← Язык

Язык · id 11540

مناهج البحث في اللغة

تمام حسان

Полный текст (289 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم: جيلنا هذا الذي نعيش فيه، من أقل الأجيال المصرية حظا من الدعة والراحة والطمأنينة؛ لأن المرحلة التاريخية التي يمر بها هذا الجيل، تتطلب منه أقصى غايات اليقظة، ومنتهى آماد الجهد، لقد عاشت مصر قرونا طويلة في ظل الاستعباد، والخوف، والجهل، وفقدان الثقة بالنفس، فكانت الأجيال التي عاشت في هذه القرون تألف الاستعباد فلا تتعلق بالحرية، وترضخ للخوف فتعزف عن التعبير، ويغمرها الجهل فلا تبتكر في العلم، وتعوزها الثقة بالنفس فلا تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. ذلك الطابع السلبي في الحياة المصرية، كان صفة غالبة في كل مجالات النشاط الفردي والاجتماعي؛ فقد المصري الاعتداد بالنفس في السياسة، فساسه كل طامع حتى المماليك، وفقد اعتداده بنفسه في العلم، فرضي بالقابلية دون الفاعلية: القابلية التي تقنع من المجهود العلمي بترديد آراء السلف، دون الإضافة إليها، والفاعلية المنتجة التي لا يستغنى عنها شعب يريد الحياة لنفسه، وفقد الاعتداد بالنفس في الحرب، فأصبحت جيوش مصر من غير أبناء مصر، وفقد الاعتداد بالشعب، فلم تقم في مصر ثورة واحدة، ذات خطر طوال هذه الآماد الطويلة، التي مرت على مصر المستعبدة الخاضعة. ثم هبت على مصر ريح جديدة شعبية وطنية، فنفخت في الصور، وهب الراقدون من موتهم حيارى في هذا الفزع الأكبر، لا يدرون أي طريق يسلكون ولا أي سبيل يقودهم إلى النجاة والفلاح، وتشعبت المسالك أمام الشعب بعد أن تثاءب، وتمطي ونفض عن نفسه غبار الموت، فوجد أمامه طريقا في الماضي يقوده إلى التراث العربي الخصب، ورأى أنه لو بعث هذا التراث، وأحياه لكان دافعا

стр. 2

لعزة جديدة لا تقل روعة عن التاريخ العربي نفسه، ووجد أمامه طريقًا في المستقبل، معالمه ما في أيدي الأمم من علوم، ومعارف يمكن أن ترقى بمصر إلى مستوى هذه الأمم ذات العلوم والمعارف، ثم رأى أنه لو سلك الطريق الأول فحسب، لا نقطع به التاريخ عن الحياة، ولو سلك الثاني فحسب لانقطعت به الحياة عن التاريخ، ففضل أن يأخذ بنصيب من التراث العربي يوحى إليه بالاعتزاز، ونصيب من الثقافة المعاصرة يمنحه العزة. إذًا فجيلنا الحاضر نهب بين الشرق والغرب، لا في الثقافة وحدها، وإنما هو كذلك في العادات وطرق المعيشة، وهذه النفس الموزعة بين الشرق، والغرب لا بد أن تكون نفسا قلقة غير ذات استقرار، حائرة تتطلب الهدى، وطموحة تتطلب وحدة الهدف ووضوحه، فإذا أضفنا إلى هذا العنصر من عناصر الحيرة والاضطراب، والقلق أن المقادير قد ألقت على كاهل جيلنا هذا، أخطر تبعة تلقى على الأجيال، ألا وهي تبعة البناء من الأنقاض، وتمهيد الطريق، ووضع معالمه للأجيال القادمة؛ تبين لنا مقدار خطورة هذا الجيل في التاريخ المصري الحديث. ولست بحاجة إلى أن أنبه إلى أن هذا الجيل أهل للقيام بهذه التبعات، فلقد هدم نظاما كان ثابتا كالطود، وأقام مكانه نظاما أثبت، وأقوى وأصلح، وجيلنا هذا هو الذي هاجم الجدب في الصحراء، والفساد في المجتمع، والرشوة في الحكم، والكسل في العمل، والتسويف في الإصلاح، والبلادة في الضمائر، وسيصل بعون الله إلى نتيجة باهرة لكل هجمة من هذه الهجمات. نحن إذا في تطور يجب أن يشمل كل مرافق حياتنا، من سياسية إلى علمية إلى اقتصادية إلى حربية إلى اجتماعية إلى غير ذلك، وواجب المصري من هذا الجيل ألا يقنع بما هو كائن، وأن يفكر تفكيرا مضنيا فيما يجب أن يكون، وهذا هو المعنى الذي حفزني إلى أن أحاول هذه المحاولة في تجديد مناهج البحث في اللغة بفروعها المختلفة، وهي محاولة أترك الحكم عليها للقارئ. ولست أريد أن أنهي القول في هذا التقديم، دون أن أنبه إلى بضع ملاحظات هامة، أولاها اعتذاري عما في هذا الكتاب من أخطاء مطبعية لم آل رغبة في

стр. 3

تجنبها، ولكن الكمال لله وحده، وسيجد القارئ قائمة بتصحيح هذه الأخطاء، فهو مرجو أن يطلع عليها، وأن يثبت كل تصويب منها في موضعه قبل البدء في القراءة. وثانيتها أنني قد حددت الرموز الأصواتية المستخدمة في دراسة اللغة العربية الفصحى بين صفحتي ٦، ١٣، ولست بحاجة إلى تحديد الرموز الأصواتية للكلمات الإنجليزية، التي وردت في منهج الدلالة؛ لأن كل مثال منها قد صاحبته كتابة الكلمة المرادة بالهجاء العادي، وهذا الهجاء يعين المراد بالكتابة الأصواتية، وقد وردت كلمات من لهجات الكرنك، وعدن والقاهرة في أثناء شرح منهج الأصوات، وكان لا بد من كتابتها بالرموز الأصواتية لهذه اللهجات، ولكن المطبعة العربية فقيرة في هذه الرموز، ولذلك عمدت إلى ما في يدي منها فعلا، فحاولت اسغلاله في كتابة هذه الكلمات، وأظن القارئ سيجد تباينا بين استخدام هذه الرموز من لهجة إلى أخرى، وهو تباين يقتضيه اختلاف النطق بين هذه اللهجات. وأخيرا أرجو مخلصا أن تكون هذه المحاولة فاتحة محاولات أخرى في دراسة لهجاتنا العامية من جميع نواحيها، ومحاولات في التوسع في دراسة اللغة العربية الفصحى، بطرق البحث الجديدة الموضحة في هذا الكتاب، والله أسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل، إنه نعم المولى، ونعم النصير. تمام حسان.

стр. 4

مقدمة الحاجة إلى منهج للغة: اللغة أخطر الظواهر الاجتماعية الإنسانية على الإطلاق، وكل تقدم اجتماعي كتب له الكمال إنما تم لوجود اللغة، تصو طائفة من الناس مجتمعة على عمل معين، لا يتم إلا بالتعاون بين أفراد هذه الطائفة؛ فذا التعاون يقتضي توزيعا للعمل بحيث يكون لكل فرد دوره الخاص الذي يقوم به، وبحيث يكون بعض الأفراد موجها، ورئيسا وبعضهم موجها ومرءوسا، وبحيث يلزم أن يتم اتصال من نوع معين بين الرئيس، والمرءوس لصالح العمل، ثم ابحث في خيالك وسوف لا تجد وسيلة للاتصال أنجح في هذا الباب من اللغة، وخير مثال لذلك العمل القائم الآن في كهربة خزان أسوان، والانسجام المطلق في العمل بين عمال المصانع، والتنظيم الدقيق للجهاز الحكومي؛ فكل أولئك أمثلة تتجلى فيها أهمية اللغة، كوسيلة من وسائل الاجتماع، وكأداة من أدوات تنسيق الجهود الفردية، ومزجها في مجهود جمعي عام. واللغة أخطر رابطة تاريخية، تربط بين الأجيال المختلفة من الشعب الواحد رباطا، يجعل وحدة هذه الأجيال حقيقة ملموسة على رغم اختلاف العصور، ذلك بأن اللغة وعاء التجارب الشعبية والعادات، والتقاليد والعقائد التي تتوارثها الجيال واحدا بعد الآخر، فصفة الاستمرار لكل هذا لا تأتي إلا عن طريق اللغة، تورث معها، وتبقى ببقاء ما يدل عليها من المفردات والتراكيب، وإحساس الخلف بجهة شركة لغوية بينه، وبين السلف كفيل بخلق إحساس بالوحدة الشعبية بينه وبينه. منذا الذي يستطيع الآن في أي بلد عربي أن يقطع بعروبته الخالصة؟ وهل يستطيع الكثيرون أن يقطعوا بأنهم عرب في أنسابهم، ودمائهم؟ الواقع أن لبعض العرب الآن من العلم بتاريخ عائلته، ما يدعوه إلى الحزم بأنه غير عربي النسب، ولكنه مع ذلك يحس بعروبته، كما يحس صريح العروبة أو أكثر، لماذا؟ لأن العربية لسان

стр. 5

كما ورد في الحديث؛ ولأن رابطة اللغة أقوى من أي رابطة اجتماعية أخرى، حتى إنها لتجعل المعاصرين من المصريين والعراقيين، والسوريين والتونسيين يفخرون في وقتنا هذا بمن غزا مصر والعراق، وسوريا وتونس في التاريخ العربي القديم؛ لأنهم يشعرون أن هؤلاء الغزاة من أسلافهم، وإن لم يكونوا كذلك من جهة النسب. واللغة سلاح من أقوى الأسلحة النفسية، للسيطرة على الأفكار والأشياء. وما أمر الدعاية بالخطب والإعلانات بالأمر الهين، وفي الانتخابات النيابية والمحاكمة، غالبا ما يكون الجانب الظافر أقدر الجانبين على استخدام سلاح اللغة، ويغشى المصلون من المساجد، ما تمتع بإمام مجيد لاستخدام هذا السلاح. وقد كانت القدرة على الخطابة في بعض الأحيان، سببا من أسباب الاختيار لعضوية مجلس الوزراء، وليس السحر وأثره على النفوس والأشياء بما يمكن إغفاله في هذا المقام، وحسبنا أنه يفرق بين المرء وزوجه، وأنه يجعل العصا حية تسعى، وكثيرا ما تكون الكلمة ملزمة، كما لو كانت قوة مجبرة، والهزل في نظر الفقه يوقع الطلاق والعتق، والتوقيع على ورقة قد يكون سببا في شقاء أو سعادة، وقد يحول مستقبل شخص ما إلى طريق غير الذي كان يسير فيه. والدعاء يستنزل رحمة السماء أو غضبها، ولقد كان السب في الذات الملكية -وما هو إلا حركات من حركات اللسان- كافيا لإيداع الشاتم في السجن مدة قد تطول أو تقصر، وما كان الشاتم لينزل هذا المنزل الخشن لولا حركات لغوية مماثلة تجري على لسان القاضي، ومن الناس من يشتري السلعة دون حاجة إليها؛ لأن البائع قد نجح في إقناعه بفائدة الصفقة، وتؤثر بلاغة اللغة وجودة الغناء بها في نفوسنا، حتى لنخرج عن المزاج المنقبض إلى المزاج المرح المنبسط. وقد تتصرف ونحن تحت هذا التأثير تصرفا، لا يسهل علينا لو لم نكن تحت تأثير اللغة. وقديما قالوا: الناس أعداء ما جهلوا. وإنك لترى الشخص الذي لا تعرفه وتجلس معه جنبا إلى جنب في القطار، فلا يهمك من أمر شيء، ولو لقي شدة وهو في حالة هذه لما دفعك دافع على التضحية من أجله، ولكنه إذا كان قد سبق فقدم نفسه إليك، وتحدث معك بعض الوقت، فقد يكون ذلك سببا كافيا من أسباب

стр. 6

اهتمامك له، والبذل من أجله لتخلصه من هذه الشدة، وإنك لتقابل الشخص تعرفه وليس بينك وبينه صادقة، فيتوقف استمراره الصلة على بضع كلمات آلية ترددانها مثل صباح الخير، أو السلام عليكم، أو كيف الحال؟ تقولانها وأنتما لا تقصدان منها غير العمل في إنهاء الموقف، دون إضرار بالمعرفة السابقة، وإذا كان الناس أعداء ما جهلوا، فإن أكثر الأمم جلبا للأصدقاء، هي تلك التي تعمل على تعريف الأمم الأخرى بها، سواء في ماضيها أو في حاضرها، أو في آمالها الطموحة إلى المستقبل، فإذا كانت اللغة خير وسيلة لهذا التعريف، فما أخطر اللغة إذا! لأن الأمة تستطيع أن تكسب الأصدقاء لنفسها، إذا عملت على أن يكثر عدد العالمين بلغتها من الأجانب، وكل أجنبي يتعلم لغتك مكسب لك؛ لأنه يجد نفسه أكثر استعدادا للشعور، كما تشعر والتفكير كما تفكر، ويعطف على آمالك وآلامك التي تعلمها من قراءة لغتك، والكلام بها. فطن الأوربيون إلى ذلك منذ زمن بعيد؛ فأنشأوا مدارس لهم في البلاد الأجنبية تعلم لغاتهم؛ فكانت لغاتهم أول سلاح من أسلحة السيطرة على البلاد، التي استعمروها؛ لأن اللغة كانت القنطرة، التي عبرت عليها المسيحية من عقل الأوروبي إلى قلب الأفريقي والأسيوي، كما كان الإسلام من قبل يسير جنبا إلى جنب مع اللغة العربية، ولعل المجلس البريطاني قد كسب لانجلترا من الأصدقاء، ما لم تحلم به سفاراتها وبعثاتها السياسية. فإذا كان للغة هذا الخطر على نفس المواطنين، والجانب فحري بدراستها أن تكون محل عناية، وموضع اهتمام، ولقد حاربنا المستعمرون قديما بأن غرسوا في نفوسنا احتقار اللغة العربية؛ فأفقدونا ثقتنا بأنفسنا وبتاريخنا ومستقبلنا، وأصبح الكلام بلغتنا موضع تندر، وتكلمت الأسرات العريقة إحدى اللغات الأجنبية تركية كانت، أم فرنسية أم غير ذلك، وولغ الناس في سمعة مدرس اللغة العربية، كما يعتدون على سمعة كل طائفة قليلة الدخل، ولحقت عدوى احتقار اللغة طائفة المحامين في مبدأ نشأتها، ولا تزال تلحق طائفة المسرحيين من الممثلين في بعض الأوساط، ولكن وزارة المعارف قد عملت في ربع قرن على أن تداوي بعض

стр. 7

هذه الأدواء، وعلى رفع مستوى اللغة العربية من الناحية النفسية، ففخر الناس بها، وتكلموها، وأعطوها حظا أكبر من العناية، ولكن وزارة المعارف -برغم رفعها مستوى اللغة العربية من الناحية النفسية- خضعت للظروف السياسية، فهبطت بمستوى اللغة من الناحية الدراسية، ونتج عن ذلك أن انخفض المستوى التعليمي العام؛ لأن اللغة وهي أكبر وسيلة من وسائل التعليم، ترتفع بمستوى التعليم إذا ارتفع مستواها، وتنخفض به إذا انخفض مستواها. وعلى هذه الدعوى الأخيرة، أريد أن أبني دعوى أخرى، هي أن خير التلميذين تقبلا للعلم أكثرهما معرفة باللغة التي يتعلم بها؛ وأكثر اللغتين جلبا لأصدقاء الأمة من الأجانب، تلك التي تسهل دراستها، وتقوم على منهج مقبول. ولقد منيت الدراسات اللغوية العربية مدة طويلة بسمعة الصعوبة، وأحيانا بسمعة التعقيد، يشهد بذلك تلاميذ المدارس من جهة؛ وهؤلاء الذين لم يتخصصوا في اللغة من جهة أخرى، والجانب المستشرقون من جهة ثالثة، ولعل نعت الدراسات العربية هذه النعوت، إنما جاءها لعدم التجديد في منهجها؛ فما ورثناه عن آبائنا من خلط في التفكير اللغوي، لا يزال كما هو لسببين: أولهما الاعتقاد بأن الأوائل قد أتوا بما لا يمكن أن يزيد عليه الأواخر، "وتلك نظرة جعلت الأتراك في مرحلة من المراحل يقفلون باب الاجتهاد، أو بعبارة أخرى يحرمون البحث العلمي تحريما تاما"، والسبب الثاني ضيق النظرة إلى اللغة العربية، واعتبارها مرتبطة بالقرآن احتراما أو امتهانا، وقد أدى ذلك إلى قطع الصلة بينها وبين اللهجات العربية الأخرى القديمة والمعاصرة، وإلى تحريم الترخيص بالإضافة إلى محصولها، حتى إن بعضهم ليلزم استعمال ما جاء في المعاجم فحسب، ولا يسمح للوليد من الكلمات أن يدخل حظيرة الاستعمال اللغوي. ولم يعدم العالم العربي في مختلف العصور، من يدعو إلى التجديد في منهج الدراسات اللغوية؛ ولعل أول محاولة لها خطرها في هذا الباب، هي محاولة ابن مضاء الأندلسي الظاهري المذهب، الذي دعا إلى اعتبار ما هو مستعمل فحسب من سيغ اللغة، دون الحاجة إلى التقدير والتعليل، وقد كثرت هذه المحاولات في العصر الحديث؛

стр. 8

حتى إن بعض هذه المحاولات، جاءت من أكثر الهيئات الثقافية محافظة على القديم وغيرة عليه، ألا وهي الأزهر، على أن هذه المحاولات قامت دائما على الذكاء، والاجتهاد الشخصيين ولم تقم على فلسفة لها عمقها في فهم اللغة. ولست أدعي لنفسي قسطا من الذكاء الشخصي، أكبر من حظ هؤلاء الذين قاموا بهذه المحاولات، بل إنني لا أسمح لنفسي -وهم أساتذتي الأجلاء- أن أساوي ذكائي بذكائهم الذي أشهد لهم به، ولكنني لا أستطيع أن أغمط حق النظرية، التي بنيت عليها هذه الدراسة، وهي نظرية جاءت نتيجة تجارب القرون في الغرب، فهيكلها غربي، وتطبيقها على اللغة العربية هو القسط الذي أنا مسئول عنه في هذا الكتاب. ولقد جئت في هذا الكتاب بشرح مناهج الفروع الرئيسية في الدراسات اللغوية، وكم كنت أود أن يتسع الزمان، والمكان لدراسة فصول ثلاثة أخرى هي: ١- التركيب والتحليل في اللغة. ٢- المستوى الصوابي والمجتمع اللغوي. ٣- الأبجدية "وظيفتها وتاريخها وإصلاحها"، ولعل المستقبل كفيل بأن أخصص لهذه الفصول الثلاثة مجلدا مستقلا، أقوم فيه على شرحها. ويقوم تطبيق النظرية في هذا الكتاب على اللغة العربية الفصحى أولا، وقبل كل شيء، وحين يقضي المقام بالتمثيل من اللهجات العامية، يجد القارئ أن معظم الأمثلة، قد جاءت من لهجة الكرنك بمديرية قنا، وقد درستها لرسالتي التي حصلت بها على الماجستير من جامعة لندن، ولهجة عدن في جنوب بلاد العرب، وقد حصلت بدراستها على الدكتوراه من نفس الجامعة، فأما ما عدا ذلك من ذكر لهجات أخرى، فأمثلته مقتبسة من بطون المراجع، أو من ذاكرتي السمعية. وتبدو الحاجة ملحة في أيامنا هذه إلى بناء الدراسات اللغوية على منهج له فلسفته، وتجاربه إراء للروح العلمية الخالصة من جهة، وتوفيرًا لجهود عشاق اللغة من جهة أخرى، فقارئ اللغة العربية في الوقت الحاضر، يجد نفسه أمام أمشاج من الأفكار غير المتناسبة يأتي بعضها من المنطق، وبعضها الآخر من الميتافيزيقا، وبعض ثالث من الأساطير، ورابع من الدين وهلم جرا، ومن هنا كانت الرغبة ملحة إلى تخليص منهج اللغة من هذه العدوى، حتى يسلم لقارئ اللغة نص في اللغة واللغة فحسب، غير

стр. 9

معتمد على أسس من خارجها، تلك هي الرغبة التي أملت هذا الكتاب، وستملي غيره إن شاء الله. وكم أود أن يمنح المجمع اللغوي هذا النوع من الدراسات قسطا من العناية بعد أن بدأت الجامعات في الاحتفال به، وكم أود أيضا أن يتسع صدر الجامعة، وكيسها لإنشاء معامل لهذه الدراسة في كلية دار العلوم وغيرها؛ وسوف لا يكلفها ذلك كثيرا من المال، وفي دار العلوم الآن نواة لهذا المعمل لا ننتفع بها، لعدم وجود أجزاء أخرى متكاملة معها، والله أسأل أن ينفع بهذا الكتاب؛ وأن يوفقنا إلى أن نتبعه ما وعدنا به من فصول أخرى عن اللغة، إنه سميع مجيب. المؤلف.

стр. 10

تعريف بالرموز المستعملة في هذا الكتاب: لا تكفي رموز الأبجدية العربية بنفسها للقيام بدراسة أصواتية لا للغة العربية الفصحى، ولا لأي لهجة من اللهجات العامية، ذلك؛ لأن رموز هذه الأبجدية قاصرة قصورا عظيما من وجهة نظر العلل، وقصورا أقل شأنا من وجهة نظر الصحاح. أما من جهة العلل، فلم تعن الأبجدية العربية بها لا من الناحية الأصواتية، ولا من الناحية التشكيلية؛ بل جعلت لها رموزا إضافية تابعة لرموز الصحاح، وتدل على الحرف أكثر مما تدل على الصوت، وحسبنا أن نعلم أن الفتحة القصيرة مثلا ذات أصوات ثلاثة في العربية الفصحى أحدهما مفخم، وثانيها أقل تفخيما، وثالثها مرقق ومع ذلك لم يعن واضعوا الرموز العربية بهذا؛ بل وضعوا لكل أولئك خطا يوضع فوق رمز الحرف الصحيح، قلما يستعمل في أيامنا هذه إلا في ظروف خاصة، ومواقف معينة، ولكن رموز الأبجدية العربية للصحاح، إن قصرت عن غرض هذا الكتاب، وهو الدراسة المفصلة للقيم الأصواتية في الحرف الواحد، فلن تقصر عن الأغراض العملية، التي خلقت من أجلها؛ بل إن المرء ليستطيع أن يدعي أن الأبجدية العربية، ربما كانت من أوفى النظم الكتابية في العالم بالغرض الذي وضعت له، ذلك بأنها تضع لكل حرف من حروفها رمزا كتابيا خاصا، وهو أمر لا يستطيع كثير من لغات العالم أن يفاخر به. فرق إذا بين أن نضع رموزا للأصوات، وأن نضع رموزا للحروف فالأصوات في كل لغة من لغات العالم أكثر من الحروف، ومن هنا يتحتم أن تكون رموز الأولى أكثر من رموز الثانية، وإذا كانت رموز الحروف ثابتة العدد؛ لأن عدد الحروف لا يزيد، ولا ينقص فإن رموز الأصوات ليست كذلك، وليس تغير عدد رموز الأصوات نتيجة لتغير عدد الأصوات نفسها، كما قد يبدو من سياق الكلام، فعدد الأصوات ثابت أيضا، ولكن الزيادة والنقص في هذه الرموز، إنما تأتي من إرادة واضعها أن يمثل الكثير من صفاتها، فيضع له الكثير من الرموز، أو أن يكتفي

стр. 11

بالصفات الهامة فحسب، فيضع لها رموزا أقل فأقل مايدل عليه الرمز المنفصل هو الاختلاف في المخرج، أو في الشدة والرخاوة، والتركيب والتوسط أو في الجهر والهمس؛ ولكن الباحث قد يريد أو يبين أمورا إضافية في النطق كالتفخيم والترقيق، وكالإجهار والإهماس، وكالتحليق والإطباق والتغوير وكالهمز، وكالشدة الأنفية، فيضيف إلى الرمز ما يوضح هذه الملامح الإضافية فيه، ومن هنا تكثر رموز الأصوات بحسب هذه الإضافة. ووضع الرموز اصطلاح لا أكثر ولا أقل، أي أن العلاقة بين الرمز ومدلوله علاقة اعتباطية، لا منطقية ولا طبيعية، ووضع الرمز ككل نواحي الاصطلاح بحاجة إلى الإيضاح قبل الاستعمال؛ فيوضح صاحب الاصطلاح معناه، وقيمته حتى لا يوجد حيرة القارئ في تطبيقه واستعماله، يقول شوخارت١: "للحيرة في تطبيق الاصطلاح من الأثر على البحث العلمي، ما للضباب على الملاحة، بل هي أكثر خطرا؛ لأن الناس قلما يحسون بوجودها". ومن هنا أرى لزاما علي -وعلى كل من يستعمل الاصطلاحات الجديدة على القارئ- أن نقدم بين يدي القارئ تعريفا بها، وتحديدا لها، وإنما اكتفيت في هذا المقام بتحديد الرموز؛ لأنني قد أتيت مع الاصطلاحات الأخرى، بتحديد جاء في عرض القول، وفيما يأتي إيضاح للرموز الأصواتية المستعملة في هذا الكتاب.

стр. 12

رموز الأصوات: "b": يدل هذا الرمز على صوت شفوي شديد، مجهور هو صوت الباء، وقد يرد للباء أكثر من صوت واحد من جهة التفخيم والترقيق، والإجهار، والإهماس في اللهجات العامية، ولكننا اكتفينا بهذا الرمز ليدل على كل هذه الاحتمالات، لعدم تأثيرها تأثيرًا ذا خطر على المعنى.

стр. 13

رموز الحروف ...

стр. 14

استقلال المنهج اللغوي: سوف يرى من يتتبع تاريخ الدراسات اللغوية، أن هذه الدراسات كانت جزءًا لا يتجزأ من التفكير الفلسفي القديم، وسوف يرى قارئ الفلسفة اليونانية، أن هذه الفلسفة قد افترضت اللغة اليونانية مقياسًا للغات العالم، وبنت على ذلك اعتقادات تخطئه الدراسات اللغوية الحديثة، هو أن دراسة اللغة اليونانية في تراكيبها، وطرقها صادقة على كل لغات العالم؛ إذ أن هذه اللغات تجري على مقياس اليونانية١، وهذه الدراسات اللغوية القديمة تختلط إلى حد كبير جدا بالنظريات المنطقية، والميتافيزيقية، ولقد اعتبر كتاب اللغة من الإغريق الجملة حكما منطقيا، واعتبروا طرفي الإسناد النحوي بنفس الطريقة، التي اعتبروا بها الموضوع والمحمول في المنطق، وإن من من يقرأ ما كتبه أرسطو في المقولات والعبارة، والتحليلات الأولى والثانية ليجدها مليئة بالنظرات، التي تخلط بين التفكير اللغوي، والفلسفي، خذ مثلا من كلامه في مقولة الكم: ويقال نفس الشيء عن الكلام، فمن الواضح أن الكلام ذو كمية؛ لأنه يقاس بالمقاطع الطوال والقصار، وأقصد بذلك الكلام المنطوق٢"، ويقول: في الفصل العاشر من المقولات: "إن الأزواج المتقابلة التي تنضوي تحث مقولة الإضافة تتضح بنسبة كل فرد منها إلى الآخر؛ وهذه النسبة تدل عليها علامة الإضافة، أو أي حرف آخر"، ويقول أيضًا: "إن العبارات المتقابلة من جهة الإثبات، والنفي تقع بوضوح في نطاق قسم آخر متميز؛ لأنه من الضروري في هذه الحالة، وهذه الحالة فحسب أن يكون أحد المتقابلين صحيحا، والآخر خطأ"، ويقول: "والكلمات التي تقع في عبارات متقابلة، يقع بعضها في نفس الوقت عكسًا للبعض الآخر، وتختص الكلمات بهذا أكثر مما تختص به أي مجموعة من الأمور المتقابلة". ويعرف أرسطو الاسم بأنه اللفظ، الذي لا يدخل الزمن في مدلوله، ولا يدل

стр. 15

جزء منه مستقلا عن الأجزاء الأخرى١، وهو يقول: إن الاسم لا يوصف بالصدق، أو الكذب إلا إذا أسند ويضرب لذلك مثلا بكلمة "وعل"، فهي لا توصف بأي الصفتين، إلا إذا أضيف إليها فعل، وواضح أن الصدق والكذب ليس من الدراسات اللغوية؛ وإنما هو من الدراسات المنطقية، فالنحوي يحلل العبارة الكاذبة، كما يحلل العبارة الصادقة، ولا يهمه منها إلا التحليل اللغوي، ولا يهم النحوي من قول الشاعر يزيد جمال وجهك كل يوم إن كانت هذه الشطرة صادقة أم كاذبة، وإنما يعنيه منها أن يحللها تحليلا لغويا لا أكثر ولا أقل، وتعريف الأداة في نظر أرسطو هو تعريف الاسم، إلا أنها حين يضاف إليها الفعل لا يدل معها على إسناد، والفعل ما كان الزمن من مدلولاته، ولا يدل جزء منه بمفرده، أما الجملة فهي الكلام المفيد الذي لبعض أجزائه معان مستقلة، باعتبارها ألفاظا لا اعتبارها أحكاما إيجابية"٢، فالجملة في نظر أرسطو إذا حكم منطقي، ولكنها في نظر الدراسات اللغوية الحديثة ليست كذلك، ثم يتكلم عن التقرير والنفي لا باعتبارهما من الأبواب النحوية، وإنما ينظر إليهما نظره إلى قضايا المنطق، ويقول: "وكل قضية لا بد أن تحتوي فعلا أو تعبيرا عن معنى الزمن في الفعل"٣، ويدخل بعد ذلك في الكلام عن القضايا مستغنيا به عن دراسة الجمل. فالدراسات الإغريقية على سعتها، وعمقها لم تخلق للدراسات اللغوية منهجها الخاص، ولم تفكر في اللغة إلا في ظل المنطق والميتافيزيقا، يقول يسبرسن٤ "أما بالنسبة للعقول المتأملة التي كانت لفلاسفة الإغريق، فإن المسألة التي بدت أشد ما تكون جاذبية كانت عامة وتجريدية: هل الكلمات تعبيرات طبيعية عن الأفكار التي تدل عليها، أو هي علامات عرفية اعتباطية على أفكار يمكن أن يدل عليها بأصوات أخرى، دلالة لا تقل شأنًا؟ وهذه ولا شك أفكار ميتافيزيقية مجردة، طرحتها الدراست اللغوية الحديثة لهذا؛ ولأن هذه المسألة لم تعد موضع نقاش في العصر الحديث؛ إذ هي من بديهيات الدراسات اللغوية.

стр. 16

وجاء الإسلام وله كتاب كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكان حرص المسلمين على حفظ هذا الكتاب من أن يغير، أو يبدل فيه حرصا مصحوبا بالغيرة والرغبة في العمل، ولقد كان هذا الحرص وتلك الغيرة، وما صحبهما من رغبة من الدوافع التي دفعت المسلمين، والعرب إلى خلق طائفة من الدراسات اللغوية، كالنحو والصرف والمعجم والتجويد وهلم جرا، جعلت العرب يلمعون في أفق العصور الوسطى، ويبدون بحق في مظهر القادة الفكريين في العالم، فهل خلص العرب الدراسات اللغوية من شوائب التفكير غير اللغوي بصفة عامة، والتفكير الفلسفي بصفة خاصة؟ وهل استطاعوا أن يجعلوا للمنهج اللغوي استقلاله عن مناهج العلوم الأخرى؟ ذلك سؤال سنحاول الإجابة عليه في الصفحات التالية: لقد عاصرت نشأة الدراسات اللغوية العربية نشاطا علميا ضخما في البلاد الإسلامية، شمل التدوين والسفر لطلب الروايات، والترجمة من اللغات الأجنبية ترجمة تناولت فروع المعرفة، التي تخدم الثقافة العربية، فترجموا الفلك والرياضات من الهندية، كما ترجموا عن البهلوية والسريانية واليونانية، ونشأت المدارس التي احترفت الترجمة احترافا في حران والرها، وغيرهما من بلاد الخلافة؛ فأصبحت العقلية العربية لأول مرة في احتكاك مباشر بالأمم، والديانات الأخرى ذات الثقافات المكتوبة١، وكان لا بد والحالة هذه أن يتتلمذ العرب على هذه الأمم، وأن تتأثر عقولهم بعقولها، وأن ينهجوا في نشاطهم العلمي نهجا تظهر فيه سمات اطلاعهم على تراث هذه الأمم. ولعل العرب لم يترجموا عن أمة كما ترجموا عن اليونانية، إما مباشرة أو عن طريق السريانية١، ومن المعلوم أن أرسطو كان له نصيب الأسد في الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، وأن منطقه أصبح شهيرا في البلاد الإسلامية في العصر العباسي. ولم يكن الاحتكاك بين العرب، وبين العقلية الإغريقية في ذلك العصر مقصورا على الترجمة فحسب، بل إن الصلة بين علماء المسلمين، وبين رجال الدين من المسيحيين ظلت قائمة وثيقة في هذا العهد، كما كانت من قبل، وكما استمرت من بعد كذلك، وقد

стр. 17

كان رجال الدين من المسيحيين، كما نعلم يعرفون من اللغات ما كتبت به الأناجيل، ولذلك كانوا يعرفون أكثر من لغة واحدة، وقد جمع الكثير منهم بين العربية، لغة الدولة التي يدينون لها بالطاعة، وبين الإغريقية لغة الدولة التي يدينون لها بالعطف والولاء، وقد كانت الإغريقية في ذلك العصر لغة الكنيسة الأرثوذكسية، التي كان أكثر المسيحيين في الدولة١ الإسلامية تابعا لها، وكم دارت المناظرات بين هؤلاء المسيحيين، وبين علماء الإسلام في قصور الخلفاء وفي خارجها، وكم دون المسلمون من الحجج على النصارى٢. وكم دون النصارى من الحجج على المسلمين، ولقد كانت هذه المناظرات في بدايتها من الدوافع، التي حفزت المسلمين على خلق علم الكلام، وكانت الأدلة في كل هذه المناقشات تصاغ على مثال الأقيسة الأرسطوطاليسية، وكان منطق أرسطو عند الفريقين مرجعا نافذ الحكم والقضاء. كان لا بد والحالة على ما ذكرنا، أن يظهر أثر الأفكار الأجنبية في الدراسات اللغوية عند العرب، وأن تنتقل عدوى التفكير الأرسطوطاليسي، الذي يخلط بين الدراسات اللغوية والدراسات المنطقية، والميتافيزيقية إلى اللغة العربية ودراساتها، وبالأخص دراسات أصل اللغة والدراسات النحوية. يقول ابن جني في باب القول على اللغة، وما هي٣: "أما حدها فهي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، هذا حدها، وأما اختلافها، فلما نذكره في باب القول عليها أمواضعة هي أم إلهام؟ " فالمواضعة أو التعارف والإلهام، أو التوقيف كانا عند العرب أساسين تتراوح الأفكار بينهما في الكلام عن أصل اللغة، ولقد كانت العلاقة بين الكلمة وبين مدلولها، "وهي دراسة ميتافيزيقة كالكلام في أصل اللغة"، من نصيب دراسة الفلسفة الإسلامية، أكثر مما كانت من نصيب اللغويين. أما النحو العربي، فإن أثر المنطق فيه يبدو من جانبين اثنين؛ أولهما جانب المقولات، وتطبيقها في التفكير النحوي العام، وثانيهما الأقيسة والتعليلات في المسائل النحوية

стр. 18

الخاصة مع ما يساير ذلك من محاكاة التقسيمات اللغوية، التي جاء بها أرسطو في دراساته، والتي ذكرنا أنه خلط فيها بين النحو، وبين المنطق ويعلم القارئ، أن المقولات عشر هي الجوهر والكم والكيف والزمان، والمكان والإضافة والوضع والملك، والفاعلية والقابلية "أو كما تسميها المتون العربية: أن يفعل وأن ينفعل١". ويعلم القارئ أيضا أن هذه المقولات عليا الأجناس؛ أي أن الأجناس فيما عداها أخص منها، وتندرج تحتها ولا يعلو على هذه المقولات جنس واحد منها، ثم هي كذلك أسس تفهم الأشياء مبنية عليها، فللشيء جوهر وكم وكيف، وهو في زمان ومكان، ثم هو يفهم بالإضافة إلى شيء آخر، ويدرك في وضع معين، وقد يكون مالكا، أو مملوكا وفاعلا أو قابلا. نظر النحاة إلى اللغة نظرتهم إلى الأشياء والمحسوسات، فجعلوا للكلمة جوهرًا كما جعلوه للمادة، ورأوا أن جوهر الكلمة لا يتغير إلا بإعلال أو إبدال. فالأصل أو الجوهر في "قال" "قَوَل" وفي فعل الأمر من "وفي" "إوف" وفي كلمة "نهى" "نَهَيَ" وفي "قاض" قاضي إلخ. ويذهب النحاة في ذلك مذاهب لا تخلو من التعسف الظاهر؛ يقول ابن جني٢ تحت عنوان "باب في قلب لفظ إلى لفظ بالصنعة، والتلطف لا بالإقدام والتعجرف": وذلك كأن يقول لك قائل: كيف تحيل لفظ وأيت إلى لفظ أويت، فطريقه أن تبني من "وأيت" فوعلا، فيصير بك التقدير فيه إلى "وَوْأَيُ" فتقلب اللام ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيصير "وَوْاْآ" ثم تقلب الأول همزة، لاجتماع الواوين في أول الكلمة، فيصير "أوأآ" ثم تخفف الهمزة فتحذفها، وتلقى حركتها على الواو قبلها، فيصير "أوا" اسما كان أو فعلا، فقد رأيت كيف استحال لفظ "وأى" إلى لفظ "أوا"، من غير تعجرف ولا تهكم على الحروف، وكذلك لو بنيت مثل فوعال لصرت إلى "ووأ آى"، ثم إلى "أو أى" ثم "أوآإ" ثم تخفف، فيصير إلى "أوآء"، فيشبه حينئذ لفظ "أآة" أو أويت....".

стр. 19

ونحن نجد الجوهر اللغوي في هذه العبارة، يبدو في صورة متعددة، والتشكل غير غريب على الجوهر الفلسفي المنطقي أيضا، والذي أحب أن أشير إليه هنا هو أن ابن جني لا يرى في كل هذا التعجرف تعجرفا، ولا ف يكل هذا التهكم على الحروف تهكما، وإنما يراه صنعة وتلطفا، كما رآه النحاة من قبل ومن بعد. ولم يعن النجاة بجوهر الكلمة فحسب، بل انساقوا أيضا إلى التفكير في جوهر الجملة، فاخترعوا فكرة تقدير ما غاب من هذا الجوهر، والتقدير بلية فلسفية ميتافيزيقية، ومنطقية ابتلي بها النحو العربي ولا زال يبتلى، ومن الطلائع الذين هاجموا الكثير من الأفكار التقليدية في النحو العربي، ومنها التقدير ابن مضاء القرطبي. ومن كلامه في ذلك١: "فإن قيل: فما تقول في مثل "زيد قام"، إذ قالوا: إن في قام ضميرا فاعلا؟ وليس داع يدعو إلى ذلك إلا قول النحويين: الفاعل لا يتقدم ولا بد للفعل من فاعل، وقولهم هذا لا يخلو من أن يكون مقطوعا به أو مظنونا، فإن كان مظنونا، فأمره أمر الضمير المدعي في اسم الفاعل، وإن كان مقطوعا به صح هذا الإضمار، ولابد أن يتقدم قبل الكلام في هذا الموضع مقدمات تعين الناظر فيه على ما قصد تبيينه، وهي أن الدلالة على ضربين: دلالة لفظية مقصودة للواضع، كدلالة الاسم على مسماه، ودلالة الفعل على الحدث والزمان، ودلالة لزوم، كدلالة السقف على الحائط، ودلالة الفعل المتعدي على المفعول به وعلى المكان. ودلالته على الفاعل فيها خلاف بين الناس، منهم من يجعل دلالته عليه كدلالته على الحدث والزمان، ومنهم من يجعل دلالته عليه، كدلالته على المفعول به، فإذا قيل "زيد قام"، ودل لفظ "قام" على الفعال دلالة قصد، فلا يحتاج إلى أن يضمر شيء؛ لأنه زيادة لا فائدة فيها"، ولا شك أن ابن مضاء مصيب فيما يقول، وإن كنت آخذ عليه أنه لم يسلم من قيود المنطق، حين تكلم عن الدلالة اللفظية دلالة اللزوم، والدراسات اللغوية لا تعترف بدلالة اللزوم، وإنما تعتبر دلالات الألفاظ بذواتها، وتأخذ الفعل الماضي "قام" على أنه صورة دلت على المفرد الغائب

стр. 20

بشكلهما كما دلت على الحدث والزمان، هذا ما يمكن أن يقال في مدى تطبيق النحاة لمقولة الجوهر في تفكيرهم اللغوي. وأما الكم، فواضح أن النحاة، والقراء ربما عرفوا أن المدة "durtion" التي يستغرقها نطق صوت من الأصوات، لا تتناسب طردا ولا عكسا مع كميته الطولية 'Quantity"، ومع هذا أصروا على خلق وحدات طولية فكرية في دراسة الأصوات العربية، فالحرف المشدد بحرفين، وإن قصرت مدته عن مدة الحرف المفرد في بعض النطق، والفتحة نصف الألف اللينة في نظرهم، إذا كانت كتلك القصيرة المدة التي في آخر "منى" من قولنا "منى النفس١"، والتفكير المنطقي هنا واضح كل الوضوح، وعلى الأخص إذا عرفنا أن بعض التجارب الآلية، التي قمت بها على لهجة عدن، قد برهنت إلى درجة تعزز ملاحظتي الخاصة تعزيزا كاملا، على أن الصوت لا مفرد الأخير الساكن في الكلام أطول من نظيره المشدد في الوسط من جهة المدة، وإن كان أقصر منه من جهة الكم. وخطر هذا التقسيم يتضح في الصرف بصفة خاصة، حيث تقوم الكمية في الحروف بدور القيمة الخلافية، التي تفرق بين معاني الكلمات، كما يبدو ذلك في التفريق من جهة المعنى بين "عَبَدَ" و"عبَّد" و"ضرب" و"ضربا" وما أشبهها من الموازنات، ولست بذلك أريد أن أهجن الاعتماد على الكمية في دراسة الحروف، كما يعتمد على المدة في دراسة الأصوات، على العكس. إن النظرة اللغوية الحديثة تحتم اعتبار الكمية في الفونولوجيا "التشكيل الصوتي"، كما تحتم اعتبار المدة الفوناتيك "الأصوات"، ولكن أريد أن أنبه إلى الصلة بين مقولة الكم، وبين التفكير في كمية الحرف، كما فهمها النحاة والقراء القدماء. ويتضح تطبيق مقولة الكيف من نسبة كيفيات استعدادية لبعض الأفعال الثلاثية، ولبعض الأسماء وفي تسمية بعض الحروف، فمن أسماء أنواع الأفعال

стр. 21

الثلاثية المقصورة والأجوف والناقص، وهناك المؤنث المقصور كحبلى، والألف اللينة، ومن ذلك أيضا التقسيم إلى مفرد ومثنى وجمع، واتصاله بفكرة الكيفيات الكمية. وأما تطبيق مقولة الزمان على دراسة اللغة، بلا تفريق بين الزمان الفلسفي، والزمن النحوي، فواضح في تقسيم الفعل دون نظر إلى استعمالاته، فالفعل إما ماض أو مضارع أو أمر، والماضي ما دل على حدث مضى قبل زمن التكلم، والمضارع ما دل على حدث في الحال أو الاستقبال إلخ، ويضطر النحاة بعد هذا التقسيم المنطقي أن يعتذروا، كلما خذلهم الاستعمال النحوي، فهم يعتذرون عن الفعل المضارع الدال على المضي حين يقترن بلم، ويعتذرون عنه في تعبير مثل "إن تكن عاد قد بادت، فما بادت خصالها"، وعنه في قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ ، وعن الماضي في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ، وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، إلخ كل ذلك لخلطهم في التفكير بين الزمان الفلسفي والزمن النحوي، ولو أعطوا للزمن النحوي وظيفة التفريق بين الصيغ لا الدلالة على المضي والحضور، والاستقبال لكان ذلك أشبه بالدراسة النحوية. والتفكير في مقولة المكان، يبدو بالتضامن مع مقولة الكيف مسئولا عن تقدير الحركات على أواخر الكلمات، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ كسرة مقدرة على الألف الأخيرة، منع من ظهورها تعذر اجتماع النطق بالألف، والنطق بالكسرة في وقت معا، وفي قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ ، ضمتان مقدرتان إحداهما مقدرة على واو الفعل، والأخرى على ياء الاسم المنقوص. وهذه المقولة أيضًا مسئولة عن فكرتي الإعلال والإبدال، فالإعلال تغيير شكل في مكان معين، والإبدال إنما يتم بوضع شيء مكان شيء آخر، ومن ذلك أيضا أن الفاعل يجب أن يتأخر عن فعله، وهكذا يمكن إيجاد أكثر من مثال آخر في النحو العربي، يتم عن نفوذ هذه المقولة على تفكير النحاة. ثم هناك مقولة الإضافة، وقد فهم النحاة العرب كل فعل بالإضافة إلى فاعله. فإذا لم يكن للفعل فاعل مذكور في الجملة، فلا أقل من أن يقدره النحاة ليكون تفكيرهم متمشيا مع منطق المقولات، وهنا نعود مرة أخرى إلى مثال ابن مضاء

стр. 22

"زيد قام" لنقول: إن زيدا برغم كونه موجودا في الجملة، لم يصلح فاعلا لتحكم فكرة المكان، فالفاعل يأتي بعد الفعل لا قبله، وإذا لم يصلح فاعلا، فلا بد لنا أن نقدر فاعلا في الجملة، برغم أن صيغة الفعل الماضي، تدل هنا بشكلها ودون الحاجة إلى تقدير على أن الفاعل مذكر غائب، ولو كان غير ذلك لتغيرت صيغة الفعل، ومقولة الإضافة أيضا مسئولة عن فكرة الإمالة، فالاسم الممال، إنما اعتبر ممالا بالإضافة إلى اسم آخر، ألفه صريحة بقطع النظر عن أن كلا منهما أصل في لهجته الخاصة به. ولو درسنا اللهجة التي فيها الإمالة بمفردها، ما احتجنا إلى التفكير في هذا الباب على الإطلاق، ولكن النحاة العرب أبوا إلا أن يدرسوا مجموعة من اللهجات في نحو واحد، ومن هنا جاءت شدة الاضطرار إلى التقسيم إلى شاذ ومطرد. وأما الخضوع لفكرة مقولة الوضع، فمثاله أن الجملة برغم عدم إمكان ظهور حركة إعرابية عليها جعل لها وضع إعرابي معين؛ فقد تكون في محل نصب مقول القول، أو صفة المنصوب، وقد تكون في محل جزم جوابا لشرط، وقد تكون في محل رفع خبرا، وقد تكون في محل جر صفة، وما إلى ذلك. وهل يستطيع أحد أن ينكر أن مقولة الملك مسئولة إلى حد كبير عن الأهمية الثانوية، التي منيت بها الحركات في الدراسات العربية والسامية؟ فالمحل الأول والاهتمام الأول للحرف الصحيح، وهذا الحرف الصحيح، إما أن يكون منصوبا أو مجرورًا أو مرفوعا، فالحركة إذا وصف للحرف الصحيح، وملك يمين له كما رأى ذلك النحاة. وفي كل لغات العالم الأخرى تكتب الحروف، والحركات جنبا إلى جنب في روح من المساواة، ولكن اللغة العربية قد جعلت من حركاتها في الخط علامات كتابية، وفي النحو علامات إعرابية، فهي علامات لا حروف في الحالتين، على أن العروضيين -والشعر موسيقى كما نعلم- قد قلبوا الوضع في رمزهم إلى مقاطع الشع بالخطوط، والدوائر فجعلوا الاهتمام الأول بالحركة لقيمتها الموسيقية، وأهملوا الحرف أن يرمز إليه؛ فكانت الشرطة علامة على حرف متحرك "والشرطة حركة فقط في الكتابة"، وجعلوا السكون علامة على حرف ساكن أو مد، وكلا النظرتين تقع تحت النقد الشديد.

стр. 23

والمقولتان الأخيرتان مسئولتان إلى حد كبير، عن أهمية أساس من أسس النحو العربي، ألا وهو نظرية العامل١، فإذا كان الشيء إما فاعلا، وإما قابلا فلماذا لا تكون الكلمات كذلك؟ ولماذا لا يكون بعض الكلمات عاملا في بعضها الآخرة؟ حتى المعاني جوز النحاة لها أن تعمل الرفع، وابن مضاء أيضًا ممن هاجموا نظرية العامل، فأبانوا فسادها إلى اقصى حدود الإبانة، يقول٢: "قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو، ما يستغني النحوي عنه، وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض، والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا: "ضرب زيد عمرًا" أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو، إنما أحدثه ضرب"، ثم يستطرد فيقول: "وأما القول بأن الألفاظ يحدث بعضها بعضا، فباطل عقلا وشرعا، لا يقول به أحد من العقلاء لمعان، يطول ذكرها فيما المقصد إيجازه: منها أن شرط الفاعل أن يكون موجودا، حينما يفعل فعله، ولا يحدث الإعراب فيما يحدث فيه إلا بعد عدم العامل، فلا ينصب زيد بعد إن في قولنا: "إن زيدا" إلا بعد عدم إن". وواضح أن ابن مضاء يعالج المسألة علاجًا منطقيًّا أيضًا، وإن كان قد بين فساد وجهة نظر النحاة، وقد تورط في كتابه في دعوى لا يمكن السماح بها، وهي أن العامل النحوي هو المتكلم، فهو إن كان قد ألغى عاملا فقد فرض عاملا آخر لا تجيزه الدراسات اللغوية الحديثة؛ لأن المتكلم لا يرفع ولا ينصب بنفسه، وإنما بحسب القواعد. نرجو في هذا الموضع أن نكون قد بينا للقارئ، مدى تأثر النحاة بالمقولات العشر في تفكيرهم اللغوي، ونود بعد ذلك أن نعرض لنوع آخر من تأثرهم بالمنطق

стр. 24

وبما كتبه أرسطو، فخلط فيه بين الدراسات اللغوية والدراسات الفلسفية. وأوضح مثال لذلك هو العلل والأقيسة في النحو. "ومما يجب أن يسقط من النحو العلل الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن "زيد" من قولنا: "قام زيد" لم رفع؟ فيقال: لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول: ولم رفع الفاعل؟ فالصواب أن يقال له: كذا نطقت به العرب. ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر. ولا فرق بين ذلك، وبين من عرف أن شيئا ما حرام بالنص، ولا يحتاج فيه إلى استنباط علة، ليقل حكمه إلى غيره، فسأل لم حرم؟ فإن الجواب على ذلك غير واجب على الفقيه١"، وقد قسم ابن مضاء العلل إلى ثلاثة أقسام: قسم مقطوع به، وقسم فيه إقناع وقسم مقطوع بفساده. والفرق عنده بين العلل الأول، والثواني أن الأول تؤدي إلى المعرفة بنطق العرب، ولا كذلك الثواني فهي لا تفيدنا إلا أن العرب أمة حكيمة، وهذا كلام صريح من ابن مضاء في اتهام النحاة بالميل إلى المنطق، ميلا يخرج بالدراسات النحوية عن طبيعتها، ويقول ابن جني٢: "اعلم أن علل جل النحويين، وأعني بذلك حذاقهم المتقنين، لا ألفافهم المستضعفين أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنها إنما هي أعلام، وأمارات لوقوع الأحكام ووجود الحكمة فيها خفية عنا، غير بادية الصفحة لنا". "والعرب أمة حكيمة، فكيف تشبه شيئا بشيء، وتحكم عليه بحكمه، وعلة حكم الأصل غير موجودة في الفرع، وإذا فعل واحد من النحويين ذلك جهل ولم يقبل قوله، فلم ينسبون إلى العرب ما يجهل به بعضهم بعضا؟ وذلك: أنهم لا يقيسون الشيء ويحكمون عليه بحكمه، إلا إذا كانت علة حكم الأصل موجودة في الفرع! وقد فعلوا ذلك في تشبيه الاسم بالفعل في العمل، وتشبيههم إن وأخواتها بالأفعال المتعدية في العمل"٣. نعم لقد قاس النحاة بعض الحكام على بعض، كما يفعل الفقهاء وأدى بهم ذلك إلى تصحيح ما لم يرد سماعه عن العرب، فجعلوا

стр. 25

ذلك عربيًّا، كالذي ورد به النص، والذي يقرأ ما كتبه ابن مضاء عن القياس في صور التنازع، يرى أسوأ مثل من أمثلة تحكيم المنطق في النحو، "واعلم أن من قوة القياس عندهم، اعتقاد النحويين أن ما قيس على كلام العرب، فهو عندهم من كلام العرب نحو قولك في قوله: كيف تبني من ضرب مثل جعفر ضربب هذا من كلام العرب، ولو بنيت مثله ضيرب، أو ضورب أو ضروب، أو نحو ذلك لم يعتقد من كلام العرب؛ لأنه قياس على الأقل استعمالا والأضعف قياسا"١. والمعلوم أن المنطق القياسي غير صالح للدراسات العلمية؛ لأنه يوجد القاعدة أولا ثم يفكر في ما يمكن أن يدخل تحتها من مفردات، ومع أن البحث العلمي يستخدم المنطق الاستقرائي، الذي يستقصي المفردات أولا، فيوجد جهة الشركة بينها، ليتخذها نتيجة البحث أو قاعدته، ومعأن الرواة العرب قد ضربوا الأمثلة للنحاة بسفرهم إلى الصحراء، لجمع مادتهم التي تستقرأ، ومع أن شيئا من الاستقراء، قد تم فعلا في ظروف غير علمية، جعلته في الكثير الغالب استقراء ناقصا إلى حد كبير، لم يستطع النحاة العرب أن يتخلصوا من قبضة أرسطو السحرية، ولا من نفوذ منطقه القياسي الذي لم تصطبغ به دراساتهم اللغوية فحسب، بل اصطبغ به الفقه الإسلامي وعلم الكلام كذلك، كما افتتن قوم إلى جانب المنطق بالسفسطة في الكلام عن العقائد، وأوضح مثال للسوفسطائية العربية، هو أبو عثمان الجاحظ. فالعلل والأقيسة إذا جهتان من جهات النفوذ الإغريقي على دراساتنا اللغوية العربية. لعلنا بذلك قد أجبنا على السؤالين اللذين طرحناهما في مبدإ هذا الفصل: هل خلص العرب الدراسات اللغوية، من عدوى التفكير غير اللغوي بصفة عامة، ومن التفكير الفلسفي بصفة خاصة؟ وهل استطاعوا أن يخلقوا للمنهج اللغوي استقلالا، عن مناهج العلوم الأخرى؟. ثم هبت في أوربا ريح جديدة على الدراسات اللغوية، بعد الكشف عن اللغة السنسكريتية لغة الهنود القدماء، هذه الحركة التجديدية اللغوية، فتحت آفاقا

стр. 26

واسعة للدراسات اللغوية من وجهة النظر التاريخية في المبدإ، ثم من الوجهة الوصفة بعدئذ، وبدأت هذه الدراسات خاضعة لعديد من المناهج، ولكنها كانت دائما نتقدم إلى هدفها النهائي، الذي هو استقلال اللغة بمنهج خاص بها. "هؤلاء الذين تشغلهم البحوث اللغوية، لم يبدأوا في ادعاء مرتبة العلم، ولقبه لدراساتهم إلا من زمن قصير، وقد كان تطو علم اللغة باعتباره علما من ثمرات هذا القرن١، ولو أن أصول هذا التطور ترجع إلى عهود أقدم، ولقد كان لهذا العلم تاريخ، لا يختلف في الحقيقة عن تاريخ بقية العلوم، التي تقوم على الملاحظة والاستنباط كالجيولوجيا، والكيمياء والفلك والطبيعة، التي بناها النشاط العقلي في العصر الحديث على الملاحظات الضئيلة، والاستنباط البدائي الذي ثم في العصور الماضية"٢. وهكذا بعد أن كانت الدراسات اللغوية في الماضي جزءا، لا يتجزأ من التفكير الفلسفي، بدأت تنفصل في القرون الأخيرة، باعتبارها فرعا خاصا من فروع المعرفة، حقا إن علم اللغة لا يستطيع الاستغناء عن بقية الدراسات العلمية والفلسفية، ولهذا رأينا فروع المعارف الحديثة، تتسرب إلى علم اللغة إلى جانب المنطق الإغريقي القديم، فأصبحت الاصطلاحات النفسية، والطبيعية، والرياضية والموسيقية والتشريحية، وهلم جرا تتردد في الكلام عن اللغة، كما ترددت من قبل أفكار الفلسفة، واللاهوت والأساطير، وهذه العدوى التي وفدت إلى علم اللغة من الدراسات الأخرى، مسئولة عن الاختلاف في طريقة التناول لمشاكله، اختلافا يشمل من الطرق ما لا يمكن بحال أن يسمى منهجا لغويا، ولكن هذا الخلط ما كان ليدوم، وما كانت النظرة الحديثة الفاحصة، لتتخطاه غير فطنة إليه، ومن ثم جهد العلماء في تحديد منهج اللغة، وتخليصه من الشوائب التي تعلق به وافدة من فروع المعازف الأخرى، "ولأسباب تاريخية يسهل فهمها، كانت الدراسات العلمية اللغوية في طريق تحديد مجالاتها، وطرقها واستحقاق مكانها الخاص بين العلوم، منذ بدء عصر ما بعد نابليون في أوربا الغربية، ولكن المجهودات الأولى في هذا السبيل، تأثرت بالأجواء العقلية، التي لونت ذلك العصر"٣.

стр. 27

يمكن القول إذا: إن علم اللغة الحديث نتيجة من نتائج القرن الثامن عشر، وما تلاه من القرون، ولقد اصطبغ هذا العلم في كل قرن من هذه القرون الثلاثة الأخيرة، بصبغة خاصة معينة مختلفة عن صبغته في القرنين الآخرين، ففي القرن الثامن عشر، عني العلماء اللغويون بالدراسات الإنسانية، وبدراسة فيلولوجيا اللغتين القديمتين اللاتينية، والإغريقية دراسة يصحبها اتساع تدريجي في الأفق اللغوي، وانغماس في التأمل في أصل اللغة، وتقويم اللغات بعضها بالنسبة للبعض الآخر من جهات نظر مختلفة، كالنبية والغنى والجمال، والتراث الأدبي وهلم جرا، وهذه التأملات والمقارنات لا تدخل في نطاق علم اللغة الحديث، إما؛ لأنها ميتافيزيقية وإما؛ لأنها ذاتية غير موضوعية ولا علمية، ولقد كان الكشف عن اللغة السنسكريتية في هذا القرن أهم حادث، يمكن اعتباره نقطة البداية لعلم اللغة الحديث، وكان الكشف عن هذه اللغة من حظ السير، وليام جونز الذي كان حينئذ يقيم بالهند، وقد كتب إلى الجمعية الآسيوية يخبرها عن كشفه هذا، "ولقد بدأ علم اللغة الحديث يشق طريقه باعتباره حقلا خاصا، مستقلا عن الحقل الأدبي بعد كتاب السير جونز بسنوات. وكان على طلاب هذا العلم في القرون، التي تلت أن يخلقوا لأنفسهم حدود مادته، وطريقته"١: وانحصرت المادة والطريقة في القرن التاسع عشر في دراسة وجهة النظر التاريخية في اللغة، "هؤلاء الذين يعرفون مؤلفات أوتوبسبرسن الذائعة الصيت، سيذكرون كيف يعلن بقوة أن علم اللغة تاريخي، وهؤلاء الذين يلاحظون أغلفة مجلدات القاموس الإنجليزي الحديث، المعروف عموما باسم قاموس اكسفورد، سيذكرون الضمان المعطى عن النظرة التاريخية فيه، وهذا يوضح الحرف "N" من مختصر اسمه، N.E.D ٢، هذه الناجية التاريخية، وما يتصل بها من فكرة التطور بالإضافة إلى الاهتمام الكبير بالمذهب الميكانيكي الفلسفي في ذلك العهد، لم تجعل علم اللغة في انسجام مع العلوم الطبيعية فحسب، بل جعلته في حمايتها أيضا، وعلى الأخص علم الحياة من بين هذه العلوم، ولم ينعكس هذا الوضع على تقسيم اللغات، واستعمال

стр. 28

اصطلاحات مثل "عائلة" و"اللغة الأم" و"اللغة الأخت" فحسب، بل ظهر كذلك في تناول أي لغة تناولًا دراسيا باعتبارها كائنا عضويا ناميا، أو منحلا كالذي نجده في كتابات ماكس مولز مثلا، وكالذي نجده في الاقتباس التالي من درمستاتير١ "من الحقائق المسلم بها في أيامنا هذه أن اللغات ذات حياة عضوية، لا تقل بكون اللغة عقلية محضة عن حياة النبات، أو الحيوان بل يمكن أن تقارن بهما"، ولم يكن ذلك شأن العلوم الطبيعية فحسب، بل كان للعلوم الاجتماعية تأثير مشابه على الدراسات اللغوية كعلمي النفس والاجتماع، لقد جرف التيار الثقافي في القرن التاسع عشر طلاب اللغة، فاسترشدوا في دراسة اللغة بجمع من الطرق المنهجية غير المتناسقة؛ فاعتقد بعضهم أن خير طريق لمعرفة طبيعية اللغة، إنما يوجد في علم النفس؛ فلكي نفسهم الكيفية، التي تؤدي اللغة بها عملها يجب أن ندرس عقلية المتكلم، واعتقد آخرون أن اللغة ما دامت ظاهرة اجتماعية، فلا يمكن أن تستقل عن علم الاجتماع، فاللغة سلوك معين ينمو بمحاولة المرء أن يسد مطالبه في المجتمع. وما كان هذا الاتجاه من علماء اللغة، لينتج دراسة لغوية مستقلة هدفها اللغة، ولا شيء سواها، ومع هذا فإن القرن التاسع عشر مسئول عن التقدم بهذا العلم بخطوات واسعة موفقة. فقد شهد كثيرًا من المجهودات الخالقة المبدعة، التي نتجت عنها نتائج نهائية الصبغة مثل تقسيم اللغات، والقوانين الصوتية والصياغة القياسية، وأفكار أخرى لا تقل عن ذلك في أهميتها؛ كل أولئك من نتائج القرن التاسع عشر. وحل الاستقراء كذلك محل القياس باعتباره أساسا من أسس المنهج في تناول المادة اللغوية، وافتضحت بعض خرافات الماضي وطرحت، "ولقد كون اللغويون الذين درسوا اللغات الهندية الأوربية لأنفسهم بالتدريج منهجا، قد يكون أكثر قربا من الكمال من منهج أي علم آخر، يتناول النظم الإنسانية"٢. وإذا اصطبغ القرن التاسع عشر بالصبغة التاريخية، فإن القرن العشرين إنما يصطبغ بالصبغة الوصفية، "ويزداد استحقاق علم اللغة الوصفي لمكانته باعتباره

стр. 29

مجموعة مستقلة من المواد المترابطة كالأصوات، والتشكيل والجراماطيقا، والمعجم والدلالات، وما يمكن أن يسمى علم الاجتماع اللغوي"١. وكان نفوذ المذهب الميكانيكي، لا يزال يحس في بداية هذا القرن، فبدت صورة منه أمريكية في شكل مذهب نفسي، هو مذهب السلوكيين الذي لون الدراسات اللغوية الأمريكية بلونه تماما، كما يمكن أن يرى ذلك بوضوح في كتابات Bloomfield، وفي نفس الوقت جرت محاولات لتخليص طرق الدراسات اللغوية من النفوذ الخارجي، وأشهر هذه محاولة De Saussure خلق منهج شكلي يطلق عليه علماء اللغة من الشيوعيين Static mechanical structuralism على سبيل العيب. وكما كان بلومفيلد تابعا لمذهب وايس السلوكي، كان دي سوسور تابعا لمذهب دوركايم الاجتماعي التركيبي، وفي كلتا الحالتين تستعير اللغة طريقتها من منهج غريب عنها مع التضحية باستقلالها في المنهج، فيرى أولهما أن اللغة مجموعة من ردود الأفعال المشروطة، ويراها الثاني بنية مركبة يمكن أن توصف باستعمال كلمتي رأسي وأفقي، يفعل ذلك حين يشرح اصطلاحية diachronique و Synchronique. وإذا نظرنا إلى اللغة باعتبارها مجموعة من النظم الوضعية الاجتماعية، ذات أقسام من الأنماط والعلامات، وجدنا أن من الممكن أن تستقل بمنهجها عن مناهج العلوم، ويأخذ منهجها في اعتباره الشكل، والوظيفة باعتبارهما أساسين من أسس بنائه يطبقان في كل فرع من فروع الدراسات اللغوية، هذه الدراسات ليست إلا مجموعة متناسقة متكاتفة، متلاحمة من المناهج الفرعية لتناول الأحداث اللغوية منطوقة أو مكتوبة، ولقد وضعت هذه المجموعة من المناهج، لتصل بنا إلى علاج اللغة علاجا منظما أمبركاليا تحليليا مستقلا، بمعنى أنه لا يتخذ نقطة بداية له في أي علم غير علم اللغة، نستطيع أن نسمي هذا المنهج شكليا أو وظيفيا، ووجهة النظر الوظيفية لم تختر اعتباطا، وإنما جاءت من أن اللغة تستخدم وسيلة "من وسائل الاجتماع، وأداة ذات غرض محدد"، كما يقول مارتينيه٢.

стр. 30

اللغة والكلام: كثيرا ما نستعمل تعبيرات مثل "اللغة العربية" أو"اللغة التركية" أو"اللغة الفارسية"، وكثيرا أيضا ما نقول: "كلمته في الأمر" و"تكلم إلي في المسألة" و"خير الكلام ما كان لحنا"، فما المقصود باللغة، وما المقصود بالكلام؟ أما في الاستعمال الشائع، فكلنا يعطي الكلمة الأولى طائفة من المعاني المتباعدة، التي ربما نجد معنى الكلام واحدا منها، ويتضح ذلك إذا قارنت الجمل الآتية: ١- لغة القرآن. ٢- لغة العيون. ٣- لغة الطيور. ٤- لغة الصعيد "في مقابل لغة الوجه البحري". ٥- لغة أولاد البلد. ٦- لغة الجزارين. ٧- لغة قذرة. ٨- هذا التعبير غير مستعمل في لغتي الخاصة أو لغة العائلة. ٩- اللغة السامية الأولى. ١٠- محاضرات اللغة. سيرى القارئ أن المثال الأول، قد استعمل كلمة "لغة" بمعنى أسلوب، وأن الثاني والثالث قد استعملاها بمعنى غير لغوي تقليدي، وأن الرابع قد استعملها. بمعنى لهجة أو مجموعة من اللهجات المتناسبة، وأن الخامس والسادس قد استعملاها بمعنى اللهجات الخاصة المهنية أو الطائفية، وأن السابع والثامن قد استعملاها بمعنى الكلام تقريبا، وعبر التاسع والعاشر بها عن فكرة دراسية فحسب. ولاستعمالات الكلام شيوع أيضاربما اتضح في الأمثلة الآتية: ١- القرآن كلام الله. ٢- كلام في كلام. ٣- كلام فارغ. ٤- علم الكلام. ٥- كلام الراديو. ٦- كلام جرائد. ٧- كلام نسوان. ٨- كلام الإنجليز. ٩- كلام برابرة. ومعاني ذلك على التعاقب: ١- إيحاء الله. ٢- شيء لا يوثق بصحته. ٣- هراء. ٤- جدل. ٥- أصوات صادرة عن الجهاز مبدؤها

стр. 31

كلام في مكان آخر، وربما كان في وقت آخر أيضا. ٦- مقالة مكتوبة في الجريدة من النوع الذي يقصد به الدعاية. ٧- تفكير غير متزن. ٨- لغة الإنجليز. ٩- أصوات مختلطة. في الاستعمال الشائع العادي اتساع، تسمح به طبيعة التخاطب بين الناس، وهي طبيعة تميل إلى عدم التحديد المضبوط، الذي نلمحه في الاصطلاح العلمي، وتميل أيضا إلى استعمال الأساليب البلاغية، التي تقابل الحقيقة كالمجاز والاستعارة والكناية، ثم هي أخيرا طبيعة محكومة بمستوى ثقافي عام، لا يرقى بحال إلى مستوى المتخصصين، الذين ينظرون إلى التفريق بين الكلام، وبين اللغة نظرتهم إلى وسيلة من وسائل فهم كليهما، فما اللغة وما الكلام من وجهة النظر الدراسية؟ قلنا: إن دي سوسور قد خلق للغة منهجا شكليا تركيبيا مبنيا على وجهة نظر دوركايم إلى علم الاجتماع، وفي هذا المنهج يفرق دي سوسور بين اصطلاحات ثلاثة: ١- اللغة "بالمعنى الأعم أي بمعنى الظاهرة الاجتماعية" Le Langage ٢- اللغة المعينة "وهي التي تتخذ موضوعا للدراسة كالعربية" La Langne ٣- الكلام "وهو النشاط العضلي الصوتي الفردي" La Parale واللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية، تقع في مجال علم الاجتماع، كما تقع في مجال علم اللغة، ولها جانبان من جوانب الدراسة أحدهما اللغة المعينة، وثانيهما الكلام، يقول دي سوسور١. "تشتمل دراسة اللغة على ناحيتين إحداهما جوهرية، موضوعها اللغة المعينة التي هي اجتماعية في جوهرها، ومستقلة عن الفرد وهذه الناحية نفسية فحسب، أما الأخرى فتتناول الدور الفردي للغة باعتباره موضوعا لها، أو بعبارة أخرى الكلام المكون من أصوت، وهذه نفسية وعضوية معا". واللغة المعينية في نظره جزء من الوعي الجمعي، "أو العقل الجمعي كما يسميه بعض الباحثين" Conscience Collective، وهذا العقل الجمعي إنما يوصف به الكائن الاجتماعي الذي قال به دوركايم، وهذا الكائن الاجتماعي هو ملخص للمجتمع.

стр. 32

هذه اللغة المعينة ضرورية لفهم الكلام، كما أن الكلام ضروري لفهمها. وهي مجموعة من العلامات المختزنة في العقل الجمعي، ولا تنطق؛ لأنها ليست فردية، ويشبه دي سوسور هذه الصورة بالقاموس، الذي توجد فيه الكلمات صامتة غير منطوقة صالحة للنطق والاستعمال، وإنما تستخرج منه فرادى بحسب الحاجة إليها، أو بحسب الاختيار، وليست اللغة المعينة في عقل أي فرد أو وعيه، وإنما هي شركة بين الفرد، وبين بقية أفراد المجتمع اللغوي الذي يعيش فيه فيه، توجد في حاصل جمع عقولهم جميعا، فإذا استطعنا كما يقول دي سوسور: أن نستخرج الصور الكلامية المختزنة في عقول جميع الأفراد في مجتمع لغوي واحد، فإننا سنلمس تلك الرابطة الاجتماعية، التي تربطهم جميعا وهي ما يسميه دي سوسور اللغة المعينة، ذلك الكنز المختزن يقوم على حراسته الكلام العملي للأفراد، الذين تربط بينهم هذه الرابطة، فاللغة المعينة إذا نظام جراماطيقي يوجد تقريبا في جميع العقول، أو لنعبر عن ذلك بدقة يحسن أن نقول في عقل مجموع الأفراد؛ أو كما سميناه الوعي الجمعي. وذلك؛ لأن اللغة المعينة لا يمكن أن تكون كاملة في ذهن أي فرد بعينه؛ بل لا تكتمل إلا في الوعي العام، ويعبر دي سوسور عن هذه المعادلة الاجتماعية بما يأتي: ١+١+١+١=١ "وهذا الواحد الأخير يشمل جميع الآحاد قبله". ويروي دي سوسور أن هذا الوعي الجمعي، ربما كان له وجود نفسي. ولدراسة اللغة المعينة من وجهة النظر الزمنية ناحيتان: فهي إما أن ينظر إليها نظرة تاريخية، تأخذ في اعتبارها التطور، والتحول على مر العصور، فهذه النظرة يسميها دي سوسور diachronque، وإما أن تؤخذ منها مرحلة تاريخية بعينها etat de langue لتدرس فيها نظمها الجراماطيقية، أو الدلالية دون نظر إلى التطور والتحول، وهذا ما يسميه هو Synchrorique، ولقد وضح دي سوسور هاتين الفكرتين بالاتجاهين الرأسي والأفقي على الترتيب هكذا١:

стр. 33

وقصد بذلك أن نقطة البداية في التطور في قمة الخط الرأسي، ثم يتجه خط التطور إلى أسفل متقدما مع الزمن، حتى يصل إلى أقرب مرحلة إلى وقتنا الحاضر، تدخل في نطاق بحثنا الذي نزمعه في هذا التطور، وكل شيء في هذه الدراسة التاريخية، متحول متطور لا يمكن أن يدرس باعتباره مستقرا، ويستطيع المرء أن يقسم هذا الخط الرأسي بخطوط أفقية متعددة، تماثل الخط الأفقي الذي تراه في الشكل، وترمز بما بين كل خطين من هذه الخطوط إلى etat de langue تدرس من الناحية السنكرونية، ولعل القارئ قد لاحظ أن الخط الأفقي غير ذي سهم في طرفه، حيث اصطلحنا على أن السهم دليل على قصد التنبيه إلى وجود حركة، وفي أي مرحلة لغوية تؤخذ لتدرس سنكرونيا، لا توجد حركة ولا تطور، ولا تحول بل تعرض الحالة ثابتة ثباتا تاما تمشيا مع هدف الدراسة: واللغة المعينة في رأي دي سوسور "نتاج اجتماعي لملكة اللغة، ومجموع حالات عرفية ضرورية، يكيفها المجتمع ليسمح لهذه الملكات الفردية بالعمل"١، فاللغة إذا ملكة أو طاقة، أو استعدادا أو سمها ما شئت، ولكن اللغة المعينة نتاج جمعي لهذه الملكة، ومجموعة من حالات التعارف الضرورية، مكيفة اجتماعيا لتسمح بالعمل للملكات الفردية.

стр. 34

ويقول في التفريق بين اللغة المعينة، وبين اللغة "وبهذه الطريق من طرق التقسيم يستطيع المرء أن يقول: إن اللغة تنبني على ملكة في طبيعتنا، على حين نجد اللغة المعينة شيئا مكتسبا، متعارفا عليه يمكن أن يخضع للغريزة الطبيعية، بدل أن يتقدم عليها١". ومن المؤكد أن اللغة المعينة، لا بد أن تكون صامتة غير منطوقة، وقد سبق أن سقنا تشبيه دي سوسور لها بالقاموس، الذي يحتوي بين جلدتيه على محصول لغوي غير منطوق، ولكنه صالح للنطق والاستعمال بالإرادة، وفي الوقت المناسب. ثم هي مجموعة من النظم، والعلامات التي تدخل في هذه النظم، فيستخدمها الفرد في الكلام. وهذا التعدد في النظم، هو الذي برر وصف اللغة المعينة بأنها Polysystemic "أي متعددة النظم"، بمعنى أن فيها نظاما أصواتيا إلى جانب نظام صرفي، وآخر نحوي وهلم جرا، وهذه النظم المتعددة متماسكة متضافرة تتعاون جميعا في خلق هذه المنظمة الاجتماعية الكبرى -اللغة المعينة. ويمكن أن ندرس اللغة المعينة مع قطع النظر عن دراسة الكلام بها، وكلنا يدرك إمكان دراسة اللغات الميتة، برغم أنها لم تعد تنطق، ولا تحيا على ألسنة المتكلمين، كالسنسكريتية والإغريقية واللاتينية، بل دعنا نجرؤ على التمثيل باللغة العربية الفصحى أيضًا، ويدرس طلبة الجامعة الآن لغات قديمة متعددة كالتي ذكرناها، وكالعبرية والسريانية والمصرية القديمة والقبطية، وقد يحسن بعضهم العلم ببعضها، مع أنها لغات لا يتكلمها الآن شعب من شعوب الأرض. وبينا نجد "اللغة" تصدق على لغات مختلفة، غير متجانسة نجد "اللغة المعينة" على العكس من ذلك منسجمة في تجانسها؛ فهي نظام من العلامات التي ترتبط بمعانيها ارتباطا اعتباطيا، وتعبر هي ومعانيها على التساوي عن مدركات نفسية. فإذا نظرنا مثلا إلى عملية إنتاج الأصوات الضرورية للكلام، فإننا سنجد

стр. 35

الأوتار الصوتية خارجة خروجا تامًّا عن مفهوم اللغة المعينة، كخروج الجهاز الكهربائي، الذي يستخدم في نقل رسائل التلغراف عن الأبجدية الرمزية للبرقيات، التي تتكون من نقط وخطوط، فاللغة المعينة كالسيمفونية، تستقل حقيقتها استقلالا تاما عن حركات العزف، التي يقوم بها اللاعب على الآلة. فإذا ارتكب العازف خطأ في العزف، فإن ذلك لا يطعن في قيمة السيمفونية ولا في حقيقتها. وما يقال عن عملية إنتاج الأصوات، لا بد أن يقال عن بقية مكونات الكلام. فنشاط المتكلم Sujet parlant، يجب أن يدرس باعتباره مجموعة من التدريبات التي يدخلها الباحث في علم اللغة لعلاقتها باللغة المعينة، ولكن كيف يتصل الكلام باللغة المعينة؟ إنه حاصل جمع ما يقوله المرء، ويشتمل على "١" مجموعات صوتية شخصية، تتوقف على رغبة المتكلم "٢" أعمال تطوعية لإنتاج الأصوات ضرورية لإحداث هذه المجموعات. فليس في الكلام ما هو جمعي، وكل ما فيه شخصي توي، وهو لبس أكثر من مجموعة من الخصائص، يمكن التعبير عنها مما يأتي: "١+١،+,,+١،،،.... ...." ولهذه الأسباب مجتمعة، يجب أن يفرق بين الكلام وبين اللغة المعينة، فاللغة المعينة نظام والكلام أداء نشاطي طبقا لصورة صوتية ذهنية، وهي مجرد تشويش للهواء؛ وتدرس هي عن طريق مناهج متعددة للدلالة، والأسلوب والمعجم والنحو والصرف والتشكيل الصوتي، ويدرس هو عن طريق منهج الأصوات. واللغة المعينة مكتوبة مسجلة، أو مفهومة صالحة للتطبيق الكلامي، أما الكلام فهو هذا التطبيق الصوتي والمجهود العضوي الحركي، الذي تنتج عنه أصوات لغويةمعينة. واللغة المعينة توجد في المجتمع الناطق mass parlante، وأما الكلام فهو وظيفة الفرد المتكلم sujet parlant، واللغة جهاز من الحروف والكلمات والصيغ والعلاقات النحوية في مجتمع ما، ويتعلمها الفرد اكتسابا، فيدخل بذلك في زمالة اجتماعية، وأما الكلام فهو التنفيذ الفردي، والاستخدام الشخصي لهذا الجهاز. وهي حقيقة اجتماعية، وهو عمل فردي يشمل ما ينطقه، أو ما يكتبه الفرد.

стр. 36

وواضح أن هذه نظرة خاضعة تمام الخضوع لأفكار دور كاتم في دراسة الاجتماع، وأنها إن صلحت للتفريق بينهما لغرض دراسي، فهي غير صالحة لشرح حقيقتها شرحا صحيحًا، ومعلوم أن بعض التعبيرات اللغوية، تأتي أولا عن طريق الأفراد، ثم يرضاها المجتمع فيستعملها، فكيف تحرم اللغة إذا من عنصرها الفردي حرمانا تاما؟ لاحظ مثلا الاستعمالات الآتية: غير ذات موضوع -استنفدت أغراضها. التأميم ترشيد الصناعة اللامركزية إلخ كل أولئك بدأ تعبيرا فرديا، ثم أصبح في فسحة الاستعمال العام. زد على ذلك أن دراسة سير التطور من حالة إلى حالة متعذر جدا، أما الممكن حقيقة فهو دراسة الاختلاف بين مرحلتين من مراحل اللغة المعينة، وهذا الاختلاف يمثل طرفي مرحلة التطور لا وسطها، أما النظرة إلى اللغة المعينة باعتبارها ذات وظيفة جمعية، فتتنافى بعض التنافي مع فكرة اختيار متكلم بلهجة ما، ليتخذ موضوعا لدراسة هذه اللهجة، كما أن الفكرة القائلة بالاعتراف بفرد متكلم غير معين sujef parlant تتنافى مع الاعتراف بشخصية الفرد، ولنوضح اصطلاحي دي سوسور الديا كرونية، والسنكرونية نسوق إلى القارئ الشكل الآتي، الذي تبدو فيه المراحل أحدثها فوق أقدمها: رسم بياني لخط سير تطور اللهجة القاهرية "على المثال الفرضي"، من أيام محمد علي إلى اليوم.

стр. 37

فإذا أردنا دراسة هذا الخط باستقصاء كل دقائق أزمنته المتتابعة، فذلك قطعا في نهاية التعذر؛ أما إذا أردنا أن نختار نقطتين نعينهما عليه، كما هو واضح على الرسم، فتلك دراسة دياكرونية تاريخية، أما إذا اخترنا نقطة واحدة كحالة اللهجة القاهرية في سنة ١٨٦٠ مثلا، أو في سنة ١٩٤٠، فهذه دراسة سنكرونية أفقية لا رأسية. هذا عرض سريع لفهم دي سوسور للفرق بين اللغة والكلام، وهو فهم وإن أخذ عليه بعض المآخذ، فإنه بعين طالب اللغة على تناول جهاتها الدراسية دون خلط بينها، ودون تأرجح في التفكير، وفي استعمال الاصطلاحات. ويرى شارل بالي أحد تلاميذ دي سوسور، أن أستاذه قد بالغ في إعطاء اللغة كل هذه الصبغة الذهنية، بجعلها نتيجة الحكمة الجمعية، ويضغط هو على فكرة اللغة العاطفية، أو كما يسميها le langage affectif، وفي رأيه أن هناك صراعا دائما بين كلام الأفراد، وبين النظام اللغي الذي لا يمكن أن يرضي الجميع، فاللغة المنظمة العادية الثقافية، تكفي الرغبة في نقل الأفكار وفهمها؛ ولكن الكلام من ناحية أخرى، يقف في خدمة الحياة العملية؛ فأما ما يعبر الكلام عنه، فهو الإحساس والرغبة والعمل، وإنتاج الكلام عاطفي ذاتي في الغالب، وفي هذه الحرب الحصارية بين الكلام، واللغة ينجح الكلام دائما في إدخال بعض جنوده في القلعة المحاصرة؛ هذه الجنود هي الكلمات، أو الصيغ المتحدثة بالعاطفة. وممن فرق بين اللغة والكلام من علماء اللغة، "السير ألان جاردنر"١، عضو الأكاديمية البريطانية، الذي يقول: إن عقل الإنسان في ساعات يقظته لا يستريح بل يفكر دائما، ولكن الإنسان لا يتكلم دائما بل يفكر وحيدا، وربما فكر دون كلام وهو في جماعة، وفي الكلام العادي لا بد من وجود شخص آخر على الأقل، ولا يستلزم حدوث الكلام وجود الآخرين، وقد يحدث الكلام في الوحدة على طريقة المونولوج، الذي يقوله الإنسان بينه وبين نفسه، ويتوقف حدوث الكلام في العادة على وجود شرطين: أولا إدراك شيء من الأهمية بدرجة تثير نشاطا، وثانيا وجود رغبة في إدخال آخر في الشركة في هذا الإدراك، وأشهر الدوافع التي تثير الكلام هي الرغب في إخبار شخص عن شيء، وبعبارة أخرى: بينا لا يتطلب

стр. 38

التفكير إلا عنصرين هما المفكر والموضوع، يتطلب الكلام عناصر ثلاثة بجانب الكلمات؛ هي المتكلم والسامع، وموضوع الكلام. وهذه الحقيقة توضح أن الكلام عمل اجتماعي؛ لأنه يتطلب شخصين أو أكثر على الأقل، ويجب أن نفرق هنا بين العمل الاجتماعي، والعمل الجمعي١، فكل نشاط كلامي فردي؛ لأنه ينبع من شخص واحد، ولكننا نعتبر النشاط الكلامي عملا اجتماعيا؛ لأنه يتطلب سامعا له نشاطه السماعي الخاص، والأساس الأول من أسس الكلام في نظره أن الأفكار، والمشاعر الفردية لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فلا يستطيع إنسان أن يفكر بعقل الآخر، ولا أن يدرك بحواسه، ولا يستطيع إنسان أن ينقل سرور من منظر ما نقلا مباشرا إلى ذهن صاحبه؛ فانعزال الحياة الداخلية للإنسان عن العالم عقوبة من عقوبات فرديته، كعدم إمكان المشاركة في الإحساس والإدراك، والعطف والفهم ممكنان، ولكن لا يستطيع عقل أن يتغلغل في عقل آخر، ولهذا كان لا بد من وجود عوض طبيعي عن هذا النقص، كلما أريد نقل شيء عقلي وعاطفي، وهذا العوض يسمى العلامات، وهي مشروطة بما يأتي: ١- أن يكون لها معنى سبق وضعه، والتواضع عليه. ٢- وأن تكون موضوعات إدراكية في المتناول، يمكن نقلها بالإرادة، وكل منظمة مستقلة من هذه العلامات، تسمى "لغة" كلغة الكلام ولغة الكتابة، ولغة الإشارة، ولغة التلغراف إلخ. ومن الواضح أن منظمة العلامات، التي يفضل النوع الإنساني أن يختارها دون بقية المنظمات، إنما هي العلامات الصوتية التي نسميها الكلمات، وما دام يجب أن تكون هذه العلامات عرضة للإنتاج السريع بحسب الإرادة، فقد كان من المحتمل أن تستغل فيها الحركات الطبيعية، التي لها صلة بردود الأفعال كتعبيرات الوجه، وحركات اليد والصيحات العاطفية، إلى جانب الأصوات نصف الإرادية والضحك، وقد بقي كل أولئك في صورة عوامل مساعدة للكلام، ومما هو بعيد عن الدقة أن يطلق لفظ "كلمة"، على ما يحدث بين المتكلم، والسامع من أصوات

стр. 39

خاصة، ولنوضح ذلك بأسلوب مجازي نقول: إن الأصوات الكلامية ليست طيارات، اخترعت لنقل الأفكار باعتبارها ركابا بين شخص وآخر، فيجب أن نكرر أن النشاط الطبيعي، لا يمكن أن يستبعد من فكرة الكلام، واستحالة نقل الأفكار، لا بد أن تظل مطلقة لا يمكن التغلب عليها، وإنما يستطيع السامع بالاستنتاج من أفكاره الخاصة، فحسب أن يقرر بفهمه أن المتكلم كان يقصد الشيء الفلاني؛ وأما ما يجري بين المتكلم والسامع، فهو مجرد عن كل معنى. فالكلام إذا نشاط إنساني تثيره عوامل من الخارج، هذه العوامل هي نواة الشيء المقصود، ويمكن إطلاقه على عمليات النطق، التي يقوم بها المتكلم منظورًا إليها من زاوية شبيهة بزاوية السامع، وخصائص الكلام بهذا المعنى تتلخص في أنه يتصل بظروف خاصة، وسامع وشيء مقصود، وأنه نتيجة لإرادة المتكلم الذي تبدي أعماله النطقية علامات الكلمات المستعملة، وتمنحها حيوية لم تكن لها في الظروف الأخرى. أما اللغة فاصطلاح جمعي تضم في دائرتها وحدات ذهنية، يستطيع المتكلم بمساعدتها أن يستعمل علامات الكلمات؛ ولكن المعرفة بهذه الوحدات الذهنية ليست بنت اليوم أو الأمس، بل ترجع إلى أيام الطفولة، فمحصولنا من الكلمات يتزايد يوما بعد يوم، ويزداد معنى بعض الكلمات سعة عما كان. ومن العدل أن نعتبر الكلمات، وهي أهم مكونات اللغة وحدات، مع أنه يجب ألا يغيب عن الخاطر أن قواعد الجمع بين هذه الكلمات في السياق، وأنواع التنغيم في الكلام بهذه الكلمات وحدات لغوية أيضا، ويمكن أن يقال باختصار: إن الجملة وحدة الكلام، وإن الكلمة وحدة اللغة. سيرى القارئ من هذا أن الكلام نوع من الدراما، التي تحتاج على الأقل إلى اثنين من الممثلين، وإلى منظر أو موقف خاص، وإلى عقدة أو شيء مقصود، وإلى كلمات مرتجلة، ويرى "جاردنر"، أن مما هو قريب من المعجزات أن واضعي نظرية اللغة، لم يفكروا في وصف أي واحد من هؤلاء، فنرى العقدة تذكر من حين إلى آخر؛ والكلمات مذكورة بكثرة، ونسمع هنا وهناك عن واحد من الممثلين أو كليهما، وقليل من الكتاب من أصر على ذكر الموقف أو المنظر، ويجب أن ننبه

стр. 40

هنا إلى ما يسميه النحاة أقسام الكلام، وهم يقصدون الاسم والفعل والحرف ليس في الواقع إلا أقسام اللغة "فقول صاحب الألفية: الكلام، وما يتألف منه يجب أن يصير إلى اللغة، وما تتألف منه". والكتابة في نظر "جاردنر" كلام ثانوي، ولقد جاءت الكتابة وهي ابنة فن التصوير، وسيلة من وسائل ترجمة الكلام المسموع إلى وسط مرئي مستقل نسبيا عن الزمن والمسافة، وإذا كانت النظرية اللغوية تدعى أنها صحيحة، فيجب أن تطلق اصطلاح الكلام على المسموع، والمكتوب كليهما، ويدعو عامل الدوام في الكتابة، وعامل عدم المواجهة إلى تدقيق الكاتب في اختيار تعبيراته، أكثر مما يدقق المتكلم، ويقوم الترقيم في الكتابة مقام التنغيم، وحركات اليد والوجه في الكلام، ولكنه يقصر عنها غالبا، ومن الأشكال الأخرى للكلام الثانوي كتابة العميان البارزة، وإشارات التلغراف وإسطوانات الجراموفون. واللغة نتيجة في نظره من نتائج الكلام، والكلمات ملخصات لتجارب سابقة، لا تشتمل على التجربة الحاضرة، ولكن في نفس الوقت الذي تخطر فيه أي كلمة في النطق، مطبقة على شيء مقصود، يحدث خلط يترك أثرا على هذا البند الخاص في محصول المتكلم من الكلمات، فإذا استعملت الكلمة في اتفاق تام مع تقاليد استعمالها، إن الأثر هنا أن تؤكد الملامح المركزية في المنطقة المقبولة للمعنى. وكل استعمال خاطئ لهذه الكلمة، ولو اتضح المقصود في هذا الظرف الخاص باستعمالها خطأ، ليس له نفوذ عليها في المستقبل، فما يؤثر في مستقبل الكلمات، ليس الاستعمال الخاطئ، وإنما الاستعمال الذي يحود بها قليلا جدا عن تقاليدها. وأما يسبرسن١، فيرى أن أعظم تقدم قد تم في الإدراك النظري لطبيعة اللغة، منذ بدأت دراسة اللغة دراسة جادة، هو أننا لم نعد نفعل ما كان يفعل غالبا في الزمنة الماضية من النظر إلى اللغة باعتبارها مادة، أو شيئا يوجد بنفسه أو "إذا اسعملنا التعبير الذي استعملوه كثيرا" كائنا عضويا يحيا، ويموت كالكائنات
следующие страницы →