← Язык

Язык · id 11541

المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي

رمضان عبد التواب

Полный текст (299 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يلفظون الطاء، كأنها ضاد المصريين، والقاف كأنها جيم المصريين بإطباق، فيقولون مثلا: "وجع فوجنا مضر" يعني: وقع فوقنا مطر، أو "قضعت ورجة" يعني: قطعت ورقة. ومثل ذلك يصح عن غير لهجة جنوب جزيرة العرب، من اللهجات العصرية"١. وأما الدكتور إبراهيم أنيس، فيعترف كذلك بالتطور الذي أصاب نطق هذا الصوت، فأبعده عن حالته القديمة، فيقول: "وقد أجمع الرواة في وصفهم للطاء القديمة، على أنها صوت مجهور، مما يحملنا على الاعتقاد بأن الطاء القديمة، تخالف التي ننطق بها الآن، على أن وصف الطاء في كتب الأقدمين، لا يمكن الباحث المدقق من تحديد كل صفات ذلك الصوت، ولا كيف كان ينطق به على وجه الدقة، غير أنه من الممكن أن نستنتج من وصفهم أنها كانت صوتا يشبه الضاد، التي نعرفها الآن. وهنا يتضح معنى قول ابن الجزري: إن المصريين ينطقون بالضاد المعجمة طاء مهملة. وليس من المحتمل أن يكون القدماء قد خلطوا في وصفهم بين صفتي الجهر والهمس، فيما يتعلق بهذا الصوت، ولكن الذي أرجحه أن صوت الطاء، كما وصفها القدماء كان يشبه الضاد الحديثة. ولعل الضاد القديمة كانت تشبه ما نسمعه الآن من العراقيين في نطقها. ثم تطور الصوتان فهمست الأولى، وأصبحت الطاء التي نعرفها الآن، كما اختلف مخرج الثانية وصفتها، فأصبحت تلك الضاد الحديثة. أي أن ما كان يسمى بالطاء، كان في الحقيقة ذلك الصوت الذي ننطق به الآن ونسميه ضادا، فلما همست أصبحت الطاء الحديثة، التي -فيما يظهر- لم تكن معروفة في

стр. 72

النطق العربي القديم، أما الضاد القديمة العصية النطق، فقد تطور مخرجها وصفتها، حتى أصبحت على الصورة التي نعهدها في مصر"١. أما الدكتور تمام حسان، فيرى أن الطاء القديمة كانت مهموسة، غير أنها كانت ذات نطق مهموز، وهذا هو ما أوقع اللغويين القدامى في الخطأ -في نظره- حين عدوا هذه الطاء مجهورة، فيقول: "أما الطاء التي وصفها لنا القراء القدماء فمجهورة على ما رأوا، وهذا يحتاج إلى قليل من المناقشة، ففي بعض اللهجات العامية المعاصرة، صوت من أصوات الطاء، يمكن وصفه بأنه مهموز، ولإيضاح ذلك نقول: إن طرف اللسان ومقدمته، يتصلان في نطقه بالثنايا واللثة وتعلو مؤخرة اللسان وتتراجع إلى الخلف في اتجاه الجدار الخلفي للحلق، ويقفل المجرى الأنفي للهواء الخارج من الرئتين، بخلق اتصال بين الطبق والجدار الخلفي للحلق. وفي نفس الوقت تقفل الأوتار الصوتية، فلا تسمح بمرور الهواء إلى خارج الرئتين، وبذلك تتكون منطقة في داخل الفم والحلق، يختلف ضغط الهواء فيها عنه في الرئتين وفي الخارج. وفجأة يتم انفصال الأعضاء المتحركة، التي وصفنا اتصالها في وقت ما، فيندفع هواء الرئتين إلى الخارج، ويندفع الهواء الخارجي إلى الداخل، فيحدثان بالتقائهما أثرا صوتيا، هو صوت الطاء، كالتي تنطق في بعض لهجات الصعيد مثلا. "ومعنى كون الطاء مهموزة هنا، أنه صحبها إقفال الأوتار الصوتية حين النطق، فأصبح عنصر الهمز جزءا لا يتجزأ من نطقها. هذه الطاء مهموسة قطعا؛ لأن إقفال الأوتار الصوتية لا يسمح بوجود الجهر ... ويرجح عندي أن الطاء العربية الفصحى القديمة، التي وصفها القراء كانت في صوتها وفي نطقها بهذا الوصف، ثم لغرابة صوتها على السمع، أخطأ النحاة والقراء، فجعلوها مجهورة في دراستهم، وجعلوا الدال مقابلا مرققا لها"٢.

стр. 73

الجيم: سبق أن عرفنا أن الجيم كما نسمعها الآن من مجيدي القراء، صوت غاري مجهور يجمع بين الشدة والرخاوة، وهو ما سبق أن سميناه بالصوت المزدوج. أما سيبويه فقد عدها من الأصوات الشديدة، وإن كان قد وضعها بين الشين والياء في مخرج واحد، وتابعه على ذلك غيره من علماء الأصوات العرب١. ويبدو أن الازدواج في نطق بعض الأصوات العربية، لم يكن واضحا في تصور العلماء العرب، بدليل وهمهم في وصف ظاهرتي الكشكشة والكسكسة، في نطق بعض القبائل العربية للكاف المكسورة٢.

стр. 74

القاف: عرفنا من قبل أن القاف، كما ينطق بها مجيدو القراءات في مصر، صوت لهوي شديد مهموس. أما سيبويه ومن جاء بعده من النحويين والقراء، فإنهم يصفون القاف بأنها مجهورة، ونستنتج "من وصف القدماء لهذ الصوت أنه كان يشبه إلى حد كبير، تلك القاف المجهورة التي نسمعها الآن بين القبائل العربية في السودان، وجنوب العراق، فهم ينطقون بها نطقا يخالف نطقها في معظم اللهجات العربية الحديثة؛ إذ نسمعها منهم نوعا من الغين"١. ويقول "كانتينو": "وبما أن قسما كبيرا من الألسن الدارجة العربية، ينطق بقاف مجهورة، أمكننا الاعتقاد على سبيل الاحتمال والترجيح، بأن القاف كان بالفعل حرفا مجهورا في العربية القديمة. ويمكن أن يكون نطقه مهموسا في العربية الفصحى اليوم، ناتجا عن كونه أصبح مهموسا في اللهجات الحضرية المدنية؛ لأن أغلبية المثقفين اليوم، هم من أصل مدني"٢. ويبدو أن القبائل العربية، لم تكن تنطق القاف بصورة موحدة، فها هو ابن دريد اللغوي يقول: "فأما بنو تميم، فإنهم يلحقون القاف بالكاف، فتغلظ جدا، فيقول: الكوم، يريدون: القوم، فتكون القاف بين الكاف والقاف. وهذه لغة معروفة في بني تميم قال الشاعر: وقد تطورت القاف في اللهجات العربية الحديثة، تطورا كبيرا، فهي في كلام مصر والشام همزة، كما تنطق غينا في بعض مستويات النطق في

стр. 75

السودان وجنوبي العراق، وفي بعض الكلمات في مصر، مثل: يقدر يغدر. وتسمع جيما كالجيم القاهرية، في بعض البيئات بصعيد مصر، وبين كثير من قبائل البدو في الصحراء. وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة للتطور، له أمثلته في العربية القديمة، فمن الأمثلة التي وردت بالقاف والهمزة، ما رواه أبو الطيب اللغوي، من قول العرب: قشبه وأشبه، أي لامه وعابه. والقوم زهاق مائة وزهاء مائة، أي قريب من مائة. والقفز والأفز، أي الوثب١. ومن الأمثلة التي وردت بالقاف والغين قولهم: غلام أقلف وأغلف، أي لم يختن. والقمز من الناس والغمز، أي الرذال ومن لا خير فيه. وقلقل في الأرض وغلغل، أي ذهب في الأرض٢. ومن أمثلة القاف والجيم قولهم: بائقة وبائجة للداهية. وحبق وحبج، أي ضرط. وأحنق وأحنج، أي ضمر الفرس. وتلقفت البئر وتلجفت، أي أكل الماء جوانبها، وزلقت الموضع وزلجته، أي ملسته٣. والملاحظ أن التطور الذي أصاب القاف هنا بأنواعه كان بتغيير مخرجها، وتطور الصوت بتغيير مخرجه يكون "بأحد طريقين: إما بانتقال المخرج إلى الوراء، أو إلى الأمام، باحثا الصوت في انتقاله، عن أقرب الأصوات شبها به، من الناحية الصوتية. فتعمق القاف في الحلق عند المصريين لا يصادف من أصوات الحلق، ما يشبه القاف إلا الهمزة، لوجود

стр. 76

صفة الشدة في كل منهما. فليس غريبا إذن أن تطورت القاف في لغة الكلام عندنا إلى الهمزة، فليس بين أصوات الحلق صوت شديد إلا الهمزة. أما الانتقال بمخرج القاف إلى الأمام، فنجد أن أقرب المخارج لها، هو مخرج الجيم القاهرية والكاف، فلا غرابة أن تتطور القاف إلى أحدهما. وقد رحج تطور القاف في لغة البدو، وبعض أهالي صعيد مصر، إلى الجيم القاهرية، أن القاف في الأصل صوت مجهور، فحين تتطور تنتقل إلى صوت مجهور أيضا، يشبهها صفة، لهذا اختارت القاف في تطورها الأمامي، الجيم دون الكاف؛ لأن كلا من القاف الأصلية، والجيم القاهرية، صوت شديد مجهور"١. هذا، ويلاحظ "كانتينو" أن اللهجات الحديثة، التي صار القاف القديم فيها حرفا مهموسا "أي القاف التي ننطقها اليوم، أو الكاف، أو الهمزة" هي لهجات حضرية٢.

стр. 77

العين: عرفنا من قبل أن العين صوت حلقي رخو مجهور مرقق بحسب الوصف المؤسس على التجارب المعملية الصوتية في العصر الحديث. وقد عد سيبويه وغيره من القدماء١، صوت العين من الأصوات المتوسطة، "وربما كان ذلك، لعدم وضوح الاحتكاك في نطقه وضوحا سمعيا. ولكن الأصوات المتوسطة تشترك جميعها في خصائص، ليست موجودة في نطق العين، وأوضح هذه الخصائص، حرية مرور الهواء في المجرى الأنفي، أو المجرى الفمي، دون سد طريقه، أو عرقلة سيره، بالتضييق عند نقطة ما. وقد اتضح بصورة الأشعة، أن في نطق العين تضيقا كبيرا للحلق. وهذا ما يدعونا وما دعا غيرنا من المحدثين قبل ذلك، إلى اعتبار صوت العين رخوا لا متوسطا"٢.

стр. 78

نظرية الفونيم والكتابة: من الملاحظ في دراسة أية لغة من اللغات، أن مجموعة من الأصوات، التي قد تختلف فيما بينها، من ناحية المخرج أو الصفة، ينظر إليها من ناحية الكتابة والمعنى المعجمي، كما لو كانت صوتا واحدًا، وذلك مثل صوت "النون" في اللغة العربية مثلا، فقد لاحظنا من قبل أن ما يسمى بصوت النون في لغتنا العربية يندرج تحته عدد من الأصوات، يختلف فيما بينه في المخرج إلى حد ما، فالنون الموجودة في كلمة: "نقول" مثلا، غيرها في "إن ثار" أو "إن ظهر" و"إن شرق" أو "إن قام" وغير ذلك. وهذه الأصوات المختلفة المخارج، نطلق عليها جميعا اسم "صوت النون". ومثال ذلك أيضا، أن السين في كلمة: "سماء" تختلف من ناحية الصفة، عنها في كلمة: "سطاء" مثلا، فهي في الثانية ذات قيمة تفخيمية، ليست في الأولى، ومع ذلك فإننا نسمي كل واحدة منهما سينا، ونرمز لهما في الكتابة برمز واحد، كما نرمز لأصوات النون المختلفة فيما مضى، برمز واحد في الكتابة كذلك. هذه الأصوات المختلفة، التي يعبر عنها في الكتابة برمز واحد، ولا تستخدم في اللغة للتفريق بين المعاني المختلفة، هي ما يطلق عليه الغربيون اسم: "فونيم١ Phoneme= وحدة صوتية/ عائلة صوتية. وفي إمكاننا نحن أن نطلق عليه اسم: "حرف" مقصودًا به الرمز الكتابي، ونعمل بذلك على التفريق بين الاصطلاحين: "صوت" و"حرف". فالصوت هو ذلك

стр. 79

الذي نسمعه ونحسه، أما الحرف فهو ذلك الرمز الكتابي، الذي يتخذ وسيلة منظورة، للتعبير عن صوت معين، أو مجموعة من الأصوات لا يؤدي تبادلها في الكلمة، إلى اختلاف المعنى. فالفرق بين الصوت والحرف "هو فرق ما بين العمل والنظر، أو بين المثال والباب، أو بين أحد المفردات والقسم الذي يقع فيه، فالصوت عملية نطقية تدخل في تجارب الحواس، وعلى الأخص السمع والبصر، يؤديه الجهاز النطقي حركة، وتسمعه الأذن، وترى العين بعض حركات الجهاز النطقي حين أدائه. أما الحرف فهو عنوان مجموعة من الأصوات، يجمعها نسب معين، فهو فكرة عقلية لا عملية عضلية. وإذا كان الصوت مما يوجده المتكلم، فإن الحرف مما يوجده الباحث"١. ويقول "فندريس": "لسنا في حاجة إلى القول بأننا لا نستطيع إحصاء الأصوات في لغة ما، بعدد الحروف الموجودة في أبجديتها. فكل لغة فيها من الأصوات، أكثر مما في كتابتها من العلامات. تلك حال الفرنسية والإيطالية والإنجليزية والألمانية، ومع ذلك فإن عدد الأصوات في أية لغة، لا يكاد يتعدى الستين عادة، بل يمكن أن ينزل عن ذلك، نزولا محسوسا"٢. وهذه التفرقة بين "الصوت" و"الحرف" على هذا النحو نتوصل بها إلى جعل "الحرف" مساويا للاصطلاح الغربي: "فونيم". أما القدماء من علماء العربية، فإنهم كانوا يستخدمون الكلمتين بمعنى واحد أحيانا، أو يفرقون بينهما تفرقة تختلف عما نعنيه نحن بهما هنا.

стр. 80

فابن جني مثلا يفرق بينهما، فيقول: "اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلا متصلا، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين، مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا. وتختلف أجراس الحروف، بحسب اختلاف مقاطعها، وإذا تفطنت لذلك وجدته على ما ذكرته لك، ألا ترى أنك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك، ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، فتجد له جرسا ما، فإن انتقلت عنه راجعا منه، أو متجاوزًا له، ثم قطعت، أحسست عند ذلك صدى غير الصدى الأول، وذلك نحو الكاف، فإنك إذا قطعت بها، سمعت هنا صدى ما، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره، وإن جزت إلى الجيم، سمعت غير ذينك الأولين"١. فابن جني يفهم الصوت هنا -فيما يبدو- على أنه صوت ذبذبة الأوتار الصوتية، وإن لم يصرح بذلك. أما الحرف فإنه يرادف في كلامه، ما سبق أن سميناه بمخرج الصوت، وذلك واضح من قوله بعد ذلك: "الحرف حد منقطع الصوت وغايته"٢. ومثل هذ الفهم للصوت والحرف عن ابن جني، يوجد كذلك عند ابن سينا؛ إذ يقول: "والحرف هيئة للصوت عارضة له، يتميز بها عن صوت آخر مثله في الحدة والثقل تميزا في المسموع"٣. وتصور "الفونيم" أو "الحرف" بالمعنى الذي قدمناه تصور حديث جدا في علم اللغة، وفي علم الأصوات اللغوية، وكان الذي دعا العلماء

стр. 81

المحدثين للقول به، أنهم لاحظوا أن أصوات أي لغة من اللغات، لا حد لها في واقع الأمر، وأن ما نسميه صوتا واحدا، قد يتردد هو نفسه في كلمة من الكلمات، أكثر من مرة، ولكنه لا ينطق بنفس الصورة في كل مرة، فإننا إذا نطقنا كلمة مثل: "بَطَرَ"، فإننا نجد أن صوت الفتحة الأولى في هذه الكلمة، غير الفتحة الثانية، من الناحية الصوتية، وغير الفتحة الثالثة. ومع أن هذه الفتحات الثلاث متغايرة فيما بينها، فإن هذا التغاير لا يؤدي إلى تغير في وظيفة أي منها، فلا يكون للكلمة معنى معين إذا استخدمنا فيها فتحة من هذه الفتحات، ثم يتغير المعنى إذا غيرنا هذه الفتحة بفتحة أخرى. والوظيفة اللغوية هي التي تجعلنا نتغاضى عن أمثال هذه التنوعات، التي يقضي بها سياق صوتي معين، فنسوي بين الفتحات الثلاث، في كلمة: "بَطَرَ" مثلا، ونرى فيها شيئا واحدا، فإن هذه الفتحات -وهي مختلفة من حيث تكوينها- متطابقة من حيث الوظيفة اللغوية، التي تؤديها، فهي تنوعات أو أفراد لنفس "الفونيم"، فإن أي واحدة منها لو وضعت مكان واحدة أخرى في أي كلمة من الكلمات العربية، لم يتغير معناها. ويشرح الدكتور السعران هذه الفكرة بقوله: "إن النونات المختلفة صوتيا في اللغة العربية، لا تعارض أو لا تقابل بينها؛ لأننا لا نستطيع أن نغير معنى كلمة، بإحلال إحداها محل سواها، ولكن ثمة تقابل في العربية بين التاء والدال مثلا؛ لأننا نقول: "تاء" ثم نحل محل التاء دالا، ولا ندخل أي تغيير آخر على الكلمة فنقول: "داء" وهي من كلمات العربية، فالتاء فونيم والدال فونيم"١.

стр. 82

وتقابل الأصوات، يختلف من لغة إلى أخرى في العدد والنوع، فالسين تقابل الزاي في اللغة العربية، من ناحية الهمس والجهر، وكل واحد منهما "فونيم" أو "حرف"؛ لأن معنى الكلمة يتغير بإحلال إحداها محل الأخرى فيها، مثل: "سار" و"زار". وهذا بعكس اللغة الألمانية مثلا، فإن "الفونيم" أو الحرف s فيها ينطق زايا، قبل الحركة، مثل: Sehen= يرى، وسينا بعد الحركة، مثل: bis= إلى، فصوت الزاي موجود في اللغة الألمانية، غير أنه ليس فونيما مستقلا، وإنما هو فرع من فونيم آخر؛ لأنه لا توجد كلمة ألمانية، يختلف فيها المعنى بإحلال السين محل الزاي، أو العكس، كما هي الحال في "سار" و"زار" في اللغة العربية. وفي اللغة العربية تتقابل السين والصاد، في الترقيق والتفخيم، فكل صوت منهما "فونيم". ومع أن صوت الصاد يوجد في اللغة الإنجليزية في مثل: Sun= شمس، فإنه لا يعد من فونيمات اللغة الإنجليزية؛ لأنه لا يستخدم فيها للتفريق بين المعاني، أي أنه ليس فيها كلمتان، لكل منهما معنى مستقل، وتطابق أصوات إحداهما أصوات الأخرى، إلا أنه يقابل السين في إحداهما الصاد في الأخرى كما هو الحال في اللغة العربية، في مثل: "سار" و"صار". فالسين العربية فونيم، أما صوت الصاد المسموع في الإنجليزية، فهو فرع من فونيم السين S. تلك هي نظرية "الفونيم"، وإذا تدبرناها عرفنا أن الكتابة وسيلة ناقصة، لتسجيل أصوات اللغة، فقد قامت الأبجديات المختلفة -على الأقل في أذهان واضعيها الأوائل- على أساس الرمز لكل "فونيم" برمز كتابي معين، يدل على جميع أفراد عائلة هذا الفونيم ولم تخصص هذه الأبجديات رموزا معينة، لفروع الفونيمات المتعددة. وهذه إحدى عيوب تسجيل اللغة

стр. 83

بالكتابة، فإن الأجنبي الذي يتعلم اللغة العربية بواسطة الكتاب، لا يستطيع أن يدرك فروع "فونيم" النون، في تلك اللغة مثلا، ولذلك فإنه سينطقها أو يحاول نطقها كلها بطريقة واحدة. وكذلك العربي الذي يتعلم الألمانية من الكتاب، لا شك أنه سيلغي كذلك الفروق الموجودة بين فروع عائلة السين، وستظهر في نطقه سينا، لا أثر فيها لصوت الزاي في أية كلمة من الكلمات. ويشرح لنا "ماربو باي" تضليل الكتابة، وعدم دلالتها على فروع الفونيم الواحد، في كثير من اللغات، فيقول: "الراء في معظم اللغات مكررة أو ترددية، نطقها في مقدمة اللسان، مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية. والصوت الممثل كتابة في الفرنسية ب "R" مجهور نتيجة ذبذبة اللهاة معه. وفي الإنجليزية الأمريكية، يتم إنتاجه غالبا بتقعير اللسان، والسماح لتيار الهواء بالمرور على امتداد حوافه. هذه التنوعات الثلاثة، لصوت تمثله الأبجديات الإملائية في كل اللغات برمز واحد، أوضح مثال على وجوب عدم الثقة في نظام الكتابة العادي، لتمثيل الصوت المنطوق. ولو أن أمريكيا أراد أن يتعلم الفرنسية عن طريق الصورة المكتوبة، فإنه ولا شك سينطق ما يراه ممثلا على شكل "R" تماما بنفس قيمته في الإنجليزية الأمريكية"١. وهكذا يؤدي اشتراك بعض الأمم، في استخدام أبجدية ذات أصل واحد للدلالة على أصواتها المختلفة إلى وقوع كثير من الأخطاء، عند تعلم أحد الأفراد لغة أمة من تلك الأمم الأخرى، عن طريق تلك الأبجدية لا غير. ومن أمثلة ذلك أن الحروف اللاتينية، تستعملها بلاد مختلفة من

стр. 84

شعوب أوربا ذات اللغات المتعددة، كالإنجليز والفرنسيين والألمان وغيرهم. وقد عرفنا من قبل أن السين والزاي فرعان لفونيم واحد في اللغة الألمانية. وذلك على العكس من الإنجليزية، فكل واحد منهما فونيم مستقل فيها، ويرمز للأول بالرمز S والثاني بالرمز Z، وهذا الرمز الأخير في الألمانية، يدل على فونيم مختلف عن ذلك كل الاختلاف، هو الصوت المزدوج "تس" الذي سبق أن تحدثنا عنه، ولهذا فإننا نجد أن الألماني الذي لا يعرف الإنجليزية، ويقرأ كلمة إنجليزية فيها هذا الرمز Z، فإنه ينطقه: "تس". ومثل ذلك يحدث للإنجليزي الذي لا يعرف الألمانية، ويقرأ كلمة ألمانية فيها هذا الصوت Z، فإنه ينطقه زايا. وهذا هو السر، في أن من يعرف الإنجليزية من المصريين، ولا يعرف الألمانية، ينطق اسم المدينة الألمانية: Leipzig ليبزج، وصوابها: "ليبتسج". كما ينطقون اسم المستشرق الألماني: Goldziher جولدزيهر، وصوابه: "جولدتسيهر" ... وهكذا. ويقول "ماريو باي" في ذلك: "يحدث الخطأ بسبب وقوع المحلل اللغوي، تحت تأثير عاداته اللغوية الخاصة وإن محللا يتكلم اللغة الإنجليزية، ربما غررت به طبيعته، وجعلته يخلط الكاف والقاف العربيتين. ويضعها تحت فونيم واحد، مماثل للأصوات الطبقية، الموجودة في الإنجليزية في: kin و cool ولكن الاختلاف الدلالي بين كلمتي: كلب، وقلب العربيتين، كاف لإثبات خطئه. ومن ناحية أخرى فإن المحلل العربي، ربما ظن خطأ وجود خلاف فونيمي، بين الألوفونين الإنجليزيين للصوت المهموس الطبقي الانفجاري، اللذين يقع أحدهما قبل العلة الأمامية والآخر قبل العلة الخلفية "cool kill" فيتصور خطأ أنهما فونيمان اثنان، إلى أن يلاحظ اختفاء

стр. 85

الأساس في التقسيم الفونيمي، وهو تغير المعنى مع تغير الفونيم، ويعجز عن العثور على أي ثنائيات صغرى"١. ومن أجل هذا العيب في دلالة الكتابة على النطق الصحيح، حاول علماء الأصوات، وضع أبجديات صوتية، تمثل النطق تمثيلا صحيحا، وبذلوا في ذلك جهودا كبيرة، وتشعبت بهم السبل في ذلك. وأشهر تلك الأبجديات الصوتية، أبجدية "الجمعية الصوتية الدولية" التي كانت نتيجة لجهود كثير من علماء الأصوات المختلفين.

стр. 86

أصوات العلة "الحركات ": تحدثنا فيما مضى، عن الأصوات الصامتة، فعرفنا مخارجها وصفاتها وكيفية حدوثها، وعرفنا الموجود منها في العربية الفصحى، وما أصابه التطور من هذه الأصوات. ونتحدث الآن عن أصوات العلة أو الحركات، وقد سبق لنا أن عرفناها من قبل، فقلنا: إنها هي الأصوات المجهورة، التي يحدث في تكوينها، أن يندفع الهواء في مجرى مستمر، خلال الحلق والفم، وخلال الأنف، معهما أحيانا، دون أن يكون هناك عائق يعترض مجرى الهواء اعتراضا تاما، أو تضييق لمجرى الهواء، من شأنه أن يحدث احتكاكا مسموعا. ويعرفها "دانيال جونز" بأنها "أصوات مجهورة يخرج الهواء عند النطق بها، على شكل مستمر من البلعوم والفم، دون أن يتعرض لتدخل الأعضاء الصوتية، تدخلا يمنع خروجه، أو يسبب فيه احتكاكا مسموعا"١. فأصوات العلة على هذا أصوات مجهورة كلها، بمعنى أن الأوتار الصوتية تهتز عند حدوث أي صوت منها، وإن كان الدكتور أيوب، يزعم أن هناك حركات مهموسة، فيقول: "اشترط جونز في تعريف الحركة أن تكون مجهورة. وسبب هذا الشرط، أن الحركة صوت لا تتدخل عند النطق به، أعضاء النطق العليا على الإطلاق، أو تتدخل تدخلا لا يحدث احتكاكا مسموعا. وعلى ذلك فلولا الجهر الذي هو تدخل الأوتار الصوتية، لمر الهواء

стр. 87

من الرئتين إلى الخارج، دون تدخل يذكر، تماما كما يحدث عند الزفير. وقد قال بضرورة الجهر في الحركات، حتى تكون الحركة صوتا مسموعا، ولا تكون مجرد زفير. ولكن شرط جونز هذا لا مبرر له، فنحن في دراسة الأصوات دراسة وصفية نصف الواقع، فلو أن هناك حركة مهموسة، تقوم بوظيفة في الكلمة، فإنه يجب أن ندخلها في حسابنا، سواء أشبهت الزفير أو لم تشبهه. وفي اللهجة المصرية مثلا، يمكن مقارنة الكلمة: "سك" بمعنى أقفل، والكلمة: "مقاسك"، وسنلاحظ أن فتحة السين في: "مقاسك" مهموسة، بينما هي في: "سك" مجهورة، وما دام هذا الفرق واقعيا، فلا بد للواصف من اعتباره، والقول حينئذ بوجود فتحة مهموسة"١. وتتحدد أنواع الحركات، بحركة مقدمة اللسان نحو سقف الحنك، أو حركة مؤخرة اللسان نحو سقف الحنك كذلك، فإن كان اللسان مستويا في قاع الفم، مع انحراف قليل في أقصاه نحو أقصى الحنك، وتركت الهواء ينطلق من الرئتين، ويهز الأوتار اصوتية وهو مار بها، نتج عن ذلك صوت الفتحة "a" فإذا تركت مقدمة اللسان تصعد نحو وسط الحنك الأعلى بحيث يكون الفراغ بينهما كافيا لمرور الهواء، دون أن يحدث في مروره بهذا الوضع أي نحو من الاحتكاك والحفيف، وجعلت الأوتار الصوتية تهتز مع ذلك، نتج صوت الكسرة الخالصة "i"، ولو صعدت مقدمة اللسان أكثر من ذلك، نحو وسط الحنك، بحيث يحدث احتكاك للهواء المار بهذا الموضع، نتج عن ذلك صوت "الياء"، ولذلك يعد علماء الأصوات "الياء" صوتا شبيها بالحركة "Semivowel"، وذلك لأن وضع مقدمة اللسان مع "الياء" أقرب إلى سقف الحنك، من وضعها مع الكسرة، والفراغ بينهما أقل، بحيث يسمح

стр. 88

للهواء المار بالاحتكاك، فيحدث الحفيف الذي يسمع مع صوت "الياء" ولا يسمع مع صوت الكسرة. وبين وضعي اللسان في صوتي الفتحة والكسرة، أو بمعنى آخر بين وضعه في قاع الفم، وارتفاع مقدمته نحو وسط الحنك بحيث تحدث الكسرة الخالصة أوضاع كثيرة، تحدث بسببها أنواع متعددة من الحركات، أبرزها في أذهاننا صوت الكسرة الممالة: "e". أما إذا ارتفع أقصى اللسان نحو سقف الحنك، بحيث لا يحدث للهواء المار بهذه المنطقة، أي نوع من الحفيف، مع حدوث ذبذبة في الأوتار الصوتية، فإن الصوت الذي ينتج عن ذلك هو صوت الضمة الخالصة: "u"، فإذا ارتفع أقصى اللسان نحو سقف الحنك، أكثر من هذا، بحيث يسمح للهواء الخارج بالاحتكاك، وإحداث نوع من الحفيف، نتج عن ذلك صوت: "الواو"، ولذلك يعد علماء الأصوات صوت "الواو" من الأصوات الشبيهة بالحركات "Semivowel" كذلك لأن الفرق بينه وبين الضمة الخالصة، في قرب أقصى اللسان من سقف الحنك مع الواو، أكثر منه مع الضمة. وبين وضع اللسان في صوت الفتحة، ووضعه في صوت الضمة، أو بعبارة أخرى بين وضع اللسان في قاع الفم وارتفاع مؤخرته نحو سقف الحنك، بحيث تحدث الضمة الخالصة، أوضاع كثيرة تحدث عنها حركات متعددة، أبرزها في أذهاننا صوت الضمة الممالة: "o". ولا شك أن الشفتين لهما أثر في إحداث كل حركة من هذه الحركات جميعها، لا يمكن إغفاله، فهما منفرجتان مع بعض هذه الحركات، ومستديرتان مع بعضها الآخر. وتختلف درجة الانفراج والاستدارة في صوت عن الآخر.

стр. 89

وفيما يلي تخطيط يبين وضع اللسان مع الحركات المختلفة: صورة سكانر ويطلق علماء الأصوات على صوت الفتحة اسم "صوت العلة المتسع"، كما يطلقون على صوتي الضمة والكسرة، اسم: "أصوات العلة الضيقة". وهذا التقسيم له أهميته فيما يصيب هذه الأصوات كلها من تطور أو تغيير؛ إذ إنه من الملاحظ أن ما يصيب الضمة يجري مثله في الغالب على صوت الكسرة؛ لأن كلا منهما من أصوات العلة الضيقة. وعلى ذلك ليست الضمة عدوة للكسرة، كما يتردد في بعض كتب العربية، بل هما من فصيلة واحدة، وذلك على العكس من صوت الفتحة، الذي يعد قسيما للضمة والكسرة، له ظواهره وأحكامه الخاصة. وقد فطن بعض علماء العربية، إلى علاقة القربى بين الكسرة والضمة من جهة، وبين ياء المد وواوه "وهما تطويل للكسرة والضمة" من جهة أخرى، قال ابن درستويه: "كل ما كان ماضيه من الأفعال الثلاثية، على فَعَلت، بفتح العين ولم يكن ثانيه ولا ثالثه من حروف اللين ولا حروف الحلق، فإنه يجوز في مستقبله: يفعُل، بضم العين، ويفعِل بكسرها، كقولنا: ضَرَبَ يَضْرِب، وشَكَرَ يَشْكُر. وليس أحدهما أولى به من الآخر، ولا فيه عند العرب إلا الاستحسان والاستخفاف. فمما جاء وقد استعمل فيه

стр. 90

الوجهان، وقولهم: ينفُر وينفِر، ويشتُم ويشتِم، فهذا يدلكم على جواز الوجهين فيه، وأنهما شيء واحد؛ لأن الضمة أخت الكسرة"١. وهكذا نرى القرابة بين الضمة والكسرة، هي السبب في جواز وقوع إحداهما مكان الأخرى، في عين المضارع، ولذلك كانت القبائل العربية القديمة، لا تثبت على حال واحدة، في ضبط عين المضارع بواحدة منهما "قال أبو زيد: طفت في عليا قيس وتميم مدة طويلة، أسأل عن هذا الباب صغيرهم وكبيرهم، لأعرف ما كان منه بالضم أولى، وما كان منه بالكسر أولى، فلم أعرف لذلك قياسا، وإنما يتكلم به كل امرئ منهم على ما يستحسن"٢. وقد نص ابن جني صراحة على علاقة القربى، بين ياء المد وواوه، فقال: "إن بين الياء والواو قربا ونسبا، ليس بينهما وبين الألف، ألا تراها تثبت في الوقف، في المكان الذي تحذفان فيه، وذلك قولك: هذا زيد، ومررت بزيد، ثم تقول: ضربت زيدا، وتراهما تجتمعان في القصيدة الواحدة ردفين، في نحو قول امرئ القيس: قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب ثم قال فيها: كالدلو بتت عراها وهي مثقلة ... وخانها وذم منها وتكريب٣

стр. 91

ولهذه العلاقة القوية بين هاتين الحركتين: الضمة والكسرة، تطورت كل واحدة منهما في الجعزية، وهي الحبشية القديمة إلى الكسرة الممالة "e"، مما يدل على أنهما كانتا في أذن الحبشي شيئا واحدا، أو كالشيء الواحد. والفرق بين الحركات القصيرة والطويلة، فرق في الكمية لا في الكيفية، بمعنى أن وضع اللسان في كليهما واحد، ولكن الزمن يقصر ويطول في كل صوت، فإذا قصر كل الصوت قصيرا وإذا طال كان الصوت طويلا. والذي يحدد الطول والقصر هنا، هو العرف اللغوي عند أصحاب اللغة. ويقول "كانتينو" في المدى الذي يستغرقه طول الحركة: "يطلق اسم حركات طويلة، على الحركات التي يمتد فيها إخراج النفس امتدادا، يصير معه مدى النطق بها، مساويا لمدى النطق بحركتين بسيطتين، وقد يتعدى ذلك"١. ولقد كانت هذه العلاقة بين الطويل والقصير، من الحركات، معروفة عند بعض القدماء، يقول الخوارزمي: "الرفع عند أصحاب المنطق من اليونانيين واو ناقصة، وكذلك الضم وأخواته. والكسر وأخواته عندهم ياء ناقصة. والفتح وأخواته عندهم ألف ناقصة. وإن شئت قلت: الواو الممدودة اللينة ضمة مشبعة، والياء الممدودة اللينة كسرة مشبعة، والألف الممدودة فتحة مشبعة. وعلى هذا القياس الروم والإشمام نسبتهما إلى هذه الحركات، كنسبة الحركات إلى حروف المد واللين، أعني الألف والواو والياء"٢.

стр. 92

وطول الحركة أو قصرها، ليس محدودا بزمن معين في أية لغة من اللغات، وإنما هو أمر نسبي مرهون بسرعة الأداء وبطئه "ومن الطبيعي أن يقل طول الأصوات عندما تزيد سرعة الأداء، وأن تزيد طول الأصوات القصيرة عندما تقل، ومع ذلك لا بد من الاحتفاظ بالفرق بين الأصوات الطويلة والقصيرة، مهما زادت السرعة أو قلت. وبهذا المعنى يمكن أن نقول: إن طول الصوت أمر نسبي، لا أمر مطلق فالصوت الطويل هو الذي يكون أطول من غيره في نفس اللغة، ولو كان هذا الصوت الطويل، ينطق أقصر منه أحيانا أخرى"١. وعلى ذلك فكل صوت من أصوات الحركة السابقة، يمكن أن يطول معه الزمن، فيصير طويلا، فإذا طال الزمن مع صوت الفتحة مثلا، نتج عنه ما يسمى بألف المد "a" وإذا طال مع الكسرة الخالصة، نتج عن ذلك ما يسمى بياء المد "i" وإذا طال مع الضمة الخالصة، نتج عنها ما يسمى بواو المد "u" وكذلك الحال مع الكسرة الممالة "e" والمة الممالة "o". وليس أمر الطول والقصر خاصا بالأصوات المتحركة وحدها، بل إن الصوامت تطول وتقصر كذلك، وإن ما نعرفه باسم الحرف المشدد، أو الصوت المضعف، ليس في الحقيقة صوتين من جنس واحد، الأول ساكن والثاني متحرك كما يقول نحاة العربية، وإنما هو في الواقع صوت واحد طويل، يساوي زمنه زمن صوتين اثنين. ولذلك يرى "ماريو باي" أن "اصطلاح الصامت المضعف double consonant" هو اصطلاح مضلل حقا؛ لأنه قد استعير من طريقة الكتابة،

стр. 93

ففي النطق، يمد الصوت الصامت، بتطويل مدة النطق به، إذا كان هذا المد ممكنا. ويكون هذا ممكنا إذا لم يكن الصوت الصامت انفجاريا وبما أن الانفجاري لا يمكن مده عند نقطة مخرجه، فإن ما يسمى تطويلا بالنسبة له، يكون عن طريق إطالة مدة قفل الطريق أمام الصوت قبل تفجيره"١. ويعرف "كانتينو" الحروف المضعفة بأنها "هي التي يمتد النطق بها، فيضاهي مداها مدى حرفين بسيطين تقريبا. وترسم هذه الحروف عادة في الأبجدية الأوربية بحرفين متتابعين "bb" أو "mm" وهكذا"٢. وقد شرح "فندريس" فكرة الصوت المضعف، وأنه ليس إلا صامتا واحدا طويلا، فقال: "ففي كل صامت انفجاري ثلاث خطوات متميزة: الإغلاق أو الحبس، والإمساك الذي قد يكون طويل المدى أو قصيره، والفتح أو الانفجار عند إصدار صامت بسيط مثل التاء، فإن الانفجار يتبع الحبس مباشرة، والإمساك يضؤل إلى مدى لا يكاد يحس. "وعلى العكس من ذلك تظهر الخطوات الثلاث بوضوح، فيما يسمى بالصوامت المضعفة، وهي ليست إلا صوامت طويلة، كما أنها تنطق بقوة أشد مما في حالة القصيرة، فإذا تركنا مسألة الشدة جانبا، وجدنا أن مجموعة مثل "atta أَتَّ" تتميز عن المجموعة "ata أَتَ" بوجود مسافة بين الحبس والانفجار، يمكن للأذن أن تقدرها. ومن الخطأ أن يقال بأنه يوجد ساكنان في atta وساكن "صامت" واحد في ata، فالعناصر المحصورة بين الحركتين في كلتا المجموعتين واحدة: عنصر انحباسي، يتبعه عنصر انفجاري. ولكن بينما نجد

стр. 94

العنصر الانحباسي في ata يتبعه العنصر الانفجاري مباشرة، نجده في atta ينفصل عنه بإمساك، يطيل مدى الإغلاق"١. ولم تكن هذه الفكرة خافية على بعض قدامى اللغويين العرب، فهذا ابن جني يقول: "الحرف لما كان مدغما، خفي فنبا السان عنه وعن الآخر بعد نبوة واحدة، فجريا لذلك مجرى الحرف الواحد"٢. كما يقول أيضا: "إدغام الحرف في الحرف، أخف عليهم من إظهار الحرفين، ألا ترى أن اللسان ينبو عنهما معا نبوة واحدة"٣. كما يقول صاحب مراح الأرواح: "الإدغام إلباث الحرف في مخرجه مقدار إلباث الحرفين"٤، كما يقول أيضا: "المشدد زمانه أطول من زمان الحرف الواحد، وأقصر من زمان الحرفين"٥. ولعل الذي دعا النحاة العرب، إلى اعتبار المشدد حرفين، أنه يقوم في اللغة أحيانا، بوظيفة صوتين، فقول العرب مثلا: "يذكر"، الذال الطويلة فيه تنوب مناب التاء والذال في: يتذكر.

стр. 95

هذا، وليست كل الأصوات الإنسانية على السواء في نسبة الوضوح السمعي، فبعضها أوضح من بعض. ويمكن أن تقسم إلى الأقسام التالية، متدرجة من الانخفاض إلى ارتفاع: ١- المهموسة الانفجارية، مثل: ت/ ك/ ب. ٢- المهموسة الاحتكاكية، مثل: ش/ س/ ث/ ف. ٣- المهموسة المزدوجة، مثل: تش. ٤- المجهورة الانفجارية، مثل: ب/ د/ الجيم القاهرية. ٥- المجهورة الاحتكاكية، مثل ف/ ذ/ ز/ الجيم الشامية. ٦- المجهورة المزدوجة، مثل: الجيم الفصيحة. ٧- الأصوات الأنفية، مثل: م/ ن. ٨- الأصوات التكرارية والجانبية، مثل: ر/ ل. ٩- الحركات الضيقة، مثل: الضمة والكسرة. ١٠- وأوضح الأصوات جميعا هي الحركات المتسعة كالفتحة المفخمة. ومعرفة ذلك كله يفيد في النواحي التطبيقية، ففي الحديث التليفوني، وفي التسجيل الإذاعي، لا يكاد المرء يميز الأصوات المهموسة الانفجارية، كالتاء والكاف، ولكنه عن طريق السياق أو المعنى العام يفترض وجودها. ويتم هذا الفرض دون شعور متعمد منه، أي أنه يعوض فقدانها في الحقيقة بوجودها في خياله. ولهذا يجدر بالمغنين ومؤلفي الأغاني، أن يتحاشوا مثل هذه الأصوات في أغانيهم، كلما أمكن ذلك، فهي أصوات لا تكاد تصلح للغناء، وهي في نفس الوقت معرضة للسقوط أو الاختفاء في التسجيل الصوتي١.

стр. 96

المقاطع الصوتية: المقطع الصوتي، هو كمية من الأصوات، تحتوي على حركة واحدة، ويمكن الابتداء بها والوقوف عليها، من وجهة نظر اللغة موضوع الدراسة، ففي العربية الفصحى مثلا، لا يجوز الابتداء بحركة، ولذلك يبدأ كل مقطع فيها بصوت من الأصوات الصامتة. فالمقطع على هذا عبارة عن "قمة إسماع، غالبا ما تكون حركة، مضافا إليها أصواتا أخرى عادة -ولكن ليس حتما- تسبق القمة أو تلحقها، أو تسبقها وتلحقها، ففي: ah قمة الإسماع، كما هو واضح، هي: a وفي it هي: i. وفي do هي: o. وفي get هي: e"١. ويقول "كانتينو" في تحديده للمقطع الصوتي: "إن الفترة الفاصلة بين عمليتين من عمليات غلق جهاز التصويت، سواء أكان الغلق كاملا أو جزئيا، هي التي تمثل المقطع"٢. وتنقسم المقاطع الصوتية عموما إلى قسمين: قصير وطويل، فالقصير هو ما بدأ بصوت صامت وجاءت بعده حركة قصيرة، ففي كلمة مثل: "كتب" مقاطع ثلاثة قصيرة "ka+ta+ba" والمقطع القصير بهذا المعنى لا يكون إلا مفتوحا، أي أنه يقبل الزيادة عليه، فإذا زاد عليه شيء، بأن طالت الحركة، أو أضيف إليه صامت آخر، لم يعد المقطع قصيرا، بل يتحول في هذه الحالة إلى مقطع طويل.

стр. 97

فالمقطع الطويل إذن، هو ما بدأ بصامت ثم تلته حركة طويلة، مثل كلمة: "في" في اللغة العربية، وهو في هذه الحالة مفتوح؛ لأنه يقبل الزيادة عليه. أما المقطع الطويل المغلق، فهو ما بدأ بصامت تليه حركة ثم صامت آخر، مثل كلمة: "من" و"عن" وكذلك ما بدأ بصامت تليه حركة طويلة ثم صامت آخر، مثل كلمة: "باب" في الوقف. وهناك في العربية الفصحى إلى جانب ذلك، مقاطع زائدة في الطول، وهي ما بدأت بصامت، تليه حركة قصيرة، بعدها صامتان آخران متتابعان، مثل كلمة: "بنت" في الوقف. وخلاصة هذا القول، أن في العربية الفصحى، خمسة مقاطع هي: ١- مقطع قصير مفتوح= صامت+ حركة قصيرة. ٢- مقطع طويل مفتوح= صامت+ حركة طويلة. ٣- مقطع طويل مغلق بحركة قصيرة= صامت+ حركة قصيرة+ صامت. ٤- مقطع طويل مغلق بحركة طويلة= صامت+ حركة طويلة+ صامت. ٥- مقطع زائد في الطول= صامت+ حركة قصيرة+ صامت+ صامت. ودراسة نظام المقاطع في أية لغة من اللغات، مما يعين على معرفة الصيغ الجائزة فيها، كما يعين على معرفة موسيقى الشعر وموازينه.

стр. 98

النبر والتنغيم: حين يتحدث الإنسان بلغته، يميل في العادة إلى الضغط على مقطع خاص من كل كلمة، ليجعله بارزا أوضح في السمع مما عداه من مقاطع الكلمة. وهذا الضغط هو الذي يسميه المحدثون من اللغويين "بالنبر": "Accect" Stress. ويعرفه الدكتور تمام بأنه "وضوح نسبي لصوت أو مقطع، إذا قورن ببقية الأصوات والمقاطع في الكلام١. ويقول الدكتور بشر: "معنى هذا أن المقاطع تتفاوت فيما بينها في النطق قوة وضعفا، فالصوت أو المقطع المنبور، ينطق ببذل طاقة أكثر نسبيا، ويتطلب من أعضاء النطق مجهودا أشد. لاحظ الفرق مثلا في قوة النطق وضعفه، بين المقطع الأول في: "ضَرَبَ" والمقطعين الأخيرين "ضَ/ رَ/ بَ"، تجد "ضَ" ينطق بارتكاز أكبر من زميله في الكلمة نفسها"٢. وقد اختلفت آراء العلماء، حول وجود النبر في العربية الفصحى، ومكانه في الكلمة، فبينما يقول بروكلمان: "في اللغة العربية القديمة، يدخل نوع من النبر، تغلب عليه الموسيقية، ويتوقف على كمية المقطع، فإنه يسير من مؤخرة الكلمة نحو مقدمتها، حتى يقابل مقطعا طويلا، فيقف عنده، فإذا لم يكن في الكلمة مقطع طويل، فإن النبر يقع على المقطع الأول منها"٣ يرى برجشتراسر "أنه لا نص نستند عليه في إجابة مسألة،

стр. 99

كيف كان حال العربية الفصيحة في هذا الشأن. ومما يتضح من اللغة نفسها، ومن وزن شعرها، أن الضغط لم يوجد فيها، أو لم يكد يوجد، وذلك أن اللغة الضاغطة، يكثر فيها حذف الحركات غير المضغوطة، وتقصيرها، وتضعيفها، ومد الحركات المضغوطة، وقد رأينا أن كل ذلك نادر في اللغة العربية. وإذا نظرنا إلى اللهجات العربية الدارجة، وجدنا فيها كلها -فيما أعرف- الضغط، وهو في بعضها قوي، وفي بعضها متوسط، غير أنها تتخالف في موضعه من الكلمة في كثير من الحالات، فمن المعلوم أن المصريين يضغطون في مثل: "مطبعة" المقطع الثاني، وغيرهم يضغطون الأول، فلو أن الضغط كان قويا في الزمان العتيق، لكانت اللهجات -على أغلب الاحتمال- حافظت على موضعه من الكلمة، ولم تنقله إلى مقطع آخر"١. هذا هو رأي "برجشتراسر". أما إنه ليس لدينا نص، نستند إليه في معرفة حالة النبر في العربية القديمة، فهذا صحيح، وأما إن العربية لم تكن تنبر، فإننا نشك في ذلك الذي قاله برجشتراسر، وهو يغفل في كلامه التطور اللغوي، وتأثير الشعوب المختلفة، التي غزتها العربية، بعاداتها القديمة في النبر، وأثر ذلك في اختلاف موضعه من الكلمة، كما يبدو لنا الآن، في تعدد طرق النبر في مثل كلمة: "مطبعة". أما الدكتور إبراهيم أنيس، فإنه يسلم بأنه "ليس لدينا من دليل يهدينا إلى موضع النبر في اللغة العربية، كما كان ينطق بها في العصور الإسلامية الأولى؛ إذ لم يتعرض له أحد من المؤلفين القدماء. أما كما ينطق بها قراء القرآن الآن في مصر، فلها قانون تخضع له، ولا تكاد تشذ عنه"٢.

стр. 100

وقد لخص الدكتور إبراهيم أنيس، مواضع النبر في الكلمة العربية فقال: "ينظر أولا إلى المقطع الأخير، فإن كان من النوعين الرابع والخامس، كان هو موضع النبر، وإلا نظر إلى المقطع الذي قبل الأخير، فإن كان من النوع الثاني أو الثالث، حكمنا بأنه موضع النبر، أما إذا كان من النوع الأول، نظر إلى ما قبله، فإن كان مثله، أي من النوع الأول أيضا، كان النبر على هذا المقطع الثالث، حين نعد من آخر الكلمة، ولا يكون النبر على المقطع الرابع حين نعد من الآخر، إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون المقاطع الثلاثة التي قبل الأخير، من النوع الأول"١. فالنبر يقع على المقطع الأخير في مثل: "نستعين" و"ذاكرت"، وعلى المقطع قبل الأخير في مثل: "تعلم" و"يعادي" و"قاتل" و"يكتب"، كما يقع على المقطع الثالث من الآخر، في مثل: "كتب" و"اجتمع"، وعلى المقطع الرابع من الآخر، في مثل: "بلحة" و"سمكة". وعلى الرغم من أن قدامى اللغويين العرب، لم يدرسوا "النبر" بمعنى الضغط على بعض مقاطع الكلام، فإن بعضهم قد لاحظ أثره في تطويل بعض حركات الكلمة، ويسميه ابن جني: "مطل الحركات"، فيقول مثلا: "وحكى الفراء عنهم: أكلت لحما شاة، أراد: لحم شاة، فمطل الفتحة، فأنشأ عنها ألفا"٢. كما يقول كذلك: "وكذلك الحركات عند التذكر يمطلن ... وذلك

стр. 101

قولهم عند التذكر مع الفتحة في قمت: قمتا، أي قمت يوم الجمعة ونحو ذلك. ومع الكسرة: أنتي، أي: أنتِ عاقلة ونحو ذلك. ومع الضمة: قمتو، في: قمت إلى زيد ونحو ذلك"١. أما التنغيم، فهو رفع الصوت وخفضه في أثناء الكلام، للدلالة على المعاني المختلفة للجملة الواحدة، كنطقنا لجملة مثل: "لا يا شيخ" للدلالة على النفي، أو التهكم، أو الاستفهام، وغير ذلك. وهو الذي يفرق بين الجمل الاستفهامية والخبرية، في مثل: "شفت أخوك" فإنك تلاحظ نغمة الصوت تختلف في نطقها للاستفهام، عنها في نطقها للإخبار. ولم يعالج أحد من القدماء شيئا من التنغيم، ولم يعرفوا كنهه. غير أننا لا نعدم عند بعضهم، الإشارة إلى بعض آثاره في الكلام، للدلالة على المعاني المختلفة، وكان ابن جني أحد الذين التفتوا إلى ذلك، حين يقول٢: "وقد حذفت الصفة، ودلت الحال عليها، وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون: ليل طويل. وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة، لما دل من الحال على موضعها. وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك، من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل، أو نحو ذلك. "وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلا! فتزيد في قوة اللفظ بـ"الله" هذه الكلمة، وتتمكن في تمطيط اللام، وإطالة الصوت بها وعليها، أي

стр. 102

رجلا فاضلا، أو شجاعا، أو كريما، أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانا! وتمكن الصوت بإنسان، وتفخمه، فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنسانا سمحا أو جوادا أو نحو ذلك. وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت: سألناه وكان إنسانا! وتزوي وجهك وتقطبه، فيغني ذلك عن قولك: إنسانا لئيما، أو لحزا، أو مبخلا، أو نحو ذلك".

стр. 103

الفصل الثاني: نشأة اللغة الإنسانية مدخل ... الفصل الثاني: نشأة اللغة الإنسانية نحب أن نؤكد في بداية هذا الفصل، أن العلماء والمفكرين، لم يختلفوا في شيء من مسائل علم اللغة، كما اختلفوا حول موضوع نشأة اللغة. وقد تنوعت آراؤهم، واختلفت مذاهبهم، ومع ذلك لم يصلوا في بحثهم إلى نتائج يقينية، بل كان جل آرائهم يصطبغ بالصبغة الشخصية، ولم يتجاوز مرحلة الفرض المبني على الظن والحدس. وفي ذلك يقول "ماريوباي": "فيما يختص بنشأة اللغة وطبيعتها، لدينا مصادر تعتمد على الأساطير والحديث المنقول، والمناقشات الفلسفية، ولكن تنقصنا الحقائق العلمية في هذا الصدد"١. ومع ذلك نجد بعضهم، يحاول أن يعرض نظرياته في هذا الموضوع، ملبسا إياها ثوبا علميا، ومحاولا الدفاع عنها في صلابة وإصرار. غير أن بعض المعتدلين من علماء اللغة، سخروا حتى من مجرد التفكير في إدراج هذا الموضوع، ضمن بحوث علم اللغة. وقد قررت الجمعية اللغوية في باريس، عدم مناقشة هذا الموضوع نهائيا، أو قبول أي بحث فيه لعرضه في جلساتها، كما أن كثيرا من العلماء، ذوي الشهرة الذائعة، والقدم الثابتة في علم اللغة، أمثال: "بلومفيلد" Bloomfield و"فيرث" Forth لم يتعرضوا لدراسة هذا الموضوع بشكل علمي، أو بصورة تنبئ عن أهمية البحث فيه. وقد تناوله "فيرث" باختصار جدا، على سبيل أن الكلام فيه، نوع من الفلسفة اللغوية، التي قد يكون من المفيد إلمام طالب علم اللغة بها٢. ولا بأس أن نلم هنا إلماما سريعا ببعض النظريات والآراء التي حاول بها العلماء تفسير نشأة اللغة الإنسانية٣.

стр. 104

المذهب الأول: مذهب الوحي والإلهام، أو مذهب "التوقيف" كما يقول ابن فارس اللغوي١. ويتلخص هذا المذهب، في أن الله ، لما خلق الأشياء، ألهم آدم ﵇، أن يضع لها أسماء فوضعها. ويستند أصحاب هذ المذهب، إلى أدلة نقلية مقتبسة من الكتب المقدسة، فاليهود والنصارى يستدلون بما ورد في التوراة من قولها: "وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية، وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم، ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية، فهو اسمها، فسمى آدم جميع البهائم، وطيور السماء وجميع حيوانات البرية"٢. ويستدل أصحاب هذا المذهب، من علماء العرب، بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ ٣ فكان ابن عباس يقول: "علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس، من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها"٤. وقد اختار ابن فارس اللغوي، في كتابه "الصاحبي في فقه اللغة" هذا المذهب. أما ابن جني، فقد تصدى لشرحه والرد عليه، فقال: "وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها"٥.

стр. 105

المذهب الثاني: مذهب المواضعة والاصطلاح. وهذا المذهب ذكره ابن جني، فقال: "إن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، وذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء، فيضعوا لكل منها سمة، ولفظا يدل عليه، ويغني عن إحضاره أمام البصر. وطريقة ذلك أن يقبلوا مثلا على شخص، ويومئوا إليه قائلين: إنسان! فتصبح هذه الكلمة اسما له، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أو رأسه أو قدمه، أشاروا إلى العضو وقالوا: يد، عين، رأس، قدم ... إلخ. ويسيرون على هذه الوتيرة، في أسماء بقية الأشياء، وفي الأفعال والحروف، وفي المعاني الكلية، والأمور المعنوية نفسها، وبذلك تنشأ اللغة العربية مثل، ثم يخطر بعد ذلك لجماعة منهم كلمة: "مرد" بدل إنسان، وكلمة: "سر" بدل رأس، وهكذا فتنشأ اللغة الفارسية"١. وليس هذا المذهب، أي سند عقلي أو نقلي أو تاريخي، بل إن ما يقرره ليتعارض مع النواميس العامة، التي تسير عليها النظم الاجتماعية، فعهدنا بهذه النظم أنها لا ترتجل ارتجالا، ولا تخلق خلقا. بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها. هذا إلى أن التواضع على التسمية، يتوقف في كثير من مظاهره، على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون. فكيف نشأت هذه اللغة الصوتية إذن؟ وهكذا نرى أن ما يجعله أصحاب هذه النظرية منشأ للغة، يتوقف هو نفسه على وجودها من قبل.

стр. 106

المذهب الثالث: مذهب المحاكاة. وخلاصته أن الإنسان سمى الأشياء، بأسماء مقتبسة من أصواتها، أو بعبارة أخرى أن تكون أصوات الكلمة، نتيجة تقليد مباشر لأصوات طبيعية صادرة عن الإنسان أو الحيوان أو الأشياء، وتسمى مثل هذه الكلمات عند علماء الغرب: Onomatopoeia. وقد عرض لهذا الرأي من علماء المسلمين ابن جني، فقال: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونغيق الغراب، وصهيل الفرس ... ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد"١. وقد ارتضى ابن جني هذا الرأي فقال معقبا عليه: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل". وأول من دافع عن هذا المذهب، من علماء الغرب بالتفصيل العالم الألماني "هردر" Harder في كتابه "بحوث في نشأة اللغة" Abhandlungen uber den Ursprung der Sprache الذي نشره سنة ١٧٧٢م. ومما قد يؤيد هذه النظرية، ما نجده في بعض الأحيان، من اشتراك في بعض الأصوات، في الكلمات التي تحاكي الطبيعة في عدة لغات، فإن الكلمة التي تدل على الهمس، هي في العربية كما نعرف: "همس"، وفي

стр. 107

غير أن اشتراك اللغات في الكلمات المحاكية للطبيعة، على هذا النحو، أمر نادر. ولو كانت هذه النظرية صحيحة، للاحظنا اشتراكا بين اللغات في الكلمات التي تحاكي الطبيعة؛ مثل: الشق، والدق، والقطع، والصهيل، والعواء، والمواء، وما إلى ذلك. ولقد سمعت الديك العربي في بلاد العرب، والديك الألماني في بلاد الألمان، يصيحان بطريقة واحدة دون أدنى فرق، غير أننا نحاكي صوت الديك فنقول: كوكوكو! ويقول الألمان "كيكيركي" kikeriki! ويرى بعض العلماء بناء على هذه النظرية، أن مناسبة اللفظ للمعنى مناسبة حتمية، بمعنى أن اللفظ يدل على معناه دلالة وجوب، لا انفكاك فيها. وممن نادي بهذا الرأي: "عباد بن سليمان الصيمري" من المعتزلة؛ فقد ذهب إلى أن بين اللفظ ومدلولة مناسبة طبيعية، حاملة للواضع على أن يضع هذه اللفظة أو تلك، بإزاء هذا المعنى أو ذاك، ويروون عن بعض من تابعه على رأيه هذا، أنه كان يقول: إنه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها، فسئل عن معنى كلمة: "إذغاغ" وهي بالفارسية: الحجر -كما يقولون- فقال: أجد فيه يبسا شديدا، وأراه الحجر! ١

стр. 108

وإننا نشك كثيرا في صحة هذه الرواية، وصدق نظرية الصيمري، فإنه لو صح ما قاله، لاهتدى كل إنسان إلى كل لغة على وجه الأرض. ويمتاز مذهب المحاكاة، بأنه يشرح لنا مبلغ تأثر الإنسان، في النطق بالألفاظ، بالبيئة التي تحيط به، غير أن أهم ما يؤخذ عليه، أنه يحصر أساس نشأة اللغة، في الملاحظة المبنية على الإحساس بما يحدث في البيئة، ويتجاهل الحاجة الطبيعية الماسة غلى التخاطب والتفاهم، والتعبير عما في النفس، تلك الحاجة التي هي من أهم الدوافع إلى نشأة اللغة الإنسانية، فإن الرغبة الذاتية في التعبير، والحاجة الماسة إلى التفاهم، كلاهما من أهم الدوافع، التي يجب أن يعتد بها في نشأة اللغة واضطرار الإنسان الأول للنطق بالألفاظ. هذا إلى أن هذا المذهب، لا يبين لنا كيف نشأت الكلمات الكثيرة، التي نجدها في اللغات المختلفة، ولا نرى فيها محاكاة لأصوات المسميات، ويتضح ذلك بوجه خاص في أسماء المعاني، كالعدل، والمروءة، والكرم، والشجاعة، وغير ذلك. وقد دعا هذا النقص، العلامة "هردر" المدافع الأول عن هذه النظرية، إلى العدول عنها في أخريات حياته، كما سخر منها "مكس موللر" Max Muller اللغوي الألماني المشهور. ومع ذلك فإن لأصحاب هذه النظرية، الفضل في أنها فتحت للباحثين، باب البحث الفلسفي في نشأة اللغة، كما أنها لا تبعد كثيرا في إرجاعها نشأة اللغة، في بعض الأحيان، إلى ملاحظة خاصة.

стр. 109

المذهب الرابع: نظرية التنفيس عن النفس، وتتلخص في أن مرحلة الألفاظ، قد سبقتها مرحلة الأصوات الساذجة التلقائية الانبعاثية، التي صدرت عن الإنسان، للتعبير عن ألمه أو سروره أو رضاه أو نفوره، وما إلى ذلك من الأحاسيس المختلفة، فهذه الأصوات الساذجة، قد تطورت على مر الزمن، حتى صارت ألفاظا. ويشرح "فندريس" تصور أصحاب هذه النظرية، لكيفية نشأة اللغة، فيقول: "عند هذا السلف البعيد، الذي لم يكن مخه صالحا للتفكير، بدأت اللغة بصفة انفعالية محضة. ولعلها كانت في الأصل مجرد غناء، ينظم بوزنه حركة المشي، أو العمل اليدوي، أو صيحة كصيحة الحيوان، تعبر عن الألم، أو الفرح وتكشف عن خوف أو رغبة في الغذاء. بعد ذلك لعل الصيحة اعتبرت، بعد أن زودت بقيمة رمزية، كأنها إشارة قابلة لأن يكررها آخرون. ولعل الإنسان وقد وجد في متناول يده هذا المسلك المريح، قد استعمله للاتصال ببني جنسه، أو لإثارتهم إلى عمل ما أو لمنعهم منه ... هذا الفرض تبدو عليه مخايل الصدق، وإن لم يكن مما يمكن البرهان عليه"١. وتمتاز هذه النظرية عن سابقتها بأنها تعزو نشأة اللغة الإنسانية إلى أمر ذاتي، أي أنها تعتد بالشعور الوجداني الإنساني، وبالحاجة إلى التعبير عما يجيش بصدر الإنسان، من انفعالات وأحاسيس. أما النظرية السابقة، فترجع نشأة اللغة الإنسانية إلى ملاحظة خارجية موضوعية، أي ملاحظة مظاهر الطبيعة ومحاكاتها في ابتكار الأسماء الدالة عليها، ولذلك كانت هذه النظرية، خطوة أخرى في اتجاه آخر، نحو البحث عن حل للمشكلة، فإنها تشرح لنا منشأ بعض الكلمات، التي تعجز النظرية السابقة، عن شرح منشئها. ومع كل هذا فإنها نظرية ناقصة وغامضة. أما نقصها، فلأنها لا تبين منشأ الكلمات الكثيرة، التي لا يمكن ردها إلى أصوات انفعالية. وأما غموضها، فلأنها لا تشرح لنا السر في أن تلك الأصوات الساذجة الانفعالية، تحولت إلى ألفاظ أو أصوات مقطعية، فلهذين الأمرين انصرف عنها اللغويون، وسخر منها "مكس موللر" كذلك.

стр. 110

المذهب الخامس: نظرية الاستعداد الفطري. وهي النظرية التي أذاعها اللغوي الألماني: "مكس موللر"، ودعاها نظرية: "دنج دونج" Ding Dong. وخلاصتها أن الإنسان مزود بفطرته، بالقدرة على صوغ الألفاظ الكاملة، كما أنه مطبوع على الرغبة في التعبير عن أغراضه، بأية وسيلة من الوسائل، غير أن هذ القدرة على النطق بالألفاظ، لا تظهر آثارها إلا عند الحاجة، أو في الوقت المناسب. وحينما سمى "مكس موللر" نظريته هذه، بنظرية "دنج دونج" إنما كان يريد أن يشبه هذه القوة الفطرية، بلولب الساعة الملتف في باطنها، ويشبه حوادث الزمن ببندول الساعة، الذي يتحرك، فيخرج بتحركه القوة الكامنة في الساعة، التي ينطوي عليها اللولب، فالزمن ومقتضيات الأحوال، هي التي تخرج هذه المقدرة من حيز القوة إلى حيز الفعل. وكأن النفس البشرية مخزن ممتلئ بالألفاظ، ينفتح شيئا فشيئا بمفتاح الزمن ومقتضيات الحياة الواقعية. ولعل الذي دعا "مكس موللر" إلى وضع هذه النظرية، ملاحظة الأطفال، في حياتهم اليومية الحرة، التي تدل على أنهم تواقون إلى وضع أسماء للأشياء، التي يرونها ولا يعروفون لها أسماء، وأنهم يبتكرون أسماء لم يسمعوها من قبل، إرضاء لرغبتهم الفطرية في التكلم والتعبير عن أغراضهم، فاستنبط من ملاحظته هذه أن الإنسان مزود بتلك القوة، التي تنشأ عنها الألفاظ. وهذه النظرية لا تحل المشكلة، فإن لنا أن نسأل صاحبها: كيف ومتى زود الإنسان بهذه الذخيرة اللغوية؟ وكيف انطوت نفسه على تلك الألفاظ الكاملة؟ وإذا كان قد زود بفطرته بهذه الألفاظ، فلم اختلفت اللغات وتعددت اللهجات؟ فإننا نكاد نجزم بأن آثار القوى الفطرية لا بد أن تكون متحدة إلى حد ما. ثم كيف تسنى للإنسان أن يخرج تلك الألفاظ من مكانها، ويطلقها على المسميات المختلفة؟ فهذه النظرية، تنقل الباحث من مشكلة إلى مشكلات أعمق منها، وأشد غموضا ولبسا. وربما كان من أبرز عيوبها أنها تفترض ظهور الكلمة أو الكلمات الأولى لدى الإنسان، كاملة غير خاضعة لسنة التطور.
следующие страницы →