئ slang، وأدبي literary، وفني tencnical، وعلمي scientific، وتخاطبي conversational، وخاص بلهجة dialectal، ثم تذكرنا قاعدة الورود النسبي في الاستعمال "relative frequency"، مهما كان ذلك على وجه التقريب، فسوف نحصل عن طريق تلك القاعدة على كلمات لا ترد إلا في ماجريات نوعية، ونحن بحاجة في دراسة الجملة إلى أبواب لغوية محددة تحديدًا أكثر في دقته مما هو الآن، بأن نحدد أنواع الجملة، واستعمالاتها في الأدوار الاجتماعية المختلفة التي يلعبها المتكلم، كلنا يبدأ الحياة بدورين اثنين هما النعاس والتغذي، ولكننا نبدأ نشاطنا الاجتماعي في الشهر الثالث، ومنذ ذلك الوقت نضيف إلى تجاربنا أدورًا اجتماعية أخرى بالتدريج، وفي خلال مرحلة النمو يزداد اندماجنا في النظام الاجتماعي الذي نعيش فيه، وأهم الشروط والوسائل لهذا الاندماج هو أن نتعلم، كيف نقول ما يتوقع الآخرون منا أن نقول، في الظروف الخاصة به، وفي الحق

стр. 276

أن الكلمة إذا تعددت ماجرياتها، فإن المواقف كذلك تتعدد إلى ما لا نهاية. ولكن هناك روتينا من الأيام، والليالي، والشهور، والأعوام، ومعظم وقتنا ينقضي في خدمات روتينية، عائلية، أو مهنية، أو اجتماعية، أو وطنية، وليس الكلام هو الفوضى، التي لا حد لها كما ظن "بسبرسن"؛ لأنه محدد بالطرق والأدوار الاجتماعية، فإذا سلمنا بهذا، انتقلنا إلى القول بأن هذه الطرق يمكن تقسيمها، وإيجاد علاقاتها بالدور، وبالحوادث، والمناظر، والحركات، فالمحادثة طقوس معيارية محددة الطريقة والسلوك، فإذا تكلم إنسان إليك، فأنت في مجريات محددة، ولا تستطيع أن تكون حرا في قول ما يخطر على بالك، أو يسرك أن تقوله، لقد خلقنا أفرادًا، ولكننا نصبح اجتماعيين لحاجتنا إلى ذلك، وإلى أن نقوم بمجموعة من الأدوار، ونتقمص مجموعة من الشخصيات، ولهذا لا يصعب الفهم والتناول لأبواب المواقف، والأبواب اللغوية، وقد يجد كثير من الأبواب، نتيجة الملاحظة المنظمة للحقائق. وتعلمنا الكلام روتين في الدورة اليومية أيضًا، والكلام عمل صوتي للتحكم في الأشياء، والناس، ومنهم المتكلم نفسه؛ عمل له علاقة بالماجريات، والمواقف أو له تكيف بكيفيتها، أن مما بيننا وبين بيئتنا إباحة الكلام، وتزداد كلماتنا باختلاطنا بما في هذه البيئة، وإن دراسة الكلمات في هذا الاختلاط الثقافي١ التنشيئي، ربما تصف هذه الناحية الدلالية. ونحن قد نولد لنرث تركة ثقافية واسعة، ولكننا نأمل أن ننجح في حسن استخدام جزء منها على مراحل، ولسنا بحاجة إلى أن نؤكد أن لكل مرحلة من مراحل الطفولة، والشباب، لكل نوع من الأطفال، بيئة، وصيغا لغوية تتصل بها، وهناك حقل واسع للبحث في السير الكلامية، وهناك نصيب لكل فرع من فروع اللغة في دراسة أجزاء المعنى في تاريخ حياة المتكلم، وتاريخ اكتسابه

стр. 277

للكلام، باعتباره عضوًا نشطا في المجموعة التي في سنه، وباعتباره تلميذا في طفولته، وشبابه. وهناك إمكانيات عظيمة في دراسة تاريخ تغير المعنى من الطفولة إلى الكبر، في كلمات مثل: أب، أم، حب، طفل، لعب، لعبة، علم، نقود، ملابس، شراب، وهلم جرا، ويخصص فيرث اسم semasiology لدراسة التغير في المعنى، ويقترح أن يجعل الأصوات، والدلالة من الدراسات اللغوية العامة، وما يقابلها في لغة خاصة كالعربية سمي Phonology، و semasiology، ولقد كتب جماعة كتابة تخطيطية عن السير الأصواتية لبعض الأطفال، وأضافوا إليها شيئا من السير الجراماطيقية في عمومها، ولكننا لا نعلم الكثير حتى الآن عن تطور الفرد في اللغة، ومما له صلة بهذا النوع من السير ما يسميه فيرث تجميع الأدورا الاجتماعية، فعلى الرجل أن يلعب أدورًا مختلفة، ووظائف مختلفة، ويتقمص شخصيات مختلفة؛ في حياته العادية اليومية، فإذا لم يعلم كيف يقوم بتمثيل هذه الأدوار، ويحفظ ما يقال فيها، أخفق في تمثيل دوره في الدراما الاجتماعية الكبرى، بل ربما كان سببا في إخفاق الممثل الآخر الذي يقف أمامه، ما دام لا يعطيه مفاتيح جُمَله. وتعدد الأدوار الاجتماعية، كعضوية المجموعة الشعبية العربية، وعضوية الأمة المصرية، وعضوية طبقة منها، وعضوية عائلة، أو مدرسة، أو ناد، وكالبنوة، والأخوة، والحب، والأبوة، وكون صاحب الدور عاملا، أو مصليا في مسجد، أو كنيسة، أو لاعبًا رياضيًا في مجموعة، أو قارئ جريدة خاصة لها قراؤها، أو خطيبًا، يتطلب قسطا من التخصص الاستعمالي اللغوي. وتشابك الأدوار ذو نفوذ محافظ؛ لأن الكلمة ربما تستعمل في أدوار مختلفة، وربما يحدد استعمالها، ولكن ما دام الاستعمال الخاص لا يكتسب ضيقا، بسبب ظروفه الاستعمالية، أو توسعا في نسبة الورود Frequency، فلن تتأثر الاستعمالات الأخرى، ولصوت الراديو في المنازل نفس النفوذ؛ ما دامت ظروف السماع تسمح بذلك، ولكنه إحدى الأدوات التي جاء بها العصر لكسر الحواجز، والسماح

стр. 278

بتشابك الدوائر الاجتماعية، واللغوية، ولمنع انقسام لغوي أكثر على ما يبدو، ولتخفيف القوى المحافظة. والتصميم التقسيمي المناسب للماجريات، يقتضينا أن نوسع من مدى فهمنا اللغوي، فبعض الأبواب الأولية في هذا التقسيم مثل التكلم، والسماع، والكتابة، والقراءة، والمحادثة، والتخاطب الرسمي، ولغة المدارس والقانون، والدين؛ كل أولئك أشكال كلامية خاصة، وربما أضفنا لذلك الكلام الذي يقوله المنفرد، وهو ما يسمى في الاصطلاح اللغوي "المونولوج"، والمواقف التي تقتضي معونة صوتية كما في الأدعية العامة، والهتاف، والغناء الجمعي، وما يسميه مالينوفسكي "Phatic communication"، وهو نوع من المحادثة لخلق صلة اجتماعيا بتبادل الكلمات، كتبادل التحيات، والكلام عن الطقس، وفي السياسة، وفي التبرم بشيء ما، أو مدحه، ويتم ذلك بين شخصين ليس بينهما ما يشتركان في الحديث فيه مما عدا ذلك، فيمنعان بالتخاطب السكوت المحرج. وأصر مالينوفكسي أيضا على نوع من الكلام، يقوم التبادل الكلامي فيه بوظيفة هامة، هي المساعدة على إنجاز عمل، كالصيد، ورفع الأحمال، والبناء، والحفر، ويقول: إن معنى هذه الكلمات ليس إلا قيمتها العلمية في إنجاز العمل، وإلا فأي معنى في "يا سالمة يا سلامة" مثلًا؟ ومعظم العلامات اللغوية البصرية في أيامنا هذه ملاحظات، وتوجيهات من هذا النوع، كعلامة "احترس من القطارات"، و"اتجه إلى اليمن"، و"ممنوع الجلوس على الحشيش"، وهلم جرا. وكثيرا من محادثاتنا، ومناقشاتنا يجور حول أعداد العمل الجماعي، أو المحدد اجتماعيا، فلغة الإدارة والحكومة لغة تخطيط، وتنظيم، وقيادة عامة، وما يتبع ذلك من مناقشة حول النجاح، أو الإخفاق في التخطيط والتنظيم، والقيادة إنما هو خلق صلة جماعية، في موقف الإخفاق والفشل، أو النجاح في العمل. ولنا أن نلاحظ بعض المواقف العامة مثل.

стр. 279

١- الخطاب: اسمع يا فلان: يا سيدي الفاضل. عن إذن سيادتك. ٢- التحية: وألفاظ الوداع -التأثر بتوقع الفراق في هذا الموقف وما يقال فيه، اللقاء وما يقال فيه. ٣- المواقف الإلزامية: كما في الكلمات المحدودة الاستعمال بالعرف أو القانون، حيث تربط الكلمات الإنسان بواجب، أو تحله منه، فكلمة إرساء المزاد العلني على شخص تلزمه بالشراء، وما يقال أمام المحقق ملزم للمتهم، والتوقيع بالاسم ملزم على أية وثيقة، ويمكن أن نقوم بدراسة ممتعة لحيثيات الأحكام، وما فيها من معلومات دلالية، واعتراف بالماجريات، ولبعض الكلمات قيمة عرفية خاصة في خلق الارتباط، مثل "أنا أعلم أنك لن تخدعني"، و"عد الحردين عليه"، و"ما تبقاش جلف"؛ لأن استعمال هذه الكلمات، يخلق خوف السامع من الرأي الرقيب أن يرميه بأنه خذول، أو غير حر، أو جلف. ومن الكلمات السحرية في هذا العصر، كلمة "مشروع" التي يمكن أن تكسب احتراما لأي عمل، لاتصالها بمجريات ذات نفوذ، وأخيرًا نحن بحاجة إلى خلق أبواب لهذه الدراسة الاجتماعية. ولأن نقترح أنواعا من الوظائف اللغوية أسهل من أن نقسم المواقف، ومن أنواع الوظائف الاتفاق، والتشجيع، والمصادفة، والاختلاف، والتثبيط، والشتم، وما دامت اللغة طريقة من طرق المعاملة بين الناس والأشياء، أي طريقة للسلوك، وحض الآخرين على السلوك المراد، فيمكننا أن نضيف إلى ذلك أنواعا أخرى من الوظائف كالتمني، والدعاء، واللعن، والفخر، والتحدي،

стр. 280

والرجاء وعدم الاكتراث، والتحقير، وإثارة الغيظ، والإيلام، وإعلان العداوة، واستعمال الكلمات لمنع عمل عدواني، أو تأخيره، أو تعديله، ولإخفاء النوايا فتكون من ذلك دراسة ممتعة للمعنى، ويجب ألا ننسى في هذا المقام لغة الملق، والتحبب، والغزل، والمدح، واللوم، والدعاية، والإغراء، إن التقويم والحكم في المدح والذم الموجه إلى الأفراد، والأمم، والكتب والقصص، محدودة الشكل والصيغة أكثر مما يظن الكثير من الناس، ومعظم المتكلمين بالإنجليزية يعرفون نسبة كل تعبير، مما يأتي إلى التعبيرات الأخرى: "a good man" , "agood chap", " agood felowl", a good sort" "a good scout'. فلكل واحد من هذه التعبيرات دلالته الاجتماعية، وإن دراسة للتعليق على الكتب الجديدة في الصحف، لتظهر إلى أي مدى أصبح تقويم هذه الكتب في أسلوبه محددًا من الناحية الشكلية، وطرق التعبير، والمفردات، وليس معنى ذلك أن هذه التقويمات أصبحت لا معنى لها، ولكنها أصبحت مجموعة بسيطة من العلامات المحشودة، النافعة من الناحية العملية. وإن التوسع في تقسيم الوظائف اللغوية الشكلية، ليؤدي إلى ملاحظة أنواع مختلفة من الكلام، كالكلام التقليدي، والديني، والإلحادي، والحر، والمحادثة العادية، ويأسف فيرث لتغلب النمطية، والمحدودية على المحادثات اليومية، وأن النظرة إلى هذه المحادثات ضيقة من وجهة نظر الثقافة، فكل ما يقال يدل على ما سيقال، وهذا نوع من أنواع الماجريات، فهناك قوة إيجابية في ما تقوله في موقف معين، وقوة سلبية في استخراج الحوادث، والظروف من الموقف الذي تستخدم فيه الكلمات، وسنجد في المحادثة مفتاح الفهم الحقيقي لطبيعة اللغة، وكيف تؤدي وظيفتها. والترجمة من لغة إلى لغة في الواقع مليئة بمشاكل الدلالات، وهذه النظرية التي جاء بها فيرث تحليلات إمبريكالية عملية، لا نظرية للمعنى، ويمكن وصفها بأنها نسق من الماجريات، كل ما جرى منها في داخل الآخر، وتتجه جميعها إلى شرح

стр. 281

الحقائق اللغوية، وكل ما جرى منها وظيفة الماجري الذي يشتمل عليه، ولا يزال يشتمل كل من هذه الماجريات على الآخر، حتى تحتويها جميعا ماجريات الثقافة التنشيئية، فالمعنى في رأي فيرث كل مركب من وظائف لغوية هي وظائف الصيغة، والعناصر الهامة في هذا الكل المركب هي الوظيفة الأصواتية "الصغرى"، ثم الوظائف الكبرى المعجمية، والصرفية والنحوية، ووظيفة الماجريات الدلالية بصفة عامة، وإليك طريقة من طرق تحليل هذه العناصر:

стр. 282

خاتمة: وبعد فهذا منهج من مناهج الدراسات اللغوية المختلفة، مطبق على اللغة العربية لأول مرة، نرجو أن يكون القارئ، قد وجد فيه ما يثير اهتمامه أو يدفعه إلى التفكير فيه، ولقد تم لنا في هذا المهج أن نعالج مسائل الأصوات، لنقارن بينها وبين علم التجويد، وأن نعالج مسائل التشكيل، لنضيف إلى وسائل الدراسة العربية شيئا جديدًا، ومسائل الصرف والنحو، لنرى بعض نقط الضعف فيها، ونرشد إلى نظرة إليها خير من النظرة القديمة، وأن نعرف بالمعجم، ومجال نشاطه، وأن ننقل إلى القارئ صورا عن النظرات المختلفة إلى منهج الدلالة. والفائدة التي تعود من تطبيق هذا المنهج، هي تخليص الدراسات اللغوية من الشوائب الأخرى، ليجد الطالب نفسه أمام موضوع مستقل، لا يعتمد في أفكاره، ولا في اصطلاحاته على فروع المعرفة الأخرى، ولست أدعي أنني قد أتيت في هذا الكتاب بشيء لا يقبل المناقشة، بل على العكس، إن كل ما أطمع فيه هو أن ينجح هذا الكتاب في إثارة النقاش حول منهج اللغة، والحقيقة دائما وليدة البحث، والواقع أن الحقائق العلمية اعتبارية كلها، فتظل الحقيقة منها حقيقة حتى تظهر أخرى تحمل حملها، وتخضع لنفس المصير المحتمل. إذًا فليس في العلم حقيقة مطلقة، وإنما توجد الحقائق المطلقة في أذهان المتعصبين والجهلاء. دعنا إذًا نقل إن المجمع اللغوي، وهو يضم خلاصة المفكرين اللغويين في هذا البلد، قمين بأن يمنح هذه المناهج الحديثة بعض تفكيره، ولئن فعل -أرجو أن يفعل- فسيجد فيها بعض الغناء، وشيئا من النفع، قد لا ينافسها فيهما أي منهج قديم.

стр. 283

وأما طلاب الجامعة، فمرجوون أن يحاولوا فهم هذه المناهج، وأن يقولوا كلمتهم في سهولتها أو صعوبتها، وفي تيسيرها أو تعسيرها للدراسات اللغوية، فإذا كانت هذه المناهج سهلة الفهم ميسرة للغة، فأرجو أن يتكفل لنا المستقبل بمن يقيم على أساسها دراسات مفصلة، تجريبية لهذه الفورع اللغوية التي شرحنا مناهجها. والله أسأل أن يوفقنا إلى الصواب، وألا يجنبنا حسن القصد، إنه مجيب الدعاء.

стр. 284

المراجع مراجع عربية ... ١- مراجع عربية: اسم المؤلف اسم الكتاب ١- ابن الأنباري. كمال الدين أبي البركات عبد الرحمن الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين. ٢- ابن جني. أبو الفتح عثمان. الخصائص. ٣- ابن عقيل. أبو محمد عبد الله شرح الألفية. ٤- ابن مضاء. أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الرد على النحاة. ٥- ابن هشام. عبد الله بن يوسف الأنصاري شذور الذهب. ٦- الأشموني. علي بن محمد شرح الأشموني لألفية بن مالك. ٧- الجاحظ. أبو عثمان عمرو بن بحر الفصول المختارة "رسالة الرد على النصارى". ٨- الجرجاني. عبد القاهر دلائل الإعجاز. ٩- السيوطي. جلال الدين المزهر. ١٠- السيوطي جلال الدين همع الهوامع شرح جمع الجوامع. ١١- الصبان محمد بن علي حاشية الصبان على الأشموني. ١٢- العطار. الشيخ حسن حاشية العطار على مقولات السجاعي.

стр. 285

مراجع أجنبية ...
следующие страницы →