المذهب الثالث:
مذهب المحاكاة. وخلاصته أن الإنسان سمى الأشياء، بأسماء مقتبسة من أصواتها، أو بعبارة أخرى أن تكون أصوات الكلمة، نتيجة تقليد مباشر لأصوات طبيعية صادرة عن الإنسان أو الحيوان أو الأشياء، وتسمى مثل هذه الكلمات عند علماء الغرب: Onomatopoeia.
وقد عرض لهذا الرأي من علماء المسلمين ابن جني، فقال: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونغيق الغراب، وصهيل الفرس ... ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد"١. وقد ارتضى ابن جني هذا الرأي فقال معقبا عليه: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل".
وأول من دافع عن هذا المذهب، من علماء الغرب بالتفصيل العالم الألماني "هردر" Harder في كتابه "بحوث في نشأة اللغة" Abhandlungen uber den Ursprung der Sprache الذي نشره سنة ١٧٧٢م.
ومما قد يؤيد هذه النظرية، ما نجده في بعض الأحيان، من اشتراك في بعض الأصوات، في الكلمات التي تحاكي الطبيعة في عدة لغات، فإن الكلمة التي تدل على الهمس، هي في العربية كما نعرف: "همس"، وفي
стр. 107
غير أن اشتراك اللغات في الكلمات المحاكية للطبيعة، على هذا النحو، أمر نادر. ولو كانت هذه النظرية صحيحة، للاحظنا اشتراكا بين اللغات في الكلمات التي تحاكي الطبيعة؛ مثل: الشق، والدق، والقطع، والصهيل، والعواء، والمواء، وما إلى ذلك.
ولقد سمعت الديك العربي في بلاد العرب، والديك الألماني في بلاد الألمان، يصيحان بطريقة واحدة دون أدنى فرق، غير أننا نحاكي صوت الديك فنقول: كوكوكو! ويقول الألمان "كيكيركي" kikeriki!
ويرى بعض العلماء بناء على هذه النظرية، أن مناسبة اللفظ للمعنى مناسبة حتمية، بمعنى أن اللفظ يدل على معناه دلالة وجوب، لا انفكاك فيها. وممن نادي بهذا الرأي: "عباد بن سليمان الصيمري" من المعتزلة؛ فقد ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلولة مناسبة طبيعية، حاملة للواضع على أن يضع هذه اللفظة أو تلك، بإزاء هذا المعنى أو ذاك، ويروون عن بعض من تابعه على رأيه هذا، أنه كان يقول: إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، فسئل عن معنى كلمة: "إذغاغ" وهي بالفارسية: الحجر -كما يقولون- فقال: أجد فيه يبسا شديدا، وأراه الحجر! ١
стр. 108
وإننا نشك كثيرا في صحة هذه الرواية، وصدق نظرية الصيمري، فإنه لو صح ما قاله، لاهتدى كل إنسان إلى كل لغة على وجه الأرض.
ويمتاز مذهب المحاكاة، بأنه يشرح لنا مبلغ تأثر الإنسان، في النطق بالألفاظ، بالبيئة التي تحيط به، غير أن أهم ما يؤخذ عليه، أنه يحصر أساس نشأة اللغة، في الملاحظة المبنية على الإحساس بما يحدث في البيئة، ويتجاهل الحاجة الطبيعية الماسة غلى التخاطب والتفاهم، والتعبير عما في النفس، تلك الحاجة التي هي من أهم الدوافع إلى نشأة اللغة الإنسانية، فإن الرغبة الذاتية في التعبير، والحاجة الماسة إلى التفاهم، كلاهما من أهم الدوافع، التي يجب أن يعتد بها في نشأة اللغة واضطرار الإنسان الأول للنطق بالألفاظ.
هذا إلى أن هذا المذهب، لا يبين لنا كيف نشأت الكلمات الكثيرة، التي نجدها في اللغات المختلفة، ولا نرى فيها محاكاة لأصوات المسميات، ويتضح ذلك بوجه خاص في أسماء المعاني، كالعدل، والمروءة، والكرم، والشجاعة، وغير ذلك.
وقد دعا هذا النقص، العلامة "هردر" المدافع الأول عن هذه النظرية، إلى العدول عنها في أخريات حياته، كما سخر منها "مكس موللر" Max Muller اللغوي الألماني المشهور. ومع ذلك فإن لأصحاب هذه النظرية، الفضل في أنها فتحت للباحثين، باب البحث الفلسفي في نشأة اللغة، كما أنها لا تبعد كثيرا في إرجاعها نشأة اللغة، في بعض الأحيان، إلى ملاحظة خاصة.
стр. 109
المذهب الرابع:
نظرية التنفيس عن النفس، وتتلخص في أن مرحلة الألفاظ، قد سبقتها مرحلة الأصوات الساذجة التلقائية الانبعاثية، التي صدرت عن الإنسان، للتعبير عن ألمه أو سروره أو رضاه أو نفوره، وما إلى ذلك من الأحاسيس المختلفة، فهذه الأصوات الساذجة، قد تطورت على مر الزمن، حتى صارت ألفاظا.
ويشرح "فندريس" تصور أصحاب هذه النظرية، لكيفية نشأة اللغة، فيقول: "عند هذا السلف البعيد، الذي لم يكن مخه صالحا للتفكير، بدأت اللغة بصفة انفعالية محضة. ولعلها كانت في الأصل مجرد غناء، ينظم بوزنه حركة المشي، أو العمل اليدوي، أو صيحة كصيحة الحيوان، تعبر عن الألم، أو الفرح وتكشف عن خوف أو رغبة في الغذاء. بعد ذلك لعل الصيحة اعتبرت، بعد أن زودت بقيمة رمزية، كأنها إشارة قابلة لأن يكررها آخرون. ولعل الإنسان وقد وجد في متناول يده هذا المسلك المريح، قد استعمله للاتصال ببني جنسه، أو لإثارتهم إلى عمل ما أو لمنعهم منه ... هذا الفرض تبدو عليه مخايل الصدق، وإن لم يكن مما يمكن البرهان عليه"١.
وتمتاز هذه النظرية عن سابقتها بأنها تعزو نشأة اللغة الإنسانية إلى أمر ذاتي، أي أنها تعتد بالشعور الوجداني الإنساني، وبالحاجة إلى التعبير عما يجيش بصدر الإنسان، من انفعالات وأحاسيس. أما النظرية السابقة، فترجع نشأة اللغة الإنسانية إلى ملاحظة خارجية موضوعية، أي ملاحظة مظاهر الطبيعة ومحاكاتها في ابتكار الأسماء الدالة عليها، ولذلك كانت هذه النظرية، خطوة أخرى في اتجاه آخر، نحو البحث عن حل للمشكلة، فإنها تشرح لنا منشأ بعض الكلمات، التي تعجز النظرية السابقة، عن شرح منشئها.
ومع كل هذا فإنها نظرية ناقصة وغامضة. أما نقصها، فلأنها لا تبين منشأ الكلمات الكثيرة، التي لا يمكن ردها إلى أصوات انفعالية. وأما غموضها، فلأنها لا تشرح لنا السر في أن تلك الأصوات الساذجة الانفعالية، تحولت إلى ألفاظ أو أصوات مقطعية، فلهذين الأمرين انصرف عنها اللغويون، وسخر منها "مكس موللر" كذلك.
стр. 110
المذهب الخامس:
نظرية الاستعداد الفطري. وهي النظرية التي أذاعها اللغوي الألماني: "مكس موللر"، ودعاها نظرية: "دنج دونج" Ding Dong. وخلاصتها أن الإنسان مزود بفطرته، بالقدرة على صوغ الألفاظ الكاملة، كما أنه مطبوع على الرغبة في التعبير عن أغراضه، بأية وسيلة من الوسائل، غير أن هذ القدرة على النطق بالألفاظ، لا تظهر آثارها إلا عند الحاجة، أو في الوقت المناسب.
وحينما سمى "مكس موللر" نظريته هذه، بنظرية "دنج دونج" إنما كان يريد أن يشبه هذه القوة الفطرية، بلولب الساعة الملتف في باطنها، ويشبه حوادث الزمن ببندول الساعة، الذي يتحرك، فيخرج بتحركه القوة الكامنة في الساعة، التي ينطوي عليها اللولب، فالزمن ومقتضيات الأحوال، هي التي تخرج هذه المقدرة من حيز القوة إلى حيز الفعل. وكأن النفس البشرية مخزن ممتلئ بالألفاظ، ينفتح شيئا فشيئا بمفتاح الزمن ومقتضيات الحياة الواقعية.
ولعل الذي دعا "مكس موللر" إلى وضع هذه النظرية، ملاحظة الأطفال، في حياتهم اليومية الحرة، التي تدل على أنهم تواقون إلى وضع أسماء للأشياء، التي يرونها ولا يعروفون لها أسماء، وأنهم يبتكرون أسماء لم يسمعوها من قبل، إرضاء لرغبتهم الفطرية في التكلم والتعبير عن أغراضهم، فاستنبط من ملاحظته هذه أن الإنسان مزود بتلك القوة، التي تنشأ عنها الألفاظ.
وهذه النظرية لا تحل المشكلة، فإن لنا أن نسأل صاحبها: كيف ومتى زود الإنسان بهذه الذخيرة اللغوية؟ وكيف انطوت نفسه على تلك الألفاظ الكاملة؟ وإذا كان قد زود بفطرته بهذه الألفاظ، فلم اختلفت اللغات وتعددت اللهجات؟ فإننا نكاد نجزم بأن آثار القوى الفطرية لا بد أن تكون متحدة إلى حد ما. ثم كيف تسنى للإنسان أن يخرج تلك الألفاظ من مكانها، ويطلقها على المسميات المختلفة؟
فهذه النظرية، تنقل الباحث من مشكلة إلى مشكلات أعمق منها، وأشد غموضا ولبسا. وربما كان من أبرز عيوبها أنها تفترض ظهور الكلمة أو الكلمات الأولى لدى الإنسان، كاملة غير خاضعة لسنة التطور.
стр. 111
المذهب السادس:
نظرية الملاحظة، صاحبها هو العالم الألماني: "جيجر" Geiger، فقد برهن هذا العالم على أن أقدم ما أمكنه الوصول إليه، من الأصوات اللغوية الأولى، يعبر عن أعمال أو إشارات إنسانية. ومن هذه الحقيقة، استنبط أن تلك الأعمال والإشارات، كانت لا محالة، هي التي لفتت نظر الإنسان الأول، وأثارت اهتمامه، وأنها كانت أول ما عرف الإنسان عن أخيه الإنسان الأول، وأثارت اهتمامه، وأنها كانت أول ما عرف الإنسان عن أخيه الإنسان، ولذا تمكنت من نفسه وحلت منها مكانا حصينا، فإن مشاهدة الإنسان لغيره، وهو متلبس بعمل من الأعمال الهامة، أو متأثر بحال انفعالية قاسية، أثارت أقصى اهتمامه، وجعلته يتأثر به تأثرا آليا، بطريق المحاكاة العكسية، فتظهر على وجهه علامات التأثر نفسها، البادية على وجه زميله. وقد حمله هذا الانتباه إلى العمل، وملاحظته أخاه وهو يعمل، على أن تصدر منه، إشارة تلقائية، أو صوت ساذج معبر عن هذه الملاحظة. وعلى مر الأيام، وبتكرار التجارب المتشابهة، تطورت الأصوات إلى كلمات، واستغني عن الإشارات كلها، أو بعضها على الأقل.
وقد أقبل "جيجر" على كثير من الكلمات المستعملة في اللغات الأوربية، وأرجعها إلى أصول "إغريقية، سنسكريتية"، تدل على عمل من أعمال الإنسان، مثال ذلك: الأصل الإغريقي، الذي معناه: "الكشط" أو "السلخ"، اشتقت منه كلمات معانيها: الجلد والخشب والشجر. وهنا نرى العلاقة واضحة بين هذه الفروع وأصلها، فإن الجلد هو ما يسلخ، والخشب شجر كشط لحاؤه، والشجر ما يكشط ليؤخذ منه الخشب.
وبالطريقة عينها انحدرت الكلمة الإنجليزية: Night بمعنى: "ليل" من أصل سنسكرتي هو: ang أو ungo بمعنى: "الصبغ باللون الأسود".
ومما قد يؤيد هذا المذهب، أن جميع أسماء الآلات تقريبا، مشتقة من كلمات تدل على أعمال إنسانية. وإنك لترى هذه الحقيقة ماثلة في لغتنا العربية، فلدينا مثلا: المنشار، والمفتاح، والمقراض، والمقص، والمخرز، وكلها مشتقات من أصول يدل كل واحد منها، على عمل من أعمال الإنسانية الهامة.
ومع أن وضع هذ النظرية، يعد خطوة أخرى في سبيل حل المشكلة، فإنها لم تستطع أن توضح لنا، بأسلوب مفهوم معقول، كيف وضعت تلك الأصول العامة الأولى، التي يقول صاحب النظرية، إنها تتعلق بأعمال الإنسان أو إشاراته، والتي يعدها الكلمات الأولى، التي اشتقت منها غيرها من الكلمات. على أنه من المتعذر، إرجاع جميع الكلمات التي تتكون منها اللغات كلها، إلى تلك الأصول العامة.
стр. 112
المذهب السابع:
نظرية التطور اللغوي. وقد تأثر واضعو هذه النظرية، بنظرية التطور العام، التي أذاعها "دارون Darwin وحاول أن يبرهن على أثرها في جميع النواحي بعامة، وفي حياة الفرد والنوع الإنساني بخاصة. وقد أدت دراسة النمو اللغوي عند الطفل، إلى ادعاء أصحاب هذه النظرية، بأن هذا النمو يشبه تطور لغة النوع الإنساني. وهم يزعمون أن لغة الإنسان الأول، سلكت مراحل فطرية متعددة، متمشية مع مراحل نموه العقلي.
وهذه المراحل هي:
١- مرحلة الأصوات الساذجة الانبعاثية، التي صدرت عن الإنسان في العصور الأولى، حين كانت أعضاء النطق لديه غير ناضجة، وميوله ورغباته غير محددة. وإننا نلاحظ نظير هذه المرحلة في الطفل، حين تصدر عنه في أول عهده بالنطق بعض أصوات مبهمة، لا يفهم منها في كثير من الأحيان، رغبة ولا غرض معين.
٢- مرحلة الأصوات المكيفة المنبئة عن الأغراض والرغبات، المصحوبة بالإشارات المتنوعة، التي تساعد الأصوات، مساعدة فطرية، في الإبانة عن الأغراض. وقد ساعد على هذا التطور في الأصوات وتكيفها، نمو أعضاء النطق من جهة، ونمو الإحساس والشعور الذاتي لدى الإنسان من جهة أخرى. والأصوات المكيفة هي المتنوعة، لاختلافها في الشدة والرخاوة، والجهر والهمس، وغير ذلك.
وتناظر هذه المرحلة في نمو الطفل اللغوي، تلك المرحلة التي يصل إليها في أواخر السنة الأولى من حياته، وذلك حين تصدر عنه أصوات مكيفة، مصحوبة بإشارات منبئة عن أغراضه. وفي هذه المرحلة من مراحل النمو اللغوي عند الإنسان لم يكن هناك فرق، بين أصوات الإنسان وأصوات
стр. 113
الحيوان، الدالة على شعوره بالخوف أو الحنين، أو النفور أو الرضا، أو القلق والاضطراب، وعلى شعوره بالحاجة إلى المعونة، فهو بهذه الأصوات يعبر عن شعوره، ويستغيث بغيره من بني جنسه.
٣- مرحلة المقاطع. وفيها انتقلت لغة الإنسان من أصوات غير محددة المعالم، إلى أصوات محددة، في صورة مقاطع قصيرة، مستنبطة من أصوات الأشياء أو الظواهر الطبيعية، أو على الأقل متأثرة بها إلى حد بعيد.
ويبدأ الطفل مرحلة تناظر هذه المرحلة، في الشهور الأولى من السنة الثانية، وذلك حين ينطق بمقاطع متكررة، يطلب بها ما يريد، أو يدل بها على أشياء معينة، متأثرا في ذلك بما يسمعه مما حوله من الحيوانات، أو ممن يرى في محيطه من الناس. ولا يزال يكرر هذه المقاطع، حتى تنطبع في نفسه، وتتكون منها لغته البدائية. وكثير من الأطفال يطلقون في هذه السن، كلمة: "هَوْ هَوْ" على الكلب، وكذلك "نَوْ نَوْ" على القط، ,"تِكْ تِكْ" على الساعة، وغير ذلك.
٤- مرحلة الكلمات المكونة من المقاطع. وفي هذه المرحلة تتكون من المقاطع التي سبق الحديث عنها، الكلمات أو الأصول العامة، التي استعملها الإنسان الأول لقضاء حاجاته، والتعبير عن أغراضه ورغباته. ومن هذه الأصول الأولى اشتق الإنسان كثيرا من الفروع، وبالتأليف بين هذه الفروع وتلك الأصول، اكتمل تكوين اللغة الفطرية.
وقد وصل الإنسان إلى هذه المرحلة، حين اكتمل عقله، ونضجت أعضاؤه الصوتية، واتسع نطاق حياته الاجتماعية، وكثرت رغباته، واشتدت حاجته إلى التفاهم مع غيره.
стр. 114
ويوازي هذه المرحلة عند الطفل، تلك المرحلة التي يستطيع فيها التكلم، كما يتكلم غيره ممن يحيطون به. ويتألف معجمه اللغوي من الكلمات الشائعة في بيئته، واللازمة للتعبير عن أغراضه.
٥- مرحلة الوضع والاصطلاح. وهذه آخر مرحلة من مراحل النمو اللغوي. وهي وإن لم تكن مرحلة فطرية، فإنها تقوم على أساس فطري، ذلك هو حاجة الإنسان الملحة، إلى الاحتكاك ببيئته، والقبض على ناصيتها، ومسايرة اللغة التي يستخدمها لتفكيره وعقله، ومشاهداته التي يتسع نطاقها على مر الأيام، وكثرة التجارب، وتشعب دروب الحياة.
وفي هذه المرحلة، وضعت المصطلحات العلمية، وابتكرت الأسماء الدالة على المسميات المستحدثة. ولا تزال اللغة تنمو باطراد، ولا يزال عدد مفرداتها يزداد، كلما أوغل الإنسان في التحضر، وازداد نموه الفكري ازديادا، لا يظهر أنه سيقف عند حد.
ويوازي هذه المرحلة، مرحلة النمو اللغوي، عند الطفل، عندما يذهب إلى المدرسة، ويدرس العلوم والفنون، ويتعلم بعض المصطلحات العلمية والفنية المختلفة.
هذا هو مذهب التطور اللغوي، في نشأة اللغة الإنسانية. ويمتاز بعدة أمور:
الأول: أنه يخضع نشأة اللغة وتطورها، إلى سنة التطور العام، شأنها في ذلك شأن كل كائن حي، ينشأ صغيرا ساذجا، ثم ينمو شيئا فشيئا، بحكم طبيعته، والبيئة التي ينشأ فيها. وما اللغة إلا ظاهرة اجتماعية، تخضع لما تخضع له الظواهر الاجتماعية من عوامل التطور.
стр. 115
الثاني: أنه يشرح لنا السر في نمو اللغة، من حيث متنها وأساليبها. ويعزو ذلك إلى سلوك الإنسان مسلك التقدم والرقي، في جميع مقومات حياته الخاصة، وظروفه الاجتماعية، وإلى حاجته الماسة إلى تنمية لغته، لتساير حياته، ولتسعفه حين يريد التعبير عن أفكاره أو رغباته المتزايدة على الدوام.
الثالث: أنه لا يمنع أن يكون هناك أكثر من عامل واحد في نشأة اللغة وتطورها، فمن الجائز، بل يكاد يكون من المحقق -في نظر أصحاب هذا المذهب- أن يكون الإنسان، قد تأثر في إصدار الأصوات الساذجة أو المكيفة، بما سمع من أصوات الحيوان، أو الظواهر الطبيعية، وأن بعض تلك الأصوات، كان تعبيرا تلقائيا عن الآمه ورغباته وانفعالاته وعواطفه. هذا إلى أن هذا المذهب، لا ينكر أثر الاشتقاق والوضع، في تنمية متن اللغة، وتوسيع نطاقها.
تلك هي أشهر المذاهب، التي ابتكرت لتفسير نشأة اللغة الإنسانية. وهناك بعض المذاهب الأخرى، التي ضربنا صفحا عن ذكرها، لتفاهتها، أو لتضمنها فيما تقدم من المذاهب.
ولكن.. هل وصلت هذه النظريات المختلفة، إلى حل واضح لهذا الموضوع الشائك، موضوع نشأة اللغة الإنسانية؟ بالطبع لا ... ! وإن هذا المذهب الأخير، على الرغم مما يبدو فيه من ثوب علمي، فإن فيه كذلك عيبا خطيرا، وهو أنه يتخذ الطفل أساسا، لتطبيق مراحل نمو اللغة عند الإنسان الأول، مع أن هناك فارقا مهما بين لغة الطفل، ولغة هذا الإنسان الأول، ذلك لأن الطفل يكتسب هذه اللغة من أبويه، والمحيطين به، وهم لا يملون من ترديد المقاطع التي يتفوه بها الطفل، ويصلحون له أخطاءه، حتى يصل إلى مرحلة النضج اللغوي، ولم يكن هذا أمر متيسرا
стр. 116
للإنسان الأول، الذي كان يسير على غير هدى في لغته، لا يجد أمامه من يردد مقاطعه وجمله، ليحاكيها ويصل بها إلى مراحل النضج والإحكام.
وفي ذلك يقول "ماريو باي": كان من الطبيعي أن يلجأ الباحثون إلى دراسة تطور مهارة الكلام عند الطفل منذ مولده، إبان محاولتهم إلقاء الضوء على نشأة اللغة وتطورها. وعندما أجريت هذه التجارب على أطفال أسوياء، في ظروف طبيعية، انتهت -فيما يتعلق بنشأة اللغة وتطورها- إلى نتائج غير مقنعة، فكل ما دلت عليه هذه التجارب، هو أن الطفل يحاكي حديث الكبار في المجتمع الذي يعيش فيه.
"ويحدثنا التاريخ عن ثلاثة رجال على الأقل، حاولوا أن يعزلوا الأطفال منذ مولدهم، حتى يثبتوا ما إذا كان الطفل يستطيع أن يتحدث بلغة، ليست في أصلها مبنية على محاكاة للكبار، فيروي "هيرودوت" أن الفرعون المصري "بسماتيك" قد أجرى هذه التجربة على طفلين، وأن أول كلمة نطقا بها، هي كلمة: "بيكوس" Bekos ومعناها: "خبز" باللغة الفريجية١. عندئذ ثبت للفرعون المصري، أن هذه اللغة، هي أصل اللغات في العالم.
"وقام "فريدرك الثاني" في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، بتجربة مماثلة، ويقال إن الطفلين ماتا قبل أن يصل الباحثون إلى نتائج حاسمة. ويدعي "جيمس الرابع" ملك إسكتلندا "حوالي سنة ١٥٠٠م" أن الأطفال الذين أجرى عليهم تجربته، قد استطاعوا أن يتحدثوا باللغة العبرية بطريقة مفهومة. ولما كانت الضوابط العلمية تنقص هذه التجارب
стр. 117
الثلاث، فلا يمكننا أن نصل إلى نتائج مقنعة على أساسها، خاصة فيما يتعلق بنشأة اللغات"١.
وهكذا نرى أن موضوع نشأة اللغة، لا يزال الخوض فيه، من الأمور الفلسفية الميتافيزيقية، التي تخرج الباحث فيها، عن نطاق الحقائق العلمية، إلى البحث فيما وراء الطبيعة، وفي أمور لا نملك منها اليوم أية وثائق أو مستندات، والله أعلم.
стр. 118
الفصل الثالث: علم اللغة والمجتمع الإنساني
ليست اللغة بمعزل عن العلوم الأخرى، فلها "ارتباط وثيق بعلوم الطبيعة، فإن أصوات لغة الكلام، تنتج وتستقبل عن طريق أجهزة الجسم الإنساني. وتركيب هذه الأجهزة ووظائفها جزء من علم وظائف الأعضاء. وكذلك فإن انتقال الصوت على شكل موجات صوتية عبر الهواء، يدخل في اختصاص علم الطبيعة، وبخاصة ذلك الفرع، المعروف بعلم الصوت. ولكن اللغة، من ناحية أخرى، لها علاقة وثيقة بعلم الإنسان، وعلم الاجتماع، باعتبارها نتاج علاقة اجتماعية، ووسيلة نقل الثقافة، التي تعد من وجهة نظر علم الإنسان، مجموعة تقاليد الشعب، وأوجه استعمالاته للغته. وبالنظر إلى وظيفة اللغة، كتعبير عن الفكر، يمكن اعتبار اللغة جزءا من علم النفس"١.
ونتناول في هذا الفصل، علاقة اللغة بالمجتمع الإنساني، وقد ذكرنا من قبل، أن اللغة نشاط اجتماعي، من حيث إنها استجابة ضرورية، لحاجة الاتصال بين الناس جميعا، ولهذا السبب يتصل علم اللغة اتصالا شديدا، بالعلوم الاجتماعية، وأصبحت بعض بحوثه تدرس في علم الاجتماع، فنشأ لذلك فرع منه يسمى: "علم الاجتماع اللغوي"، يحاول الكشف عن العلاقة بين اللغة والحياة الاجتماعية، وبين أثر تلك الحياة الاجتماعية في الظواهر اللغوية المختلفة.
стр. 119
وقد تنبه اللغويون إلى مثل هذه البحوث، بعد أن رأوا الدراسات، التي تقوم بها المدرسة الاجتماعية الفرنسية، التي أنشأها "دوركايم" Durkheim في أوائل القرن العشرين، وانضم إليها كثير من علماء اللغة في فرنسا وألمانيا وإنجلترا وسويسرا والدانيمارك، وكثير من أساتذة الجامعات في أوربا وأمريكا.
ومن العلماء من لم ينضم انضماما إيجابيا إلى هذه المدرسة غير أنهم تأثروا بعقلية "دوركايم" الجبارة، وبذلك أصبحت بحوث المدرسة الاجتماعية الفرنسية، أساسا للبحوث اللغوية في كثير من الأحيان؛ إذ طبقت نظريات علم الاجتماع العام على اللغة، وحاول الباحثون أن يبينوا لنا أثر المجتمع ونظمه وحضاراته المختلفة، على الظواهر اللغوية، باعتبار أن الإنسان كائن اجتماعي أولا وقبل كل شيء، ولذلك كانت اللغة كائنا حيا كالإنسان سواء بسواء؛ لأنها ألصق الظواهر الاجتماعية به.
ويقول فندريس: "في أحضان المجتمع تكونت اللغة، ووجدت يوم أحس الناس بالحاجة إلى التفاهم بينهم، وتنشأ من احتكاك بعض الأشخاص، الذين يملكون أعضاء الحواس، ويستعملون في علاقاتهم الوسائل التي وضعتها الطبيعة تحت تصرفاتهم، الإشارة إذا أعوزتهم الكلمة، والنظرة إذا لم تكف الإشارة"١.
وهكذا يرى "فندريس" أن اللغة تنتج من اللاحتكاك الاجتماعي، ثم تصبح عاملا من أقوى العوامل، التي تربط أفراد المجتمع الإنساني، ويرى علماء الاجتماع أن الظواهر الاجتماعية لها قوة قاهرة آمرة، تفرض بها على أفراد
стр. 120
المجتمع، ألوانا من السلوك والتفكير والعواطف، وتحتم عليهم أن يصبوا سلوكهم وتفكيرهم وعواطفهم، في قوالب محددة مرسومة -على حد تعبيرهم.
ويدل على وجود القهر في الظواهر الاجتماعية -عند علماء الاجتماع- أن الفرد إذا حاول الخروج على إحدى هذه الظواهر الاجتماعية، فإنه سرعان ما يشعر برد فعل مضاد من المجتمع الذي يعيش فيه؛ ذلك لأن المجتمع يشرف على سلوك أفراده. ويستطيع توقيع العقاب، على كل من تسول له نفسه الخروج عليه. وأهون صور هذا العقاب، هو التهكم الشديد، أو السخرية المرة.
والأمثلة على وجود هذا القهر، أن المجتمع لا يسمح لنا مثلا أن نتحدث باللغة العربية لمن يفهمها، ولا أن نحدث العامة مثلا باللغة الفصحى، التي لا تسمو إليها مداركهم، فإن كل من يحاول الخروج على السلوك اللغوي لجماعته، يعد خارجا على الظواهر الاجتماعية نفسها.
وقصة أبي علقمة الثقفي، الذي اشتهر باستعمال الغريب والوحشي من الألفاظ، في حواره مع طبيب جاءه يشكو إليه من مرض ألم به، خير مثال لهذه القضية، من تراثنا العربي، فقد "دخل أبو علقمة على أعين الطبيب، فقال له: أمتع الله بك! إني أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسئت طسأة، فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأية العنق، فلم يزل يربو وينمي حتى خالط الخلب والشراسيف، فهل عندك دواء؟ فقال أعين: نعم، خذ خربقا وشلفقا وشبرقا، فزهرقه وزقزقه، واغسله بماء روث واشربه. فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك! فقال أعين: أفهمتك كما أفهمتني"١.
стр. 121
ويروى أن الشيخ "حمزة فتح الله" ﵀، وكان مفتشا بالمدارس المصرية، قدم ذات يوم من رحلة تفتيشية له بمدارس الريف، وعندما وصل به القطار إلى محطة القاهرة نظر حوله، لعله يجد رجلا يحمله على حماره إلى بيته -أيام كانت الحمير هي الوسيلة الوحيدة للنقل- فبصر برجل يجر خلفه حمارا فناداه: "أيها المكاري! "، فقال الرجل: "نعم" فقال الشيخ حمزة: "إيتني بأتان جمزى! "، فظن الرجل أنه يتكلم لغة أجنبية، فقرب منه، وجعل يستطلع جلية ما يريد، حتى أخذ منه الجهد، ولم يحظ منه بطائل. وهنا حلت العقوبة بالشيخ حمزة؛ إذ تركه صاحب الحمار، وذهب لحال سبيله، وهرول الشيخ إلى بيته، وهو يقول:
مشيناها خطى كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطى مشاها١
وهذا القهر الذي يفرضه المجتمع على أفراده، يختلف بالطبع شدة وضعفا، إلا أنه موجود دائما، حتى ولو لم نشعر به حين نستسلم له. ويرى علماء الاجتماع، أن ضروب السلوك والتفكير، لا توجد خارج شعور الفرد فحسب، بل تمتاز كذلك بقوة قاهرة آمرة، هي السبب في أنها تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد، شاء أم أبى. حقا إن الإنسان ربما لا يشعر بهذا القهر، أو لا يكاد يشعر به، حين يستسلم له بمحض اختياره؛ لأن الشعور بالقهر في مثل هذه الحالة ليس مجديا، ولكن ذلك لا يحول دون أن يكون القهر من خصائص الظواهر الاجتماعية.
ويهمنا هنا بالطبع اللغة، من بين الظواهر الاجتماعية، وهي أداة للتعبير عما يدور في المجتمع، فهي تسجل لنا في دقة ووضوح الصور المختلفة المتعددة الوجوه، لهذا المجتمع، من حضارة ونظم وعقائد، واتجاهات فكرية وثقافية، وعلمية وفنية واقتصادية وغير ذلك.
стр. 122
واللغة بدورها تتأثر بكل هذه الظواهر الاجتماعية، تأثرا كبيرا، فهي بدوية في المجتمع البدوي غير المتحضر، ولذلك نجدها فيه محدودة الألفاظ والتراكيب والخيال، ليست مرنة ولا تتسع لكثير من فنون القول. أما إذا كانت اللغة في مجتمع قد أخذ قسطا من الحضارة، فإننا نجدها متحضرة الألفاظ، مطردة القواعد، يسيرة في نطقها، خفيفة الوقع على السمع.
واللغة في المجتمع البدائي كثيرة المفردات، فيما يتعلق بالأشياء المحسوسة، والأمور الجزئية، قليلة الألفاظ التي تدل على المعاني الكلية، فالرجل البدائي "قد توجد لديه كلمات خاصة للدلالة على المعاني الجزئية، كغسل نفسه، وغسل رأسه، وغسل شخص آخر، وغسل رأس شخص آخر، غسل وجهه، وغسل وجه شخص آخر ... إلخ، في حين أنه لا توجد لديه كلمة واحدة، للدلالة على العملية العامة البسيطة، وهي: مجرد الغسل"١.
وكثيرا ما تخلو مدلولات الكلمات، في هذا المجتمع البدائي، من الدقة، ويكثر فيها اللبس والإبهام، وهي غالبا لا تعبر إلا عن ضرورات الحياة اليومية، ولذلك كانت جملها قصيرة، وروابطها قليلة. ولا يزال بعض هذه اللغات البدائية. يعتمد حتى الآن اعتمادا كبيرا، على الإشارات اليدوية والجسمية، لإعطاء المعنى المقصود، من الألفاظ التي ينطقونها، إلى درجة أن الأهالي يوقدون النيران ليلا، لكي يتمكنوا من فهم ما يقال؛ لأن الإشارات التي تصحب الكلام، تكمل الناقص من المفردات، وتحدد مدلول الكلمات.
стр. 123
ولا تزال في اللغات الراقية، بقايا هذه البدائية، في بعض الإشارات الجسمية الموضحة للمراد من الكلام، في بعض الأحيان. وهذا هو السر في غموض بعض كلمات الحديث التليفوني، أو أحاديث الظلام. وقد روى لنا ذلك "ابن جني" فقال: "وقال لي بعض مشايخنا ﵀: أنا لا أحسن أن أكلم إنسانا في الظلمة"١. كما يقول ابن جني أيضا: "وكذلك إن ذممت إنسانا، ووصفته بالضيق، قلت: سألناه وكان إنسانا! وتزوي وجهك وتقطبه، فيغني ذلك عن قولك: إنسانا لئيما أو لحزًا أو مبخلا أو نحو ذلك"٢.
وتعكس اللغة أثر التفاوت بين طبقات المجتمع. وفي ذلك يقول "ماريو باي": "من المسلم به أن اللغة تتغير، تبعا للطبقة التي تتحدث بها. وقد صرح بعض هواة اللغويات في بريطانيا، بأن هناك نوعين من اللغة، أحدهما وقف على الطبقة الراقية، ولا يمتد استعماله إلى الطبقة الدنيا، والآخر لا يستخدمه إلا أفراد الطبقة الدنيا. وهناك لغات تصل الفوارق الطبقية فيها إلى أبعد من ذلك، فهناك مثلا ثلاثة أنواع للغة "جاوا"، أحدها يتحدث به أهل الطبقة الدنيا ويسمى: نجوكو Ngoko والآخر تستخدمه الطبقة الراقية، ويسمى كراما Krama وثالث لتسهيل عملية التفاهم بين الطبقتين، ويسمى: ماديا Madya. ويتحدث أفراد الطبقة الراقية في بعض التمثيليات الهندية القديمة: اللغة السنسكريتية، على حين يتحدث أفراد الطبقة الدنيا: اللغة البراكريتية"٣.
стр. 124
ولا شك أن التغير الاجتماعي، في بيئة من البيئات، يتبعه تغير في شيء من اللغة المستعملة في تلك البيئة. ويكفي أن نذكر بأن قيام ثورة ٢٣ يولية في مصر، أدى إلى تغير في النظام الاجتماعي، تبعه اختفاء كلمات مثل: بك، وباشا، وصاحب العزة، وصاحب السعادة، وصاحب الدولة، وصاحب المعالي، وصاحب الرفعة، وصاحبة العصمة، والبرنس، وسمو الأمير، وصاحب الجلالة، والذات الملكية. كما شاعت ألفاظ مثل: ثورة التحرير، والعزة والكرامة، والتأميم، والاشتراكية، والتحول الاشتراكي، والمكاسب الاشتراكية، والتقدمية، والرجعية، والتطلع الطبقي، والصراع الحتمي، وتذويب الفوارق الطبقية، ونضال الجماهير، والنقاء الثوري، والقيادة الجماعية، والجماهير الكادحة، والعناصر الانتهازية، والمصير المشترك، والسلام القائم على العدل، وفك الاشتباك. وغير ذلك كثير.
وكثيرا ما يؤدي التفاوت بين طبقات المجتمع، إلى نشوء لغات سرية عامية، هي بنوع خاص لغة الأشقياء والخارجين على القانون، ممن يعيشون في خوف دائم من سطوته؛ لأنهم يحيون حياة على هامش المجتمع.
ويقول قندريس: "كان عندنا، حتى بداية القرن التاسع عشر، هيئة منظمة حقا للأشقياء، وكانت لها لغتها الخاصة المتفق عليها، والتي كان يعمل كل عضو من أعضاء الهيئة، على المحافظة عليها"١.
ونحن نعرف عن هذه اللغة الخاصة في كل البلاد، غناها بالتعبيرات التي تشبع الغرائز المادية، والصفات المذمومة التي تنطوي على الجريمة، كالسرقة والزنا والسكر، وما إليها من أنواع الانحلال الخلقي، ففي لغة هذه
стр. 125
الطبقات من أهل فرنسا مثلا، نجد ثماني عشرة كلمة تعبر عن الأكل، وعشرين عن معاقرة الخمر، وعشرين أخرى للتعبير عن الخمر نفسها، وأربعين لفظا تعبر عن السكر. ولخشيتهم دائما من سطوة القانون، جعلوا للشرطي اثنتي عشرة كلمة، وللفرار منه خمسة عشر لفظا، كما سموا السجن معهدا ومدرسة، والبؤس فلسفة وسموا الحذاء البالي فيلسوفا. أما المال الذي يستحوذ على أفكارهم وقلوبهم، فقد وضعوا له ستين كلمة. والبغايا اللاتي يعشن معهم دائما، وضعوا لهن ثمانين كلمة، تعد كلها وابلا من السباب بأحط الألفاظ. أما السيدة الفاضلة، فليس لها كلمة واحدة في لغتهم. والرجل المستقيم، يعبرون عنه بالبساطة، ومعناها في عرفهم الغفلة والغباء.
وكثيرا ما توجد في هذه اللغات العامية الخاصة نشاط وحيوية؛ إذ نجدها مليئة بالاصطلاحات المجازية والاستعارية المتجددة "فالاستعمال الاستعاري من الوسائل المحببة إلى العامية الخاصة"١. ويقول في ذلك ماريو باي: "الصوتيات وأصول الكلمات ملك مشاع لكل الطبقات الاجتماعية، على حين تظهر الاختلافات الطبقية، في اختيار المفردات اللغوية، وطريقة استعمالها"٢.
ولا يطلق اصطلاح "اللغات الخاصة" على هذه اللغات السرية فحسب، وليست كل ألفاظها فحشا، وليست كل تراكيبها تعبيرا عن الرذيلة والجريمة؛ إذ إنه "يوجد من العاميات الخاصة بقدر ما يوجد من جماعات متخصصة. والعاميات الخاصة تتميز بتنوعها الذي لا يحد، وأنها
стр. 126
في تغير دائم تبعا للظروف والأمكنة، فكل جماعة خاصة، وكل هيئة من أرباب المهن، لها عاميتها الخاصة، فهناك عامية التلاميذ الخاصة، وهي غير واحدة في كل المدارس، بل تختلف أحيانا باختلاف الفصول في المدرسة الواحدة. وهناك عامية الثكنات الخاصة، التي تختلف باختلاف الأسلحة، بل تختلف باختلاف الثكنات أيضا. وهناك عامية الخياطات الخاصة، وعامية الغسالات، وعامية عمال المناجم، وعامية البحارين"١.
"فكل مجموعة إنسانية، مهما صغرت، لها لغتها الخاصة بها. فهناك في دائرة الأسرة والمكتب والمصنع ومطاعم الجنود، تتوالد الكلمات والعبارات والمعاني الهامشية والألغاز، وطرق التعبير الأخرى، التي تختص بهذه البيئات، والتي يصعب إدراكها على من لم ينتم إليها. وهذا هو الحال كذلك في المجموعات الكبرى، التي يربطها رباط المصالح المشتركة، كالمهنة، والحرفة، والتجارة، والانتماء إلى مختلف فروع العلم والفن والصحافة، والقوات المسلحة، والهيئات الأكاديمية والرياضية وغيرها.
فلكل من هذه المجموعات ثروتها اللفظية الخاصة بها، وهي ثروة تعكس خصائص الموضوعات والمناقشات، التي يتناولها الأعضاء فيما بينهم، وتسهل اتصالهم بعضهم ببعض، ولكنها في الوقت نفسه، تزيد في الهوة التي تفصلهم عن غيرهم، ممن لا ينتمون إليهم. هذا الاتجاه نفسه موجود في اللهجات الطبقية الخاصة، كلهجات السوقة واللصوص. ويقوي هذا الاتجاه في هذه اللهجات النزعة إلى خلق مصطلحات صادقة التعبير، وحاوية لعناصر الفكاهة والدعابة، وكاشفة عن الروح البيئية الخاصة"٢.
стр. 127
وقد تتسرب بعض ألفاظ هذه العاميات، إلى اللغة الأدبية، حينما يستخدم أحد الكتاب أو الشعراء لفظه من ألفاظ العاميات الخاصة في كلامه، فيقابل بالإعراض واللوم من الغيورين على اللغة الأدبية. وقد حدث مثل ذلك في فرنسا نفسها، فلم يكن الاعتراف بهذ التراكيب العامية أمرا ميسورا؛ إذ نشبت معركة شديدة بين القدماء والمحدثين، بين من يرون أن اللغة الفرنسية الحقة، هي لغة كبار الكتاب والشعراء، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هي لغة: موليير، وراسين، ولامرتين، وفولتير وغيرهم، وأن من الخطر الشديد أن ندنس هذه اللغة الأدبية الفصيحة، بلغة عامية مبتذلة وبين أولئك الذين كانوا ينظرون إلى اللغة على أنها كائن حي يتطور على مر الزمن.
وقد اضطرت الأكاديمية الفرنسية أخيرا إلى الاعتراف بكثير من الألفاظ الفرنسية العامية، التي رد لها الأدباء والشعراء اعتبارها، فأدخلتها في معاجمها، وبذلك انتصر المحدثون، فأصبحنا نرى كثيرا من الألفاظ العامية، التي كانت مستعملة في القرن الثامن عشر، وقد صارت ضمن مواد معجم الأكاديمية الفرنسية الذي يعد في فرنسا، المعجم اللغوي الرسمي. وستصبح الكثرة الغالبة من الألفاظ والتراكيب المستعملة في القرن العشرين، بدورها ألفاظا وتراكيب رسمية يوما ما.
هذه التفاعلات الشديدة بين المجتمع واللغة، قد وجد يوم تكونت المجتمعات البشرية، ويوم خلقت اللغات الإنسانية. وستظل هذه الصلة وثيقة دائما، فتنقل لنا اللغات، ما يدور في هذه المجتمعات من نظم مختلفة، وما يتصف به الأفراد في هذه المجتمعات، من علم وثقافة، ونظم اجتماعية مختلفة.
стр. 128
ومن البديهي أن لكل مجتمع طرقه في التفكير، ونظرته الخاصة إلى الحياة، فهناك مجتمع يتصف بصراحة شديدة مثلا، يراها مجتمع آخر خشنة جافة، لا تتلاءم وقواعد السلوك العامة، وعندئذ نجد فراقا واضحا في لغة كل مجتمع، من هذين المجتمعين، فلغة المجتمع الأول تعبر بصراحة مباشرة، عن الأمور المشينة والعورات، والأعمال التي لا ينبغي أن تذكر في عبارات مكشوفة. أما لغة المجتمع الثاني، فتتلمس دائما حسن الحيلة وأدب التعبير، مستعملة المجاز في الألفاظ، والكناية بدلا من صريح القول، وكلما شاع معنى لفظ واستهجن، استبدلت به سريعا لفظا آخر، ولو كان مستعارا من لغة أجنبية.
والخلاصة أن علم اللغة أصبح يعد الآن، ضمن طائفة العلوم الاجتماعية، ويتصل اتصالا وثيقا بغيره من هذه العلوم، كالأديان، والتاريخ، والآداب، والسياسة، والاقتصاد وغيرها، وأن الظواهر اللغوية متأثرة تأثرا مباشرا بالظواهر الاجتماعية. وفي بعض الأحيان، لا تفهم الظواهر الأولى إلا بمساعدة الثانية، فنشأة اللغات، وتكونها، وانقسامها إلى أسر مختلفة، وانتشارها، وما يطرأ عليها في حياتها من قوة أو ضعف، وما تدخل فيه لغة من صراع مع غيرها، وانتصارها أو هزيمتها في هذا الصراع اللغوي، وما يستتبع هذا من تطورات في أصواتها، أو تغير في مدلولات ألفاظها، واستعارة الألفاظ وتبادلها بين اللغات، واخضاعها لقوانين الأصوات في اللغة المستعيرة، وغير ذلك كل هذه الظواهر التي ذكرناها وغيرها، لا يمكن أن تعرف على حقيقتها، إلا إذا ألقت عليها الظواهر الاجتماعية، ضوءا يكشف ما قد يخفى علينا من غزوات وحروب، وما يستتبع هذا من تغلب أمة على أخرى، ومن هجرات ترجع إلى طبيعة قاسية، أو أرض مجدبة، ومن انتشار
стр. 129
دين جديد ينتزع ما سبقه من ديانات، أو يعيش بجوارها متغلبا عليها، ومن حضارات تندثر وأخرى تنتشر، وما إلى ذلك من المظاهر المختلفة، للحياة البشرية الاجتماعية المعقدة.
стр. 130
الفصل الرابع: علم اللغة والنفس الإنسانية
أدت بحوث علماء الاجتماع في اللغة، ومبالغتهم في الربط بين اللغة والمجتمع، وإنكارهم أن يكون لغير الظواهر الاجتماعية أثر في اللغة كل هذا أدى إلى هجوم بعض العلماء عليهم، ولا سيما علماء النفس، الذين كتبوا عن العلاقة بين اللغة والفكر. ويقول في ذلك "فون در جابلنتس" G von der Gabelentz: "الإنسان لا يستخدم اللغة، للتعبير عن شيء فحسب، بل للتعبير عن نفسه أيضا"١.
ويذهب بعض العلماء إلى أن الألفاظ، ليست إلا رموزا تعبر عن المعاني الكامنة في النفس، وهي ضرورية للتقدم العقلي لأنها هي التي تثبت كل خطوة يخطوها الذهن البشري، وهم يشبهون ذلك بجيش يغزو بقعة من الأرض، وينتصر على أهلها، وينتشر في أرجائها، ولكنه لا يستطيع أن يملكها إلا حين ينشئ فوقها الحصون، التي يضع بها حاميته، وهم يرون أن الألفاظ حصون الفكر، وأنه لا وجود للفكر بدون اللغة، ولذلك يرى هؤلاء أن علماء النفس، لا علماء الاجتماع، هم الذين يستطيعون أن يبينوا لنا، كيف يظل المعنى حائرا في الذهن، حتى يستقر في الكلمة المناسبة، وحيئنذ يتحدد المراد منه، ويثبت ويتضح.
ويذهب هؤلاء العلماء، إلى أن اللغة ضرورية للفكر، حتى في رحلات التفكير الشخصية، ويقولون إن الإنسان يفكر بينه وبين نفسه في
стр. 131
أثواب من اللغة، ويذهبون إلى أن "أحد لا يستطيع أن ينكر الأهمية العظمى للكلمات، في أي نوع من التفكير، حتى ذلك التفكير الذي يطلق عليه اسم "الكلام الداخلي" inner speech. ومما لا شك فيه أننا مررنا جميعا بالتجربة العامة للأحلام، وعرفنا أن أحلامنا تتبخر من أذهاننا بسرعة، إذا لم نبادر بتسجيلها في كلمات. وكثيرا ما يظل الإنسان عاجزا عن تحديد خطة البحث، الذي ينوي القيام به، أو الطريقة التي يسلكها في مناقشته إلى أن يوضحهما ويبلورهما، بوضعهما في تعبير لفظي. وقد برهنت تجارب التحليل النفسي، على أن مخاوف اللاشعور، سوف تنتهي تلقائيا إلى مجرد تخيلات، ويزول أثرها، فلا تكون عقدا، أو تسبب كبتا، في اللحظة التي تصاغ فيها هذه المخاوف في عبارات واضحة. فإذا جاوزنا ذلك إلى مستوى أعلى، وجدنا أن التفكير المجرد لا يمكن إدراكه، إذا لم يتحول المضمون الذهني الغامض المتميع، إلى شيء مادي، بطريق الصياغة اللفظية"١.
ولكل هذا يرى هؤلاء أن علماء النفس هم الذين يفسرون لنا، كيف ينقل الإنسان فكره إلى غيره، متخذا وجهة نظر الآخرين، ملقيا من تفكيره المدركات الشخصية البحتة. مستبقيا المدركات العامة، التي يفهمها هو ويفهمها غيره.
ونحن لا ننكر هنا أن تكون للنفس البشرية، أثر في الظواهر اللغوية، كما سبق أن قررنا أن العلاقة وثيقة، بين هذه الظواهر اللغوية والظواهر الاجتماعية. وقد لاحظ علماء النفس بحق، أن مسائل كثيرة من علمهم تساعد مساعدة جدية، على فهم الظواهر اللغوية، فالتذكر والاسترجاع،
стр. 132
والتخيل، وتداعي المعاني، والإدراك، والانتباه، والحالات الوجدانية المختلفة، وغير ذلك من مسائل علم النفس، هي التي تفسر لنا كيف يتعلم الطفل اللغة كلاما ثم كتابة، وكيف يصوغ الإنسان عباراته ويكون جمله، ليعبر عن أفكاره، وكيف يفهم السامع ما يسمع، ويدرك القارئ ما يقرأ، من تلك الرموز الكتابية.
ولكي تدرك مقدار أثر الخبرات السابقة، في فهم الكلام لدى السامع، ضع أمامك ما تقول به الإحصاءات اللغوية، من أن "ما يحدث في الغالب خلال المكالمات التليفونية، هو وصول ٥٠% فقط من المحتوى الصوتي، ولكن يحدث تعويض عن طريق معرفة السامع بالمحتوى الدلالي، وعن طريق استنتاجه شبه الطبيعي، المؤسس على خبراته وعاداته السابقة.
ويلاحظ في مثل هذه الحالة، أنه إذا ورد ذكر كلمة غير مشهورة، كاسم أسرة مثلا، فإن الحديث يتوقف طلبا لنطق الاسم بوضوح أو تهجيه"١.
ولكل ذلك، لا ينبغي أن ندخل في اعتبارنا الصورة التي تصاغ عليها الأفكار فحسب، بل كذلك العلاقات التي توجد بين هذه الأفكار وحساسية المتكلم.
وعلى ذلك، فإن اللغة لا يصح أن تدرس على أنها أداة عقلية فحسب؛ لأن الإنسان كما يتكلم ليصوغ أفكاره، فإنه يتكلم ليؤثر في غيره من الناس، وليعبر عن أحساسه وشعوره وعواطفه، فهو يعبر باللغة عن
стр. 133
نفسه، كما يعبر عن آرائه. بل إنه يمكن القول بأن التعبير عن آية فكرة، لا يخلو مطلقا من لون عاطفي، إلا إذا استثنينا التفكير العلمي، أو اللغة العلمية، التي يجب أن تكون معبرة عن الفكرة المحضة، والحقيقة المجردة، الخالية من الانفعالات النفسية.
ويدلل "فندريس" على ملازمة الانفعال للتعبير عن الأفكار، بقوله: "فمن النادر جدا -عندما تتسابق في ذهننا، ونحن بصدد التعبير عن فكرة ما، عدة عبارات مختلفة- أن تكون إحدى هذه العبارات عقلية محضة، وأن تعبر عن استدلال منطقي بحت، أو أن تصور حقيقة أو حادثا ما، في بساطته العارية من كل لباس، فإنني أرى حادثا يقع أمامي، فأصيح راثيا لحال صاحبه: "آه! المسكين! " وأقابل صديقا لم أكن أتوقع لقاءه، فأقول له: "أنت! هنا! "، فهذه الجمل ذات قيمة انفعالية، واضحة كل الوضوح، فإذا صيغت في لغة المنطق الجدلية، صارت: "أرثى لهذا المسكين" أو: "يدهشني أن أراك هنا". تخيل أني استعملت في الواقع هاتين الصورتين من صور الجملة، أفتظن أنهما أيضا يخلوان من كل قيمة انفعالية؟ قيمة تختلف بلا ريب عما في جملتي التعجب، اللتين قيلتا في تلهف، وإن كانت لا تقل عنها قرعا للذهن. بل قد يحس الإنسان فيهما، إما رغبة في استخراج المغزى الأدبي من الحادثة، وإما تفريعا للدهشة الناجمة من مقابلة صديق، وإما كبتا لحركة من الحساسية شديدة العنف، تحاول أن تنطلق من عقالها، ولكن محاولة التخلص من إظهار العاطفة، في هذه الحال، ليست إلا إظهارا للعاطفة"١.
стр. 134
ويذهب "فندريس" بعد هذا، إلى أنه لا تكاد توجد جملة -مهما كانت شائعة الاستعمال أو مبتذلة- تخلو من العناصر الانفعالية، فإنني إذا قلت "حامد يضرب عليا" بدا عليَّ أني أعبر بكل بساطة، عن علاقة بين شخصين، يجمع بينهما حدث الضرب. وهذا على الأقل كل ما يزودني به التحليل المنطقي المزعوم. ولكن الواقع أن مثل هذه الجملة، لا يمكن مطلقا أن تكون عبارة منطقية عن علاقة ما؛ إذ إني أضيف إليها دائما ألوانا انفعالية، فضرب حامد لعلي، لا يمكن أن يكون عديم الأثر بالنسبة إلي؛ إذ لو لم يكن له مساس بنفسي لما قلته. إذن فالجملة التي أنطق بها، ذات قيمة تختلف عن القيمة التي تكون لها، لو كنت قد قرأتها في كتاب من كتب التاريخ، يدور فيه الكلام عن ملك ما اسمه "حامد" وملك آخر اسمه "علي" لا يعنيني من أمرهما شيء.
ذلك لأن القصص التاريخي موضوعي دائما. وهذا هو ما يجعل التلميذ الصغير، الذي يحفظ دروسه في التاريخ عن ظهر قلب، يقبل دون تقزز على تعدد الفظائع التي ارتكبها بنو البشر في تناحرهم بعضهم مع بعض، فهي لا تحركه لأنه يراها تقع في ماض سحيق، تباعده عنه سنون طوال، وإذن فهو يتسلى بها.
وعلى العكس من ذلك، لا نستطيع أن نقرأ دون أن نحس بقشعريرة تسري في أجسامنا، خبرا لجريمة عادية وقعت أمام منزلنا، فإني في المثال المتقدم أراني لدى نطقي بالجملة، أحس في نفسي بعواطف مختلفة من الحنق، أو العقاب، أو التهديد، أو الغضب، أو الرضا، أو التشجيع أو القبول، أو الدهشة، وذلك تبعا لما إذا كان حامد وعلي ابني، أو طفلين غريبين عني، وتبعا لسنهما وقوتهما، وتبعا لميولي واتجاهاتي، وتبعا لظروف أخرى كثيرة، يمكن تصورها بسهولة.
стр. 135
هذه العواطف يمكن بطبيعة الحال، التعبير عنه بواسطة التنغيم، أو تغيير الصوت، أو سرعة الحديث، أو الشدة التي يركزها المتكلم على هذه الكلمة أو تلك، أو بالإشارة التي تصحب الكلام.
فالجملة الواحدة، تحتمل عند النطق بها، مئات ومئات من وجوه الاختلاف، التي تقابل أشد ألوان العاطفة خفاء. والفنان الدرامي، الذي يقوم بدوره في المسرح، عليه أن يجد لكل جملة التعبير اللائق بها، والنغمة الحقة التي تناسبها، وذلك أوضح ما يلاحظ على مواهبه، فالجملة التي يقرؤها في صحيفة، تعد ميتة خالية من التعبير، ولكنه ينعشها بنطقه، وينفث فيها الحياة١. وإذن فمعرفة كلمات الجملة وتحليل عناصرها النحوية، ليس معناه استخراج كل مكنوناتها بل يبقى بعد ذلك تقدير قيمتها الانفعالية.
ويذهب "فندريس" إلى أن تقدير هذه القيمة الانفعالية "واجب يفرض نفسه على العالم النفسي، الذي يدرس طبيعة العواطف، وبدرجة مساوية على الفنان، الذي يسعى إلى إبرازها على المسرح، وعلى العالم اللغوي، ولكن بدرجة أقل، فهذه العواطف لا تعني هذا الأخير، إلا عندما يعبر عنها بوسائل لغوية"٢.
كما يرى "فندريس" أن "الفرق الأساسي بين اللغة الانفعالية واللغة المنطقية، ينحصر في تكوين الجملة. وهذا الفرق ينبثق جليا، عندما نقارن اللغة المكتوبة، باللغة المتكلمة، فاللغة المكتوبة واللغة المتكلمة، تبتعدان في
стр. 136
الفرنسية، إحداهما عن الأخرى إلى حد أنه لا يتكلم إطلاقا كما يكتب، ولا يكتب كما يتكلم إلا نادرا. وفي كل حالة هناك اختلاف في ترتيب الكلمات، إلى جانب الاختلاف في المفردات؛ وذلك لأن الترتيب المنطقي، الذي تسلك فيه الكلمات، في الجملة المكتوبة، ينفصم دائما في الجملة المتكلمة، إن قليلا وإن كثيرا، فمن اللغة المكتوبة مثل هذه الجملة: "يجب المجيء سريعا" و"أما أنا فلا وقت عندي للتفكير في هذه المسألة" و"هذه الأم تكره طفلها"، ولكنها في اللغة المتكملة تتخذ صيغة مختلفة كل الاختلاف، فيقال مثلا: "تعال بالعجل! " و"الوقت، إيه دا يا أخي! هو أنا عندي وقت، أنا علشان أفكر في المسألة دي! " و"ابنها! دي هي بتكرهه، الأم دي! ".
"ماذا يمكن أن يقال في جمل اللغة المكتوبة؟ تلك الجمل المنسقة، بما فيها من جمل تابعة، وحروف وصل، وأسماء موصولة، وكل ما تحتوي عليه من أدوات وأقسام! إننا لا نقول إطلاقا في اللغة المتكلمة: "بعد أن نخترق الغابة، ونصل إلى بيت الحارس الذي تعرفه، بجداره الذي تكسوه أغصان اللبلاب، سندور إلى اليسار، ونسير حتى نجد مكانا مناسبا، فنتغدى فيه فوق الأعشاب"، بل يقال: "حنخترق الغابة، وبعدين نمشي لحد البيت، إنت عارفه.. بيت الحارس.. إنت واخد بالك منو كويس.. البيت ده اللي جداره فارش عليه اللبلاب، وبعدين نحود ع الشمال ونشوف مكان لطيف.. ونتغدى هناك ع الحشيش"١.
فالعناصر التي تسعى اللغة المكتوبة، في أن تسلكها في كل متماسك
стр. 137
تبدو في اللغة المتكلمة، منفصلة منفصمة مقطعة الأوصال، بل إن الترتيب نفسه يختلف فيها عنه في الأولى كل الاختلاف؛ إذ ليس هنا ذلك الترتيب المنطقي، الذي تمليه قواعد النحو، بل ترتيب له منطقه أيضا، ولكنه منطق انفعالي قبل كل شيء، فيه ترص الأفكار، لا وفقا للقواعد الموضوعية، التي يفرضها التفكير المتصل، بل وفقا للأهمية الذاتية، التي يخلعها عليه المتكلم، أو التي يريد أن يوحي بها إلى سامعه.
ويقول فندريس: "فكرة الجملة بالمعنى النحوي، تتلاشى في لغة الكلام، فإني عندما أقول: الرجل الذي تراه هنالك جالسا على الرمال، هو ذلك الذي قابلته بالأمس عند المحطة. أراني أستخدم طرائق اللغة المكتوبة، فلا أصوغ غير جملة واحدة، ولكني لو تكلمت لقلت: شايف كويس الراجل ده.. عندك هناك.. قاعد قدامك ع الرمل.. أهو ده.. أنا شفته إمبارح.. كان ع المحطة. فكم يوجد من الجمل هنا! "١.
ومن أمثلة اللغة الانفعالية، في العربية الفصحى: قول العجاج الراجز:
حتى إذا جن الظلام واختلط
جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
إننا هنا لسنا في حاجة لتأويل النحاة، وادعائهم حذف الوصف، وأن الأصل: بمذق مقول فيه: هل رأيت الذئب قط، وأن الجملة الطلبية معمولة لهذا القول المقدر٢، فما قصد العجاج إلى شيء من هذا!
стр. 138
ويقول "برجشتراسر" معلقا على قول من يقول: "أميران هلك القو! " في حالة غضب وهياج: "واستعماله شبه الجملة "الجملة ذات الطرف الواحد"، والاستغناء عن ربط الجمل بعضها ببعض، من خصائص مبادئ اللغات، ومن بقايا حالها الأولية البسيطة، ولو لم تهج نفس القائل، بل كان غافلا مطمئنا، يؤدي فكرا لا يمازجه شيء من الغضب أو مثله، لقال: إنا نجد للقوم أميرين، فنخاف أن نهلك -أو مثل ذلك.
"والكلام الخاص بهيجان النفس جنسان: أحدهما متكون من كثير مما يتكلم به بين الناس في مساعيهم اليومية وتعاطيهم شئون الحياة، وخصوصا عند أقوام البلاد الجنوبية والسامية من بينها، فإنا نراها أكثر حدة وتحركا من شعوب الشمال، وإذا قرأنا الكتب، كدنا أن ننسى حقيقة موقف اللسان في حياة الإنسان، فإن الكتب مملوءة بالكلام الساكن المستوي. والجنس الثاني من الهيجان، هو إلهام الشعر، فنرى الشعر يميل إلى مثل ما يميل إليه الكلام الخاص بهيجان النفس، من ترك الربط، واستعمال أشباه الجمل، وغير ذلك"١.
وخلاصة القول في هذا الفصل، أن النفس الإنسانية بما يعتورها من حالات الرضا والسرور، والغضب والنفور، والاستحسان والاشمئزاز، وغير ذلك، ينعكس أثرها على اللغة في تطورها وحياتها؛ إذ تقبل النفس ألفاظا فتحيا، وتعاف ألفاظا أخرى فتموت، ويؤدي النبر المعبر عن الرضا أو الغضب، إلى تغيير في النطق، فتطول بعض المقاطع الصوتية، وتقصر الأخرى وتتلاشى.
стр. 139
وهكذا نرى أن دراسة العلاقة بين نفسية الشعوب المختلفة ولغاتها، من واجبات اللغوي كذلك. ولا عجب بعد كل هذا، إذا نشأ في علم النفس فرع من فروعه يدرس اللغة، وأثر النفس الإنسانية على الظواهر اللغوية، وهو فرع: "علم النفس اللغوي".
стр. 140
الفصل الخامس: علم اللغة والجغرافيا اللغوية الأطلس اللغوي
الأطلس اللغوي
...
الفصل الخامس: علم اللغة والجغرافيا اللغوية
الأطلس اللغوي:
عرفنا من قبل، أن علم اللغة له صلة وثيقة بعلوم أخرى، فقد درسنا من قبل شيئا من علم الاجتماع اللغوي، وعلم النفس اللغوي، كما عرفنا أن عالم اللغة، لا بد له من الإلمام بعلم الفسيولوجيا، أو وظائف الأعضاء، وعلم التشريح، وعلم الطبيعة في دراسة الأصوات اللغوية، بأنواعها المختلفة.
ونتحدث هنا عن صلة علم اللغة، بعلم آخر، هو "علم الجغرافيا"، فقد اقتبس علم اللغة، منذ أكثر من نصف قرن مضى، طرق علم الجغرافيا، ليضع حدودا لغوية للهجات المختلفة في خرائط تبين معالم كل لهجة، وتفرق بين لهجة وأخرى، ولا تختلف هذه الخرائط عن خرائط الجغرافيا، إلا في أن ما يدون عليها ظواهر لغوية، تطلع القارئ على أدق الفروق في الأصوات والمفردات، بين اللغات المختلفة، واللهجات المتباينة.
وتطلعنا هذه الخرائط، على الاختلافات الصوتية، بين المناطق المختلفة، فقوم يجهرون أصواتا وقوم يهمسونها، وطائفة تنطق الفتحة صريحة، وأخرى تنطقها ممالة، ولهجة تنبر الكلمة في مقطعها الأول، وأخرى تنبر المقطع الأخير منها ... وهكذا. كما يبرز في هذه الخرائط الدرس الواسع للمفردات، من حيث البنية والمترادفات المختلفة للمعنى الواحد واختلاف الألفاظ باختلاف المناطق اللغوية، ومقدار انتشار الكلمات في الأقطار والأقاليم، وغير ذلك، مما يتيح لنا معرفة الواقع اللغوي للغة من اللغات، سواء أكانت لغات فصحى أم مشتركة أم خاصة، أم لهجات اجتماعية، أم إقليمية، أم عاميات خاصة
стр. 141
هذه الدراسة الجغرافية اللغوية، تعد من أحدث وسائل البحث في علم اللغة. ولها وظيفة ذات أثر بالغ في الدراسات اللغوية في العصر الحديث؛ لأنها تسجل الواقع اللغوي للغات أو اللهجات، على خرائط يجمعها آخر الأمر أطلس لغوي عام. وتختص كل خريطة بكلمة، أو بظاهرة صوتية معينة، يبدو فيها الاتفاق، أو الاختلاف بين المناطق اللغوية المتعددة. ومما لا شك فيه أن هناك تشابها بين لهجة إقليمية وأخرى، أو بين لهجتين اجتماعيتين أو بين عاميات خاصة، ما دامت هذه جميعا ترجع إلى أصل لغوي واحد.
ولقد "كان إعداد الأطالس اللغوية، أسبق في الوجود من معظم الإنجازات الوصفية الحديثة. وهو يعتمد إلى حد كبير، على مفردات اللغة التي تعد في نظر الوصفيين، في الدرجة الثانية من الأهمية، ولكنه مع ذلك اتبع منهجا يمكن أن يوصف على الأقل بأنه وصفي، وبأنه خير مثل للعمل اللغوي تحت ظروف البيئة المعينة. وعلى الرغم من أن هذا العمل قد بدأ أساسا على يد اللغويين التاريخيين، لأغراض تاريخية في معظمها، فإنه قد وضع الأساس لنموذج الدراسة الوصفية العملية في مجال البحث اللغوي"١.
وعلى الرغم من تقدم هذا الفرع من فروع الدراسة اللغوية في أوربا وأمريكا، فإنه لا يزال غض الإهاب في بلادنا. وليس لدينا في لغتنا العربية، إلا محاولة قام بها المستشرق الألماني: "برجشتراسر" G Bergstrasser لعلم أطلس لغوي لبلاد سوريا وفلسطين Sprachatlas von Syrien und Palastina نشره في ليبزج سنة ١٩١٥م. وسنتحدث عنه بالتفصيل بعد ذلك.
стр. 142
ولا شك في أن المسح الجغرافي للهجات العربية المختلفة، في البلاد العربية، له فوائد جليلة، أهمها:
١- دراسة هذه اللهجات لذاتها، دراسة علمية عميقة، لاكتشاف ما فيها من خصائص الصوت والبنية والدلالة والتركيب، ولمعرفة التغييرات المختلفة، التي تطرأ عليها من وقت لآخر.
٢- إثراء الدراسات في العربية الفصحى نفسها؛ إذ يتيح لنا ذلك المسح الجغرافي، كتابة تاريخ هذه اللغة، في عصورها المختلفة، ويمدنا بوسائل علمية لمعرفة أقرب اللهجات العربية، صلة باللغة الفصحى، وأبعدها عنها.
٣- يمدنا هذا المسح الجغرافي بالمعلومات اللازمة، لمعرفة مدى امتداد اللهجات العربية القديمة، في الوطن العربي، ويفسر لنا النصوص المبتورة عن هذه اللهجات، في تراثنا العربي.
٤- يتيح لنا هذا العمل، فرص الدراسة المقارنة، لا بين اللهجات واللغة الفصحى فحسب، ولكن بين اللغات السامية المختلفة كذلك، ويقفنا على مصادر الكلمات الأجنبية هنا وهناك.
وقد أبان الأستاذ "شتيجر" Steiger العالم اللغوي السويسري، الذي له بهذا الموضوع عناية خاصة، عن قيمة الأطلس اللغوي، وأهميته للغة العربية، بقوله في تقرير له: "وبالنسبة للغة العربية، نقول: إن القيام بعمل أطلس لغوي لها، سيحدث ثورة في كل الدراسات الخاصة بفقه اللغات السامية؛ لأنه سيكمل من غير شك، الدراسات التي تعتمد على النصوص القديمة، بكشفه عن التطورات المتعلقة باللهجات، وباللغات الشعبية العصرية. وسيكون لهذا الأطلس الفضل في إطلاعنا على تاريخ الأصوات،
стр. 143
والتغيرات التي أصابت اللغة العربية، في الأماكن المختلفة التي غزتها، وعن مدى انتشارها وتأثرها بالمراكز الثقافية، وتنوع مفرداتها، إلى غير ذلك من المكتشفات، التي لا يمكن أن تتم، إلا إذا جمعت هذه المواد. إنه سيكون عملا ثقافيا من الطراز الأول، وسيكون تحقيقه عنوان مجد وفخار في تاريخ الثقافة العالمية"١.
ولا تنطوي دراسة اللهجات على فوائد لغوية فحسب، بل إنها تفيد المؤرخين وعلماء النفس والاجتماع، على حد سواء، ويمكن لذلك أن يستعان بالأطالس اللغوية، على هذه الدراسات التاريخية، والنفسية، والاجتماعية، على أساس أمتن وأشمل. وفي هذا يقول "يود" Jud وهو أستاذ سويسري متخصص في اللغات الرومانية وهي: الفرنسية والإسبانية والإيطالية: "من المستحيل أن يكتب تاريخ صحيح للشعب الفرنسي أو الإيطالي أو الإسباني، إلا إذا عرفت اللغات المحلية في تلك البلاد، ودرست دراسة عميقة. تلك حقيقة خطيرة، أصبحت مقررة معروفة"٢.
стр. 144
طريقة عمل الأطلس اللغوي
مدخل
...
طريقة عمل الأطلس اللغوي ٣:
بدأت فكرة عمل الأطلس اللغوي، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. وكان رائدا هذا النوع من الدراسة، التي اعترف علماء اللغات بما لها من نفع في حل المشكلات اللغوية، هما: "قنكر" Wenker الألماني، و"جليرون" Gillieron الفرنسي.
وقد قام كل واحد منهما بعمل أطلس لبلاده، ظهر أحدهما وهو الأطلس اللغوي لفرنسا بين عامي ١٩٠٢-١٩١٠ وعنوانه: Atlas linguistique de la France ولم يتم حتى الآن نشر الأطلس الألماني، وإن نشر جزء كبير منه، فقد نشرت الدفعة الأولى منه، وكانت مكونة من ست خرائط في عام ١٨٨١م. ومنذ عام ١٩٢٦م، أخذت طباعة الخرائط تتوالى، على نطاق ضيق، تحت إشراف "فريده" Wsede.
وقد انتقلت فكرة عمل الأطالس اللغوية، إلى بعض البلاد الأخرى، كإيطاليا، وسويسرا، والسويد، والنرويج، والبرتغال، وإنجلترا، أي أنها شملت معظم بلاد أوربا، بل تعدتها إلى أمريكا، وبعض البلدان الشرقية.
وفيما يلي وصف للطريقتين الألمانية والفرنسية، في عمل الأطالس اللغوية.
стр. 145
١- الطريقة الألمانية:
هذه الطريقة ابتكرها، وقام بتنفيذها "فنكر" Wenker وقد بدأ عمله بجمع الخصائص اللهجية، في مساحة ضيقة، هي مدينة "دوسلدورف" وما حولها، عام ١٨٧٦م، ثم وسع ميدان البحث تدريجيا حتى شمل الإمبراطورية الألمانية كلها، في ٤٩٣٦٣ جهة، أي ما يقرب من خمسين ألف نقطة تسجيل.
وتتلخص طريقته، في أنه ألف أربعين جملة، تمثل أهم ما يجري على ألسنة الناس، في حياتهم اليومية بألمانيا، وطبعها على شكل استمارة بها بيانات عن الراوي والمسجل اللغويين، والجهة التي سجلت فيها اللهجة. وبعد ذلك تأتي الجمل الأربعون على النحو التالي: