← Язык

Язык · id 11540

مناهج البحث في اللغة

تمام حسان

Полный текст (289 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وظيفة الكلمة، فقد اتضح مكانها في هكيل الأقسام التي تنقسم الكلمات إليها، وقد وضحنا في مكان سابق أن السياق يجدي في هذه الناحية إلى درجة توضيح وظائف الكلمات، حتى في جملة هرائية، كالتي ذكرناها من قبل فما بالك بكلمات موصوفة في نص أدبي، تستخرج منه القواعد النحوية، وظني أن النحاة العرب، وقد استخرجوا قواعدهم من النصوص الأدبية، قد اعتمدوا في تقسيم الكلمات على الأسس السياقية فحسب، وإذا نظرنا إلى بيتي ابن مالك الذين يقولان: بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل بتا فعلت وأتت ويا افعلي ... ونون أقبلن فعل ينجلي وجدنا أن كل العلامات التي ذكرها يمكن -بل يتعين- استخراجها من السياق في النص الأدبي، ولعل من محاسن النحو العربي أنه اعتمد على الشواهد والنصوص في مبدأ نشأته، وإن كان تطبيق قواعده في انقلب تمرينا عقليًا، يبيح ما لا شاهد عليه إلا القياس في النهاية. ٤- المعنى الأعم، أو معنى الوظيفة: وقد بينا أن هذا المعنى ايتضح في السياق أكثر ما يتضح، ولكن قسطا منه يتضح خارج السياق، فالفرق بين "محمد" و"يقوم"، يتضح بمجرد النظر إليهما، ولو كان ذلك خارج السياق، وسيبدو لأول وهلة أن "محمدا" اسم علم، وهذه وظيفته التي يؤديها في النحو، وأن "يقوم" فعل مضارع، وتلك هي وظيفته أيضًا. والتحديد بالاسمية، أو الفعلية الذي يأتي نتيجة لمعنى الوظيفة، أو المعنى الأعم، تقسيم للكلمة في أحد صوره، ويتضح ذلك بالتأمل في الكلمات الآتية: عَلي - عَلَى- من - قائم - سمج - استغفار - يتعلم - عربي - كتاب - مساجد - هو - الذي. فكل كلمة من هذه الكلمات، يمكن أن تنسب إلى قسم من أقسام الكلمات

стр. 212

بمجرد النظر إليها، وذلك؛ لأنها تتحد معنى أعم يتضح في وظيفتها التي تؤديها في اللغة، وموقعها من النظام النحوي العام. ٥- الوظيفة الاجتماعية: يلاحظ أن لبعض الكلمات دلالات اجتماعية خاصة؛ لأنها تدخل في تحديد العلاقات التي ينبني عليها المجتمع، والكلمات الآتية مثلا من هذا النوع: أب - أم - مولود - رئيس - مرءوس- قائد - مقود - موظف - صديق - مدرس - طالب - أقارب - أعداء - زملاء. ومنها أيضًا أنا - أنت - هو - نحن - أنتم - هم - هذا - هذه - هؤلاء - أولئك - وهلم جرا، ويلاحظ أن الدلالة الاجتماعية للطائفة الأولى من الكلمات، تختلف عهما في الطائفة الثانية وهي الضمائر، ذلك؛ لأن كلمات الطائفة الأول ذات دلالتين، إحداهما مطابقية، والأخرى التزامية، إذا صح أن نستعمل اصطلاحات المنطق في دراسة النحو، بعكس كلمات الطائفة الثانية، ولكن هناك جامعا بين الطائفتين، هو أنك إذا أخذت أية كلمة من كلماتها صح أن تستخدم هذه الكلمة، للدلالة على أي شخص تسخدام من أجله، فكل الناس أب أو أم، أو مولود أو رئيس، أو مرءوس أو قائد، أو مقود وهلم جرا، وكلهم يقول: أنا ونحن، ويخاطب بأنت وأنتم، ويقال له هو وهم، ويشار إليه بهذا أو هذه، ولهم جرا، فالقسم الأول من هذه الكلمات أسماء، والقسم الثاني ضمائر شخصية، أو إشارية. ولقد تعددت المؤلفات التي تقوم بدراسة تواريخ ظهور الكلمات، وترتيبها في حياة الأطفال بالنسبة إلى هذه الوظيفة الاجتماعية١، ولكن ليس من هذه ما يضيف جديدًا إلى موضوعنا هذا. والتقسيم، والتجريد أساسان لكل نشاط علمي أيا كان نوعه، ونقصد بالتجريد

стр. 213

خلق الاصطلاحات التي تدل على الأقسام، ويظل الباحث الذي لا يتعمد على هذين الأساسين تائها في فوضى المفردات المبعثرة، ونوع التقسيم الذي يهدف إليه الباحث العلمي، خاضع لقانون الحالات الموضوعية Objective Conditions، وهو لا ينطبق بأي حال على التقسيمات غير الواعية التي تقوم على الغريزة، ولا ينطبق أيضا على التقدير الشخصي "Commonsesnse"؛ لأن العلم لا يقوم على أي أساس شخصي ذاتي. وليس هناك ما هو شخصي مثلا في "٥-١=٤"، ولا في:"H٢O= ماء". وكثيرا ما يختلف التقدير والتقسيم في العلم عن التقدير، والتقسيم الشخصيين؛ فالقيطس مثلا ليس من فصيلة السمك من الناحية العلمية، وتنفصل التقسيمات اللغوية العلمية عن التقسيمات المنطقية، ويجب أن تظل كذلك دائمًا، فالمنطق يعني بخلق أبواب تدرج تحتها الأشياء الحقيقية، وقد قلنا: إن أرسطو خلق عشرة أبواب سماها المقولات؛ ولو كان لغته غير اللغة اليونانية لاختلفت فلسفته عن شكلها الحاضر، وقضايا المنطق وأقيسته لا تنطبق على اللغة، والقاعدة المتعبة في التقسيمات النحوية هي اعتبار ما كان له تعبير شكلي من الأقسام العقلية. ويعامل الباحث كلمة "المعتزلة"، مثلا معاملة المفرد في اللغة العربية، سواء وردت في قولنا: "المرأة المعتزلة"، "أو فرقة المعتزلة مع أن ثانيتهما جمع من الناحية العقلية، ومثل ذلك يقال في المسلمة من "المرأة المسلمة"، وقول الشاعر: "وحاربتنا بالسيوف المسلمة" ولا فرق من الناحية المنطقية بين الإنسان، والناس في المثالين الآتيين: خلق الإنسان ضعيفا - يحب الناس المال. فالكلمتان تدلان على بني آدم في عمومهم، ولكن الفرق واضح من الناحية النحوية، حيث تعتبر إحدى الكلمتين مفردًا، والثانية اسم جمع، ومع أن الفعلين في المثالين مختلفان من الناحية النحوية، يدل كلاهما على الاستمرار من الناحية المنطقية، ومهمة الدراسات اللغوية أن تقرر الحقائق الخاصة بها فحسب، تاركة حقائق المنطق للمناطقة، فإذا قسمنا الكلمات العربية على هذه الأسس الخمسة المذكورة، فسنجد أن الأقسام التي تنتج من ذلك أربعة.

стр. 214

١- الاسم ٢- الفعل. ٣- الضمير ٤- الأداة. ويشترك الضمير مع الاسم، في أنه يدل دلالة غير معينة على ما يدل عليه الاسم دلالة معينة، ويشترك مع الأداة في أنه يخرج من القاعدة العامة، القائلة: إن للكلمة العربية أصولا ثلاثة، وفي أنه لا يقبل العلامات المميزة للاسم جميعها، فلا تدخل عليه أل مثلا، أما "أل" التي في "الذي"، فهي من بنية الكلمة، لأداة تعريف لضمير الصلة، ويشمل الضمير: ١- ضمير الشخص "أنا إلخ". ٢- ضمير الصلة "الذي إلخ". ٣- ضمير الإشارة "هذا إلخ".

стр. 215

وسائل الترابط في السياق: إن ما يجعل السياق سياقًا مترابطًا، إنما هي ظواهر في طريقة تركيبه ورصفه، لولاها لكانت الكلمات المتجاورة غير آخذ بعضها بحجز بعض، في علاقات متبادلة تجعل كل كلمة منها واضحة الوظيفة في هذا السياق، وتنقسم الوسائل التي تخلق هذا الترابط إلى ثلاثة أقسام: ١- وسائل التماسك السياقي Transitivity. ٢- وسائل التوافق السياقي Coneord. ٣- وسائل التأثير السياقي Governance أو Regimen. وسنشرح كلا من ذلك على حدة: ١- يقول عبد القادر الجرجاني١: "واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك، علمت علما لا يتعرضه الشك: أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، وينبني بعضها على بعض، وتجعل هذه بسب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس. وإذا كان كذلك، فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها: ما معناه وما محصوله، وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول

стр. 216

لها غير أن تعتمد إلى اسم، فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا، أو تعتمد إلى اسمين، فتجعل أحدهما خبرًا عن الآخر، أو تتبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول، أو تأكيدًا له أو بدلا منه، أو تجيء باسم بعد تمام كلامك على أن يكون الثاني صفة، أو حالا أو تمييزًا، أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى أن يصير نفيًا أو استفهامًا، أو تمنيًا فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطًا في الآخر، فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى، أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذللاك الحرف، وعلى هذا القياس". فهذا الترتيب الذي يقول به عبد القاهر بين الكلمات في السياق، هو أساس التماسك بينها، والواقع أنه ترتيب بين الأبواب في نظرنا، وهو ما نخالف فيه بعد القاهر، على أن هذا العلامة قد فطن إلى ضرورة التماسك السياقي على أي حال، كشرط من شروط البلاغة، وجعله مبنيا على المعنى، وواضح هنا أن هذا المعنى ليس معجميا ولا دلاليًا، وإن قصد به عبد القاهر ذلك، وإنما هو معنى وظيفي، يدور حول وظيفة الباب في السياق. يعمد بعض المؤلفين أحيانًا، وعلى الأخص أصحاب الحواشي، إلى الإتيان بالمبتدأ في صفحة، ثم بالخبر بعده بصفحات، فما الذي يجعل هذا الخبر مترابطًا مع ذلك المتبدأ؟ إنه ولا شك التماسك السياقي؛ ولولا ذلك التماسك لظل المبتدأ المسكين يتطلب خبره، إلى أن يتم الكتاب بعونه تعالى، ثم انظر بعد ذلك في "ضرب محمد عليًا"، لترى فيها عددًا من العلاقات المتشابكة، محمد فاعل لضرب، وعلي مفعول بها، وقد جاء ضرب في صيغة المفرد الغائب، ليتماسك مع محمد الذي يطلبه بهذه الصورة، ووجود علي في الجملة منصوبا قضى بالرفع لمحمد، وبصفة التعدي لضرب، وهلم جرا. ٢- والتماسك السياقي يقتضي توافقًا بين أجزاء معينة في السياق في بعض النواحي الآتية، أو كلها: أ- التكلم والحضور والغيبة "الشخص". ب- الإفراد، والتثنية، والجمع.

стр. 217

"العدد" ج- التذكير والتأنيث "النوع". وبالنظرة العارضة إلى الجدول التصريفي الآتي، ترى التوافق بين جزئي الجملة: وليس التوافق من مميزات الجدول التصريفي فحسب، بل هو عام في كل سياق. لغوي، ويقوم الترقيم في الكتابة بتبيين القطع المتماسكة في السياق، فتفضل الشولة بين القطعتين المستقلتين في الجملة الواحدة، وتفصل النقطة بين الجملتين التي لا تعتمد كل منهما على الأخرى، وهلم جرا. ويظهر ذلك في المثال الآتي: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلَّا لا وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ، يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ .

стр. 218

والتوافق ملحوظ بين المبتدأ والخبر، وبين الفعل والفاعل، وبين التابع والمتبوع، فمحمد قائم، لا قائمان، ولا قائمون، ويقوم محمد، لا يقومان ولا يقومون وقام محمد الفاضل، لا الفاضلان، ولا الفاضلون ولا الفضلاء، وقام محمد تاجر القطن، لا تاجرا القطن، ولا تجاره، وهلم جرا، وقام هو نفسه، لا نفساهما ولا أنفسهم، وهلم جرا، فإذا كان التوافق ملحوظا في الجملة الاسمية ذات المبتدأ والخبر، وفي الجملة الفعلية ذات الفعل والفاعل، وفي التابع والمتبوع، فهو ملحوظ إذًا في الجزء الأهم الأعظم من أجزاء النحو العربي. ٣- والتماسك والتوافق أثران من آثار التأثير السياقي الملحوظ في تركيب الجملة، ولقد ذكرنا العلاقات المتبادلة بين الفعل والفاعل، والمفعول في "ضرب محمد عليا"، ونحب أن نضيف هنا أن التطريز اللغوي، "أو القيم الخلافية التي تميز كل باب في السياق عن الأبواب الأخرى"، مسئول إلى حد كبير عن رفع محمد، ونصب علي، ومعنى ذلك أن القيم الخلافية بين أبواب النحو، سبب في اختلاف حركات الإعراب، فالاختلاف بين وظيفة الفاعل ووظيفة المعفول في الجملة أدى إلى رفع الأول، ونصب الثاني، ويظهر أن بعض النحاة القدماء قد فطن لهذا، وقال به. يقول ابن مضاء١: "وأما من يرى أن العرب إنما راعت المعاني، وجعلت اختلاف الألفاظ في الغالب دليلا على اختلاف المعاني، فإنه يجيز ... إلخ". ويقول في موضع آخر٢: "وتقول: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن"، أي لا تجمع بينهما، ولو جزم لنهاه عن الجمع والتفرقة، ولو رفع لنهاه عن أكل السمك، ووجب له شرب اللبن". فابن مضاء هنا يجعل اختلاف الحركات لاختلاف المعاني الدلالية، ولو أنصف لجعلها لاختلاف الوظيفة النحوية التي يؤديها "تشرب" في الجملة، سواء أكانت هذه الوظيفية عطفًا، أم استئنافًا، أم غير ذلك. فاختلف الوظيفة مؤثر في الجملة إلى حد

стр. 219

كبير، وذلك الاختلاف في الوظيفة هو المقصود بالتطريز اللغوي، والقيم الخلافية. وهذا في الواقع مساهمة في نقد نظرية العامل؛ لأن القيم الخلافية إذا أثرت في السياق هذا التأثير، لم يكن هناك داع لافتراض عامل، ومعمول في الجملة، ولإيضاح ذلك نقول: إن الأبواب الرئيسية في النحو ذات مواقع معينة في السياق؛ فالفعل قبل الفاعل دائما، والمبتدأ يسبق الخبر في الغالب، والإشارة تسبق المشار إليه، والموصول يسبق الصلة، والموصوف يسبق الصفة، وهلم جرا. فإذا جاء اسم منصوب؛ فنصبه على الخلاف بينه وبين الفاعل، وتقدم الخبر على المبتدأ، إنما يكون مثلا لاختلاف الوظيفة في نحو "زيد قائم" عنها في "أقائم زيد". وإذا تأخرت الإشارة عن المشار إليه في نحو "لقاء يومكم هذا"، فللخلاف بين "يوم" في حالة الإضافة كما في المثال، وبينه في حالة اتصاله بأداة التعريف، كما في هذا اليوم، وهلم جرا، وليس القول بأثر القيم الخلافية في السياق قولا بنظرية جديدة للعامل؛ لأن القيم الخلافية لا تعمل، وإنما تُرَاعَى، وهي فروق سلبية، لا عوامل إيجابية. وهي، من ناحية أخرى، يمكن أن تنبني عليها نظرية نحوية شكلية تامة، ليس لها ما لنظرية العامل من التناقض، والحاجة إلى التأويل، والتمحك. نخلص من ذلك إلى أن ما يجعل السياق مترابطًا، إنما هو ظواهر فيه تفرق بينه وبين نسق من الكلمات، التي لها مجرد المجاورة بلا رابط، نحو "محمد في بل قم على قبائل راكب"، فهذه كلمات متراصة ينقصها التماسك، والتوافق، والتأثير، ولو توفرت لها العناصر المذكورة، لأصبحت سياقا عربيًا لا غبار عليها.

стр. 220

مظاهر التماسك السياقي: قلنا: إن التماسك السياقي ينبني على العلاقات المتشابكة بين أجزاء السياق، أي بين الأبواب النحوية فيه، وهذا يتضح في مظهرين من مظاهره هما: ١- الحالة. ٢- الزمن والجهة. وسنشرح كل واحدة منها على حدة: ١- الحالة: هنا أيضا يجب أن نلاحظ أن العلاقة التي نسميها الحالة، ليست إلا علاقة شكلية بين الأبواب، أو بين الكلمتين من باب واحد، وهي مع ذلك جزء آخر من أجزاء التطريز النحوي، وللحالة مجال في الأسماء، والأفعال، والأدوات؛ أي أنها تجد تعبيرها الشكلي في أولئك جميعا، ولكنها ينظر إليها في الغالب باعتبارها في الأسماء، ولهذا نرى دراسة الحالات المختلفة في الإغريقية واللاتينية، تأتي في كتب الجرامطيقا تصريفات للأسماء لا للأفعال، ويبدو بصفة عامة أن هذا يلقى شيئا من الغموض على حقيقة هامة، هي أن الحالة ليست إلا وسيلة آخرى من وسائل النمطية النحوية. وتبدو الفكرة السنسكريتية عن الحالة، أكثر جدوى من الفكرتين الإغريقة واللاتينية، فالدراسات السنسكريتية، لا توجه اهتمامها الكلي إلى الجدول، وإنما توجهه إلى علاقة الأسماء في أنواع الجمل، ومن الضروري في الفنلندية أن تدرس الحالة في الأسماء، إذا كنت تريد فهم "الجهة" في الأفعال، فكل من الأسماء والأفعال في هذه اللغة، يؤثر في الآخر تأثيرًا يؤدي إلى تماسك سياقي، وما تحدده الإنجليزية، والفرنسية مثلا بالأدوات، تحدده الفنلندية بالتعبير الشكلي عن الحالة كما في حالة البعضية، فإذا قلت: "مزق الكتاب"، فإن الكتاب سيكون في حالة البعضية، ثم إن البعضية المفهومة من التمزيق إلى قطع، تتطلب أن يكون الفعل في صورة خاصة، إذا أردت أن تتصورها بإيضاح من العربية مثلا قلنا: "مع الاعتذار لإيضاح لغة بصيغة من أخرى"، إن هذه الحالة تتطلب أن يكون الفعل مشدد العين المفتوحة مثلا، لا مفردها، فأنت ترى هنا كيف تتبادل العلاقات في السياق بين الاسم والفعل، وقد ضربنا لذلك مثلا بجملة "ضرب محمد عليا". والعربية من بين اللغات المتصرفة، تعطي مثلا حيا للعلاقة بين الأسماء والأفعال، وبينها وبين الأدوات، وصورة الحالة، ففي العربية حالات أربع شكلية، نقطع الصلة متعمدين بينها، وبين الأفكار المنطقية: الأولى حالة الرفع، والثانية حالة النصب،

стр. 221

والثالثة حالة الجر، والرابعة جالة الجزم، وحالة الرفع من مميزات العمدة في السياق، فالمسند والمسند إليه كلاهما في حالة الرفع، يصدق ذلك على المبتدأ والخبر، والفاعل ونائب الفاعل، وعلى المضارع المجرد من بين الأفعال؛ لأن البقية موزعة بين البناء، والوقوع في مواقع الحالات الأخرى، ولكن إذا دخلت أداة على طرفي الإسناد في الجملة الإسمية، عمدت اللغة العربية إلى نمطية أخرى في الصوغ، مراعاة للقيم الخلافية بين ما اقترن بالأداة وما لم يقترن، ودخول الأدوات على الجملة الاسمية، يتطلب المخالفة في الحالة بين طرفي الإسناد، فيبدو أحدهما في حالة الرفع، والآخر في حالة النصب، فمع كان وكاد وليس وأخواتهن، الأول مرفوع والثاني منصوب، ومع إن ولا النافية، يلاحظ العكس. ويلاحظ هنا أننا نعتبر النواقص والمقاربات أدوات لا أفعالا، برغم إمكان دخولها في جدول تصريفي، لدخولها على الجملة المفيدة بنفسها، وإفادتها وظيفة نحوية قريبة من وظائف الأدوات، من مثل "إن" و"لا". وحالة النصب بعد ذلك تعبير شكلي عن طائفة كبيرة، مما يعبر عنه باصطلاح الفضلة هي المفعولات الخمسة، والحال والتمييز والمستثنى وحد هذه الطائفة، أنها الفضلة التي لم تأت معها أداة جر، أو اسم مضاف، والفعل المضارع المنصوب من هذه الطائفة؛ لأنه يقع مواقعها من الكلام، ويتم الكلام بدونه مثلها. وحالة الجر إما أن تكون بالأداة أو بالإضافة، وهي حالة طائفة من الفضلات يعبر عن العلاقة بينها، وبين الفعل بإحدى هاتين الطريقتين. أما حالة الجزم، فتكون في الفعل المضارع الواقع في نوع خاص من الجمل، تقتضي المخالفة بينه فيها، وبينه في الجمل الأخرى التي ينصب فيها أو يرفع، أن يتخذ شكلا إعرابيا آخر هو الجزم. ذلك هو ملخص الحالة في اللغة العربية. وتتشابك العلاقات بين الحالة وبين النوع، والعدد، والشخص، فتكون

стр. 222

كلها نماذج للترابط في السياق بين أجزائه، على نحو ما في المثال الآتي: هذه هي المرأة البيضاء التي فتنت". ومن هذا نرى تساند الكلمات، وتقاربها في علاقاتها التطريزية، ونرى النوع والعدد والشخص "الإفراد والتأنيث والغيبة"، متحدة في كل كلمات المثال، سواء في ذلك الأسماء والفعل، ونرى الحالة في الأسماء دون الفعل الماضي؛ لأنه مبني غير معرب، والحالة إعرابية أولا وقبل كل شيء، ونرى الزمن في الفعل دون الأسماء. وتفرق اللغة العربية بين حالات الرفع والنصب، والجر في ضمائر الشخص، كما يبدو ذلك في الأمثلة الآتية: هم يقومون، يضربونهم، يغضبون عليهِمْ هُوَ يقوم، يضربونهُ، يغضبون عليه. لاحظ الفرق بين حركتي الهاء في الضمير في الحالتين، ولاحظ الفرق في الفصل والوصل بين حالة الرفع، والحالتين الأخريين. إننا إذا نظرنا إلى جملة مثل: "بالنبي والله أومن"، فسوف لا يقرر ما إذا كان لفظ الجلالة معطوفا، أو مقسما به إلا الاعتبارات التماسكية في هذه الجملة.

стр. 223

٢- الزمن والجهة: نحب أن نفرق هنا بين اصطلاحات ثلاثة، تفريقًا تقتضيه الأغراض العملية لهذا البحث؛ هذه الاصطلاحات هي الزمان، والزمن، والجهة، ونقصد بالزمان الوقت الفلسفي الذي ينبني على الماضي، والحاضر، والمستقبل، ويعتبر قياسًا لكمية تجربة في الرياضة، أو الطبيعة، أو الفلسفة، ويعبر عنه بالتقويم، والإخبار عن الساعة، وتتوجه إليه النظرية المعروفة بنظرية حدّ السكين، التي تقول: إن الزمان إما ماض، أو مستقبل، ولا جود للحاضر، ويقابله في الإنجليزية كلمة "Time"، ونقصد بالزمن الوقت النحوي الذي يعبر عنه بالفعل الماضي، والمضارع، تعبيرا لا يستند إلى دلالات زمانية فلسفية، وإنما ينبني على استخدام القيم الخلافية بين الصيغ المختلفة، في الدلالة على الحقائق اللغوية المختلفة. ويقابل الزمن في الإنجليزية كلمة "Tense"، ونقصد بالجهة ما يشرح موقفًا معينا في الحدث الفعلي؛ ويكون ذلك بإضافة ما يفيد تخصيص العموم في هذا الفعل. ويقابلها في الإنلجيزية "aspect". ليس الزمان والزمن إذا مترادفين في فهم هذا البحث؛ لأن الزمان يدخل في دائرة المقاييس، والزمن يدخل دائرة التعبيرات اللغوية، فالفرق بينهما كالفرق بين الذراع القياسي، كوحدة ذات طول معين ثابت، وبين ذراع الطفل الصغير كجزء من جسم متغير النمو، ولهذا لا يهمنا في دراسة النحو أن نعلم ساعة حدوث الزمن، ولا تاريخه، ولكن الذي يهمنا نظام زمني معين في نحو اللغة المدروسة، يقوم التطريز والنمطية، أكثر مما يقوم على المعنى الفلسفي المطلق. والزمن النحوي نسبي اعتباري، والماضي والمضارع صيغ لا أفكار، فصيغة الماضي من نوع الماضي، ولو دلت على المستقبل، أو الحضور الفلسفيين، كما في: "إن كنت شجاعا فواجهني بالحقيقة"، و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، و"لو كان زيد يأتي لكنت أعطيه درهمًا"، و ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَة﴾ .

стр. 224

والمضارع بصغيته مضارع، ولو دل على المضيّ الفلسفي، كما في "لم يقم زيد". ولا بد لأية لغة من اللغات من أن تستخدم الدلالات الزمنية، "ولا أقصد الزمانية"، وهذه الدلالات لا تنحصر في الأفعال فحسب، ولكنها تتعداها إلى ظروف الأزمان، التي لا تكاد تتصل اتصالا مباشرا بنظام الأزمنة في الأفعال، وكذلك يستطيع الناظر إلى الكلمات المفردة من غير الأفعال، والظروف أن يجد من بينها ما يعبر تعبيرا خاصا عن شيء يشبه الزمان، أكثر مما يشبه الزمن. لإيضاح ذلك قارن الكلمات الآتية: جد، ابن، سابق، لاحق، خطيبة، مطلقة، مرشح، متوقع، منتظر، المأسوف عليه، المرحوم، المورث. ولكن هذه الدلالات لا تهمنا في الدراسات النحوية؛ فلندعها لهؤلاء الذين يدرسون الاجتماع اللغوي؛ وسيجدون فيها مادة غزيرة للملاحظة. لقد كان النحاة العرب على حق في تسميتهم المضارع مضارعًا؛ لأن هذه التسمية ذات دلالة شكلية لا زمانية، فهم يقولون: إنما سمي المضارع مضارعا لمضارعته المشتق من حيث إعرابه وشكله، ولو جرت التسمية في الماضي والأمر على هذا النمط، لخلت اصطلاحات الزمن في اللغة العربية من عدوى التفكير في الزمان، ولكان اللاحقون من النحاة أقدر على تخليص النحو من براثن الفلسفة. ولنا أن نلاحظ هنا أن الجهة مما يمكن ملاحظته في الأسماء، والأفعال، والأدوات، وقد سبق أن مثلنا بمجموعة الأسماء ذات الدلالة على السبق أو اللحاق، وبدخول "لم" على المضارع، والوظيفة التي قامت بها هذه الأداة، غير أن الجهة ينظر إليها نحويا في الأفعال فحسب، ولكل لغة وسائلها الضخمة في التعبير عن الجهة، فالهمز، والتضعيف، وتشديد العين، وحروف الزيادة فيما زاد على الثلاثة، والإضافات الظرفية، والحال، والتمييز، تعبيرات شكلية عن الجهة في اللغة العربية، بمعنى أنها تقييد لعموم الدلالة، بما يفيد النظر إلى جهة معينة في تطبيق فهم الفعل، لاحظ اختلاف الجهة باختلاف الصيغة في نفس المادة، والزمن فيما يأتي:

стр. 225

قتل - قاتل - قتل- استقتل - اقتتل. قتله أمس - قتله من سنة مضت - يقتله الآن - يقتله غدا - يقتله حين ينفرد به - قتله صبرا - قتله ذبحا - قتله خجلا - قتله تشهيرًا - قتله قصاصًا - قتله واقفًا - قتله على ظهر حصانه - قتله شهيدًا - قتله قائما للصلاة. لاحظ أيضًا الفرق بين: عس - عسعس، جر - جرجر، درج - دحرج، قلب - سقلب. وما يسمونه حرف المطاوعة، وتاء الافتعال، وكل حروف الزيادة التي تأتي لمعنى وظيفي، هي في الواقع تعبيرات شكلية عن الجهة، تضيف معنى وظيفتها إلى المفهوم العام للفعل، لتخصيصه في الدلالة، والجهة تعبير يستغرق كل تصريفات الفعل؛ بمعنى أنه يلحظ في كل شكل من الأشكال التصريفية للمادة، مثال ذلك أن نأخذ تاء الافتعال، أو صيغة المطاوعة كتعبير عن الجهة، فسنجد أن المطاوعة تلحظ في كل صيغة في التصريف، كما يأتي: إسكنر. والجهة غير الزمن؛ ومن الضروري ألا نخلط بينهما في الفهم، وهذا الخلط محتمل في حالة التعبير عن الجهة بالظرف؛ فهذه الظروف تختلف عن الدلالة الزمنية في الأفعال، هذه الدلالة الزمنية في الفعل ملحوظة مع وجود الظرف وعدمه،

стр. 226

وهي الفرق الزمني بين ضرب، ويضرب، واضرب، ومن التعبيرات الشكلية عن الجهة. كان يضرب، ظل يضرب، أصبح، ما زال يضرب، إنه يضرب ما فتئ يضرب، وهلم جرا. وإتيان هذه "النواسخ" لأداء وظيفة التعبير عن الجهة، هو الذي دعانا فيما سبق إلى اعتبارها أدوات. والتعدي واللزوم جهتان في اللغة العربية، يفرق بينهما بالهمز، والتشديد، كما في شاع وأشاع، ووفى ووفى، ومن ذلك أيضا ترديد صيغة الفعل معطوفة، نحو "فكتبت وكتبت، حتى لم أدع معنى إلا طرقته". والترديد صورة أخرى من صور التعبير عن الجهة في اللغة العربية، نحو جرجر، وعسعس، وزمزم، إلخ والمعاني التي يضيفها الترديد ليخصص بها عموم دلالة الفعل هي الكثرة، أو التكرار، أو الكبر، أو الشدة، أو التعود، أو الاستمرار. ويمكن أن نلاحظ هنا ملاحظة عابرة، أن هذا الترديد في عمومه الذي يشمل الاسم على أنواع منها: ١- البسيط: نحو إربا إربا، وجرجر، وعسعس، ودكادكا. ٢- المقفى: نحن شذر مذر، حيص بيص، ومن التعبيرات العامية شيله بيله، وحرسه برسه. ٣- متخالف: نحن الكلمات العامية يتكتك، "بمعنى يحدث صوت مثل الموتوسيكل" حتحوت، كركور "اسم منطقة"، علمي علمك. ٤- مخلخل: نحو الكلمات العامية يوم عسل ويوم بصل، كده وكده نص ونص، وهو مخلخل لتدخل الواو بين الأجزاء المرددة.

стр. 227

مظاهر التوافق السياقي: قلنا: إن التوافق الشكلي في السياق، وسيلة من وسائل ترابط الأبواب فيه، وإن هذا التوافق، إنما يتضح في جهات ثلاث: أولاها: النوع "أو التذكير والتأنيث"، وثانيتها: العدد "أو الإفراد والتثنية والجمع"، وثالثتها: الشخص "أو التكلم والحضور والغيبة"، ونريد الآن أن نتكلم عن كل من هذه الجهات على حدة. ١- النوع: ليس هناك صلة بين ما نسميه النوع في النحو، وبين ما نسميه الجنس في الطبيعة، وبعبارة أخرى، ليس هناك صلة بين التذكير والتأنيث في النحو، وبين الذكورة والأنوثة في الطبيعة، فالتذكير والتأنيث نواح تطريزية تقسيمية خلافية، للتفريق بين طائفتين من الكلمات من ناحية سلوكهما في السياق، ولكن الذكورة والأنوثة مفهومان من مفهومات الدراسات الطبيعية ينبنيان على التفريق بين وظائف الأعضاء، فالكلمة التي تدل على ذكورة عضوية قد تحرم التذكير النحوي، كحمزة، الذي تلحقه التاء في آخره. والفعل يؤنث جوازًا مع كل أنواع الجموع، حتى جمع المذكر السالم في رأي الكوفيين، ومع بعضها الذي يشمل جمع تكسير المذكر أيضًا، في رأي غيرهم١، فإذا أنث الفعل مع جمع المذكر، فمعنى ذلك أن هذا الجمع عومل معاملة المؤنث، وهذا إجراء يجوز نحوًا، ولا يجوز في الطبيعة. وارتباط التذكير، والتأنيث النحوي، إنما يكون باعتبارات تختلف في لغة عنها في الأخرى، ففي اللغة الأنامية تقسيم للأسماء من هذه الناحية إلى تسعة أنواع، طبقا لتسعة أنواع من الأعضاء الجسمية؛ وتدخل كل كلمة في القسم الذي يناسبها، أما الأوردية فيها تفريق بين الصغير، وبين الكبير من هذه الناحية؛ فكلمة "دبا" معناها صندوق كبير، ودبي" للصندوق الصغير، ويذكرنا ذلك

стр. 228

بالعاميات العربية، والمصرية منها بصفة خاصة، حيث تضاف ألف لينة، وياء مفتوحة، وهاء ساكنة إلى أي اسم، لتدل على تصغيره وتأنيثه، حتى "راجل"، يمكن أن يصبح "راجلاية" في بعض اللهجات، أي رجل صغير، ويعامل الاسم نحويا معاملة المؤنث، وفي لغة بورما أربع عشرة جهة تقسيمية، فالأشياء تنقسم باعتبار التسطح، والفرطحة، والطول، وكونها للنقل، والحيوانات، والمجموعات والمركبات والكهنة، والسوقة؛ وفيها اعتبار تقسيمي خاص لأمراء القصص، وأميراته، ويلاحظ الذين يتكلمون إلى النوبيين أنهم يدخلون التذكير والتأنيث الخاص بلغتهم في كلامهم العربي، فيبدون وكأنهم يطرد في كلامهم تذكير المؤنث، وتأنيث المذكر، وليس أدل على عدم الرباط بن الأنوثة، والتأنيث من أن كل الأسماء التي تدل على عضو التأنيث في المرأة مذكرة في اللغة العربية على ما أظن، وإن الشمس والقمر لمثالان رائعان لدراسة هذه الظاهرة في لغات مختلفة، فالشمس مؤنثة في العربية مذكرة في الإنجليزية، والقمر بالعكس. فالتذكر والتأنيث إذًا تطريز اجتماعي، يتفق أحيانًا مع الواقع، ويختلف أحيانًا أخرى، ولذا يجب التفريق بين النوع الذهني، والنوع النحوي؛ لأنهما يختلفان كما تختلف فكرة الشخص عن ضمائر الأشخاص، وإن توزيع الأدوات المهنية بين التذكير، والتأنيث فكرة لا يمكن تعليلها بنجاح، إلا على أساس نحوي. فهل هناك أي سبب خارج النحو، يبرر أن يكون المنشار، والقدوم مذكرين، وأن تكون المطرقة، والفأس، والمائدة، من الأسماء المؤنثة؟ ومن الأسماء التي تذكر حينا، وتؤنث حينًا آخر جمع شخص وشبح، فابن أبي ربيعة يقول. "ثلاث شخوص كاعبان ومعصر". وجائز أن تقول: ثلاثة أشخاص أو شخوص؛ ومثل ذلك يقال في أشباح. فالتذكير والتأنيث طريقة من طرق التقسيم النحوي، لإظهار التوافق في السياق ليكون التماسك واضحًا فيه، ويعبر عنه تعبيرًا شكليًا في الغالب من حالاته، وفي اللغة الفرنسية يكون هذا التعبير الشكلي بأداة التعريف، كما في الألمانية، فتعلم من شكل الأداة، ما إذا كان الاسم الذي يليها مذكرًا أو مؤنثًا، ولكن هل نستطيع

стр. 229

أن نقول قولا مؤكدًا: إن شكل الأداة الفرنسية يتوقف على التذكير والتأنيث فحسب؛ إنها تصحبهما دائما بلا شك، ولكنها تدل كذلك على العدد، وربما دلت أحيانا على الحالة، كحين تدل على حالة البعضية في "du pein". يقول أستاذي فيرث في إحدى محاضراته: "وهناك نوع من التقسيم أحس به، ولا أصر عليه، ألمحه وراء الكلمات التي تبدأ بالحرفين sl مثل: slender, sleet, slip, sleek, slit, slink, slim. slight, slide, slick, slice, slince. slither. ويستطيع المرء أن يسلي نفسه بجمع الكلمات التي تبدأ بالحرفين el أو str، أو spr وهلم جرا، فربما جد شيئا شائعًا بينها، لا يهمني هنا أن أنص عليه، وتبدأ تسعون كلمة في الهولندية بالحرفين sl كلها للشتم والإهانة، وقد استعير بعضها في اللغة الجاوية، فبدأ بالحرفين se، وهذا يستدعي إلى الذهن أن تقسيم الكلمات بحسب أثرها الذهني شائع في اللغات الجرمانية، وربما كان هناك صلة بين الصوت، والشكل، كما ترى في المثالين الآتيين: هاتان الكلمتان "أومبو بو وكيكيريكي"، لا تدلان على معنى معين في أية لغة على ما أعلم، ولكن الطلبة من جميع الأمم ينسبون الاسم الأول إلى الشكل الأول، والاسم الثاني إلى الشكل الثاني١، فإذا صح أن هناك صلة بين الشكل والأثر الصوتي، فإن ذلك يفسر إتجاه الأوردية إلى التفريق بين الكبير، والصغير في التذكير والتأنيث.

стр. 230

والتوافق بين المسند والمسند إليه في التذكير والتأنيث، مطرد فيما إذا وقع الفعل في جملة الخبر، نحو "هند قامت"، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ، فتقدم المذكر أو المؤنث، أو ما في حكمه يقتضي التوافق التام في التذكير والتأنيث بينهما، وبين الفعل الواقع في جملة الخبر، وكذلك إذا تأخر المسند إليه فكان فاعلا، أو نائب فاعل، مؤنثا تأنيثا حقيقًا، غير منفصل عن الفعل، سواء كان مفردًا أو جمعًا، نحو "قامت فاطمة"، "وقامت الهندات"، فإذا فقد شرط من ذلك، بأن كان المؤنث المتصل بالفعل مجازيًا، أو جمعًا أو فصل بينه وبين فعله بغير إلا، فتأنيث الفعل أرجح، نحو "طلعت الشمس"، و"جمع الشمس والقمر"، و"قام أو قامت الزيود"، و"كيف كان عاقبة المكذبين"، و"قام أو قامت اليوم هند"، و"إن امرأ غيره مكن واحدة"، أما إذا كان الفصل بإلا، فتذكير الفعل أرجح نحو "ما قام إلا هند". وصفة الاسم، والحال منه يذكران لتذكيره، ويؤنثان لتأنيثه، أما الأعداد من ثلاثة إلى تسعة، فالبعكس، وهذه القاعدة التي تقرر صلة العدد بالمعدود في التذكير والتأنيث، تكشف تماما عن التباين بين وجهتي النحو، والمنطق العلمي في علاج التذكير والتأنيث، والذكورة والأنوثة. ٢- العدد: وقد ذكرنا أن المقصود بالعدد الإفراد والتثنية والجمع، وفكرة التقسيم إلى مفرد ومثنى، ومجموع فكرة اعتباطية لغوية إلى أقصى حد، فليس هناك أي سبب منطقي لجعل العدد "واحد" طبقة خاصة، واختصاص "الاثنين" بطبقة أخرى، ثم حشد جميع الأعداد بعد ذلك في طبقة ثالثة هي الجمع، والعدد، كالتذكير والتأنيث، ليس إلا عادة نحوية صرفية من عادات اللغة، وكما لا تعقد الصلة بين التذكير والتأنيث، وبين الذكورة والأنوثة، لا تعقد كذلك بين الإفراد والتثنية والجمع، وبين الأعداد والأرقام الحسابية، ونحن نستعمل الأرقام في الحساب، والرياضة، وفي عد الفقرات والصفحات، وهلم جرا، وليس كذلك استعمالنا

стр. 231

للإفراد والتثنية والجمع، وما يعبر عن الجمع من الناحية النحوية، قد يدل على المفرد من الناحية الحسابية، فمن العادات الكتابية الديوانية، أن تكتب إلى رئيس الإدارة، أو وزير الوزارة "أعرض عليكم ما يأتي": ولقد كانت المراسيم تصدر، وفي بدايتها "نحن ملك مصر"، حيث كان يقصد "أنا". واللغة العربية من اللغات القليلة، التي احتفظت بالمثنى في تطريزها النحوي. ولقد عرفت اللغات الهندية الأوربية المثنى في القديم، ولكنها فقدته؛ لأن حاجتها إلى إفراد المثنى بصيغة لغوية خاصة لم تعد ملحة كما كانت، وتعبر الإنجليزية الحديثة عن المثنى أحيانًا بطريق الكلمات الخاصة، لا بطريق الصيغ النحوية؛ ومن ذلك مثلًا استعمال التراكيب الآتية: two boys. both boys, a couple of boys. a bfrace of والكلمتان "brace أو couple ""من نوع dozen و score و gross وبقية الكلمات ذات الدلالة على تقسيمات خاصة غير الإفراد، والتثنية، والجمع. وللعربية تعبيرات شكلية خاصة عن المفرد والمثنى والجمع، في الاسم والضمير والفعل، وتقسيمات للجمع إلى جمع تصحيح، وجمع تكسير ولهذا الأخير إلى جمع كثرة، وجمع قلة، وإلى جمع له مفرد، وجمع لا مفرد له، وهلم جرا. ويجري العد في بعض لهجات الصعيد بحسب المعدود، على نماذج مختلفة، فإذا كان المعدود نقودًا، أو ناسا، أو قطيعا، جرى العدد على نمط "واحد اثنان ثلاثة إلخ"، وإذا كان المعدود بلحا، أو فاكهة، وجرى على نمط "فرد، جوز، ثلاثة حب، ثورة إلخ". وربما استعملوا "قيط، بدل "جوز"، مع هذا لا يمكن القول بأن هذا وثيق الصلة بالإفراد، والتثنية، والجمع في النحو. وتعطينا اللغة العربية الفصحى أروع مثل لعدم منطقية التطريز اللغوي، حيث يميز الجمع بالمفرد، في نحو قولنا: ألف رجل، والأيام السعيدة، وحيث يوصف جمع التصحيح بجمع التكسير، في نحو قولنا: المحاربون القدماء، ويجري العكس، في نحو

стр. 232

"القوم الكافرون"، وحيث تشمل اللغة كلمات تدل منطقيا على جمع، ونحويا على مفرد، نحو جمهور، وحكومة، وطائفة، وأمة، وبرلمان. ويجب أن تفرق بين العدد، واسم العدد، والرقم، فإذا رأيت: ٣×٤= ١٢، فهذه أرقام لها لغة وكتابة قائمة بنفسها. ويقولون: إن العربية عرفت الأرلاقام من الهندية. والرقم ٣عربي، ولكن الرقم "٣" إفرنجي أما ثلاثة في أربعة تساوي اثني عشر، فهذا تعبير بأسماء الأعداد لا بالأرقام، وأما ثلاث أربعات تساوي اثني عشر، فاسم العدد الأول "ثلاث" مفرد، واسم العدد الثاني "أربعات" جمع مؤنث سالم، والثالث مركب صدره مثنى مضاف وعجزه مفرد، أما العدد فهو مدلول اسم العدد، أي ما يطلق اسم العدد عليه، فهو فكرة لا كلمة ولا رقم. ومما يعتبر من باب أسماء الأعداد، ولكنه أقل منها محدودية، ما يضاف من نحو بعض، وكل، وأي، ما يأتي من نحو كثير، وقليل، ولست أدري إن كان يحق لي أن أقول: إن أسماء الموصول التي تستخدم في الاستفهام، أو الشرط مثلا تدل منطقيا على عدد شائع غير محدد، تأمل المثالين: من يقف هناك؟ والذي يقوم فله درهم. ثم انظر إن كنت توافقني، أو تخالفني في هذا القول، ومع هذا فإن هذين الموصولين من الناحية النحوية الشكلية ليسا إلا مفردين، وأما من يقفون هناك والذين يقومون فلهم خمسة دراهم، فإن من والذين يفهما في صيغة الجمع. فكأن الذي يقرر إفراد من أو تثنيتها، أو جمعها، إنما هي علامة التوافق التي تأتي في صلتها، ويتضح ذلك في مقارنة أمثلة مثل: من يقوم، من يقومان، من يقومون. فاتحاد شكل من في الحالات الثلاث، لا ينفي أنها مفرد في المثال الأول ومثنى في الثاني وجمع في الثالث، ومغزى هذا بالطبع ألا تربط الشكل بالفكرة المنطقية، وليس العدد النحوي، إلا توافقا سياقيا في خدمة التطريز اللغوي، والمقتضى الاجتماعي

стр. 233

٣- الشخص: ومما له صلة بالنوع والعدد النحويين، ويقع معهما تحت عنوان التوافق، الشخص، ويقصد بالشخص المتكلم أو المخاطب أو الغائب، ولست أرى صلة بين الشخص النحوي، والشخص أو الشخصية في الفلسفة والتربية، ومن هنا كانت "الشمس تطلع" و"الحصان يجري"، وفي صيغة الشخص الغائب من الناحية النحوية، "ومن" الاستفهامية غير شخصية، لعدم تنوع دلالتها على الشخص، فهي دائمًا للغائب، ومثلها الأسماء الموصولة، أما "هو"، فإنها مع دلالتها دائمًا على الغائب، تعتبر واحدة من نظام ضمائر متنوع الدلالة على التكلم والحضور والغيبة. والشخص أوضح ما يكون من الضمائر، ولكن الكثير من اللغات يتوسع في التعبير الشكلي عن الشخص، حتى يشمل الأفعال، كما في اللاتينية، والطليانية والعبرية، والعربية. ففي اللاتينية القديمة كانت كلمة "ago"، ككلمة "amo" تأتي حين يراد التأكيد، ولكنها كانت كلما تقدم بها الوقت أضيفت إليها الضمائر بشكل واضح، والفرنسية من اللغات التي تخلف فيها صيغة الفعل باختلاف الشخص، ولكن الإنجليزية أقل حظًا من هذا الاختلاف، قارن الصيغ الآتية: ولا يظن القارئ أن الشخص ينقسم إلى هذه الثلاثة، "التكلم والخطاب والغيبة" في الإفراد والتثنية، والجمع فحسب، فهناك إمكانيات كثيرة أخرى، فالشخص في بعض اللغات ذو أقسام سبعة، وفي لغة جزيرة "فيجي"، في جنوب المحيط الهادي، أربعة أعداد، وخمسة عشر شخصًا، ويوضح هذا مرة أخرى مدى الحاجة إلى علاج كل شيء على علاته، لا على أساس المنطق.

стр. 234

وتعبر اللغة العربية بصيغة الفعل عن الشخص، كما يتضح ذلك من الجدول التصريفي الآتي: فإن قال قائل: إن الضمير المتصل موجود في هذه الصيغ، ليدل على الشخص، قلنا: انظر إلى الصيغ: أقوم، نقوم، يقوم، تقوم، فالتي فيها حروف المضارعة، لا الضمائر، ومع ذلك يدل الأول والثاني منها على التكلم، والثالث على الغيبة، والرابع على خطاب المذكر؛ أو غيبة المؤنثة. وفي الضمائر الدالة على الشخص في حالة الجمع ما يدعو دئمًا إلى التأمل؛ لأن الظروف الاجتماعية المتنوعة، تقتضي تنوعًا في الاستعمال، فبجوار نحن، وأنتم، وهم، توجد أنواع أخرى من صيغ الجمع، قد لا تدخل دخولًا مقبولا في دراسة النحو، ولكنها جزء لا يتجزأ من الدراسات اللغوية الاجتماعية، لاحظ مثلا: نحن وإياكم، أنا وأنت، أنا ومحمد، أنت وعلي، أنا وحزبي، هو وزملاؤه، كلنا، من كان منا، وطائفة منا. ويميز دائما في الإنجليزية بين الدلالات الجامعة، والدلالات ذات الإخراج، في استعمال بعض الضمائر نحو "١" let us go في مقابل "٢" let's go والفرق بينهما يتضح في أن "١"، ربما تساوي "٢"، ويكون المعنى فيهما "دعنا" نذهب" "أي وأنت معنا"، وعلى حين تختص "٢" بمعنى آخر، إذ تستعمل بمعنى

стр. 235

بمعنى اتركنا نذهب "أي ولا تذهب معنا"، وحينئذ لا يدخل السامع في مدلول "us". ولأحد المبشرين في أفريقيا قصة شهيرة طريفة: فقد كان في لغة الزنوج في المنطقة، التي عمل فيها عدد من الضمائر بمعنى نحن، تختلف جمعا وإخراجا، منها ما يقصد به "نحن الحاضرين"، ومما يقصد به "أنا ومن قبلي"، أو"أنا وشخص آخر"، وهلم جرا، وقد وقف هذا المبشر واعظًا هؤلاء الزنوج بلغتهم، فقال لهم فيما قال: "نحن مذنبون، ونحن لا شك نحتاج إلى من يهدينا"، ولقد كان الضمير الذي استعمله، لسوء حظه، هو ما يقصد به: "أنا وشخص آخر"، مع إخراج السامعين طبعًا، مع أنه كان يقصد "أنا وأنتم". ويجب أن نلاحظ أن ربما كان هناك اختلاف بين الشخص النحوي، والشخص الفلسفي، وإن استعمال الجمع للتأدب في الأوردية، يتقضي أن يستعمل المرء "خادمكم الوضيع"، بدل "أنا"، وتتصل أسماء الإشارة في اللغات اتصالا وثيقا بالشخص النحوي، فهذا للقريب يدنو من معنى الحضور، وذاك للبعيد يدنو من معنى الغيبة، وحين يقال في الإنجليزية. Taat man أو This man يدل the man، تدخل the في دراسة الشخص النحوي، وقد يدل التنغيم الخاص على البعد، كما يحدث في العاميات العربية في تنغيم كلمة "هناك"، أو "بعيد" بمد طويل. وتستعمل كل لغة من الأشخاص ما يناسبها، ولعل القارئ يلاحظ استعمالات في اللغة العربية، مثل إن أحدكم ليفعل كذا، وإن المرء، وإن الإنسان، واعلم، وأبقاك الله، وأطال الله بقاءك، حين يستعمل كل ذلك في صورة مكتوبة، فيحتاج تطبيقه على التكلم والحضور، والغيبة إلى شيء من التأمل، وجدوى الشخص النحوي واضحة في التوافق السياقي، وفي التمكين من خلق الجدول التصريفي، فهذا النوع من التطريز صالح للعمل أفقيا في السياق النحوي، ورأسيا في الجدول الصرفي.

стр. 236

منهج المعجم: تعريف الكلمة: يدور المعجم حول الكلمة إيضاحًا وشرحًا، ليجلو منها ما نسميه المعنى المعجمي، وهذا المعنى قاصر في حقيقته عن المعنى الاجتماعي، أو الدلالي الذي يعني بتتبع الجملة، أو قل "الحدث الكلامي"، وما يحيط به من ماجريات، على نحو ما سنشرحه في منهج الدلالة، ولندلل على صور المعنى المعجمي عن أن يحدد المدلول تحديدا يرتبط بالموقف، نسوق الأمثلة الآتية التي يشتمل كل منها على كلمة صاحب: صاحب الفضيلة - صاحب البيت - صاحبي - صاحب المصلحة - صاحب الحق - صاحب رسول الله - صاحب نصيب الأسد - وهلم جرا. فالصاحب الأول ملقب، والثاني مالك، والثالث صديق، والرابع منتفع، والخامس مستحق، والسادس معاصر، والسابع مقتسم، وسوف لا يأتي المعجم بكل تفصيلات الكلمة على هذا النحو، ولكن سيأخذ منها القاسم المشترك، فيجعله معنى معجميا للكلمة، وسيشغل نفسه أحيانا ببقية مشتقات المادة عن مشتق بعينه، ولست أدعي ما أتيت به في شرح كلمة "صاحب" اجتماعيا دلاليا كاملا؛ لأن مثل هذا المعنى الدلالي يحتاج إلى تحليل بطريقة خاصة؛ ولكن ما أتيت به هنا إيضاح للقصور في المعنى المعجمي، الذي قد يفوته أن يذكر -بين معاني صاحب- معنى اللقب، وهو جديد، ومعنى المعاصر، وهو قديم. وما دامت الكلمة مادة المعجم، يدور حولها نشاطه، فإن هذه الكلمة تحتاج إلى شرح أو تحليل، "الكلمات وحدات لغوية، ولكنها ليست وحدات أصواتية: وليس في التحليل الأصواتي لنسق من الأصوات المنطوقة، ما يكشف لنا عن عدد الكلمات، التي يتكون منها هذا النسق، ولا عن الحد الفاصل بين كلمة وكلمة"١.

стр. 237

ويتضح ذلك في التراث الضخم، الذي تركه لنا الأدباء من الجناس مثل قول بعضهم: كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا ما الذي ضر مدير الـ ... جام لو جاملنا وقول بعضهم: إذا ملك لم يكن ذاهبة ... فدعه فدولته ذاهبة فإذا لاحظنا فرق بين حدي الكلمة في "جام لنا" و"جاملنا"، وفي "ذاهبة"، و"ذاهبة" "الأولى بمعنى صاحب هبة والثانية بمعنى زائلة"، أدركنا أن التحديد لا يمكن أن يتم على أساس أصواتي محض، وأدركنا كذلك مدى الصواب، فيما يقوله يسيرسن. وإذا استعرضنا تعريفات مختلفة للكلمة، شرقية وغربية، وجدنا في النهاية أن فكرة الكلمة -كبعض الأفكار اللغوية الأخرى- لا يمكن أن تعرف تعريفا ينطبق عليها في كل اللغات، وإنما تستقل في كل لغة بتعريف خاص به، مستقى من طبيعة اللغة، ووسائلها الخاصة في التركيب، ويقول قندريس١: "وبالنظر إلى هذا التنوع في طرق البناء الصرفي، لا بد أن تعرف الكلمة تعريفا مختلفا لكل لغة"، ولقد حاول الباحثون من قبل أن يعرفوها تعريفًا شاملًا، ولكن لم يكتب لواحد من هذه التعريفات أن يرقى عن مدارج النقد. فالتعريفات العربية للكلمة -برغم اعتمادها على طبيعة اللغة العربية- إما أن تخلط بين الكلمة واللفظ والقول، كقول الأشموني٢: "الكلمة هي اللفظ المفرد"، وقول صاحب الشذور: "الكلمة قول مفرد"٣، وهذا تعريف صادق على كل نطق بين سكتتين، ولو كان جملة أو أكثر؛ لأن إفراد اللفظ أو القول معناه أن يكون بين سكتتين؛ وإما أن نضيف إلى هذا الخلط خلطًا آخر،

стр. 238

بأن تبني التعريف على العلاقة بين الكلمة ومعناها، أي الفكرة التي تعبر عنها، كقول ابن عقيل١: "الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد"، فهذا يصدق على باء الجر التي وضعت لمعنى مفرد هو المصاحبة، مع أنها ليست كلمة، وإما أن تزيد الطين بلة بأن تدخل في تعريف الكلمة أفكار منقوضة، كفكرة التقدير٢، كقول صاحب الهمع٣: "وقد اختلفت اعتباراتهم في حد الكلمة اصطلاحا، وأحسن حدودها، "قول مفرد مستقل أو منتوي معه"، فنية اللفظ إنما تكون عند عدم وجوده، وتكون في صورة تقديره في الكلام، ويمثل السيوطي لذلك بأنت في قم. ويمكن تلخيص العيوب التي في هذه التعريفات، فيما يأتي: ١- أنها لا تفرق بين الصوت والحرف، أي بين عملية النطق والنظام الذي تجري عليه. ٢- أنها تخلط بين الوظيفة اللغوية، والمعاني المنطقية والوضعية. ٣- أنها لا تفرق بين وجود الكلمة وعدمها في تعريفها، وهذا ما يؤدي إلى الخلط في التفكير. ولقد حاول اللغويون المحدثون أن يحددوا ماهية الكلمة، وأن يخلقوا القواعد التي يمكن على أساسها، أن يوجدوا الحد الفاصل بين كلمة وكلمة في السياق، فأتوا في ذلك بنتائج، يمكننا أن نلخصها فيما يأتي: ١- يقول باومفيلد Bloomfield٤: "الكلمة أصغر صيغة حرة"، وهذه الحرية يمكن انتقادها بأنا تحمل في طياتها شيئا من الغموض؛ لأن بلومفيلد لم يحدد نوعها، فهو إذا أراد بها إمكان عزل الكلمة عن سياقها، فإن الجمل ذات

стр. 239

الكلمة الواحدة "كنحو زيد في جواب من قرأ"، يصدق عليها هذا التعريف، كما يصدق أيضا على "من" الاستفهامية المفردة، و"لا" النافية المجاب بها "هل رأيت زيدًا؟ "، وكلتاهما جملة بنفسها". ٢- ويقول سابير Sapiri "١: إن العناصر اللغوية ذات المعاني هي بصفة عامة أنساق من الأصوات، إما أن تكون كلمات، أو أجزاء ذات معان من الكلمات، أو مجموعات من الكلمات. أما ما يميز بين هذه العناصر، فهو أنها علامات خارجية لفكرة خاصة، سواء كانت هذه الفكرة معنى مفردًا، أو صورة، أو عددًا من المعاني والصور، مندمجة اندماجا واضحًا في كل". ويمكن تلخيص ماهية الكلمة من تعريفه هذا بأنها "أ" نسق من الأصوات، "ب" صورة خارجية لفكرة، وهذا شبيه جدا بالتعريفات العربية التي نقدناها. ٣- ويقول مييه Meillet٢: "تعرف الكلمة بأنها ربط معنى ما بمجموعة ما من الأصوات، صالحة لاستعمال جراماطيقي ما"، وهذا التعريف صالح للمورفيمات، وللجمل، وأجزاء الجمل أيضا، أضف إلى ذلك أن الاستعمالات الجراماطيقية لا تهتم بالكلمات، وإنما تهتم بالأبواب التي تعتبر الكلمات أمثلة لها في السياق. ٤- وعند جاردنر Gradiner٣، "أن الكلمات ذات وجهين في طبيعتها، فوجه هو المعنى، ووجه آخر هو الصوت، وحيث تكون الكلمات في ملك كل شخص، تكون من ناحية جواهر طبيعية مكونة من منطقة المعنى من جهة، ومن صورة صوت معين من جهة أخرى؛ هذا الصوت صالح لأن يعاد نقطه بالإرادة، والكلمات في حقيقتها نفسية، وهي مواد للمعرفة والتعلم، مع أننا في أحد جانبي طبيعتها تشير إلى حدث عضوي، تمكن إعادته بحسب الإرادة".

стр. 240

وهذه ثنائية ديكارتية، واقعة تحت نفوذ نظرية دي سوسور اللغوية، وجانحة بلا مواربة إلى غموض عالم النفس، وليس الباحث اللغوي بحاجة إلى أن يبني أفكاره على أسس غريبة عن منهج اللغة، وتعريف جاردنر في مجموعة مبني على مجازات، أكثر مما هو مبني على اصطلاحات لغوية، لاحظ في التعريف استعمال كلمات: الحقيقة - الطبيعة - الملك - المعرفة - التعلم - النفس. والكلمات كما ذكرنا وحدات لغوية لا أصواتية، هكذا اعتبرها الجميع، حتى هؤلاء الذين يخلطون بين الكلمة واللفظ، يقول بلومفيلد١: "ليست الكلمة وحدة أصواتية بصفة مبدئية، فلسنا نحدد أجزاء كلامنا، التي يمكن استقلالها بسكتات، أو مظاهر صوتية أخرى، ومع ذلك تمنح اللغات المختلفة اعترافا أصواتيا للوحدات الكلامية، بطرق متعددة، يفعل البعض ذلك قليلا، كالفرنسية، والبعض الآخر كثيرا، كالإنجليزية. ويرى يسبرسن٢: "أن الوسائل الأصواتية الخالصة لا تصلح لتحديد حدود الكلمات"، و"يضاف إلى الإحساس بالكلمة -غالبًا لا دائمًا - خصائص أصواتية معينة، تساعد على التحديد الخارجي للكلمات"٣. ويقول فندريس٤: "تحمل الكلمة في نفسها علامة استخدامها، والتعبير عن قيمتها الصرفية، فلها بنفسها كمال لا يدع الحاجة ماسة إلى شيء". ويتطلب إيجاد الحدود الفاصلة بين الكلمات في السياق عديدًا من الطرق، والمناهج التي أهمها: ١- الإفراد عن السياق، ٢- الحذف من السياق، ٣- الحشو في السياق،

стр. 241

٤- الإبدال في السياق، ٥- استخدام العلامات الموقعية في الكلام. فإذا استخدمنا هذه الوسائل في تحديد الكلمة العربية، أمكننا مثلا أن نقول: "هم" تصلح للإفراد عن السياق باعتبار، ولا تصلح لذلك باعتبار آخر، فهي لا تفرد إلا في حالة الرفع، وأما في حالتي النصب والجر، فلا يمكن إفرادها عن السياق؛ لأنها حينئذ ليست كلمة مستقلة، وإنما تعتبر ملحقة بكلمة هي جزء منها. وأما من جهة الحذف من السياق، فدعنا نتأمل جملة مثل "هم أنفوا منهم"، لنجد أن الضمير المرفوع في البداية، يمكن أن يستخرج من الجملة، ولكننا لا نستطيع استخراج الضمير الثاني المنصوب؛ لأنه مرتبط بعنصر آخر من عناصر الجملة، لا ينفك عنه، ومن هذا أيضًا يؤخذ أن الضمير المرفوع كلمة، وأن المنصوب جزء من كلمة. ويمكن من ناحية اختبار إمكان الحشو في الجملة، أن نرى مسلك الضمير في حالاته المختلفة في جملة مثل: "كان المسلمون في القرن التاسع الميلادي، هم أصحاب أكبر ملك الدنيا" بإضافة ضمير الرفع، مع وجود الفاعل في الجملة، فالضمير هنا أمكن حشوه في الجملة، ولكن هل يمكن أن نضيف الضمير المنصوب في جملة مثل، "خاف العالم في القرن التاسع الميلادي المسلمين أصحاب أكبر ملك في الدنيا"، فتجعل الضمير بين كلمتي المسلمين وأصحاب؟ الجواب لا، طبعًا، ومن هذا يؤخذ أيضا أن ضمير الرفع كلمة، وأن ضمير النصب جزء من كلمة، ولو اتحد الشكل. وأما من ناحية تغيير الموقع في السياق، فإن جملة مثل: "هم السادة الأخيار"، يمكن أن يتغير فيها موقع "هم"، فتصير "السادة الأخيار هم"، ولكننا إذا قلنا: "منهم السادة الأخيار"، ثم أردنا تغيير موقع الضمير وحده، كما فعلنا أولا، فلن نستطيع؛ لأن ما يمكن هنا أحد شيئين:

стр. 242

١- أن تغير موقع حرف الجر تبعا لتغيير موقع الضمير، وهذا ينفي أن يكون الضمير كلمة مستقلة. ٢- وأن تغير موقع الضمير فحسب، وذلك يغير المعنى المقصود؛ لأن الجملة حينئذ تصير: "من السادة الأخيار هم"، وهذا يغاير معنى الجملة الأولى، ويؤخذ من هذا أيضًا أن هم "ضمير الرفع" كلمة مستقلة، وليس كذلك ضمير النصب. وأما من جهة الإبدال في السياق، فدعنا نختبر مسلك الضمير في جملة مثل: "المسلمون أخيار؛ بل هم خير أمة أخرجت للناس"، وحيث يمكن أن نستبدل المسلمين بالضمير، فتصير الجملة في صورتها الجديدة: "المسلمون أخيار؛ بل المسلمون خير أمة أخرجت للناس". ولكن ذلك لا يحدث في حالتي النصب والجر، قارن مثلًا: "يقع بيت محمد على شاطئ النيل"، بجملة أخرى هي: "يقع بيته على شاطئ النيل"، وستجد كلمة "بيت"، وكلمة "محمد"، مستقلتين في الجملة الأولى، وتجد ما سد مسدهما كلمة واحدة في الجملة الثانية، هي"بيته"، ومن هذا نستطيع أن نقول: إن "محمدا" كلمة بمفردها، وإن ضمير الجر المضاف إلى البيت في الجملة الثانية جزء من كلمة "بيته"، واستقلال محمد هنا كاستقلال ضمير الرفع في الجملة السابقة. ومن العلامات التي تدل على الموقع في اللغة العربية واو العطف؛ فهي دائما فاصلة بين كلمتين، أي أنها دليل على نهاية كلمة سابقة، وبدء كلمة لاحقة، فتقف حدًا معينا لطرفي الكلمتين، لا يمكن أن يخطئ فيه السامع، فإذا علمنا ذلك اتضح لنا أن "هم" في "نحن وهم" كلمة مستقلة، وليست كذلك في "لنا ولهم"؛ لأننا لا نقول: "لنا وهم". يتضح من هذا جميعه أن الضمير المنفصل كلمة مستقلة، كالاسم الصريح سواء بسواء، وأن الضمير المتصل جزء من كلمة، ويمكن توضيح ذلك بالجدول الآتي:

стр. 243

ضمائر متصلة: ويمكن تطبيق هذه الأسس الستة في تحديد كلمة عربية، لمعرفة أين تبدأ وأين تنتهي، ولم يكن واضعوا الكتابة العربية مخطئين، حين فرقوا عمدا في الشكل الكتابي بين اللفظين المتجانسين في البيتين: كلكم قد أخذ الجا ... م ولا جام لنا ما الذي ضر مدير الـ ... جام لو جاملنا فإن وراء الفصل في الحالة الأولى، والوصل في الحالة الثانية، نظرية لغوية لها وزنها وخطرها، لا من الناحية المعجمية فحسب، بل من نواح أخرى كثيرة، نحوية، وصرفية، وتشكيلية، وأصواتية ليس هنا محل لذكرها. وبعد فما الكلمة العربية التي يدور حولها نشاط المعاجم؟ لست أريد القارئ

стр. 244

أن يتوقع مني التعريف التقليدي: "الكلمة لفظ مفرد"؛ لأني قد نقدته، ولا أدري أن كانت قد نقضته أيضا، ولست أريد أن يتوقع التقسيم التقليدي: "الكملة اسم، وفعل، وحرف"، ليحل محل التعريف المنقود؛ لأن هذا التقسيم لا يحل المشكلة من الناحية المعجمية من جهة، وقاصر عن أن يشمل جميع أقسام الكلام العربي، كما رأينا منذ قليل، فالتعريف الذي أريد أن أسوقه إذا تعريف يتصل بوظيفة الكلمة، أكثر مما يتصل بتقسيمها، وسوف لا أبني هذا التعريف على الشكل الإملائي العربي؛ لأن الإملاء العربي نظام لغوي قائم بذاته كالنحو، والصرف، والمعجم؛ ولأن العرف قد وضعه بشكله المعين، دون رجوع شامل إلى مقتضيات الدراسات اللغوية التي ترتبط به؛ حتى إنك لتجد جملة بأكملها متصلة في الكتابة، نحو: "سنستقبلهم"، وتجد كلمة واحة يستقل كل رمز منها عن الآخر، نحو "داود"، و"وزارة". فالكلمة العربية في تعريفها "صيغة ذات وظيفة لغوية معينة في تركيب الجملة، تقوم بدور وحدة من وحدات المعجم، وتصلح لأن تفرد، أو تحذف، أو تحشى، أو يغير موضعها، أو يستبدل بها غيرها، وفي السياق، وترجع في مادتها غالبًا إلى أصول ثلاثة، وقد تلحق بها زوائد".

стр. 245

" ما المعجم ؟ ": بعد أن شرحنا الكلمة وعرفناها، ووصفنا كيف يكشف عن حدودها في السياق، يلزمنا بعد ذلك أن نقرر ماهية المنهج الذي يتخذها مادة له، ويدور حولها شرحًا، وتحليلا تاريخيًا، بطريقة تختلف عن طريقتي النحو والصرف. والواقع أن الدراسات اللغوية، كلها تركز اهتمامها على المعنى، ويأخذ المعنى في الأصوات صورة القيم الخلافية بين الصوت والصوت، وفي التشكيل صورة هذه القيم بين الحرف والحرف، وبين المقطع والمقطع، وبين النبر والنبر، وبين النغمة والنغمة، وإما في الصرف، فيبدو في صورتها بين الصيغة الصيغة، وفي النحو

стр. 246

بين الباب والباب أما في المعجم، فالأمر مختلف؛ لأن المعنى المعجمي قلما يتم بيانه على نمط سلبي، وإنما يشرح دائمًا بطريقة إيجابية. ويعترف سويت١ ويسبرسن٢: بالحد الفاصل بين الجراماطيقا والمعجم، حيث يدعيان أن الجرماطيقا تعالج الحقائق اللغوية العامة، على حين يتناول المعجم الحقائق الخاصة، فكلمة "Cat" تدل على الحيوان المعين، وهي لهذا حقيقة خاصة بهذا الحيوان، ولكن تكوين الجمع بإضافة "s" إلى هذه الكلمة حقيقة عامة في اللغة، ولا تخصها وحدها، وإنما تتناول جمهرة الكلمات الأخرى التي تعامل نفس المعاملة، فإذا خطرت ظاهرة جمع بغير هذه الإضافة، كما هي "Oxen"، فهناك ما يبرر أن يتم علاجها في المنهجين معًا، منهج الجراماطيقا ومنهج المعجم، وإلا ضل المطلع على أحد المنهجين دون الآخر، فاستعمل في الجمع كلمة Oxes قياسًا على غيرها. والصيغ العددية التي تدرس في النحو، يجب أن تدخل في مجال المعجم أيضًا، بما فيها من مشتقات، كثالث ورابع، والأدوات كذلك تدرس على المنهجين كليهما، ولكل أداة مكان في المعجم، لا يقل عن مكان "كان"، و"ظل"، و"ظن"، وما يسمونه النواسخ في النحو، ولهذا جميعه يقول سويت، كما يقول بسبرسن: إن المعجم والجراماطيقا متداخلان. والمعجم والجراماطيقا في الحقيقة متكاملان، بمعنى أنهما طريقتان لتناول المعنى من وجهتي نظر مختلفتين؛ فالمعجم قمة الجراماطيقا، وتاجها، وكثير مما نسميه "فسيولوجيا الأصوات"، يقع خارج نطاق اللغة، ولكن المرء حين يقارن كلمتي "راح" "ولاح"، يركز اهتمامه على القيمة الخلافية بين الكلمتين، وهي تتمثل في الفرق بين صوتي الراء واللام: فهذه دراسة للمعنى من وجهة النظر الأصواتية. فجزء معنى "راح"، أنها ليست "لاح"، ولا "ناح"، ولا "فاح"، ولا "ساح" وهلم جرا، وهذا هو الجزء السلبي الخلافي من المعنى، فإذا استطعت

стр. 247

أن تقول: إن هذه الكلمة اسم أو فعل أو ضمير أو حرف، فقد اكتشفت أحد عناصر الوضوح الصرفي، والنحو أكثر الدراسات الجراماطيقية أهمية؛ لأنه يدرس الكلام التام كوحدة مترابطة، فإذا انتهت الدراسات الجراماطيقية للمعنى، بدأت دراسة المعجم للكلمة، وعند نهايتها تبدأ دراسة المعنى الدلالي الاجتماعي، في ماجرياته الخاصة، ومعنى ذلك أن المعجم يقنع بدراسة المعنى من جهة، والتحديد الجراماطيقي من جهة أخرى، تاركا دراسة المعنى باعتباره نظرية فلسفية للإبستيمولوجيا "Epistemology". والملاحظات الخاصة التي يجب مراعاتها عن كتابة المعجم، هي نفس الأهداف التي من أجلها يكتب المعجم، فنحن نتوقع أن نتعلم من المعجم أمورًا خاصة بالكلمة المرادة، ويمكن تلخيص هذه الأمور فيما يأتي. ١- الهجاء: كلنا يعلم أن أبجديات اللغات المختلفة، قد وضعت لتعطي صورا بصرية للكلمات، تقوم مقام الصورة السمعية، عند تعذر الإسماع، ونحن نعلم كذلك أن التهجي، في كثير من الحالات، لا يراعي تمثيل أصوات الكلمة، ولا وحداتها الصوتية التي نسميها الحروف؛ ولذلك نجد المعجم مكانا طبيعيا للنظر في هجاء الكلمة، لنرى ما إذا كانت همزتها مفردة، أو على أحد حروف اللين الثلاثة، ولنرى ما إذا كانت الألف محذوفة، كما في "الرحمن"، "والله"، وما إذا كان اسم الألف اللينة في آخر الكلمة واوا، أو ياء، وهلم جرا. ٢- النطق: أما نطق الكلمات، فيجب أن يدون بالكتاب الأصواتية، التي تستخدم رمزًا معينا لكل صوت، وقد وضع علماء الأصوات في بعض اللغات معاجم خاصة بنطق الكلمات فحسب١، والناظر في معجم أوكسفورد للغة الإنجليزية، يجد الكلمة متبوعة بطريقة نطقها، أما واضعوا المعاجم العربية، فقد كانوا يعمدون.

стр. 248

إلى الطريقة أخرى في الضبط، ولا تبلغ من الدقة مبلغ الكتابة الأصواتية، تلك الطريقة هي ذكر الحركات في الكلمة؛ فكانوا يقولون مثلا في "هزبر": هي بكسر، ففتح، فسكون، وهلم جرا، ولقد كانت هذه الطريقة العربية، تهدف إلى تحديد الحروف، لا إلى تحديد الأصوات، ولذلك لا يمكن أن نسميها بيانا للنطق. ٣- التحديد الجراماطيقي: سيقول لك المعجم بعد ذكر الكلمة ما إذا كانت هذه الكلمة اسما، أو فعلا أو غير ذلك، فإذا كانت الكلمة محايدا صرفيا -كما ذكرنا حين الكلام عن التوزيع الصرفي- فعلى واضع القاموس، أن يخالف بين مداخلها المختلفة، فيخصص -مثلا- لكلمة "قاتل" باعتبارها فعل أمر، مدخلا خاصا غير مدخلها باعتبارها اسم فاعل، ولقد جرت عادة المعاجم العربية على أن تخصص مدخلا لكل مادة، لا لكل صيغة، ولعل ذلك هو الذي جعل عدد الكلمات في المعجم العربي أقل منها في المعاجم الأجنبية، التي تعالج كل صيغة، بمدخل خاص بها، والمعروف أن المادة أعم من الصيغة، وأنها قد تحتوي على عدد كبير من الصيغ. ٤- الشرح: ويشتمل ذلك على أمرين: ١- الأشكال المختلفة للكلمة، سواء أكانت هذه الأشكال متعددة من وجهة النظر السنكرونية الأفقية، أي في مرحلة معينة، من مراحل اللغة، بأن توجد الأشكال المختلفة لها جنبا إلى جنب في زمن واحد، أو كانت من وجهة النظر الدياكرونية الرأسية، أي في المراحل التاريخية المتعاقبة، بأن تقول: إن هذه الكلمة كانت في القرن الفلاني كذا، وأصبحت فيما بعد كذا، ثم آلت إلى كذا، وهذا ما يعرف بالإبتمولوجيا "Etymology"، وتلك الناحية الإيتيمولوجية هي الميزة التي امتاز بها معجم أوكسفورد، واستخدمها على نطاق واسع، وسماها وجهة النظر التاريخة١، وليس في اللغة العربية إلى الوقت الحاضر أثر لمثل هذه الدراسات،

стр. 249

على نفعها وقيمتها في دراسة المفردات، وتواريخ النصوص، ولعل المستقبل كفيل بسد هذا النقص. ب- تقسيم المادة بحسب تعدد المداخل الفرعية فيها، والاستشهاد على كل مدخل، مع الإتيان بتحديد صرفي لكل قسم فرعي، فيتم ذلك مثلا، كما يأتي: يقول صاحب القاموس١، في شرح مادة "ردح"، ما يأتي: "ردح" البيت كمنع وأردحه أدخل شقه في مؤخره، أو كاثف عليه الطين، والردحة -بالضم سترة في مؤخرة البيت، أو قطعة تزاد في البيت، وكسحاب الثقيلة الأوراك، والجفنة العظيمة، والكتيبة الثقيلة الجرارة، والدوحة الواسعة، والجمل المثقل حملا، والمخصب؛ ومن الكباش الضخم الإلية؛ ومن الفتن الثقيلة العظيمة جمع رُدُحٌ، ومنه قول علي ﵁: "إن من ورائكم أمورًا متماحلة ردحًا" ويروى رُدَّحًا، والرُّدْحُ الوجع الخفيف، والردحى -بالضم- يقال القرى ولك عنه ردحة -بالضم- ومرتدح أي سعة. والرادحة بيت يبنى للضبع، ويقال: ما صنعت فلانة؟ فيقال: سدحت، وردحت؛ سدحت أكثرت من الولد، وردحت ثبتت وتمكنت، وكذلك الرجل إذا أصاب حاجته، والمرأة إذا حظيت عنده، وأقام ردحا من الدهر -أي طويلا، وسموا رديحا كزبير وفرحان". ولو ترك لي أن أرتب هذه المادة بحسب المقتضيات المعجمية المذكورة، لخصصت الصيغ الآتية كلا بمدخلها الخاص: رَدَحٌ - أردحه الردحة - رداح - ردح - الردح - الردحى - ردحة - مرتدح - الرادحة ردحت - رديح - ردحان. ولكنا على أن أستشهد -من النصوص العربية، كلما أمكن ذلك -على استعمال كل صيغة من هذه الصيغ في مدخلها، وأن آتي لها بتحديد صرفي، وأن

стр. 250

أو فيها حقها من كل ما يتطلبه المطلع على القاموس من شرحها، كما بينته فوق هذا الكلام. لقد كان الصينيون أول واضعي المعاجم في العالم، وكان ذلك قبل المسيح بقرون عديدة، ومما يثير العجب أنهم، وقد وضعوا معاجمهم على أساس أشكال الرمز الصينية، جاء جمعم للقاموس موضوعيا إلى حد كبير، فكان المعجم عندهم أسبق من الجراماطيقا، ولقد كانت الكلمات دائما من نتائج الوضع والتعارف، فهي بطاقات وضعها الإنسان، ليلصق كلا منها بحقيبة من حقائب المدلولات، أما في أوربا المسيحية، فقد كانت الكلمة موضع عناية من الناحية الدينية؛ لأن عيسى ﵇ "كلمة الله"، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ، ومن هنا لقيت الكلمة بعثها في الكنيسة، وأصبحت الدعاية التي قامت بها الكنيسة Propaganda fide مسئولة عن كثير من المعاجم في لغات متنوعة. يقول صاحب المذهر١: "أول من صنف في جمع اللغة الخليل بن أحمد؛ ألفت في ذلك كتاب العين المشهور، على أن نسبة هذا الكتاب إلى الخليل موضع شك عند بعض النحاة، ويشك بعضهم في وضعه ما بعد الغين من الكتاب، وينسبه إلى الليث بن نصر بن سيار الخراساني، وترتيب كتاب العين قصد به أن يكون على حسب مخارج الأصوات العربية، وقد كان الخليل يرى أن العين أقصى هذه الأصوات مخرجا، وهذا خطأ بالطبع؛ لأن أقصى الأصوات مخرجا أصوات الهمزة والهاء، قال صاحب المزهر٢: "وقال ابن جني في الخصائص: أما كتاب العين ففيه من التخليط، والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل، فضلا عنه نفسه، ولا محالة أن هذا التخليط لحق هذا الكتاب من غيره، فإن كان للخليل فيه علم، فلعله أومأ إلى عمل هذا الكتاب إيماء، ولم يله بنفسه، ولا قدره، ولا حرره".
следующие страницы →