وواضح أن هذه نظرة خاضعة تمام الخضوع لأفكار دور كاتم في دراسة الاجتماع، وأنها إن صلحت للتفريق بينهما لغرض دراسي، فهي غير صالحة لشرح حقيقتها شرحا صحيحًا، ومعلوم أن بعض التعبيرات اللغوية، تأتي أولا عن طريق الأفراد، ثم يرضاها المجتمع فيستعملها، فكيف تحرم اللغة إذا من عنصرها الفردي حرمانا تاما؟ لاحظ مثلا الاستعمالات الآتية:
غير ذات موضوع -استنفدت أغراضها.
التأميم
ترشيد الصناعة
اللامركزية إلخ
كل أولئك بدأ تعبيرا فرديا، ثم أصبح في فسحة الاستعمال العام.
زد على ذلك أن دراسة سير التطور من حالة إلى حالة متعذر جدا، أما الممكن حقيقة فهو دراسة الاختلاف بين مرحلتين من مراحل اللغة المعينة، وهذا الاختلاف يمثل طرفي مرحلة التطور لا وسطها، أما النظرة إلى اللغة المعينة باعتبارها ذات وظيفة جمعية، فتتنافى بعض التنافي مع فكرة اختيار متكلم بلهجة ما، ليتخذ موضوعا لدراسة هذه اللهجة، كما أن الفكرة القائلة بالاعتراف بفرد متكلم غير معين sujef parlant تتنافى مع الاعتراف بشخصية الفرد، ولنوضح اصطلاحي دي سوسور الديا كرونية، والسنكرونية نسوق إلى القارئ الشكل الآتي، الذي تبدو فيه المراحل أحدثها فوق أقدمها:
رسم بياني لخط سير تطور اللهجة القاهرية "على المثال الفرضي"، من أيام محمد علي إلى اليوم.
стр. 37
فإذا أردنا دراسة هذا الخط باستقصاء كل دقائق أزمنته المتتابعة، فذلك قطعا في نهاية التعذر؛ أما إذا أردنا أن نختار نقطتين نعينهما عليه، كما هو واضح على الرسم، فتلك دراسة دياكرونية تاريخية، أما إذا اخترنا نقطة واحدة كحالة اللهجة القاهرية في سنة ١٨٦٠ مثلا، أو في سنة ١٩٤٠، فهذه دراسة سنكرونية أفقية لا رأسية.
هذا عرض سريع لفهم دي سوسور للفرق بين اللغة والكلام، وهو فهم وإن أخذ عليه بعض المآخذ، فإنه بعين طالب اللغة على تناول جهاتها الدراسية دون خلط بينها، ودون تأرجح في التفكير، وفي استعمال الاصطلاحات.
ويرى شارل بالي أحد تلاميذ دي سوسور، أن أستاذه قد بالغ في إعطاء اللغة كل هذه الصبغة الذهنية، بجعلها نتيجة الحكمة الجمعية، ويضغط هو على فكرة اللغة العاطفية، أو كما يسميها le langage affectif، وفي رأيه أن هناك صراعا دائما بين كلام الأفراد، وبين النظام اللغي الذي لا يمكن أن يرضي الجميع، فاللغة المنظمة العادية الثقافية، تكفي الرغبة في نقل الأفكار وفهمها؛ ولكن الكلام من ناحية أخرى، يقف في خدمة الحياة العملية؛ فأما ما يعبر الكلام عنه، فهو الإحساس والرغبة والعمل، وإنتاج الكلام عاطفي ذاتي في الغالب، وفي هذه الحرب الحصارية بين الكلام، واللغة ينجح الكلام دائما في إدخال بعض جنوده في القلعة المحاصرة؛ هذه الجنود هي الكلمات، أو الصيغ المتحدثة بالعاطفة.
وممن فرق بين اللغة والكلام من علماء اللغة، "السير ألان جاردنر"١، عضو الأكاديمية البريطانية، الذي يقول: إن عقل الإنسان في ساعات يقظته لا يستريح بل يفكر دائما، ولكن الإنسان لا يتكلم دائما بل يفكر وحيدا، وربما فكر دون كلام وهو في جماعة، وفي الكلام العادي لا بد من وجود شخص آخر على الأقل، ولا يستلزم حدوث الكلام وجود الآخرين، وقد يحدث الكلام في الوحدة على طريقة المونولوج، الذي يقوله الإنسان بينه وبين نفسه، ويتوقف حدوث الكلام في العادة على وجود شرطين: أولا إدراك شيء من الأهمية بدرجة تثير نشاطا، وثانيا وجود رغبة في إدخال آخر في الشركة في هذا الإدراك، وأشهر الدوافع التي تثير الكلام هي الرغب في إخبار شخص عن شيء، وبعبارة أخرى: بينا لا يتطلب
стр. 38
التفكير إلا عنصرين هما المفكر والموضوع، يتطلب الكلام عناصر ثلاثة بجانب الكلمات؛ هي المتكلم والسامع، وموضوع الكلام.
وهذه الحقيقة توضح أن الكلام عمل اجتماعي؛ لأنه يتطلب شخصين أو أكثر على الأقل، ويجب أن نفرق هنا بين العمل الاجتماعي، والعمل الجمعي١، فكل نشاط كلامي فردي؛ لأنه ينبع من شخص واحد، ولكننا نعتبر النشاط الكلامي عملا اجتماعيا؛ لأنه يتطلب سامعا له نشاطه السماعي الخاص، والأساس الأول من أسس الكلام في نظره أن الأفكار، والمشاعر الفردية لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فلا يستطيع إنسان أن يفكر بعقل الآخر، ولا أن يدرك بحواسه، ولا يستطيع إنسان أن ينقل سرور من منظر ما نقلا مباشرا إلى ذهن صاحبه؛ فانعزال الحياة الداخلية للإنسان عن العالم عقوبة من عقوبات فرديته، كعدم إمكان المشاركة في الإحساس والإدراك، والعطف والفهم ممكنان، ولكن لا يستطيع عقل أن يتغلغل في عقل آخر، ولهذا كان لا بد من وجود عوض طبيعي عن هذا النقص، كلما أريد نقل شيء عقلي وعاطفي، وهذا العوض يسمى العلامات، وهي مشروطة بما يأتي:
١- أن يكون لها معنى سبق وضعه، والتواضع عليه.
٢- وأن تكون موضوعات إدراكية في المتناول، يمكن نقلها بالإرادة، وكل منظمة مستقلة من هذه العلامات، تسمى "لغة" كلغة الكلام ولغة الكتابة، ولغة الإشارة، ولغة التلغراف إلخ.
ومن الواضح أن منظمة العلامات، التي يفضل النوع الإنساني أن يختارها دون بقية المنظمات، إنما هي العلامات الصوتية التي نسميها الكلمات، وما دام يجب أن تكون هذه العلامات عرضة للإنتاج السريع بحسب الإرادة، فقد كان من المحتمل أن تستغل فيها الحركات الطبيعية، التي لها صلة بردود الأفعال كتعبيرات الوجه، وحركات اليد والصيحات العاطفية، إلى جانب الأصوات نصف الإرادية والضحك، وقد بقي كل أولئك في صورة عوامل مساعدة للكلام، ومما هو بعيد عن الدقة أن يطلق لفظ "كلمة"، على ما يحدث بين المتكلم، والسامع من أصوات
стр. 39
خاصة، ولنوضح ذلك بأسلوب مجازي نقول: إن الأصوات الكلامية ليست طيارات، اخترعت لنقل الأفكار باعتبارها ركابا بين شخص وآخر، فيجب أن نكرر أن النشاط الطبيعي، لا يمكن أن يستبعد من فكرة الكلام، واستحالة نقل الأفكار، لا بد أن تظل مطلقة لا يمكن التغلب عليها، وإنما يستطيع السامع بالاستنتاج من أفكاره الخاصة، فحسب أن يقرر بفهمه أن المتكلم كان يقصد الشيء الفلاني؛ وأما ما يجري بين المتكلم والسامع، فهو مجرد عن كل معنى.
فالكلام إذا نشاط إنساني تثيره عوامل من الخارج، هذه العوامل هي نواة الشيء المقصود، ويمكن إطلاقه على عمليات النطق، التي يقوم بها المتكلم منظورًا إليها من زاوية شبيهة بزاوية السامع، وخصائص الكلام بهذا المعنى تتلخص في أنه يتصل بظروف خاصة، وسامع وشيء مقصود، وأنه نتيجة لإرادة المتكلم الذي تبدي أعماله النطقية علامات الكلمات المستعملة، وتمنحها حيوية لم تكن لها في الظروف الأخرى.
أما اللغة فاصطلاح جمعي تضم في دائرتها وحدات ذهنية، يستطيع المتكلم بمساعدتها أن يستعمل علامات الكلمات؛ ولكن المعرفة بهذه الوحدات الذهنية ليست بنت اليوم أو الأمس، بل ترجع إلى أيام الطفولة، فمحصولنا من الكلمات يتزايد يوما بعد يوم، ويزداد معنى بعض الكلمات سعة عما كان.
ومن العدل أن نعتبر الكلمات، وهي أهم مكونات اللغة وحدات، مع أنه يجب ألا يغيب عن الخاطر أن قواعد الجمع بين هذه الكلمات في السياق، وأنواع التنغيم في الكلام بهذه الكلمات وحدات لغوية أيضا، ويمكن أن يقال باختصار: إن الجملة وحدة الكلام، وإن الكلمة وحدة اللغة.
سيرى القارئ من هذا أن الكلام نوع من الدراما، التي تحتاج على الأقل إلى اثنين من الممثلين، وإلى منظر أو موقف خاص، وإلى عقدة أو شيء مقصود، وإلى كلمات مرتجلة، ويرى "جاردنر"، أن مما هو قريب من المعجزات أن واضعي نظرية اللغة، لم يفكروا في وصف أي واحد من هؤلاء، فنرى العقدة تذكر من حين إلى آخر؛ والكلمات مذكورة بكثرة، ونسمع هنا وهناك عن واحد من الممثلين أو كليهما، وقليل من الكتاب من أصر على ذكر الموقف أو المنظر، ويجب أن ننبه
стр. 40
هنا إلى ما يسميه النحاة أقسام الكلام، وهم يقصدون الاسم والفعل والحرف ليس في الواقع إلا أقسام اللغة "فقول صاحب الألفية: الكلام، وما يتألف منه يجب أن يصير إلى اللغة، وما تتألف منه".
والكتابة في نظر "جاردنر" كلام ثانوي، ولقد جاءت الكتابة وهي ابنة فن التصوير، وسيلة من وسائل ترجمة الكلام المسموع إلى وسط مرئي مستقل نسبيا عن الزمن والمسافة، وإذا كانت النظرية اللغوية تدعى أنها صحيحة، فيجب أن تطلق اصطلاح الكلام على المسموع، والمكتوب كليهما، ويدعو عامل الدوام في الكتابة، وعامل عدم المواجهة إلى تدقيق الكاتب في اختيار تعبيراته، أكثر مما يدقق المتكلم، ويقوم الترقيم في الكتابة مقام التنغيم، وحركات اليد والوجه في الكلام، ولكنه يقصر عنها غالبا، ومن الأشكال الأخرى للكلام الثانوي كتابة العميان البارزة، وإشارات التلغراف وإسطوانات الجراموفون.
واللغة نتيجة في نظره من نتائج الكلام، والكلمات ملخصات لتجارب سابقة، لا تشتمل على التجربة الحاضرة، ولكن في نفس الوقت الذي تخطر فيه أي كلمة في النطق، مطبقة على شيء مقصود، يحدث خلط يترك أثرا على هذا البند الخاص في محصول المتكلم من الكلمات، فإذا استعملت الكلمة في اتفاق تام مع تقاليد استعمالها، إن الأثر هنا أن تؤكد الملامح المركزية في المنطقة المقبولة للمعنى.
وكل استعمال خاطئ لهذه الكلمة، ولو اتضح المقصود في هذا الظرف الخاص باستعمالها خطأ، ليس له نفوذ عليها في المستقبل، فما يؤثر في مستقبل الكلمات، ليس الاستعمال الخاطئ، وإنما الاستعمال الذي يحود بها قليلا جدا عن تقاليدها.
وأما يسبرسن١، فيرى أن أعظم تقدم قد تم في الإدراك النظري لطبيعة اللغة، منذ بدأت دراسة اللغة دراسة جادة، هو أننا لم نعد نفعل ما كان يفعل غالبا في الزمنة الماضية من النظر إلى اللغة باعتبارها مادة، أو شيئا يوجد بنفسه أو "إذا اسعملنا التعبير الذي استعملوه كثيرا" كائنا عضويا يحيا، ويموت كالكائنات
стр. 41
العضوية الأخرى، ولكننا تعلمنا أن نرى اللغة في جوهرها نشاطا إنسانيا، ومجهودا فرديا للشخص الذي يفهم بها، أو يتصل بشخص آخر على الأقل.
ومع هذا، وكنتيجة له نجد أننا نلقى ضغطا على الشخص، كعامل ينتج ويستطيع أن ينتج في أي لحظة جملا أو كلمات، وقد ساعدنا اعترافنا بذلك على فهم كثير من الظواهر اللغوية، في ما يتصل بمرحلة خاصة من مراحلها، أو التغير الذي يطرأ
عليها من مرحلة إلى أخرى؛ أي من الناحيتين السنكرونية والدياكرونية، أو الاستاتيكية والديناميكية، أو بعبارة أبسط كموضوع للوصف أو للبحث التاريخي.
وما دمنا ننظر إلى اللغة باعتبارها العقلي، أي كوسيلة من وسائل الاتصال ونقل الأفكار، فسوف لا ندنوا أبدا من الفهم التام لطبيعتها، ونستطيع هنا أن نستحضر إلى الذهن عبارات ثلاث متقابلة بعض التقابل: أولاها أن اللغة توجد لتعبر عن أفكار الشخص، وثانيها عبارة تاليران الشهيرة أن اللغة توجد لتخفي أفكار المرء، وثالثها عبارة كير كجادر أن اللغة، إنما يستعملها كثير من الناس، ليخفي وراءها فقره إلى الأفكار.
وربما يتوقع المرء من المناطقة، أن يعطو عناية خاصة لاستخدام اللغة في التعبير عن الأفكار، وهكذا نرى عبارة جيفوتز١ تقول: إن اللغة تخدم ثلاثة أغراض:
١- كوسيلة للاتصال:
٢- كمساعد ميكانيكي للفكرة.
٣- كوسيلة للتسجيل والرجوع إليها، ولكنه لا يفطن إلى أن العنصر الثالث فرع للعنصر الأول؛ لأن الإنسان إذا سجل شيئا للرجوع إليه، وعاد به في المستقبل إلى أفكاره القديمة، فإن هذا لا يختلف كثيرا عن مفهوم العنصر الأول، وهو نقل أفكار شخص إلى شخص آخر، حين يقرأ مذكراته الخاصة.
أما من ناحية أنها مساعد ميكانيكي للتفكير، فمن المؤكد أن معرفة اللغة
стр. 42
تساعد التفكير مساعدة جوهرية جدا، ومن ناحية أخرى يجب ألا ننسى أن بعض عميقي المفكرين، شكوا من أن اللغة التقليدية، قد عوقتهم أحيانا عن الغوص على الأفكار: فهي بمفرادتها وصيغتها الثابتة، ترغم الفكر على أن يسير على السبل المطروقة، وأن يفكر كما فكر الآخرون من قبل.
ولا يستطيع يسبرسن بحال أن يتبع جيفونز في قوله: إن اللغة في أصلها الأول، قد استعملت غالبا للغرض الأول، لا على سبيل نفي الأغراض الأخرى، أو في جعله هذه الأهداف الفكرية الثلاثة، هي الأهداف الوحيدة التي تستخدم اللغة من أجلها؛ فهي تنطبق على المفكرين فحسب، وعليهم في أعمق حالاتهم الدراسية فقط.
ثم يدعو القارئ إلى أن يفكر معه فيما قالته مدام دي ستايل١، عن الهدف من اللغة حين تكلمت عن اللغة الفرنسية: "أنها ليست قط وسيلة لنقل الأفكار والعواطف، والشئون، ولكنها أداة يهدف المرء إلى أن يلعب بها فيحيي الأرواح، كالموسيقى لبعض الناس، وكالمشروبات القوية للبعض الآخر". يرى يسبرسن أن هذا يثير الإعجاب، والغلطة الوحيدة التي يجدها في هذه العبارة، أنها تبدوا كما لو كانت قد سيقت لشيء يوجد في فرنسا فقط.
وفي كل مكان وزمان، يمكن أن نجد من الناس من تسكره شهوة التكلم ويتلذذون لسماع أصوات أنفسهم، ومن الناس من يتكلم إلى الخيل والكلام والحيوانات المستأنسة، ومنهم من يتكلم إلى نفسه، ويجب ألا ننسى أن الأوتار الصوتية بجانب استعمالها في نقل الأفكار، وقبل أن يبدأ في استعمالها في هذا الغرض، هي أكثر اللعب الإنسانية حبا إلى الإنسان، وأن الأطفال والرجال كليهما في المجتمعات البدائية، والمتمدنة على السواء يجدون سرورا عظيما في ترك أوتارهم الصوتية، وألسنتهم وشفاههم، تؤدي أنواعا مختلفة من اللعب.
وهكذا نصل إلى الجانب الاجتماعي للكلام، ويمكن أن يقال فيه نفس الشيء، ففي الاختلاط الاجتماعي، لا تنطق الكلمات في معظم الحالات لتقرر شيئًا
стр. 43
أو تنقل فكرة أو توضح غامضًا، ونادرا ما تعبر عن شعور مشترك، ولكن لتخلق استكفاء للغربة الاجتماعية.
وهذا الجانب من الموضوع، قد أكده مالينوفسكي في الماضي القريب في ملحق لكتاب في الايستيمولوجيا The Meaning of Meaning، لأوجدن وريتشارد.
وقد أجرى مالينوفسكي ملاحظاته في جزر تروبرياند بقرب غينيا الجديدة، حيث رأى كيف يسلك هؤلاء البدائيون، فيما يختص باستعمال اللغة. يرى مالينوفسكي أن اللغة في أشكالها البدائية، يمكن أن تدرس في ظل فهم أنواع النشاط الإنساني الأخرى، فتعتبر كإحدى طرق السلوك الإنساني في موقف عملي معين، وأهم ما في الأمر أن المرء يتصل بالآخر عن طريق الكلام، وكل إنسان يحب أن يلتقي مع أبناء جنسه، وهنا هو حيث تساعد اللغة المرء، وليس أكثر إيذاء لأحد الرجلين لا ثالث لهما من سكوت الآخر، فالرجل الصامت مخلوق رهيب، والغريب الذي لا يتكلم لغة البلاد، يعتبر عدوا في كل بلاد العلم، وأنواع التحية المختلفة كأنواع الأسئلة المرضية مثل "كيف حالك؟ أو "جاي من فين؟ " كل ذلك لا يقصد به نقل الأفكار، وإنما المقصود به إنشاء علاقة اجتماعية بين شخصين التقيا.
ويرى يسبرسن على عكس دي سوسور، أن أكثر الكلام فردية لا بد أن يكون مشروطا من الناحية الاجتماعية، وفي كل نطق كلامي عنصر اجتماعي إلا في حالة الطفل، الذي يناغي نفسه في المهد، أو في حالة الوحيد الذي يسلي نفسه بالغناء، أو الكلام المحرف، وإلا فكل متكلم لا بد أن يطابق في كلامه مقياسا اجتماعيا، فيتكلم كما يتكلم الآخرون، والسبب الوحيد الذي يدفعنا إلى الكلام هو الرغبة في التأثير في الآخرين، فلا بد لنا لهذا السبب أن نراعي ميولهم وما يرضيهم.
وكل شخص لهذا يفرض عليه مقياس من الخارج يقيس كلامه عليه، ويتعلم الشخص بملاحظته لكلام الآخرين، فاللغة إذا في نظر بسيرسن حاصل جمع بالنسبة للكلام؛ فكل الألسنة المختلفة تكون معا اللغة الشعبية، هذا صحيح فيما يختص بمجموع المفردات المستعملة من جميع الأفراد على الأقل، أما فيما يختص بالجوانب الأخرى للغة بما فيها النطق، فيمكن القول بأن اللغة الشعبية تعتبر متوسط الألسنة
стр. 44
الفردية لا حاصل جمعها، هنا نشتق من جميع الأفراد مدركا كليا كالمدرك الكلي الذي نسميه حصانا، والذي لا يتفق معه حصان واحد في أي ناحية، لو نظرنا إليه بدقة.
ولهذا يرى يسبرسن أن يقسم المسأل لا إلى كلام، ولغة كما فعل دي سوسور بل إلى لغة فردية، ولغة جماعية.
وكما أن دي سوسور يتكلم عن صورة صوتية ذهنية، ينسج المتكلم على منوالها، يقول يسبرسن بفكرة التقسيم إلى كلام بالفعل وكلام بالقوة؛ فالكلمة المنطوقة فعلية، والكلمة التي تبقى في الذهن غير منطوقة، أو تبقى في القاموس غير مستعملة كلمة بالقوة، وكلاهما مشروط اجتماعيا، والفرق بين دي سوسور، وبين يسبرسن كما يراه الأخير أن المرء إذا قال كلمة، لا معنى لها فهي كلام عندي دي سوسور؛ لأنها عمل فردي فحسب، وهي هراء عند يسبرسن؛ لأن الكلام عنده مشروط من الناحية الاجتماعية، بمطابقة مستوى صوابي معين.
ويقول هارولد بالمر١: إن هذا الشيء المركب غير المتجانس الذي نسميه اللغة، يشتمل في الحقيقة على ناحيتين: أولا حاصل جمع أحوال النشاط الذهني والعضوي، الذي يقوم به شخص حين ينقل لشخص آخر "بالإشارة، أو النطق أو الكتابة" إدرا كاما "فكرة أو رأيا أو عاطفة"، وهذا هو الكلام، ثانيا حاصل جمع أوضع متعارف عليها منظمة ومقبولة من الجمهرة الاجتماعية التي تستعمل الناحية الأولى لتضمن الوضوح المتبادل بين أفراد هذه الجمهرة، وهذه هي اللغة. فالناحية الأولى طائفة من النشاطات الشخصية، والثانية طائفة من أوضاع التعارف، والكود التجاري يختلف عن الأعمال التي يستلزمها إرسال الرسائل به، ومنظمة الإشارات البحرية غير الأعمال، التي تستلزمها الإشارة بالأعلام، والكود الموسيقي من النغمات، والسكتات يختلف عن حركات العزف التي يؤديها الموسيقي، والكود الذي تجده
стр. 45
في جدول سير القطارات غير السفر بهذه القطارات، وبالاختصار يمكن القول: إن كل كود يختلف عن الأعمال، التي تتم بحسبه مطابقة لمقتضياته.
ولا ينطبق هذان الجانبان على النظر والعمل؛ لأن في كلامنا نظرا وعملا، وفي لغتنا كذلك، ونظرية الكلام من دراسة علم النفس، وتطبيقه من عمل المتكلم، ونظرية اللغة من دراسة علم اللغة، وتطبيق اللغة يقوم به هؤلاء الذين يعلمون ويدرسون كودها بأنفسهم، وكلما نجحنا في نقل مدركاتنا، فنحن نطبق الكلام، وكلما حللنا طريقة تعبيرية بنجاح، أو شرحناها، أو كونا جملة أجنبية بالطريقة التركيبية الخالصة، فنحن نطبق اللغة.
ويرى بلومفيلد١، وهو أحد تلاميذ وايس، ومن أتباع مذهب السلوكيين، أن أشق خطوة في دراسة اللغة هي الخطوة الأولى؛ لأن هذه الخطوة إذا كانت غير مضبوطة، أو كانت على الطريق الخاطئ، "فإنها ستقود المرء دائما في هذا الطريق الخاطئ، ولذلك يرى أن يبدأ دراسته بحدث كلامي بسيط، يفترضه بين فتى وفتاة يسيران في الطريق؛ فيرتب خطوات هذا الحادث كما يأتي:
١- تشعر الفتاة بالجوع.
٢- ترى تفاحة على شجرة.
٣- تحدث أصواتا بتكييف حنجرتها ولسانها وشفتيها.
٤- يقفز الفتى على السور ويتسلق الشجرة، ويأخذ تفاحة ويحضرها إليها فيضعها في يدها.
٥- تأخذ الفتاة التفاحة فتأ كلها.
يمكن أن يدرس هذا النسق من الحوادث بطرق مختلفة، ولكن الذين يدرسون اللغة سيفرقون بين الكلام والحوادث الأخرى التي نسميها أحداثا عملية.
стр. 46
فإذا نظرنا إلى هذه الحادثة بتلك الطريقة، نجدها تتكون من ثلاث مراحل بحسب الترتيب الزمني.
"أ" أحداث عملية سابقة للحدث الكلامي "الشعور بالجوع، ورؤية التفاحة".
"ب" كلام "إحداث الأصوات المذكورة".
"ج" أحداث عملية تالية للحدث الكلامي "القفز وإحضار التفاحة والأكل"
فإذا بحثنا الأحداث العملية، التي قبل الكلام والتي بعده، فسنجد أن ما قبل الكلام يتعلق بالفتاة؛ فهي جائعة بمعنى أن بعض عضلاتها كانت في حالة تقلص، في حين أن بعض السوائل، كانت تفرز وعلى الأخص في المعدة، وربما كانت عطشى أيضا بمعنى أن حلقها، ولسانها كانا في حالة جفاف، وقد وصلت الأشعة الضوئية المنعكسة من التفاحة الحمراء إلى عينيها، ورأت الفتى بجانبها، فدخلت تجاربها الماضية مع الفتى في الصورة، دعنا نفترض أن هذه التجارب ليست إلا علاقة عادية، مثل تلك التي بين الأخ وأخته، أو بين الزوج وزوجته؛ فكل ما يسبق الكلام، ويتعلق بالفتاة يمكن أن تسميه مثير المتكلم.
ثم نعود بعد ذلك إلى الأحداث العملية التي تلت الكلام، وسنجدها تتعلق بالفتى الذي هو السامع، تلك الأحداث هي إحضار التفاحة، وإعطاؤها للفتاة.
فالأحداث العملية التي تتلو الكلام، وتتعلق بالسامع يمكن أن تسمى استجابة السامع.
والحوادث التي تتلو الكلام تتعلق أيضا بالفتاة بطريقة هامة جدا؛ فهي تحصل على التفاحة في قبضتها، ثم تأكلها.
فإذا كانت الفتاة وحدها، فربما حصلت على التفاحة بنفسها إذا استطاعت، أو ظلت جاعة إن عجزت، وكذلك إذا كانت علاقاتها سيئة بالفتى، فالشعور بالجوع مثير يرمز له بالحرف S، والحركة في سبيل الحصول عليه رد فعل يرمز له بالحرف R.
وتتلخص الحالة حين وحدتها، أو سوء علاقتها بالفتى في:
لكن الفتاة في القصة الأولى، بدل أن تذهب بنفسها إلى التفاحة، استبدلت
стр. 47
بذلك كلاما جعل الفتى يقوم برد الفعل بدلا منها، فاللغة إذا قد تجعل الإنسان يصدر منه رد فعل أو استجابة R، حين يكون المثير مثيرا لإنسان آخر S.
وفي الحالات المثالية يتساوى الناس في القدرة الخاصة والقوة، ولكنهم يختلفون عمليا، والواقع أنه كلما اتسع مدى اختلافهم في ذلك، اتسع مدى القوة الخاصة التي يتحكم فيها كل إنسان، فلا يحتاج المجموع إلا إلى صائد واحد، وطباخ واحد وخياط واحد؛ وهذا هو المقصود بتقسيم العمل، وتقسيم العمل ككل شيء في المجتمع الإنساني، إنما يرجع إلى وجود اللغة.
يقول بلومفيلد: ولكننا لم نتكلم عن الكلام إلى الآن، مع أنه هو الجزء الذي يهمنا من القصة باعتبارنا من طلاب علم اللغة، فأما الحوادث العملية قبل الكلام وبعده، فإنما نهتم بها لصلتها بالكلام، إن المتكلم يحرك أوتاره الصوتية وفكه الأسفل، ولسانه وهلم جرا بطريقة ترغم الهواء على أن يأخذ شكل موجات صوتية، فحركات المتكلم هذه رد فعل، أو استجابة للمثير S. وبدل أن يقوم المتكلم برد الفعل R بنفسه يستبدل بهذه الاستجابة، تحريك جهازه النطقي بطريقة خاصة، ويمكن أن يرمز لهذا البديل بالحرف r، وبالاختصار يستطيع المتكلم أن يستعمل إحدى طريقتين للاستجابة، ورد الفعل الذي يسببه مثير ماهما:
وفي حالة اختيار الكلام، يكون المرء قد يكون المرء قد اختار الطريقة الثانية.
وتؤثر الموجات الصوتية التي في فم الفتاة في الهواء الخارجي، فتحدث به حركة موجبة مماثلة، وهذه الموجات التي في الهواء الخارجي، تصطدم بطبلة أذن الفتى، فتحدث بها ذبذبة تؤثر على أعصابه تأثيرا خاصا، وهنا يكون الفتى قد سمع الكلام.
فسماع الكلام مثير بالنسبة للفتى، جعله يجري ويحضر التفاحة، كما لو كان هو جائعا. ورد الفعل أو الاستجابة الذي قام به في هذه الحالة، قد يكون مسببا عن مثير له هو
стр. 48
نفسه S أو عن بديل كلامي من الفتاة، ويرمز لهذا بالحرف s، وتتمثل الطريقتان، فيما يأتي:
ولكن كلمة المجتمع ليست مجازا، فأي مجموعة إنسانية لا بد أن تكون وحدة أعلا من الحيوان الفرد، كما أن الحيوان ذا الخلايا المتعددة يعتبر وحدة أعلا من وحيد الخلية، وتتعاون الخلايا في الحيوان المتعدد الخلايا بطريق الجهاز العصبي، ويتعاون الأفراد في المجتمع بطريق الموجات الصوتية.
وتختلف الأصوات الخاصة، التي يستعملها مجتمع ما من المجتمعات عن الأصوات التي يستعملها مجتمع آخر، وهكذا يتكلم بنو الإنسان لغات مختلفة، وكل طائفة من الناس تستعمل نظاما واحدا للعلامات الكلامية، تسمى مجتمعا لغويا، ومن الواضح أن قيمة أية لغة، إنما تعتمد على من يستعملونها بنفس الطريقة، فكل عضو من الجماعة، ينطق الأصوات المضبوطة في مناسباتها المضبوطة، أو بعبارة أخرى، يستجيب استجابة مضبوطة.
وكل طفل يولد في جماعة يكتسب عاداتها الكلامية، واستجاباتها في السنين الأولى من حياته، وإذا ذهبنا إلى بلاد غربية، فإن علينا كذلك أن نتعلم نظما عرفية ثابتة في هذه البلاد لا نعرفها كنظام العملة، والمقاييس والمكاييل، والأطوال والمرور، وعادات السلوك وساعات الأكل وهلم جرا، ولا يجمع المسافر الإحصاءات عن هذه
стр. 49
الأشياء وإنما تضعه ملاحظاته الأولى على الطريق، حتى تعززها ملاحظات أخرى أو تعدلها، واللغوي محظوظ من هذه الناحية، فإن نشاط الجماعة لا يبدو مضبوطا في أي حالة من الحالات، كما يبدو في اللغة، فهناك مجموعات ضخمة من الناس تبني الجمل التي تتكلمها من نفس المفردات والتراكيب، ولذلك يستطيع اللغوي، ذو الملاحظة أن يصف العادات اللغوية لأي مجتمع دون الحاجة إلى إحصاء.
ولا نحتاج إلى القول: إنه إذا أراد دراسة اللغة، فإنه يجب أن يعمل جاهدا، وأن يسجل كل صيغة يجدها، وألا يعذر نفسه بالاعتماد على عقلية القارئ، أو على تراكيب لغة أخرى، أو على نظرية من نظريات علم النفس، ويجب فوق كل شيء ألا يختار بعض الحقائق، أو يشوهها طبقا لنظرته الخاصة إلى ما يجب أن يقوله المتكلم.
ولعل القارئ يرى أن بلومفيلد، قد جند نفسه لشرح نظرية الكلام، دون أن يعني بنظرية اللغة، وهو في شرحه لنظرية الكلام، يقرب إلى الدراسات الطبيعية قرب السلوكيين منها، ويوضح الحقائق الكلامية في ظل فهمهم للنفس الإنسانية؛ وهو مع ذلك يحذر الباحث من الاعتماد على نظرية من نظريات علم النفس.
ولا يعني بلومفيلد كثيرا في كتابه بالضغط على التقابل بين الفكرتين اللغوية والكلامية؛ وإما يلمح إلى النظم العرفية تلميحا حين يتكلم عن اللغات الأجنبية.
ويرى فندريس١ أن من الحق الآن أن يقال: إن الإنسان كائن اجتماعي، وإحدى الخصال التي تشهد بفصاحة على الخاصية الاجتماعية في الإنسان، تكمن لاشك في الغريزة، التي تدفع الأفراد الذين يعيشون في مجتمعات أن يجعلوا لأنفسهم مصلحة مشتركة فيما يتعلق بظروفهم، وخصائصهم المتشابهة، ليتميزوا عن هؤلاء، الذين لا تتحقق فيهم هذه الخصائص إلى نفس المدى.
وكل فرد في الجماعة، يشعر بأنه يتكلم لغة تختلف عن لغة الجماعة المجاورة.
ولهذا فإن للغة وجودا حقيقيا في الإحساس المشترك بين هؤلاء الذين يتكلمونها، وهذا التحديد، وإن بدا لأول وهلة صريحا في ذاتيته، ينبني على حقيقة هي إضافة
стр. 50
وعى المتكلم بالإحساس بمثل لغوي أعلى معين، يحاول كل فرد أن يحقق به الشعور بالشركة في اللغة.
ويوجد تفاهم واضح بين الأفراد في نفس الجماعة، لتبقى اللغة مطابقة لقواعدها، ولكن العادة ليست اعتباطية، بل إنها على العكس تحددها دائما مصلحة الجماعة؛ وهذه المصلحة هنا هي أن يفهم كل فرد منها الفرد الآخر، ولهذا يعارض كل فرد منها خلق أي شيء اعتباطا، ومن السهل أن تتبع المخالفة الفردية للعادة ويهزأ بها، ويعاقب المخالف حتى لا تبقى له أية رغبة في ارتكاب مخالفة أخرى، ولا يمكن لمخالفة ما أن تصبح قاعدة، إلا إذا كان كل فرد في الجماعة ميالا إلى ارتكابها، أو بعبارة أخرى يجب أن ينظر إليها باعتبارها قاعدة لا خرقا لقاعدة.
وللناس فكرة دقيقة عن لغاتهم؛ فهم يحسون بمنتهى الدقة بأقل خروج على اللغة، ولذلك فإن خير من يستشار في أمور الاستعمال اللغوي هم العامة، أما المجامع اللغوية، فإنها يحق لها أن تبحث ما إذا كان الأتوموبيل مذكرا أو مؤنثا، أو بعبارة أخرى أن تبحث في المسائل النظرية.
هذه الرغب في توخي الصواب، وضمان ثبات العادة هما اللذان يخلقان اللغة في أي مجتمع؛ ولكننا إذا بحثنا عن التحقق التام للغة في فرد، فسوف لا نجده؛ وكثير هؤلاء الذين يتكلمون الفرنسية، ولكن ليس هناك متكلم واحد بالفرنسية، يستطيع أن يؤدي وظيفة القاعدة والمثال للآخرين، ومن هنا نقول: إن اللغة الفرنسية لا توجد في اللغة، التي يتكلمها أي كائن إنساني بمفرده، ويمكن أن يقال باختصار: إن اللغة شكل لغوي مثالي يفرض على الأفراد في الجماعة الواحدة، "وأعم تعريف للغة هو أنها نظام من العلامات١"، ويقصد بالعلامات هذه الرموز، التي تستخدم في خلق اتصال بين شخص وآخر، وما دامت أنواع هذه الرموز متعددة، فمن الواضح أن هناك لغات متعددة، فكل حاسة يمكن أن تستخدم في خلق لغة ما، فهناك لغة للشم، ولغة للمس وأخرى للسمع وأخيرة للبصر، ولكن
стр. 51
أهم لغة هي لغة السمع، التي ربما تساعدها أحيانا لغة بصرية هي الإشارات باليد والوجه، وأغلب اللغات البصرية المستعملة الآن مشتقة من اللغة السمعية، وهذا يصدق على الكتابة، ونظم الإشارة المختلفة، ولا تصبح اللغة حقيقة اجتماعية، إلا إذا كان العقل الإنساني ناميا ليستخدمها، وأصل اللغة من الناحية النفسية، يتلخص في خلق قيمة للرموز، وهذا ما يفرق بين لغة الإنسان، ولغة الحيوان.
والعلم الذي يدرس الكلام في اللغة "علم الأصوات"، يمكن أن يدرس ثلاث جهات من نشاطه، عملية إنتاج الصوت، ثم انتقاله بين المتكلم والسامع، ثم سماعه.
والإنتاج والسماع متساويان من ناحية الأهمية للغة؛ لأن اللغة إذا قدر لها أن توجد فلا بد لها له من شخصين متصلين على الأقل، ولا بد أن يقصد بالكلمة أن تكون مسموعة، ويلعب السماع دورا هاما في تغيرات اللغة، وبواسطة الأذن يحصل كل متكلم على عاداه النطقية، ولكن من الناحية النظرية، لا نستطيع أن نعطي السماع مكانا هاما في الدراسات اللغوي، ومن ثم أصبح علم الأصوات مقصورا زمنا طويلا على إنتاج الكلام.
ولا يضيف فندريس كثيرا إلى نظرية الكلام، وإنما يشرح الوسائل، والأجهزة التي تساعد على إنتاجه، وأما نظرته إلى اللغة، فهي في نطاق نظرة المدرسة الفرنسية التي على رأسها دي سوسور، وهو يتبع بالي في التفريق بين اللغة العقلية، واللغة العاطفية.
فعند أن "الفرق الأساسي بين اللغة العاطفية، واللغة العقلية إنما يتضح في تركيب الجملة؛ وهذا الفرق يبدو جليا حين نقارن لغة الكتابة بلغة الكلام١".
وإنما يكون الفرق في تركيب الجملة في نظره في اختيار المفردات، وفي طريقة ترتيب الكلمات في الجملة، أو ما يسميه البلاغيون "التقديم والتأخير".
أما لويس٢، فإنه يعقد فصلا لعلاقة اللغة بالعقل الجمعي فيقول: إنه يقصد بالعقل الاتجاه النزوعي Conative للسلوك إلى إدراك Cognition البيئة عمليا أو نظريا
стр. 52
إدراكا قد يقتضي استجابة وجدانية affective للبيئة، والخاصية الجوهرية لهذا السلوك العقلي، أنه يستعمل الرموز سواء أكانت شفوية أم تصويرية، وربما يكون الشخص في أية لحظة واعيا ببعض سلوكه العقلي، وأقل وعيا ببعضه الآخر، وغير واع بالكثير منه، فالعقل الواعي Conscious mind يميل إلى استعمال الرموز الشفوية، ولكن العقل تحت الواعي Subconsious، والعقل غير الواعي Uncomscious يميلان إلى أن يرمز لهما بالصور، والتحولات الصورية للغة.
ولكل شخص عقد دائمة من الأفكار والإحساسات، والرغبات يبدو أثرها في سلوكه الظاهر، ولكنه هو يميل إلى أن بظل غير واع بها، ويسمح لها بالظهور في العقل الواعي، إذا كانت بصورة مقنعة فحسب، فكل السلوك العقلي إذا يستعمل الرموز سواء كانت من هذا النوع أو من ذاك، وتختلف الرموز باختلاف نوع النشاط العقلي، أي ما إذا كان إدراكيا، أو نزوعيا أو وجدانيا، والمدى الذي يسمح فيه للوعي أن يشمله، فيمكن القول إذا: بأن العقل سلوك في وسط من الرموز.
ومما يرجع إلى اهتمامنا باللغة، ووظائفها في المجتمع أن يصبح من الضروري أن نعترف بأن سلوك الجماعة الإنسانية، تصبح له خصائص معينة، كلما وجد الرمز الاجتماعي أي التفاهم؛ وهذا النوع ن النشاط، الذي يشتمل على رمزية يؤدي في المجتمع نفس الوظيفة، التي يؤديها النشاط العقلي في الفرد.
فالتذمر الجمعي والوضع الجمعي للخطط، والإحساس الجمعي والإرادة الجمعية كل أولئك يتعدل بوجود أشكال رمزية، للتفاهم في الجماعة، هذه الرموز الجمعية هي التي تمكن الجماعة من أن تباشر نشاطها، وتمكنها اللغة من أن تباشر هذا النشاط بإتقان أعظم، وتجعل اللغة في قدرة الجماعة أن تمنح الرمز لعقلها الجمعي، فتعطيه القوة التي يصبح بها عقلا جمعيا واعيا.
والاعتراف بكل أولئك هام جدا لفهم وظيفة اللغة في المجتمعات الحديثة.
وطبيعة العقل الجماعي لا تحس إلا إذا اعترفنا بأنه شكل من أشكال السلوك الجماعي، وكما أن علم النفس يرى العقل الفردي جزءا جوهريا من مجموع سلوك
стр. 53
الفرد، فيجب أن نرى العقل الجماعي أهم وسيلة تستخدمها الجماعة في نشاطها، فالسلوك الجماعي كما قلنا مختلف تمام الاختلاف عن السلوك الفردي، وأنواع النشاط التي يقوم بها الأشخاص، وهم في المجموع ذات أنماط تختلف عن أنواع النشاط، التي يقوم بها أفراد في وحدة وعزلة.
والسلوك الجمعي الإنساني، كما نعرفه الآن يظهر غالبا، أو دائما في وسط من رموز تفاهمية، وتلك هي الوسيلة التي تستطيع الجماعة بها، أن تنظم بقية سلوكها بالتأجيل، والتوجيه في ضوء ذكرياتها عن الماضي، وبعبارة أخرى تصبح رموز التفاهم الوسيلة التي ينسى المجموع بها سلوكه، والوسيلة التي ينمى بها المجموع عقله الجماعي.
فإذا كان هذا حقا، فقد يكون هناك تطور أعظم في بعض الجماعات منه في الجماعات الأخرى، طبقا لمدى استخدام الرموز التفاهمية، ولمظهرها المركب، ولربما تنغمس جماعة أحيانا في سلوك جماعي، ليس له رموز تفاهمية في داخل الجماعة، وهذا هو السلوك الجماعي غير الواعي، أو السلوك الذي لا تعيه الجماعة، كجماعة برغم أن الأفراد في هذا المجموع، ربما كانوا على وعي به، أما طبقا للمدى، والمظهر المركب للرمزية الجماعية في السلوك الاجتماعي، فلا بد أن يكون هناك اختلاف من جهة التوسع، والتدرج في الوعي الجماعي بالسلوك الاجتماعي.
وللغة مكان فريد بين الأنواع المختلفة من الرمزية التفاهمية؛ لأنها الوسيلة التي يصبح بها العقل الجمعي عقلا جمعيا واعيا، فالسلوك الجماعي إذا على ثلاث درجات:
بلا رموز جماعية، وبرموز جماعية غير شفوية، وبلغة، وفي الحقيقة أن السلوك الجماعي الإنساني، نادرا ما يكون من الصنف الأول، أو بعبارة أخرى يوجه العقل الجماعي دائما السلوك الجماعي الإنساني، مهما كان هذا العقل بدائيا أو ناقص الوعي، وحيثما يسيطر المجتمع على اللغة بدرجة عظيمة، يوجد العقل الجماعي الواعي وعيا تاما.
يقول سابير١: إن الكلام ظاهرة عادية جدا في الحياة اليومية، حتى إننا لا نقف
стр. 54
لنفكر في تعريفه، وإنه ليبدو طبيعيا للإنسان، كما يبدو المشي -وهو أقل في طبيعيته من التنفي فحسب- ومع ذلك، فلا نحتاج إلا إلى لحظة من التأمل لنقتنع بأن الإحساس بالمظهر الطبيعي في الكلام، ليس إلا إحساسا خادعا، فعملية اكتساب الكلام في الحقيقة، تختلف عن تعلم المشي، وفي حالة المشي لا تظهر الثقافة على المسرح، فللطفل عوامل مركبة تسمى الوراثة العضوية، هي كل ما يحتاجه في التكييفات العضوية، والعصبية التي نسميها المشي، والحقيقة أن الإنسان الطبيعي مقدر له أن يمشي لا؛ لأن الكبار سيساعدونه على أن يتعلم المشي، ولكن؛ لأن أعضاءه قد أعدت لذلك.
ولكن اللغة ليست كذلك، وباعتبار معنى خاص يمكن القول بأن الإنسان مقدر له كذلك أن يتكلم، ولكن هذا يتوقف تماما على الظروف التي يولد فيها، لا من ناحية الطبيعة فحسب، ولكن من ناحية المجتمع الذي سيقوده في طريق التقاليد العامة، فإذا نفينا المجتمع من الصورة، فسوف يعلم الإنسان المشي، إن عاش، ولكنه سوف لا يتعلم الكلام أبدا، فإذا أخذت المولود من مجتمعه إلى مجتمع آخر فسوف يتعلم المشي، كما كان سيتعلم في مجتمعه الأول، ولكنه سيتكلم لغة المجتمع الثاني الذي نشأ فيه، فالكلام نشاط إنساني يختلف إلى غير حد بحسب انتقالنا من مجتمع إلى مجتمع؛ لأنه وراثة تاريخية للجماعة، ونتيجة من نتائج الاستعمال الجماعي المستمر في العصور الطويلة، وهو يختلف كما تختلف كل المجهودات الخالقة، وربما لا يكون ذلك بنفس الدرجة من الوعي، ولكن على أي حال بنفس الدرجة من الحقيقة، كما في الأديان والمعتقدات، والعادات والفنون في الشعوب المختلفة، وإذا كان المشي وظيفة عضوية غرزية للشخص، فإن الكلام وظيفة مكتسبة ثقافية غير غرزية.
وهناك حقيقة كثيرا ما دعت إلى أن تمنع الاعتراف باللغة، باعتبارها نظاما عرفيا من العلامات، وغررت بالعقل العام، فجعلته ينسب إليها أسسا غرزية ليست لها، تلك هي الملاحظة الشهيرة التي تقول: إنه تحت ضغط العاطفة كالألم والفرح مثلا، ننطق بحالة غير إرادية ببعض الأصوات، التي يأخذه السامع دلالة على العاطفة نفسها.
стр. 55
ولكن هناك بونا شاسعا بين هذا التعبير غير الإرادي عن الشعور، وبين النوع العادي للتفاهم، وهو الكلام، فالنوع الأول غرزي غير رمزي؛ لأنه لا يدل على نوع العاطفة، ولكنه فيضان آلي لطاقة العاطفة، وهو جزء من العاطفة نفسها؛ ثم هو لا ينقل فكرة على أي حال، فهو كالنباح والصهيل، وما إلى ذلك.
أما اللغة فهي طريقة إنسانية غير غرزية لنقل الأفكار، والعواطف والرغبات بواسطة نظام من الرموز، التي تستعمل بحسب الإرادة، هذه الرموز سمعية مبدئيا، وهي تنتج عما يسمى عادة أعضاء النطق، وربما جر الكلام عن أعضاء النطق إلى الظن بأن الكلام غرز، ولكن هذه الأعضاء في حقيقتها ليست وظيفتها النطق، وإنما تقوم بوظائف حيوية تساعد على جعل استمرار الحياة أمرا ممكنا.
وجوهر اللغة يتلخص في أنها تخصص رموزا صوتية للعناصر المختلفة للتجارب.
وهذه الرموز يجب أن تكون مخصصة بحسب التعارف، لا بحسب الطبيعة، ولا المنطق، أي أن العلاقة بين الكلمة، وبين مدلولها علاقة اعتباطية غير مسببة.
وللسيوطي١ كلام وجيز يفرق بين اللغة والكلام، ولست أدري إن كان السيوطي واعيا بهذا التفريق أولا، حيث يقول: "فإن قال قائل: فقد يقع البيان بغير اللسان العربي؛ لأن كل من أفهم بكلامه على شرط لغته فقد بين، قيل له: إن كنت تريد أن المتكلم بغير العربية، قد يعرب عن نفسه حتى يفهم السامع مراده، فهذا أخس مراتب البيان؛ لأن الأبكم قد يدل بإشارات وحركات له على أكثر مراده، ثم لا يسمى متكلما فضلا عن أن يسمى بينا بليغا".
وهنا نقطتان هامتان من التفريق، أولاهما أن المتكلم إنما يتكلم على شرط لغة معينة، بمعنى أنه يأتي بكلامه مصوغا بحسب النظم الصوتية والصرفية، والنحوية من مفردات هذه اللغة ومادتها، فالكلام كما يبدو في نظره نشاط عضلي مصوغ من رموز معينة، موضوعة بحسب قواعد معينة هي اللغة، وثانيتها أن الذي يستعمل الإشارة، يستعمل اللغة لا الكلام.
стр. 56
وأما رأي ابن جني١ في اللغة، فهو أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. وهذا في الواقع تعريف للكلام، لا للغة. ويقول في مكان آخر٢:
غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة، إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي ولا توقيف، إلا أن أبا علي ﵀ قال لي يوما: هي من عند الله، واحتج بقوله سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ، وهذا لا يتناول موضع الخلاف، وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله، أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا محالة، فإن كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به.
ثم يشرح ابن جني٣ طريقة المواضعة بقوله: "ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيا، وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، قالوا: وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات، فيصفوا لكل واحد سمة ولفظا، إذا ذكر عرف به ما مسماه ليمتاز من غيره، وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخف، وأسهل من تكلف إحضاره، كبلوغ الغرض في إبانة حاله".
ثم يعود، فيذكر نظرية أخرى عن أصل اللغة٤، هي أن منبع اللغة الأصوات الطبيعية، والصيحات البدائية التي كان الإنسان الأول يؤديها كتعبيرات طبيعية عن انفعالاته، "راجع ما قاله سابير ص٥٤-٥٥"، فيقول: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد وخرير طاء، وشحيح الحماء، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عند وجه صالح متقبل".
ثم يعود ابن جني في نفس الصفحة إلى القول: بأنها من عند الله ، ويقوى في نفسه اعتقاد كونها توقيفا من الله سبحانه، وأنها وحي.
стр. 57
منهج الدراسات اللغوية:
تعدد الأنظمة في اللغة الواحدة:
إننا نسمي كل مجموعة من الكلمات، أيا كان عددها ما دامت تقع بين سكتتين، وتستغرق مرة واحدة من مرات التنفس "مجموعة كلامية"، سواء كانت جملة مفيدة، أو جزءًا من جملة أو كانت كلمة واحدة، والمجموعة الكلامية نسق من من الأصوات أو سلسلة منها، وهي بهذا مادة للوصف من الناحية الأًصواتية، وتتم دراستها من الناحية الأصواتية عن طريق وصف مخارج أصواتها، وطرق النطق بها وصفاتها، فيقال مثلا: إن الصوت الفلاني من أصوات هذه الكلمة، يخرج من المخرج الفلاني، وهو شديد أو رخو أو مركب، أو متوسط وهو مهموس أو مجهور، مطبق أو مغور أو محلق، ويتم ذلك الوصف بعد ملاحظة، وتجارب سنتكلم عنها في مكان آخر من هذا الكتاب، فإذا تناولنا العلاقة بين أصوات هذه المجموعة الكلامية، بأن قلنا: إن هذا الصوت واحد من المجموعة الأصواتية، التي نسميها "حرف كذا"، وإن موقعه قبل الصوت الفلاني الملاصق له، قد حتم أن يبدو هو في شكله الحاضر، وإن الحرف الذي هو أحد أصواته، يبدو بصورة أخرى في الواقع الأخرى، كالنون مثلا تكون مفردة في شكل معين، فإذا تلاها قاف تغير صوتها، وكذلك إذا تلتها جيم أو شين، أو صاد أو ذال أو ظاء، وهلم جرا، أقول: إذا تناولنا هذا كنا ندرس التشكيل الصوتي، لا الأصوات، وكذلك إذا درسنا مواقع النبر في الكلام، ونظام المقاطع فيه وطرق تنغيمه، وسلوك الأصوات في المفاصل بين الكلمات، وفي نهاية المجموعة الكلامية أو بدايتها، كما هو الحال في همزة الوصل وفي الوقف، كل أولئك دراسة للتشكيل الصوتي لا للأصوات، ولعل الفرق بين الناحيتين واضح، فالأصوات حركات عضوية، نشأت عنها قيم صوتية في نشاط حركي ذو نتيجة سمعية، يدرس كلاهما من الناحية الطبيعية؛ وأما العلاقات، فهي ليست حركات طبيعية، ولا تشريحية خاصة بوظائف الأعضاء، ولكنها ارتباطات من نوع معين بين الأصوات المتخارجة في الورود في الموقع الواحد، إذا كانت من
стр. 58
حرف واحد وغير المتخارجة، إذا كانت من حرفين أو حروف مختلفة، هذه الارتباطات أفكار مدركة لا أشياء ملموسة، ووسائل للتناول الدراسي للغة لا أجزاء من سلسلة الأصوات في المجموعة الكلامية.
ويمكن دراسة المادة اللغوية لا من هاتين الناحيتين فحسب، بل من نواح أخرى متعددة عن طريق مجموعة من الطرق المتساندة، والتكنيكات المترابطة، والأنظمة اللغوية كالنظام الأصواتي، والتشكيلي والصرفي والنحوي وهلم جرا، تخترع ولا تكتشف، والواقع أن الخليل وسيبويه لم يكتشفا النحو العربي، وإنما اخترعاه اخترعاه، ويريد بعض المحدثين، وقد لمس نواحي النقص في هذا الاختراع أن يحسن النظام المخترع، حتى يكون أداة أقدر على تفهيم النصوص العربية، وكل باحث في اللغة، يجب أن يكون قادرا على استعمال مقدرته الاختراعية، فكما اخترع النحاة جهاز النحو العربي، اخترع القراء الجهاز الأصواتي، الصالح لتقرير حقائق القراءات، واخترع الصرفيون الصيغ الصرفية المتنوعة من فاعل، ومنفعل ومستفعل، واخترع كل أولئك الأصول الثلاثة للكلمة، وجعلوها مادتها التي يدل عليها بها، وكل ذلك مجال مفتوح للبحث، والتنقيب يتطلب الوعي الدراسي الصحيح، ولم يقفل فيه باب الاجتهاد.
فاللغة إذا متعددة الأنظمة، فلها نظامها الأصواتي الموزع توزيعا لا يتعارض فيه صوت مع صوت، ولها نظامها التشكيلي، الذي لا يتعارض فيه موقع مع موقع.
ولها نظامها الصرفي الذي لا تتعارض فيه صيغة مع صيغة، ولها نظامها النحوي الذي لا يتعارض فيه باب مع باب، ولها بعد ذلك نظام للمقاطع، ونظام للنبر ونظام للتنغيم فهي "منظمة من النظم" على حد تعبير بعضهم، ويؤدي كل نظام منها، وظيفته بالتعاون مع النظم الأخرى.
وهمنا بعد ذلك أن نتكلم عن المناهج التي تقوم عليها دراسة هذه النظم، وتشرح بقدر الإمكان طريقة التناول في كل فرع من فروع الدراسات اللغوية.
стр. 59
منهج الأصوات-الفوناتيك:
الصوت:
يجب أن نبدأ هنا بتحديد اصطلاحات ثلاثة، نود أن نستعين باستخدامها استخداما خاصا على الشرح، ومن المهم إلى أقصى حد أن نفرق بين مفهوماتها.
تلك هي:
١- الجرس، ونقصد به ما يقصد بالكلمة الإنجليزية Noise.
٢- الحس ونقصد به معنى الكلمة الإنجليزية Voice، وقد استعرنا كلمة حس من الكلام العامي في نحو "فلان حسه جميل".
٣- الصوت والمراد به معنى الاصطلاح الإنجليزي Sound.
فالجرس أي أثر سمعي غير ذي ذبذبة مستمرة، مطردة كالنقرة على الخشب أو الطبلة، وكالاصطدام وضجيج حركة المرور، وما يسمع نتيجة سقوط جسم على آخر، وحك جسم بجسم وهلم جرًّا.
والحس ما نطقه جهاز صوتي حي، وبخاصة الجهاز النطقي الإنساني؛ فمعناه إذا ضيق محدود لا يشتمل في دلالته على معنى الصوت اللغوي؛ لأن الحركات العضوية، التي تدخل في مفهوم الصوت اللغوي، لا تدخل في دلالة هذا الاصطلاح.
وأما الصوت بالمعنى العام "الذي يشمل اللغوي، وغير اللغوي"، فهو الأثر السمعي الذي به ذبذبة مستمرة مطردة، حتى ولو لم يكن مصدره جهازا صوتيا حيا.
فما نسمعه من الآلات الموسيقية النفخية، أو الوترية أصوات وكذلك الحس الإنساني صوت، ويتوقف فهم الصوت بهذا المعنى العام على اصطلاحات ثلاثة، يجب التفريق بينها أيضا، هذه الاصطلاحات هي:
١- درجة الصوت pitch
٢- علو الصوت Loudness
стр. 60
٣- قيمة الصوت Quality or timbre
فدرجة الصوت سمكه، أو دفنه "ودعنا نختر هاتين الصفتين من صفات الأحجام، فنستعملها استعمالا مجازيا"، ويتوقف السمك والدقة على عدد الذبذبات في وقت معين يحدد عادة بالثانية، فإذا كثر عدد الذبذبات في الثانية كان الصوت دقيقا، وإذا قل كان الصوت سميكا، وإذا توقفت الدرجة على عدد الذبذبات، فإن عدد الذبذبات بدوره يتوقف على:
١- سمك مصدر الذبذبة، كالوتر مثلا، فالوتر السميك ينتج صورة سميكا وبالعكس.
ب- طول هذا المصدر، فالوتر الطويل ينتج صوتا سميكا وبالعكس.
ج- قوة التوتر فالوتر المشدود ينتج صوتا أدق من ذلك، الذي ينتجه الوتر المسترخي.
د- شكل المصدر، وهو ما يتوقف عليه ما إذا كان الصوت طبيعيا، أو مصطنعا falsetto.
والأوتار الصوتية في الرجل أسمك، وأطول من الأوتار الصوتية في المرأة، ولهذا صار صوت الرجل أسمك من صوت المرأة بصفة عامة، وكلاهما أسمك من صوت الطفل.
ويتوقف علو الصوت على المدى، الذي يصل إليه مصدر الذبذبة في التراوح بين نقطتي غاية ابتعاده من نقطة الصفر، ومعنى ذلك أنه إذا كان الوتر الصوتي الإنساني في حالة صمت سواء كان مقفلا، أو مفتوحا، فهو في النقطة الذبذبية صفر؛ أي أنه غير منتقل، فإذا بدأ في الذبذبة، تحرك إلى أعلى، وأسفل بمدى يتساوى فيه ما بين نقطة الصفر، وغاية الصعود بما بين نقطة الصفر، وغاية الهبوط. فإذا اتسع ذلك المدى كان الصوت عاليا، وإذا ضاق كان الصوت منخفضا. وهذا المدى بذوره يتوقف اتساعه، وضيقه على كمية الهواء الخارج من الرئتين المار بين الأوتار الصوتية، فإذا زادت كمية الهواء اتسع المدى وبالعكس، أما في البيانو مثلا، فيتوقف على قوة الضرب على المفتاح، وفي العود والكمان على قوة ضرب الوتر، أو الضغط عليه.
стр. 61
وبالاختصار يتوقف العلو على الإثارة في جميع ذلك.
وأما قيمة الصوت، فهي أثره السار أو المنفر في الأذن، ومن المعروف أن أي صوت يمكن تحليله إلى نغمة أساسية، ونغمات أخرى فرعية وأن النغمات الأساسية، "أو نغمة درجة الصوت كما يسمونها"، هي أعلى هذه النغمات، وأن النغمات الفرعية نتيجة ذبذبات، تكون مضاعفات حسابية مع عدد الذبذبة في النغمة الأساسية.
ولإيضاح ذلك نقول: إننا إذا اخترنا مثلا وترا من أوتار العود، أو الكمان فسنجد أنه حين يضرب يتذبذب ككل من أجل النغمة الأساسية، ثم تتذبذب أجزاؤه مرتعشة في نفس الوقت، من أجل النغمات الفرعية، فإذا تذبذب الوتر ككل ٢٠٠ مرة في الثانية مثلا، فسنجد أن من أجزائه ما يتذبذب ٤٠٠ مرة ومنها ما يتذبذب ٦٠٠، ٨٠٠، ١٠٠٠، ١٢٠٠ وهكذا. وإذا أخذنا عمودا من الهواء في آلات النفخ، فإننا نجده ينقسم إلى هذه الأجزاء، التي بينها علاقة حسابية أيضا، فيكون منه ما هو نغمة أصلية، ومنه ما هو نغمات فرعية.
وتسمع النغمات الفرعية في نفس الوقت مع النغمة الأساسية، مكونة معها كلا هو الصوت، ولكن هذه النغمات الفرعية لا تسمع بمفردها، وتتوقف قيمة الصوت على هذا النسق الرنيني الخاص من النغمات الفرعية، فكما أن العود في تصمصم بنائه، قد صنع ليختلف في القيمة الصوتية عن الكمان، أي أنك تستطيع أن تقرر بالسماع، دون أن ترى الآلة ما إذا كان المعزوف عودًا أو غيره، كذلك تستطيع أن تقرر بالسماع، ما إذا كان صوت العلة المنطوق هو هذا الصوت أو ذاك، وتنسبه إلى الفتحة أو الكسرة أو الضمة، فاختلاف شكل العود عن شكل الكمان، كاختلاف شكل الفم في نطق أحد الأصوات عنه في نطق الآخر، يغير شكل الموجة الصوتية، بإيضاح النغمات الفرعية الخاصة بهذا الوضع، وإعطائها أهمية في السمع، وإن اتحد طول الموجة في الحالتين، واختلاف شكل الموجة هو اختلاف القيمة، وذلك ما تميزه الأذن بسهولة.
وهذه القيمة الصوتية، تجعلك تميز صوت صديقك في التليفون من أصوات الآخرين، ولو يشبهونه في الدرجة والعلو، وتتوقف النغمات الفرعية على نسيج الأوتار.
стр. 62
الصوتية نفسها، بقى بعد ذلك أن نرى كيف يحدث الصوت الإنساني، أو ما اصطلحنا على تسميته "الحس".
إن الهواء الخارج من الرئتين، إما أن يجد الأوتار الصوتية مفتوحة فتحا تاما، بحيث لا تعترض طريقة، فيمر منها دون أن يحدث بها ذبذبة، أو احتكاكا، وإما أن يجدها متقاربة قربا يمكن الهواء من أن يحتك بها، دون أن يحدث بها ذبذبة، وإما أن يجدها قريبة جدا، بحيث لا يمر بها دون أن يحدث بها ذبذبة، والوتران الوصتيان في ذلك كالشفتين، يستيطع الإنسان أن يفتحهما في طريق الهواء الخارج من الفم، ويستطيع كذلك أن يقربهما للنفخ بهما، ويستطيع أن يقربها بدرجة أكبر، ليحدث بهما صوتا مسموعا.
أما الأوتار الصوتية، فإنها حين تتباعد مع مرور الهواء بينها، تسمح بحدوث ما يسمى بالتنفس العادي غير الصحوب باحتكاك الهواء بهذه الأوتار، فإذا تقاربت لدرجة تحتم احتكاك الهواء بها، حدث ما نسميه الهمس، وهي حالة تغاير تماما تلك التي اصطلحنا على أن نسميها حالة إنتاج الحس، التي لابد لها من وجود ذبذبة في الأوتار الصوتية.
بقي بعد ذلك أن نشرح هذه الحالة الأخيرة "حالة الحس". إن الذبذبة التي تحدث في الأوتار الصوتية، ليست كل شيء فيما يتعلق بإنتاج الحس، وكل ما ينتج عن هذه الذبذبة هو ما اصطلحنا على تسميته "الجرس"، أما كيف يتحول هذا الجرس إلى حس له درجة، وعلو وقيمة على نحو ما شرحناه سابقا، فذلك سيتوقف على عوامل مساعدة، يمكن تسميتها حجرات الرنين.
نحن نعلم أن وتر العود من غير جسم العود لا يؤدي نفس الغرض، الذي يؤديه وهو مركب على هذا الجسم، وأن الضرب عليه، وهو خارج العود سيؤدي إلى جرس قصير الأمد، قد لا يتجاوز الثانية، وآية ذلك أنك تستطيع أن تأخذ أحد أوتار العود، فتفصله ثم تحكم شده بين شيئين، ثم تضرب عليه بنفس الريشة المستعملة في العزف على العود، ولست أشك إن فعلت في أنك ستدرك الفرق بين حالتي الوتر، مشدودا على العود ومشدودا خارجه.
стр. 63
ويقال ذلك عن أوتار كل آلة موسيقية وترية، كما يقال في الأوتار الصوتية الإنسانية، فالذي يحدث إذا من الأوتار الصوتية، من غير اعتبار العوامل المساعدة، ليس إلا جرسا كالذي يحدث من وتر مشدود، في غير آلة موسيقية.
ونحن نعلم أيضا أن وظيفة الصندوق في العود، إنما هي إيجاد الرنين الضروري لإحداث صوته، وهذا الرنين أشبه ما يكون بأصداء لجرس الوتر تتشابك في صندوق العود، ويكمل بعضها بعضا، وإذا كان لعود صندوق واحد يؤدي هذه المهمة، ففي الإنسان صناديق كثيرة؛ فالتجويف الصدري والحلق، وتجويف الفم كله حجرات رنين من أنواع ممتازة، ولهذا كان الجهاز الصوتي الإنساني أكثر الآلات الصوتية، كمالا وإيفاء للغرض.
يخرج الهواء إذا من الرئتين، فيجد الوترين الصوتيين متقاربين قربا شديدا، ولكنهما غير مقفلين، فيمر بينهما فيتذبذبان، ويكون لذلك جرس يتردد صداه في حجرات الرنين، التي ذكرناها فوق هذا الكلام، ويتكون من مجموع الجرس والأصداء الرنينية حس له مقوماته الخاصة، من درجة وعلو وقيمة، وسنرى فيما بعد أن النشاط اللغوي الإنساني، يحسن استخدام العلو، والقيمة إلى أقصى غايات الإحسان، فيستخدم الأول في التنغيم١، وفي التفريق بين الصحاح والعلل، ويستخدم الثانية في التفريق بين أفراد كل نوع من الصحاح، والعلل من ناحية صفاته.
стр. 64
الصوت اللغوي:
حين يتكلم المتكلم، نلاحظ أنه يقوم بحركات خاصة بفكه الأسفل، وشفتيه ولسانه، ونلاحظ كذلك أن أثرا سمعيا معينا يصل إلى آذاننا، فنفهم أنه مرتبط بهذه الحركات التي في فم المتكلم.
هذا الأثر السمعي لا يبدو في مظهر ذبذبة مستمرة طويلة غير معدلة، كالتي نسمعها من صفارة الإنذار، أو من صفارة القطار، وإنما هي معدله بمقدار ما يصاحبها من حركات الفم، التي ذكرناها في البداية، هذه الحركات النطقية ملونة بألوانها الصوتية الخاصة، هي ما اصطلح العلماء على تسميته بالأصوات اللغوية، فالصوت
стр. 65
اللغوي إذا ذو جانبين أحدهما عضوي والآخر صوتي؛ أو بعبارة أخرى أحدهما حركي والثاني تنفسي؛ أو بعبارة ثالثة أحدهما يتصل بعملية النطق، والثاني يتصل بصفته، وعملية النطق هذه تحدث في أية نقطة مما بين الشفتين، والأوتار الصوتية في الجهاز النطقي الإنساني.
ويجب أن نشير هنا إلى حقيقة عامة، تتصل بحركات هذا الجهاز هي أن بعض أعضائه ثابت، والبعض الآخر متحرك، فالأجزاء الثابتة هي الأسنان واللثة والغار، والجدار الخلفي للحقح، والأجزاء المتحركة هي الشفتان واللسان من طرفه إلى ما يشمل لسان المزمار، والفك الأسفل والطبق بما فيه اللهاة والحنجرة والأوتار
стр. 66
الصوتية والرئتان، أضف إلى ذلك الحجاب الحاجز، وبعض العضلات البطنية، وهذان الأخيران سوف لا يدخلان في دراستنا هذه.
وهناك حقيقة أخرى، لا بد من الإشارة إليها هي أن الوظيفة الأساسية لهذا الجهاز، ليست متصلة بالنطق اللغوي، وإنما تؤدي وظيفة حيوية بالعمل على جعل استمرار الحياة أمرا ممكنا، فالشفتان صمام لحفظ الطعام من الانتشار أثناء المضع، وتستعملان كذلك في المص والبصق؛ والأسنان والأضراس لتقطيع الطعام ومضغه، واللسان، وهو عضلة في نهاية التعقيد من ناحية تركيبه، وحركته، يساعد على خلط الطعام في الفم، ويفصل سقف الفم بين تجويفين يختلفان في الوظيفة، هما تجويف الفم وتجويف الأنف، والتجويف الأنفي حجرة لتكييف الهواء قبل هبوطه إلى الرئتين، والحلق ممر الهواء، وهو ينتهي بالأوتار الصوتية، التي هي جزء من الحنجرة، وهذه الأوتار صمام لحفظ الرئتين من الأجسام الغربية، ولحبس الهواء فيهما لأغراض مختلفة، منها السعال وحمل الأحمال الثقيلة، والرئتان تكرران الهواء، وترسلانه إلى القلب، ويتم هذا التكرير عن طريق التنفس.
ولكن الضرورة الاجتماعية مضافة إلى الذكاء الإنساني خلقا وظيفة ثانوية لهذا الجهاز الحيوي، هي وظيفة النطق اللغوي، ويستطيع الإنسان بتحريك الأجزاء القادرة على الحركة من هذا الجهاز، وتقريبها من أجزائه الأخرى أن يحدث تضييقا في مجرى هواء، كما يستطيع بإلصاق الأجزاء القادرة على الحركة أيضا بالأجزاء الأخرى منه، أن يقفل مجرى الهواء إقفالا تاما؛ وبهذا التضييق وذلك الإقفال، أو عدمهما يستطيع المرء أن يحدث من الأصوات ما لا حصر له، ولعل عدد الأصوات المستخدمة في جميع اللغات الإنسانية في كوكبنا هذا، لم تستنفد كل الإمكانيات الصوتية في الجهاز النطقي الإنساني، ولكن هذه الجمهرة الضخمة من الإمكانيات النطقية، لا تستخدم كلها في لغة واحدة، وإنما تختار كل لغة منها طائفة قليلة متباينة، يختلف بعضها عن بعض؛ إما من ناحية مكان التضييق أو الإقفال الذي هو المخرج، وإما من ناحية الأثر الصوتي المسموع جهرا كان أو همسا، وإما من ناحية الطريقة التي يخرج بها الهواء عبر المخرج، سواء كانت هذه الطريقة انفجارا
стр. 67
أو احتكاكا أو خروجا حرا، وإما من ناحيتين أو أكثر من هذه النواحي.
ويحس المتكلم العادي دائما، إذا كان واعيا بالأصوات التي يتكلمها، أن هذه الأصوات لا تعدو بحال عدد الرموز الكتابية في لغته، ولكن هذا الإحساس خاطئ بالطبع، وربما لا يكون من بين المتكلمين بلهجة القاهرة من يدرك بلا إرشاد أن اللام في طلب، من الناحية الصوتية، غير اللام في ثلاثة، وأن التاء في يتعلم غير التاء في يتصرف؛ لأن من عادته أن يعامل الصوتين في كل حالة معالة الحرف الواحد، فإذا كانت اللامات والتاءات تختلف في اللهجة الواحدة، فلا شك أن في لغات العالم، عددا ضخما من اللامات والتاءات، التي يختلف كل منها عن الآخر مخرجا جهرا، أو همسا أو طريقة أو درجة، أو رنينا أو تفخيما أو ترقيقا.
فلا يغرنك إذا أن تسمع المتكلم الأجنبي يأتي في كلامه بأصوات، تذكرك بأصوات لغتك، فتظن بادئ ذي بدء أن هذا هو عين الصوت الذي تتكلم به أنت، فأنت إذا دققت السمع وجدت فرق ما بين السماء، والأرض بين صوتك الذي في كلامك، وصوته الذي في كلامه، وذلك فرق يبدو بدقة الملاظة، كما يبدو بالوسائل الميكانيكية، التي تستخدم في البحث في معمل الأصوات اللغوية، تلك الوسائل التي سنشرحها بعد قليل، وهذا الفرق من ناحية أخرى يرجع إلى
اختلاف نوع التكييف العضلي الذي يصحبه، وهذا التكييف أمر فردي في طابعه، حتى ليختلف الأخوان في طريقة النطق، ويختلف الشخص مع نفسه من نطق إلى نطق، بحسب ظروفه العضلية والنفسية.
ولكن لا جدال في أن التاء، إن اختلفت من فرد إلى فرد، ومن لهجة إلى لهجة ومن لغة إلى لغة، فهي في مجموعها نوع نطقي معين تشترك اللغات فيه، وتختلف
في أفراده، وهذا هو الذي يبرر كتابة أسماء الأعلام في اللغات الأجنبية بمقابلات رمزية عربية. لاحظ التاء مثلا في الكلمات الآتية:
ستالين، تورين، تفليس، سان استيفانو، مارجريت، كلكتا.
وإنك لتجد رموزا عربية أخرى في هذه الكلمات إلى جانب التاء، يمكن أن
стр. 68
يقال فيها ما يقال في التاء، وهذا أيضا هو المبرر الوحيد لخلق أبجدية أصواتية عالمية محدودة عدد الرموز، فكل رمز في هذه الأبجدية نوعي "Typologcil"، يدل على طائفة من حالات النطق تشترك في سلوك عضلي وسمعي معين، وتختلف في تفاصيل نطقها وسماعها، ففي العربية تاء وفي الإنجليزية
أخرى وفي الهندستانية ثالثة، ولكن العربية أسنانية مهموسة، والإنجليزية لثوية مهموسة، والهندوستانية انقلابية retroflex أقل همسا من كليتهما؛ ومع ذلك فإن الكلمة الإنجليزية التي بها تاء مثل "توماس"، إذا نقلت إلى العربية ابتدأت بالتاء أيضًا.
ولكننا ضربنا مثلا بالتاء فحسب، مع أن الواقع أن ذلك يقال عن كل ما في اللغة من رموز أصواتية، ولقد سبق أن قلنا: إن في اللغة العربية حرفا يضم اسمه في مفهومه طائفة من الأصوات، التي تختلف في مخارجها من الأسنان في الأمام إلى اللهاة في الخلف، لاحظ نفسك وأنت تنطق النون في قولك: "من ظلم" "مع ملاحظة أن اللسان لا بد أن يخرج مع الظاء"، وستجد أن النون صوت يخرج اللسان معه، كما يخرج مع الثاء والذال والظاء، ثم لاحظ نفسك أيضا وأنت تنطق النون في "من شاء"، "من جاء"، "من خرج"، "من غاب"، "من قعد"، "من بات"، "من يكون"، ثم في قولك: "أنا"، وستجد -لا محالة- أن بعض هذه الأصوات يختلف عن بعض، ولكنها كلها تلتقي تحت مفهوم حرف النون. ولاحظ كذلك أننا قد قابلنا النون الأجنبية بنون عربية في ثلاثة من الأمثلة، التي جئنا بها من قبل، وهي:
ستالين، تورين، سان استفانو.
ولست أريد هنا أن أدخل في مسألة نقل الأعلام الأجنبية بحروفها إلى اللغة العربي، واستعارة الكلمات الأجنبية بحروفها كذلك؛ فلهذا النقل نظام خاص من المقابلات لا أحب أن أخوض فيه في هذا الكتاب، ولكن الذي أحب أن أقوله هنا، هو أن لدراسة الأصوات منهجا خاصا بها تبحث على أساسه، وما دام إنتاج الصوت عملا فرديا -وقد سبق أن قلنا: إن الأخوين لا ينطقان نطقا متشابها
стр. 69
تماما- فإن دراسة الأصوات، إنما تقوم على أساس فردى لا جمعي؛ وذلك أنك تختار من اللهجة، التي تريد أن تدرسها من الناحية الصواتية، متكلما من متكلمي هذه اللهجة نشأ عليها من طفولته، مع تفضيل المتكلم الذي لم يغادر المنطقة اللغوية، التي تتكلم اللهجة فيها طول حياته؛ فهذا خير من يمثلها تمثيلا صحيحا، والأفضل في ذلك أيضا أن يكون ذلك المتكلم "ولنسمه بعد ذلك مساعد البحث" أميالا يعرف القراءة، والكتابة؛ لأن للقراءة والكتابة تقاليدها التي لا تتمشى دائما مع المنهج الصحيح، فإذا كان المساعد قارئا كاتبا تدخلت معرفته بذلك في مجرى البحث، وضيعت كثيرًا من الفائدة على طالب البحث.
لقد حدث حين درست لهجتي الخاصة "لهجة الكرنك مركز أبي طشت بمديرية قنا"، لدرجة الماجستير في جامعة لندن أن اتخذت نفسي مساعدا لنفسي، حيث كنت طالب البحث، فلما سجل رسالتي للدكتوراه في دراسة أصوت لهجة عدن وتشكيلها الصوتي، حدث أن اتخذت مساعدا لي عدنيا، كان يدرس القانون في لندن، وقد كان أول عملي معه أن أستمليه بعض القصص والحكايات باللهجة العدنية، وأن أسجل بعض ذلك على إسطوانات في معمل الأصوات، بمعهد اللغات الشرقية في لندن.
وكنت إذا تم التسجيل أدرت هذه الإسطوانات جملة جملة، وربما كررت إدارة الإسطوانة للجملة الواحدة عشرين إلى ثلاثين مرة أو أكثر، حتى أحصل منها على الأثر الصوتي المرضي، فأسجله بكتابة أصواتية مضبوطة محددة الرموز. ويتم ذلك عادة بحضور المساعدة، حتى يصحح لسمعي ما قد تدغمه الإسطوانة حين سماعها.
فإذا وجدت كلمة غامضة في سماعها من الإسطوانة، طلبت إلى المساعد أن يكررها؛ فلا يزال يكررها حتى أطلب إليه أن يكف، ثم أدير هذه الكلمة بخصوصها على الإسطوانة، وأقارن بين السماعين حتى يتضح ما في الإسطوانة لأذني، ومع أن لهجة عدن ولهجتي الخاصة بينهما وضوح متبادل -لأنهما، كما يعلم القارئ، ينتميان إلى لغة واحدة هي اللغة العربية- لم يكن من السهل علي في بعض الحالات أن أحدد مفاصل الكلمات، فأعلم أين تبدأ الكلمة وأين تنتهي، ذلك؛ لأن تحديد الكلمات في أية لهجة غير معتادة بالنسبة للباحث، إنما يقوم على أسس معقدة أصواتية، وتشكيلية وصرفية ونحوية، وعلى عوامل أخرى سنذكرها حين الكلام عن تعريف الكلمة.
стр. 70
الملاحظة:
هذا الذي أشرت إليه في الكلمات الماضية، هو ما يسمى في منهج الأصوات بطريقة الملاحظة، ولن تكون طريقة الملاحظة وافية بالغرض منها، دون أن تصحبها ملاحظة ذاتية من جانب طالب البحث، وذلك بأن يقلد الطالب مساعده في نقطة على مسمع من المساعد، ويسأله وهو يفعل ذلك أن يدله على مواطن الغلط في التقليد، ولا يزال به يسأله، ويستفهمه حتى يقول المساعد: إنه يرضى نطق الطالب للمثال باعتباره ممثلا لنطق اللهجة، أو أقرب ما يكون منه، ويجب على الطالب إذا أراد أن يستوثق من أمانة المساعد، أو من انتباهه أن يخادعه أحيانا؛ لأن المساعد قد يرضى في بعض الأحيان بنطق غير صحيح، ويدعي صحته، إما تأدبا منه مع الطالب، أو لتعبه، أو عدم انتباهه. فإذا علم أن الطالب يخادعه أحيانا بتعمد الخطأ في النطق، كان ذلك حافزا له على الجد والانتباه، والتدقيق في قبول نطق الطالب.
ومن المهم جدا أن تتخذ لنفسك طريقة، لوضع الأسئلة التي تسأله بها المساعد؛ لأن السؤال الذي يسوء اختيار طريقته، إما أن يجاب عنه جوابا يقود إلى طريق خاطئ في الاستنتاج، وإما أن يحير المساعد فلا يستطيع الإجابة عليه، فليس من المفيد أبدا أن تستعمل في أسئلتك اصطلاحات فنية، يجهل المساعد معناها؛ لأن هذه الاصطلاحات هراء بالنسبة له، ولست أتصور طالبا مثلا يسأل مساعده، على علم منه بجهله، أن ينطق له جملة باللحن التنغيمي الأول، ولا أن يسأله أن يقدم له قائمة من الكلمات، التي تبدأ بالمقطع القصير "ص ع"، والطالب الذي يفعل ذلك يعوق عمله بقدر ما يحير مساعده بلا شك، ويدرك أنه أبعد ما يكون عن مراعاة مقتضى الحال.
ومما يساوي ما تقدم في الأهمية ألا تدع مساعدك، وقد تعود على سماع الاصطلاحات منك، يعرف الهدف الذي ترمي إليه من اختيار الأمثلة واختبارها،
стр. 71
فلا تدعه يعرف السبب الذي من أجله، تطلب إليه أن ينطق هذا المثال أو ذاك.
ولا تقل له: إنني أريد أن أرى من نطقك، التي طلبته منك أن أرى ما إذا كان الصوت الفلاني مفخما، أو مرققا في هذا المثال؛ لأن ذلك يجعله يضطرب في تحديد القيمة الصوتية الصحيحة لهذا الصوت، فإما أن يبالغ في التفخيم، وإما أن يبالغ في الترقيق، وإما أن يتوسط بينهما على حساب القيمة الصحيحة للصوت، وبعبارة أخرى سيقوده هذا إلى الوعي بنطقه؛ والوعي بالنطق أول مراحل التلجلج.
وليس من المفيد أيضا، أن تواجهه بالاستفهام عن أحد احتمالين لا ثالث لهما؛ كأن تقول له: أفي هذا الموضع حركة أم سكون، فربما كان هذا موضعا من مواضع القلقة التي لا هي بالحركة ولا بالسكون، وخير ما يفعل في هذه الحالة -إذا أمكن- أن تكتب الكلمة بالأبجدية، التي تكتب بها اللهجة، وتسأل مساعدك أن ينطقها لك، وأنت تلاحظ بعد ذلك كيف ينطق، فإن كان غير كاتب ولا قارئ، أو لم تكن للهجته أبجدية تكتب بها، فاسأله عن الكلمة التي يطلقها على المعنى الفلاني، على أن تكون هذه هي الكلمة التي تبحث عنها. فجوابه لك حينئذ يكون بنطق الكلمة نطقا صحيحا، تستطيع -إذا أردت- أن تطلب إليه أن يعيده قدر ما تشاء.
والميزة التي تمتاز بها الملاحظة على الطرق الميكانيكية في البحث، تكمن في أن الأذن الإنسانية أكثر الآلات ضبطا للاستخدام في الأغراض اللغوية، زد على ذلك أن المادة التي تبحث بالأذن، إنما هي الكلام الحي نفسه، في مقابل ما يدرس على الحنك الصناعي، وهو بصمة اللسان، وما يدرس على الكيموغراف وهو التعريجات الكتابية، وما يدرس بالآشعة فوق البنفسجية، وهو صورة الجهاز النطقي في وضع ثابت معين.
واستخراج الحقائق من الملاحظة استخراج مباشر، ومن الآلات غير مباشر. ولعل طريقة واحدة من طرق الملاحظة، قد نجحت في التغلب على عامل التوقيت بخلق دوام من نوع معين للنطق، تلك هي طريقة تسجيل الصوت تسجيلا يجعله في المتناول كلما أريد سماعه، فهو يسمع حينذاك بكل خصائصه التي فيه دون أن يتأثر القرص بالعوامل الخارجية، عضلية كانت أو نفسية كما يتأثر المتكلم.
стр. 72
تسجيل الصوت:
يعتبر التسجيل، كما أشرنا من قبل، توسيعًا لمدى الملاحظة بإدخال عنصر الدوام على النطق، وهذا الدوام استمرا بالقوة١ للنطق، حتى تبدأ إدارة الإسطوانة، فيصير استمرارا بالفعل، وذلك؛ لأن الأسطوانة باقية دائما ومدارة أحيانا، ومثل ذلك يقال عن الشريط، ووسائل التسجيل الأخرى، وتمكن الإعادة غير المحدودة العدد، لنطق خاص على الأسطوانة برفع ذراع الإبرة عن المكان، الذي ينتهي فيه النطق، ووضعها ثانية في المكان الذي بدأ فيه، ويستطيع الطالب أن يتقن هذه العملية إتقانا لا حد له، وتعتبر الأسطوانة، من بين وسائل التسجيل الأخرى، أحسن وسط لحفظ أكبر عدد ممكن من ملامح الصوت المختلفة، وإعطائها لأذن السامع، ولكن التسجيل بصفة عامة لا يمكن أن يقارن بالصوت الحقيقي الصادر عن الجهاز الإنساني، ولا سيما إذا كان المقام مقام بحث أصواتي لغوي، وذلك لسببين: أولهما أن الصوت الإنساني الحي أوضح في قيمته من تسجيله الذي على الأسطوانة، وأن هذا التسجيل ليس إلا تقليدًا غير مطابق تماما للأصل، وثانيهما أن التسجيل المسموع يعطي الطالب فرصة السماع فحسب، وأما الصوت الحي فللأذن فيه فرصة السماع، وللعين فرصة الرؤبة، إذ يلاحظ الباحث حركات شفتي المساعد، ولسانه وفكه الأسفل، وكل ما تصل إليه عينه من أعضاء نطق المساعد.
وإن عدم ملاحظة هذه الحركات في الأسطوانة المسموعة، يجعلها أحط بكثير من الصوت الطبيعي، ومما يؤخذ على التسجيل إذا قارناه بالصوت الحي، أن الطالب إذا سجل على أسطوانته أصواتا غير واضحة -وكثير ما هي- فإنه لا يستطيع أن يحصل من الأسطوانة على توضيح كاف لهذا الغموض، حتى ولو أدار هذا النطق على الأسطوانة آلاف المرات، أما إذا جاءك مساعدك أحيانا بصوت غير واضح، فإنك ستستوضحه، وسيوضح لك ما غمض في نطقه الأول.
стр. 73
والتسجيلات هي الوسائل الوحيدة "تقريبا"، التي يمكن أن تختبر بها دقة نتائج الملاحظة، أو عدمها في نواح كثير في علم الأصوات اللغوية، مثل قيم الأصوات العلية، والتنغيم، والنبر، وهلم جرا، ففي غياب مساعد البحث لا يمكن استقصاء هذه الملامح اللغوية بواسطة أية وسيلة آلية، إلا وسيلة التسجيل، وهذا ما يعطي التسجيل قيمة بين وسائل البحث الآلية، لا تشاركه فيها وسيلة آخرى.
ومن المهم جدا أن يكون الطالب حذرا في اختيار المادة، التي يسجلها على الأسطوانات لأغراض البحث اللغوي؛ لأن المفروض في هذه المادة أن تخدم أغراضا معينة في العمل، ويتطلب موضوع ما في دراسته مادة تختلف عما يتطلبه موضوع آخر، فطالب الأنثروبولوجيا مثلا، قد يسجل من مادة اللغة ما يسجله طالب الأصوات، أو طالب التشكيل الصوتي، أو طال النحو أو الصرف، ولكن هذا ليس ضروريا؛ لأن طالب الأنثروبولوجيا لا تهمه قوائم الكلمات، ولا جداول التصريف، كما تهم الطلاب الآخرين المذكورين؛ بل يهتم في الغالب بالفقرات، والقطع الكاملة التي تتضح بها ظاهرة أنثروبولوجية معينة.
أما مادة التسجيل لطالب الأصوات، فإنها تشتمل على ما يأتي:
١- قوائم معدة من الكلمات التي تشرح المقارنة بينها ظاهرة نطقية معينة.
٢- قصص معدة قبل التسجيل.
٣- قصص مرتجلة، وسيصادف الطالب كثيرا من هذه في منطقة اللهجة.
٤- محادثات وديالوجات، وما أشبه ذلك من أنواع الحوار، وما يعده الطالب من هذه المادة قبل التسجيل يتطلب مقدرة خاصة على الاختيار، ونفوذ النظرة في العمل، وفي التنبؤ بالأمثلة التي سيختارها حين كتابة مؤلفه عن اللهجة المدروسة.
стр. 74
البلاتوغرافيا: أو تكنيك الحنك الصناعي:
يقول فيرث: "لقد استعملت البلاتوغرافيا منذ طليعة التجارب، التي قام بها روسيلو"١، ومع أن هذه الطريقة من طرق البحث، قد بدأت باستعمال بصمات أصوات، ثم نطقها منفردة خارج بيئة الكلمة، إلا أن هذه البصمات لا ينظر إليها نظرة ثقة في الوقت الحاضر؛ لأن اللغة إنما تنبني من النطق الكامل، لا من نطق الأصوات المستخرجة من بيئتها الطبيعية، ومن نتائج هذه النظرة إلى البلاتوغرافيا، أن أصبح طالب اللغة الآن يقوم بالتجارب على بصمات للأصوات في الكلمات التامة، أو في الجملة، حين توجد الجملة المناسبة، وهذه البصمات على نوعين:
١- أمثلة تختار بحيث يكون واحد فحسب من أصواتها المكونة لها، صالحا لإنتاج بصمة على الحنك الصناعي، ويمكن أن نسمي هذا النوع: وحيد البصمة "انظر البصمات من ١ إلى ١٦".
٢- أمثلة تختار بحيث يكون أكثر من واحد من أصواتها صالحا لمثل هذا، بشرط ألا تتداخل مناطق البصمات للأصوات المختلفة في المثال، ويمكن أن نحصل من هذا النوع على أمثلة ذات بصمات ثلاث، لا يتداخل بعضها مع بعض، ومن ذلك المثال العددي ضروك، ففي هذا المثال تقع بصمة الضاد العدنية على ما يقابل أطراف الثنايا من الحنك الصناعي "dental articulation"؛ لأن الضاد العدنية يخرج فيها اللسان، وأما الراء التي تجاور صوت علة متأخر ضيق "أحد أصوات الضمة أو واو المد"، فإن بصمة اللسان على الحنك الصناعي معها، إنما تقع في منطقة مقدم الغار، ومؤخر اللثة "post-alveolar'، وأما بصمة الكاف في هذا المثال، وقد
стр. 75
سبقها صوت العلة المذكور، فإنها تقع في الزوايا الخلفية التي في نهاية الحنك "post-palatal"، ويسمى هذى النوع متعدد البصمة، "انظر البصمات من٧ إلى ١٢".
واختيار النوع الأول من هذه الأمثلة أسهل بكثير من اختيار النوع الثاني؛ وهذا النوع الأول يوجد بكثرة ضخمة في الكلمات العربية، فلاختيار أي مثال من هذا النوع ينظر الطالب في الكلمة؛ فإذا وجد فيها أكثر من صوت واحد، ينطق باللسان، فليدعها، فإن وجد فيها صوتا واحدا، مما يتحرك اللسان في نطقه فليخترها، ومن هذا النوع عرب، حلف، شمم، مزح، مرح، مسح، أولم، أوفد، أبرعن أبأس، أحفر، عمر، رحمة، ملام، وهلم جرا.
بعد أن يجمع الطالب الأمثلة، التي سيجري بها تجارب البلاتوغرافيا، ويكون قد جمعها طبقا للمسألة التي يريد بحثها بواسطة هذه الأمثلة، يأتي بالمساعد ويعد له الحنك الصناعي، فيلصقه بسقف فمه مثبتا من أطرافه في أسنانه العليا، بعد أن يكون قد نطفه بالزيت، ورش عليه الطباشير الفرنسي، ثم نفض فائضه عنه. حينئذ ينطق المساعد الكلمة وحيدة البصمة مثلًا، فلا يتصل لسانه بالحنك الصناعي إلا في صوت واحد من أصواتها، وحينما يتصل اللسان بالحنك الصناعي، يترك عليه بصمة يتلاشى الطباشير بها، ويظهر سواد الحنك الصناعي بدل بياض الطباشير، ثم يخرج الحنك الصناعي من الفم بحذر، دون أن يسمح للأصابع أن تترك به بصمات، وسيرى الطالب حينئذ موقع اللسان على الحنك الصناعي، فيستطيع أن يعلق على النطق في هذا المثال، أو على نطق الصوت في الموقع المذكور، ولذكر حدود البصمات مضبوطة، رأى القائمون بهذه التجارب، أن يقسموا الحنك الصناعي إلى مناطق، كما هو موضح بالرسم المصاحب، ليستطيع الطالب أن يصف البصمة باستعمال أسماء هذه المناطق لمن لم ير البصمة نفسها.