← Язык

Язык · id 11541

المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي

رمضان عبد التواب

Полный текст (299 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهكذا نجد أن تعريف سيبويه للمجهور والمهموس، لا يقوم أساسا على اهتزاز الأوتار الصوتية في الحنجرة، أو عدم اهتزازها، وإنما يقوم على جري النفس أو عدم جريه، وتلك الصفة من السمات الخاصة بشدة الصوت أو رخاوته. وكان من الممكن القول بأن سيبويه يقصد بالمجهور والمهموس ما نعنيه نحن بالشديد والرخو، لولا أن سيبويه قسم الأصوات بعد ذلك إلى شديد ورخو، وبين المراد بهما عنده. وعلى الرغم من ذلك فإن تعريفه للشديد يقرب جدا من تعريفه للمجهور. كما يقرب تعريفه للرخو من تعريفه للمهموس كذلك، يقول سيبويه: "ومن الحروف الشديد وهو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه، وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء، وذلك أنك لو قلت: الحج، ثم مددت صوتك لم يجر ذلك. ومنها الرخوة وهي: الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والضاد والزاي والسين والظاء والثاء والذال والفاء، وذلك إذا قلت: الطس وانقض، وأشباه ذلك، أجريت فيه الصوت إن شئت"١. فلا فرق بين المجهور والشديد في كلام سيبويه "ويبدو أن بين التقسيمين السابقين تداخلا والتباسا، وقد قالوا إن الفرق بينهما أن المجهور يمنع النفس، والشديد يمنع الصوت، ولكن هذا التفريق غير واضح وضوحا تاما"٢. وليست التعريفات عند ابن جني في كتابه: "سر صناعة الإعراب" بأوضح منها عند سيبويه٣.

стр. 37

ومع ذلك فإن تعريف سيبويه لكل من الشديد والرخو، يلفت نظرنا إلى شيء، تنبه له علماء الغرب كذلك، وهو أن الأصوات الشديدة أصوات وقتية آنية Momentanlaute لا يمكن التغني بها وترديدها؛ لأنها تنتهي بمجرد زوال العائق وخروج الهواء. أما الأصوات الرخوة فإنها أصوات استمرارية متمادة Dauerlaute يمكن التغني بها، واستمرار نطقها بلا انقطاع، ما دام في الرئتين هواء.

стр. 38

الأصوات الصامتة والمتحركة: تنقسم الأصوات الكلامية عموما إلى قسمين كبيرين هما: الأصوات الصامتة، وهي ما يطلق عليها بالإنجليزية: "Consonants" والأصوات المتحركة، أو أصوات العلة ويسميها الإنجليز "Vowels"، وتعرف الأخيرة بأنها الأصوات المجهورة التي يحدث في تكوينها، أن يندفع الهواء في مجرى مستمر خلال الحلق والفم، وخلال الأنف معهما أحيانا، دون أن يكون هناك عائق، يعترض مجرى الهواء اعتراضا تاما أو تضييق لمجرى الهواء، من شأنه أن يحدث احتكاكا مسموعا، والأصوات المتحركة في العربية الفصحى، ما سماه نحاة العرب بالحركات، وهي الفتحة والضمة والكسرة، وكذلك حروف المد واللين، كالألف في "قال"، والواو في "يدعو" والياء في "القاضي". وسوف نتحدث فيما بعد، عن كيفية حدوث الحركات بالتفصيل. وما لم يصدق عليه تعريف الأصوات المتحركة، هو الأصوات الصامتة التي نتناولها الآن بالوصف التفصيلي، لمخارجها وصفاتها، وبيان الخلاف بين القدماء والمحدثين في تحديدها. وسوف نتناولها في كلامنا، حسب ترتيبها في المخارج. ١- الأصوات الشفوية: وهي في العربية: الباء والميم والواو "في مثل: ولد". أما الباء فهي صوت شديد مجهور مرقق، يتم نطقه بضم الشفتين، ورفع الطبق، ليغلق ما بين الحلق والتجويف الأنفي، مع ذبذبة الأوتار الصوتية، فإذا بقيت كل الأوضاع المذكورة كما هي: فيما عدا الأوتار الصوتية، التي لا نجعلها تهتز،

стр. 39

ينتج عندنا صوت آخر مهموس، لا وجود له في اللغة العربية، ولكنه يوجد في اللغات الأوربية، وبعض اللغات السامية، وهو صوت "p" فهو النظير المهموس للباء العربية. أما الميم، فإنه صوت أنفي مجهور، ينطق بأن تنطبق الشفتان تماما، فيحبس خلفهما الهواء، ويخفض الطبق، ليتمكن الهواء من الخروج عن طريق الأنف، مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية، وبقاء اللسان في وضع محايد. وأما الواو، فإننا نعني بها هنا ضمن الأصوات الصامتة، الواو في مثل: "واحد" أو "ولد" ونحو ذلك. وهو صوت مجهور، بينه وبين صوت الضمة الخالصة "وهو من الأصوات المتحركة" فرق بسيط جدا، وسنعرف ذلك عند حديثنا على أصوات العلة. ٢- الأصوات الشفوية الأسنانية: وليس منها في اللغة العربية، إلا صوت الفاء. وهو صوت رخو مهموس مرقق، ينطق بأن تتصل الشفه السفلى بالأسنان العليا، اتصالا يسمح للهواء أن يمر بينهما فيحتك بهما، مع رفع مؤخر الطبق، لسد التجويف الأنفي، وإهمال الأوتار الصوتية بجعلها لا تتذبذب. ونظير هذا الصوت المجهور، لا وجود له في اللغة العربية، وإنما يوجد في اللغات الأوربية، وهو صوت "v" في الإنجليزية وصوت "w" في الألمانية مثلا، فهذا الصوت يشبه الفاء العربية في كل شيء، إلا أنه يختلف عنها في أن الوترين الصوتيين يهتزان معه، ولذا فإنه صوت مجهور، في حين أن الفاء العربية صوت مهموس.

стр. 40

ونطق الفاء على هذا النحو، من الشفة والأسنان، ليس من طبيعة كل اللغات البشرية، "إذ ينطق اليابانيون صوت الفاء بطريقة تجعلها شفوية صرفة مهموسة احتكاكية، عن طريق إرسال الهواء من بين الشفتين شبه المفتوحتين، كما يحدث حينما نحاول إطفاء عود كبريت. أما الإسبانيون فينطقون ال "ف" بنفس الطريقة، مع تذبذب الوترين الصوتيين، ليحدث الجهر"١. ٣- الأصوات الأسنانية: وهي: الثاء والذال والظاء. ولسنا ندري لماذا عد الخليل بن أحمد هذه الأصوات الثلاثة لثوية، وقال: "لأن مبدأها من اللثة"٢، كما تابعه على ذلك بعض النحاة، كابن يعيش الذي يقول: "والظاء والذال والثاء من حيز واحد، وهو ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، وبعضها أرفع من بعض، وهي لثوية،؛ لأن مبدأها من اللثة"٣، مع أن النطق المتواتر لها في العربية الفصحى، هو النطق الأسناني، وقد روى ذلك سيبويه فقال: "وما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا مخرج الظاء والذال والثاء"٤. أما الثاء: فهو صوت رخو مهموس مرقق، ينطق بأن يوضع طرف اللسان بين أطراف الثنايا، بحيث يكون هناك منفذ ضيق للهواء، ويكون

стр. 41

معظم جسم اللسان مستويا، ويرفع الطبق ليسد المجرى الأنفي، بأن يلتصق بالحائط الخلفي للحلق، ويتم ذلك كله، مع عدم وجود ذبذبة في الأوتار الصوتية. وليس هناك نظير مفخم لهذا الصوت في اللغة العربية. وقد غلط الدكتور السعران، حين قال عن صوت الظاء "إنه مطبق الثاء، أي أن بين هذا الصوت "الظاء" وبين الثاء، ما بين الصاد والسين"١. وصوت الثاء من الأصوات التي فقدت في اللهجة العامية، واستعيض عنه فيها بالتاء، نحو: ثقيل تقيل، أو السين في الكلمات الثقافية، نحو: ثابت سابت. وأما الذال: فهو نظير الثاء المجهور، أي أنه صوت رخو مجهور مرقق، يتم نطقه بنفس الطريقة، التي ينطق بها صوت الثاء، مع فارق واحد، هو أن الأوتار الصوتية تهتز عند نطق الذال، ولا تهتز عند نطق الثاء. وقد ضاع صوت الذال كذلك، في اللهجة العامية المصرية، وحل محله الدال، نحو: ذهب دهب، ذيل ديل، أو الزاي، نحو: ذكر زكر، ذل زل. وأما الظاء: فإنه نظير الذال المفخم، أي أنه صوت رخو مجهور مفخم، ينطق بنفس الطريقة، التي ينطق بها صوت الذال، مع فارق واحد، وهو أن مؤخرة اللسان ترتفع نحو الطبق مع الظاء، ولا ترتفع مع الذال. وسيبويه نفسه يقول: "ولولا الإطباق في الظاء لكانت ذالا"٢.

стр. 42

وقد فقدت الظاء من اللهجة العامية المصرية كذلك، وحل محلها الضاد، مثل: ظل ضل، أو الزاي المفخمة، نحو: ظلم زلم، وغير ذلك. ٤- الأصوات الأسنانية اللثوية: يعد هذا المخرج أغنى المخارج بالأصوات في العربية، ففيه تنطق الأصوات التالية: الدال، والضاد، والتاء، والطاء، والزاي، والسين، والصاد. أما الدال: فإنها صوت شديد مجهور مرقق، ينطق بأن تلتصق مقدمة اللسان باللثة والأسنان العليا، التصاقا يمنع مرور الهواء ورفع الطبق، ليسد التجويف الأنفي، مع ذبذبة الأوتار الصوتية، وبقاء مؤخرة اللسان في وضع أفقي، ثم يزال السد بانخفاض مقدمة اللسان، فيندفع الهواء المحبوس إلى الخارج. وأما الضاد: فإنها حسب نطقنا لها الآن، تعد المقابل المفخم للدال، أي أنها صوت شديد مجهور مفخم، ينطق بنفس الطريقة، التي تنطق بها الدال، مع فارق واحد، هو ارتفاع مؤخرة اللسان نحو الطبق، في النطق بصوت الضاد. وعلى هذا فالضاد العربية هي المقابل المطبق للدال. وأما التاء: فهي نظير الدال المهموس، أي أنها صوت شديد مهموس مرقق، ينطق بنفس الطريقة، التي يتم بها نطق صوت الدال، مع فارق واحد، هو عدم إعمال الأوتار الصوتية في التاء، وتركها تهتز وتتذبذب مع صوت الدال. وأما الطاء: فهي كما ينطق بها اليوم، تقابل التاء في في الترقيق، والتفخيم، أي أنها صوت شديد مهموس مفخم، ولا فرق بينهما إلا في أن

стр. 43

مؤخرة اللسان، ترتفع نحو الطبق عند الطاء، ولا ترتفع نحوه في نطق التاء. وأما الزاي: فهو صوت رخو مجهور مرقق، يتم نطقه بوضع طرف اللسان في اتجاه الأسنان، ومقدمته مقابل اللثة العليا، مع رفع الطبق تجاه الحائط الخلفي للخلق، فيسد المجرى الأنفي، ويتم كل هذا مع وجود ذبذبة في الأوتار الصوتية. ونظير الزاي المفخم، لا وجود له في العربية الفصحى، وإن وجد في العامية، في ذلك الصوت الذي يحل محل الظاء العربية أحيانا، في مثل: ظلم زلم، ونحوه. وأما السين: فإنها نظير الزاي المهموس، وهذا معناه أنه صوت رخو مهموس مرقق، لا يفترق عن الزاي في نطقه، إلا في أن الأوتار الصوتية تهتز مع الزاي، ولا تهتز معه. وأما الصاد: فإنها نظير السين المفخم. وهذا معناه أنه صوت رخو مهموس مفخم، ينطق كما ينطق السين، مع فارق واحد، هو أن مؤخرة اللسان ترتفع معه ناحية الطبق. ٥- الأصوات اللثوية: وهي اللام والراء والنون. أما اللام: فإنها صوت جانبي مجهور، ينطق بأن يتصل طرف اللسان باللثة ويرتفع الطبق، فيسد المجرى الأنفي، عن طريق اتصاله بالجدار الخلفي للحلق، هذا مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية. ومعنى أنه صوت جانبي، أن أحد جانبي اللسان، أو كليهما

стр. 44

يسمح للهواء الخارج من الرئتين بالمرور بينه وبين الأضراس، في الوقت الذي لا يمكنه فيه المرور من وسط الفم، لحيلولة طرف اللسان المتصل باللثة دون ذلك. والأصل في صوت اللام الترقيق، إلا أنه -كما يذكر علماء القراءات- يفخم في لفظ "الله" إذا لم يسبقه صوت من أصوات الكسرة، كما أنهم يجيزون تفخيمه، إذا تلاه صوت من أصوات الفتحة، وسبقه أحد الأصوات المطبقة، مثل: الصلاة، والطلاق، والظلام، والضلال. والفرق بين اللام المرققة والمفخمة، يوجد كما هو معروف، في وضع مؤخرة اللسان بالنسبة للاثنين؛ إذ إنها ترتفع ناحية الطبق، في حالة اللام المفخمة، وتنخفض إلى قاع الفم في حالة اللام المرققة، فالفرق بين نطق اللامين هو نفس الفرق بين صوتي السين والصاد. وإذا كان الخط العربي، لم يرمز لكل لام من اللامين برمز يختلف عن الآخر، فما ذلك إلا لأنها عبارة عن عائلة صوتية "فونيم" واحدة، لا يتعدد بتعدد أفرادها معنى الكلمة. وسنشرح نظرية "الفونيم" هذه فيما بعد. وأما الراء: فإنها صوت تكراري مجهور، يتم نطقه بأن يترك اللسان مسترخيا، في طريق الهواء الخارج من الرئتين، فيرفرف اللسان، ويضرب طرفه في اللثة ضربات متكررة. وهذا معنى وصف الراء بأنه صوت تكراري، هذا بالإضافة إلى حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية، عند نطق هذا الصوت. ويلاحظ أن الأطفال، في بداية نموهم اللغوي، لا يقدرون على نطق الراء، بسبب ضعف العضلات المحركة لمقدمة اللسان عندهم، وقصورها في

стр. 45

هذه السن المبكرة، عن إحداث الاهتزازات السريعة، المكررة لهذه المقدمة. غير أنه سرعان ما يتقن الطفل نطق الراء، بالتقليد وكثرة التمرين. وقد يصاب الطفل بلثغة في الراء، لسبب أو لآخر، فلا يقدر على نطقها طيلة حياته نطقا صحيحا. وقد عرف قدماء النحاة العرب، بعض الطرق البدائية للتغلب على لثغة الراء، فقد رووا لنا أن عبيد الله بن محمد بن جرو الأسدي النحوي العروضي "كان يلثغ بالراء غينا، فقال له أبو علي الفارسي: ضع ذبابة القلم تحت لسانك، لتدفعه بها، وأكثر مع ذلك ترديد اللفظ بالراء، ففعل، فاستقام له إخراج الراء في مخرجها"١. ويذكر القراء أن الراء ترقق، إذا كسرت، أو كانت ساكنة بعد كسر، مثل كلمة: رزق، ورجس، وحرمان. وذلك على العكس من: يرجون ويحرم. والفرق بين الراءين يشبه الفرق بين اللامين المرققة والمفخمة، فيما سبق تماما. أما النون: فهو صوت أنفي مجهور، يتم نطقه، بجعل طرف اللسان متصلا باللثة، مع خفض الطبق، ليفتح المجرى الأنفي، وإحداث ذبذبة في الأوتار الصوتية. ومعنى الأنفية في هذا الصوت، أن الهواء الخارج من الرئتين، يمر في التجويف الأنفي، محدثا مروره نوعا من الخفيف، وهي بهذا الوصف كالميم تماما، غير أن الفرق بينهما أن طرف اللسان مع النون يلتقي باللثة، فيمتنع مرور الهواء عن طريق الفم، بعكس الميم، فإن الذي يمنع مرور الهواء من الفم معهما، هما الشفتان.

стр. 46

ويذكر الدكتور تمام حسان أمثلة لأنواع أخرى من صوت النون، تبعا لوقوعه قبل الأصوات الأخرى، فهناك نون أسنانية، وهي التي تقع قبل الذال، أو الثاء، أو الظاء في مثل: إن ذهب، وإن ثاب، وإن ظلم. وهناك نون أسنانية لثوية، وهي التي تقع قبل الأصوات الأسنانية اللثوية، التي وصفناها من قبل، مثل: إن دأب، وإن ضرب، وإن تبع، وإن طلب، وإن زرع، وإن سكت، وإن صلح. كما أن هناك نونا غارية، وهي التي تقع قبل الشين أو الجيم أو الياء، نحو: من شاء، ومن جاء، ومن يكن. وكذلك هناك نون طبقية تأتي قبل الكاف، في مثل: إن كان، ولكنها لا تأتي قبل الغين والخاء، وهما من أصوات الطبق أيضا، بل تنطق النون قبل هذين الصوتين في مخرجها الأصلي وهو اللثة، فيقال: إن غاب، وإن خاف. وهناك أخيرا نون لهوية، تأتي قبل صوت القاف في مثل: إن قال١. ونحب أن ننبه هنا، إلى أن هذه الأصوات جميعها للنون، ليست إلا مظاهر مختلفة "لفونيم" واحد. وسوف نشرح ذلك فيما بعد. ٦- الأصوات الغارية: وهي في العربية الفصحى: الشين والجيم والياء. أما الشين فهي صوت رخو مهموس مرقق، ينطق برفع مقدمة اللسان تجاه الغار، ورفع الطبق ليسد المجرى الأنفي، بالتصاقه بالجدار الخلفي للحلق، ويتم ذلك كله، دون إحداث ذبذبات في الأوتار الصوتية، فإذا مر الهواء في الفراغ

стр. 47

الضيق، بين مقدمة اللسان والغار. سبب نوعا من الاحتكاك والصفير، وهو صوت الشين. وليس في العربية نظير مجهور للشين، إلا أنها قد تجهر بتأثير الأصوات المجهورة، المجاورة لا، مثل الشين في كلمة: "مشغول". وهذه الشين المجهورة، توجد في نطق الشوام للجيم العربية. ونحن نميز هذه الشين المجهورة بالرمز "ج" ونطقها يماثل نطق الصوت الأخير في الكلمة "الفرنسية: "rouge"= روج. أما صوت الجيم: كما نسمعها الآن من مجيدي القراء، فإنها صوت مجهور يجمع بين الشدة والرخاوة، وهو ما سبق ن سميناه بالصوت المزودج. ويتم نطقه بأن يرتفع مقدم اللسان، في اتجاه الغار فيلتصق به، وبذلك يحجز وراءه الهواء الخارج من الرئتين، ثم لا يزول هذا الحاجز فجأة، كما في الأصوات الشديدة، وإنما يتم انفصال العضوين ببطء، فيترتب على ذلك أن يحتك الهواء الخارج بالعضوين المتباعدين، احتكاكا شبيها بالاحتكاك الذي نسمع صوته، مع الشين المجهورة "ج"؛ وعلى ذلك تعد هذه الجيم في الحقيقة: صوت دال مغور، يعقبه صوت شين مجهور. وهذه الجيم بهذا الوصف، لا وجود لها في اللهجات الحالية، إلا في لهجة من لهجات صعيد مصر، وبعض أماكن الجزيرة العربية. كما أصبحت كافا مجهورة تنطق من الطبق، مع إعمال الأوتار الصوتية في نطق القاهريين، أي أن مخرجها انتقل إلى الخلف. وهي في لهجة أهل سوريا، عبارة عن شين مجهورة، كما سبق أن ذكرنا. كما تطورت في نطق بعض أهالي الصعيد، إلى دال أسنانية لثوية، بانتقال مخرجها إلى الأمام. ويبدو أن بعض قبيلة تميم، كانوا ينطقون شينا مهموسة، بدلا من

стр. 48

الجيم، قال الجوهري: "وأشاءه لغة في أجاءه، أي ألجأه. وتميم تقول: شر ما يشيئك إلى مخة عرقوب، بمعنى: يجيئك، قال زهير بن ذؤيب العدوي: فيال تميم صابروا قد أشئتم ... إليه وكونوا كالمحربة البسل"١ كما يقول ابن جني: "قال الراجز: إذ ذاك إذ حبل الوصال مدمش أي: مدمج، فالشين، بدل من الجيم"٢. وعد أبو بكر الزبيدي، هذه الظاهرة في الأندلس، من لحن العامة، فقال: "اشترت الدابة خطأ، والصواب: اجترت٣". والظاهر أن صوت الجيم المزودج هذا، ليس أصليا في اللغة العربية القديمة، وإنما هو متطور عن جيم تشبه نطق المصريين لهذا الصوت. والدليل على ذلك مقارنة اللغات السامية الأخرى، كالعبرية والسريانية والحبشية، فصوت الجيم في هذه اللغات، صوت شديد يشبه نطق المصريين. ويقول المستشرق "إنو ليتمان" Enno Littmann "نعرف أن نطق هذا الحرف الأصلي، كان كما هو الآن في مصر، وكما كان ويكون في اللغات السامية الباقية. مثلا: كلمة: "جمل" في العبرية: gamal وفي السريانية: gamla وفي الحبشية: gamal. وتاريخ هذا النطق كما يأتي: في الابتداء تغير نطق: gim فصار: gim قبل حركة الكسرة فقط، ثم لفظت عند أهل الحجاز gim إذا

стр. 49

وقعت قبل كل الحركات، أي الفتحة والضمة والكسرة، وكان هذا النطق نطق القرشيين في زمان النبي " ﷺ " فصار نطق القرآن الشريف"١. أما صوت الياء: فإننا نعني به هنا، ضمن الأصوات الصامتة، الياء التي في مثل: "يقول" و"ينصر" وما أشبه ذلك، وهو صوت مجهور، بينه وبين صوت الكسرة الخالصة "وهو من أصوات العلة أو الحركات" فرق يسير جدا. وسنعرف العلاقة بينهما بالتفصيل، عند حديثنا على أصوات العلة. ٧- الأصوات الطبقية: وهي في العربية الفصحى: الكاف والغين والخاء. أما الكاف: فإنه صوت شديد مهموس مرقق، يتم نطقه برفع مؤخرة اللسان في اتجاه الطبق، وإلصاقه به، وإلصاق الطبق بالحائط الخلفي للحلق، ليسد المجرى الأنفي، مع إهمال الأوتار الصوتية وعدم اهتزازها. وليس في العربية الفصحى نظير مجهور لهذا الصوت، وإنما نظيره المجهور هو الجيم القاهرية، التي نرمز لها بالرمز: "كـ" المستعار من الخط الفارسي، لنفرق بينها وبين الجيم الفصيحة. وهذه الجيم القاهرية، نسمعها كذلك في بعض اللغات السامية، كالعبرية والسريانية والحبشية، فهو صوت سامي قديم، وهو لا يفترق عن الكاف في شيء، سوى أن الجيم القاهرية مجهورة والكاف مهموسة.

стр. 50

وأما الغين: فهو صوت رخو مجهور مرقق، يتم نطقه برفع مؤخرة اللسان، حتى يتصل بالطبق، اتصالا يسمح للهواء بالمرور، فيحتك باللسان والطبق، في نقطة تلاقيهما، وفي نفس الوقت يرتفع الطبق، ليسد المجرى الأنفي، مع حدوث ذبذبات في الأوتار الصوتية. وقد عد سيبويه وغيره من القدماء، صوت الغين من أصوات الحلق. ويقول في ذلك الدكتور تمام: "يستطيع الباحث أن يقف منهم أحد موقفين، ينبني كل منهما على طريقة فهمهم للاصطلاح "حلق"، فإذا كان مفهوم هذا الاصطلاح في أذهانهم مطابقا لما نفهمه الآن، فهم ولا شك مخطئون في القول بأن صوت الغين يخرج من الحلق. أما إذا كان فهمهم للاصطلاح، أوسع من فهمنا له، حتى ليشمل ما بين مؤخر اللسان والطبق، فلا داعي للقول بخطئهم"١. وأما الخاء: فإنها النظير المهموس للغين، وهذا معناه أنها صوت رخو مهموس مرقق، لا يفترق في طريقة نطقه عن الغين، إلا في أن الأوتار الصوتية، لا تهتز معه، وتهتز مع الغين. ٨- الأصوات اللهوية: لا يوجد منها في الفصحة، إلا صوت القاف. وهو كما ينطق به مجيدو القراءات في مصر، صوت شديد مهموس، ينطق برفع مؤخر الطبق، حتى يلتصق بالجدار الخلفي للحلق، ليسد المجرى الأنفي، ورفع مؤخر اللسان حتى يتصل باللهاة والجدار الخلفي للحلق، مع عدم حدوث

стр. 51

ذبذبة في الأوتار الصوتية، فينحبس الهواء ثم ينفجر بعد انفصال العضوين المتصلين. وعلى ذلك فلا فرق بين القاف والكاف، إلا في أن القاف أعمق قليلا في مخرجها. ٩- الأصوات الحلقية: وهي في اللغة العربية: العين والحاء. أما العين فهي صوت رخو مجهور مرقق، يتم نطقه بتضييق الحلق عند لسان المزمار، ونتوء لسان المزمار إلى الخلف، حتى ليكاد يتصل بالحائط الخلفي للحلق، وفي الوقت نفسه يرتفع الطبق، ليسد المجرى الأنفي، وتهتز الأوتار الصوتية. وأما الحاء: فهي النظير المهموس للعين. وهذا معناه أنه صوت رخو مهموس مرقق، يفترق عن العين، في أن الأوتار الصوتية، لا تتذبذب معه، بخلافها مع العين. وقد فطن ابن جني إلى هذا الفرق بين الحاء والعين، فقال: "ولولا بحة في الحاء لكانت عينا ... ولأجل البحة التي في الحاء، ما يكررها الشارق في تنحنحه. وحُكي أن رجلا من العرب، بايع أن يشرب علبة لبن ولا يتنحنح، فشرب بعضه، فلما كظه الأمر قال: كبش أملح، فقيل له: ما هذا؟ تنحنحت! فقال: من تنحنح فلا أفلح، وكرر الحاء مستروحا إليها، لما فيها من البحة، التي يجري معها النفس وليست كالعين التي تحصر النفس"١.

стр. 52

الأصوات الحنجرية: وهي في اللغة العربية صوتا الهمزة والهاء. أما الهمزة فهي صوت شديد مهموس مرقق، ينطق بإغلاق الأوتار الصوتية إغلاقا تاما، يمنع مرور الهواء، فيحتبس خلفهما ثم تفتح فجأة، فينطلق الهواء متفجرا. ويأتي حكمنا بهمس هذا الصوت، من ناحية أن الأوتار الصوتية معه، تغلق تماما، فلا يحدث فيها ذلك الاهتزاز اللازم لصفة الجهر. ومع ذلك نجد سيبويه وغيره من القدماء، يعدون هذا الصوت مجهورا، وهو "أمر مستحيل استحالة مادية، ما دامت الأوتار الصوتية مقفلة في أثناء نطقه. ولكن هذا الصوت قد يأتي مسهلا، أي أن إقفال الأوتار الصوتية مقفلة في أثناء نطقه. ولكن هذا الصوت قد يأتي سهلا، أي أن إقفال الأوتار الصوتية ربما يكون تاما حين النطق به، بل قد يكون إقفاله تقريبيا. وفي حالة التسهيل هذه يحدث الجهر، ولكن المجهور حينئذ ليس وقفة حنجرية "همزة" بل تضيق حنجري أشبه بأصوات العلة منه بهذا الصوت"١. والهمزة عند الدكتور أنيس٢، صوت لا هو بالمجهور ولا بالمهموس. وهذا الرأي عند الدكتور كمال بشر٣ هو الرأي الراجح، إذ يقول: "والقول بأن الهمزة صوت لا بالمهموس ولا بالمجهور، هو الرأي الراجح؛ إذ إن وضع الأوتار الصوتية حال النطق بها، لا يسمح بالقول بوجود ما يسمى بالجهر، أو ما يسمى بالهمس".

стр. 53

وهذا رأي غريب، لم يرض عنه جمهرة الدارسين للأصوات، يقول الدكتور أيوب: "يقرر الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه: الأصوات اللغوية، أن الهمزة صوت لا هو بالمجهور ولا هو بالمهموس. وبالرجوع لتعريف الدكتور أنيس للجهر والهمس في الكتاب نفسه، نجد أنه يصف الجهر بأنه صوت موسيقي، يحدث من اهتزاز الوترين الصوتيين، اهتزازا منظما. ويصف الصوت الهموس، بأنه الصوت الذي لا يهتز معه الوتران الصوتيان. ومعنى هذا أن الأوتار الصوتية، إما أن تتذبذب فيحدث الجهر، أو لا تتذبذب فيحدث الهمس، ولا ثالث لهاتين الإمكانيتين. ومن ثم فإن وصف الدكتور أنيس للهمزة، بأنها ليست مجهورة ولا مهموسة، وصف غير دقيق"١. وقد كانت "قريش" وأهل الحجاز لا يهمزون في كلامهم، وذلك على العكس من القبائل النجدية، كقبيلة "تميم"، فقد "قال أبو زيد": أهل الحجاز وهذيل، وأهل مكة والمدينة لا ينبرون. وقف عليها عيسى بن عمر، فقال: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا. قال: وقال أبو عمر الهذلي: قد توضيت، فلم يهمز وحولها ياء، وكذلك ما أشبه هذا من باب الهمز"٢. والنبر هو الهمز في اصطلاح القدماء، قال ابن منظور: "والنبر همز الحرف. ولم تكن قريش تهمز في كلامها. ولما حج المهدي قدم الكسائي يصلي بالمدينة، فهمز فأنكر أهل المدينة عليه، وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله ﷺ بالقرآن؟! ٣".

стр. 54

كما قال الفراء: "وقوله: "تأكل منسأته"، همزها عاصم والأعمش، ولم يهمزها أهل الحجاز ولا الحسن، ولعلهم أرادوا لغة قريش، فإنهم يتركون الهمز"١. وقال ابن عبد البر في التمهيد: قول من قال: نزل القرآن بلغة قريش، معناه عندي: في الأغلب؛ لأن لغة غير قريش موجودة في جميع القرآن، من تحقيق الهمز ونحوه، وقريش لا تهمز٢. وقال صاحب كتاب: المباني في نظم المعاني: "فأما الهمز، فإن من العرب من يستعمله، وهم تميم ومن يوافقها في ذلك، ومنهم من يقل استعمالهم له، وهم هذيل وأهل الحجاز"٣. وهذا كله معناه أن لهجة الحجازيين الأصلية تسهيل الهمز. أما قول عيسى بن عمر الثقفي فيما تقدم: "فإذا اضطروا نبروا" فيمكن أن يكون معناه أن الحجازيين، إذا اصطنعوا اللغة المشتركة التي أخذت الهمز من تميم، فإنهم يحققون الهمز في هذه الحالة، كما يمكن أن يكون عيسى بن عمر، قد قصد بذلك الهمزة التي توجد في أول الكلمة، إذا كان الحجازيون يحققونها فعلا، ولم تكن قد تحولت كذلك في نطقهم إلى صوت من أصوات العلة، أو تضييق حنجري، شبيه بأصوات العلة. أما الهاء: فإنها صوت رخو مهموس مرقق، يتم نطقه بأن يحتك الهواء الخارج من الرئتين، بمنطقة الأوتار الصوتية دون أن تحدث ذبذبة لهذه

стр. 55

الأوتار، ويرتفع الطبق ليسد المجرى الأنفي، ويتخذ الفم عند النطق بالهاء نفس الوضع، الذي يتخذه عند النطق بالحركات "وسنتحدث عن ذلك فيما بعد". ولولا هذا الحفيف الذي يحدث بمنطقة الأوتار الصوتية، لما سمع غير صوت الزفير العادي، كما أن انعدام الذبذبات هنا، هو الذي يميز الهاء عن الحركات. ويرى الدكتور تمام أن صوت الهاء مجهور "يتم النطق به بتضييق الأوتار الصوتية، إلى مرحلة في منتصف الطريق بين الهمس والجهر، حتى إذا مر هواء الرئتين بينهما، كان لاحتكاكه بهما أثر صوتي لا هو بالحس "يقصد جرس الصوت الذي يتردد صداه في حجرات الرنين في الجهاز النطقي، وهي حالة الجهر"، ولا هو بالنفس.. هذا الأثر الصوتي فيه بعض الذبذبة، وهو ما يجعلنا ننظر إلى هذ الصوت باعتباره مجهورا"١. كما يرى الدكتور أنيس أن "الهاء عادة صوت مهموس يجهر به في بعض الظروف اللغوية الخاصة"٢. ويظهر أنه التبس عليهما صوت الهاء بصوت الحركات، في الأمثلة التي استنبطا منها هذا الحكم. والحركات مجهورة دائما، كما سنرى فيما بعد. وبوصفنا لصوت الهاء، ننتهي من وصف الأصوات الصامتة في العربية الفصحى. ويهمنا هنا أن نقول مع "ماريوباي" إن "عدد الأصوات التي يمكن لجهاز النطق الإنساني أن ينتجها، لم يمكن حصرها أو تقديرها على وجه الدقة حتى الآن. وهذا يرجع إلى أن أقل انحراف في المخرج، يمكن

стр. 56

أن يعطي نتائج مختلفة، تدركها الأجهزة الحساسة، مثل السبكتروجراف أو مسجل تردد الموجات الصوتية، إن لم تدركها الأذن. وأيضا فإن كثيرا من الأصوات الإنسانية، التي لا تعد أصواتا كلامية في بعض اللغات، تعد بكل تأكيد أصواتا كلامية في بعضها الآخر"١. وفيما يلي جدول لمخارج الأصوات وصفاتها، على النحو الذي شرحناه:

стр. 57

بيننا وبين القدماء في وصف بعض الأصوات الضاد ... بيننا وبين القدماء في وصف بعض الأصوات: حين نطالع كتب القدماء من علماء العربية في وصف أصوات اللغة الفصحى، نجد خلافا بيننا وبينهم في وصف بعض هذه الأصوات. ويرجع ذلك في نظرنا إلى أحد أمرين، أولهما: أن نطق العربية الفصحى أصابه التطور فاختلف نطق بعض الأصوات في زماننا على مستوى النطق الفصيح، عنه في زمان أولئك القدماء، الذين وصفوا ما سمعوه، وأصابوا في هذا الوصف. والثاني أن يكون نطق الفصحى في زماننا، هو بعينه نطق العرب القدماء، لم يصبه تطور، ولم يحدث فيه تغيير، غير أن القدماء وهموا في وصف هذا النطق. ونحن نميل في الأعم الأغلب، إلى تصديق القدماء في أوصافهم، ونؤمن بالتطور اللغوي الذي أصاب بعض أصوات الفصحى، ولا نلجأ إلى تخطئة القدماء في وصفهم إلا إذا أعيتنا الحيل في القول بتطور هذا الصوت أو ذاك. وينحصر الخلاف بيننا وبين القدماء في وصف خمسة أصوات وهي: الضاد والطاء والجيم والقاف والعين. وفيما يلي تفصيل القول في ذلك: الضاد: عرفنا من قبل أن الضاد حسب نطقنا لها الآن، تعد المقابل المفخم للدال، أي أنها صوت شديد مجهور مفخم، ينطق بنفس الطريقة، التي تنطق بها الدال، مع فارق واحد، هو ارتفاع مؤخرة اللسان نحو الطبق، في النطق بصوت الضاد. وعلى هذا فالضاد العربية هي المقابل المطبق للدال.

стр. 58

غير أننا إذا نظرنا إلى وصف القدماء لها، من النحويين واللغويين وعلماء القراءات، عرفنا أن الضاد القديمة، تختلف عن الضاد التي ننطقها الآن، في أمرين جوهريين: أولهما: أن الضاد القديمة ليس مخرجها الأسنان واللثة، بل حافة اللسان أو جانبه. وثانيهما: أنها لم تكن انفجارية "شديدة"، بل كانت صوتا احتكاكيا "رخوا". فقد عدها الخليل بن أحمد، في حيز الجيم والشين، وهما من الأصوات الغارية، فقال وهو يذكر أحياز الحروف: "ثم الجيم والشين والضاد في حيز واحد"١. كما يقول سيبويه: "ومن بين أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس مخرج الضاد"٢. ويوضح ذلك "المبرد" فيقول: "الضاد ومخرجها من الشدق، فبعض الناس تجري له في الأيمن، وبعضهم تجري له في الأيسر"٣. كما يقول ابن جني: "ومن أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، مخرج الضاد، إلا أنك إن شئت تكلفتها من الجانب الأيمن، وإن شئت من الجانب الأيسر"٤. يتضح من هذه النصوص، الفرق الأول بين الضاد القديمة والضاد

стр. 59

التي ننطقها الآن، وأنها كانت جانبية، وليست أسنانية لثوية. أما الفرق الثاني، وهو أنها لم تكن انفجارية، بل احتكاكية أو رخوة، فيتضح من قول سيبويه في تقسيم الحروف: "ومنها الرخوة وهي: الهاء والحاء والغين والخاء والشين والصاد والضاد والزاي والسين والظاء والثاء والذال والفاء"١. وقد عرفنا من قبل أن الضاد التي ننطقها اليوم في مصر، هي المقابل المطبق أو المفخم للدال، فالدال صوت ينطق بنفس الطريقة التي ينطق بها صوت الضاد، مع فارق واحد، وهو أن مؤخرة اللسان، ترتفع قليلا في اتجاه الطبق عند نطق الضاد، ولا يحدث مثل ذلك مع الدال. أما الضاد القديمة، فلا يقابلها شيء من الأصوات؛ إذ يقول سيبويه: "ولولا الإطباق ... لخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس شيء من موضعها غيرها"٢. وعلى هذا فالضاد التي ننطقها اليوم، ليست هي الضاد القديمة، التي كانت عند العرب القدماء، وإنما هي تطور عنها. ولنسمع في هذه الضاد القديمة آراء بعض العلماء: يقول المستشرق "شاده" عن سيبويه إنه "عد من الرخوة حرفا خرج منها بعده، في كثير من اللهجات العربية، وهو الضاد، فإنها ليست الآن من الرخاوة إلا في لفظ من قال: ضرب مثلا، بضاد جانبية المخرج. وأما في النطق المعتاد في مصر، يعني بضاد مقدمة المخرج، فقد لحقت فيه الشديدة"٣.

стр. 60

ويقول المستشرق "برجشتراسر": "أما الضاد فهي الآن شديدة عند أكثر أهل المدن، وهي رخوة "عند القدماء" كما هي الآن عند أكثر البدو، ومع ذلك فليس لفظها البدوي الحاضر نفس لفظها العتيق؛ لأن مخرج الضاد "عند القدماء" من حافة اللسان. ومن القدماء من يقول: من جانبه الأيسر، ومنهم من يقول: من الأيمن، ومنهم من يقول: من كليهما، فمخرجها قريب من مخرج اللام من بعض الوجوه. والفرق بينهما هو أن الضاد من الحروف المطبقة كالصاد، وأنها من ذوات الدوي "الاحتكاك"، واللام غير مطبقة، صوتية محضة، فالضاد العتيقة حرف غريب جدا، غير موجود -حسبما أعرف- في لغة من اللغات إلا العربية، ولذلك كانوا يكنون عن العرب، بالناطقين بالضاد. ويغلب على ظني أن النطق العتيق للضاد، لا يوجد الآن عند أحد من العرب، غير أن للضاد نطقا قريبا منه جدا عند أهل حضرموت، وهو كاللام المطبقة. ويظهر أن الأندلسيين، كانوا ينطقون الضاد مثل ذلك، ولذلك استبدلها الإسبان بصوت "ld" في الكلمات العربية المستعارة في لغتهم، مثال ذلك أن كلمة: "القاضي" صارت في الإسبانية alcalde. ومما يدل أيضا على أن الضاد كانت في نطقها قريبة من اللام، أن الزمخشري ذكر في كتابه: "المفصل" أن بعض العرب، كانت تقول: "الطجع" بدل: "اضطجع". ونشأ نطق الضاد عند البدو، من نطقها العتيق بتغيير مخرجها من حافة اللسان إلى طرفه، ونطقها عند أهل المدن، نشأ من هذا النطق البدوي، يإعماد طرف اللسان على الفك الأعلى، بدل تقريبه منه فقط، فصار الحرف بذلك في نطقه شديدا، بعد أن كان رخوا"١.

стр. 61

ويبدو أن ما حدث للكلمة العربية ذات الضاد في الإسبانية، حدث مثله لتلك الكلمات في اللغة الإندونيسية، مثل قولهم: hail= حيض، lalalat= ضلالة، loha= ضحى١. ويرى "كانتينو" أن "النطق القديم كان "ظ ل"، أي ظاء ذات زائدة انحرافية، أي بتقريب طرف اللسان، من الثنايا كما في النطق بالظاء، وبأن يجري النفس لا من طرف اللسان فقط، بل من جانبيه أيضا٢. كما يقول المستشرق "هنري فليش": "ولقد كان العرب يتباهون بنطقهم الخاص لصوت الضاد، وهو عبارة عن صوت مفخم، يحتمل أنه كان ظاء جانبية أي أنه كان يجمع الظاء واللام في ظاهرة واحدة. وقد اختفى هذا الصوت، فلم يعد يسمع في العالم العربي، وأصبح بصفة عامة إما صوتا انفجاريا، هو مطبق الدال، وإما صوتا أسنانيا هو الظاء"٣. وأخيرا يرى الدكتور إبراهيم أنيس أنه "يستدل من وصف القدماء لهذا الصوت، على أن الضاد كما وصفها الخليل ومن نحوا نحوه، تخالف تلك الضاد التي ننطق بها الآن؛ إذ معها ينفصل العضوان المكونان للنطق انفصالا بطيئا نسبيا، ترتب عله أن حل محل الانفجار الفجائي انفجار بطيء، نلحظ معه مرحلة انتقال بين هذا النوع من الأصوات، وما يليه من صوت لين، فإذا نطق بالضاد القديمة، وقد وليتها فتحة مثلا، أحسسنا بمرحلة انتقال بين الصوتين، تميز فيها كل منهما تميزا كاملا هذا إلى أن

стр. 62

الضاد، كما وصفها القدماء، كانت تتكون بمرور الهواء بالحنجرة، فيحرك الوترين الصوتيين، ثم يتحذ مجراه في الحلق والفم، غير أن مجراه في الفم جانبي عن يسار الفم عند أكثر الرواة، أو عن يمينه عند بعضهم، أو من كلا الجانبين، كما يستفاد من كلام سيبويه ... والذي نستطيع تأكيده هنا، هو أن الضاد القديمة، قد أصابها بعض التطور، حتى صارت إلى ما نعهده لها من نطق في مصر ... ولا يزال العراقيون حتى الآن، وبعض البدو ينطقون بنوع من الضاد، يشبه إلى حد ما الظاء، كما يشبه إلى حد كبير ذلك الوصف، الذي روي لنا عن الضاد القديمة. والذين مارسوا التعليم في بلاد العراق يذكرون، كيف يخلط التلاميذ هناك بين الظاء والضاد. والضاد القديمة -كما أتخيلها- يمكن النطق بها، بأن يبدأ المرء بالضاد الحديثة، ثم ينتهي نطقه بالظاء، فهي إذن مرحلة وسطى، فيها شيء من شدة الضاد الحديثة، وشيء من رخاوة الظاء العربية، ولذلك كان يعدها القدماء من الأصوات الرخوة"١. هذه هي بعض الآراء التي قيلت في الضاد العربية القديمة. ويبدو من وصف القدماء لها، ومن تطورها في بعض اللهجات واللغات، أنها كانت لاما مطبقة، كما يقول "برجشتراسر"، كما يبدو أنها كان فيها بعض الشبه بالظاء والضاد، وإلا ما تطورت في اتجاه كل واحد من هذين الصوتين، في اللهجات العربية الحديثة. وأما ما ذهب إليه الدكتور كمال بشر، من احتمال أن يكون القدماء قد "وصفوا الضاد المولدة، لا الضاد العربية الأصلية"٢، وترجيحه هذا

стр. 63

الاحتمال بقوله: "ربما لكثرة استعمال هذا الصوت المولد، وشيوعه على الألسنة، عند قيام حركة التأليف اللغوي" فقد بنى مذهبه هذا على نص مصحف، في ترجمة المرحوم النجار لكتاب "العربية" للمستشرق "يوهان فك"، وهو: "كما يتعلق بهذا أيضا تغيير حرف الضاد. وهذا الصوت الذي هو في أصله، الحرف المطبق القسيم للدال، خاص بالعربية"١. هذا النص بهذه الصورة، يفهم منه أن الضاد في الأصل، هي النظير المفخم للدال، أي أنها حينئذ كما يقول الدكتور بشر "كانت تشبه ضادنا الحالية، أو هي هي". غير أن ترجمة النجار بها تصحيف في هذا الموضع للأسف، وصوابه كما في الأصل الألماني٢: "الحرف المطبق القسيم للذال". وقد حدث مثل هذا التصحيف مرة أخرى، في تلك الترجمة: "كالدال المفخمة"٣، وصوابه كما في الأصل الألماني٤: "كالذال المفخمة". وإذا نظرنا إلى اللغات السامية، وجدنا أن الضاد العربية تقابل صادا في اللغة الأكادية والأوجاريتية والعبرية، فكلمة "أرض" في العربية، تقابل كلمة ersetu في الأكادية وكلمة ars في الأوجاريتية٥، وكلمة eres في العبرية، كما تقابل الضاد عينا في السريانية مثل ara بمعنى "أرض"

стр. 64

كذلك. ولم تبق ضادا إلا في العربية الشمالية، والعربية الجنوبية "السبئية والمعينية" والحبشية، مثل كلمة rd في العربية الجنوبية، بمعنى"أرض" كذلك١، وكلمة dahay بمعنى: "الشمس، الضحى" في الحبشية٢. وتقول مارية هفنر": إن "هذه الضاد احتكاكية في الحبشية، ولا بد أنها كانت كذلك في العربية الجنوبية. والدليل على صحة ذلك، ورود بعض الكلمات، التي كتبت بالضاد في بعض النقوش، وبالزاي في بعضها الآخر، فلو كانت هذه الضاد انفجارية، لما التبست على الكاتب إطلاقا، فدلت كتابته إياها بصورة الزاي على أنها كانت احتكاكية"٣. وإذا كانت الضاد بهذه الصورة، توجد في بعض اللغات السامية كما رأينا، كان من التجوز قول ابن جني: "واعلم أن الضاد للعرب خاصة، ولا يوجد في كلام العجم إلا في القليل"٤. أما السر في إطلاق "لغة الضاد" على اللغة العربية، فإنه يكمن في أن هذه الضاد، كانت مشكلة عويصة بالنسبة لمن يريد أن يتعلم العربية من الأعاجم. ويقول الدكتور إبراهيم أنيس: "يظهر أن القديمة، كانت عصية النطق على أهالي الأقطار التي فتحها العرب، أو حتى على بعض

стр. 65

القبائل العربية في شبه الجزيرة، مما يفسر تلك التسمية القديمة "لغة الضاد"، كما يظهر أن النطق القديم بالضاد، كان إحدى خصائص لهجة قريش"١. ويقول ابن الجزري: "والضاد انفرد بالاستطالة، وليس في الحروف ما يعسر على اللسان مثله، فإن ألسنة الناس فيه مختلفة، وقل من يحسنه، فمنهم من يخرجه ظاء، ومنهم من يمزجه بالذال، ومنهم من يجعله لاما مفخمة، ومنهم من يشمه الزاي. كل ذلك لا يجوز"٢. وكل هذا الذي حكاه ابن الجزري، روت لنا كتب الإبدال طرفا منه، فمن أمثلة الضاد والظاء، ما حكاه أبو الطيب اللغوي من قوله: "الحضل والحظل: فساد يلحق أصول سعف النخل"٣. ومن أمثلة الضاد والذال: "ما ينبض له عرق نبضا، وما ينبذ له عرق نبذا، وقد نبض العرق ينبض، ونبذ ينبذ إذا ضرب"٤. ومن أمثلة الضاد واللام: "تقيض فلان أباه وتقيله، تقيضا، وتقيلا: إذا نزع إليه في الشبه"٥. ومن أمثلة الضاد والزاي: "أنا على أوفاز، وعلى أوفاض، أي على عجلة"٦.

стр. 66

ويحدثنا اللغويون عما سموه "بالضاد الضعيفة"، وهو مظهر من مظاهر عدم تمكن بعض العرب القدماء، من نطق الضاد التي عرفنا وصفها من قبل، يقول ابن يعيش: "والضاد الضعيفة من لغة قوم اعتاصت عليهم، فربما أخرجوها طاء، وذلك أنهم يخرجونها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما راموا إخراجها من مخرجها، فلم يتأت لهم، فخرجت بين الضاد والظاء"١. وقد وصلت إلينا بعض الأخبار، التي تؤكد لنا أن الناس كانوا يخلطون الضاد بالظاء في بعض الأحيان، فقد روى أبو علي القالي أن رجلا "قال لعمر بن الخطاب، ﵁: يا أمير المؤمنين، أيضحى بضبي؟ قال: وما عليك لو قلت: بظبي؟! قال: إنها لغة. قال: انقطع العتاب، ولا يضحى بشيء من الوحش"٢. كم سجل الجاحظ مثل هذا الخلط بين الضاد والظاء فقال: "وزعم يزيد مولى ابن عون، قال: كان رجل بالبصرة له جارية تسمى ظمياء، فكان إذا دعاها، قال: يا ضمياء بالضاد، فقال ابن المقفع: قل: يا ظمياء! فناداها: يا ضمياء، فلما غير عليه ابن المقفع، مرتين أو ثلاثا، قال له: هي جاريتي أو جاريتك؟! "٣. ويذهب المستشرق "برجشتراسر" إلى أن "نطق الظاء، كان قريبا من نطق الضاد، وكثيرا ما تطابقتا وتبادلتا، في تاريخ العربية. وأقدم مثال لذلك،

стр. 67

مأخوذ من القرآن الكريم، وهو: "الضنين" في سورة التكوير ٨١/ ٢٤، فقد قرأها كثيرون بالظاء مكان الضاد، التي رسمت بها في كل المصاحف. وممن قرأها بالظاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وكذلك النبي ﷺ كما قال مكي في كتاب الكشف"١. ومما لا شك فيه، أن العرب القدامى في البيئة القرشية، كانوا يفرقون بين الضاد والظاء، بدليل أن الكتابة العربية، التي شاعت أول ما شاعت في قريش، فرقت بين الصوتين في الصورة الموضوعة لكل واحد منهما. ويقول الدكتور إبراهيم أنيس: "لا يخالجنا الآن أدنى شك في أن العرب القدماء كانوا في نطقهم يميزون هذين الصوتين، تمييزا واضحا، ولكنهم فيما يبدو، كانوا فريقين: فريق يمثل الكثرة الغالبة، وهؤلاء هم الذين كانوا ينطقون بهما ذلك النطق، الذي وصفه سيبويه. أما الفريق الآخر، فكان يخلط بين الصورتين ... وهذا الخلط الذي وقع في بعض اللهجات المغمورة، إنما كان سببه أن هذين الصوتين -على حسب وصف سيبويه لهما- يشتركان في بعض النواحي الصوتية، أو بعبارة أخرى، كان وقعهما في الآذان متشابها. ولعل مما يستأنس به لهذا التشابه بين الصوتين في النطق القديم، وقوعهما في فاصلتين متواليتين من فواصل القرآن الكريم٢، مثل ما جاء في قوله تعالى:

стр. 68

﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ، وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ١. ولعل هذا الخلط بين صوتي الضاد والظاء، كان قد شاع في القرن الثالث الهجري، وكان هذا هو السر فيما ذهب إليه أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، اللغوي المشهور "المتوفى سنة ٢٣١هـ" من أنه يجوز عند العرب، أن يعاقبوا بين الضاد والظاء، فقد روى ابن خلكان٢، أن ابن الأعرابي كان يقول: "جائز في كلام العرب أن يعاقبوا بين الضاد والظاء، فلا يخطئ من يجعل هذه في موضع هذه وينشد: إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاث خصال كلها لي غائض بالضاد "بدل غائظ"، ويقول: هكذا سمعته من فصحاء العرب". ويزعم ابن جني أن ذلك ليس من باب المعاقبة، وإنما هي مادة أخرى، فيقول: "ويجوز عندي أن يكون غائض غير بدل. ولكنه من غاضه، أي نقصه، فيكون معناه: ينقصني ويتهضمني"٣. والدليل على أن الخلط بين الضاد والظاء قديم في العربية، تلك المؤلفات الكثيرة، التي تعالج هذه المشكلة من قديم٤. ولقد كانت محاولات بعض من ألف في هذا الموضوع من اللغويين العرب، منحصرة

стр. 69

أحيانا في تنبيه الكتاب، حتى لا يخلطوا الضاد بالظاء في خطوطهم، متأثرين في ذلك بنطقهم، الذي كان من العسير إصلاحه. ونحن نرى أثر هذا الخلط بين الضاد والظاء، في بعض البلاد العربية، في أيامنا هذه، فقد سبق أن أوردنا ما حكاه الدكتور أنيس عن نطق العراقيين للضاد نطقا مشابها للظاء. وليس هذا الأمر خاصا بالعراقيين فحسب، بل إن أهل تونس يخلطون في أيامنا هذه بين الضاد والظاء، فينطقونهما قريبين من الظاء. وكان لنا زميل تونسي بجامعة ميونخ، يسألنا إن كانت هذه الكلمة أو تلك، تكتب بالظاء المشالة أو غير المشالة١؟ وهو يقصد بالمشألة، التي فوقها ألف، وهي الظاء المعروفة، وبغير المشالة: الخالية من هذه الألف في الخط، وهي الضاد المعروفة. أما الضاد القديمة، فقد عرفنا من قبل أن هناك نطقا يشبهه، عند أهل حضرموت، وهو كاللام المطبقة فيما ذكره المستشرق "برجشتراسر". ويضيف الدكتور خليل نامي إلى ذلك أن "هذا النطق موجود أيضا في لهجات منطقة ظفار كالمهرية والشحرية، كما هو موجود أيضا في منطقة دثينة، بجنوب بلاد العرب، وهو موجود أيضا في لهجات الجزيرة بالسودان"٢.

стр. 70

الطاء: عرفنا من قبل أن الطاء، كما ينطق بها اليوم، تقابل التاء في الترقيق والتفخيم، أي أنها صوت شديد مهموس مفخم، ولا فرق بينهما إلا في أن مؤخرة اللسان ترتفع تجاه الطبق عند نطق الطاء ولا ترتفع نحوه في نطق التاء. أما الطاء عند القدماء، فهي صوت شديد مجهور مفخم، عدها سيبويه من الأصوات المجهورة، كما قال عنها: "ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا"١. أي أنها نظير الدال المفخم، عند سيبويه، في حين أنها في نطقنا اليوم، نظير التاء المفخم، كما سبق أن ذكرنا ذلك. وقد مال معظم المحدثين، من دارسي الأصوات اللغوية، إلى تصديق رواية القدماء، عن الطاء العربية القديمة، من أنها كانت صوتا مجهورا، يشبه الضاد الحديثة، التي تطورت فضاع منها الجهر، وأصبحت تلك الطاء الحديثة، التي لم يكن لها وجود أصلا في العربية القديمة، فيذكر برجشتراسر أن "الطاء مهموسة اليوم، مجهورة "عند القدماء" ونطق الطاء العتيق قد أنمحى وتلاشى تماما"٢. أما "شاده" فيرى على العكس من ذلك أن نطق الطاء العتيق، يوجد في جنوب جزيرة العرب، فيقول: "سيبويه يعد من المجهورة الطاء والقاف، وفي لفظ عصرنا لا نصيب للأوتار الصوتية في إنتاجهما، ولكن ذلك لا يصح إلا عن لفظ المدارس "يقصد الفصحى الحالية". وأما اللهجات فتخالفها مخالفة شديدة، فإن سكان جنوب جزيرة العرب مثلا،

стр. 71

يلفظون الطاء، كأنها ضاد المصريين، والقاف كأنها جيم المصريين بإطباق، فيقولون مثلا: "وجع فوجنا مضر" يعني: وقع فوقنا مطر، أو "قضعت ورجة" يعني: قطعت ورقة. ومثل ذلك يصح عن غير لهجة جنوب جزيرة العرب، من اللهجات العصرية"١. وأما الدكتور إبراهيم أنيس، فيعترف كذلك بالتطور الذي أصاب نطق هذا الصوت، فأبعده عن حالته القديمة، فيقول: "وقد أجمع الرواة في وصفهم للطاء القديمة، على أنها صوت مجهور، مما يحملنا على الاعتقاد بأن الطاء القديمة، تخالف التي ننطق بها الآن، على أن وصف الطاء في كتب الأقدمين، لا يمكن الباحث المدقق من تحديد كل صفات ذلك الصوت، ولا كيف كان ينطق به على وجه الدقة، غير أنه من الممكن أن نستنتج من وصفهم أنها كانت صوتا يشبه الضاد، التي نعرفها الآن. وهنا يتضح معنى قول ابن الجزري: إن المصريين ينطقون بالضاد المعجمة طاء مهملة. وليس من المحتمل أن يكون القدماء قد خلطوا في وصفهم بين صفتي الجهر والهمس، فيما يتعلق بهذا الصوت، ولكن الذي أرجحه أن صوت الطاء، كما وصفها القدماء كان يشبه الضاد الحديثة. ولعل الضاد القديمة كانت تشبه ما نسمعه الآن من العراقيين في نطقها. ثم تطور الصوتان فهمست الأولى، وأصبحت الطاء التي نعرفها الآن، كما اختلف مخرج الثانية وصفتها، فأصبحت تلك الضاد الحديثة. أي أن ما كان يسمى بالطاء، كان في الحقيقة ذلك الصوت الذي ننطق به الآن ونسميه ضادا، فلما همست أصبحت الطاء الحديثة، التي -فيما يظهر- لم تكن معروفة في

стр. 72

النطق العربي القديم، أما الضاد القديمة العصية النطق، فقد تطور مخرجها وصفتها، حتى أصبحت على الصورة التي نعهدها في مصر"١. أما الدكتور تمام حسان، فيرى أن الطاء القديمة كانت مهموسة، غير أنها كانت ذات نطق مهموز، وهذا هو ما أوقع اللغويين القدامى في الخطأ -في نظره- حين عدوا هذه الطاء مجهورة، فيقول: "أما الطاء التي وصفها لنا القراء القدماء فمجهورة على ما رأوا، وهذا يحتاج إلى قليل من المناقشة، ففي بعض اللهجات العامية المعاصرة، صوت من أصوات الطاء، يمكن وصفه بأنه مهموز، ولإيضاح ذلك نقول: إن طرف اللسان ومقدمته، يتصلان في نطقه بالثنايا واللثة وتعلو مؤخرة اللسان وتتراجع إلى الخلف في اتجاه الجدار الخلفي للحلق، ويقفل المجرى الأنفي للهواء الخارج من الرئتين، بخلق اتصال بين الطبق والجدار الخلفي للحلق. وفي نفس الوقت تقفل الأوتار الصوتية، فلا تسمح بمرور الهواء إلى خارج الرئتين، وبذلك تتكون منطقة في داخل الفم والحلق، يختلف ضغط الهواء فيها عنه في الرئتين وفي الخارج. وفجأة يتم انفصال الأعضاء المتحركة، التي وصفنا اتصالها في وقت ما، فيندفع هواء الرئتين إلى الخارج، ويندفع الهواء الخارجي إلى الداخل، فيحدثان بالتقائهما أثرا صوتيا، هو صوت الطاء، كالتي تنطق في بعض لهجات الصعيد مثلا. "ومعنى كون الطاء مهموزة هنا، أنه صحبها إقفال الأوتار الصوتية حين النطق، فأصبح عنصر الهمز جزءا لا يتجزأ من نطقها. هذه الطاء مهموسة قطعا؛ لأن إقفال الأوتار الصوتية لا يسمح بوجود الجهر ... ويرجح عندي أن الطاء العربية الفصحى القديمة، التي وصفها القراء كانت في صوتها وفي نطقها بهذا الوصف، ثم لغرابة صوتها على السمع، أخطأ النحاة والقراء، فجعلوها مجهورة في دراستهم، وجعلوا الدال مقابلا مرققا لها"٢.

стр. 73

الجيم: سبق أن عرفنا أن الجيم كما نسمعها الآن من مجيدي القراء، صوت غاري مجهور يجمع بين الشدة والرخاوة، وهو ما سبق أن سميناه بالصوت المزدوج. أما سيبويه فقد عدها من الأصوات الشديدة، وإن كان قد وضعها بين الشين والياء في مخرج واحد، وتابعه على ذلك غيره من علماء الأصوات العرب١. ويبدو أن الازدواج في نطق بعض الأصوات العربية، لم يكن واضحا في تصور العلماء العرب، بدليل وهمهم في وصف ظاهرتي الكشكشة والكسكسة، في نطق بعض القبائل العربية للكاف المكسورة٢.

стр. 74

القاف: عرفنا من قبل أن القاف، كما ينطق بها مجيدو القراءات في مصر، صوت لهوي شديد مهموس. أما سيبويه ومن جاء بعده من النحويين والقراء، فإنهم يصفون القاف بأنها مجهورة، ونستنتج "من وصف القدماء لهذ الصوت أنه كان يشبه إلى حد كبير، تلك القاف المجهورة التي نسمعها الآن بين القبائل العربية في السودان، وجنوب العراق، فهم ينطقون بها نطقا يخالف نطقها في معظم اللهجات العربية الحديثة؛ إذ نسمعها منهم نوعا من الغين"١. ويقول "كانتينو": "وبما أن قسما كبيرا من الألسن الدارجة العربية، ينطق بقاف مجهورة، أمكننا الاعتقاد على سبيل الاحتمال والترجيح، بأن القاف كان بالفعل حرفا مجهورا في العربية القديمة. ويمكن أن يكون نطقه مهموسا في العربية الفصحى اليوم، ناتجا عن كونه أصبح مهموسا في اللهجات الحضرية المدنية؛ لأن أغلبية المثقفين اليوم، هم من أصل مدني"٢. ويبدو أن القبائل العربية، لم تكن تنطق القاف بصورة موحدة، فها هو ابن دريد اللغوي يقول: "فأما بنو تميم، فإنهم يلحقون القاف بالكاف، فتغلظ جدا، فيقول: الكوم، يريدون: القوم، فتكون القاف بين الكاف والقاف. وهذه لغة معروفة في بني تميم قال الشاعر: وقد تطورت القاف في اللهجات العربية الحديثة، تطورا كبيرا، فهي في كلام مصر والشام همزة، كما تنطق غينا في بعض مستويات النطق في

стр. 75

السودان وجنوبي العراق، وفي بعض الكلمات في مصر، مثل: يقدر يغدر. وتسمع جيما كالجيم القاهرية، في بعض البيئات بصعيد مصر، وبين كثير من قبائل البدو في الصحراء. وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة للتطور، له أمثلته في العربية القديمة، فمن الأمثلة التي وردت بالقاف والهمزة، ما رواه أبو الطيب اللغوي، من قول العرب: قشبه وأشبه، أي لامه وعابه. والقوم زهاق مائة وزهاء مائة، أي قريب من مائة. والقفز والأفز، أي الوثب١. ومن الأمثلة التي وردت بالقاف والغين قولهم: غلام أقلف وأغلف، أي لم يختن. والقمز من الناس والغمز، أي الرذال ومن لا خير فيه. وقلقل في الأرض وغلغل، أي ذهب في الأرض٢. ومن أمثلة القاف والجيم قولهم: بائقة وبائجة للداهية. وحبق وحبج، أي ضرط. وأحنق وأحنج، أي ضمر الفرس. وتلقفت البئر وتلجفت، أي أكل الماء جوانبها، وزلقت الموضع وزلجته، أي ملسته٣. والملاحظ أن التطور الذي أصاب القاف هنا بأنواعه كان بتغيير مخرجها، وتطور الصوت بتغيير مخرجه يكون "بأحد طريقين: إما بانتقال المخرج إلى الوراء، أو إلى الأمام، باحثا الصوت في انتقاله، عن أقرب الأصوات شبها به، من الناحية الصوتية. فتعمق القاف في الحلق عند المصريين لا يصادف من أصوات الحلق، ما يشبه القاف إلا الهمزة، لوجود
следующие страницы →