الفصل السادس: إسناد الماضي إلى الضمائر
الغائب المفرد المذكر
...
الفصل السادس: إسناد الماضي إلى الضمائر
ليست اللواحق التي تتصل بالفعل الماضي، في اللغات السامية، للدلالة على جنس الفاعل وعدده، إلا بعض عناصر ضمائر الرفع المنفصلة في هذه اللغات، مع بعض التغييرات الطفيفة، التي تلحق شيئا منها في بعض الأحيان.
وعلى هذا النحو يتصرف الفعل الماضي، في اللغات السامية، مع الضمائر المختلفة. وفيما يلي تفصيل القول في ذلك:
١- الغائب المفرد المذكر:
стр. 247
الجنوبية "السبئية والمعينية" التأكد من وجود هذه الفتحة؛ لأن خطها المسند، لا يظهر به سوى رموز الأصوات الصامتة١.
وسقوط هذه الفتاحة القصيرة، من تلك اللغات، مرتبط بسقوط الحركات القصيرة، من أواخر كلمات هذه اللغات، ومن بينها حركات الإعراب. والسبب الرئيسي في هذه الظاهرة، فيما يبدو، هو شيوع الوقف بالسكون على أواخر الكلمات في اللغات السامية، كما هو معروف لنا في العربية الفصحى، في غالب الأحوال. ومن المعروف في التطور اللغوي، أن الظاهرة اللغوية، إذا كان لها وجهان، كان الاحتمال قائما في غلبة أحد الوجهين على الآخر، وهذا هو ما حدث هنا؛ فقد تغلبت حالة الوقف على حالة الوصل، فساد تسكين الأواخر وصلا ووقفا. وهو ما عبر عنه نحاة العربية بقولهم: "إجراء الوصل مجرى الوقف"٢.
والدليل على أصالة هذه الفتحة القصيرة، في آخر الماضي المسند للغائب المفرد، أنّا نراها مرة أخرى، في اللغات السامية الشمالية، قبل اتصال الفعل ببعض ضمائر النصب؛ ذلك لأن تلك الفتحة القصيرة، لن
стр. 248
ومثل ذلك حادث في الآرامية؛ إذ تظهر فيها الفتحة القصيرة في الأفعال المسندة إلى الغائب المذكر، قبل ضمائر النصب؛ وذلك مثل:
يراها "يراجشتراسر"١ صيغة مصنوعة، مقيسة على صيغة المضارع المسند للغائبين في الآرامية، وإن كان "رايت"٢ يراها صيغة أقدم من غيرها، قياسا على نهاية جمع المذكر في الأسماء "una".
أما تقصير الضمة الطويلة في العربية، في مثل قول الشاعر:
فلو أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأساة٣
وقول الآخر:
إذا ما شاء ضروا من أرادوا ... ولا يألو لهم أحد ضرارا٤
فهو من ضرورة الشعر، وليس أمرا شائعا في اللغة، بدليل وروده جنبا إلى جنب، مع تطويل الضمة في البيت الثاني.
وأما تلك الألف التي تكتب بعد الواو في العربية، في مثل: "قتلوا" و"كتبوا"، فهي ليست رمزا لصوت ما، وإنما هي للتفرقة بين واو الجماعة، وواو العطف، فيما يرى الأخفش٥، فمثلا: "حضر وتكلم زيد" "لولا كتابة الألف بعد واو الجمع، لم يعلم أنه: حضروا تكلم زيد، بضم الراء وسكون الواو ومده، والواو للجمع، أو: حضر وتكلم زيد، بفتح الراء وفتح الواو، والواو للعطف. وإنما كتبت الواو فيما لا يلتبس؛ نحو: ضربوا؛ إذ واو العطف لا يتصل، لاطراد الباب٦".
стр. 255
٤- جمع الغائبات:
стр. 256
٥- المخاطب المذكر:
стр. 257
_________
١ يرى "رايت" Lectures ١٧١ على العكس من ذلك أن التاء والكاف في المخاطب أصلان قديمان في الساميات، بدليل وجود التاء في حالة الرفع، والكاف في حالتي النصب والجر. وقال بمثل ما نقول به الدكتور خليل نامي في: دراسات في اللغة العربية ٥٠.
٢ التطور النحوي، لبرجشتراسر ٧٧.
٣ انظر: التطور اللغوي مظاهر وعلله وقوانينه، للدكتور رمضان عبد التواب ٦٨.
٤ Dillmann, Grammatik der athiopischen Sprache ١٨٢.
стр. 258
وفي العربية والآرامية والعبرية، سار القياس في اتجاه آخر، فسادت التاء وحدها؛ إذ يقال في العربية مثلا: "قتلتُ/ قتلتَ/ قتلتِ"١.
ولم يُرو لنا من صيغ الماضي للمخاطب والمتكلم، شيء في العربية الجنوبية٢، ولذلك لا يجوز لنا القطع فيها بشيء، غير أن الهمداني روى لنا نقشا حميريا وجد على أحد القبور، وفيه: "أنا شمعة بنت مراثد كنك إذا وحمك"٣ يعني: كنت إذا وحمت. كما روى لنا أبو حاتم السجستاني أنه "قال يماني مرة بلغته: سؤك به ظنا وأنابه عريف، يريد: عارف، وقلب التاء كافا"٤. كما أن اللهجات اليمنية المعاصرة تنطق أحيانا بهذه الكاف لا في المفرد فحسب، بل في الجمع كذلك عن طريق القياس، فتقول مثلا: kulku "قلتُ" kulk "قلتَ" kulki "قلتِ" kulkum "قلتم" kulkin "قلتن"٥.
وقد روي لنا في العربية، شيء من هذا في القديم، فقد قال راجز في حمير:
يابن الزبير طالما عصيكا
وطالما عنيكنا إليكا
стр. 259
لنضربَن بسيفنا قَفَيْكا١
يعني: "عصيت" و"عنَّيتنا". وفي بدل البيت الثالث:
لتُجْزَيَنَّ بالذي أتَيْكا٢
وكان "سحيم" عبد بني الحسحاس، يرتضخ لكنة حبشية٣: يروي عنه أنه "كان إذا أنشد شعرا جيدا، قال: أحْسَنْكَ والله! يريد: أحسنتَ٤".
стр. 260
٦- المخاطبة المؤنثة:
стр. 261
أما العربية الفصحى، فقد قصرت فيها الكسرة هنا، كما قصرت فتحة المخاطب المذكرة فيما سبق. غير أننا لا نعدم في الشعر والنثر القديم، أمثلة من الكسرة الطويلة، مع المخاطبة المؤنثة، كما في قول الشاعر:
رَمَيْتيه فأقصدتِ ... وما أخْطَأتِ الرَّمْيَةْ٤
стр. 262
كما ورد في حديث الرسول ﷺ قوله: "أعصرتيه؟ " ١ ويروي سيبويه عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، أن ناسا من العرب "يقولون: ضربتيه، فيلحقون الياء"٢. وهذا أمر شائع جدا في اللهجات العربية الحديثة؛ إذ يقال مثلا: "كسرتيه" و"سمعتيه" وما أشبه ذلك.
стр. 263
٧- جمع المخاطبين:
الأصل في الماضي المسند إلى جمع المخاطبين أن يتصل باللاحقة "tumu" وهذه اللاحقة توجد كاملة في العربية الفصحى في الشعر، وقبل ضمائر النصب١، وكذلك قبل ألف الوصل٢، فمثالها في الشعر قول جرير٣:
تراغيتم يوم الزبير كأنكم ... ضباع أصلت في مغار جعورها
وقوله كذلك:٤
تمنيتم أن تسلبوا القاع أهله ... كذلك المنى عرت جحيشا غرورها
ومثالها قبل ضمير النصب قوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ٢٤/ ١٦] وقوله : ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُون﴾ [آل عمران: ٣/ ١٤٣] وقوله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ٦٠/ ١٠] .
_________
١ Brokelmann, Grundriss I ٥٧٣ ودراسات في فقه اللغة العربية ٤٢.
٢ يرى الدكتور محمد سالم الجرح -على العكس من ذلك- أن العنصر الجوهري لهذا الضمير، هو الكسرة الطويلة، وأن العبرية احتفظت بالأصل فيه! انظر مقالته: نظرة تحليلية، في مجلة مجمع اللغة العربية ٢٢/ ٦٢.
٣ Brockelmann, Grundriss I ٥٧٣.
стр. 268
وعلى ذلك تصبح العلاقة بين صيغتي الغائبة والمتكلم، في هذا النوع من الأفعال المعتلة الآخر، علاقةتقابل في الحركة التي تسبق التاء، فهي الفتحة في الغائبة، والكسرة الممالة في المتكلم، وقيس الفعل الصحيح في تصريفه على الفعل المعتل الآخر، على النحو التالي:
غير أنه يبقى غامضا في تفسير أستاذنا شيتالر، سبب اختلاف سلوك الصوت المركب "ay" في حالة التكلم، عنه في حالتي المخاطب والمخاطبة!
стр. 269
١٠- المتكلمون:
стр. 270
وفي العربية الجنوبية سادت لاحقة النصب والجر في المثنى، وهي الياء؛ فقيل فيها: ق ت ل ى "قتلا" في الغائبيْنِ، كما قيل: ق ت ل ت ى "قتلتا" في الغائبين١.
стр. 271
_________
١ انظر: Von Soden, Grundriss ٩٨ وانظر كذلك: S. Moscati, An Introduction ١٣٧ وانظر أيضا: O'Leary, Comparative Grammar ٢٤١ وفقه اللغات السامية لبروكلمان ١٢٢.
الفصل السابع: الأفعال المعتلة
نعني بالأفعال المعتلة هنا، ما كان منها "أجوف"؛ مثل: قال، وباع، وخاف، وطال، أو "ناقصا"؛ مثل: دعا، وقضى، أو من نوع "اللفيف المقرون"؛ مثل: رَوَي، وهَوَى؛ فإن كل هذه الأفعال وما شابهها، بصورتها التي ذكرناها هنا، تعدّ آخر مرحلة من مراحل تطورها في اللغات السامية.
وقد بقيت من هذه المرحلة، عدة أفعال في العربية؛ مثل: "عور" بمعنى: فقد إحدى عينيه، و"حَوِرَ"، والحَوَرَ: نقاء بياض العين واشتداد سوادها، "وهيف" بمعنى: "ضمر بطنه"، و"استحوذ" في مثل تعالى:
стр. 274
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّه﴾ [المجادلة: ٥٨/ ١٩] ، و"استنوق الجمل"، وهو مثل عربي، يقال إن "طرفة بن العبد" هو أول من قاله، حين سمع "المتلمس" ينشد شعرا له، ويقول فيه:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم
والصيعرية: سمة للنوق، فجعلها المتلمس للجمل، وسمعه طرفة ينشد البيت فقال: استنوق الجمل، فضحك الناس، وسارت مثلا١.
أما المرحلة الثانية في تطور هذه الأفعال المعتلة، فهي مرحلة التسكين، أو ضياع الحركة بعد الواو والياء للتخفيف، فيصبح الفعل على نحو: قول، وبيع، وخوف، وقضى، ورمى ... إلخ.
وقد فطن العلامة "ابن جني" بحسه اللغوي، إلى ضرورة وجود هذه المرحلة في طريق تطور الأفعال المعتلة، فقال: "ومن ذلك قولهم: إن أصل قام: قوم، فأبدلوا الواو ألفا، وكذلك: باع، أصله: بيع، ثم أبدلت الياء ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو لعمري كذلك، إلا أنك لم تقلب واحدًا من الحرفين إلا بعد أن أسكنته استثقالا لحركته، فصار إلى: قوم وبيع"٢.
وقد بقيت هذه المرحلة عند قبيلة طيئ، فقد روي لنا عنها أنها تقول مثلا: "حبلى" و"أفعى" , "هدى" ما شابه ذلك في الوصل والوقف٣. وأغلب الظن أن الراجز الذي قال:
стр. 275
وفرج منك قريب قد أتى
وزميله الذي قال:
يمنعهن الله ممن طغى
إنما كانا من شعراء هذه القبيلة كذلك١.
ولعل هذه الظاهرة كانت شائعة عند قبيلة "هذيل" كذلك؛ لأنهم كانوا يضيفون المقصور إلى ياء المتكلم، في مثل: "هداي" و"هواي" وغيرهما، يقولون: هُدَىَّ "= هُدَيْ+ يَ"، وهَوَيَّ "= هَوَيْ+ يَ" وغير ذلك. وعلى لغتهم جاء قول أبي ذؤيب الهذلي:
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم
فتخرموا ولكل جنب مصرع٢
كما أننا نلاحظ أن تسكين الوسط للتخفيف، روي لنا في العربية كثيرا، وقالوا عنه إنه "لغة بني بكر بن وائل، وأناس كثير من تميم"٣، كما يروى عن قبيلة ربيعة كذلك٤. ومن أمثلته قول القطامي:
إذا هدرت شقاشقه ونشبت ... له الأظفار ترك له المدار٥
وقول القطامي كذلك:
ألم يخز التفرق جند كسرى ... ونفخوا في مدائنهم فطاروا٦
стр. 276
وقول الأخطل:
وما كل مغبون ولو سلف صفقه ... براجع ما قد فاته برداد١
وقول الأخطل كذلك.
فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل ... من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه٢
وقول الشاعر:
وقالوا ترابي فقلت صدقتم ... أبي من تراب خلقه الله آدما٣
وقول الآخر:
فإن النبيذ الصرد إن شرب وحده على ... غير شيء أحرق الكبد جوعها٤
وقول أبي خواش الهذلي:
ولحم امرئ لم تطعم الطير مثله ... عشية أمسى لا يبين من البكم٥
وقو ل الشاعر:
ألا يا ليتها لدغت ... وأدعى كيم ذي أرقي٦
وقول أبي النجم العجلي:
لو عصر منها البان والمسك انعصر٧
стр. 277
وقوله كذلك:
حتى إذا ما رضي من كمالها١
وقول الراجز:
رجم به الشيطان في هوائه٢
وقول الآخر:
قالت أراه دالفا قد دني له٣
ومن أمثال العرب قولهم: "لم يحرم من فصد له"٤.
والمرحلة الثانية في تطور الأفعال المعتلة، هي تلك المرحلة التي تسمى في عرف اللغويين المحدثين: "انكماش الأصوات المركبة kontarktion der Diphthonge٥ والأصوات المركبة في العربية هي: الواو والياء المسبوقتان بالفتحة، في مثل: "قول" و"بيت"، فإن الملاحظ في تطور اللغات، هو انعكاش هذه الأصوات، فتتحول الواو المفتوح ما قبلها إلى ضمة طويلة ممالة، كقولنا في اللهجة المصرية مثلا: som nom yom بدلا من: "يوم" و"نوم" و"صوم". وكذلك تنكمش الياء المفتوح ما قبلها، فتتحول إلى كسرة طويلة ممالة، كقولنا في اللهجة المصرية مثلا: zet و lel و bet بدلا من: "بيت" و"ليل" و"زيت" وغير ذلك.
стр. 278
_________
١ انظر: Praetorius, Aethiopische Grammatik ٧٩.
٢ انظر: التيسير في القراءات السبع ٢٢٣.
٣ معاني القرآن للزجاج ١/ ١٤٤.
٤ انظر: التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه ٥١.
стр. 279
وقد حدث مثل ذلك في لغة طيء، في الأفعال المعتلة المكسورة العين في الماضي كذلك؛ مثل قولهم: "رضا" في: "رَضِى"، و"فَنَا" في: "فَنِىَ"، و"هُدِاَ" في: "هُدِىَ" وغير ذلك٢.
تلك هي مراحل تطور الأفعال المعتلة. وقد رأينا كيف خلّفت تلك المراحل ركاما لغويا، في العربية الفصحى، واللغات السامية، واللهجات العربية المختلفة. ومن كل ذلك نرى أن ما يقوله النحاة من أن "قال" مثلا، أصلها: "قَولَ" صحيح، بصرف النظر عن تعليلهم هذا، بتحرك الواو وانفتاح ما قبلها، وإن كان "ابن جني" مثلا، يزعم أن ذلك الأصل لم يوجد في العربية يوما ما؛ إذ عقد في "الخصائص" بابا سماه: "باب مراتب الأشياء وتنزيلها تقديرا وحكما، لا زمانا ووقتا" وقال فيه: "هذا الموضع كثير الإيهام لأكثر من يسمعه، لاحقيقة تحته؛ وذلك كقولنا: الأصل في قام: قوَم، وفي باع: بَيَعَ ... فهذا يوهم أن هذه الألفاظ وما كان نحوها -مما يدعي أن له أصلا يخالف ظاهر لفظه- قد كان مرة يقال، حتى إنهم كانوا
стр. 280
يقولون في موضع قام زيد: قوم زيد، وكذلك: نوم جعفر، وطول محمد ... وليس الأمر كذلك، بل بضده، وذلك أنه لم يكن قط مع اللفظ به إلا على ما تراه وتسمعه. وإنما معنى قولنا إنه كان أصله كذا: أنه لو جاء مجيء الصحيح، ولم يعلل، لوجب أن يكون مجيئه على ما ذكرنا، فأما أن يكون استعمل وقتا من الزمان كذلك، ثم انصرف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ، فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر"١.
ويحاول ابن جني أن يؤكد فكرته تلك مرة أخرى في كتابه: "سر صناعة الإعراب"، غير أنه يعود فيعترف بأن الظاهرة اللغوية القديمة، قد تبقى منها أمثلة تعين على معرفة الأصل، وهو ما نسميه هنا: "الركام اللغوي"، يقول ابن جني: "فبهذا ونحوه استدل أهل التصريف على أصول الأشياء المغيرة، كما استدلوا بقوله عز اسمه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَان﴾ على أن أصل استقام: استقوم، وأصل استباع: استبيع، ولولا ما ظهر من هذا ونحوه، لما أقدموا على القضاء بأصول هذه الأشياء، ولما جاز ادعاؤهم إياها"٢.
وهكذا نرى ابن جني، لا يريد أن يعترف بوجود الأصل القديم، لهذه الظاهرة في الواقع اللغوي، غير أنه حين عثر على مثال من "الركام اللغوي"، وهو قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَان﴾ ، اضطر إلى الاعتراف به.
стр. 281
الفصل الثامن: تطابق العدد في الجملة الفعلية
من المعروف في العربية الفصحى: أن الفعل يجب إفراده دائما، حتى وإن كان فاعله مثنى أو مجموعا، أي أنه لا تتصل به علامة تثنية ولا علامة جمع، للدلالة على تثنية الفاعل أو جمعه، فيقال مثلا: "قام الرجل" و"قام الرجلان" و"قام الرجال" بإفراد الفعل: "قام" دائما؛ إذ لا يقال في الفصحى مثلا: "قاما الرجلان" ولا "قاموا الرجال".
وعلى هذا النحو، جاءت جمهرة الجمل الفعلية في القرآن الكريم، يقول الله تعالى مثلا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٤٦] ولم يقل قاتلوا معه. كما قال جل شأنه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران: ٣/ ١٢٢] ولم يقل: همتا طائفتان.
تلك هي القاعدة المطردة في العربية الفصحى، شعرا ونثرا. أما قبيلة طيئ القديمة، فقد روي لنا عنها١ أنها كانت تلحق الفعل علامة تثنية للفاعل المثنى، وعلامة جمع للفاعل المجموع. وقد حكيت لنا هذا اللغة كذلك، عن قبيلة "بلحارث بن كعب"٢ وقبيلة "أزد شنوءة"٣، وهما من القبائل اليمنية، التي تمت إلى أصل قبيلة طيئ بصلة٤.
стр. 282
وتعرف هذه الظاهرة عند النحاة العرب، بلغة: "أكلوني البراغيث". وقد عرفت عندهم بهذا الاسم؛ لأن سيبويه هو أول من مثل لها في كتابه، واختار هذا المثال؛ فقال: "في قول من قال: أكلوني البراغيث١"، كما قال في موضع آخر: "ومن قال: أكلوني البراغيث، قلت على حد قوله: مررت برجل أعورين أبواه٢"، وإن كان قد ضرب لهذا الظاهرة أمثلة أخرى في ك تابه، فقال: "واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، فكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجميع علامة، كما جعلوا للمؤنث علامةى، وهي قليلة٣".
стр. 283
وقد تخلصت العربية الفصحى من هذه الظاهرة، رويدا رويدا، أخذا بمبدأ الاستغناء عن بعض العلامات، عند تكدسها للدلالة على الظاهرة الواحدة؛ فإن الذي كالن يدل على لاتثنية هنا، هو علامة التثنية في الفعل، ووضع الفاعل في صيغة المثنى، وكذكل كان يدل على الجمع علامته المتصلة بالفعل، ووضع الفاعل في صيغة الجمع.
وإذا استغنى اللغة عن العلامات المتصلة بالفعل، لم تخسر الدلالة على التثنية والجمع، لوجود ما يدل عليهما في صيغة الفاعل نفسها؛ ولذلك قال سيبويه: "وإنما قالت العرب: قالت قومك، وقال أبواك؛ لأنهم اكتفوا بما أظهروا، عن أن يقولوا: قالا أبواك، وقالوا قومك، فحذفوا ذلك اكتفاء بما أظهروا٣".
وإذا كانت العربية الفصحى، قد تخلصت رويدا رويدا من هذه الظالهرة، فإن بقاياها ظلت حية، عند بعض القبائل العربية القديمة، كقبيلة "طيء" و"بلحارث بن كعب" و"أوذ شنوءة" كما ذكرنا من قبل.
стр. 284
وكذلك بقيت بعض آثارها في العربية القصحى، في القرآن الكريم والحديث الشريف، واحتفظ بها الكثير من أبيات الشعر العربي القديم.
أما القرآن الكريم، فقد ورد فيه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ٧١] وقوله : ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٣] .
وقد أكثر النحويون، والمفسرون، وعلماء اللغة العرب، القول في تخريج هاتين الآيتين الكريمتين، فقد قال الإمام القرطبي، في تفسير الآية الأولى مثلا: " ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ أي عمي كثير منهم وصم، بعد تبين الحق لهم بمحمد ﵇، فارتفع "كثير" على البدل من الواو، كما تقول: رأيت قومك ثلثيهم، وإن شئت كان على إضمار مبتدأ، أي العمي والصم كثير منهم. ويجوز أن يكون على لغة من قال: أكلوني البراغيث"١.
كما قال في الآية الثانية: " ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بين من هم، فقال: الذين ظلموا، أي الذين أشركوا. فالذين ظلموا، بدل من الواو في: "أسروا" وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم. قال المبرد: وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، فبنو بدل من الواو في: انطلقوا، وقيل: هو رفع على الذم، أي هم الذين ظلموا. وقيل: على حذف القول، أي: يقول الذين ظلموا. وقول رابع أن يكون منصوبا بمعنى: أعني الذين ظلموا. وأجاز الفراء أن يكون خفضا، بمعنى للناس الذين حسابهم. فهذه خمسة
стр. 285
أقوال. وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهو حسن. وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، ومجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى"١.
تلك هي آراء المفسرين، والنحاة، واللغويين العرب، في هذه الظاهرة. وهم فيها مقلبون لكل الأوجه الممكنة في العربية، من التخريج والتأويل.
ومما جاء في الحديث الشريف، قوله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" ٢، بدلا من: تتعاقب فيكم ملائكة، وإن كان بعض العلماء يرى في هذا الحديث، أنه مختصر من حديث طويل، وأن أصل الحديث: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار"٣.
وقد وردت هذه الظاهرة، في بعض أحاديث الصحابة والتابعين، كما في قول الحسن البصري، يصف طالب العلم: "قد أوكدتاه يداه وأعمدتاه رجلاه"٤.
أما أبيات الشعر القديم، التي وردت فيها هذه الظاهرة، فما أكثرها في دواوين الشعر العربي. ومن أمثلة ذلك قول عمرو بن ملقط الطائي، وهو