← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11542

التوجيه والإرشاد النفسي

الدكتور حامد عبد السلام زهران

Полный текст (650 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمات تقديم الطبعة الأولى ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ تقديم الطبعة الأولى: عزيزي القارئ: المهتم بميدان "التوجيه والإرشاد النفسي" أقدم إليك هذا الكتاب راجيا الله التوفيق. ومن الطريف أن فكرة تأليف هذا الكتاب نشأت في لندن سنة ١٩٦٦ حين كان المؤلف مبعوثا ويوم أن حصل على درجة الدكتوراه في الإرشاد النفسي، للاستفادة بما قرأ وبما أجرى من بحوث ودراسات، وعاد المؤلف إلى القاهرة، وشاء الله أن ينشغل بالتدريس في قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس، والإرشاد النفسي بالعيادة النفسية التابعة له. وفي هذه الأثناء تم العمل الذي كان قد بدأ من قبل في سنة ١٩٦٢ وهو تأليف "قاموس علم النفس" من ثم جاء دور كتاب "علم نفس النمو" ثم كتاب "علم النفس الاجتماعي" ثم كتاب "الصحة النفسية والعلاج النفسي"، هذا بالإضافة إلى عدد آخر من الدراسات والبحوث وفي عملية الإرشاد النفسية والعلاج النفسي"، وهذا بالإضافة إلى عدد آخر من الدراسات والبحوث في عملية الإرشاد والعلاج النفسي، وفي مفهوم الذات، وفي الاتجاهات النفسية، وفي مشكلات الأطفال والشباب ... إلخ وأراد الله أن تظل أصول الكتاب في نمو مستمر حتى أعير المؤلف إلى كلية التربية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، وفي هذا البلد الأمين تم هذا الكتاب بحمد الله. أما عن موضوعات الكتاب فتسير في ترتيب تتصدره مقدمة تتناول مفهوم التوجيه والإرشاد النفسي، ومجالاته، والعلوم المتصلة به، والحاجة إليه، وأهدافه، ومناهجه وماضيه وحاضره ومستقبله كعلم وفن، يلي هذا أسس التوجيه والإرشاد النفسي، وتشمل الأسس العامة، والفلسفية، والنفسية، والتربوية والاجتماعية، والعصبية. ثم يتناول الكتاب نظريات التوجيه والإرشاد، وأهمها نظرية الذات، ونظرية المجال، والنظرية السلوكية، ونظرية السمات والعوامل. ثم يتناول المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي الخاصة بالبيانات العامة عن العميل، ومشكلته، وشخصيته جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، وينتقل الكتاب إلى وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي مثل الملاحظة، والمقابلة، ودراسة الحالة، وتاريخ الحياة، والسيرة الشخصية، والتقارير، ومؤتمر الحالة، والاختبارات

стр. 2

والمقاييس، والسجلات ... إلخ. ويصل الكتاب إلى أهم فصوله الذي يتناول عملية الإرشاد النفسي ابتداء من مقدمة الإرشاد النفسي، وتحديد الأهداف، وتجميع المعلومات والبيانات المرتبطة بالمشكلة والتشخيص وتحديد المشكلات، وتحديد المآل، وتهيئة الجو النفسي، والعلاقة الإرشادية، والتداعي الحر، والتفسير، والتنفيس الانفعالي، والاستبصار، والتعلم وإعادة التعلم، والنمو وتغير الشخصية، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وتعديل السلوك، والتقييم، والإنهاء، والمتابعة، وطوارئ عملية الإرشاد النفسي، مثل المقاومة والتحويل والإحالة، والمفاهيم العامة في عملية الإرشاد النفسي، ومشكلاتها، ومضاعفات الإرشاد غير الناجح، ومكان عملية الإرشاد. وينتقل الكتاب إلى طرق الإرشاد النفسي مثل الإرشاد الجماعي، والفردي، والمباشر، وغير المباشر، والمختصر، والإرشاد النفسي الديني، والإرشاد خلال العملية التربوية، والإرشاد في وقت الفراغ، والإرشاد العرضي، والإرشاد الخياري. يتناول الكتاب مجالات الإرشاد النفسي مثل الإرشاد العلاجي، والتربوي، والمهني، والزواجي، والأسري، وإرشاد الأطفال، والشباب، والكبار، والمعوقين، وأخيرا وليس آخرا، يتناول الكتاب برنامج التوجيه والإرشاد، "في المدرسة" من حيث مدى الحاجة إليه، والأسس التي يقوم عليها، والخدمات التي يتضمنها، وتخطيطه، وتمويله، وتنفيذه، وتقييمه، ومشكلاته، والمسئولون عن عملية التوجيه والإرشاد، مع مثال توضيحي لبرنامج التوجيه والإرشاد في المدرسة، وأخيرا تأتي خاتمة تتضمن التطبيقات العملية للإرشاد النفسي. وهناك بعض الملاحظات يجدر الإشارة إليها، ومن هذه الملاحظات ما يلي: - يتكون الكتاب من جزءين أساسيين: أحدهما نظري والآخر عملي، والجزء النظري عام يتضمن المفاهيم الأساسية في التوجيه النفسي، والجزء العملي خاص يتضمن الإجراءات التطبيقية في عملية الإرشاد النفسي. - يقدم الكتاب أساسا إلى طالب التوجيه والإرشاد النفسي وإلى المرشد والمعالج النفسي، ويرجع ذلك إلى أن مؤلف الكتاب نفسه من أعضاء هيئة التدريس بقسم الصحة النفسية بكلية التربية وأنه يعمل كأخصائي في الإرشاد النفسي بالعيادة النفسية التابعة لكلية التربية. - يعتبر الكتاب الحالي توأما لكتاب "الصحة النفسية والعلاج النفسي" للمؤلف، يعطيان معا صورة متكاملة للتوجيه والإرشاد والصحة النفسية والعلاج النفسي. - يفترض المؤلف أن القارئ ملم بالمبادئ والأسس العامة في علم النفس.

стр. 3

- يتبنى الكتاب نظرة مستقبلية فيضع المؤلف في حسابه أن يكون الكتاب مشبعا بتوقعات المستقبل ويهدف إلى إعداد مرشد المستقبل، ذلك لأننا نعيش الآن في عصر أهم ما يميزه التغير الدائم والتقدم العلمي، والتكنولوجي السريع، ومن ثم فإن الأسس والنظريات والوسائل والطرق والمجالات الحالية للتوجيه والإرشاد النفسي يجب أن تؤخذ في إطار تطوري مع تبني التطوير والابتكار. - يستخدم المؤلف مصطلحات محددة المعنى، من باب الاختصار، مثل: - الإرشاد = الإرشاد النفسي بمعناه الشامل بجميع مجالاته. - المرشد أو الأخصائي النفسي وغيرهم من أعضاء هيئة أو فريق الإرشاد والمسئولين عن عملية الإرشاد النفسي. - العلاج = العلاج النفسي. - المعالج = المعالج النفسي. - المريض = الفرد الذي تقدم له خدمات العلاج النفسي. - العميل = المسترشد الذي تقدم له خدمات الإرشاد. وهذه بعض التوجيهات حول "كيف تستخدم هذا الكتاب": - اقرأ مقدمة كل فصل، ثم استعرض العناوين الرئيسية والعناوين الفرعية، والكلمات أو العبارات المميزة، فهي تمثل الفكرة الرئيسية لكل فقرة. - اسأل نفسك باستمرار: ماذا أريد أن أعرف؟ وماذا يريد المؤلف أن يقول؟ - اقرأ قراءة جيدة فاهمة ناقدة، وسوف تلاحظ ذكر كثير من المراجع في مواضع كثيرة من الكتاب، وذلك من باب إعطاء كل ذي حق حقه. وللقارئ غير المتخصص أن يتجاوز عنها، وعلى القارئ المتخصص الاهتمام بها للتوسع والاستزادة. وقد أشير إلى المراجع بطريقة ذكر اسم المؤلف وسنة نشر المرجع بين علامتي تنصيص، ويرجع إلى قائمة المراجع في نهاية الكتاب، وهي مرتبة ترتيبا أبجديا. - وجه اهتمامك إلى الأشكال والصور ووسائل الإيضاح الأخرى؛ وهي كثيرة في الكتاب، وأضف إليها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. - بلور في النهاية كل ما قرأت وكل ما وجدت وكل ما عرفت وحدد فائدته وتطبيقاته العملية.

стр. 4

- راجع الفصل كوحدة متكاملة، انظر مرة أخرى في العناوين الرئيسية والعناوين الفرعية والأفكار الرئيسية في كل فقرة. - لاحظ سلوك الناس فعلا في الحياة اليومية وفي مواقف الحياة الحقيقة. - طبق كل ما تعلمته، واجعله واقعا ملموسا له معنى في الحياة العملية، وطبقه مع كل من تتعامل معهم. - عدل وغير سلوكك الشخصي في ضوء ما تعلمت. وهذه كلمات شكر أقدمها إلى والدي وأساتذتي اعترافا بفضلهم في تعليمي وتوجيهي وإرشادي، وإلى طلابي على ما تعلمته منهم بقدر ما علمتهم في مادة التوجيه والإرشاد النفسي، وإلى زوجتي الوفية التي دأبت على تشجيعي ومساعدتي. والله أسأل أن أكون قد وفقت في تقديم خلاصة ما تعلمت وما علمت في التوجيه والإرشاد النفسي، وخلاصة خبراتي في هذا الميدان، وأرجو أن يكون في هذا الكتاب فائدة للقارئ واستثارة للباحث لمزيد من الاطلاع والبحث في التوجيه، والإرشاد النفسين وليدع كل منا الله قائلا: اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علما. مكة المكرمة في محرم ١٣٩٧هـ، يناير ١٩٧٧م. والله الموفق. الدكتور حامد زهران.

стр. 5

تقديم الطبعة الثانية: عزيزي القارئ ... منذ أن ظهرت الطبعة الأولى من كتاب التوجيه والإرشاد النفسي بدأت مراجعتها وتنقيحها وتطويرها حتى تظهر الطبعة الثانية في شكل أفضل. ورجائي وأنت تقرأ هذا الكتاب أن تأخذ مما فيه وتنمي أفكارك أنت وأن تتوصل إلى التطبيقات العملية بنفسك وأن تنفذها في عملك. وسوف تجد -إن شاء الله- عند قراءتك لهذا الكتاب أن التوجيه والإرشاد النفسي علم وفن. القاهرة في ربيع الأول ١٤٠٠هـ، يناير ١٩٨٠م. والله الموفق. المؤلف.

стр. 6

تقديم الطبعة الثالثة: "الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله". الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. وبعد. يسعدني أن أقدم الطبعة الثالثة من كتاب "التوجيه والإرشاد النفسي" إلى أساتذتي وزملائي وطلابي، وإلى كل من قدمت لهم الطبعتين الأولى والثانية، من المهتمين بالتوجيه والإرشاد النفسي من الموجهين والمرشدين والمعالجين النفسيين، ومن الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، ومن الوالدين والمربين، ومن الشباب الراشدين. ومن مرشدي الصحة النفسية كجيل جديد في ميدان الإرشاد النفسي والصحة النفسية. وأواصل التعبير عن شكري وتقديري إلى كل من لفت ويلفت نظري إلى ما يحتاج إلى شرح أو تبسيط أو إيضاح أو إضافة في الطبعات المتتالية من هذا الكتاب. وفي هذه الطبعة، مزيد من المراجعة، وكثير من التنقيح، وعدد من التجديدات، والأشكال والإيضاحات، وبعض الإضافات مثل: إرشاد الصحة النفسية، والإرشاد بالقراءة، والإرشاد الذاتي، وغيرها. ولقد سرني كثيرا أن هذه الطبعة تصدر بعد أن حقق الله لي حلما طالما لازم مسيرتي في ميدان الإرشاد والصحة النفسية، وهو إنشاء أول مركز للإرشاد النفسي، في كلية التربية جامعة عين شمس، هذا المركز الذي شرفت بالإسهام في إنشائه عام ١٩٩٠، وتلاه إنشاء مركزين آخرين للإرشاد النفسي بكلية التربية جامعة حلوان، وبكلية التربية جامعة المنصورة، وأرجو أن يكثر الله من هذه المراكز، كما أرجو الله أن يحقق حلم حياتي وهو دخول خدمات الإرشاد النفسي في جميع مؤسساتنا التربوية الاجتماعية والإنتاجية في مصر. وأشكر زوجتي العزيزة الأستاذة الدكتورة إجلال محمد سري، أستاذ الصحة النفسية بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر، على مراجعتها المستمرة ونقدها البناء لهذا الكتاب. وأدعو الله قائلا: اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علما. القاهرة في جمادى الآخرة ١٤١٩هـ، أكتوبر ١٩٩٨م. والله الموفق. المؤلف.

стр. 7

الفصل الأول: مقدمة مفهوم التوجيه والإرشاد ... مفهوم التوجيه والإرشاد GUIDANCE AND COUNSELLING: تعريفات: يحسن البدء بتحديد مفهوم ومعنى التوجيه والإرشاد النفسي. وهناك تعريفات كثيرة للتوجيه والإرشاد، كل من وجهة نظر معينة، وكل يركز على وجهة النظر التي يرتكز عليها، ولكنها جميعا تهدف إلى نفس الشيء، وتؤكد نفس المعنى، وهذه التعريفات تحدد وتصف الأنشطة التي يتضمنها الإطار العام للتوجيه والإرشاد النفسي. ولقد استعرض المؤلف عددا من التعريفات "انظر آرثر جونز Jones؛ ١٩٧٠، تليلور Taylor؛ ١٩٧١، هولدين Holden؛ ١٩٧١، دانيل فولمر وهارولد بيرنارد Fullmer & Bernard؛ ١٩٧٢، فوان Vaughan؛ ١٩٧٥، ديف كابوزي ودوجلاس جروس Capuzzi & Gross؛١٩٩١". وفيما يلي عدد من هذه التعريفات بتصرف على سبيل المثال لا الحصر: - وهو عملية إرشاد الفرد إلى الطرق المختلفة التي يستطيع عن طريقها اكتشاف واستخدام إمكاناته وقدراته، وتعليمه ما يمكنه أن يعيش في أسعد حال ممكن بالنسبة لنفسه وللمجتمع الذي يعيش فيه. - هو عملية مساعدة الفرد في فهم وتحليل استعداداته وقدراته وإمكاناته وميوله والفرص المتاحة أمامه ومشكلاته وحاجاته، واستخدام معرفته في إجراء الاختيارات واتخاذ القرارات لتحقيق التوافق بحيث يستطيع أن يعيش سعيدا. - هو عملية مساعدة الفرد وتشجيعه على الاختيار والتقرير والتخطيط للمستقبل بدقة وحكمة ومسئولية في ضوء معرفة واقع المجتمع الذي يعيش فيه. - هو عملية مساعدة الفرد في فهم حاضره وإعداده لمستقبله بهدف وضعه في مكانه المناسب له وللمجتمع ومساعدته في تحقيق التوافق الشخصي والتربوي والمهني لتحقيق حياة سعيدة. - هو عملية مساعدة ليستخدم إمكاناته وقدراته استخداما سليما لتحقيق التوافق مع الحياة. - هو عملية مساعدة الفرد على تنمية إمكاناته وقدرته من خلال حل مشكلاته. - هو عملية مساعدة الفرد في تحديد أهداف ملائمة وخطط مناسبة لتحقيقها، وفي تنمية الدوافع لتحقيق حياة أفضل. - هو عملية مساعدة الفرد في الاستعداد والإعداد لمستقبله وأن يأخذ مكانه المناسب في المجتمع الذي يعيش فيه.

стр. 8

- هو عملية مساعدة الفرد القادر على توجيه ذاته ببصيرة وذكاء وكفاية لتحقيق الصحة النفسية والتوافق في مجالات الحياة المختلفة. - هو عملية تحقيق الذات حيث يكتشف الفرد نفسه واستعداداته وقدراته مما يؤدي إلى توافقه وسعادته وصحته النفسية. - هو عملية تعلم وتعليم نفسي واجتماعي. - هو محاولة واعية مقصودة لتوجيه الفرد ليفهم نفسه واستعداداته وقدراته وميوله، واستغلالها لتحقيق أهداف سليمة لتحقيق حياة ناجحة. - هو برنامج منظم لمساعدة الفرد في أن ينمو إلى أقصى حد مستطاع وأن ينمي طاقاته، واستعداداته ومواهبه لأقصى درجة ممكنة بحيث يستطيع أن يأخذ مكانه كإنسان صالح في المجتمع. - هو خدمة مخططة تهدف إلى تقديم المساعدة المتكاملة للفرد حتى يستطيع حل المشكلات الشخصية أو التربوية أو المهنية أوالصحية أو الأخلاقية التي يقابلها في حياته أو التوافق معها. تعريف المؤلف: توصل المؤلف "حامد زهران Zahran؛ ١٩٦٤، ١٩٦٦، ١٩٦٧" إلى التعريف الشامل التالي للتوجيه والإرشاد النفسي: التوجيه والإرشاد النفسي عملية واعية مستمرة بناءة ومخططة، تهدف إلى مساعدة وتشجيع الفرد لكي يعرف نفسه ويفهم ذاته ويدرس شخصيته جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، ويفهم خبراته، ويحدد مشكلاته وحاجاته، ويعرف الفرص المتاحة له، وأن يستخدم وينمي إمكاناته بذكاء وإلى أقصى حد مستطاع، وأن يحدد اختياراته ويتخذ قراراته ويحل مشكلاته في ضوء معرفته ورغبته بنفسه، بالإضافة إلى التعليم والتدريب الخاص الذي يحصل عليه عن طريق المرشدين والمربين والوالدين، في مراكز التوجيه والإرشاد وفي المدارس وفي الأسرة، لكي يصل إلى تحديد وتحقيق أهداف واضحة تكفل له تحقيق ذاته وتحقيق الصحة النفسية والسعادة مع نفسه ومع الآخرين في المجتمع، والتوفيق شخصيا وتربويا ومهنيا وزواجيا وأسريا. التوجيه والإرشاد النفسي عملية بناءة، تهدف إلى مساعدة الفرد لكي يفهم ذاته ويدرس

стр. 9

شخصيته ويعرف خبراته ويحدد مشكلاته وينمي إمكاناته، ويحل مشكلاته في ضوء معرفته، ورغبته وتعليمه وتدريبه لكي يصل إلى تحديد وتحقيق أهدافه وتحقيق الصحة النفسية والتوافق شخصيا وتربويا ومهنيا وزواجيا وأسريا. هذا وقد تبنى هذا التعريف الذي قدمه المؤلف عدد من الكتاب في أوربا مثل تيلور Taylor؛ "١٩٧١"، وتوماس Thomas؛ "١٩٧٥". مصطلحا التوجيه والإرشاد: يعبر مصطلحا التوجيه والإرشاد عن معنى مشترك، فكل من التوجيه والإرشاد يتضمن، من حيث المعنى الحرفي، الترشيد والهداية التوعية والإصلاح وتقديم الخدمة والمساعدة، والتغير السلوكي إلى أفضل، وكل من التوجيه والإرشاد مترابطان، وهما وجهان لعملة واحدة، وكل يكمل الآخر. وفي نفس الوقت توجد فروق بين مصطلح التوجيه ومصطلح الإرشاد، وفيما يلي أهم هذه الفروق "جدول١": جدول "١" الفروق بين مصطلح التوجيه ومصطلح الإرشاد.

стр. 10

مفاهيم خاطئة عن التوجيه والإرشاد النفسي: هناك بعض المفاهيم الخاطئة عن التوجيه والإرشاد النفسي تحدد ما ليس توجيها ولا إرشادا نفسيا "انظر نوردبيرج Nordberg؛ ١٩٧٠". وفيما يلي أهم هذه المفاهيم "جدول٢". جدول "٢" مفاهيم خاطئة والمفاهيم الصحيحة عن التوجيه والإرشاد النفسي.

стр. 11

التوجيه والإرشاد النفسي والعلوم المتصلة به: لا يوجد علم واحد مستقل تماما عن غيره من العلوم. إن كل العلوم يتصل بعضها ببعض أخذا وعطاء، ورغم هذا يبقى لكل منها كيانه المتميز. والتوجيه والإرشاد النفسي واحد من العلوم الإنسانية يهدف إلى خدمة وسعادة الإنسان. وهذا هدف مشترك بين كل هذه العلوم وإن اتخذ كل منها أسلوبه المتخصص لتحقيق الإنسان. وهذا هدف مشترك بين كل هذه العلوم وإن اتخذ كل منها أسلوبه المتخصص لتحقيق هذا الهدف المشترك تحت اسم مختلف مثل الإرشاد النفسي والعلاج النفسي والخدمة الاجتماعية والتربية ... وغير ذلك من العلوم والتخصصات الفرعية التي تعددت مع نمو المدنية المتطورة والتقدم التكنولوجي السريع في عالمنا المعاصر. ومن المعلوم أن الناس يذهبون لحل مشكلاتهم إلى أشخاص ذوي تخصصات عديدة، فمنهم من يذهب إلى المعالج النفسي، أو المرشد النفسي، أو الطبيب، أو المعلم أو الأخصائي الاجتماعي، أو المحامي، أو عالم الدين. ومعظم هؤلاء يستخدمون مصطلح التوجيه والإرشاد عندما يتحدثون عن الخدمات التي يقدمونها، وحتى بعض المرشدين المتخصصين كثيرا ما نجد أن تخصصهم الأصلي كان تربية أو علم نفس أو طبا أو دينا ... إلخ. ومن الضروري تحديد الصلة والعلاقة بين التوجيه الإرشاد النفسي وبين بعض العلوم الإنسانية الأخرى التي يأخذ منها ويعطيها من حيث الأهداف المشتركة والأساليب المتداخلة، وفي نفس الوقت إظهار أهم الفروق الجوهرية بين التوجيه والإرشاد وبين هذه العلوم.

стр. 12

ويجب التمييز بين الإرشاد النفسي وبين خدمات العلوم الأخرى، وبمعنى آخر يجب التمييز بين "الإرشاد النفسي" Psychological Counselling وبين "الإرشاد غير النفسي" Nonpsychological Counselling. وفي نفس الوقت يجب التمييز بين "الإرشاد النفسي" وغيره من "الخدمات النفسية" الأخرى مثل "العلاج النفسي" و"الاستشارة النفسية" "إدوارد بوردين Bordin؛ ١٩٨٦". ونظرا للاتصال الوثيق بين التوجيه والإرشاد النفسي من جهة وبين الصحة النفسية والعلاج النفسي وبين التربية والتعليم، وبين الاستشارة النفسية من جهة أخرى، فقد أفرد لكل منها مكان خاص "انظر شكل٢". التوجيه والإرشاد النفسي وعلم النفس: يدرس علم النفس بصفة عامة السلوك في سوائه وانحرافه، وهو أهم المواد التي يدرسها المرشد في إعداده مهنيا.

стр. 13

ويحتل التوجيه، والإرشاد مكانا كبيرا ومساحة عظيمة في علم النفس، يمثلها مجال "علم النفس الإرشادي" Counselling Psychology. والتوجيه والإرشاد نفسه فرع من فروع علم النفس التطبيقي، يعتمد في وسائله وفي عملية الإرشاد على علم النفس. ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس العلاجي في التعرف على الشخص الصحيح نفسيا والمريض نفسيا، وفي معرفة الدرجات المتقدمة أو المتطورة من الاضطراب النفسي مثل العصاب والذهان. ويستفيد الإرشاد النفسي من علم نفس النمو في معرفة مطالب النمو ومعاييره التي يرجع إليها في تقييم نمو الفرد هل هو عادي أم غير عادي، متقدم أو متأخر. ويركز على نمو الذات وتحقيق الذات، ويشترك الإرشاد النفسي مع علم نفس النمو في الاهتمام برعاية النمو السوي في كافة مظاهره جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا في مراحل النمو المتتالية، ويؤكد الإرشاد النفسي أهمية مساعدة الفرد في تحقيق النضج النفسي، وهو هدف مشترك مع علم نفس النمو. كذلك فإن عملية الإرشاد عملية مستمرة من الحضانة حتى الشيخوخة. ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس الاجتماعي الذي يدرس السلوك الاجتماعي كاستجابات لمثيرات اجتماعية، فالمرشد يتعامل مع الأفراد والجماعات في الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي، وفي الإرشاد الجماعي بصفة خاصة يستفيد المرشد من دراسة سيكلوجية الجماعة ودينامياتها وبنائها والعلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي وكيف تتكون الجماعات الإرشادية وما هي معايير السلوك في الجماعة وكيف تتوزع الأدوار فيها ودوره القيادي لتحقيق التوافق الاجتماعي. ويستقي الإرشاد النفسي من علم نفس الشواذ معلومات هامة عن السلوك الشاذ والغريب للشخص غير العادي. ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس التربوي الذي يهتم بالتعليم واكتساب السلوك والعادات وإطفائها، وأهمية التعزيز والتعميم وغير ذلك من قوانين التعلم. ويهتم علم النفس التربوي كذلك بالدافعية وموضوعات مثل الذكاء والقدرات ... إلخ، وفوق هذا كله فإن عملية الإرشاد هي في جوهرها عملية تعلم وتعليم. ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس الصناعي الذي يطبق المبادئ العامة في علم

стр. 14

النفس على المشكلات العملية في الصناعة والإنتاج والتدريب، ويفيد من ذلك المرشد في مجال الإرشاد المهني. ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس الجنائي الذي يهتم بدوافع السلوك المنحرف المضاد للمجتمع والذي يعاقب عليه القانون مثل جناح الأحداث، وكثير من المرشدين النفسين يعملون في مؤسسات الأحداث. ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس العام مثلا في دراسة الشخصية وديناميتها ... إلخ. وعند فحص ودراسة الحالة في الإرشاد النفسي يحتاج المرشد إلى القياس النفسي فالمقاييس النفسية بالنسبة لعملية الإرشاد النفسي مثل سماعة الطبيب ضرورية ولازمة. التوجيه والإرشاد وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية: إن علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة الفرد والجماعة يعتبر علما أساسيا في إعداد المرشد والصلة وثيقة بين التوجيه والإرشاد وبين علم الاجتماع نظرا لاهتمام كل منهما بالسلوك الاجتماعي والقيم والتقاليد والعادات الاجتماعية والنمو الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية والخبرات الاجتماعية. وتعتمد طريقة الإرشاد الجماعي على مفاهيم أساسية في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي الوثيق الصلة بعلم الاجتماع. ويهتم المرشد في مجال الإرشاد الأسري بدراسة الأسرة باعتبارها أقوى العوامل الاجتماعية تأثيرا في الفرد وفي تنشئته الاجتماعية، ويختلف تأثيرها الحسن أو السيئ باختلاف تركيبها وظروفها. ويهتم المرشد بمعرفة الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد وأسلوب حياته الاجتماعي في إطار هذه الطبقة سواء العليا أو المتوسطة أو الدنيا، والحراك الاجتماعي الرأسي من طبقة إلى أخرى، لأن كل هذا يؤثر في حياة الفرد. ويهتم المرشد بدراسة نظام الحياة في الريف والحضر والبدو حيث توجد فروق بين الشخص الريفي والشخص الحضري والشخص البدوي، ولذلك يدرس علم الاجتماع الريفي وعلم الاجتماع الحضري وعلم الاجتماع البدوي ... إلخ "دانيل فوملر وهارولد بيرنارد Fullmer & Bernardk؛ ١٩٧٢" وكذلك يهتم المرشد بدراسة الحياة في المجتمعات المختلفة. فالتعامل مع عميل مصري يختلف في بعض النواحي عنه مع عميل سعودي عنه مع عميل إنجليزي ... وهكذا.

стр. 15

وينظر إدوارد شوبين Shoben؛ "١٩٦٢" إلى الإرشاد كعملية "إصلاح اجتماعي" يتطلب قيادة اجتماعية ابتكارية من جانب المرشد الذي يعمل على دمج الأفراد في خبرة الحياة الواقعية. ويشترك الإرشاد النفسي والخدمة الاجتماعية في أن كلا منهما خدمة ميدانية في مجال المشكلات الإنسانية، ويستعير الإرشاد النفسي من ميدان الخدمة الاجتماعية أساليب هامة مثل دراسة الحالة والمقابلة. ويشترك المرشد النفسي والأخصائي الاجتماعي في تقديم الخدمات التي تتناول البيئة الاجتماعية بالتعديل حتى يسهل حل المشكلات، ويشتركان معا في الاهتمام بمشكلات الأسرة والدراسة والعمل. ويتعاون المرشد النفسي مع الأخصائي الاجتماعي في خدمة كل من الفرد والأسرة والمجتمع في آن واحد، حتى لنجد أن هذين الأخصائيين هما أقرب أعضاء فريق الإرشاد النفسي إلى بعضهما من حيث الاهتمامات والخدمات. التوجيه والإرشاد وعلم الطب: يتضمن الإرشاد النفسي عملية علاجية. ويرتبط العلاج عند الناس بالطب. والإرشاد النفسي مليء بالمصطلحات المشبعة بالمعنى الطبي مثل التشخيص والمآل والعلاج، وليس في هذا إزعاج لمن قد يظنون أن الطب أصبح يمارسه غير الأطباء. وهذه المصطلحات مشتركة بين الإرشاد والعلاج النفسي والطب وخاصة الطب النفسي. وهناك قدر كبير من المعلومات من علم الطب لا بد أن يحيط بها المرشد والمعالج النفسي بحيث تعينه في الدراسة وتمكنه من العمل مع فريق ضمن أعضائه الطبيب، ونحن نعلم أن هناك أرضية مشتركة بين علم النفس والطب في مجال الطب النفسي والأمراض النفسية الجسمية. ومعروف أن الانفعالات والضغوط النفسية لها رد فعل جسمي وفسيولوجي له أعراض وأمراض معروفة. ويحدد الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين حدود العلاقة بين الأخصائيين ومنهم المرشد والطبيب كعضوين في فريق الإرشاد النفسي حيث يجب على المرشد أو المعالج النفسي أن يمارسه عمله في التشخيص والإرشاد والعلاج النفسي، وإذا ظهر ما يستدعي استشارة طبية أو إخالة إلى طبيب نفسي فعليه أن يفعل ذلك. وصحيح أن المرشدين والمعالجين النفسيين يعتبرون -بالنسبة للأطباء- فريقا جديدا نسبيا من الأخصائيين، ويحاول الأطباء جعل قيادة عملية الإرشاد والعلاج النفسي في أيديهم، ويحاول المرشدون نفس الشيء، أي أن كلا من الفريقين يحاول سحب البساط من تحت أقدام الآخر، إلا أنه مع الوقت تتقارب وجهات

стр. 16

النظر ويزداد التفاهم والفهم حيث يعمل الطرفان معا في تعاون، يقدم كل طرف خدماته في حدود تخصصه ويحيل ما ليس من اختصاصه إلى زميله، وهذا يتطلب من المرشد النفسي معرفة الحدود الفاصلة التي عندها يحيل الحالة إلى زميله الطبيب. التوجيه والإرشاد وعلم الإنسان: نحن نعلم أن علم الإنسان "أنثروبولوجي" يدرس العناصر الحيوية والعناصر الاجتماعية والثقافية للإنسان، والثقافة هي مجموع السلوك البشري، وبعناصره اللغوية، وغير اللغوية وبمنتجاتها المادية، وغير المادية. وإلى جانب هذا يهتم علم الإنسان بدراسة أنماط الثقافة في الأجزاء المختلفة في العالم مثل الجماعة البدائية، فيدرس ثقافتها وعاداتها وتقاليدها ليفسر الفروق بين الثقافات المختلفة. ويشترك الإرشاد النفسي في علم الإنسان في الاهتمام بدراسة شخصية الفرد والمجال البيئي والاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه. نحن نعلم أن هناك فروقا بين الثقافات والحضارات لا بد أن يحيط بها المرشد النفسي. التوجيه والإرشاد وعلم الاقتصاد: من أهم مجالات الإرشاد النفسي: الإرشد المهني حيث يهتم المرشد بمساعدة العميل في عالم المهنة والاقتصاد تعريفا واختيارا وإعدادا ودخولا وتوافقا. ومن ثم فهو يهتم بدراسة فرص العمل والتغيرات التي تطرأ على المهن مع التقدم والنمو العلمي والتكنولوجي الحديث في عالم الاقتصاد والعمل. ومن الناحية الاقتصادية البحتة فإن الإرشاد النفسي يرتبط بالاقتصاد كضرورة ملحة حتى لا تحدث خسارة قومية في القوى البشرية التي تستمر أثناء عملية التربية والتعليم، وحتى يعمل حساب ما سيحدث في المستقبل من أن الفرد الواحد سيعمل في عدة منهن مختلفة، وربما يعمل الأفراد في مهن جديدة غير تلك التي أعدوا لها نظرا لسرعة التطور التكنولوجي والتغير الاجتماعي. وتلعب النواحي الاقتصادية دورا هاما ومؤثرا في عملية وخدمات الإرشاد النفسي. ومن ذلك تأثير تقديم الخدمات والإرشاد مجانا على حساب الدولة مثلا أو كخدمات خاصة يدفع تكاليفها العملاء. ومنها أيضا أن المستوى الاجتماعي الاقتصادي للفرد أمر يؤثر في أسلوب حياته وقد يؤثر في إقباله على خدمات الإرشاد النفسي أو عدم استطاعته الحصول عليها أحيانا، ومنها كذلك أن برنامج التوجيه والإرشاد نفسه فيه جانب اقتصادي كما أن فيه جانبا إدرايا وجانبا علميا ... إلخ، وهذا يحتم الإحاطة بكثير من المفاهيم الاقتصادية.

стр. 17

التوجيه والإرشاد والدين: من أهم طرق الإرشاد النفسي: الإرشاد النفسي الديني الذي يدخل الدين في ديناميات عملية الإرشاد، لأن التدين والعقيدة الدينية السليمة تعتبر أساسا متينا للسلوك السوي والتوافق والصحة النفسية، وقد أجمع المرشدون على اختلاف أديانهم سواء كانوا مسلمين أو يهودا أو مسيحيين على أن الإرشاد الديني طريقة تقوم على أسس ومفاهيم ومبادئ وأساليب دينية روحية أخلاقية. ولا بد أن يحيط المرشد النفسي علما بمفاهيم دينية أساسية مثل: طبيعة الإنسان كما حددها الله، وأساليب الاضطراب النفسي في رأي الدين مثل الذنوب والضلال والصراع وضعف الضمير، وأعراض الاضطراب النفسي في رأي الدين مثل الانحراف والشعور بالإثم والخوف والقلق والاكتئاب، والوقاية الدينية من الاضطراب النفسي مثل الإيمان والسلوك الديني والسلوك الأخلاقي، وخطوات الإرشاد الديني مثل الاعتراف والتوبة والاستبصار والتعلم والدعاء وابتغاء رحمة الله والاستغفار وذكر الله والصبر والتوكل على الله. "حامد زهران ١٩٧٥". وهناك اعتبارات دينية يجب عمل حسابها في الإرشاد النفسي. فهناك "رقابة" الدين حيث يجب أن تستعرض كل النظريات والطرق المستوردة من الخارج بحيث تجاز كما هي إذا كانت خالية من الضرر أو التعارض، أو تعدل إذا كان بها بعض الاختلافات، أو تمنع إذا كانت من الممنوعات. ويلاحظ أن بعض العملاء قد يسألون أسئلة تتصل بالدين والعقيدة ويتناولون مشكلات تتصل بالدين. ومن أخلاقيات الإرشاد النفسي أن على المرشد احترام دين العميل مهما اختلف عن دينه، وأنه لا يحق للمرشد التدخل في معتقدات العميل الدينية، وهو مسئول عن أي تدخل من جانبه لتغييرها. إن الإرشاد النفسي يحتاج إلى المرشد الذي يعرف الله ويخشاه ويراقبه في عمله. التوجيه والإرشاد والقانون: كثير من حالات الإرشاد النفسي قد تكون متعلقة بمشكلات قانونية، وبعض الحالات قد تكون من بين المحكوم عليهم قضائيا. وهناك بعض المسئوليات القانونية على المرشد نحو العميل مثل تلك التي على المعلم نحو تلاميذه، وهذه المسئوليات القانونية يجب مراعتها في ممارسة الإرشاد النفسي.

стр. 18

من المسئوليات القانونية على سبيل المثال: أسرار العميل. فمن أسس ومبادئ الإرشاد احترام حق الفرد في الاحتفاظ بأسراره ومحافظة المرشد عليها عند بوح العميل بها أثناء عملية الإرشاد، فالمرشد لا يملك الحق في اقتحام أسوار خصوصيات العميل عنوة أو رغما عنه، وإذا علم وأعطى بعض المعلومات والأسرار الخاصة عن طيب خاطر فليس له الحق في إفشاء هذه الأسرار تحت أي ظرف من الظروف. وإذا فعل المرشد وأفشى وأساء استغلال المعلومات والأسرار بما يعود بالضرر المادي أو المعنوي على العميل فإنه يؤاخذ قانونا "شميت Schmidt؛ ١٩٦٢". وبخصوص السلوك الجنائي للعميل، أثناء جلسات الإرشاد أو بعد انتهائها، يوجد جدل حول مدى المسئولية القانونية للمرشد عن سلوك العميل، وحول وجوب أو جواز إبلاغ أو عدم إبلاغ الجهات المختصة في حالة وجود سلوك يعاقب عليه القانون. إن بعض الدول تعطي المرشد نوعا من "الحصانة" ضد هذه المسئولية. وإذا قام المرشد بأي سلوك مناف للآداب أو الأخلاق يتعارض مع الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين فإنه يكن بذلك قد تعدى على حدود يؤاخذ عليها قانونا. وهناك بعض الاعتبارات القانونية الرسمية في ممارسة الإرشاد والعلاج النفسي منها ضرورة حصول المرشد أو المعالج على ترخيص رسمي بممارسة الإرشاد والعلاج. وهنا يكون للمرشد أو المعالج نوع من "الإعفاء" حيث لا يطالب أمام المحاكم مثلا بالإدلاء بشهادة تخص السلوك الجنائي لعميل من عملائه. التوجيه والإرشاد وعلوم أخرى: يتصل التوجيه والإرشاد بعدد من العلوم الأخرى، ولا يتسع المجال لتفصيل مظاهر هذا الاتصال، وفيما يلي إجمال للصلة بين التوجيه والإرشاد وعدد من العلوم: علم وظائف الأعضاء: يأخذ التوجيه والإرشاد النفسي من علم الإحصاء المفاهيم الإحصائية الأساسية اللازمة في إنشاء الاختبارات والمقاييس النفسية وإجرائها وتحليل نتائجها. الفلسفة: هنا بعض المفاهيم الفلسفية يجب أن يحيط بها المرشد النفسي مثل: مفهوم الحرية والاختبارات والمسئولية، ومفهوم المثالية والواقعية والنفعية والمنطق واختيار فلسفة الحياة وهدف الحياة، ومفهوم الأخلاق.

стр. 19

التوجيه والإرشاد النفسي والصحة النفسية والعلاج النفسي: يرى البعض أن التمييز أو التفريق بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي تمييز وتفريق اصطناعي، ويعتقد في هذا معظم المرشدين والمعالجين النفسيين أنفسهم. وهم يستخدمون المصطلحين بالتبادل بدون تمييز عملي، ويقصرون التمييز على المستوى الاصطلاحي اللفظي فقط "بروس شيرترز، وشيلي ستون Schertzer & StoneK؛ ١٩٧٦". ويعتبر كل من التوجيه والإرشاد والصحة النفسية والعلاج النفسي توأمين. وعلى الرغم من أنهما ليسا توأمين مماثلين فإنهما متشابهان جدا، أي أن أوجه الاتفاق بينهما أكثر من أوجه الاختلاف، وعناصر الائتلاف والتقريب أكثر من عناصر الاختلاف والتفريق. وقد أكد "ويليامسون Williamson؛ ١٩٣٩" الطبيعة العلاجية للإرشاد النفسي، ومن بين أقطاب الميدانين "الإرشاد النفسي والعلاج النفسي" كارل روجرز Rogers؛ ١٩٤٢ في كتابه الإرشاد والعلاج النفسي Counseling and Psychotherapy. ويلاحظ أن عددًا كبيرا من الكتب في ميداني الإرشاد النفسي والعلاج النفسي أصبحت تجمع بينهما. ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر كتاب لورانس برامر وإفريت شوستروم Brammer & Shostrom؛ "١٩٧٧" "علم نفس العلاجي: أسس الإرشاد والعلاج النفسي" Therapeutic Psychology: Fundamentals of Coiunseling and Psychotherapy، وكتاب هيلين كولير Collier؛ "١٩٨٢" "إرشاد النساء: دليل للمعالجين". Counseling Women: A Guide for Therapists. ولقد سبق تعريف التوجيه والإرشاد النفسي "راجع". أما الصحة النفسية Mental Health فيعرفها المؤلف "حامد زهران، ١٩٩٧" بأنها حالة دائمة نسبيا، يكون فيها الفرد متوافقا نفسيا، ويشعر بالسعادة مع نفسه، ومع الآخرين ويكون قادرا على تحقيق ذاته واستغلال قدراته وإمكاناته إلى أقصى حد ممكن، ويكون قادرا على مواجهة مطالب الحياة، وتكون شخصيته متكاملة سوية، ويكون سلوكه عاديا، بحيث يعيش في سلامة وسلام. الصحة النفسية حالة إيجابية تتضمن التمتع بصحة العقل والجسم، وليست مجرد غياب أو الخلو أو البرء من أعراض المرض النفسي. وللصحة النفسية شقان: أولهما شق نظري علمي يتناول الشخصية والدوافع والحاجات وأسباب الأمراض النفسية وأعراضها وحيل

стр. 20

الدفاع النفسي والتوافق، وتعليم الناس وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإعداد وتدريب الأخصائيين والقيام بالبحوث العلمية والشق الثاني تطبيقي علمي يتناول الوقاية من المرض النفسي تشخيص وعلاج الأمراض النفسية. ويعرف المؤلف العلاج النفسي Psychotherapy بأنه نوع من العلاج تستخدم فيه الطرق النفسية لعلاج مشكلات أو اضطرابات أو أمراض ذات صبغة انفعالية يعاني منها المريض وتؤثر في سلوكه، وفيه يقوم المعالج بالعمل على إزالة الأعراض المرضية الموجودة أو تعديلها أو تعطيل أثرها، مع مساعدة المريض على حل مشكلاته الخاصة والتوافق مع بيئته واستغلال إمكاناته على خير وجه ومساعدته على تنمية شخصيته ودفعها في طريق النمو النفسي الصحي بحيث يصبح المريض أكثر نضجا وأكثر قدرة على التوافق النفسي في المستقبل. والمستعرض لتعريف كل من التوجيه والإرشاد من ناحية والصحة النفسية والعلاج النفسي من ناحية أخرى يلمس اتصالهما الوثيق وتقاربهما الكبير. ويقترب الإرشاد النفسي والعلاج النفسي داخل علم النفس العلاجي ويميز بينهما داخل هذا الإطار. وفيما يلي أهم عناصر الاتفاق بين الإرشاد النفسي من ناحية وبين العلاج النفسي من ناحية أخرى: - كلاهما عملية مساعدة وخدمة الفرد نفسيا بهدف تحقيق فهم النفس وتحقيق الذات وحل المشكلات وتحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية. - المعلومات المطلوبة لدراسة الحالة ووسائل جمع هذه المعلومات واحدة في كل منهما. - يشتركان في الأسس التي يقومان عليها ويستخدمان لغة مشتركة وأساليب مشتركة مثل المقابلة ودراسة الحالة ... إلخ. - استراتيجيات وأهداف كل منهما واحدة وهي: الاستراتيجية التنموية والوقائية والعلاجية. - إجراءات عملية الإرشاد وعملية العلاج النفسي واحدة في جملتها، فمنها في كل من الميدانين: الفحص وتحديد المشكلة، والتشخيص، كحل المشكلات، واتخاذ القرارات، والتعليم، والمتابعة، والإنهاء. - يلتقي كل منهما في الحالات الحدية Borderline Cases بين السوية واللاسوية أو بين العاديين والمرضى.

стр. 21

- هناك مجال من مجالات الإرشاد النفسي Clinical Counselling يعتبر توأما لطريقة من أشهر طرق العلاج النفسي هي طريقة العلاج الممركز حول العميل. - يضم علم النفس العلاجي كلا من الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي، ويضم مفاهيم ومهارات مشتركة بين عمليات الإرشاد النفسي والعلاج النفسي. - المرشد النفسي والمعالج النفسي لا يخلو منهما مركز إرشاد أو عيادة نفسية. وعلى الرغم من وجود عناصر الاتفاق الكثيرة بين الإرشاد النفسي والعلاد النفسي فإن البعض يحاولون تحديد الحدود الفاصلة أو المميزة بين الميدانين ولو على وجه التقريب مع اعترافهم بصعوبة هذا لأنهم لا يعرفون أين ينتهي هذا وأين يبدأ ذلك. وفيما يلي أهم عناصر الاختلاف بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي: - الفرق بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي فرق في الدرجة وليس في النوع وفرق في العميل وليس في العملية، ومعنى هذا أن عملية الإرشاد النفسي وعملية العلاج النفسي خطواتها واحدة مع فرق في درجة التركيز والعمل، وأن هناك فرقا في العميل. فالعميل في الإرشاد النفسي أكثر استبصارا ويتحمل قدرا أكبر من المسئولية والنشاط في العملية أكثر من المريض في العلاج النفسي. - هذه الفروق البسيطة تنعكس في بعض الاختلافات البسيطة في التخصص والممارسة. - يوضح جدول "٣" بعض عناصر الاختلاف الأخرى.

стр. 22

ومما يؤكد القرابة الكبيرة بين التوجيه والإرشاد النفسي من ناحية والصحة النفسية والعلاج النفسي من ناحية أخرى، ما يشاهد في الممارسة العملية من خلال برامج التوجيه والإرشاد والخدمات النفسية في المدارس "ليستر داونينج Downing؛ ١٩٦٨". وفيما يلي نماذج في الممارسة العملية "في المدارس" يمكن أن يقوم بها المرشد النفسي أو المعالج النفسي على حد سواء. - الإجراءات الوقائية بخصوص المشكلات الدراسية والانفعالية والحيلولة دون الفشل أو التسرب والعمل على تحقيق أفضل مستوى من التحصيل الدراسي. - القيام بإجراءات التشخيص. - القيام بالدور التنموي السليم لتحقيق التوافق والصحة النفسية جنبا إلى جنب مع المعلم؛ المرشد.

стр. 23

- تحديد مشكلات الطلاب، ومساعدتهم على حلها. - تحديد حاجات الطلاب ومساعدتهم على إشباعها. - القيام بعملية الإرشاد والاستشارة. وأحدث ما يثبت الصلة الوثيقة بين الإرشاد النفسي والصحة النفسية ظهور مجال جديد يجمع بين الاثنين وهو "إرشاد الصحة النفسية" Mental Health Counselling وهو إرشاد نفسي موجه علاجيا. ويعبر إرشاد الصحة النفسية بحق عن الصفة المزدوجة الجامعة بين الإرشاد النفسي والصحة النفسية، التي يمكن تحقيقها بطرق الإرشاد والعلاج النفسي معا. "بيتر شيرارد Sherrard؛ ١٩٨٩". "انظر "إرشاد الصحة النفسية" كأحد مجالات الإرشاد النفسي، في الفصل الثامن". هذا، ويحدد جون بيتروفيسا وآخرون.Pietrofesa et al؛ "١٩٧٨" العناصر المشتركة بين عمليتي الإرشاد والعلاج النفسي كما في شكل "٥".

стр. 24

التوجيه والإرشاد النفسي والاستشارة النفسية: يضع البعض الإرشاد النفسي في مكان وسط بين العلاج وبين الاستشارة النفسية: والاستشارة النفسية Psychological consultaiton: هي العملية التي تتم بين مستشار نفسي "مرشد أو معالج" ومستشير "عميل سوى" يعاني من قلق واضطراب نفسي بسيط أو عادي ولديه بعض المشكلات الانفعالية أو الاجتماعية أو الشخصية التي لا يستطيع مواجهتها والتغلب عليها وحلها بمفرده. والاستشارة النفسية عبارة عن موقف تعليمي في جملته يؤدي بالمستشير إلى زيادة فهم نفسه وفهم مشكلته وفهم سلوكه وحل مشكلته، وتهدف دائما إلى تحقيق التوافق النفسي أو زيادة التوافق، ويقول كارل روجرز Rogers؛ "١٩٥١": إن هدف الاستشارة النفسية قريب من هدف الإرشاد النفسي وهو مساعدة العميل على أن يساعد نفسه على حل مشكلاته، وأن وظيفة المستشار النفسي هي مساعدة المستشير على أن يتخلص من انفعالاته المتعلقة بمشكلته حتى يستطيع أن يفكر بطريقة أوضح وأسلم وحتى يستطيع التوصل إلى حل المشكلة. ومما يؤكد عناصر الاتفاق بين الإرشاد النفسي والاستشارة النفسية عدد من البحوث حول هذا الموضوع منها بحث مارشانت Marchant؛ "١٩٧١" عن محتوى جلسات الإرشاد النفسي وجلسات الإرشاد والاستشارة ونتائجها التي لم يوجد فروق ذات دلالة إحصائية بينها، كذلك درس ثرلو Thurlow؛ "١٩٧٢" الفرق بين دور المرشد كمرشد ودوره كمستشار في حالات القلق، ولم يجد فروقا جوهرية بين الأسلوبين. وأوضح مايرهوفر Maierhofer؛ "١٩٧١" أثر الجمع بين الإرشاد الجماعي مع استشارة المعلم؛ المرشد في زيادة التوافق السلوكي. ومن عناصر الاتفاق بين كل من الإرشاد النفسي، والاستشارة النفسية ما يلي: - يتناول كل من الميدانين المشكلات العادية التي لم تصل بعد إلى حد الانحراف السلوكي. - يقع على عاتق المسترشد أو المستشير أي العميل، في كل من الميدانين مسئولية مساعدة المرشد أو المستشار حتى يساعده. - المرشد النفسي يعتبر مستشارا نفسيا. ويستخدم البعض مثل هارولد بيرنارد ودانيل فولمر Bernard & Fullmer؛ "١٩٧٢" مصطلح المرشد؛ المستشار Counsellor- Consultant ويحددان عوامل تجعل من المرشد النفسي مستشارا نفسيا، ومن هذه العوامل أن الإرشاد عادة يقدم في المدارس والجامعات، غيرها من المؤسسات وفيها أخصائيون آخرون غير المرشد قد يحتاجون إلى مشورته، وأن المرشد النفسي

стр. 25

عادة يتلقى إعدادا خاصا يصل إلى درجة الدكتوراه، وهذا يؤهله إلى أن يكون في وضع المستشار النفسي. ويرى المؤلفان أن وظيفة المرشد النفسي تنقسم إلى تخصصات أدق، فمنها المرشد النفسي العام The Generalist ومنها المرشد النفسي الأخصائي The Specilist، ومنها المرشد المستشار The Consultant أما المرشد العام فيقوم بعملية الإرشاد النفسي العادية كما في الإرشاد الجماعي والإرشاد التربوي والمهني. وأما المرشد الأخصائي فيقوم بالإرشاد العلاجي. وأما المرشد المستشار فيتصل به هذا وذاك وغيرهما من المؤسسات بخصوص الموضوعات التي تحتاج إلى الاستشارة المتخصصة بالإضافة إلى المشورة بخصوص بعض الحالات الخاصة مثل حالات المعوقين أو المتخلفين أو المتفوقين ... إلخ. ويضيف بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ "١٩٧٦" أن الاتجاه يسير نحو اعتبار المرشد النفسي مرشدا للطلاب ومستشارا للمعلمين والإداريين والوالدين. هذا، وعناصر الاختلاف بين الإرشاد النفسي والاستشارة النفسية قليلة إلى درجة أن البعض يكاد يحصرها في أن الإرشاد يتناول الشخصية ككل بينما الاستشارة قد تقتصر على جزء واحد أو جانب واحد من جوانب الشخصية.

стр. 26

التوجيه والإرشاد النفسي والتربية والتعليم: التربية Education كما نعلم هي عملية حياة يتعلم فيها الفرد الحياة عن طريق نشاط وبتوجيه من المعلم. والتربية التقدمية تهتم بتعليم الحياة وليس فقط بتعليم العلوم. إنها تهتم بالتلميذ ككل وبنموه كوحدة واحدة، وبشخصيته من كل جوانبها جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا في توازن وتواز. وفي التربية الحديثة يتركز الاهتمام بحاضر التلميذ في ضوء ماضيه من أجل التخطيط لمستقبله، وفيها أيضا يهتم المربي بتعليم التلميذ أكثر من تعليم المادة ويعتقد أن للتلميذ الحق في تعليم يناسب قدراته وميوله "هولدين Holden؛ ١٩٧١". ويتضح التكامل بين التوجيه والإرشاد والتربية والتعليم من أن التربية الحديثة تتضمن التوجيه والإرشاد النفسي كجزء متكامل لا يتجزأ منها، جزء مندمج وليس مضافا، أي أن الاثنين يمثلان سلسلة من النشاطات المتكاملة "بروس شيرتزر، وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ ١٩٧٩". وعندما حاول بعض علماء التربية تعريف التوجيه والإرشاد أوردوا تعرفات يقول عنها تيلور Taylor؛ "١٩٧١" إنها تعريفات واسعة وتشمل الكثير مما يحدث في عملية التربية والتعليم بل تكاد تكون تعريفات للتربية ذاتها. ويقول فوان Vaughan؛ "١٩٧٥" إنه لا يمكن التفكير في التربية والتعليم بدون التوجيه والإرشاد، ولا يمكن الفصل التام بين التربية والتعليم وبين التوجيه والإرشاد، فالتربية تتضمن عناصر كثيرة من التوجيه، والتدريس يتضمن

стр. 27

عناصر كثيرة من الإرشاد، وعملية الإرشاد تتضمن التعلم والتعليم كخطوة هامة في تغيير السلوك، ويلاحظ أن الخدمات التربوية وخدمات الإرشاد النفسي توجه معظمها إلى نفس الأعمار تقريبا في مرحلتي الطفولة والشباب، كذلك فإن المدرسة وغيرها من المؤسسات التربوية هي أكبر الأماكن التي تقدم فيها خدمات الإرشاد النفسي في جميع أنحاء العالم. وهناك الكثير من عناصر الاتفاق بين التوجيه والإرشاد وبين التربية والتعليم فيما يلي أهمها: - تماثل الأهداف الرئيسية لكل من الميدانين إذ هي إعداد الإنسان الصالح الذي يقوم بدور إيجابي فعال في المجتمع عن طريق الإشراف على نموه وتحقيق كفاية "موريتنسن وشمولر، ١٩٦٥". - وجود أرضية مشتركة في مجال خدمات الطلاب في الإطار التربوي الذي يركز أساس على التوجيه والإرشاد. - اهتمام كل من الميدانين بإعداد الفرد للحياة بمساعدته في فهم نفسه وتحقيق ذاته وبلورة أهداف حياته وأسلوب حياته الذي يحقق هذه الأهداف. - اشتراك عملية الإرشاد مع العملية التعليمية في الاهتمام بالتعرف على الفروق الفردية في القدرات والميول وإعداد برامج خاصة لرعايتهما واشتراك العمليتين في اهتمام كل منهما بتحقيق مطالب النمو لشخصية الفرد النامي. - استخدام التوجيه والتربية كمترادفين في كثير من المؤلفات واعتبار العمليتين تهدفان إلى توجيه إرشاد الأفراد في حياتهم. على سبيل المثال يتكلم جون بريور Brewer؛ "١٩٥٥" في كتابه "التربية كتوجيه" Education as Guidance عن التوجيه والتربية كشيء يكاد يكون واحدا، كذلك كتب آخرون عن التوجيه كتربية Guidance as Education. - يتضمن التوجيه والإرشاد ضمن عمليات "التربية النفسية" Psychological Educaion أو التربية السلوكية "جون بيتروفيسا وآخرون. Pictrofesa et al؛ ١٩٨٠". - احتواء برامج إعداد المعلمين في جميع أنحاء العالم على التوجيه والإرشاد النفسي. وقد اصبح اسم المعلم؛ المرشد Teacher- Consellor هو هدف الإعداد المهني للمعلم وكل معلم -أراد ذلك أو لم يرد- يقوم بعملية إرشاد نفسي كجزء مهم من عمله، وأصبح المعلم؛ المرشد من أهم أعضاء فريق الإرشاد النفسي. ويلاحظ أن المرشد والمعلم من أقرب أعضاء فريق الإرشاد النفسي إلى بعضها البعض. - الإصرار في الإعداد المهني للمرشد المدرسي School- Consellor على ضرورة دراسة التربية وأسسها وممارسة التدريس بحيث أصبح اسم المرشد؛ المربي مألوفا في كتب الإرشاد والتربية.

стр. 28

- ظهور الإرشاد التربوي Educational Guidance كمجال من أهم مجالات الإرشاد النفسي يهتم بمساعدة التلاميذ في رسم الخطوط التربوية التي تتلاءم مع قدراتهم، وميولهم وأهدافهم وفي اختيار المناهج المناسبة والمواد المساعدة في النجاح في البرنامج التربوي وفي تشخيص وعلاج المشكلات التربوية١. وعلى الرغم من عناصر الاتفاق الكثيرة يوجد بعض عناصر الاختلاف خاصة بين عملية الإرشاد النفسي وبين عملية التدريس، ويؤكد بعض الكتاب ضرورة التمييز بين الميدانين، ويقولون: إنه إذا كان الاثنان شيئا واحدا، فلماذا الاختلاف في المصطلحات. وفيما يلي أهم عناصر الاختلاف بين الإرشاد النفسي وبين التدريس: - على الرغم من أن أهداف كل من الميدانين متقاربة جدا، إلا أن أساليب تحقيق هذه الأهداف ليست متطابقة تماما "آرثر جونز Jones؛ ١٩٧٠". - التربية والتعليم أعم وأشمل من التوجيه والإرشاد الذي يعتبر خدمة جزئية ولكنها مكملة ومتكاملة معها، أي أن كل التوجيه والإرشاد تربية وتعليم، ولكن بعض عناصر التربية والتعليم ليس توجيها وإرشادا "جورج هيل وإلياتور لاكي Hill & Luckey؛ ١٩٦٩"، ويلخص الجدول "٤" بعض عناصر الاختلاف الأخرى.

стр. 29

ومما يؤكد القرابة بين التوجيه والإرشاد من ناحية التربية والتعليم من ناحية أخرى، دور المعلم؛ المرشد Teacher- Consellor "ليستر داونينج Downing؛ ١٩٦٨، حامد زهران؛ ١٩٩٤". وفيما يلي نماذج في الممارسة العملية للدور الإرشادي للمعلم؛ المرشد إلى جانب دوره التربوي. - تهيئة المناخ النفسي الصحي في الفصل وفي المدرسة. - الاهتمام بالطلاب ونمو شخصياتهم. - الاشتراك في دراسة الحلات مع المرشدين والمعالجين النفسيين. - الاشتراك في البحوث اللازمة لبرامج الإرشاد. - تقديم الخدمات الإرشادية اللازمة للطلاب بطريقة الإرشاد خلال العملية التربوية. - تقديم خدمات الإرشاد التربوي.

стр. 30

الحاجة إلى التوجيه والإرشاد النفسي: لقد كان التوجيه والإرشاد فيما مضى موجودا ويمارس دون أن يأخذ هذا الاسم أو الإطار العلمي ودون أن يشمله برنامج منظم، ولكنه تطور وأصبح الآن له أسسه ونظرياته وطرقه ومجالاته وبرامجه، وأصبح يقوم به أخصائيون متخصصون علميا وفنيا، وأصبحت الحاجة ماسة إلى التوجيه والإرشاد في مدارسنا وفي أسرنا وفي مؤسساتنا الإنتاجية في مجتمعنا بصفة عامة. وفي عالمنا العربي نحتاج إلى مزيد من مراكز الإرشاد النفسي والعيادات النفسية. ومما يؤكد الحاجة إلى التوجيه والإرشاد أن الحاجة إلى الإرشاد نفسه من أهم الحاجات النفسية مثلها مثل الحاجات إلى الأمن والحب والإنجاز والنجاح ... إلخ. ويتحدث الباحثون والكتاب عن "الحاجة الإرشادية" للفرد ويقومون لها تعريفات منها أنها رغبة الفرد للتعبير عن مشكلاته بشكل إيجابي منظم بقصد إشباع حاجاته النفسية والفسيولوجية التي لم يتهيأ لإشباعها من تلقاء نفسه، إما لأنه لم يكتشفها في نفسه أو أنه اكتشفها ولم يستطع إشباعها بمفرده، ويهدف من التعبير عن مشكلاته إلى التخلص منها والتمكن من التفاعل مع بيئته والتفوق مع مجتمعه الذي يعيش فيه "سهام أبو عطية، "١٩٨٨". إن الفرد والجماعة يحتاجون إلى التوجيه والإرشاد، وكل فرد خلال مراحل نموه المتتالية يمر بمشكلات عادية وفترات حرجة يحتاج فيها إلى إرشاد. ولقد طرأت تغيرات أسرية تعتبر من أهم ملامح التغير الاجتماعي. ولقد حدث تقدم علمي وتكنولوجي كبير، تغيرات في العمل والمهنة. ونحن الآن نعيش في عصر يطلق عليه عصر القلق. هذا كله يؤكد أن الحاجة ماسة إلى التوجيه والإرشاد. وفيما يلي تفصيل ذلك١: فترات الانتقال: يمر كل فرد خلال مراحل نموه فترات انتقال حرجة يحتاج فيها إلى التوجيه والإرشاد، وأهم الفترات الحرجة عندما ينتقل الفرد من المنزل إلى المدرسة وعندما يتركها وعندما ينتقل من الدراسة إلى العمل، وعندما يتركه، وعندما ينتقل من حياة العزوبة إلى الزواج

стр. 31

وعندما يحدث طلاق أو موت، وعندما ينتقل من الطفولة إلى المراهقة، ومن المراهقة إلى الرشد، ومن الرشد إلى سن القعود أو الشيخوخة. إن فترات الانتقال الحرجة هذه قد يتخللها صراعات وإحباطات وقد يلونها القلق والخوف من المجهول والاكتئاب، وهذا يتطلب إعداد الفرد قبل فترة الانتقال ضمانا للتوافق مع الخبرات الجديدة، وذلك بإمداده بالمعلومات الكافية وغير ذلك من خدمات الإرشاد النفسي، حتى تمر فترة الانتقال بسلام. التغيرات الأسرية: يختلف النظام الأسري في المجتمعات المختلفة حسب تقدم المجتمع وثقافته ودينه. ويظهر هذا الاختلاف في نواح عديدة مثل نظام العلاقات الاجتماعية في الأسرة ونظام التنشئة الاجتماعية ... إلخ ونحن نلمس آثار هذا الاختلاف في الدراسات الاجتماعية المقارنة بين المجتمعات الغربية، ومقارنة النظام الأسري، في المدينة والقرية والبادية ... وهكذا. لقد كانت الأسرة فيما مضى غيرها الآن. كانت الأسرة عائلة كبيرة "آل" أي تجمع كبير للأهل، الكل يعيش معا، الجد والأولاد والأحفاد، كبير الأسرة له كلمته وسلطته وله السمع والطاعة، والتعاون سائد بين جميع أفراد الأسرة. ومن أهم مظاهر التغيرات الأسرية ما يلي: - ظهور الأسرة الزواجية الصغيرة المستقلة، وضعف العلاقات بين أفرادها. وأصبح الأولاد يتزوجون ويتركون الأسرة ويستقلون، ويعيش الجد والوالدان وحيدين، وحتى الزيارات أصبحت قليلة وربما اقتصرت على المناسبات والأعياد. - ظهور مشكلات أسرية مثل مشكلة السكن، ومشكلات الزواج ومشكلات تنظيم الأسرة ومشكلات الشيخوخة. - خروج المرأة إلى العمل لتدعيم الأسرة اقتصاديا مما أدى إلى تغير العلاقات مع الزوج والأولاد وفي المجتمع بصفة عامة وأدى إلى ظهور مشكلات من نوع جديد. - ظهور مشكلات جديد مثل تأخر الزواج، أو الإضراب عن الزواج والعنوسة وحالات الأم غير المتزوجة، والأب غير المتزوج ... إلخ. وهكذا نجد أن هناك الكثير من التغيرات في الظروف الأسرية تجعل الحاجة ماسة إلى خدمات الإرشاد النفسي وتعبر عن أهمية الإرشاد الزواجي والإرشاد الأسري. التغير الاجتماعي Social Change: يشهد العالم في العصر الحاضر قدرا كبيرا من التغير الاجتماعي المستمر السريع.

стр. 32

ويقابل عملية التغير الاجتماعي عملية أخرى هي عملية الضبط الاجتماعي Social Control التي تحاول توجيه السلوك بحيث يساير المعايير الاجتماعية ولا ينحرف عنها "حامد زهران، ١٩٨٤". وهناك الكثير من عوامل التغير الاجتماعي أدت إلى زيادة سرعته عن ذي قبل مثل الاتصال السريع والتقدم العلمي والتكنولوجي وسهولة التزاوج بين الثقافات ونمو الوعي وحدوث الثورات والحروب ... إلخ. ومن أهم ملامح التغير الاجتماعي ما يلي: - تغير بعض مظاهر السلوك، فأصبح مقبولا بعض ما كان مرفوضا من قبل وأصبح مرفوضا بعض ما كان مقبولا من قبل. - إدراك أهمية التعليم في تحقيق الارتفاع على السلم الاجتماعي؛ الاقتصادي. - التوسع في تعليم المرأة وخروجها إلى العمل. - زيادة ارتفاع مستوى الطموح، وزيادة الضغوط الاجتماعية للحراك الاجتماعي الرأسي إلى أعلى. - وضوح الصراع بين الأجيال وزيادة الفروق في القيم والفروق الثقافية والفكرية خاصة بين الكبار والشباب حتى ليكاد التغير الاجتماعي السريع يجعل كلا من الفريقين يعيش في عالم مختلف. إن التغير الاجتماعي يؤكد الحاجة إلى الإرشاد النفسي لأنه يتطلب المواجهة العلمية لما يتمخض عنه هذا التغير من مطالب وحاجات ومشكلات ويتطلب استمرار التوافق النفسي معه. التقدم العلمي والتكنولوجي: يشهد العالم الآن تقدما علميا وتكنولوجيا تتزايد سرعته في شكل متوالية هندسية. يقول بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ "١٩٧٦" إن العالم يشهد انفجارا معرفيا هائلا، فقد تضاعف كم المعرفة مرتين بين ميلاد المسيح ﵇ وسنة ١٧٥٠، وتضاعف مرة أخرى بين ١٧٥٠ وسنة ١٩٠٠، وتضاعف مرة ثالثة بين ١٩٠٠ وسنة ١٩٥٠، وهكذا أصبح التقدم العلمي والتكنولوجي ما حققه في المائتين سنة السابقة والتي حقق فيها مثل ما حققه التقدم العلمي منذ فجر الحضارة، ومع أواخر القرن العشرين، أصبحنا في عصر المعلوماتية

стр. 33

ويؤكد برنارد بيرينسون Berenson؛ "١٩٩٠" أهمية العلم والتكنولوجيا في علم النفس الإرشادي. ومن أهم معالم التقدم العلمي والتكنولوجي ما يلي: - زيادة المخترعات الجديدة، واستخدام الذرة في الأغراض السلمية، وغزو الفضاء وازدحامه بالأقمار الصناعية والمحطات الفضائية. - سياسة الميكنة والضبط الآلي "السيبرنتيقا"١ Cybernetics في مجال العلم والعمل والإنتاج. - دخول الراديو والتليفزيون في كل بيت مما علم الجديد وغير الأفكار والاتجاهات ... إلخ. - تغير الاتجاهات والقيم والأخلاقيات وأسلوب الحياة. - تغير النظام التربوي والكيان الاقتصادي والمهني. - زيادة الحاجة إلى إعداد صفوة ممتازة من العلماء لضمان اطراد التقدم العلمي والتكنولوجي وتقدم الأمم. - زيادة التطلع إلى المستقبل والتخطيط له وتقدم علم المستقبل Futurology. - وفرة المعلومات عبر الأقمار الصناعية في أي جزء من العالم ومن أي جزء من العالم. ونحن نعلم أن التقدم العلمي يتطلب توافقا من جانب الفرد والمجتمع ويؤكد الحاجة إلى التوجيه والإرشاد خاصة في المدارس والجامعات والمؤسسات الصناعية والإنتاجية من أجل المواكبة والتخطيط لمستقبل أفضل. تطور التعليم ومفاهيمه: لقد تطور التعليم وتطورت مفاهيمه، ففيما مضى كان المعلم والمتعلم أو الشيخ والمريد أو الأستاذ والطالب ويتعاملون وجها لوجه في أعداد قليلة، ومصادر المعرفة والمراجع قليلة، وكان المعلم يهتم بنقل التراث وبالمادة العلمية يلقنها للتلاميذ، وكانت البحوث التربوية والنفسية محدودة. والآن تطور التعليم وتطورت مفاهيمه وتعددت أساليبه وطرقه ومناهجه والأنشطة التي تتضمنها. وفيما يلي أهم مظاهر هذا التطور: - تمركز التعليم حول التلميذ والاهتمام به ككل وبحياته الشخصية والانفعالية والاجتماعية والعقلية والجسمية ونمو الذات ومفهوم الذات قبل المادة الدراسية.

стр. 34

- زيادة عدد المواد والتخصصات وترك الحرية للتلميذ لاختيار المواد الدراسية التي تناسب استعداداته وقدراته وميوله. - التركيز على استثارة اهتمام التلميذ وجعله أكثر إيجابية في العملية التربوية. - زيادة مصادر المعرفة لدرجة أصبح من الصعب معها بل من المستحيل تعليم التلميذ وتلقينه كل شيء في شكل جرعة جاهزة كاللقمة الممضوغة، وأصبح الممكن هو تعريف التلميذ كيف يحصل على ما يريد من علم، وأصبح يشجع التكفير الناقد والتفكير الابتكاري. - ظهور آثار التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث واستخدام التعليم المبرمج والدوائر التليفزيونية المغلقة في المدارس والجامعات. - اتجاه التعليم إلى تخريج الفنيين المتخصصين ذوي الياقات الزرقاء أكثر من تخريج ذوي الياقات البيضاء ليواكب التقدم الصناعي والتكنولوجي. - زيادة الإقبال على التعليم العالي والجامعي. - زيادة إقبال البنات على التعليم. - اشتراك الوالدين بدرجة أكثر فعالية في العملية التربوية وزيادة اتصال المدرسة بالأسرة وزيادة إسهام الوالدين في تربية وتوجيه وإرشاد الأولاد. - زيادة اهتمام واشتغال المعلم بالإرشاد النفسي، ودخول خدمات التوجيه والإرشاد بشكل متخصص في المدارس وجزء متكامل مع العملية التربوية. - زيادة التأكيد على التعلم الذاتي وتعليم الفرد لذاته مستقلا، ليستكمل برنامج تعليمه ويستمر في التعليم "التعليم المستمر، مدى الحياة". هذا كله يؤكد الحاجة إلى التوجيه والإرشاد في مدارسنا خاصة الإرشاد التربوي والإرشاد المهني. زيادة أعداد التلاميذ في المدارس: لقد أصبح التعليم حقا للجميع حتى نهاية المرحلة الابتدائية في معظم دول العالم وحتى نهاية المرحلة المتوسطة في بعضها، وحتى نهاية المرحلة الثانوية في الدول المتقدمة. ولقد أصبح من الواضح الآن زيادة الإقبال على التعليم، وزيادة عدد المدارس وحجمها وأنواعها، وإطالة فترة التعليم، وإقبال البنات على التعليم "ميلز Mills؛ ١٩٧١". وهناك بعض المشكلات التي أدت إليها زيادة أعداد التلاميذ في المدارس، ومن هذه المشكلات. - وجود عدد يتراوح بين ٥-١٠% من تلاميذ المدراس لديهم مشكلات انفعالية تعوق عملية تعليمهم ما لم يتخذ الإجراءات الإرشادية والعلاجية اللازمة.

стр. 35

- زيادة نسبة التسرب من المدارس. - وجود الطلاب المتفوقين والمتخلفين وذوي الحاجات الخاصة والجانحين في المدارس العامة والخاصة. وهكذا نجد أن الحاجة ملحة إلى خدمات الإرشاد في كل مجالات حتى لا تتحول المدارس -مع زيادة أعداد التلاميذ- إلى مجرد مصانع لإنتاج المتعلمين بالجملة كما لا كيفا. التغيرات في العمل والمهنة: لقد شهد العالم ثورة علمية وصناعية وتكنولوجيا انعكست آثارها في عالم العمل والمهنة والحياة الاجتماعية بصفة عامة، ومن أهم التغيرات في العمل والمهنة ما يلي: - الميكنة التي غزت عالم العمل والمهنة حيث طردت الآلة العمال من المصانع وحلت محلهم بكفاءة أكثر مما أدى إلى إضرابهم احتجاجا، وإلى زيادة وقت فراغهم بما في ذلك من مشكلات. فالمصنع الذي كان يحتاج إلى آلاف العمال فيما مضى أصبح الآن يحتاج إلى بضعة عمال يعدون على أصابع اليد للإشراف على الأجهزة الآلية حيث تدخل المادة الخام من ناحية فتخرج المادة المنتجة آليا من الناحية الآخرى بسرعة ودقة وإتقان. - تغير البناء الوظيفي والمهني في المجتمع، فالمهن التي كانت محدودة فيما مضى أصبحت الآن بالآلاف، وزاد التخصص الدقيق في العمل. - ظهور مهن جديدة واختفاء مهن قديمة نتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي ودخول عصر الفضاء، وعصر المعلوماتية. ويخشى أن يأتي يوم يصبح فيه الإنسان بلا عمل، ولكن الإنسان لن يسمح بذلك، فالعيش في سعادة وتوافق يجب أن يسبق العيش لكسب لقمة العيش، وهذا يؤكد الحاجة إلى الإرشاد النفسي وخاصة الإرشاد المهني. ويلاحظ انخفاض إنتاجية الإنسان العربي بصفة عامة مما يحتاج إلى العمل على رفع إنتاجيته، وهذا يؤكد الحاجة الملحة إلى التوجيه والإرشاد المهني. "حامد زهران، ١٩٨٤". عصر القلق: نحن نعيش في عصر يطلق عليه "عصر القلق" ونسمع عن مصطلح "أمراض الحضارة". إن المجتمع المعاصر مليء بالصراعات والمطامح ومشكلات المدنية. وعلى سبيل المثال كان الناس فيما مضى يركبون الدواب وهم راضون، والآن لديهم السيارات والطائرات ولكنهم غير راضين يتطلعون إلى الأسرع، حتى الصاروخ ومركب الفضاء. إن الكثيرين في المجتمع الحديث يعانون من القلق والمشكلات التي تظهر الحاجة إلى خدمات الإرشاد العلاجي، في مجال الشخصية ومشكلاتها.

стр. 36

أهداف التوجيه والإرشاد النفسي: يذكر بعض الكتاب أهدافا كثيرة ومتعددة للتوجيه والإرشاد النفسي لدرجة تصل أحيانا إلى التشتيت وعدم التركيز، ويرى البعض أن هذه الأهداف تكاد تكون خاصة بكل عميل فرد حسب حالته وتوقعاته ويتحدث البعض الآخر عنها كوحدة، ومن المهم أن تكون أهداف عملية الإرشاد النفسي ذات مستويات ثلاثة: "ماجي إبراهيم، ١٩٩٦". - مستوى معرفي Cognitive: حيث تتناول التفكير والمدركات والتصورات والمعارف والخبرات والمعتقدات. - مستوى وجداني Affective: حيث تتناول الوجدانيات والانفعالات والاتجاهات والقيم. - مستوى عملي "سلوكي" Doing: حيث تتناول عملية تعديل السلوك وإكساب مهارات سلوكية عملية. وعلى العموم فإن أهداف التوجيه والإرشاد النفسي، تحدد وجهة كل من المرشد والعميل وعملية الإرشاد نفسها. ويحدد المؤلف أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي فيما يلي: تحقيق الذات Self- actualization: لا شك أن الهدف الرئيسي للتوجيه والإرشاد هو العمل مع الفرد لتحقيق الذات. والعمل مع الفرد يقصد به العمل معه حسب حالته سواء كان عاديا أو متفوقا أو ضعيف العقل أو متخلفا دراسيا أو جانحا، ومساعدته في تحقيق ذاته إلى درجة يستطيع فيها أن ينظر إلى نفسه فيرضى عما ينظر إليه. ويقول كارل روجرز Rogers؛ "١٩٥٩" إن الفرد لديه دافع أساسي يوجه سلوكه وهو دافع تحقيق الذات، ونتيجة لوجود هذا الدافع فإن الفرد لديه استعداد دائم لتنمية فهم ذاته ومعرفة وتحليل نفسه وفهم استعداداته وإمكاناته أي تقييم نفسه وتقويمها وتوجيه ذاته. ويتضمن ذلك "تنمية بصيرة العميل" ويركز الإرشاد النفسي غير المباشر أو الممركز حول العميل أو الممركز حول الذات على تحقيق الذات إلى أقصى درجة ممكنة وليس بطريقة "الكل أو لا شيء". كذلك يهدف الإرشاد النفسي إلى نمو مفهوم موجب للذات والذات هي كينونة الفرد وحجر الزاوية في شخصيته. ومفهوم الذات الموجب Positive Self - Concept يعبر عنه تطابق مفهوم الذات الواقعي "أي المفهوم المدرك للذات الواقعية كما يعبر عنه الشخص". مع مفهوم الذات المثالي "أي المفهوم المدرك للذات المثالية كما يعبر عنه الشخص". ومفهوم الذات الموجب عكس مفهوم الذات السالب الذي يعبر عنه عدم تطابق مفهوم الذات الواقعي ومفهوم الذات المثالي. ومعلوم أن مفهوم الذات هو المحدد الرئيسي للسلوك "حامد زهران، ١٩٧٦".

стр. 37

وهناك هدف بعيد المدى للتوجيه والإرشاد وهو "توجيه الذات" Self- Guidance أي تحقيق قدرة الفرد على توجيه حياته بنفسه بذكاء وبصيرة وكفاية في حدود المعايير الاجتماعية، وتحديد أهداف للحياة وفلسفة واقعية لتحقيق هذه الأهداف. ويعمم هذا الهدف تحت عنوان "تسهيل النمو العادي" وتحقيق مطالب النمو في ضوء معاييره وقوانينه حتى يتحقق النضج النفسي، ويقصد بتسهيل النمو هنا النمو السوي الذي يتضمن التحسن والتقدم وليس مجرد التغيير. تحقيق التوافق Adjustment: من أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي تحقيق التوافق، أي تناول السلوك والبيئة الطبيعية والاجتماعية بالتغيير والتعديل حتى يحدث توازن بين الفرد وبيئته، وهذا التوازن، يتضمن إشباع حاجات الفرد ومقابلة متطلبات البيئة. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تنمية طاقات المسترشد، واكتسابه مهارات التعامل مع المواقف Coping Skills، وخاصة المواقف الضاغطة، النهوض بعملية اتخاذ القرارات "محمد محروس الشناوي، محمد التويجري، ١٩٩٦". ويجب النظر إلى التوافق النفسي نظرة متكاملة بحيث يتحقق التوافق المتوازن في كافة مجالاته "مكجوان وشميت McGowan & Shmidt؛ ١٩٦٢". ومن أهم مجالات تحقيق التوافق ما يلي: التوافق الشخصي: أي تحقيق السعادة مع النفس والرضا عنها وإشباع الدوافع والحاجات الداخلية الأولية الفطرية والعضوية والفسيولوجية والثانوية المكتسبة، ويعبر عن سلم داخلي حيث يقل الصراع، ويتضمن كذلك التوافق لمطالب النمو في مراحله المتتابعة. التوافق التربوي: وذلك عن طريق مساعدة الفرد في اختيار أنسب المواد الدراسية والمناهج في ضوء قدراته وميوله وبذل أقصى جهد ممكن بما يحقق النجاح الدراسي. التوافق المهني: ويتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد علميا وتدريبيا لها والدخول فيها والانحياز والكفاءة والشعور بالرضا والنجاح، أي وضع العامل المناسب في العمل المناسب بالنسبة له وبالنسبة للمجتمع.

стр. 38

التوافق الاجتماعي: ويتضمن السعادة مع الآخرين، والالتزام بأخلاقيات المجتمع ومسايرة المعايير الاجتماعية وقواعد الضبط الاجتماعي وتقبل التغير الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي السليم وتحمل المسئولية الاجتماعية، والعمل لخير الجماعة، وتعدل القيم مما يؤدي إلى تحقيق الصحة الاجتماعية، ويدخل ضمن التوافق الاجتماعي التوافق الأسري والتوافق الزواجي. تحقيق الصحة النفسية: الهدف العام الشامل للتوجيه والإرشاد النفسي هو تحقيق الصحة النفسية وسعادة وهناء الفرد "راجع تعريف الصحة النفسية". ويلاحظ هنا فصل تحقيق الصحة النفسية كهدف عن تحقيق التوافق كهدف. ويرجع ذلك إلى أن الصحة النفسية والتوافق النفسي ليسا مترادفين. فالفرد قد يكون متوافقا مع بعض الظروف وفي بعض المواقف ولكنه قد لا يكون صحيحا نفسيا لأنه قد يساير البيئة خارجيا ولكنه يرفضها داخليا. ويرتبط بتحقيق الصحة النفسية كهدف حل مشكلات العميل أي مساعدته في حل مشكلاته بنفسه، ويتضمن ذلك التعرف على أسباب المشكلات وأعراضها وإزالة الأسباب وإزالة الأعراض. تحسين العملية التربوية: المدرسة هي أكبر المؤسسات التي يعمل فيها التوجيه والإرشاد، ومن أكبر مجالاته مجال التربية، وتحتاج العملية التربوية إلى تحسين قائم على تحقيق مناخ نفسي صحي له مكونات منها احترام التلميذ كفرد في حد ذاته وكعضو في جماعة الفصل والمدرسة، والمجتمع وتحقيق الحرية والأمن والارتياح بما يتيح فرصة نمو شخصية التلاميذ من كافة جوانبها ويحقق تسهيل عملية التعليم.

стр. 39

ولتحسين العملية التربوية يوجه الاهتمام إلى ما يلي: - إثارة الدافعية وتشجيع الرغبة في التحصيل واستخدام الثواب والتعزيز وجعل الخبرة التربوية التي يعيشها التلميذ كما ينبغي أن تكون من حيث الفائدة المرجوة. - عمل حساب الفروق الفردية وأهمية التعرف على المتفوقين ومساعدتهم على النمو التربوي في ضوء قدراتهم. - إعطاء كم مناسب من المعلومات الأكاديمية والمهنية والاجتماعية تفيد في معرفة التلميذ لذاته وفي تحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية وتلقي الضوء على مشكلاته وتعليمه كيف يحلها بنفسه. - تعليم التلاميذ مهارات المذاكرة والتحصيل السليم بأفضل طريقة ممكنة حتى يحققوا أكبر درجة ممكنة من النجاح. وهكذا نرى أن تحسين العملية التربوية يعتبر من أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي في المجال التربوي الذي يهمنا بصفة خاصة.

стр. 40

مناهج واستراتيجيا التوجيه والإرشاد النفسي ... مناهج واستراتيجيات التوجيه والإرشاد النفسي: هناك ثلاثة مناهج واستراتيجيات لتحقيق أهداف التوجيه والإرشاد هي: المنهج التنموي، والمنهج الوقائي، والمنهج العلاجي. ويدمج بعض الكتاب المنهجين الأولين "التنموي والوقائي" تحت عنوان واحد على أساس أن كلا منهما يسعى إلى تجنب الوقوع في المشكلات والاضطرابات النفسية وذلك عن طريق دعم النمو السوي للفرد "مورتينسن وشمولر ١٩٦٥". ويظن البعض أن الاستراتيجية الأهم لتحقيق أهداف التوجيه والإرشاد النفسي هي الاستراتيجية العلاجية، ولكن الأصح هو أن الاستراتيجيتين التنموية والوقائية يجب أن تسبقا الاستراتيجية العلاجية "جورج هيل وإليانانورلاكي Hill & Luckey؛ ١٩٦٩". وعلى العموم يجب التخطيط الدقيق لهذه المناهج الثلاثة في برنامج التوجيه والإرشاد. المنهج التنموي Develpmental: يطلق عليه أحيانا "الاستراتيجية الإنشائية" Strategy of Promotion وترجع أهمية المنهج التنموي إلى أن خدمات التوجيه، والإرشاد تقدم أساسا إلى العاديين لتحقيق زيادة كفاءة الفرد الكفء وإلى تدعيم الفرد المتوافق إلى أقصى حد ممكن. ولقد ظهرت عدة مؤلفات تؤكد النظر إلى الإرشاد النفسي كعملية نمو، فقد كتب ليتل وشابمان Little & Chapman؛ "١٩٥٥" كتابا بعنوان Develpmental Guidance in the
следующие страницы →