هذه الدراسة الجغرافية اللغوية، تعد من أحدث وسائل البحث في علم اللغة. ولها وظيفة ذات أثر بالغ في الدراسات اللغوية في العصر الحديث؛ لأنها تسجل الواقع اللغوي للغات أو اللهجات، على خرائط يجمعها آخر الأمر أطلس لغوي عام. وتختص كل خريطة بكلمة، أو بظاهرة صوتية معينة، يبدو فيها الاتفاق، أو الاختلاف بين المناطق اللغوية المتعددة. ومما لا شك فيه أن هناك تشابها بين لهجة إقليمية وأخرى، أو بين لهجتين اجتماعيتين أو بين عاميات خاصة، ما دامت هذه جميعا ترجع إلى أصل لغوي واحد.
ولقد "كان إعداد الأطالس اللغوية، أسبق في الوجود من معظم الإنجازات الوصفية الحديثة. وهو يعتمد إلى حد كبير، على مفردات اللغة التي تعد في نظر الوصفيين، في الدرجة الثانية من الأهمية، ولكنه مع ذلك اتبع منهجا يمكن أن يوصف على الأقل بأنه وصفي، وبأنه خير مثل للعمل اللغوي تحت ظروف البيئة المعينة. وعلى الرغم من أن هذا العمل قد بدأ أساسا على يد اللغويين التاريخيين، لأغراض تاريخية في معظمها، فإنه قد وضع الأساس لنموذج الدراسة الوصفية العملية في مجال البحث اللغوي"١.
وعلى الرغم من تقدم هذا الفرع من فروع الدراسة اللغوية في أوربا وأمريكا، فإنه لا يزال غض الإهاب في بلادنا. وليس لدينا في لغتنا العربية، إلا محاولة قام بها المستشرق الألماني: "برجشتراسر" G Bergstrasser لعلم أطلس لغوي لبلاد سوريا وفلسطين Sprachatlas von Syrien und Palastina نشره في ليبزج سنة ١٩١٥م. وسنتحدث عنه بالتفصيل بعد ذلك.
стр. 142
ولا شك في أن المسح الجغرافي للهجات العربية المختلفة، في البلاد العربية، له فوائد جليلة، أهمها:
١- دراسة هذه اللهجات لذاتها، دراسة علمية عميقة، لاكتشاف ما فيها من خصائص الصوت والبنية والدلالة والتركيب، ولمعرفة التغييرات المختلفة، التي تطرأ عليها من وقت لآخر.
٢- إثراء الدراسات في العربية الفصحى نفسها؛ إذ يتيح لنا ذلك المسح الجغرافي، كتابة تاريخ هذه اللغة، في عصورها المختلفة، ويمدنا بوسائل علمية لمعرفة أقرب اللهجات العربية، صلة باللغة الفصحى، وأبعدها عنها.
٣- يمدنا هذا المسح الجغرافي بالمعلومات اللازمة، لمعرفة مدى امتداد اللهجات العربية القديمة، في الوطن العربي، ويفسر لنا النصوص المبتورة عن هذه اللهجات، في تراثنا العربي.
٤- يتيح لنا هذا العمل، فرص الدراسة المقارنة، لا بين اللهجات واللغة الفصحى فحسب، ولكن بين اللغات السامية المختلفة كذلك، ويقفنا على مصادر الكلمات الأجنبية هنا وهناك.
وقد أبان الأستاذ "شتيجر" Steiger العالم اللغوي السويسري، الذي له بهذا الموضوع عناية خاصة، عن قيمة الأطلس اللغوي، وأهميته للغة العربية، بقوله في تقرير له: "وبالنسبة للغة العربية، نقول: إن القيام بعمل أطلس لغوي لها، سيحدث ثورة في كل الدراسات الخاصة بفقه اللغات السامية؛ لأنه سيكمل من غير شك، الدراسات التي تعتمد على النصوص القديمة، بكشفه عن التطورات المتعلقة باللهجات، وباللغات الشعبية العصرية. وسيكون لهذا الأطلس الفضل في إطلاعنا على تاريخ الأصوات،
стр. 143
والتغيرات التي أصابت اللغة العربية، في الأماكن المختلفة التي غزتها، وعن مدى انتشارها وتأثرها بالمراكز الثقافية، وتنوع مفرداتها، إلى غير ذلك من المكتشفات، التي لا يمكن أن تتم، إلا إذا جمعت هذه المواد. إنه سيكون عملا ثقافيا من الطراز الأول، وسيكون تحقيقه عنوان مجد وفخار في تاريخ الثقافة العالمية"١.
ولا تنطوي دراسة اللهجات على فوائد لغوية فحسب، بل إنها تفيد المؤرخين وعلماء النفس والاجتماع، على حد سواء، ويمكن لذلك أن يستعان بالأطالس اللغوية، على هذه الدراسات التاريخية، والنفسية، والاجتماعية، على أساس أمتن وأشمل. وفي هذا يقول "يود" Jud وهو أستاذ سويسري متخصص في اللغات الرومانية وهي: الفرنسية والإسبانية والإيطالية: "من المستحيل أن يكتب تاريخ صحيح للشعب الفرنسي أو الإيطالي أو الإسباني، إلا إذا عرفت اللغات المحلية في تلك البلاد، ودرست دراسة عميقة. تلك حقيقة خطيرة، أصبحت مقررة معروفة"٢.
стр. 144
طريقة عمل الأطلس اللغوي
مدخل
...
طريقة عمل الأطلس اللغوي ٣:
بدأت فكرة عمل الأطلس اللغوي، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. وكان رائدا هذا النوع من الدراسة، التي اعترف علماء اللغات بما لها من نفع في حل المشكلات اللغوية، هما: "قنكر" Wenker الألماني، و"جليرون" Gillieron الفرنسي.
وقد قام كل واحد منهما بعمل أطلس لبلاده، ظهر أحدهما وهو الأطلس اللغوي لفرنسا بين عامي ١٩٠٢-١٩١٠ وعنوانه: Atlas linguistique de la France ولم يتم حتى الآن نشر الأطلس الألماني، وإن نشر جزء كبير منه، فقد نشرت الدفعة الأولى منه، وكانت مكونة من ست خرائط في عام ١٨٨١م. ومنذ عام ١٩٢٦م، أخذت طباعة الخرائط تتوالى، على نطاق ضيق، تحت إشراف "فريده" Wsede.
وقد انتقلت فكرة عمل الأطالس اللغوية، إلى بعض البلاد الأخرى، كإيطاليا، وسويسرا، والسويد، والنرويج، والبرتغال، وإنجلترا، أي أنها شملت معظم بلاد أوربا، بل تعدتها إلى أمريكا، وبعض البلدان الشرقية.
وفيما يلي وصف للطريقتين الألمانية والفرنسية، في عمل الأطالس اللغوية.
стр. 145
١- الطريقة الألمانية:
هذه الطريقة ابتكرها، وقام بتنفيذها "فنكر" Wenker وقد بدأ عمله بجمع الخصائص اللهجية، في مساحة ضيقة، هي مدينة "دوسلدورف" وما حولها، عام ١٨٧٦م، ثم وسع ميدان البحث تدريجيا حتى شمل الإمبراطورية الألمانية كلها، في ٤٩٣٦٣ جهة، أي ما يقرب من خمسين ألف نقطة تسجيل.
وتتلخص طريقته، في أنه ألف أربعين جملة، تمثل أهم ما يجري على ألسنة الناس، في حياتهم اليومية بألمانيا، وطبعها على شكل استمارة بها بيانات عن الراوي والمسجل اللغويين، والجهة التي سجلت فيها اللهجة. وبعد ذلك تأتي الجمل الأربعون على النحو التالي:
стр. 146
صحيفة أسئلة لغوية خاصة باللهجات الألمانية
الجهة التي سمعت فيها اللهجة وسجلت:
المركز: المقاطعة:
стр. 147
وقد أرسلت هذه الاستمارات، إلى الجهات المختلفة في ألمانيا، والتي بلغت حوالي خمسين ألف جهة، بصفة رسمية، وعلى نفقة الحكومة، أما المسجلون الذي سمعوا الهجات الألمانية من أفواه الرواة، ودونوها، فكانوا في معظم الأحوال من معلمي المدارس الأولية، نظرا لمعرفتهم بأحوال القرى، بسبب إقامتهم بها، واتصالهم بالناس اتصالا كبيرا، ثم لثقافتهم التي أهلتهم لتسجيل النطق، وتصويره كتابيا تصويرا قائما على أساس وإحساس لغويين لا بأس بهما، ولا غبار في معظم الحالات.
وبعد أن تجمع الإجابات في المركز الرئيسي لعمل الأطلس يبدأ بعمل خريطة لكل كلمة على حدة، وذلك بأن تفرغ أولا صور اللفظ، وصيغه، ومترادفاته، على خرائط تفصيلية، تشتمل على بلاد الأقاليم جميعها، ثم تحدد عليها المناطق اللغوي المختلفة. وبعد هذا ترسم الخريطة العامة، على ضوء الخرائط التفصيلية، وتبين على هذه الخريطة العامة، الحدود النهائية للمناطق اللغوية، على وجه الإجمال.
стр. 148
٢- الطريقة الفرنسية:
سادت هذ الطريقة فترة طويلة، في عمل الأطالس اللغوية، وكيفيتها أن تعمل خريطة للإقليم، الذي يراد وضع أطلس لغوي له، وتنتخب منه قرى وبلاد، يلاحظ في كل منهما أن تمثل إلى حد كبير، البيئة اللغوية، التي توجد البلدة أو القرية فيها. وقد بلغ مجموع هذه البلاد في أطلس إيطالي، حوالي أربعمائة بلدة.
ثم يؤلف كتاب خاص، يعرف بكتاب الأسئلة اللغوية، يحتوي على ألفي سؤال، أو على ألفين وخمسمائة. ويراعى في الأسئلة ما يلي:
١- أن تكون شاملة لأهم الأشياء، التي تشاهد في المدن والقرى على السواء.
٢- أن تكون محتوية على أكثر الألفاظ شيوعا في الحياة اليومية.
٣- ترتيب الأسئلة ترتيبا موضوعيا، بحيث يختص كل جزء من الأطلس بموضوع أو بعدة موضوعات.
ومن أمثلة ذلك في الأطلس اللغوي لإيطاليا:
أ- أسماء الأهل وذوي القربى، كالعم والخال والأخ والأخت وغيرهم.
ب- أطوار العمر والميلاد والزواج والموت وما يتعلق به.
ج- جسم الإنسان وصفاته من طول وقصر وبدانة ونحافة وغيرها.
د- أسماء الصناعات والصناع.
هـ- النقود والتجارة والأعداد.
و الوقت وأقسامه، وظروف الزمان وظروف المكان.
ز- الأرض والمعادن.
ح- الأجرام السماوية والظواهر الجوية والأشجار والأزهار.
ط- الملابس والأقمشة والغزل والنسج والحياكة والغسل ... إلخ
وتأليف الكتاب الخاص بالأسئلة، من أهم الأشياء التي تراعى في هذا العمل. وبعد هذا تعمل منه طائفة من النسخ، تعطي للمسجلين اللغويين، الذين ينبغي أن يكونوا مدربين تدريبا كاملا من الناحية الصوتية، فيذهب المسجل إلى القرية أو المدينة، ويقضي بها أربعة أيام أو خمسة، يسأل في أثنائها بعض ثقاتها، عن جميع ما ورد في كتاب الأسئلة،
стр. 149
مستوضحا إياهم ما يحتاج إلى إيضاح، وواقفا منهم على التعبير الدقيق، والنطق الصحيح لكل ما يراد معرفته والإجابة عنه في الكتاب المذكور، مدونا الإجابات في الصفحات المقابلة للأسئلة.
وعلى المسجل اللغوي، أن يصور بقدر الإمكان ما يراه غريبا غير مألوف، في البلاد التي يزورها، من مختلف أنواع الملابس: والأدوات المنزلية، والآلات الزراعية والصناعية، مسجلا أسماءها المختلفة؛ لأن كثيرا من هذه الأشياء، في تغير دائم، فمنها ما يرقى، ومنها ما يفنى تمام.
أما الشخص الذي توجه إليه الأسئلة، وهو ما يطلق عليه اسم: "الراوي اللغوي"، فيجب أن تتوفر فيه الأمور التالية:
١- أن يكون من صميم أبناء البلدة التي يعيش فيها.
٢- ألا يكون قد نزح عنها إلى بلاد غيرها، ثم عاد إليها، حتى لا تتأثر لهجته الخاصة، بمؤثرات خارجية، أو تختلط بلهجات أخرى.
٣- أن يكون صريحا صادقا، مخلصا في الإجابة على ما يوجه إليه من أسئلة، لا يداور السائل، ولا يطوي عنه شيئا.
٤- ألا يكون متأثرا بعوامل ثقافية، يكون لها دخل في تغيير لهجته.
٥- أن يكون سليم مخارج الأصوات، تام القدرة على فهم السؤال والتعبير عن نفسه، وعلى إدراك المراد يقظ خبير فطن.
بهذه الشروط، يستطيع مثل هذا الراوي اللغوي، أن يمثل بلدته أو قريته، تمثيلا لغويا، هو أدنى ما يكون إلى الصواب.
وإذا تم ارتياد المدن والقرى المعينة على الخريطة التي وضعت أساسا للعمل، جمعت صيغ اللفظ ومرادفاته، في البلاد المختلفة، وأخذ في دراستها
стр. 150
وترتيبها، تمهيدا لوضعها في شكلها النهائي، وصورتها الأخيرة على الخريطة، ويكون ذلك بكتابة اللفظ مكان القرية أو البلدة، التي يجري اللفظ فيها على ألسنة أهلها.
ويشرح "ماريوباي" طريقة عمل الأطلس اللغوي فيقول: "يرسل جامعو المادة اللغوية المطلوبة، إلى الأماكن المحلية، التي يقع عليها الاختيار من إقليم ما، رسمت حدوده، لعمل خرائط له، مع الاستعانة براوٍ، يمثل المتكلمين المحليين.
"والغرض من ذلك، السير في الطريق السليم، للتزود بمجموعات الكلمات أو العبارات أو الجمل، أو حتى مدلولاتها، التي سبق إعداد مقابلاتها. وكلما كان الراوي اللغوي أقل ثقافة كان أفضل؛ لأن المتعلمين أو الأكثر تعلما في المنطقة، تتأثر لغتهم بمعلوماتهم، واحترام اللغة الأدبية الوطنية.
"وفي حالة المسميات الممكن تصويرها، تستخدم الصور حتى لا يقع الراوي اللغوي، تحت تأثير صيغة الكلمة الموجودة في السؤال. وبعد ذلك فإن المادة اللغوية، التي ينطقها الراوي اللغوي، إما أن تكتب بالطريقة الصوتية، أو تسجل على جهاز تسجيل، أو تستخدم الطريقتان معا. وفي مرحلة المقابلة والمعارضة، فإن كل كلمة أو عبارة أو اصطلاح، يوضع على خريطة مستقلة كبيرة للمنطقة. ويحتوي الأطلس اللغوي لفرنسا -على سبيل المثال- على خريطة منفصلة كبيرة، لكلمة "حصان" كما تستعمل في لغة الكلام، في حوالي خمسمائة منطقة فرنسية مختلفة"١.
стр. 151
الفرق بين الطريقتين:
تنحصر الفروق بين الطريقتين: الألمانية والفرنسية، في عمل الأطالس اللغوية، فيما يلي:
١- الطريقة الألمانية تمتاز بالشمول؛ لأنها لا تترك جهة إلا ذكرت رواية اللفظ فيها.
٢- الطريقة الفرنسية أدق من الألمانية؛ لأن المسجلين اللغويين، قد دربوا التدريب الكافي في مسائل اللغويات والأصوات، وبذلك يعدون ثقة، فيما يدونون عن الرواة اللغويين.
٣- الطريقة الفرنسية، طريقة مباشرة في الأسئلة، فليس هناك نموذج يمكن أن يؤثر على انطلاق الراوي على سجيته، بعكس الطريقة الألمانية؛ لأن جملها الأربعين، أسئلة بطريقة غير مباشرة، قد تؤثر على لغة الراوي، ولذلك كانت الطريقة الألمانية أقل دقة من الطريقة الفرنسية، في هذه النقطة كذلك.
"وهناك واحد من أهم العيوب، التي تقلل من قيمة الأطلس اللغوي، وهو أنه لا يثبت على مر الزمن، ما دامت اللهجات المحلية تتغير، ربما بدرجة أسرع من اللغة الأدبية. ولهذا فإنه في بعض الأحيان، يعاد إجراء عملية المسح اللغوي بعد مرور سنوات عدة، ويصبح من الممكن حينئذ عمل مقارنة بين نتائج الأطلسين، وتكوين صورة شبه تاريخية، عن التغيرات المتشابكة في كلام مجتمع معين"١.
стр. 152
محاولات "برجشتراسر" في هذا الميدان ١:
برجشتراسر: مستشرق ألماني مشهور، ولد في عام ١٨٨٦م ونال درجة الدكتوراه من جامعة ليبزج سنة ١٩١١م، برسالته عن "استعمال حروف النفي في القرآن الكريم"، وحاضر في جامعات: ليبزج، وبرسلاو، وهيدلبرج، واستقر به المطاف أخيرا في ميونخ سنة ١٩٢٦م، وانتخب عميدا لكلية الآداب بها سنة ١٩٢٨م. وفي العام الدارسي ١٩٢٩/ ١٩٣٠م دعته كلية الآداب بالجامعة المصرية القديمة، لإلقاء محاضرات في النحو المقارن بعنوان: "التطور النحوي للغة العربية"، وقد طبعت في مصر سنة ١٩٣٠م. ثم دعته الحكومة المصرية مرة ثانية، في العام الدراسي ١٩٣١/ ١٩٣٢م ليلقي محاضرات في الجامعة عن: "نقد النصوص ونشر الكتب"، وقد طبعت في كتاب بالقاهرة سنة ١٩٦٩م، في مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية.
وكان "برجشتراسر" يكره هتلر ودعوته إلى النازية، وتفضيله الحديد على الزبد، وإيثاره العلوم العملية على العلوم النظرية، وكان لا يرى مانعا من حمل بندقيته والخروج لمحاربته، فدفع هتلر إليه بمن يقتله. وكان برجشتراسر مغرما بتسلق الجبال، ففي إحدى المرات، حين كان يتسلق الجبال، ومعه طالب من طلبته؛ إذ تعلق الطالب بقدمه، فهوى حيث لقي حتفه، في أغسطس سنة ١٩٣٢م.
أما أطلسه اللغوي، الذي عمله لبلاد سوريا وفلسطين، فقد قام بعمل تسجيلاته كلها بنفسه، في عام ١٩١٤م، بعد أن حصل على إجازة
стр. 153
من جامعة ليبزج، ليقضي شهورا في بلاد الشرق، فسافر إلى الآستانة، ومنها إلى سوريا، وفيها تنقل بين بلادها، باحثا وراء اختلاف اللهجات الدارجة بها، فمكث أولا في دمشق، ثم سافر إلى الجنوب في معان، ثم إلى حلب في الشمال، وفلسطين ولبنان.
وكانت حصيلة هذه التسجيلات، أن وضع أطلسا لغويا لسوريا وفلسطين، هو عبارة عن ٤٢ خريطة تفصيلية وواحدة إجمالية، مع شرح لغوي في كتاب مستقل، طبع في ليبزج سنة ١٩١٥م.
وسنعرض فيما يلي لطريقة "برجشتراسر" في عمله هذا، كما بين هو ذلك في مقدمته لأطلسه؛ إذ ذكر أن بحث اللهجات العربية قبله، كان مقصورا على دراسة كل لهجة محلية دراسة مستقلة، وبين أن هذه الدراسات السابقة، تفتقر إلى التكملة عن طريق دراسة الفروق اللغوية، في مناطق كبيرة، باستخدام الجغرافيا اللغوية.
وقد استخدم "برجشتراسر" الطريقة الألمانية، في عرض جمل معينة علي راوي اللهجة، غير أنه اختار جملا يتصل بعضها ببعض، في سياق قصة من القصص الشائعة في المنطقة، وعلل للسر في اختياره لتلك الطريقة، بأن المقارنة عن طريق قوائم الكلمات، لا يمكن معها درس الظواهر النحوية، التي تحتاج إلى التراكيب، فقال في المقدمة:
"ويواجه تدبير المادة اللغوية القابلة للمقارنة، صعوبات كبيرة، بصرف النظر عن الصعوبات الأخرى، التي تعترض سبيل تسجيل اللهجات، فقد يكون من السهل عمل قوائم كلمات لموضوع ما، ولكن مثل هذه القوائم -كما هو معروف- لا تحتوي في الغالب إلا على أسماء وأعداد، وقد تحتوي على أفعال وصفات وحروف. غير أننا نفتقد هنا الأمر
стр. 154
الذي لا يزال كل شيء، بالنسبة لعرض اللهجة عرضا كاملا نوعا ما، وهذا الأمر هو التركيب، موضوع دراسة النحو، فإنه لا يمكن الحصول عليه بهذه الطريقة مطلقا، فيما عدا بعض التصريفات النحوية، التي قد يخرج بها المرء، بعد ساعات طويلة من الأسئلة. وهكذا لم تبق إلا طريقة واحدة، وهي تسجيل نص متكامل، أو على الأقل جمل متكاملة، غير أن مثل هذا النمط من السلوك في معالجة اللهجة، عن طريق النص الكامل، تصعب معه المقارنة الكاملة المطلوبة، فلم يبق إلا أن يقسم النص إلى جمل صغيرة، وينطق بها أمام الشخص الذي يمثل اللهجة "الراوي"، وهو يعيدها منطوقة بلهجته. وهذا أمر خطير بالطبع، ويحتاج إلى حذر شديد، للوثوق من أن الراوي يتحدث بلهجته حقا، ولا يحاول حسبما يستطيع أن يردد ما يسمعه من غيره، غير أنه لا يجوز لنا أن نبالغ في رفض الصيغ، التي تشبه نظائرها في نطق المسجل أمام الراوي. وقد حدث لي مرات كثيرة. أن الأهالي عندما كنت أسأل أحد البدو في حضورهم، كانوا يحاولون -حينما يفهمون ما أريد- أن يصححوا للبدوى، كل الصيغ الغريبة، التي ينطق بها على سجيته"١.
وقد ذكر "برجشتراسر" الصعوبات التي قابلته في عمله، الذي تولاه بنفسه في منطقة واسعة، ومدة قصيرة نسبيا، فقال: "ومن القواعد المقررة، أنه لا يجوز الاعتقاد فيما يرويه العربي، عن لهجة لا يتحدثها هو بنفسه. وإلى جانب هذا، تأتي صعوبات أخرى، وعلى الأخص عندما يكون في المكان، الذي تبحث لهجته تعبيرات واصطلاحات أخرى، غير التي ألقاها المسجل
стр. 155
أمام الراوي، فإن المرء لا يحصل عليها عندئذ، إلا بطريق الصدفة، أو في حالة ما إذا كان راوي اللهجة شخصا ذكي الفؤاد.
"وعلى العموم، تظهر الطريقة المبينة هنا، الفروق بين اللهجات، أقل مما هي عليه في الواقع، وإنه ليفترض دائما حتى الآن، أن الراوي قد أفلح عموما في فهم ما يريده المرء منه "وذلك عسير مع البدو خاصة"، وأنه ذكي بدرجة كافية، فقد اضطررت إلى قطع التسجيلات، في مرات كثيرة، عند أول حديث مباشر في النص الذي علمته؛ لأن الراوي لم يكرره على أنه حديث مباشر، بضميره المناسب.
"وقد تضاعفت هذه الصعوبات، بسبب بعض الأمور الأخرى، وقبل كل شيء بسبب ضيق الوقت الذي أملكه؛ إذ اضطررت للقيام بتسجيلاتي كلها في ٤٥ يوما، في منطقة ذات أبعاد هائلة. وهكذا أصبحت مراكز التسجيل أقل مما كنت أرغب، وفيما عدا ذلك كان لا بد أن يقصر النص المعد للتسجيل، وأن يصرف النظر في كثير من الحالات، عن فحص التسجيل ومراقبته، بسبب ضيق الوقت، وقد تسببت العجلة كذلك، في أنني لم أكن حذرا في انتقاء رواة اللهجة؛ إذ يجب أن يختاروا من بين الأفراد، الذين لم يتعرضوا لأي تأثير أجنبي"١.
وقد بين "برجشتراسر" بعد ذلك، كيف اختار النص الذي عرضه على رواة اللهجة، فذكر أنه أخذ القصة المعروفة بقصة "الفلاح والثور والحمار والديك" في صيغتها الدمشقية، لكي تفهم في المنطقة كلها، من كتاب "أوستروب" Oestrup، غير أنه أعاد كتابتها مرة أخرى، حتى يبتعد
стр. 156
عن الصيغ الفصيحة فيها، ولكي يتأكد من عربيتها الدمشقية بعد هذا كله، عرضها على أحد الرواة من دمشق فأقرها. وفيما يلي جزء من هذه القصة: "١" كان فيه رجل فلاح "٢" بيعرف كلام الحواوين "٣" وعندو حمار وتور "٤" التور يحرت الأرض "٥" والحمار يركب عليه الفلاح "٦" يوم من الأيام قال التور للحمار "٧" أنا طول النهار باشتغل "٨" وإنته بتقعد "٩" ما بتعمل شي منوب "١٠" ياريتني متلك يوم واحد "١١" إعطيني نصيحة إيشما كان "١٢" شو بدي أعمل "١٣" قاللو الحمار عندي نصيحة "١٤" قاللو فرجيني شو عند "١٥" قاللو الليلة لا تاكل عليقك "١٦" بيجي صاحبنا بيشوفك "١٧" بيظن أنك ضعيف "١٨" بيد شرك يومين تلاته "١٩" قاللو التور إيو الله هادا راي "٢٠" رايح أعمل هيك".
وفيما يلي أمثلة من دراسة "برجشتراسر" الجغرافية في النواحي المختلفة:
ففي الناحية الصوتية مثلا: لاحظ "برجشتراسر" أن "الكاف" يختلف نطقها بين البدو والحضر، وأن الصوت "تش" لا يسود على العموم في الحضر، إلا في منطقة صغيرة، وعلى الأخص في تلك الجهات، التي تحول فيها البدو إلى مستوطنين في العصر الحديث، وأن المدن كلها تنطق بصوت الكاف، وأن السلط تنطن "تش" فيما عدا المتعلمين يها، فهم ينقطون بالكاف، وأن منطقة "عنيزة" في الشمال تنطق بصوت "تس" بدلا من الكاف، وأن في شمال منطقة "تش" الحضرية، يتأرجح النطق بين "تي - Ty" و"تش"، كما في منطقة "سولم" مثلا.
وبالنسبة إلى الصيغ: لاحظ "برجشتراسر" مثلا أن الضمير "نحن" ينطق: "نحنا" بين الحضريين في الشمال، وعدد قليل جدا من البدو،
стр. 157
وينطق "إحنا" بين الحضريين في الجنوب، والبدو في الغرب وينطق: "حنا" بين البدو في الشرق، كما يذكر أن عددا قليلا من البدو ينطق به: "لحنا".
وفي مجال المفردات: "يذكر "برجشتراسر" أن البدو يستخدمون في معنى: "الآن" مثلا: كلمة "هسع" أو هساع"، وكذلك الحضريون في شرقي الأردن. أما باقي الحضريين، فإنهم يستخدمون: "هلق" أو "هلأ" أو هلقت" أو "هلات" وما أشبه ذلك. وكذلك أيضا: "إسا" أو "هلقت" أو "هلئت".
كما يذكر أن الحضر في الجنوب الغربي يقولون: "في عرضك" أو "بعرضك". أما البدو هناك فيقولون: "دخالك"، وباقي المناطق تقول: "دخيلك".
هذه بعض أمثلة، لما في هذا الأطلس اللغوي من ملاحظات لغوية قيمة. ويلاحظ في هذا العمل أنه ككل دراسة جغرافية للغة -وصفي بحت، أي أنه يعني بالواقع اللغوي ويسجله، ولا يهمه البحث عن الأسباب والدواعي، التي قادت إليه، أو بمعنى آخر: لا يعني بأصول الظواهر اللغوية. وقد أشار "برجشتراسر" في خاتمة أطلسه إلى ذلك، فقال: "وهذا البحث يرمي إلى توضيح الصلات اللغوية الحاضرة بين سوريا وفلسطين. وأما بحث تطورها التاريخي، فهو عمل قائم بذاته ويحتاج في تنفيذه إلى النقل الواسع عن المراجع التاريخية. وعلى العكس من ذلك، لا تكمل البحوث التي تتعلق بلغة سوريا وفلسطين، ولا تلك التي تتعلق بفتح العرب لهذه المنطقة، إلا بمعرفة الصلات اللغوية الحاضرة، وإذا كان الفتح العربي لهذه المنطقة قد أدى إلى اندثار اللغة الآرامية، فإن هذا البحث يحتاج إلى تكملة من جانب
стр. 158
اللغة الآرامية، ممثلة في بحث تأثير الآرامية على العربية، وأثر العربية في اللهجات الآرامية الباقية، وهي لهجة "معلولة" من ضواحي دمشق"١.
ويتحدث "أنطوان مييه" عن صعوبة تسجيل اللهجات، فيقول: "فإذا كان الأمر يتعلق بلغة محلية، نجد أن الأشخاص الذين يستخدمونها محرومون عادة من كل ثقافة لغوية لوصفها. أما الأجانب ففضلا عن أنهم يفهمونها فهما غير كامل، مع تفاوتهم في ذلك، فإنهم يجدون مشقة في تمييز الأشخاص الذين يتكلمونها على نحو عادي، بل إنهم عندما يعثرون على هؤلاء الأشخاص، لا يستطيعون بسهولة أن يأخذوا عنهم المعلومات اللازمة، وذلك لأن هؤلاء الأشخاص أنفسهم، لا يعون على وجه دقيق، الطريقة التي يتكلمون بها"٢.
стр. 159
الفصل السادس: اللغة المشتركة واللهجات
من المسلم به عند اللغويين، أن معظم اللغات الأدبية في العالم، توجد بجانبها مجموعات من اللهجات المحلية، والاجتماعية، واللغات الخاصة. هذه اللغات وتلك اللهجات، تسير كلها جانبا إلى جنب، لا في الأقاليم وحدها، بل في داخل المدن الكبرى أيضا، ففي جميع العواصم الكبرى الراقية، نجد لغات الصالونات الأدبية، ولغات العلماء المثقفين وغيرهم، كما نجد لغات العمال والعاميات الخاصة، التي تتكلم في حواشي المدينة. وقد تختلف هذه اللغات بعضها عن بعض، إلى حد أنه قد يعرف الإنسان إحداها، دون أن يفهم الأخرى.
على أنه من الملاحظ كذلك، أن الإنسان قلما يعيش محصورا في مجموعة اجتماعية واحدة، ولذلك كان من النادر أن تبقى إحدى اللغات، دون أن تنفذ إلى مجموعات اجتماعية مختلفة. ومن المشاهد أن كل فرد يحمل لغة مجموعته، ويؤثر بها على لغة المجموعة المجاورة، التي يدخل فيها، أو يتأثر بلغة هذه المجموعة.
ولتقريب ذلك إلى الأذهان، يضرب لنا اللغويون١، مثلا بأخوين يعيشان معا، ولكنهما يمارسان مهنتين مختلفتين، كل واحد منهما يحتك في موقعه بمجموعات مختلفة، ويأخذ عن أفرادها اللغة بالضرورة، مع عادات التفكير والأعمال والآت المهنة، وبذلك ينشأ في كل يوم من الأخوين،
стр. 160
اختلاف لغوي يؤدي بهما إلى التحقق من اختلاف لغتيهما بعض الشيء إذا لم ير أحد أخاه زمنا طويلا. ولكن هذا الاختلاف يزول في كل مساء، بفضل عودة الصلة بينهما من جديد.
إن هذين الأخوين يخضعن في الواقع لتيارين متعارضين يتبادلان التأثير عليهما، ومع أنهما لا ينفصل أحدهما عن الآخر، إلا بضع ساعات من النهار، فإنهما يجدان اللغة التي يتفاهمان بها، في حاجة دائمة إلى التطهير من عناصر التفرقة، التي تفد عليها من الخارج.
وهذا الميلان المتعارضان، اللذان يوجهان اللغة في طريقين متباينين، هما: عامل "التفريق اللغوي"، وعامل "التوحيد اللغوي. فالتفريق يؤدي إلى انفصالات تزداد تعددا مع الزمن، وتكون النتيجة: تفتت اللغة تفتتا يزداد بازدياد استعمالها؛ إذ تضطرها إلى هذا التفتت مجاميع الأفراد، التي تترك وشأنها دون احتكاك بينها. غير أن هذا التفريق اللغوي، لا يصل إطلاقا إلى تمامه؛ لأن سببا حيويا يقف في طريقه، ويعمل دائما على مناهضته، ألا وهو عامل التوحيد، الذي يعيد التوازن اللغوي.
ومن صراع هذين العاملين: عامل التفريق، وعامل التوحيد، تنتج أنواع اللغات المختلفة، لدى الشعب الواحد، من لغات خاصة، واجتماعية، ومحلية، ولهجات إقليمية، ولغة مشتركة.
وتقوم اللغات المشتركة دائما، على أساس لغة موجودة تتخذ لغة مشتركة، من جانب أفراد وجماعات، تختلف لديهم صور التكلم١. والظروف التاريخية، هي التي تفسر لنا تغلب هذه اللغة، التي اتخذت
стр. 161
أساسا، وتعلل انتشارها في جميع مناطق التكلم المحلي المشتركة، فهي دائما لغة وسطى، تقوم بين لغات أولئك الذين يتكلمونها جميعا.
هذه هي السمة الأساسية لكل لغة مشتركة، وإذا أتيح لها أن تنتشر في قطر من الأقطار، أو في دولة من الدول، أخذت العناصر المشتركة التي تدخل في تكوينها في الازدياد، ويؤدي ذلك بالضرورة إلى النزول بمستواها، كلما ازدادت انتشارا، وازدادت العناصر التي تستعيرها، من صور اللهجات المحلية.
أما عوامل قيام هذه اللغات المشتركة، فترجع إلى التفوق السياسي، والديني، والاقتصادي، والأدبي، والاجتماعي، ونضرب على ذلك مثلا من اللغة العربية، فقد انقسمت اللغة العربية، منذ أقدم عصورها، إلى لهجات كثيرة، تختلف فيما بينها في كثير من الظواهر الصوتية والدلالية، كما تختلف في مفرداتها وقواعدها، تبعا للقبائل المختلفة، التي تتحد ظروفها الطبيعية والاجتماعية، أو تتباين هذه الظروف. ثم أتيحت لهذ الهجات العربية فرص كثيرة للاحتكاك، بسبب التجارة تارة، وتجاور القبائل تارة أخرى، وتنقلها في طلب الكلأ والمرعى، أو تجمعها في مواسم الحج، والمعاملات التجارية في الأسواق، واللقاء في الحروب الأهلية والغزوات وأيام العرب، وما إليها. وعندما اشتبكت هذه اللهجات في صراع لغوي، كان النصر فيها للغة مشتركة، استمدت أبرز خصائصها من لهجة قريش، التي طغت على سائر اللهجات الأخرى، فأصبحت لغة الأدب بشعره ونثره، ولغة الدين، ولغة السياسة والاقتصاد.
أما العوامل التي ساعدت لغة قريش، على أن تتبوأ -دون غيرها- هذه المكانة، فإنها نفس العوامل التي تحدثنا عنها من قبل، فقريش كانت
стр. 162
تتمتع بمنزلة دينية خطيرة قبل الإسلام؛ لأن القرشيين كانوا جيران بيت الله الحرام وسدنته، كما كانت القبائل العربية، على اختلاف منازلها تحج إلى البيت، وتقدم القرابين إلى أصنامهم وأوثانهم المبثوثة حول الكعبة.
وإلى جانب هذا العامل الديني، كان القرشيون يتمتعون بسلطان اقتصادي كبير؛ لأنهم كانوا من أمهر العناصر العربية، وأنشطها، وفي يدهم جزء كبير من تجارة الجزيرة العربية، ينتقلون في بقاعها، من سوريا شمالا إلى أقاصي اليمن جنوبا، فهم في الشتاء يرتحلون إلى اليمن، وفي الصيف يذهبون إلى الشام، ولا يكادون يستقرون في مكان، إلا بمقدار الزمن الذي يحدده لهم البيع والشراء. وقد أتاح لهم هذا النشاط التجاري ثراء كبيرا، ومن ملك المال واحتضن الدين. فقد تحقق له سلطان سياسي قوي، ولهذا كله كانت اللغة القرشية، أقوى اللغات أثرا في تكون اللغة العربية المشتركة، أو العربية الفصحى.
وإذا كانت الأقاليم تختلف فيما بينها في لهجاتها، فإن طبقات الناس التي تعيش في داخل كل إقليم، تختلف هي أيضا في لغاتها، فإن الطبقة الغنية، ذات الجاه والنفوذ المادي والسيطرة السياسية، تخالف في كلامها دون شك، طبقات العمال والجنود والتجار والزراع، وغيرها من الطبقات الأخرى.
كما أن الفارق بين الطبقات الاجتماعية، في الثقافة والتربية، والتفكير، ومستوى المعيشة، والعادات والتقاليد. كل هذا وغيره يترك أثرا كبيرا في لهجات هذه الطبقات الاجتماعية المتفاوتة، في طرق التعبير واستعمال المفردات، ودلالتها، وتكوين الجمل، وما إلى ذلك من الظواهر اللغوية المختلفة.
стр. 163
وهذه اللهجات الاجتماعية١، لا تتميز تميزا واضحا إلا في المدن الكبيرة، حيث يتكاثف السكان، ويزدحم الناس، وتنشط الحركات الاقتصادية، وتعدد المهن والحرف.
وسواء أكانت اللهجات محلية أم اجتماعية، فإنها تمت بصلة وثيقة للغة المشتركة. وقد يكون كلا النوعين متشعبا عن اللغة الأصلية، يستمد منها أصول مفرداته وقواعده وتراكيبه، غير أن السبب الرئيسي لنشأة اللهجات المحلية، يرجع إلى اختلاف الأقاليم، وما يحيط بكل إقليم من ظروف، وخصائص تاريخية وجغرافية وسياسية، على حين أن السبب الأساسي لنشاة اللهجات الاجتماعية، يرجع إلى اختلاف الناس في الإقليم الواحد وما يكتنف كل طبقة من شئون، في شتى مظاهر الحياة.
стр. 164
الفصل السابع: الصراع اللغوي "أسبابه ونتائجه "
أصبح من المسلم به عند اللغويين، أن احتكاك اللغات ضرورة تاريخية، وهذا الاحتكاك يؤدي إلى تداخلها إن قليلا وإن كثيرا، ويكادون يقطعون بأن التطور الدائم للغة من اللغات وهي في معزل عن كل احتكاك وتأثر خارجي، يعد أمر مثاليا، لا يكاد يتحقق؛ ذلك لأن الأثر البالغ، الذي يقع على إحدى اللغات من لغات مجاورة لها، كثيرا ما يلعب دورا هاما في التطور اللغوي، ويترتب عليه نتائج بعيدة المدى، إلى درجة أن بعض العلماء يذهبون إلى القول، بأنه لا توجد لغة متطورة لم تختلط بغيرها.
على أن الاحتكاك بين لغتين متجاورتين، لا يحدث دائما على وتيرة واحدة، في كل الحالات؛ ذلك لأن قوة اللغات ليست واحدة، ومن ثم اختلفت قدرتها على المقاومة، فالألمانية والفرنسية مثلا، لغتان قويتان تستويان في القوة، وبينهما اختلافات لغوية كبيرة، فإذا ما تعرضتا للمنافسة والاحتكاك، كانت المنافسة بينهما، تكاد تكون محصورة في الميدان الاقتصادي وحده، ذلك أن الانتصار الذي تناله إحدى اللغتين، يكون في ميدان المعاملة، أي في صميم الحياة نفسها، فإذا أتيح للألمانية أن تطرد الفرنسية من بعض القرى السويسرية، أو أتيح للفرنسية أن تطرد الألمانية، كان معنى ذلك أن سكان تلك القرى، كانت بأيديهم أداتان متساويتان في الصلاحية والقوة، فاختاروا من بينهما أنفعهما لحاجات أعمالهم ولحياتهم اليومية، ويترتب على هذا الحدود اللغوية، بحسب الجهة التي تفد منها العلاقات الاقتصادية١.
стр. 165
فالمصلحة العملية، هي وحدها الحكم في مثل هذه الحالات وهي التي تحكم لهذه اللغة أو لتلك. وقد تبقى اللغتان متجاورتين زمنا طويلا، وهما في حالة تعادل. وللموقف السياسي أهميته الكبرى كذلك، فإن بعض الشعوب يتمسك بهذه اللغة دون تلك ويرخي لها عمدا عنان التفشي، مدفوعة بعاطفة وطنية، أو محاولة نيل استقلالها، أو نفورا من دولة مجاورة لها. وهذا مشاهد في الأقطار البلقانية، وفي أيرلندة، حيث تتجه حركة وطنية إلى إحياء اللغة القديمة للبلاد، تخلصا من لغة أعدائهم الإنجليز. واللغة الفرنسية لم تنتشر يوما في "الألزاس"، بقدر ما كانت تتكلم زمن انضمام هذا الإقليم للإمبرطورية الألمانية، أما حينما كانت مقاطعة الألزاس جزءا من فرنسا، ولم تكن مضطرة إلى أن تتخذ لغة بعينها، فلم يكن لديها باعث قوي يحملها على ترك لهجاتها الجرمانية المحلية.
وإلى جانب العوامل الاقتصادية والسياسية، هناك عامل عاطفي له أثره في المحافظة على سلامة الكثير من اللغات وبقائها، وهو عامل "الهيبة"١. وكثيرا ما يكون هذا العامل مستمدا من القيمة الذاتية للغة، فاليونانية مثلا، كانت تمثل ثقافة من أعرق الثقافات البشرية، ولذلك لم تستطع اللغة اللاتينية التغلب عليها، كما لم تستطع بعد ذلك اللغة التركية، مع أنها كانت لغة الفاتحين سياسيا وحربيا. وكذلك لم يتمكن الاحتلال التركي للشرق، خلال قرون عديدة، من القضاء على اللغة العربية، وإحلال التركية محلها؛ لأن التركية ليست بأية حال من الأحوال، من لغات الحضارات الكبيرة، بخلاف اليونانية والعربية.
стр. 166
هذه هي بعض أمثلة الصراع الذي يحدث بين لغتين كبيرتين. فما لون الصراع الذي ينشأ بين لغة مشتركة، تمثل مدنية منظمة تنظيما قويا، ومجموعة من اللهجات المحلية، لا وحدة لها، ولا تناسق بينها؟
تتمثل لنا هذه الحالة في موقف اللغتين: الفرنسية والبريتانية، وهي اللغة الأصلية لمقاطعة "البريتون" Bretagne في غربي فرنسا. فإن المنافسة في هذه الحالة، تدور حول انضمام دائم، لعدد كبير من عناصر إحدى اللغتين إلى الأخرى، حتى ينتهي الحال بأن تفقد إحداهما معالمها اللغوية؛ ذلك أن اللغة الفرنسية، توغلت في كل اللهجات البريتانية؛ لأنها لغة الحضارة التي تحمل معها تيارا جارفا من الكلمات الجديدة، التي تمثل أشياء وأفكارا وعادات جديدة، كما أن الدين والآداب الفرنسية، قد ملأت اللهجات البريتانية بالكلمات الفرنسية، عن طريق كتب العبادة والتهذيب، منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وما زالت حتى الآن تطغى بمفرادتها؛ لأن تعليم اللغة الفرنسية في المدارس البريتانية، والخدمة العسكرية الإجبارية، وغيرها من العوامل الأخرى، قد جعلت غالبية أهل مقاطعة البريتون يتكلمون لغتين: البريتانية والفرنسية.
وكان التوغل قبل ذلك، يقوم على نوع من التسرب غير المحسوس، فكانت البريتانية تتلقى عن غير شعور منها، عددا من الكلمات الفرنسية، أخد يزداد يوما بعد يوم، غير أن البريتانيين كانوا وقتذاك يتكلمون لغتهم وحدها، وإن دخلت فيها ألفاظ فرنسية؛ ذلك لأن الفوائد التي يمكن الحصول عليها من معرفة الفرنسية، تفوق كثيرا تلك التي يمكن الحصول عليها من معرفة البريتانية وحدها؛ لأن الفرنسية لغة برجوازية تستعمل دون سواها في مجمعات المدن، وتغري بنات الريف بالتحدث بها، كما تغريهن ثياب الطبقة الراقية بارتدائها، ولا يخفى أن عقلية الشعوب، تكاد تكون
стр. 167
متقاربة في مثل هذه الحالات من التقليد. يضاف إلى هذا كله أن البريتانيين أصبحوا مرتبطين ارتباطا وثيقا بالمجتمع البرجوازي، فمنهم طبقة الموظفين في كثير من الأعمال الحكومية والأهلية، ومقاطعتهم مزدحمة بالسائحين الفرنسيين والأجانب على السواء، مما جعل التحدث بالفرنسية، ميزة وضرورة في آن واحد؛ لأنها تيسر لهم موارد رزقهم، وتفتح الأبواب أمامهم، وتعينهم على التفاهم مع غيرهم١.
وهكذا تغلبت الفرنسية على البريتانية، وأصبحت لغة مشتركة، بالنسبة للمقاطعة كلها، وإن كانت البريتانية، لا تزال متماسكة في بعض أرجاء المقاطعة، وبخاصة بين بعض الطوائف المعينة، مثل صيادي السردين وعمال الملاحات، وقاطعي الإردواز، وتجار الخيول، وغيرهم.
من هذا العرض، نرى أن الصراع اللغوي، هو وحده الذي يقضي على لغة من اللغات، أو لهجة من اللهجات. ولا يمكن تحديد زمن هذا الصراع تحديدا تاما، إلا إذا نظرنا إلى الظروف، التي تحيط باللغة المقهورة، وإلى مقدار ما فيها من حيوية وقوة مقاومة.
ويضع علماء اللغة لهذا الصراع مراحل، تظهر في كل مرحلة منها عوامل تساعد على انحلال اللغة المقهورة، وتؤدي إلى القضاء عليها:
ففي المرحلة الأولى:
تطغى مفردات اللغة المنتصرة، وتحل محل اللغة المقهورة شيئا فشيئا وتكثر هذه الكلمات أو تقل تبعا للمقاومة التي تبديها اللغة المهزومة، فاللغات البربرية لم تترك في اللغة العربية المنتصرة إلا كلمات قليلة، وكذلك الحال في لغة بلاد الجال، التي تغلبت عليها اللاتينية.
стр. 168
أما إذا كان الصراع بين اللغتين شديدا، وطول الأمد، فإن اللغة المقهورة، قد تحتفظ بمفردات كثيرة، تدخل في اللغة الغالبة. مثال ذلك: ما حدث بين لغة الإنجليز السكسون بإنجلتر، ولغة الفاتحين من الفرنسيين النورمانديين؛ إذ خرجت الإنجليزية المنتصرة في هذه الصراع، وقد فقدت ما يقرب من نصف مفرداتها الأصلية، واستبدلت به كلمات من اللغة النورماندية المغلوبة.
وفي المرحلة الثانية:
تتغير مخارج الأصوات، ويقترب النطق بها، من النطق بأصوات اللغة الجديدة شيئا فشيئا، حتى تصبح على صورة تطابق أو تقارب الصورة التي هي عليها في اللغة المنتصرة، وذلك بأن يتصرف المغلوب تصرف الغالب في النطق بالأصوات، فتتسرب بذلك أصوات اللغة الغالبة إلى اللغة المغلوبة، في طريقة نطقها، ونبرها، ومخارجها، فينطق أهل اللغة المغلوبة ألفاظهم الأصيلة، وما انتقل إلى لغتهم من كلمات دخيلة، متخذين نفس المخارج، ونفس الطريقة، التي يسير عليها النطق في اللغة الغالبة. وهذه المرحلة تعد أخطر مراحل الصراع اللغوي؛ إذ يزداد فيها انحلال اللغة المغلوبة، ويشتد قربها من اللغة الغالبة.
وفي المرحلة الثالثة:
تفرض اللغة المنتصرة قواعدها وقوانينها اللغوية الخاصة بالجمل والتراكيب، وبهذا تزول معالم اللغة المقهورة، وحينئذ تبدأ اللغة المنتصرة، في إحلال أخيلتها واستعاراتها، ومعانيها المجازية، محل الأخيلة والاستعارات والمعاني، للغة القديمة، التي تموت شيئا فشيئا.
إلا أن النصر لا يتم للغة من اللغات، إلا بعد أمد طويل، قد يصل أحيانا إلى أكثر من أربعة قرون، فالرومان أخضعوا بلاد الجال في القرن الأول الميلادي، ولكن لم تتم الغلبة للغة اللاتينية، إلا في القرن الرابع.
стр. 169
وفي كل صراع لغوي، لا تتم هذه المراحل دفعة واحدة، ولا تختفي لهجة أو لغة، إلا وقد تركت بعض مفراداتها أو تراكيبها وقواعدها، أو أثرت بأي صورة من الصور، في معاني المفردات للغة الجديدة، وبخاصة إذا كانت اللغتان من فصيلة لغوية واحدة.
والخلاصة أنه متى اجتمعت لغتان في صعيد واحد، فإنه لا مفر إطلاقا من أن تتأثر كل منهما بالأخرى، سواء في ذلك أتغلبت إحداهما على الأخرى، أم بقيت كل واحدة منهما بجوار أختها١.
على أن هذا التأثر يختلف في كمه وكيفه، ونواحي ظهوره، ونتائجه، في حالة تغلب لغة على أخرى، عنه في حالة بقائهما معا، ذلك أننا نرى اللغة الغالبة، تستسيغ وتتمثل كل ما تأخذه من الأخرى المغلوبة، مهما كثر مقداره. وفي هذه الحالة يتحول المستعار إلى عناصر من نوع عناصرها هي، ويدخل فيها فتزداد به قوة وتجدد ونشاطا، دون أن تجعل له أي مجال للتأثر في بنيتها، أو تتيح له فعل أي تغيير في تكوينها الأصلي.
أما اللغة المغلوبة، فإنها على العكس من ذلك، لا تستطيع إطلاقا أن تقضي على مقاومة ما تقذفها به اللغة الغالبة، من مفردات وقواعد وأساليب، ولا تكاد تسيغه، فتفقد وحدتها وطابعها، وبذلك تضعف بنيتها، ثم تزول شيئا فشيئا، وقد كان هذا مصير اللغات السامية، في صراعها مع العربية، في الأمصار المفتوحة، ومصير اللغة النورماندية المغلوبة، مع الإنجليزية الغالبة.
стр. 170
أما إذا كتب للغتين البقاء، فإن كل لغة منهما، تعمد إلى ما تأخذه من الأخرى، وتضفي عليه من حيويتها، وتقضي على ما فيه من الآثار الهدامة، سواء أكانت هذه الآثار متعلقة بالأصوات، أم بالقواعد، أم بالبنية، أم بالأساليب. وعلى هذا تبقى كل منهما وتعيش بجوار أختها، لها طابعها الخاص، وشخصيتها القوية.
ولقد كان هذا شأن العربية، مع اللغة التركية -كما عرفنا من قبل- ومع اللغة الفارسية، حين دخلا في صراع لغوي، بعد أن فتح العرب بلاد فارس، وشأن الألمانية والفرنسية في سويسرا، كما ذكرنا سابقا.
ويضع اللغويون قواعد تنص على أن اللغة، لا تتغلب على لغة أخرى، إذا توفرت الأسس التالية:
١- أن تكون اللغة الغالبة، لغة شعب متحضر، أرقى من الشعب المغلوب، في حضارته وثقافته، وأقوى منه سلطانا وأوسع نفوذا.
٢- أن تبقى غلبة الغالب زمانا كافيا، مع استمرار قوته، لتتمكن اللغة الغالبة من بسط نفوذها، ويتم لها نصر حقيقي.
٣- أن تكون هناك جالية كبيرة العدد والنفوذ، تقيم بصفة دائمة في بلاد الشعوب التي غلبت لغتها، وتمتزج بأفراد هذا الشعب، ولا تعيش إطلاقا في عزلة عنه.
٤- أن تكون اللغتان: الغالبة والمغلوبة، من شعبة لغوية واحدة، أو من شعبتين متجاورتين.
стр. 171
القسم الثاني: مناهج البحث اللغوي وتطبيقات المنهج المقارن
الفصل الأول: المنهج المقارن بين مناهج البحث اللغوي
مدخل
...
القسم الثاني: مناهج البحث اللغوي وتطبيقات المنهج المقارن
الفصل الأول: المنهج المقارن بين مناهج البحث اللغوي
كان اكتشاف اللغة السنكسريتية "إحدى اللغات الهندوأوربية القديمة" في نهاية القرن الثامن عشر، نقطة تحول خطيرة في الدراسات اللغوية، فقد كان العلماء يهتمون قبل ذلك، بدراسة فقه اللغتني: اللاتينية واليونانية، ويبحثون في أصل اللغة عموما، ويقوّمون كل لغة بالنسبة إلى اللغات الأخرى، من جهات متعددة، كجمال الأسلوب، والثروة الكلامية، وضخامة التراث القديم، وما إلى ذلك. ومعظم هذه البحوث بحوث فيما وراء الطبيعة، كما أن الأحكام الذاتية لا الموضوعية تلعب دورا كبيرا فيها.
وعندما حل القرن التاسع عشر، شهدت الدراسات اللغوية تطورا كبيرا. وكان من أهم ما أتى به هذا القرن، هو الاتجاه إلى الدراسة اللغوية التاريخية، بعد أن اكتشفت اللغة السنسكريتية وعرفت علاقتها باللاتينية والإغريقية وغيرهما.
ومنذ ذلك الحين عرفت الدراسة اللغوية، ثلاثة مناهج هي: المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج المقارن.
أما المنهج الأول، فيكتفي بوصف أية لغة من اللغات عند شعب من الشعوب، أو لهجة من اللهجات، في وقت معين، أي أنه يبحث اللغة بحثا عرضيا لا طوليا، ويصف ما فيها من ظواهر لغوية مختلفة، ويسجل الواقع اللغوي، تسجيلا أمينا. بل إن "أنطوان مييه" "A. Meillet يذهب إلى أبعد
стр. 172
من هذا، حين يرى أن المنهج الوصفي "يعني بدراسة الاستعمال اللغوي في عمومه، عند شخص بعينه، في زمان بعينه، ومكان بعينه"١.
فالمنهج الوصفي يقوم على أساس وصف اللغة أو اللهجة في مستوياتها المختلفة، أي في نواحي أصواتها، ومقاطعها، وأبنيتها، ودلالاتها، وتراكيبها، وألفاظها، أو في بعض هذه النواحي، ولا يتخطى مرحلة الوصف. والأطالس اللغوية مثال من أمثلة تطبيق هذا المنهج الوصفي على اللغات واللهجات، فهي لا تعرض علينا سوى الواقع اللغوي مصنفا، دون تدخل من الباحث بتفسير ظاهرة، أو تعليل لاتجاه لغوي، هنا أو هناك.
وغالبا ما تنصب هذه الدراسة الوصفية، على اللغات واللهجات المعاصرة "وإن كان بعض العلماء، قد قاموا بمحاولات لدراسة اللغة، دراسة وصفية في زمن معين في الماضي"٢، فأية دراسة صوتية أو صرفية أو تركيبية أو دلالية، لإحدى اللهجات القديمة أو الحديثة، تعد دراسة وصفية.
وقد حقق علم اللغة الوصفي في القرن العشرين، نهضة كبرى، أدت إلى كثير من التطورات المهمة، في علم اللغة المعاصر، وكان القرن التاسع عشر حاملا لكثير من الإرهاصات، لهذا العلم الحديث.
وكان من أكبر الباحثين، الذين أثروا في مجال الفصل بين الدراسات الوصفية والتاريخية، العالم السويسري: "فردينان دى سوسير" F de Saussure "١٨٥٧-١٩١٣" الذي وضع حرج الأساس في الدراسات
стр. 173
اللغوية البنيوية أو الوصفية، وأثار في كتابه: "محاضرات في علم اللغة العام" Cours de Linguistique generale الذي نشر بعد وفاته سنة ١٩١٦م، وجهة نظر جديدة "إذ اعتبر اللغويات الوصفية، لا تقل أهمية عن اللغويات التاريخية، كما حدد وظيفة كل منهج وحدوده"١.
وقد شهد القرن العشرون مدارس لغوية وصفية متعددة، أهمها:
١- المدرسة اللغوية البنيوية:
Structutal Linguistics
٢- مدرسة النحو التوليدي التحويلي:
Transformational - Generative Grammar
٣- مدرسة القوالب:
Tagmemec Analysis
وفيما يلي نكشف النقاب عن خصائص كل مدرسة من هذه المدارس:
стр. 174
١- المدرسة اللغوية البنيوية:
يعد "دي سوسير" من العلماء الأوائل، الذين مهدوا الطريق لهذه المدرسة، في محاضراته بجماعة جنيف "١٩٠٦-١٩١١م" التي جمعها طلابه بعد وفاته سنة ١٩١٣م في كتابه المشهور: "محاضرات في علم اللغة العام" وأصدروه سنة ١٩١٦م بالفرنسية، ثم ترجمة Wade Baskin بعنوان: Course in general Linguistics في عام ١٩٥٩م.
وقد فرق "دي سوسير" بين ما يمكن أن يسمى باللسان La Langue وما يمكن أن يسمى بالكلام La Parole أما اللسان فيقصد به أنواع الأنظمة وأنماط الأبنية، التي تعود إليها منطوقات اللغة. أو هو بعبارة أخرى: نظام من المواضعات والإشارات، التي يشترك فيها جميع أفراد مجتمع لغوي معين، وتتيح لهم من ثمة الاتصال اللغوي فيما بينهم. وأما الكلام، فهو في رأي دي سوسير: كلام الفرد، أو المنطوقات الفعلية نفسها١.
ويتصف اللسان بأنه اجتماعي، وجوهري، ومجرد، ومستقل عن الفرد، بعكس الكلام الذي يتوقف على الإرادة والذكاء عند الفرد٢.
وقد تمكن دي سوسير بذلك من تفسير طبيعة نظام اللغة، والتنوع الفردي للغة. وكان يعتقد أن اللسان -وهو نظام اللغة المقصود "التحتي"- هو الموضوع الصحيح للدراسات اللغوية؛ لأنه يشتمل على أنماط منتظمة، يرغب علماء اللغة البنيويون في اكتشافها ووصفها.
كما بين "دي سوسير" أن كل لسان ينبغي أن يتم تصوره ووصفه على أنه نظام من العناصر المترابطة، على المستويات الدلالية والنحوية والصوتية، لا على أنه تراكم من كيانات قائمة بذاتها. وقد عبر عن نظريته تلك بقوله: "إن اللسان شكل لا مادة". وعلى هذا المدخل البنيوي للغة، يقوم صرح علم اللغة المعاصر بأسره، وهو الذي يسوغ دعوى "دي سوسير" باستقلال علم اللغة، ليصبح علما قائما بذاته٣.
стр. 175
وممن تأثر بنظرية دي سوسير: العالم "فرانز بوعز" Franz Boas الذي كان مهتما -وهو من علماء الأنثروبولوجيا- بالوصف المفصل للفونولوجيا، أي النظام الصوتي في لغة من اللغات، ثم ينتقل بالتالي إلى وصف المورفولوجيا أو النظام الصرفي فيها في مستوى الكلمة "Word" والعبارة "Phrase". وقد نادى "بوعز" بضرورة دراسة كل لغة على حدة، وفقا لأحوالها الخاصة. وقد أصبح رأيه هذا فيما بعد، أحد المعتقدات الأساسية في الدراسات الوصفية في أمريكا.
وجاء بعد "بوعز" تلميذه: "إدوارد سابير" Edward Sapir الذي كان يؤمن بضرورة وصف كل لغة، وفقا لأحوالها الخاصة، كأستاذه ولكنه لم يكن مؤمنا بالفئات أو الوحدات اللغوية المتواضع عليها كأجزاء الكلام، بل كان يرى أن الوحدات الأساسية، كالاسم والفعل، والعمليات النحوية الأساسية، كترتيب الكلمات هي أمور قائمة في جميع اللغات التي يحتمل أن تكون لها عناصر كلية مشتركة، وذلك في المستويات الأساسية الكبيرة، التي تقوم عليها اللغات١. وكان تركيز "سابير" على العقل والفكر، موضع اهتمام علماء اللغة التحويليين.
وجاء بعد "بلومفيلد" Leonard Bloomfield الذي أسهم في تطوير المدرسة اللغوية البنيوية، وتوضيح قوانينها، ووضع مناهجها الأساسية. وقد هيمن كتابه: "اللغة" Language الذي نشر سنة ١٩٣٣م، على معظم الدراسات اللغوية، في السنوات الثلاثين التالية لصدوره.
وكان "بلومفيلد" من أتباع السيكولوجية السلوكية في دراسة
стр. 176
اللغة، مما جعله يرفض تركيز "سابير" على العقل، ويقصر عمله على مراقبة الظواهر الخارجية القابلة للقياس، والتي يمكن فيها تطبيق مبدأ "المثير" و"الاستجابة". كما اهتم بالقياس اللغوي، مع عدم الانصراف عن أخذ المعنى في الحسبان. وإن كان يقرر١ أن اعتبار المعاني يعد أضعف نقطة في دراسة الغة. وهو يعتقد أن وصف لغة من اللغات ينبغي أن يبدأ بالفونولوجيا. وقد حاول أتباعه أن يطبقوا هذا المبدأ نفسه في دراستهم للمورفولوجيا أو الصرف، ونظام الجملة، بل إنهم ذهبوا شوطا بعيدا حين حاولوا استبعاد المعنى من دائرة التحليلات اللغوية.
وتتبع هذه المدرسة في تحليل الجملة منهجا مبنيا على أساس أنها مؤلفة من طبقات من مكونات الجملة، بعضها أكبر من بعض، إلى أن يتم تحليلها إلى عناصرها الأولية من الكلمات والمروفيمات. وفيما يلي مثال يبين بشكل مجرد، مختلف العلاقات القائمة بين العناصر المختلفة التي تكون الجملة:٢
стр. 177
٢- مدرسة النحو التوليدي التحويلي:
أدت الرغبة إلى تبني منهج عقلي في دراسة اللغة، إلى نشوء طريقة جديدة عند علماء اللغة الأمريكان، أطلقوا عليها اسم: "علم اللغة التحويلي" Transformational Linguistics وقد رفضت هذه المدرسة الجديدة كثيرا من الأسس التي ارتضتها المدرسة البنيوية، من النواحي التالية:
١- فمن حيث الموضوع، كانت المدرسة البنيوية تتخذ من النصوص اللغوية موضوعا لدراستها، على حين اتخذت المدرسة التحويلية من قدرة المتكلم على إنشاء الجمل التي لم يكن سمعها من قبل، موضوعا لها.
٢- ومن حيث أسلوب الدراسة والتحليل، كان المدرسة البنيوية تعتمد على وسائل الاستكشاف، على حين يؤمن التوليديون بضرورة الحدس والتخمين، ثم إجراء الاختبار، لتقويم الفروض المتضاربة.
٣- ومن حيث الهدف، كان البنيويون يحاولون بدراساتهم القيام بتصنيف عناصر اللغات المدروسة، على حين جعل التوليديون تعيين القواعد النحوية الكامنة وراء بناء الجملة هدفا لهم. وهذا يعني الكشف عن وجود عدد غير متناه من الجمل في أية لغة، وتوضيح أي نوع من سلاسل الكلمات تشكل جملا، وأيها لا يشكل جملا. وكذلك وصف البنية النحوية لكل جملة١.
٤- وعلى حين كان البنيويون يرون أن لكل لغة بنيتها التي تتفرد بها، يرى التوليديون أن اللغات تتشابه على مستوى المقصود "العميق" من المعاني، ويحاولون الكشف عن هذه التشابهات الكلية.
стр. 178
٥- كان كثير من البنيويين يستبعدون المعنى من دراستهم للغة استبعادا كليا، ويهتمون بالشكل الخارجي للغة. ويرى "ديفيد كريستال" أن الكلام عن التحليل اللغوي بلا إشارة للمعنى، شبيه بمن يصف طريقة صنع السفن دون الإشارة إلى البحر١، ولذلك يعد التحويليون اعتبار المعنى في التحليل اللغوي، أمرا ضروريا في شرح العلاقة بين الجمل، التي تحمل نفس المعنى وتختلف في ظاهر تراكيبها.
وعلى رأس علماء المدرسة التحويلية التوليدية في دراسة اللغة: "هاريس" Harris وتلميذه "تشومسكي" Chomsky. وقد كان لهما أكبر الأثر في نشوء علم اللغة التوليدي والتحويلي. أما "التوليدي" فهو علم يرى أن في وسع أية لغة أن تنتج ذلك العدد اللانهائي من الجمل التي ترد بالفعل في اللغة. وأما "التحويلي" فهو العلم الذي يدرس العلاقات القائمة بين مختلف عناصر الجملة، وكذلك العلاقات بين الجمل الممكنة في لغة ما٢.
ويعد "هاريس" الأب الحقيقي لعلم اللغة التحويلي، و"تشومسكي" الأب الحقيقي لعلم اللغة التوليدي. كما أدخل الأخير كثيرا من التعديلات على علم اللغة التحويلي عند "هاريس". وقد نشر "هاريس" بحوثه بين ١٩٥٢ و١٩٥٧م، وعرف التحويل بأنه عملية نحوية تغير ترتيب المكونات في داخل جملة ما، وبوسعها حذف عناصر أو إضافتها أو استبدالها٣.
стр. 179
وقد ميز "هاريس" بين مجموعتين فرعيتين من الجمل النحوية الكلية، القائمة في لغة كالإنجليزية مثلا:
١- الجمل النواة Kernelsentences.
٢- الجمل غير النواة Nonkernelsentence.
ويمكن الفرق بين هاتين المجموعتين الفرعيتين، في أن الجمل غير النواة، يتم اشتقاقها من الجمل النواة، بواسطة قواعد تحويلية. مثال ذلك من العربية جملة مثل: "سَرَقَ اللصُّ البنكَ" فهي جملة نواة، يمكن أن تشتق منها جملة غير نواة، نحو: "سُرِقَ البنكُ". وتبدو العلاقة التحويلية بين هاتين الجملتين على النحو التالي:
فعل متعد مبني للمعلوم+ مورفيم المعلوم+ اسم "١"+ اسم "٢" فعل مبني للمجهول+ مورفيم المجهول+ اسم "٢".
فقد استبدل في أثناء عملية التحويل، مورفيم البناء للمجهول بمورفيم البناء للمعلوم، كما حذف الفاعل "الاسم رقم ١" من الجملة النواة، وتحول المفعول به "الاسم رقم ٢" إلى نائب فاعل. وهكذا نرى التحويل هنا يقتضي الحذف والاستبدال، وإعادة ترتيب المكونات.
أما "تشومسكي" فقد لاحظ، وهو يحضر للدكتوراه في جامعة بنسلفانيا، أن المنهج البنيوي الذي يتمتع بشيء من الجدوى، في دراسة الفونيمات والمورفيمات، لا يتوافق مع دراسة الجمل؛ لأن كل لغة بها عدد محدود من الفونيمات والمورفيمات، غير أن عدد الجمل في أية لغة واقعية، هو عدد غير متناه؛ إذ ليس هناك حد لعدد الجمل الجديدة، التي يمكن إنشاؤها، ولا تستطيع المدرسة البنيوية تفسير ذلك.
стр. 180
كما يرى "تشومسكي" أن المنهج البنيوي، غير قادر على شرح العلاقات التي يمكن أن تقوم بين مختلف الجمل، فقد تشترك جملتان في الشكل، على حين تختلفان اختلافا جذريا في المعنى، وذلك على نحو ما في الجملتين التاليتين:
صراخ المجرم لم يؤثر في الناس
عقاب المجرم لم يؤثر في الناس
فالجملتان من حيث الشكل الخارجي، متشابهتان تماما، في علاقة المفردات بعضها ببعض، وكذلك في علاقة المسند إليه والمسند. ومع ذلك فالمعنيان يختلفان اختلافا جذريا.
كما وجد "تشومسكي" أيضا، أن هناك بعض الجمل التي تحتمل معنيين مختلفين، ولا يميز الشكل الخارجي بنيهما، فجملة: "كان عقاب علي صارما" مثلا، لا يتضح معناها تماما خارج السياق؛ إذ لا ندري إن كان "علي" هو الذي عاقب إنسانا آخر، أم أن إنسانا آخر هو الذي عاقب عليا.
كانت مثل هذه الجمل، التي يكتنفها اللبس من الوجهة التركيبية، هي التي أدت بتشومسكي إلى التأكيد بأن هذه الجمل معنى ظاهرا "سطحيا" Surface Stucture وهو الذي يقال فعلا، ومعنى مقصودا "عميقا" Deep Structure وهو الذي تكون العلاقات المعنوية فيه واضحة، وأن الذي ينظم العلاقة بين المعنى المقصود "العميق" والمعنى الظاهر "السطحي" هو تلك القوانين التي تطبق على الأولى، فتحولها إلى الثانية. وقد أطلق على هذه القوانين اسم "القوانين التحويلية" Transformational rules١.