← Язык

Язык · id 11541

المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي

رمضان عبد التواب

Полный текст (299 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: اللغة أعظم إنجاز بشري على ظهر الأرض، ولولا اللغة ما قامت للإنسان حضارة ولا نشأت مدنية ولقد وقر في أذهان الناس منذ القديم تقديس اللغة وإعظام شأنها، وبلغت القداسة عند الشعوب البدائية، أن ارتبطت اللغة عندهم بتأثير اللفظ وسحر الكلمة، واختلط الاسم بالمسمى، في عقيدة هذه الأقوام. وقد أدرك العلماء في العصر الحديث، علاقة اللغة بالمجتمع الذي تعيش فيه، ومدى تأثرها وتأثيرها عليه، كما عرفوا الصلة القائمة بين اللغة والنفس الإنسانية، وتلونها بألوان الانفعالات والعواطف الوجدانية، لدى بني البشر. ولم يأل علماء اللغة جهدا في الوقوف على أسباب الصراع اللغوي بين اللغات المتجاورة ومظاهره ونتائجه، وولادة لغة واندثار أخرى، والعلاقة بين اللغات واللهجات. وأفاد هؤلاء العلماء من معطيات العلوم الأخرى في الدرس اللغوي، فاستخدموا المعامل في الوقوف على كنه الصوت اللغوي ومميزاته، واستطاعوا أن يصفوا بدقة الفرق بين صوت وصوت، ويميزوا الوحدات الصوتية، وتنوعاتها المختلفة في هذه اللغة أو تلك. كما استخدم العلماء طرائق علم الجغرافيا، في وضع الظواهر اللغوية على خرائط تبين حالها، وتوضح توزيعها بين المتحدثين بهذه اللهجة أو تلك. شأنها في ذلك شأن الظواهر الطبيعية والجوية والاقتصادية، في خرائطها الدالة عليها.

стр. 2

وقد تعددت مناهج البحث اللغوي عند علماء اللغة، وتمخضت بحوثهم عن ثلاثة مناهج مختلفة: المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج المقارن. ولكل منهج من هذه المناهج أنصار يدعون له، ويغضون من شأن المناهج الأخرى، ولكننا مع ذلك نرى أن كل منهج منها يؤدي غرضا لا يؤديه غيره، وإن مال الميزان في العصر الحديث مع المنهج الوصفي، وتعددت طرائقه وتشعبت مسالكه. ولكن هذه اللغة التي جند لها العلماء كل هذا الحشد الهائل من الدراسات والبحوث، لم تسفر بعد عن طريقة نشأتها عند الإنسان الأول، رغم كثرة النظريات والمذاهب اللغوية، حول هذه النشأة. وهذا الكتاب مدخل إلى كل هذه القضايا اللغوية، توخيت فيه الإحاطة والإيجاز، ولم أغفل جهد السابقين الأوائل من علمائنا العرب، أو أسرف في النقل عن المحدثين من علماء الغرب. وقد أوليت فيه تطبيقات المنهج المقارن عناية خاصة. وفي النية أن تكون لتطبيقات المناهج الأخرى، مساحة في هذا الكتاب في طبعة أخرى بعون الله تعالى. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. د. رمضان عبد التواب

стр. 3

القسم الأول: ال مدخل إلى علم اللغة مدخل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد: علم اللغة، هو العلم الذي يبحث في اللغة، ويتخذها موضوعا له، فيدرسها من النواحي الوصفية، والتاريخية، والمقارنة، كما يدرس العلاقات الكائنة بين اللغات المختلفة، أو بين مجموعة من هذه اللغات، ويدرس وظائف اللغة وأساليبها المتعددة، وعلاقتها بالنظم الاجتماعية المختلفة. وموضوع علم اللغة، هو كل النشاط للإنسان في الماضي والحاضر، يستوي في هذا الإنساني البدائي والمتحضر، واللغات الحية والميتة، والقديمة والحديثة، دون اعتبار لصحة أو لحن، أو جودة أو رداءة، أو غير ذلك١. واللغة التي يبحث فيها هذا العلم، ليست هي اللغة العربية أو الإنجليزية أو الألمانية، وإنما هي اللغة في ذاتها، ومن أجل ذاتها٢، هي "اللغة" التي تظهر وتتحقق، في أشكال لغات أخرى كثيرة ولهجات متعددة، وصور مختلفة من صور "الكلام" الإنساني، فمع أن اللغة العربية، تختلف عن الإنجليزية، وهذه تختلف عن الألمانية، فإن هناك أصولا وخصائص جوهرية، تجمع ما بين هذه اللغات، كما تجمع بينها وبين سائر اللغات، وصور الكلام الإنساني، وهو أن كلا منها لغة، أو نظام اجتماعي معين، تتكلمه جماعة معينة، بعد أن تتلقاه عن المجتمع، وتحقق به وظائف معينة، ينتقل من جيل إلى جيل، فيمر بأطوار من التطور، متأثرا في ذلك بسائر النظم الاجتماعية، والسياسية، الاقتصادية، والدينية وغير ذلك.

стр. 4

وهكذا نرى أن علم اللغة، يستقى مادته من النظر في اللغات على اختلافها، وهو يحاول أن يصل إلى فهم الحقائق والخصائص، التي تجمع اللغات الإنسانية كلها، في إطار واحد. وتتحدد لذلك وظائف علم اللغة فيما يلي١: ١- وصف ما وصل إلينا من اللغات البشرية، والتأريخ لها، وتقسيم اللغات إلى فصائل وعائلات، وإعادة صوغ اللغات الأم، لكل هذه الفصائل، على قدر الإمكان. ٢- البحث عن القوى المؤثرة في حياة اللغات في كل مكان، واكتشاف القوانين العامة، التي تفسر الظواهر اللغوية الخاصة بكل لغة. ٣- تحديد مجالات علم اللغة، والبحث عن تعريف مناسب لهذا العلم. وكان لا بد لكي تكتمل مباحث هذا العلم، أن يسبق بدراسات تفصيلية لمعظم لغات البشر، وقد مهدت تلك الدراسات المستقلة لكل لغة على حدة، للبحث في تاريخ اللغات والمقارنة بينها، فكثر التفكير في نشأة اللغة، وفي تطورها، وفي العائلات اللغوية، وغير ذلك. نعم إن تلك الدراسات السابقة للغات البشر، أو لأشهرها، يعاد النظر فيها الآن مرة أخرى. والذي يدعو إلى إعادة النظر فيها، هو نتائج "علم اللغة" نفسه؛ لأن بعض تلك الدراسات، قام على أسس غير سليمة، أو استعان بوسائل قاصرة، ولكن تلك الدراسات، مع ما فيها من

стр. 5

قصور، كانت خطوة أساسية، لظهور "علم اللغة"، ووصوله إلى ما وصل إليه الآن. ومن واجبات اللغوي أن يدرس اللغة كما هي، فليس له أن يغير من طبيعتها، شأنه في ذلك شأن الباحث في أي علم من العلوم، فليس له أن يقتصر في بحثه على جوانب من اللغة مستحسنا إياها، وينحي جوانب أخرى، استهجانا لها، أو استخفافا بها، أو لغرض في نفسه، أو لأي سبب آخر من الأسباب. ولا ترمي دراسة علم اللغة إلى أغراض عملية، فالباحث اللغوي يدرس اللغة لغرض الدراسة نفسها، فهو يدرسها دراسة موضوعية، تستهدف الكشف عن حقيقتها، فليس من موضوع دراسته، أن يحقق أغراضا تربوية مثلا، أو أية أغراض عملية أخرى، فهو لا يدرسها بغرض الارتقاء بها مثلا، أو تصحيح جوانب منها، أو القضاء على عوج فيها، فإن عمله يجب أن يقتصر على وصفها وتحليلها، بطريقة موضوعية.

стр. 6

مجالات علم اللغة: يبحث علم اللغة في المجالات التالية: ١- دراسة الأصوات التي تتألف منها اللغة، ويتناول ذلك تشريح الجهاز الصوتي لدى الإنسان، ومعرفة إمكانات النطق المختلفة الكامنة فيه، ووصف أماكن النطق ومخارج الأصوات في هذا الجهاز، وتقسيم الأصوات الإنسانية إلى مجموعات، تظهر في كل مجموعة منها خصائص معينة، ودراسة المقاطع الصوتية، والنبر والتنغيم في الكلام، والبحث عن القوانين الصوتية التي تكمن وراء إبدال الأصوات وتغيرها. كل ذلك يتناوله فرع خاص من فروع علم اللغة، وهو "علم الأصوات". ٢- دراسة البنية، أو البحث في القواعد المتصلة بالصيغ، واشتقاق الكلمات وتصريفها، وتغيير أبنية الألفاظ للدلالة على المعاني المختلفة، وهو ما يدرس عند العرب باسم "علم الصرف". ٣- دراسة نظام الجملة، من حيث ترتيب أجزائها، وأثر كل جزء منها في الآخر، وعلاقة هذه الأجزاء بعضها ببعض، وطريقة ربطها، وبعض هذه البحوث تدرس عند العرب في "علم النحو". ٤- دراسة دلالة الألفاظ، أو معاني المفردات، والعلاقة بين هذه الدلالات والمعاني المختلفة، والحقيقي منها والمجازي، والتطور الدلالي وعوامله ونتائجه، ونشوء الترادف والاشتراك اللفظي والأضداد، وغير ذلك. وكذلك دراسة حياة الكلمة عبر العصور اللغوية المختلفة، وما ينتابها من تغير في الصوت والدلالة، وما يطرأ عليها من أسباب الرقي والانحطاط، وعوامل البلي والاندثار.

стр. 7

٥- البحث في نشأة اللغة الإنسانية. وقد ظهرت في ذلك عدة نظريات مختلفة، تحاول أن تفسر لنا، كيف تكلم الإنسان الأول هذه اللغة، التي تطورت على مر الأزمان، حتى وصلت إلينا في صورها المختلفة الراهنة. وقد نادى بعض اللغويين المحدثين بإخراج موضوع نشأة اللغة، من موضوعات علم اللغة، أمثال "فندريس" Vendryes الذي يرى "أن غالبية أولئك الذين كتبوا عن أصل الكلام، منذ مائة عام، يهيمون في تيه من الضلال.. وغلطتهم الأساسية، أنهم يواجهون هذه المسألة، من الناحية اللغوية، كما لو كان أصل الكلام، يختلط بأصل اللغات"١. فإن اللغويين يدرسون اللغات، التي تتكلم والتي تكتب، ويتتبعون تاريخها، بمساعدة أقدم الوثائق التي تم اكتشافها، ولكنهم مهما أوغلوا في هذا التاريخ فإنهم لا يصلون إلى لغات قد تطورت، وتركت وراءها تاريخا ضخما، لا نعرف عنه شيئا. أما فكرة الوصول إلى إعادة بناء رطانة بدائية، بمقارنة لغات موجودة بالفعل، فسراب خداع!. ٦- علاقة اللغة بالمجتمع الإنساني والنفس البشرية. وهنا يتنازع علم اللغة علمان آخران، هما: علم الاجتماع، وعلم النفس، فهناك بحوث ترمي إلى بيان العلاقة بين اللغة والإنسان في حياته الاجتماعية، وتبين أثر المجتمع وحضاراته ونظمه، وتاريخه وتركيبه وبيئته الجغرافية، في مختلف الظواهر اللغوية، كما أن هناك بحوثا أخرى نفسية، تدرس العلاقة بين الظواهر اللغوية، والظواهر النفسية، بمختلف أنواعها، من تفكير وخيال، وتذكر واسترجاع وعاطفة، وغير ذلك.

стр. 8

٧- وآخر مجالات هذا العلم، هو البحث في حياة اللغة، وتطورها في نواحي: الأصوات، والبنية، والدلالة، والتركيب وغير ذلك. وكذلك البحث في صراع اللغات، وانقسامها إلى لهجات، وصراع اللهجات بعضها مع بعض، وتكون اللغات المشتركة، وغير ذلك من الأمور.

стр. 9

الفصل الأول: الدراسة الصوتية مدخل ... الفصل الأول: الدراسة الصوتية مقدمة: الوحدة الكبرى لأية مجموعة كلامية، هي الجملة، مثل قولنا: "محمد في البيت" مثلا. وتتركب الجملة من وحدات أصغر منها، هي ما يطلق عليها اسم الكلمات، مثل: "محمد" و"في" و"البيت" في الجملة السابقة، كما تتركب الكلمات هي أيضا من وحدات أصغر منها، هي ما يطلق عليه اسم: الأصوات، مثل ما نراه في كلمة "محمد" من صوت الميم، ثم صوت الضمة، ثم صوت الحاء، ثم صوت الفتحة، ثم صوت الميم، ثم صوت الفتحة، ثم صوت الدال، على الترتيب. وهذه الوحدات الأخيرة، هي موضوع "علم الأصوات" الذي يدرس الأصوات اللغوية، من ناحية وصف مخارجها، وكيفية حدوثها، وصفاتها المختلفة، التي يتميز بها صوت عن صوت، كما يدرس القوانين التي تخضع لها هذه الأصوات في تأثرها بعضها ببعض، عند تركبها في الكلمات أو الجمل. فالصوت الإنساني الحي، هو موضوع علم الأصوات اللغوية. ولم يكن هذا العلم وليد العصر الحاضر. فقد شغل اللغويون من قديم١، بالنظر في الأصوات اللغوية، غير أن ما وصلوا إليه قديما، لم يكن قائما على أساس علمي ثابت، ولهذا فإنه لا يبلغ من الدقة والإتقان والضبط، ما وصل إليه المحدثون من علماء اللغات.

стр. 10

وإذا نظرنا إلى جهود علماء العربية في هذا الشأن، نجد أن أصوات اللغة، كانت من الأمور، التي جذبت انتباه علماء العرب الأوائل، فعملوا في جهد لا يعرف الملل، على إتقان النطق بها، وعلى الأخص عندما انتشر الإسلام في بقاع الأرض المختلفة، وطرقت أسماع العرب أصوات اللغات الأخرى، فخشي العلماء أن تنحرف أصوات العربية، بتأثرها بأصوات تلك اللغات، فلم يكد القرن الثاني الهجري يبدأ، حتى قام بين علماء العرب، من يصف الأصوات العربية، معتمدا على التجربة باللسان والأذن، لا على المعامل والأجهزة؛ إذ لم تكن قد عرفت بعد، في ذلك العصر. واشتهر من بين العلماء في ذلك العصر الأول، الخليل بن أحمد الفراهيدي "توفي سنة ١٧٥هـ" الذي عني كثيرا بدراسة الأصوات، وموسيقى اللغة، وقد ساعده سمعه المرهف الحساس على التفوق في هذه الناحية، فوجه عنايته لأوزان الشعر وإيقاعه، واستخرج لنا بحور الشعر وقوافيه أو علم العروض، الذي لا يعدو أن يكون دراسة صوتية، لموسيقى الشعر، واتجه كذلك إلى الألحان والأنغام، وألف في الإيقاع والنغم. وأخيرا حين بدا له وضع معجم لألفاظ اللغة، رتبه على حسب مخارج الأصوات، وهذا المعجم هو كتاب: "العين". ومهما يكن القول في شأن هذا المعجم من أنه تضمن مسائل لغوية، نقدها علماء العربية، بعد ظهوره، وأنكروا نسبتها إلى الخليل، ونزهوه عن الوقوع في أمثالها، وذهب بعضهم لهذا إلى نفي نسبة هذا الكتاب إليه فالذي لا شك فيه أن الخليل، قد وضع هيكل هذا المعجم، ورسم منهجه ونظامه، وأن ما جاء فيه مما أنكره هؤلاء العلماء، إنما أقحم في ثناياه بعد الخليل. رأى الخليل بن أحمد، أن الترتيب المألوف لحروف الهجاء العربية، وهي: أب ت ث ج ح خ ... إلخ، إنما استمده النساخ والكتبة من

стр. 11

الترتيب السامي القديم، الذي اشتهر عند الأمم السامية القديمة، كالفينيقيين والعبريين، وهو ترتيب أبجدهوز ... إلخ، وأن النساخ قد وضعوا الرموز المتشابهة الصورة، بعضها بجوار بعض، ومن هنا جاء الترتيب الهجائي المألوف لنا. كما وجد الخليل أن هذا الترتيب الهجائي المألوف، ليس قائما على أساس علمي، فآثر أن يختار ترتيبا آخر، أساسه مخارج الأصوات، ورتب معجمه العين" على ذلك، فبدأ بأصوات الحلق، وجعلها أقساما، ثم أصوات أقصى الفم، ثم أوسط الفم، ثم أدنى الفم، ثم الشفتين، فجاء ترتيبه للأصوات اللغوية في العربية، على النحو التالي١: ع ح هـ خ غ/ ق ك/ ج ش ض/ ص س ز/ ط د ت/ ظ ذ ث/ ر ل ن/ ف ب م/ وا ي. وكان الخليل بن أحمد أسبق من ذاق الحروف، ليتعرف مخارجها، يقول عنه تلميذه الليث بن المظفر: "وإنما كان ذواقه إياها، أنه كان يفتح فاه بالألف، ثم يظهر الحرف، نحو: أب، أت، أح، أع، أغ، فوجد العين أدخل الحروف في الحلق، فجعلها أول الكتاب"٢. وهذا معناه تجربة النطق بالصوت ساكنا، لئلا يختلط بغيره، ويلتبس على الناطق معرفة كيفية صدوره ومخرجه الدقيق. وهذه الطريقة تقرب مما يدعو إليه المحدثون، من علماء الأصوات. وجاء "سيبويه" تلميذ الخليل بن أحمد، فخصص للدراسة الصوتية فصولا، في كتابه، "الكتاب"، فذكر عدد الحروف العربية، ومخارجها،

стр. 12

ومهموسها ومجهورها وأحوال مجهورها ومهموسها، واختلافها، وذلك في باب عقده للإدغام، وقال في آخره: "وإنما وصفت لك في حروف المعجم بهذه الصفات، لتعرف ما يحسن فيه الإدغام، وما يجوز فيه، وما لا يحسن فيه ذلك، وما تبدله استثقالا كما تدغم، وما تخفيه وهو بزنة المتحرك"١. وقد رتب سيبويه الأصوات العربية، حسب مخارجها على النحو التالي مخالفا في بعضه لترتيب الخليل: ء اهـ ع غ خ/ ق ك/ ج ش ي ض/ ل ر ن/ ط د ت/ ص ز س/ ظ ذ ث/ ف ب م و. وقد تأثر بكتاب سيبويه كل من جاء بعده من النحاة واللغويين، لا في آرائه النحوية فحسب، بل في آرائه الصوتية كذلك، فأخذوا يرددون كلامه في الأصوات دون أن يزيدوا عليه ما يستحق الذكر، فهذا ابن جني في القرن الرابع الهجري، يؤلف كتابا مستقلا في علم الأصوات هو: "سر صناعة الإعراب"، لا يكاد يخرج فيه عن كلام سيبويه، في تعداد المخارج، ووصف الحروف، فكثيرا ما يقتبس نص العبارات التي جاءت في كتاب سيوبه، ويقف عند حدودها. وهو في بداية كتابه، يلتمس لحدوث الأصوات وسيلة للإيضاح، لم يهتد إليها سيبويه من قبل؛ إذ يشبه ابن جني مجرى النفس في أثناء النطق بالمزمار، كما يشبه مدارج الحروف ومخارجها، بفتحات هذا المزمار، التي توضع عليها الأصابع، أو بوتر العود وأثر الأصابع، فيقول: "شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلا أملس ساذجا، كما

стр. 13

يجري الصوت في الألف غفلا بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله، اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم، باعتماد على جهات مختلفة، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة. ونظير ذلك أيضا وتر، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل، سمعت له صوتا، فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه، أدى صوتا آخر، فإن أدناها قليلا سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر، تشكلت لك أصداء مختلفة ... فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة عليه بالمضراب، كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلا غير محصور، كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع، كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا، وإنما أردنا بهذا التمثيل الإصابة والتقريب"١. وجاء القرن الخامس الهجري، يحمل إلينا رسالة صغيرة في الأصوات العربية، للرئيس ابن سينا، فيلسوف الإسلام، واسمها: "أسباب حدوث الحروف"، وهي مقسمة على ستة فصول، الأول منها في سبب حدوث الصوت، ويقصد به صوت الإنسان وغيره، والثاني في سبب حدوث الحروف، ويقصد بالحروف الأصوات الإنسانية، والثالث في تشريح الحنجرة واللسان، والرابع في الأسباب الجزئية لحرف حرف من حروف العرب، والخامس في الحروف الشبيهة بهذه الحروف، وليست في لغة العرب، والسادس في أن هذه الحروف من أي الحركات غير النطقية قد تسمع. وحديث ابن سينا في هذه الرسالة، أشبه بحديث علماء وظائف الأعضاء،

стр. 14

فلا نكاد نلمح فيها أنه تأثر كغيره بكتاب سيبويه، فله مصطلحاته، وله وصفه الأصيل لكل صوت، مما جعله محل إعجاب وتقدير من بعض اللغويين المحدثين. وفي القرن السادس الهجري، يؤلف الزمخشري كتابه "المفصل" في النحو، ويخصص القسم الأخير منه للدراسة الصوتية، فيردد فيه كلام الخليل وسيبويه، دون زيادة تذكر. ولا نكاد نجد بعد هذا في كتب المتأخرين، ما يمكن أن يتسم بالأصالة في دراسة أصوات اللغة، سوى تلك المحاولة التي جاءت في كتاب السكاكي: "مفتاح العلوم" في أوائل القرن السابع الهجري، من رسم بدائي لأعضاء النطق. ورغم كثرة كتب القراءات في العصور المتأخرة، وعلاجها المسهب للقراءات السبع والعشر وغيرها، نرى أنها حين تعرض لأصوات اللغة، تكتفي ببضع صفحات، تصف فيها مخارج الحروف وصفاتها، في صورة مقتضبة مختصرة، لا تخلو من الغموض أو التحريف، في بعض الأحيان، كما أن عناية أصحابها قد وجهت كلها، إلى رواية القراءات وسندها، معتمدين على تلقين القراءات وضبطها، عن طريق التلقي الشفوي، جيلا بعد جيل، حتى انتهى الأمر إلى بضعة متون صغيرة، سميت "بعلم التجويد" يحفظها الطالب عن ظهر قلب، دون فهم لها في غالب الأحيان. وقد التزمت هذه المتون في غالب أحوالها، نصوص سيبويه وعباراته في شرح أصوات اللغة ووصفها. تلك هي الدراسات الصوتية عند قدامى العرب. أما الدراسات الصوتية عند علماء الغرب، فقد ظهرت بوادرها في الربع الأول من القرن

стр. 15

التاسع عشر الميلادي، حين أخذ العلماء هناك، يقارنون اللغات الهندأوربية بعضها ببعض١. أما المؤلفات الحديثة في علم الأصوات باللغة العربية، فمنها: ١- الباب الأول من كتاب "التطور النحوي" ص١١-٧٣ وهو عبارة عن سلسلة محاضرات، ألقاها المستشرق الألماني "برجشتراسر" باللغة العربية، على طلبة كلية الآداب، بالجامعة المصرية القديمة سنة ١٩٢٩م. وهو يهتم فيها بالمقارنات السامية اهتماما بالغا. ٢- "علم الأصوات عند سيبويه وعندنا" محاضرة للمستشرق الألماني: "شاده" ألقاها في قاعة الجمعية الجغرافية الملكية في سنة ١٩٣١ باللغة العربية، ونشرت بصحيفة الجامعة المصرية سنة ١٩٣١م. وهذه المحاضرة خلاصة مؤلف باللغة الألمانية لهذا المستشرق. ٣- "الأصوات اللغوية" للدكتور إبراهيم أنيس، وهو أول كتاب متكامل باللغة العربية عن الدراسات الصوتية على المنهج اللغوي الحديث. وقد صدرت أولى طبعاته في عام ١٩٤٧م. ٤- "منهج الأصوات" فصل من كتاب: "مناهج البحث في اللغة" ص٥٩-٧٠ للدكتور تمام حسان، وفيه اهتمام كبير بعلم الأصوات التجريبي. وقد ظهر سنة ١٩٥٥م. ٥- "الأصوات اللغوية" فصل من كتاب "فقه اللغة" لمحمد المبارك ص٢٩-٥٠ وهو عبارة عن دراسة تقليديه، تعتمد على ترديد أقوال

стр. 16

السابقين من اللغويين العرب. والكتاب مطبوع بدمشق سنة ١٩٦٠م. ٦- الباب الثاني من كتاب "علم اللغة" للدكتور محمود السعران ص٩١-٢٢٠ وقد أفاد فيه مؤلفه من كثير من مؤلفات الغرب في الدراسات الصوتية. وقد ظهر الكتاب في عام ١٩٦٢م. ٧- مقالة بعنوان: "جهود علماء العرب في الدراسة الصوتية" للدكتور إبراهيم أنيس، بمجلة مجمع اللغة العربية "سنة ١٩٦٣" ١٥/ ٤١-٤٩. ٨- "أصوات اللغة" للدكتور عبد الرحمن أيوب. صدرت الطبعة الأولى منه سنة ١٩٦٣م والثانية سنة ١٩٦٨. وقد اعتمد فيه صاحبه اعتمادا كبيرا على كتاب "هفنر" Heffener "علم الأصوات العام" General Phoetics المطبوع في أمريكا سنة ١٩٥٢م. ٩- "دروس في علم أصوات اللغة العربية" لجان كانتينو ترجمه إلى العربية "صالح القرمادي" ونشره في تونس سنة ١٩٦٦. ١٠- "الأصوات" للدكتور كمال محمد بشر، وهو القسم الثاني من كتابه: "صالح القرمادي" ونشره في تونس سنة ١٩٦٦م. ١١- مقالة بعنوان: "مشكلة الضاد العربية، وتراث الضاد والظاء" للدكتور رمضان عبد التواب، بمجلة المجمع العلمي العراقي "المجلد الحادي والعشرون" في سنة ١٩٧١م. ١٢- "دراسة الصوت اللغوي" للدكتور أحمد مختار عمر، نشر بالقاهرة سنة ١٩٧٦م.

стр. 17

١٣- في علم الأصوات الفيزيقي "مدخل إلى التصوير الطيفي للكلام" لإرنست بولجرام، ترجمة الدكتور سعد عبد العزيز مصلوح، القاهرة ١٠٧٧م. ١٤- "دراسة السمع والكلام" للدكتور سعد عبد العزيز مصلوح، القاهرة ١٩٨٠م. ١٥- "في البحث الصوتي عند العرب" للدكتور خليل إبراهيم العطية، بغداد ١٩٨٣م. ١٦- "علم الأصوات" لبرثيل مالبرج، ترجمة الدكتور عبد الصبور شاهين، القاهرة ١٩٨٥م.

стр. 18

كيف يحدث الصوت الإنساني: ينبغي قبل أن نعرف الإجابة على هذا السؤال، أن نتعرف الجهاز النطقي عند الإنسان، وهو عبارة عن التجويف الفمي والأنفي، والحلق، والحنجرة، والقصبة الهوائية، والرئتين. وفي تسمية هذه الأعضاء كلها بالجهاز النطقي، إجحاف بوظائفها الحيوية الأخرى، إذا علمنا أن الشفتين تستخدمان لتلقي الطعام عند دخوله في الفم، كما تسخدمان صماما لمنع الطعام أن يخرج من الفم في أثناء المضغ، كما تستعملان في المص، بتضييق الفجوة بين منطقة الضغط الخفيف داخل الفم، والسائل الذي يراد امتصاصه وغير ذلك من الأغراض الأخرى. أما الأسنان والأضراس، فلتقطيع الطعام ومضغه، واللسان لتقليب الطعام في الفم وتذوقه. أما الأنف والتجويف الأنفي، فليسا إلا حجرة يتكيف فيها الهواء، قبل نزوله إلى الرئتين. أما الحلق فإنه ليس إلا ممرا للطعام والهواء كليهما. وينتهي الحلق بالحنجرة، وفيها الأوتار الصوتية التي تؤدي وظيفة الصمام للرئتين لحفظها، ولحبس الهواء فيهما عند الحاجة إليه. أما القصبة الهوائية، فإنها الطريق الذي يمر به الهواء الداخل للرئتين أو الخارج منهما. وأما الرئتان فإنهما لتنقية الدم الموجود بالجسم، بإعطائه الأوكسجين، وتخليصه من ثاني أكسيد الكربون، ثم توزيع هذا الدم الصالح، على أعضاء الجسم بواسطة القلب. وعلى ذلك "فالنطق في الواقع، ليس أكثر من وظيفة ثانوية، تؤديها هذه الأعضاء، إلى جانب قيامها بوظائفها الرئيسية، التي خلقت من أجلها، ولهذا فإن عجز الإنسان عن الكلام، لأصابته بالبكم، لا يعني على الإطلاق عجز أعضائه هذه عن القيام بوظائفها الأخرى، التي تحفظ على

стр. 19

صاحبها الحياة، فلسان الأخرس يقوم بجمع الوظائف التي يقوم بها لسان غير الأخرس، فيما عدا الكلام، بطبيعة الحال"١. ولكل هذا نرى أن الأعضاء، التي جرى الاصطلاح على تسميتها أعضاء النطق، لا تنحصر وظيفتها في إحداث الأصوات، بل إن لها وظائف حيوية أخرى، ويوجد لدى كل حيوان جهاز يماثل أو يقارب الجهاز النطقي لدى الإنسان، غير أن الإنسان استخدم ذكاءه على توالي الأيام والعصور، فاستطاع أن يكيف جهازه الصوتي في أوضاع مختلفة، مع إخراج الهواء من الرئتين، فأنتج بذلك أصواتا مختلفة المخارج والصفات، يتألف منها كلامه الإنساني. أما الحيوان فإنه قد يستخدم نقطة ما من هذا الجهاز الصوتي، فيخرج صوتا واحًدا متشابها، أو صوتين متواليين دائما. وفيما يلي صورة تقريبية "للجهاز النطقي" عند الإنسان:

стр. 20

وإذا نظرنا إلى هذا الجهاز النطقي، نجد أنه يتكون من أجزاء ثابتة، وأخرى متحركة، فالأجزاء الثابتة فيه هي الأسنان العليا، واللثة، والغار وهو أجزء الصلب من سقف الحنك. ومن الأجزاء الثابتة كذلك: الجدار الخلفي للحلق، وما عدا ذلك من أجزاء الجهاز النطقي فمتحرك. وسنشرح فيما يلي كل جزء من أجزاء هذا الجهاز، مع بيان دوره في إحداث الصوت.

стр. 21

أما الشفتان: فتتحركان بحرية في كل اتجاه، وتتخذان أوضاعا مختلفة عند نطق الأصوات، ومن الممكن ملاحظة هذه الأوضاع، في يسر وسهولة؛ إذ يمكن أن تنطبق الشفتان، فلا تسمحان للهواء بالخروج مدة من الزمن، ثم تنفرجان، فيندفع الهواء محدثا صوتا انفجاريا، كما في نطق الباء وقد تستدير الشفتان، كما يحدث عند نطق الضمة مثلا. كما يمكن أيضا أن تنفرجا، كما في نطق الفتحة، إلى غير ذلك من الأوضاع والحركات. وتختلف عادات البشر في استغلال حركة الشفتين، والانتفاع بها، فمن الشعوب من تتميز عادات النطق لديهم بكثرة الحركة في الشفتين، ومنهم من يقتصد في ذلك. وأما الأسنان: فمن أعضاء النطق الثابتة في الجهاز النطقي، ولا سيما العليا منها، ولا تستغل في النطق إلا بمساعدة أحد الأعضاء المتحركة، كاللسان والشفة السفلى. وأما سقف الحنك: فهو الذي يتصل به اللسان، في أوضاعه المختلفة في الفم، ومع كل وضع من أوضاع اللسان، بالنسبة لجزء من أجزاء الحنك الأعلى، تتكون مخارج كثير من الأصوات. وينقسم سقف الحنك إلى أربعة أقسام، الأول: هو اللثة، أو أصول الأسنان العليا. والثاني: هو الغار، وهو الجزء الصلب من سقف الحنك،

стр. 22

وهو محدب ومحزز. والثالث: هو الطبق، وهو الجزء الرخو من سقف الحنك، وهو متحرك. والرابع: هو الملهاة، وهي جزء متحرك كذلك. وأما اللسان: فإنه أهم عضو في عملية النطق، وهو يحتوي على عدد كبير من العضلات. التي تمكنه من التحرك، والامتداد، والانكماش، والتلوي إلى أعلى أو إلى الخلف. وهذه السهولة في التحرك، مكنت اللسان من الاتصال بآية نقطة من الفم، فنتج عن تحركاته المختلفة، عدد كبير من الإمكانات الصوتية في الجهاز النطقي، ولا غرابة بعد هذا إذا كان اسمه يرادف كلمة "اللغة" عند كثير من الشعوب. وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ . وأما الحلق: فإنه الجزء الذي بين الحنجرة وأقصى الحنك، وهو عبارة عن تجويف في الخلف من اللسان، يحد به أماما، وبما يسمى الحائط الخلفي للحلق من الخلف. وهذا الحائط الخلفي، ليس إلا عظام العنق، مغطاة بما يكسوها من اللحم. وفي مقدمة الحلق، منطبقا على جذر اللسان، ما يسمى بلسان المزمار، وهو قطعة من اللحم، لا تتحرك ذاتيا، ولكن تتحرك بحركة اللسان، وتؤدي وظيفة صمام القصبة الهوائية، بسدها لئلا يؤذيها الطعام النازل إلى المريء من خلفها. ويبدو أنه لا دخل للسان في عملية النطق.

стр. 23

وأما الحنجرة: فإنها تقع في قمة القصبة الهوائية، وهي عبارة عن حجرة متسعة نوعا ما، ومكونة من ثلاثة غضاريف، الأول أو العلوي منها ناقص الاستدارة من الخلف، عريض بارز من الأمام، ويعرف الجزء البارز منه بتفاحة آدم. أما الغضروف الثاني فهو كامل الاستدارة. والثالث مكون من قطعتين موضوعتين فوق الغضروف الثاني من الخلف. وفي الحنجرة توجد الأوتار الصوتية، وهي في الواقع وتران اثنان، عبارة عن غشاءين كل واحد منهما نصف دائرة حين يمتد، فإذا امتد الوتران أغلقا فتحة الحنجرة، ومنعا الهواء الرئوي من المرور. وعلى ذلك فهما من أعضاء النطق المتحركة، ولهما القدرة على اتخاذ أوضاع متعددة، تؤثر في الأصوات الكلامية. وهذه الأوضاع ثلاثة، هي: وضع الارتخاء التام، ووضع الذبذبة، ووضع الامتداد وقفل مجرى الهواء تماما. أما الوضع الأول: فهو وضع التنفس العادي. وأما الوضع الثاني: فهو الذي ينتج نوعا معينا من الأصوات، يسمى بالأصوات المجهورة، وسنتحدث عنها فيما بعد. وأما الوضع الثالث، فهو الوضع الذي ينتج صوت الهمزة في اللغة العربية مثلا. وأخيرًا فإن الرئتين مخزن الهواء، تتحركان تمددا وانكماشا، بحسب حركة الحجاب الحاجز الموجود تحت الرئتين، أسفل الصدر. وهذا ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنه يمكن قفل المجرى الأنفي مما يلي الحلق، برفع الطبق ولصقه بالحائط الخلفي للحلق. ويمكن فتحه كذلك، بإنزال الطبق في اتجاه مؤخرة اللسان.

стр. 24

تلك هي أعضاء النطق المختلفة، التي تهمنا في دراسة الصوت الإنساني وعلمية النطق. ونصل الآن إلى الإجابة عن السؤال السابق وهو: كيف يحدث الصوت الإنساني؟ فنقول: إن الهواء الخارج من الرئتين، إما أن يصادف مجراه مسدودا سدا تاما، عند أية نقطة في الجهاز النطقي ما بين الحنجرة والشفتين. وإما أن يصادف في طريقه تضييقا في المجرى، لا سدًّا فيه، بحيث يسمح هذا التضييق للهواء بالمرور، ولكن هذا الهواء يحتك بنقطة التضييق هذه. أي أن الكلام يحدث عادة، عند عملية الزفير، وذلك "بأن تعترض الأعضاء الصوتية ممر الهواء. وتقتضي عملية الكلام إطالة الزمن الذي تتم فيه عملية الزفير، بالنسبة لعملية الشهيق، حتى تصبح الفترة، التي يستغرقها الزفير من ثلاثة إلى عشرة أمثال فترة الشهيق. هذا في الكلام العادي أما عندما يسترسل المتكلم في حديث سريع طويل، فقد يصبح طول فترة الزفير ثلاثين مثلا، لطول فترة الشهيق، وكلنا يعرف بالمشاهدة، كيف تكون النسبة بينهما، عندما يحاول أحد المقرئين قراءة سورة قصيرة، أو أكثر، في نفس واحد. "ومع هذا، فإن عملية الزفير، التي يتم خلالها النطق ليست مجرد إخراج الهواء على نحو مناسب، ولكن الهواء في الواقع يخرج في دفعات، تتفق كل دفعة منها، مع إنتاج مقطع صوتي كامل. ويمكن تشبيه الرئتين عند الزفير، في أثناء الكلام بالبالونة التي تنتهي بزمارة، ينطلق الهواء منها، بحكم ضغط جسمها المطاط، فإذا ما فرض أن جعل الطفل الذي يلعب بها، يضغط على جدارها، ضغطات متوالية، لخروج الهواء منها على دفعات، لا توقف بين إحداها والأخرى، لسمعنا للزمارة صوتا شبيها بالصوت

стр. 25

المتقطع، بالرغم من عدم توقفه. وهذه العملية شبيهة كل الشبه بعملية إنتاج المقاطع في أثناء الكلام، لكل مقطع دفعة هوائية، تنتج من انقباضات متوالية، يقوم بها الحجاب الحاجز، فيؤثر الضغط على الهواء الخارج من الرئتين، دون أن يتوقف خروجه"١. وعلى هذا، يمكن تبعا لذلك، أن يحدث من أي جزء من أجزاء الجهاز الصوتي، من الناحية النظرية، صوت ما، وذلك إما بسد هذا الجزء سدا محكما، حتى لا يتسرب الهواء إلى الخارج، ثم نزيل هذا السد بسرعة، فينطلق الهواء بانفجار، وعندئذ نسمع صوتا معينا، وإما أن يضيق الجهاز النطقي، في إحدى نقطه، تضييقا يسمح بمرور الهواء مع الاحتكاك بهذا الجزء المضيق. وبهذا يمكن أن يخرج من كل جزء من أجزاء هذا الجهاز، عدد لا حصر له من الأصوات، بمساعدة حركة أجزائه المتحركة. غير أن الشعوب البشرية، قد اختلفت فيما بينها في استخدام إمكانات الجهاز النطقي، استخداما كاملا، وهذا هو السبب في أن اللغات الإنسانية، تتفق فيما بينها في بعض الأصوات، وتختلف في بعضها الآخر، وذلك تبعا لاختلافها في استخدام إمكانات الجهاز النطقي المتعددة، فالشعوب الهندأوربية مثلا، لم تستخدم كل إمكانات النطق في إخراج الأصوات من الحلق، ولذلك تخلو بعض لغاتهم من صوتي الخاء والعين، وذلك بعكس اللغة العربية ومعظم اللغات السامية مثلا.

стр. 26

وقد استخدمت العربية الفصحى، عشرة مخارج في الجهاز النطقي، هي بالترتيب: ١- الشفة: ويسمى الصوت الخارج منها شفويا. ٢- الشفة مع الأسنان. ويسمى الصوت الخارج منهما شفويا أسنانيا. ٣- الأسنان. ويسمى الصوت الخارج منها أسنانيا. ٤- الأسنان مع اللثة. ويسمى الصوت الخارج منهما أسنانيا لثويا. ٥- اللثة. ويسمى الصوت الخارج منها لثويا. ٦- الغار. ويسمى الصوت الخارج منه غاريا. ٧- الطبق. ويسمى الصوت الخارج منه طبقيا. ٨- اللهاة. ويسمى الصوت الخارج منه لهويا. ٩- الحلق. ويسمى الصوت الخارج منه حلقيا. ١٠- الحنجرة. ويسمى الصوت الخارج منها حنجريا. تلك هي مخارج الأصوات في العربية الفصحى، كما تدل عليها تجارب معامل الأصوات في وقتنا الحاضر. واللسان عامل مشترك في أكثر هذه المخارج؛ إذ يخرج طرفه بين الأسنان، أو يوضع عند الأسنان واللثة، أو عند اللثة وحدها، أو عند الغار، أو ترتفع مؤخرته عند الطبق أو اللهاة، فليكن ذلك مفهوما لدينا، وإن لم ننسب مخرجا من المخارج إليه. وبيننا وبين قدامى اللغويين من العرب، خلاف في عدد المخارج للأصوات العربية، وفي تحديد مخارج بعض الأصوات، فعندنا الآن أن:

стр. 27

١- الأصوات الشفوية هي: ب م و. ٢- والشفوية الأسنانية هي: ف. ٣- والأسنانية هي: ذ ظ ث. ٤- والأسنانية اللثوية هي: د ض ت ط ز س ص. ٥- واللثوية هي: ل ر ن. ٦- والغارية هي: ش ج ي. ٧- والطبقية هي: ك غ خ. ٨- واللهوية هي: ع ح. ٩- والحنجرية هي: الهمزة والهاء. هذا هو رأي المحدثين من علماء الأصوات، في مخارج أصوات العربية الفصحى، مؤسسا على نتائج التجارب الصوتية، في المعامل وغيرها. أما الخليل بن أحمد، فجعل المخارج ثمانية، يختلف موقع الأصوات العربية، في بعضها، عما عندنا الآن. كما أنه لم ينسب الياء والواو والألف والهمزة، إلى مخرج معين، وسماها هوائية، فقال: "فالعين والحاء والهاء والخاء والغين حلقية؛ لأن مبدأها من الحلق. والقاف والكاف لهويتان؛ لأن مبدأهما من اللهاة. والجيم والشين والضاد شجرية؛ لأن مبدأهما من شجر الفم، أي مفرج الفم. والصاد والسين والزاي أسلية؛ لأن مبدأها من أسلة اللسان، وهي مستدق طرف اللسان. والطاء والتاء والدال نطعية؛ لأن مبدأها من نطع الغار الأعلى. والظاء والذال والثاء لثوية؛ لأن مبدأها من اللثة. والراء واللام والنون ذلقية؛ لأن مبدأها من ذلق اللسان، وهو تحديد طرفيه كذلق

стр. 28

السنان. والفاء والباء والميم شفوية. وقال مرة: شفهية؛ لأن مبدأها من الشفة. والياء والواو والألف والهمزة هوائية في حيز واحد؛ لأنها هاوية في الهواء، لا يتعلق بها شيء"١. وأما سيبويه، فإنه يعد المخارج ستة عشر مخرجا، ويسود كلامه الغموض وعدم الوضوح، في كثير من الأحيان، حيث يقول: "ولحروف العربية ستة عشر مخرجا، فللحلق منها ثلاثة: ١- فأقصاها مخرجا الهمزة والهاء والألف "يقصد بذلك ألف المد" ٢- ومن أوسط الحلق مخرج العين والحاء. ٣- وأدناها مخرجا من الفم والغين والخاء. ٤- ومن أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى مخرج القاف. ٥- ومن أسفل من موضع القاف من اللسان قليلا، ومما يليه من الحنك الأعلى مخرج الكاف. ٦- ومن وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك الأعلى مخرج الجيم والشين والياء. ٧- ومن بين أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس مخرج الضاد. ٨- ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، ما بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى، وما فوق الضاحك والناب والرباعية والثنية مخرج اللام. ٩- ومن طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا مخرج النون. ١٠- ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا، لانحرافه إلى اللام، مخرج الراء. ١١- ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا مخرج الطاء والدال والتاء. ١٢- ومما بين طرف اللسان وفويق الثنايا مخرج الزاي والسين والصاد. ١٣- ومما بين طرف اللسان، وأطراف الثنايا مخرج الظاء والذال والثاء. ١٤- ومن باطن الشفة السفلي وأطراف الثنايا العليا مخرج الفاء. ١٥- ومما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو. ١٦- ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة"٢.

стр. 29

ويعلق المستشرق "شاده" Schaade على تقسيم سيبويه للمخارج ووصفها بقوله: "نشاهد غاية التفصيل مثلا في تقسيمه للأسنان، وقد قسمها إلى الثنايا والرباعيات والأنياب والأضراس. ويخالف هذا التدقيق معاملته للحلق، فإن سيبويه وإن قسمه إلى أقصى الحلق، وأوسط الحلق، وأدنى الحلق، لم يكن يعرف الحنجرة، ولا أجزاءها كالمزمار والأوتار الصوتية. وسبب هذا الاختلاف واضح، فإن الأسنان مكشوفة للرؤية، وأما الحنجرة وأجزاؤها وعملها، فتقتضي ملاحظتها إلى التشريح، وما أظن سيبويه يجترئ عليه، أو إلى بعض الآلات الفنية، كمنظار الحنجرة، أو الأشعة المجهولة، ولم يكن مثل هذه الآلات بين يديه، وكفى بذلك عذرا يعتذر به سيبويه، لعدم معرفته بالحنجرة وعملها. وإن ثبت أن الخلل المذكور في مدارك سيبويه منعه من أن يفهم بعض المسائل الصوتية، حق الفهم"١. وبعد أن عرفنا شيئا عن المخارج في العربية الفصحى، نعود إلى موضوعنا الأول، وهو كيفية حدوث الصوت مرة أخرى. لقد قلنا إنه في الإمكان أن يعوق تيار الهواء الخارج من الرئتين، عائق يمنعه من المرور، عند أي مخرج من هذه المخارج، ثم يزول هذا العائق بسرعة، وبهذا يندفع الهواء الخارج بانفجار شديد. وإما أن يضيق المجرى عند أي مخرج من هذه المخارج، ضيقا يسمح للهواء بالمرور مع الاحتكاك بمكان التضييق. ويسمى الصوت الخارج في الحالة الأولى "حالة وجود عائق" صوتا شديدا أو انفجاريا، وفي الحالة الثانية "حالة تضييق نقطة في المجرى" يسمى الصوت الخارج صوتا رخوا أو احتكاكيا.

стр. 30

ويجعل "قندريس" لإنتاج الصوت الانفجاري ثلاث مراحل، فيقول: "ففي كل صامت انفجاري إذن ثلاث خطوات متميزة: الإغلاق أو الحبس، والإمساك الذي قد يكون طويل المدى أو قصيره، والفتح أو الانفجار. وعند إصدار صامت بسيط مثل التاء، فإن الانفجار يتبع الحبس مباشرة، والإمساك يضؤل إلى مدى لا يكاد يحس، وعلى العكس من ذلك، تظهر الخطوات الثلاث بوضوح، فيما يسمى بالصوامت المضعفة، وهي ليست إلا صوامت طويلة"١. وإذا كان الشرط في إنتاج الأصوات الشديدة الانفجارية هو سرعة زوال العائق، فإننا نجد بين أصوات العربية، صوتا لا يزول فيه العائق بسرعة، بل إن العضوين المتصلين، لا ينفصلان انفصالا سريعا، وإنما انفصالهما انفصال بطيء، وفي الانفصال البطيء مرحلة بين الانسداد المطلق والانفتاح المطلق، شبيهة إلى حد ما، بالتضييق الذي عرفنا أنه من مميزات الأصوات الرخوة الاحتكاكية، وهذه المرحلة تسمح للهواء أن يحتك بالعضوين المتباعدين ببطء احتكاكا شبيها بما يصاحب الأصوات الرخوة، ولذا فإن هذا الصوت يجمع بين الشدة والرخوة، بمعنى أنه يبدأ شديدا انفجاريا، وينتهي رخوا احتكاكيا، ولهذا نسميه بالصوت المزدوج، كما يسميه آخرون بالصوت المزجى أو الصوت المركب. وهو في اللغة العربية صوت الجيم في الفصحى. وفي اللغات الأخرى نظائر لهذا الصوت، مثال ذلك في الإنجليزية ch وفي الألمانية z "تس" وكذلك pf "بف". ويسمى الصوت المزودج عندهم باللاتينية: Affricata وبالفرنسية: affriquee وبالإنجليزية: affricate.

стр. 31

ويجعل قندريس هذا النوع من الأصوات متوسطا بين الانفجاري والاحتكاكي، فيقول: "وتوجد سلسلة من الأصوات المتوسطة بين الانفجارية والاحتكاكية، وهي ما تسمى شبه الانفجارية، أو بعبارة أوضح: الانفجارية الاحتكاكية وتتميز بالإغلاق الذي لا يستمر إحكامه، وفيها كما في الانفجارية حبس، ولكن هذا الحبس تتبعه حركة خفيفة من الفتح، بحال يجعل الانفجاري ينتهي بالاحتكاكي، فالانفجاري الاحتكاكي هو انفجاري فاشل"١. كما يقول ماريوباي: "أما الأصوات المركبة affrcates فهي أصوات لا تنتج عن طريق تغيير المخرج، وإنما تعديل طريقة النطق، فإذا حدث أن كان الانغلاق المتلو بانطلاق، الموجود في نطق ال "t" إذا حدث أن كان هذا الانغلاق متبوعا بالصوت الاستمراري الاحتكاكي، فإن النتيجة ستكون ch الموجودة churh. ويحدث الشيء نفسه مع ال "d" إذا أتبعت بالصوت الاحتكاكي المجهور "s" في: messure حيث يكون الناتج صوت ال "J" الموجود في jet. ومن الممكن بالطريقة نفسها إنتاج أصوات مركبة مثل dz ts اللذين تمثلهما بعض الأبجديات "وبخاصة الألمانية والإيطالية" برمز واحد هو "z"، وذلك عن طريق الجمع بين أسناني انفجاري، وصفيري "sibilant" ضيق احتكاكي "sperant من غير تعديل في مخرج الصوت"٢. هذا، ومن الممكن كذلك، أن يمر الهواء بمجراه دون احتكاك أو

стр. 32

انحباس من أي نوع، إما لأن مجراه في الفم يتجنب المرور بنقطة السد أو التضييق، كما في صوت "اللام" أو لأن هذا التضييق غير ذي استقرار، كما في صوت "الراء" أو لأن الهواء لا يمر بالفم، وإنما يمر بالأنف، كما في صوتي "الميم" و"النون". وهذا النوع من الأصوات. نسميه بالأصوات المتوسطة؛ لأنها ليست بالشديدة ولا بالرخوة. وهذه الأصوات الأربعة تسمى عند علماء الغرب بالأصوات المائعة أو السائلة: Liquida. وهكذا نرى أن تغير شكل المخرج عند حدوث الصوت، ينتج لنا أربعة أنواع من الأصوات، وهي: ١- شديد= انفجاري. ٢- رخو= احتكاكي. ٣- متوسط= مائع= سائل. ٤- مزدوج= مزجي= مركب. وهناك تقسيم آخر للأصوات، لا ينظر فيه إلى شكل المخرج، وإنما ينظر فيه إلى اهتزاز الأوتار الصوتية أو عدم اهتزازها، فالأصوات التي تهتز معها الأوتار الصوتية وتتذبذب، يسميها علماء الأصوات "بالأصوات المجهورة"، أما تلك التي لا تهتز معها الأوتار الصوتية، فتسمى عندهم بالأصوات المهموسة. ويذكر المحدثون من علماء الأصوات١، أنه لاختبار جهر الصوت، يمكن أن تجري إحدى التجارب الآتية:

стр. 33

١- حين تضع الإصبع فوق تفاحة آدم، ثم تنطق بصوت من الأصوات وحده، مستقلا عن غيره من الأصوات، ولا يتأتى هذا إلا بأن نشكل الصوت موضع التجربة بذلك الرمز الذي يسمى السكون، مثل "ب". ويجب الاحتراز من الإتيان قبله بألف وصل، كما كان يفعل القدماء من علماء الأصوات؛ لأن الصوت حينئذ لا يتحقق فيه الاستقلال، الذي هو أساس التجربة الصحيحة. فإذا نطقنا بالصوت وحده، وكان من المجهورات، نشعر باهتزازات الوترين الصوتيين، شعورا لا يحتمل الشك. ٢- وكذلك حين نضع أصابعنا في آذاننا، ثم ننطق بالصوت المجهور، وهو وحده مستقلا عن غيره، نحس برنة الصوت في رءوسنا. وفي ذلك يقول فندريس: "وإذا راعى الإنسان أن يسد أذنيه عند النطق، فإنه عندما يصل إلى المجهورة، يسمع الرنين الذي تنشره الذبذبات الحنجرية في تجاويف الرأس"١. ٣- والتجربة الثالثة، هي أن يضع المرء كفه فوق جبهته في أثناء نطقه بالصوت، موضع الاختبار، فيحس برنين الصوت، وذلك الرنين هو أثر ذبذبة الوترين الصوتيين. وهناك أخيرا تقسيم ثالث للأصوات، ينظر إلى ارتفاع مؤخرة اللسان، أو انخفاضها عند نطق الصوت، ففي الحالة الأولى يسمى الصوت "مفخما" أو "مطبقا"؛ نظرا لارتفاع مؤخرة اللسان تجاه الطبق، وهو الجزء الرخو من سقف الحنك، وفي الحالة الثانية، يسمى الصوت "مرققا" أو "غير مطبق".

стр. 34

والأصوات المفخمة في اللغة العربية، هي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، لا غير، فهذه الأصوات وإن كان مخرج الثلاثة الأولى منها، من الأسنان واللثة، ومخرج الرابع من بين الأسنان، فإن مؤخرة اللسان تعمل معها كذلك، فالتفخيم أو الإطباق وصف لصوت لا ينطق في الطبق، وإنما ينطق من مكان آخر، وتصحبه ظاهرة عضلية في مؤخرة اللسان، وذلك على العكس مما سبق أن عرفناه في المخارج من الأصوات "الطبقية"، وهي التي مخرجها من الطبق. وقد أحسن الدكتور تمام حسان، حين فرق بين الإطباق والطبقية، على النحو التالي، فقال: "وليحذر القارئ من الخلط بين اصطلاحين، يختلفان أكبر اختلاف، وإن اتحدا في كثير مما يخلق صلة بينهما، ذلك هما: الطبقية أو النطق في مخرج الطبق Velar Articulation والإطباق أو ما يسمى في علم الأصوات Velarization فالطبقية ارتفاع مؤخرة اللسان، حتى يتصل بالطبق فيسد المجرى، أو يضيقه تضييقا، يؤدي إلى احتكاك الهواء بهما في نقطة التقائهما، أو يضيقه تضييقا، يؤدي إلى احتكاك الهواء بهما في نقطة التقائهما، فهي إذن حركة عضوية مقصودة لذاتها، يبقى طرف اللسان معها في وضع محايد. أما الإطباق فارتفاع مؤخرة اللسان في اتجاه الطبق، بحيث لا يتصل به، على حين يجري النطق في مخرج آخر غير الطبق، يغلب أن يكون طرف اللسان أحد الأعضاء العاملة فيه"١.

стр. 35

تلك هي مخارج الأصوات وصفاتها المختلفة، عند المحدثين من علماء الأصوات، أما قدامى اللغويين من العرب، فإن التقسيمات عندهم متداخلة، والتعريفات ليست واضحة في كثير من الأحيان، فهم يرون مثلا أن الأصوات كلها تنشأ من أقصى الحلق، ويسمون ذلك المكان "المقطع" ثم يتحدد الصوت عن طريق حصره في مكان ما من الفم، ويسمون ذلك المكان "المعتمد"، قال ابن درستويه في شيء من ذلك: "وليست الألف من الحروف الحلقية، ولا لها معتمد في حلق ولا غيره؛ لأنها من الحروف الهاوية في الجوف وإنما مقطعها في أقصى الحلق، والحروف كلها مقطعها هناك؛ لأن الصوت كله إنما يخرج من الحلق، ثم يحصره المعتمد. فيصيره حرفا"١. وإذا كان سيبويه يقسم الأصوات إلى مجهورة ومهموسة، فإن تعريفه لها، يثير كثيرا من الشبه، التي لم تجد لها حلا معقولا حتى الآن، يقول٢: "فالمجهورة حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع النفس أن يجري معه، حتى ينقضي الاعتماد عليه، ويجري الصوت، فهذه حال المجهورة في الحلق والفم، إلا أن النون والميم، قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم، فتصير فيهما غنة. والدليل على ذلك أنك لو أمسكت بأنفك، ثم تكلمت بهما، لرأيت ذلك قد أخل بهما. وأما المهموس فحرف أُضعف الاعتماد في موضعه، حتى جرى النفس معه، وأنت تعرف ذلك إذا اعتبرت فرددت الحرف مع جري النفس. ولو أردت ذلك في المجهورة، لم تقدر عليه".

стр. 36

وهكذا نجد أن تعريف سيبويه للمجهور والمهموس، لا يقوم أساسا على اهتزاز الأوتار الصوتية في الحنجرة، أو عدم اهتزازها، وإنما يقوم على جري النفس أو عدم جريه، وتلك الصفة من السمات الخاصة بشدة الصوت أو رخاوته. وكان من الممكن القول بأن سيبويه يقصد بالمجهور والمهموس ما نعنيه نحن بالشديد والرخو، لولا أن سيبويه قسم الأصوات بعد ذلك إلى شديد ورخو، وبين المراد بهما عنده. وعلى الرغم من ذلك فإن تعريفه للشديد يقرب جدا من تعريفه للمجهور. كما يقرب تعريفه للرخو من تعريفه للمهموس كذلك، يقول سيبويه: "ومن الحروف الشديد وهو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه، وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء، وذلك أنك لو قلت: الحج، ثم مددت صوتك لم يجر ذلك. ومنها الرخوة وهي: الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والضاد والزاي والسين والظاء والثاء والذال والفاء، وذلك إذا قلت: الطس وانقض، وأشباه ذلك، أجريت فيه الصوت إن شئت"١. فلا فرق بين المجهور والشديد في كلام سيبويه "ويبدو أن بين التقسيمين السابقين تداخلا والتباسا، وقد قالوا إن الفرق بينهما أن المجهور يمنع النفس، والشديد يمنع الصوت، ولكن هذا التفريق غير واضح وضوحا تاما"٢. وليست التعريفات عند ابن جني في كتابه: "سر صناعة الإعراب" بأوضح منها عند سيبويه٣.

стр. 37

ومع ذلك فإن تعريف سيبويه لكل من الشديد والرخو، يلفت نظرنا إلى شيء، تنبه له علماء الغرب كذلك، وهو أن الأصوات الشديدة أصوات وقتية آنية Momentanlaute لا يمكن التغني بها وترديدها؛ لأنها تنتهي بمجرد زوال العائق وخروج الهواء. أما الأصوات الرخوة فإنها أصوات استمرارية متمادة Dauerlaute يمكن التغني بها، واستمرار نطقها بلا انقطاع، ما دام في الرئتين هواء.

стр. 38

الأصوات الصامتة والمتحركة: تنقسم الأصوات الكلامية عموما إلى قسمين كبيرين هما: الأصوات الصامتة، وهي ما يطلق عليها بالإنجليزية: "Consonants" والأصوات المتحركة، أو أصوات العلة ويسميها الإنجليز "Vowels"، وتعرف الأخيرة بأنها الأصوات المجهورة التي يحدث في تكوينها، أن يندفع الهواء في مجرى مستمر خلال الحلق والفم، وخلال الأنف معهما أحيانا، دون أن يكون هناك عائق، يعترض مجرى الهواء اعتراضا تاما أو تضييق لمجرى الهواء، من شأنه أن يحدث احتكاكا مسموعا، والأصوات المتحركة في العربية الفصحى، ما سماه نحاة العرب بالحركات، وهي الفتحة والضمة والكسرة، وكذلك حروف المد واللين، كالألف في "قال"، والواو في "يدعو" والياء في "القاضي". وسوف نتحدث فيما بعد، عن كيفية حدوث الحركات بالتفصيل. وما لم يصدق عليه تعريف الأصوات المتحركة، هو الأصوات الصامتة التي نتناولها الآن بالوصف التفصيلي، لمخارجها وصفاتها، وبيان الخلاف بين القدماء والمحدثين في تحديدها. وسوف نتناولها في كلامنا، حسب ترتيبها في المخارج. ١- الأصوات الشفوية: وهي في العربية: الباء والميم والواو "في مثل: ولد". أما الباء فهي صوت شديد مجهور مرقق، يتم نطقه بضم الشفتين، ورفع الطبق، ليغلق ما بين الحلق والتجويف الأنفي، مع ذبذبة الأوتار الصوتية، فإذا بقيت كل الأوضاع المذكورة كما هي: فيما عدا الأوتار الصوتية، التي لا نجعلها تهتز،

стр. 39

ينتج عندنا صوت آخر مهموس، لا وجود له في اللغة العربية، ولكنه يوجد في اللغات الأوربية، وبعض اللغات السامية، وهو صوت "p" فهو النظير المهموس للباء العربية. أما الميم، فإنه صوت أنفي مجهور، ينطق بأن تنطبق الشفتان تماما، فيحبس خلفهما الهواء، ويخفض الطبق، ليتمكن الهواء من الخروج عن طريق الأنف، مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية، وبقاء اللسان في وضع محايد. وأما الواو، فإننا نعني بها هنا ضمن الأصوات الصامتة، الواو في مثل: "واحد" أو "ولد" ونحو ذلك. وهو صوت مجهور، بينه وبين صوت الضمة الخالصة "وهو من الأصوات المتحركة" فرق بسيط جدا، وسنعرف ذلك عند حديثنا على أصوات العلة. ٢- الأصوات الشفوية الأسنانية: وليس منها في اللغة العربية، إلا صوت الفاء. وهو صوت رخو مهموس مرقق، ينطق بأن تتصل الشفه السفلى بالأسنان العليا، اتصالا يسمح للهواء أن يمر بينهما فيحتك بهما، مع رفع مؤخر الطبق، لسد التجويف الأنفي، وإهمال الأوتار الصوتية بجعلها لا تتذبذب. ونظير هذا الصوت المجهور، لا وجود له في اللغة العربية، وإنما يوجد في اللغات الأوربية، وهو صوت "v" في الإنجليزية وصوت "w" في الألمانية مثلا، فهذا الصوت يشبه الفاء العربية في كل شيء، إلا أنه يختلف عنها في أن الوترين الصوتيين يهتزان معه، ولذا فإنه صوت مجهور، في حين أن الفاء العربية صوت مهموس.

стр. 40

ونطق الفاء على هذا النحو، من الشفة والأسنان، ليس من طبيعة كل اللغات البشرية، "إذ ينطق اليابانيون صوت الفاء بطريقة تجعلها شفوية صرفة مهموسة احتكاكية، عن طريق إرسال الهواء من بين الشفتين شبه المفتوحتين، كما يحدث حينما نحاول إطفاء عود كبريت. أما الإسبانيون فينطقون ال "ف" بنفس الطريقة، مع تذبذب الوترين الصوتيين، ليحدث الجهر"١. ٣- الأصوات الأسنانية: وهي: الثاء والذال والظاء. ولسنا ندري لماذا عد الخليل بن أحمد هذه الأصوات الثلاثة لثوية، وقال: "لأن مبدأها من اللثة"٢، كما تابعه على ذلك بعض النحاة، كابن يعيش الذي يقول: "والظاء والذال والثاء من حيز واحد، وهو ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، وبعضها أرفع من بعض، وهي لثوية،؛ لأن مبدأها من اللثة"٣، مع أن النطق المتواتر لها في العربية الفصحى، هو النطق الأسناني، وقد روى ذلك سيبويه فقال: "وما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج الظاء والذال والثاء"٤. أما الثاء: فهو صوت رخو مهموس مرقق، ينطق بأن يوضع طرف اللسان بين أطراف الثنايا، بحيث يكون هناك منفذ ضيق للهواء، ويكون
следующие страницы →