← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11542

التوجيه والإرشاد النفسي

الدكتور حامد عبد السلام زهران

Полный текст (650 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أهداف التوجيه والإرشاد النفسي: يذكر بعض الكتاب أهدافا كثيرة ومتعددة للتوجيه والإرشاد النفسي لدرجة تصل أحيانا إلى التشتيت وعدم التركيز، ويرى البعض أن هذه الأهداف تكاد تكون خاصة بكل عميل فرد حسب حالته وتوقعاته ويتحدث البعض الآخر عنها كوحدة، ومن المهم أن تكون أهداف عملية الإرشاد النفسي ذات مستويات ثلاثة: "ماجي إبراهيم، ١٩٩٦". - مستوى معرفي Cognitive: حيث تتناول التفكير والمدركات والتصورات والمعارف والخبرات والمعتقدات. - مستوى وجداني Affective: حيث تتناول الوجدانيات والانفعالات والاتجاهات والقيم. - مستوى عملي "سلوكي" Doing: حيث تتناول عملية تعديل السلوك وإكساب مهارات سلوكية عملية. وعلى العموم فإن أهداف التوجيه والإرشاد النفسي، تحدد وجهة كل من المرشد والعميل وعملية الإرشاد نفسها. ويحدد المؤلف أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي فيما يلي: تحقيق الذات Self- actualization: لا شك أن الهدف الرئيسي للتوجيه والإرشاد هو العمل مع الفرد لتحقيق الذات. والعمل مع الفرد يقصد به العمل معه حسب حالته سواء كان عاديا أو متفوقا أو ضعيف العقل أو متخلفا دراسيا أو جانحا، ومساعدته في تحقيق ذاته إلى درجة يستطيع فيها أن ينظر إلى نفسه فيرضى عما ينظر إليه. ويقول كارل روجرز Rogers؛ "١٩٥٩" إن الفرد لديه دافع أساسي يوجه سلوكه وهو دافع تحقيق الذات، ونتيجة لوجود هذا الدافع فإن الفرد لديه استعداد دائم لتنمية فهم ذاته ومعرفة وتحليل نفسه وفهم استعداداته وإمكاناته أي تقييم نفسه وتقويمها وتوجيه ذاته. ويتضمن ذلك "تنمية بصيرة العميل" ويركز الإرشاد النفسي غير المباشر أو الممركز حول العميل أو الممركز حول الذات على تحقيق الذات إلى أقصى درجة ممكنة وليس بطريقة "الكل أو لا شيء". كذلك يهدف الإرشاد النفسي إلى نمو مفهوم موجب للذات والذات هي كينونة الفرد وحجر الزاوية في شخصيته. ومفهوم الذات الموجب Positive Self - Concept يعبر عنه تطابق مفهوم الذات الواقعي "أي المفهوم المدرك للذات الواقعية كما يعبر عنه الشخص". مع مفهوم الذات المثالي "أي المفهوم المدرك للذات المثالية كما يعبر عنه الشخص". ومفهوم الذات الموجب عكس مفهوم الذات السالب الذي يعبر عنه عدم تطابق مفهوم الذات الواقعي ومفهوم الذات المثالي. ومعلوم أن مفهوم الذات هو المحدد الرئيسي للسلوك "حامد زهران، ١٩٧٦".

стр. 37

وهناك هدف بعيد المدى للتوجيه والإرشاد وهو "توجيه الذات" Self- Guidance أي تحقيق قدرة الفرد على توجيه حياته بنفسه بذكاء وبصيرة وكفاية في حدود المعايير الاجتماعية، وتحديد أهداف للحياة وفلسفة واقعية لتحقيق هذه الأهداف. ويعمم هذا الهدف تحت عنوان "تسهيل النمو العادي" وتحقيق مطالب النمو في ضوء معاييره وقوانينه حتى يتحقق النضج النفسي، ويقصد بتسهيل النمو هنا النمو السوي الذي يتضمن التحسن والتقدم وليس مجرد التغيير. تحقيق التوافق Adjustment: من أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي تحقيق التوافق، أي تناول السلوك والبيئة الطبيعية والاجتماعية بالتغيير والتعديل حتى يحدث توازن بين الفرد وبيئته، وهذا التوازن، يتضمن إشباع حاجات الفرد ومقابلة متطلبات البيئة. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تنمية طاقات المسترشد، واكتسابه مهارات التعامل مع المواقف Coping Skills، وخاصة المواقف الضاغطة، النهوض بعملية اتخاذ القرارات "محمد محروس الشناوي، محمد التويجري، ١٩٩٦". ويجب النظر إلى التوافق النفسي نظرة متكاملة بحيث يتحقق التوافق المتوازن في كافة مجالاته "مكجوان وشميت McGowan & Shmidt؛ ١٩٦٢". ومن أهم مجالات تحقيق التوافق ما يلي: التوافق الشخصي: أي تحقيق السعادة مع النفس والرضا عنها وإشباع الدوافع والحاجات الداخلية الأولية الفطرية والعضوية والفسيولوجية والثانوية المكتسبة، ويعبر عن سلم داخلي حيث يقل الصراع، ويتضمن كذلك التوافق لمطالب النمو في مراحله المتتابعة. التوافق التربوي: وذلك عن طريق مساعدة الفرد في اختيار أنسب المواد الدراسية والمناهج في ضوء قدراته وميوله وبذل أقصى جهد ممكن بما يحقق النجاح الدراسي. التوافق المهني: ويتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد علميا وتدريبيا لها والدخول فيها والانحياز والكفاءة والشعور بالرضا والنجاح، أي وضع العامل المناسب في العمل المناسب بالنسبة له وبالنسبة للمجتمع.

стр. 38

التوافق الاجتماعي: ويتضمن السعادة مع الآخرين، والالتزام بأخلاقيات المجتمع ومسايرة المعايير الاجتماعية وقواعد الضبط الاجتماعي وتقبل التغير الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي السليم وتحمل المسئولية الاجتماعية، والعمل لخير الجماعة، وتعدل القيم مما يؤدي إلى تحقيق الصحة الاجتماعية، ويدخل ضمن التوافق الاجتماعي التوافق الأسري والتوافق الزواجي. تحقيق الصحة النفسية: الهدف العام الشامل للتوجيه والإرشاد النفسي هو تحقيق الصحة النفسية وسعادة وهناء الفرد "راجع تعريف الصحة النفسية". ويلاحظ هنا فصل تحقيق الصحة النفسية كهدف عن تحقيق التوافق كهدف. ويرجع ذلك إلى أن الصحة النفسية والتوافق النفسي ليسا مترادفين. فالفرد قد يكون متوافقا مع بعض الظروف وفي بعض المواقف ولكنه قد لا يكون صحيحا نفسيا لأنه قد يساير البيئة خارجيا ولكنه يرفضها داخليا. ويرتبط بتحقيق الصحة النفسية كهدف حل مشكلات العميل أي مساعدته في حل مشكلاته بنفسه، ويتضمن ذلك التعرف على أسباب المشكلات وأعراضها وإزالة الأسباب وإزالة الأعراض. تحسين العملية التربوية: المدرسة هي أكبر المؤسسات التي يعمل فيها التوجيه والإرشاد، ومن أكبر مجالاته مجال التربية، وتحتاج العملية التربوية إلى تحسين قائم على تحقيق مناخ نفسي صحي له مكونات منها احترام التلميذ كفرد في حد ذاته وكعضو في جماعة الفصل والمدرسة، والمجتمع وتحقيق الحرية والأمن والارتياح بما يتيح فرصة نمو شخصية التلاميذ من كافة جوانبها ويحقق تسهيل عملية التعليم.

стр. 39

ولتحسين العملية التربوية يوجه الاهتمام إلى ما يلي: - إثارة الدافعية وتشجيع الرغبة في التحصيل واستخدام الثواب والتعزيز وجعل الخبرة التربوية التي يعيشها التلميذ كما ينبغي أن تكون من حيث الفائدة المرجوة. - عمل حساب الفروق الفردية وأهمية التعرف على المتفوقين ومساعدتهم على النمو التربوي في ضوء قدراتهم. - إعطاء كم مناسب من المعلومات الأكاديمية والمهنية والاجتماعية تفيد في معرفة التلميذ لذاته وفي تحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية وتلقي الضوء على مشكلاته وتعليمه كيف يحلها بنفسه. - تعليم التلاميذ مهارات المذاكرة والتحصيل السليم بأفضل طريقة ممكنة حتى يحققوا أكبر درجة ممكنة من النجاح. وهكذا نرى أن تحسين العملية التربوية يعتبر من أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي في المجال التربوي الذي يهمنا بصفة خاصة.

стр. 40

مناهج واستراتيجيا التوجيه والإرشاد النفسي ... مناهج واستراتيجيات التوجيه والإرشاد النفسي: هناك ثلاثة مناهج واستراتيجيات لتحقيق أهداف التوجيه والإرشاد هي: المنهج التنموي، والمنهج الوقائي، والمنهج العلاجي. ويدمج بعض الكتاب المنهجين الأولين "التنموي والوقائي" تحت عنوان واحد على أساس أن كلا منهما يسعى إلى تجنب الوقوع في المشكلات والاضطرابات النفسية وذلك عن طريق دعم النمو السوي للفرد "مورتينسن وشمولر ١٩٦٥". ويظن البعض أن الاستراتيجية الأهم لتحقيق أهداف التوجيه والإرشاد النفسي هي الاستراتيجية العلاجية، ولكن الأصح هو أن الاستراتيجيتين التنموية والوقائية يجب أن تسبقا الاستراتيجية العلاجية "جورج هيل وإليانانورلاكي Hill & Luckey؛ ١٩٦٩". وعلى العموم يجب التخطيط الدقيق لهذه المناهج الثلاثة في برنامج التوجيه والإرشاد. المنهج التنموي Develpmental: يطلق عليه أحيانا "الاستراتيجية الإنشائية" Strategy of Promotion وترجع أهمية المنهج التنموي إلى أن خدمات التوجيه، والإرشاد تقدم أساسا إلى العاديين لتحقيق زيادة كفاءة الفرد الكفء وإلى تدعيم الفرد المتوافق إلى أقصى حد ممكن. ولقد ظهرت عدة مؤلفات تؤكد النظر إلى الإرشاد النفسي كعملية نمو، فقد كتب ليتل وشابمان Little & Chapman؛ "١٩٥٥" كتابا بعنوان Develpmental Guidance in the

стр. 41

Secondary School، وكتب هيرمان بيترز، وجيل فارويل Peters & Farwell؛ "١٩٥٩" كتابا بعنوان Guidance: A Developmental Approach. ويركز هؤلاء على أهمية رعاية وتوجيه النمو السليم والارتقاء بالسلوك. وهؤلاء وأمثالهم يؤكدون أهمية المنهج التنموي في تخطيط برامج التوجيه والإرشاد وخاصة في المدارس. ويتضمن المنهج التنموي والإجراءات التي تؤدي إلى النمو السوي السليم لدى الأسوياء والعاديين. خلال رحلة نموهم طوال العمر حتى يتحقق الوصول بهم إلى أعلى مستوى ممكن من النضج والصحة النفسية والسعادة والكفاية والتوافق النفسي. ويتحقق ذلك عن طريق معرفة وفهم وتقبل الذات ونمو مفهوم موجب للذات وتحديد أهداف سليمة للحياة وأسلوب حياة موفق بدراسة الاستعدادت القدرات والإمكانات وتوجيهها التوجيه السليم نفسيا وتربويا ومهنيا، ومن خلال رعاية مظاهر نمو الشخصية جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا. المنهج الوقائي Preventive: يحتل المنهج الوقائي مكانا في التوجيه والإرشاد النفسي، ويطلق عليه أحيانا، منهج "التحصين النفسي" ضد المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية. ويقول المثل المعروف "الوقاية خير من العلاج"، ونحن نعرف أن الواقية تغني عن العلاج، وأن جرام وقاية خير من طن علاج، وأن الطن من الوقاية يكلف المجتمع أقل مما يكلفه جرام واحد من العلاج، إن الوقاية والتحصين أفضل من العلاج. ونحن نعرف أن تحصين المنزل ضد اللصوص أفضل من تركه هدفا سهلا لهم ثم مقاومتهم حين يسطون. فالمعركة فيها احتمال الخسارة، وتجنبها بالوقاية والتحصين أفضل ولا شك. ويهتم المنهج الوقائي بالأسوياء والأصحاء قبل اهتمامه بالمرضى ليقيهم ضد حدوث المشكلات وتجنبها بالوقاية والتحصين أفضل ولا شك. ويهتم المنهج الوقائي بالأسوياء والأصحاء قبل اهتمامه بالمرضى ليقيهم ضد حدوث المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية. وللمنهج الوقائي مستويات ثلاثة هي: الوقاية الأولية: وتتضمن محاولة منع حدوث المشكلة أو الاضطراب أو المرض بإزالة الأسباب حتى لا يقع المحظور. الوقاية الثانوية: وتتضمن محاولة الكشف المبكر وتشخيص الاضطراب في مرحلته الأولى بقدر الإمكان للسيطرة عليه ومنع تطوره وتفاقمه. الوقاية من الدرجة الثالثة: وتتضمن محاولة التقليل من أثر إعاقة الاضطراب أو منع إزمان المرض.

стр. 42

وتتركز الخطوط العريضة للوقاية من الاضطرابات النفسية فيما يلي: "انظر حامد زهران، ١٩٧٣". - الإجراءات الوقائية الحيوية: وتتضمن الاهتمام بالصحة العامة، والنواحي التناسلية. - الإجراءات الوقائية النفسية: وتتضمن رعاية النمو النفسي السوي، ونمو المهارات الأساسية، والتوافق الزواجي، والتوافق الأسري، والتوافق المهني، والمساندة أثناء الفترات الحرجة، والتنشئة الاجتماعية السليمة. الإجراءات الوقائية الاجتماعية: وتتضمن إجراء الدراسات والبحوث العلمية وعمليات التقويم والمتابعة والتخطيط العلمي للإجراءات الوقائية١. المنهج العلاجي: هناك بعض المشكلات والاضطرابات قد يكون من الصعب التنبؤ بها فتحدث فعلا. وكل فرد يخبر في وقت ما مواقف أزمات Crisis- situations وفترات حرجة ومشكلات حقيقية يحتاج فيها إلى مساعدة ومساندة لتخفيض مستوى القلق ورفع مستوى الأمل. ويتضمن دور المنهج العلاجي كذلك علاج المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية حتى العودة إلى حالة التوافق والصحة النفسية. ويهتم المنهج العلاجي بنظريات الاضطراب والمرض النفسي وأسبابه وتشخيصه وطرق علاجه، وتوفير المرشدين والمعالجين والمراكز والعيادات والمستشفيات النفسية. ويلاحظ أن المنهج العلاجي يحتاج إلى تخصص أدق في الإرشاد العلاجي إذا قورن بالمنهجين التنموي والوقائي، وهو أكثر المناهج الثلاث تكلفة في الوقت والجهد والمال. كذلك فإن نسبة نجاح الاستراتيجية العلاجية لا تكون ١٠٠%، وقد يفلت الزمام من يد المرشد أو المعالج إذا ما بدأ العلاج بعد فوات الأوان.

стр. 43

التوجيه والإرشاد النفسي علم وفن: إن ممارسة الإرشاد النفسي فن يقوم على أساس علمي، بالضبط كما أن ممارسة العلاج الطبي فن يقوم على أساس علمي. ويقول بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone

стр. 44

"١٩٧٠" إن ممارسة الإرشاد النفسي كفن من فنون العلاقات الاجتماعية يقوم على اساس علمي، يحتاج إلى دراسة علمية في الجامعات وتدريب عملي فني قبل الممارسة في مراكز الإرشاد والعيادات النفسية. وبينما نجد كتابا يتحدثون عن الإرشاد النفسي على أنه علم أكثر منه فن، فإن الواقع يشير إلى أن كل ممارس للإرشاد النفسي يلمس التوازن العلمي بين الإرشاد النفسي كعلم نظري وفن تطبيق حيث يدعم العلم المتاح فن الممارسة. الإرشاد النفسي علم: هناك عدة اعتبارات تجعل الإرشاد النفسي علما، ومن هذه الاعتبارات ما يلي: - الإرشاد النفسي فرع من فروع علم النفس التطبيقي. - الإرشاد النفسي يقوم على أساس نظريات علمية راسخة مثل نظرية الذات ونظرية المجال ونظرية السمات والعوامل النظرية السلوكية، وهذه النظريات تستند على مناهج البحث العلمي التجريبي، والوصفي الذي من أهم طرقه الملاحظة العلمية، ونحن نعلم أن النظرية يتم التوصل إليها عن طريق تسلسل علمي يبدأ بتحديد ظاهرة تحتاج إلى تفسير، ثم تحديد مشكلة الدراسة التي تدور حول الظاهرة، وتحديد الهدف من البحث العلمي، وهو التفسير والتنبؤ والضبط، ثم تحديد الفروض التي تهدي إلى استكشاف الحقائق العلمية، ثم إجراء التجارب التي تهدف إلى التحقق من صحة الفروض كلها أو بعضها، حيث تستخدم عينات ممثلة واختبارات مقننة لقياس، متغيرات محددة، وهكذا يتم التوصل إلى حقائق متعلقة بالظاهرة، ثم تصاغ القوانين العلمية، ويتم الوصول إلى نظرية علمية. - هناك حقائق كثيرة معروفة عن الفروق بين الإرشاد السليم والإرشاد غير المؤثر. - كل مرشد لا بد أن يعد الإعداد العلمي وأن يدرس الأساس العلمي الذي تقوم عليه عملية الإرشاد. الإرشاد النفسي فن: هناك عدة اعتبارات تجعل الإرشاد النفسي فنا يحتاج إلى مهارة وخبرة، ومن هذه الاعتبارات ما يلي: - هناك جوانب من حياة الإنسان وسلوكه مثل طبيعة الإنسان قد لا تخضع -بالدقة الكافية والثقة المطلوبة- للدراسة العلمية البحتة.

стр. 45

- هناك بعض المشكلات النفسية المعقدة لا يوفر العلم وحده تفسيرا كاملا لها. - المرشد حين يعمل في مركز الإرشاد أو العيادة النفسية أو المدرسة وغيرها من المؤسسات يلتقي بعملاء بينهم فروق فردية واضحة في شخصياتهم وفي نوعية مشكلاتهم. - عملية الإرشاد يلزمها الإقبال والقبول والتقبل من جانب المرشد والعميل. - عملية الإرشاد تحتاج إلى خبرة فنية طويلة خاصة في عملية الفحص والتشخيص وتقديم المساعدة الإرشادية وفي مواجهة طورائ عملية الإرشاد مثل المقاومة والتحويل والإحالة. - كل مرشد يضفي لمسات فنية حين يطبق عمليا ما يعرفه علميا من فنيات وطرق. - يواجه المرشد في عملية الإرشاد أنواعا مختلفة من العملاء من بينهم العميل السهل، وفي نفس الوقت يوجد "العميل الصعب" مثل "الفهلوي" و"أبو العريف" والمتواكل، والخاضع والمستهتر والممثل والمنسحب، واليائس، والحزين والعدواني وكبش الفداء ... إلخ. ويأتي تفصيل ذلك في الفصل العاشر عند الكلام عن العميل ومسئوليته في عملية الإرشاد. - يأتي إلى المرشد عملاء في أعمار مختلفة، ولا بد أن يطوع أساليب علمية الإرشاد لتناسب الطفل والشاب والشيخ والرجل والمرأة، ومع هؤلاء وغيرهم تختلف عملية الإرشاد فنيا وليس علميا.

стр. 46

التوجيه والإرشاد بين الماضي والحاضر والمستقبل: التوجيه والإرشاد النفسي علم وفن له ماض وحاضر ومستقبل. وهو عبارة عن تجمع لجهود أعلام وتجمع لحركات في مناطق مختلفة من العالم وفي فترات تاريخية متتابعة. ومثل الإرشاد النفسي مثل النهر العظيم الذي هو تجميع لفروع صغيرة جاءت من منابع متعددة أصلها جميعا قطرات مطر. وترجع أهمية دراسة تاريخ وتطور التوجيه والإرشاد النفسي بين الماضي والحاضر والمستقبل إلى ضرورة تتبع نمو النظريات الأساسية والمفاهيم الرئيسية والطرق المتعددة والمجالات الكثيرة، والتعرف على أهم معالمه وأعلامه، والاستنارة بتطورات الماضي، والتعرف على إنجازات الحاضر، وإلقاء الضوء على تطلعات المستقبل.

стр. 47

ماضي التوجيه والإرشاد النفسي: البداية: التوجيه والإرشاد بمعناه الواسع قديم قدم العلاقات الإنسانية: فمن طبيعة الإنسان أن يحكي مشكلاته الشخصية لأقاربه وأصدقائه ومعارفه فيلقى مشاركة وجدانية واقتراح حلول لهذه المشكلات. ومعنى هذا أن الإرشاد النفسي يمارس منذ القدم ولكن بدون المصطلح وبدون الإطار العلمي الحالي أو في شكل "توجيه بلدي" Lay Guidance، أو "إرشاد مصاطب" Armchair Counselling. ونرجع إلى بداية التوجيه والإرشاد النفسي كما نعرفه الآن إلى مائة عام خلت حين انفصل علم النفس الحديث عن أحضان الفلسفة منذ أن أنشأ ويلهيلم فونت Wundt سنة ١٨٧٩ في ليبزيج بألمانيا أول معمل لعلم النفس التجريبي، وبدأت الدراسات العلمية لعلم النفس، وظهر علم النفس التطبيقي. اسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ حركة التوجيه التربوي: في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت مشكلة التخلف الدراسي والضعف العقلي انتباه علماء النفس مما جعلهم يتوافرون على دراستها. ففي فرنسا أنشأ ألفريد بينيه Binet سنة ١٩٠٥ أول اختبار ذكاء في العالم، وتمت محاولات لدراسة

стр. 48

التخلف الدراسي والضعف العقلي وبدأ بعض الجهد في التعليم وتوجيه وإرشاد هاتين الفئتين من الأفراد. وفي سنة ١٩٢٣ نظم مجلس التربية الأمريكي American Council on Education للدراسات في ميدان الخدمات الشخصة للطلبة Student Personnel Work، واتجه الاهتمام إلى فئات أخرى من التلاميذ المعوقين وذوي الحاجات الخاصة، وزاد التوسع والاهتمام بالمناهج وتخطيط المستقبل التربوي بالنسبة للتلاميذ العاديين. حركة التوجيه المهني: بدأت حركة التوجيه المهني على يد فرانك بارسونز Parsons الذي أسس سنة ١٩٠٨ في بوسطون بأمريكا مكتب التوجيه المهني Boston Vaocation Bureau والذي كتب سنة ١٩٠٩ كتاب "اختيار مهنة" Choosing a Vaocation وهذا الكتاب يعتبر أول وأعظم كتب التوجيه المهني، وهو الذي رشح بارسونز ليلقب "أبو التوجيه المهني". وفي سنة ١٩١٠ عقد في بوسطون أول مؤتمر قومي للتوجيه المهني National Conference on Vacational Guidance. وفي سنة ١٩١٠ صدرت أول مجلة للتوجيه المهني Vacational Cuidance Bulletin وانتشرت حركة التوجيه المهني وأنشئ في أمريكا سنة ١٩١٣ الاتحاد القومي للتوجيه المهني National Vacational Guidance Assocication. وفي الثلاثينات جذب التوجيه والإرشاد أنظار رجال الاقتصاد بسبب تطور الآلات والتخصيص المهني، ومشكلات وقت الفراغ والبطالة والتقاعد وغيرها. وزاد الاهتمام بشئون الموظفين والعاملين من حيث الاختيار والتوزيع والكفاية والإنتاجية. وبعد ذلك تنوعت النشاطات والاهتمامات في مجال التوجيه المهني. حركة الصحة النفسية والإرشاد العلاجي: بعد أن كان المرضى النفسيون فيما مضى يوضعون في بيمارستان مقيدين بالسلاسل كالمساجين في ضوء نظريات تؤمن بالمس والجن، تطورت المفاهيم والنظريات في الصحة النفسية الطب النفسي، وتحرر المرضى من السلاسل وهدمت الأسوار وتطورت النظريات وطرق العلاج. ويحكي لنا تاريخ العلم أنه في سنة ١٨٩٦، افتتح ليتنر ويتمر Witmer أول عيادة نفسية في جامعة بنسلفانيا بأمريكا، وبدأت بعلاج حالات التخلف الدراسي والضعف العقلي ثم امتد

стр. 49

نشاطها إلى علاج حالات أمراض الكلام والتوجيه المهني، تم تزايد عدد العيادات النفسية وأصبح الاهتمام موجها إلى التوافق النفسي، والمشكلات الشخصية والتربوية والمهنية، والاجتماعية بصفة عامة. وفي سنة ١٩٠٨ كتب كليفورد بيرز Beers كتابه: "العقل الذي وجد نفسه" The Mind that found itself ووصف فيه حالته من المرض النفسي إلى الصحة النفسية. وفي العام التالي ١٩٠٩ تأسست في أمريكا اللجنة القومية للصحة النفسية National Committee for Mental Health وأولت عنايتها لدراسة وعلاج وتأهيل المرضى النفسيين. وفي سنة ١٩٠٩ أيضا أسس ويليام هيلي Healy معهد رعاية الأطفال الجانحين في شيكاجوا Chicago Juvenile Psychopaithic Institute وهو يعتبر أول عيادة نفسية لتوجيه الأطفال لعلاج مشكلاتهم الانفعالية ومشكلات سوء التوافق في كل من الأسرة والمدرسة. وفي الثلاثينات بدأ الإرشاد العلاجي Clinical Counselling يتمايز عن كل من الإرشاد المهني والإرشاد التربوي حيث أخذ يركز على المشكلات الشخصية، وكان يعرف في ذلك الوقت باسم "الإرشاد الشخصي" Personal counselling. وكانت البداية والجادة على يد سيموندز Symonds في كتابه "تشخيص الشخصية والسلوك" Diagnosign Personsality and Conduct سنة ١٩٣١، وعلى يد ويليامسون Williamson في كتابه: "كيف نرشد الطلبة" How to Conusel Students سنة ١٩٣٩. وفي الأربعينات أثرت مفاهيم التحليل النفسي خاصة على يد سيجموند فرويد Freud في زيادة الاهتمام بالصحة النفسية والعلاج النفسي في نمو الإرشاد العلاجي الذي اهتم بالمشكلات الشخصية والانفعالية. وفي العقد الخامس ظهر الإرشاد المباشر والعلاج النفسي الممركز حول العميل على يد كارل روجرز Rogers بظهور كتابه "الإرشاد والعلاج النفسي" Counseling and Psychotherapy سنة ١٩٤٢ الذي عدل أسلوبه المباشر السابق ووجه الأنظار إلى أن المرشد والمعالج يقومان بعلاج الناس وليس المشكلات، وحرك حركة الإرشاد النفسي من القياس النفسي إلى العلاج النفسي "هارمز وشرابير Harms & Schreiber؛ ١٩٦٣". حركة القياس النفسي: كان لحركة القياس النفسي ودراسة الفروق الفردية وإنشاء الاختبارات والمقاييس أثر كبير في تطور التوجيه والإرشاد النفسي.

стр. 50

ففي سنة ١٨٩٠ ذكر جيمس كاتيل Cattell لأول مرة في تاريخ علم النفس مصطلح الاختبارات العقلية Mental tests. وفي سنة ١٩٠٥ أنشأ ألفريد بينيه Binet في فرنسا أول مقياس ذكاء معروف في العالم. وبعد ذلك بأحد عشر عاما نشر تيرمان Terman مراجعة لمقياس بينيه مقننا على المجتمع الأمريكي. وفي العشرينات اتسعت حركة القياس وظهر اختبار ألفا Alpha Test كأول اختبار جماعي للذكاء في الجيش الأمريكي. وفي الثلاثينات بدأت تظهراختبارات ومقاييس عديدة وزادت حركة القياس النفسي نشاطا. وفي الأربعينات ظهرت اختبارات ومقايس خاصة للإرشاد النفسي وكان داورد سترونج Strong من أوائل الذين أسهموا في هذا المجال فأنشأ سنة ١٩٤٣ اختبار الميول المهنية Storng Vaocational Inteest Balnk للرجال والنساء. وبعد الحرب العالمية الأولى ظهر العديد من الاختبارات والمقاييس وتأسست مؤسسات للاختبارات والمقاييس لإنشاء وإعداد اختبارات ومقاييس الذكاء والتحصيل والميول والتوافق وإعداد الأجهزة والاختبارات العملية. وكثرت معامل علم النفس، وتوالت جهود العلماء ولمعت أسماء مثل جوادرد Goddard، وثورنديك Thorndidk، وسبيرمان Spearman، وثرستون Thurstone. وتطور الاهتمام بالاختبارات والمقاييس النفسية وظهر سنة ١٩٥٠ كتاب بعنوان: Mental Measurements Yearbook يضم قائمة بالاختبارات الجديدة لقياس الذكاء والشخصية ... إلخ وتعريفاتها. وهكذا ساعدت حركة القياس النفسي في تطور ونمو التوجيه والإرشاد لأنها أكدت أنه للعمل مع الفرد لا بد من جمع المعلومات الدقيقة والموضوعية عنه واستخدامها بذكاء. الجمعيات والاتحادات: في سنة ١٩١٣ أسست أول جمعية للإرشاد النفسي في ميتشيجان بأمريكا، ثم تم اندماج الاتحاد القومي للتوجيه المهني مع الاتحاد الأمريكي لمرشدي المدارس سنة ١٩٥٢ American School Counselors Assocication والاتحاد الأمريكي للإرشاد والتأهيل American Rehabilitiation Counselors Assocication ونشأ الاتحاد الأمريكي للخدمات.

стр. 51

الشخصية والتوجيه سنة ١٩٥١ American Persionnel and Guidance Association. في سنة ١٩٤٧ اعترفت جمعية علم النفس الأمريكية American Psychological Association بالإرشاد النفسي كميدان تمنح فيه الدبلومات والدرجات العليا وتكون في الجمعية سنة ١٩٥٣ قسم خاص للإرشاد النفسي Diveision of Counseling Psychology وفي سنة ١٩٧٩ أسست الجمعية الأمريكية لمرشدي الصحة النفسية American Mental Health Counslors Association. الحربان العالميتان: في الحرب العالمية الأولى حين تجمعت القوات المسلحة في جميع أنحاء العالم من أجناس مختلفة واشتعلت نيران الحرب، وظهرت مفاهيم جديدة في الاختيار والتنوزيع والقيادة، وظهرت اضطرابات نفسية مثل عصاب الحرب، وظهرت طرق جديدة مثل الإرشاد والعلاج النفسي الجماعي ... إلخ. وأثناء الحرب العالمية الأولى أيضا ابتكرت بعض وسائل الإرشاد مثل بطاقة المؤهلات the qualificaion Card والتي تطورت فيما بعد أثناء الحرب العالمية الثانية إلى ما يسمى السجل المجمع Cumulative Record. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية أثرت في تطور التوجيه والإرشاد إذ بينت الأهمية الكبرى للاختبارات والمقاييس النفسية في اختيار وتوزيع الأفراد ووضع الفرد المناسب في المكان المناسب حسب قدراته واستعداداته وميوله، وأثناء الحرب العالمية الثانية لعب والترسكوت Scott دورا هاما في تطور أساليب ووسائل الإرشاد النفسي وأثناءها أيضا ابتكرت طرق علاجية لاستخدامها مع الجنود العائدين من الميدان. حاضر التوجيه والإرشاد النفسي: الإرشاد النفسي كتخصص ومهنة: تطور التوجيه والإرشاد من خلال ماضيه إلى حاضر أكثر نموا وأصبح في الوقت الحاضر ملء السمع والبصر. وأصبح الإرشاد النفسي تخصصا معترفا به، وإن كان يتصل بعلوم أخرى أخذا وعطاء كما سبق أن عرفنا "راجع". وأنشئت أقسام للتوجيه والإرشاد في جامعات العالم، وأصبحت تمنح شهادات ودبلومات عالية ودرجات الماجستير والدكتوراه في تخصص التوجيه والإرشاد.

стр. 52

وأصبح الإرشاد النفسي مهنة وله مكانة في كثير من المدارس والمصانع والقوات المسلحة وغير ذلك من المؤسسات الاجتماعية، بل دخل البيوت، وأصبحنا نسمع عن أخصائي مثل المرشد النفسي the Counselling Psychologist، وأصبحنا نسمع عن تخصصات فرعية للإرشاد النفسي مثل المرشد المدرسي The School Counsellor والمرشد العلاجي the Clinical Counsellor أي أن الاتجاه تحول من إعداد المرشد الممارس العام The Generalist إلى المرشد الأخصائي The Specialist وأصبح العمل في الإرشاد النفسي عمل فريق متكامل يضم إلى جانب المرشد النفسي عددا آخر من المسئولين مثل المعالج النفسي والطبيب النفسي والأخصائي الاجتماعي والمعلم؛ المرشد وغيرهم. تعدد الوسائل والطرق والمجالات: تعددت في الوقت الحاضر وسائل الإرشاد النفسي ولم تعد قاصرة على الاختبارات والسجلات المجمعة والملاحظة بل اشتملت على وسائل جديدة متطورة مثل دراسة الحالة والسيرة الشخصية ومؤتمر الحالة والتقارير ... إلخ. وهكذا لم تعد خدمات الإرشاد قاصرة على "الفرح بالاختبارات" كما كان يلذ للبعض سابقا، وتعددت طرق الإرشاد النفسي ولم تعد قاصرة كما كان سابقا على الإرشاد الفردي والإرشاد المباشر، بل ظهر الإرشاد الجماعي والإرشاد غير المباشر، وأصبح من الممكن العمل مع الأفراد والجماعات. وتعددت مجالات الإرشاد النفسي فخرجت عن مثلث التوجيه the Triangle of Guidance الذي كان يضم التوجيه والإرشاد العلاجي والتربوي والمهني، وأصبح يشمل مجالات مثل الإرشاد الزواجي والأسري وإرشاد الصحة النفسية ... إلخ. ويعتبر مجال الإرشاد التربوي في الوقت الحاضر من أهم مجالات التوجيه والإرشاد. وقد أصبح مألوفا الآن إعداد المرشد المعلم، والمعلم المرشد. وأصبح الإرشاد النفسي خدمة مندمجة متكاملة مع البرنامج التربوي العام. ودخل الوالدان كعنصر فعال وضروري لإنجاح تنفيذ برامج التوجيه والإرشاد النفسي. وأصبح الإرشاد النفسي خدمات ذات برنامج مخطط بعد أن كان مجرد خدمات محدودة، وأصبح متمركزا حول العميل أكثر من تمركزه حول المشكلات. مراكز وعيادات الإرشاد النفسي: أخذ الإرشاد النفسي الآن مكانه اللائق في كافة المؤسسات، وكثرت مراكز وعيادات الإرشاد النفسي، وأصبحت متخصصة، فمنها مراكز الإرشاد العلاجي ومراكز الإرشاد التربوي ومراكز الإرشاد المهني ومراكز إرشاد ذوي الحاجات الخاصة ومراكز إرشاد الصحة النفسية ... إلخ.

стр. 53

وفي مراكز وعيادات الإرشاد النفسي، زاد الاهتمام بالمنهج التنموي إلى جانب المنهج الوقائي بدلا من الاكتفاء السابق بالمنهج العلاجي. وتزايدت في الوقت الحاضر البحوث والدراسات العلمية في ميدان التوجيه والإرشاد النفسي والتي تدور حول وسائله وطرقه ومجالاته ونتائجه ... إلخ والتي تذخر بها المجلات العلمية الدورية. المجلات العلمية الدورية: ظهرت أول مجلة علمية دورية للتوجيه Personnel & Guidance Journal في سنة ١٩١٥، ومنذ ذلك الوقت توالى صدور المجلات العلمية الدورية المتخصصة في التوجيه والإرشاد مثل The Journal fo Counseling Psychology سنة ١٩٥٤. وزاد عدد المجلات العلمية الدورية المتخصصة في نشر البحوث والدراسات في ميدان التوجيه والإرشاد النفسي بصفة عامة وفي مجالاته المختلفة بصفة خاصة. ومن أهم المجلات العلمية الدورية في التوجيه والإرشاد النفسي ما يلي١: - مجلة الإرشاد النفسي "مركز الإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة عين شمس". - British Journal fo Guidance & Counselling. - Counseling & values. - Counseling News & Views. - Guidance & Counselling. - Indian Journal fo Guidance. - Journal of Applied Rehabilitaion Counseling. - Journal of Consulting Psychologists. - Journal of Consulting psychology. - Journal of Consulting & Development. - Journal of Consulting Psychology. - Journal of Multicultural Consulting & Development. - Measurement & Evaluation in Guidance. - Personnel & Guidance Journal.

стр. 54

مستقبل التوجيه والإرشاد النفسي: لا بد أن يسبق الكلام عن المستقبل تقديم مشيئة الله قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الكهف: آية ٢٣] . وحين كان علم المستقبل Futurology والتنبؤ في مراحل تطوره ونموه الأولى، واقتصر الكتاب في الكلام عن مستقبل الإرشاد النفسي حتى سنة ٢٠٠٠ "هاريس Harris؛ ١٩٧٠". وعلى الرغم من ذلك فإن الآمال كبيرة، والكل يتوقع تطورات ضخمة في القرن الحادي والعشرين إن شاء الله. ومما يطمئن على مستقبل التوجيه والإرشاد النفسي أنه دخل في قلب التربية والتعليم "إدوارد جلانز Glanz ١٩٧٤". وتبشر البحوث والدراسات الكثيرة التي تملأ المجلات العلمية الدورية في التوجيه والإرشاد النفسي، تبشر بمستقبل مشرق للإرشاد النفسي إن شاء الله. ويتوقع أن يحدث في المستقبل إن شاء الله تغيرات درامية في علم النفس الإرشادي. ملامح المستقبل: يبدو في الأفق ملامح نمو واطراد وزيادة أهمها: - اطراد التغير السريع والتقدم العلمي والتقني الضخم كما وكيفا ما سيسفر عن صناعات عالية التقنية، وأجهزة متطورة، وإمكانات اتصال هائلة، واعتماد متبادل بين جميع بقاع الأرض، ومع الكواكب الأخرى التي قد تصبح آهلة بالسكان، وهذا سيؤثر في مستقبل علم النفس بصفة عامة بما في ذلك الإرشاد النفسي. - التغير المستمر في ترتيب القيم في المجتمع مما يؤثر على سلوك الأفراد والجماعات. - تغير بناء الأسرة والعلاقات الداخلية فيها مما يؤثر على سلوك أعضائها باعتبارها الجماعة الأولية أكثر أهمية في حياة كل فرد. - حدوث تطورات غير مرغوبة أو سلبية مثل: تفاقم الإرهاب العالمي، وتزايد الاستهتار الجنسي، مما يحتم على المرشدين النفسيين وضع هذا في بؤرة الاهتمام. - زيادة الاهتمام بمهنة الإرشاد النفسي واطراد تقبل خدمات الإرشاد النفسي لدى الأفراد والجماعات وزيادة إقبالهم عليها. - زيادة إمكانات تقديم خدمات الإرشاد النفسي في مؤسسات أكثر مما هي عليه الآن. - زيادة سيطرة الإنسان وتغلبه على الطبيعة بمعارفه ومعلوماته وتكنولوجيته.

стр. 55

- تقدم علم الكيمياء الحيوية، واستمرار استخدام الطاقة النووية في السلم الحرب، وتأثير غزو الفضاء على كل العلوم ومنها علم النفس والإرشاد النفسي. - اكتمال ما يسمى "بنوك المهن" Job Banks مما ييسر فرص العمل بين الدول. وهذا إطار جديد من مجال الإرشاد المهني. مطالب نمو التوجيه والإرشاد في المستقبل: يبدو أنه يحتمل أن يصبح من مطالب التوجيه والإرشاد النفسي في المستقبل، والتي يجب العمل على تحقيقها ما يلي: - دراسة علم الضبط الآلي: "السبيرنتيقا" وأثر الآلات في الإنسان خاصة في الإرشاد التربوي والمهني. - دفع البحوث العلمية في ميدان التوجيه والإرشاد دفعا على يد قادة تقدميين ابتكاريين يتجهون بسرعة في طريق الانفتاح والمرونة والابتكار، وإجراء المزيد من البحوث المحلية والعالمية والبحوث الطولية التتبعية، والبحوث حول وسائل وطرق جديدة للإرشاد خاصة في المجال السلوكي والإرشاد الذاتي ومجال إرشاد الصحة النفسية. - توجيه خدمات التوجيه والإرشاد نحو خدمة العائلة البشرية أكثر من الفرد. - تعميم برامج الإرشاد النفسي من الروضة إلى الجامعة، وفي كافة مؤسسات المجتمع، بحيث يشمل كل فرد وكل الفرد. - إعداد المرشدين في ضوء نظرة مستقبلية، بحيث يستفاد من كل الاكتشافات الجديدة في علم النفس أولا بأول، فالمرشدون الذين نعدهم الآن هم الذين سيمارسون الإرشاد بعد سنة ٢٠٠٠. - عمل حساب اطراد التغير الاجتماعي والتغيرات الأسرية والنمو الحضري والتقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي وزيادة الثروات والدخل القومي والشخصي وزيادة الرفاهية والقلق. احتمالات نمو التوجيه والإرشاد بعد سنة ٢٠٠٠: هناك احتمالات كثيرة لنمو التوجيه والإرشاد النفسي بعد سنة ٢٠٠٠. وعن الإرشاد النفسي في القرن الحادي والعشرين، يستقرئ بروك كوليسون Collison؛ "١٩٩١" المستقبل، ويشير إلى أهم الملامح بعد عام ٢٠٠٠ فيما يلي:

стр. 56

- ظهور نظريات جديدة متقدمة في التوجيه والإرشاد النفسي، ووضع بعض النظريات الحالية في متحف علم النفس لتبقى لها القيمة التاريخية فقط. - اطراد التطور، والتغير الاجتماعي والثقافي والسياسي في إطار "العولمة" و"لنظام العالمي الجديد" مع التطور الهائل في الاتصال والمواصلات، وسيادة عصر المعلومات Information Age، وتأثر جميع الأقطار في مشارق الأرض ومغاربها بأي حدث في أي مكان في نفس الوقت، مما قد يستلزم تطوير "الإرشاد عبر الثقافات" Cross- Cultural Counselling، حيث يتعامل المرشدون النفسيون، عبر الأقمار الصناعية، مع أفراد وجماعات من ثقافات أخرى. - تطور التوجيه والإرشاد وتبلور وتعدد تخصصاته واتساع مجالاته، وفي نفس الوقت إفادة الإرشاد النفسي أكثر من نتائج التقدم العلمي والبحوث في ميدان علم النفس الاجتماعي وعلم النفس النمو وعلم الإنسان وعلم الاجتماع، وغيرها من العلوم الإنسانية. وربما يصبح الإرشاد النفسي وحتى علم النفس فروعا من "علم نفس حيوي اجتماعي" Biopsychosiocial Science يركز أكثر على إمكانات الإنسان وبيئته النفسية الاجتماعية. وقد يؤدي هذا إلى تغير وإعادة التفكير في نظم التعليم الحالية وأهدافها وطرقها. وينتظر أن يدخل أخصائيون الإرشاد أكثر في العالم الداخلي للإنسان، وأن يقوموا بجهد أكثر إيجابية في تغيير البيئة والمجال الحيوي النفسي الاجتماعي الذي يؤثر في الإنسان، أي أن الاهتمام يكون أكبر بالإرشاد الشخصي الاجتماعي Personal Social Counsellign "ليتون وكرافت Lytto & Craft؛ ١٩٦٩". - إتاحة التقدم العلمي والتكنولوجي في أيدي المرشدين وسائل فنية أكثر تقدما لدراسة الفرد والجماعة، وتوافر مهارات عملية معلومات أكثر، وسهولة في حفظ البطاقات والسجلات، وزيادة إمكانات عيادات الإرشاد النفسي عندما يعمم بها الحاسب الآلي وآلات التعليم المبرمج والوسائط المتعددة والدوائر التليفزيونية المغلقة وشرائط الفيديو. وهكذا تتحسن عملية الإرشاد النفسي وخدماتها. - اهتمام مرشدي المستقبل بإرشاد الفرد تربويا ومهنيا في إطار حضارة الآلات Cyberculture، وازدياد استخدام الآلات، وازدياد فترة التعليم والتدريب، وزيادة الحراك المهني والتنقل بين المهن، وينتظر مشاركة المرأة على قدم المساواة في العمل مع الرجل، وينتظر أن يعمل عدد كبير من تلاميد المدارس حاليا في مهن لا نعرف حتى الآن ما هي لأنها لم تظهر بعد. وينتظر زيادة وقت الفراغ، والإحالة إلى التقاعد مبكرا وتزايد أعداد المسنين، وهذا يحتاج إلى مزيد من التركيز على النواحي العقلية والقيم والأخلاق والدين.

стр. 57

- اتساع مجال مهنة الإرشاد النفسي وتزايد واجباتها وتدخل أكثر في البرنامج التربوي في المدارس وفي المجتمع بصفة عامة، ويتوقع أن يصبح أخصائيو الإرشاد أكثر اشتراكا مع زملائهم المهتمين بالنمو البشري، وأن يكونوا من أهم الأشخاص في عملية التغير الاجتماعي، ويرجى أن تمتد خدمات الإرشاد النفسي إلى الريف والبدو بدلا من اقتصارها على المدن والحضر. وينتظر أن يزداد ظهور وظيفة "المرشد المستشار" وفي نفس الوقت ينتظر أن يدخل في المهنة أعداد كبيرة من مساعدي الأخصائيين والفنيين، وقد يدخل المهنة أخصائيون آخرون، وحتى بعض الفئات من غير المتخصصين بالنسبة لزيادة الحاجة إلى خدمات الإرشاد مع نقص الأخصائيين. ويتوقع أن يدعو ذلك الوالدين إلى مزيد من العمل الإيجابي في توجيه وإرشاد أولادهم، ويحتمل أن يتسع مجال إرشاد الصحة النفسية. ويحتمل أن يزداد استخدام طريقة الإرشاد الجماعي المطور. - زيادة التركيز على الإرشاد التنموي والوقائي أكثر من العلاجي وهذا يحتاج إلى خدمات الإرشاد قبل سن المدرسة واستمرارها مدى الحياة. - اعتبار مراكز التوجيه والإرشاد النفسي، مراكز دراسة متخصصة للسلوك البشري، تسعى إلى الناس بدلا من أن يسعى الناس إليها، وينتظر أن يخرج الأخصائيون إلى مدرجات الدراسة والمعامل بدلا من غرف الإرشاد. - تغير برنامج إعداد وتدريب المرشدين النفسيين إلى برنامج أكثر حرية وتنوعا واتساعا، وزيادة الاهتمام بأخلاقيات التوجيه والإرشاد النفسي. - زيادة الانفتاح والاتصال والتفاعل الدولي في ميدان الإرشاد النفسي، وامتداد عمل المرشدين إلى المجتمع الدولي. وقد تمتد خدماتهم إلى خارج حدود الدول التي يعيشون فيها. ويحتمل أن يزداد تبادل العاملين بين الدول في شكل إعارات وانتدابات دولية. وهكذا، وبالنسبة للتغير والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي السريع، فإننا نتوقع أن يكون المستقبل أفضل من الحاضر، مليئا بالتغير الإيجابي. ويا له من تغير يحتاج إلى نظرة مستقبلية متطورة، ويدعو للعمل الابتكاري المتقدم المستمر المتفائل في ميدان التوجيه والإرشاد النفسي ونأمل أن يكون القرن الحادي والعشرين قرن مزيد من التقدم والابتكار. هذا كله يؤكد ضرورة أن يصبح المرشد النفسي في القرن الحادي والعشرين متطورا ومتجددا وملاحقا للتطورات الاجتماعية والاقصادية والسياسية والعملية والتقنية، ومسايرا للتطورات التي سوف تشمل طرق الإرشاد النفسي ووسائله. ونحن نتمنى -ولو مع بداية القرن الحادي والعشرين- أن تصبح مهنة الإرشاد النفسي موجودة في مجتمعنا بجميع مؤسساته.

стр. 58

الفصل الثاني: أسس التوجيه والإرشاد النفسي الأسس والمسلمات والمبادئ ...

стр. 59

الفصل الثاني: أسس التوجيه والإرشاد النفسي: الأسس والمسلمات والمبادئ: التوجه والإرشاد النفسي علم وفن يقوم على أسس عامة تتمثل في عدد من المسلمات والمبادئ التي تتعلق بالسلوك البشري والعميل وعملية الإرشاد، وعلى أسس فلسفية تتعلق بطبيعة الإنسان وأخلاقيات الإرشاد النفسي، وعلى أسس نفسية وتربوية تتعلق بالفروق الفردية والفروق بين الجنسين ومطالب النمو، وعلى أسس اجتماعية تتعلق بالفرد والجماعة ومصادر المجتمع، وعلى أسس عصبية وفسيولوجية تتعلق بالجهاز العصبي والحواس وأجهزة الجسم الأخرى. ويلاحظ أن أسس التوجيه والإرشاد النفسي معقدة وليست بسيطة، ولكن كونها معقدة لا يعني أنها مختلطة أو مشوشة، إن الرياضيات مواد معقدة وليست بسيطة، ولكن له أسس ومبادئ ومسلمات ونظريات واضحة معروفة "كارول ميلر Miller؛ ١٩٦٥". والهدف من دارسة أسس التوجيه والإرشاد النفسي هو وضع الأساس الذي يبنى عليه باقي موضوعات التوجيه والإرشاد كما سنرى في الفصول القادمة. وأسس الإرشاد النفسي كثيرة، ولو تم تناولها جميعا لطال الكلام وضاق المجال، ولذلك فلا مناص من اختيار أهم الأسس والكلام عنها، أما ما يتكرر في مكان آخر فيترك إلى ذلك المكان. فمثلا من الأسس النفسية للإرشاد اعتبار عملية الإرشاد عملية تعلم، وهذا الأساس سوف يأتي الكلام عنه في عملية الإرشاد "في الفصل السادس" ولذلك تم إرجاؤه إلى ذلك الموضع ... وهكذا. وفيما يلي أسس التوجيه والإرشاد النفسي.

стр. 60

الأسس العامة "المسلمات والمبادئ ": ثبات السلوك الإنساني نسبيا وإمكان التنبؤ به: السلوك هو أي نشاط حيوي هادف "جسمي أو عقلي أو اجتماعي أو انفعالي" يصدر من الكائن الحي نتيجة لعلاقة دينامية وتفاعل بينه وبين البيئة المحيطة به. والسلوك عبارة عن استجابة أو استجابات لمثيرات معينة. ويجب التفريق بين السلوك على أنه استجابة كلية وبين النشاط الفسيولوجي كاستجابات جزئية. والسلوك خاصة أولية من خصائص الإنسان يتدرج من البساطة إلى التعقيد، وأبسط أنواع السلوك هو السلوك الانعكاسي Refexive Behaviour، ومن أعقد أنماطه السلوك الاجتماعي Socical Bevhaviour مثل سلوك الدور الاجتماعي "انظر شكل ١٠" فالسلوك

стр. 61

الانعكاسي محصور في الفرد ولا يحتاج إلى استخدام المراكز العقلية العليا في الجهاز العصبي، ومعظمه وراثي لا إرادي وغير اجتماعي. مثل سلوك الدور فإنه يتضمن علاقات بين أفراد الجماعة وبين الفرد والبيئة الاجتماعية، ويحتاج إلى تشغيل المراكز العقلية العليا، وهذا السلوك متعلم عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية ويتضمن اتصالا اجتماعيا، وهو إرادي ومحدود اجتماعيا "حامد زهران، ١٩٨٤". والسلوك الإنساني في جملته مكتسب متعلم من خلال علمية التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم، وهو يكتسب صفة الثبات النسبي والتشابه بين الماضي والحضر والمستقبل، وكون السلوك الإنساني ثابتا نسبيا فإنه يمكن التنبؤ به بدقة عند الأشخاص العاديين وفي المواقف العادية تحت ظروف ومتغيرات عادية. ولكي يكون هذا المبدأ صحيحا لا بد أن يضاف إليه استدراك هو "إذ تساوت الظروف

стр. 62

والمتغيرات والعوامل الأخرى" Other variables being constant or oter things being equal فمثلا إذا نجح تلميذ بتفوق في الشهادة الابتدائية وكذلك في الشهادة الإعدادية وأيضا في الشهادة الثانوية، ويمكن القول -إن شاء الله وإذا تساوت الظروف والعوامل الأخرى- إن هذا الطالب سيكون متفوقا أيضا في التعليم الجامعي، وهذا المثل يدل على ثبات السلوك الإنساني نسبيا وعلى إمكان التنبؤ به إذا تساوت الظروف والمتغيرات والعوامل الأخرى. والمرشد النفسي أخصائي تغيير وتعديل سلوك، ومن ثم يكون فهم السلوك ودراسة طرق تعديله وتغييره أمرا هاما في عملية الإرشاد، وفي ميدان التوجيه والإرشاد النفسي، لكي يمكن التنبؤ بالسلوك، يجب دراسة عينات ممثلة من سلوك الفرد في مواقف متنوعة في الحياة اليومية ودراسة تاريخ الفرد واستنتاج أسلوب حياته ويجب الإحاطة باتجاهات ومعايير النمو في الشخصية العادية ومعرفة العلاقات الاجتماعية وغير ذلك مما يمدنا به علم نفس النمو وعلم النفس الاجتماعي وغيرهما من ميادين علم النفس والإحصاء "دانيل فولمر وهارولد بيرنارد Fullmer & Bernard؛ ١٩٧٢". مرونة السلوك الإنساني: السلوك الإنساني رغم ثباته النسبي، فإنه مرن وقابل للتعديل والتغيير. والثبات النسبي للسلوك الإنساني لا يعني جموده. وقد يظن بعض الناس أن تعديل السلوك أمر صعب بسبب ثباته النسبي، ولكن انظر إلى مدرب الوحوش في السيرك، إنه يغير سلوكها ويعدله، ويحول السلوك الوحشي إلى سلوك أليف، ويحول الحيوان المفترس إلى حيوان أنيس، يكون هذا عن طريق التعليم والتدريب والترويض المتخصص. ويحكى لنا تاريخ علم النفس حكاية الطفل المتوحش، الذي عثر عليه في غابة أفيرون بفرنسا سنة ١٧٩٨ وكان يعيش حتى بلغ الثانية عشرة مع الحيوانات محروما من المثيرات الاجتماعية الإنسانية. وقد وضع إيتارد Itard برنامجا يهدف إلى تنمية الناحية الاجتماعية عند هذا الطفل وتدريبه عقليا، وترويضه سلوكيا بصفة عامة، ونجح إيتارد في تعليم الطفل المتوحش الكلام وقراءة بعض الكلمات وضبط بعض الدافع، إلا أنه فشل في تدريبه على ضبط النفس والتوافق الاجتماعي الانفعالي، فقد كان الطفل ضعيف العقل، ويحكي لنا تاريخ علم النفس أيضا حكاية الطفلتين الذئبتين اللتين عثر عليها في أحد كهوف الهند سنة ١٩١٢، وكانتا تعيشان مع الذئاب عاريتان تمشيان على أربع، وتأكلان اللحم النيئ وتعلقان الطعام بالفم، ولغتهما همهمات وأصوات غريبة، وتظهران العداوة للآدميين، ونقلت الفتاتان إلى

стр. 63

مدرسة الإرسالية البريطانية التي عثرت عليهما فأحرزتا تقدما ملحوظا وأنشأتا علاقات اجتماعية عاطفية، وتعلمتا أكل الطعام المطهو باليد وارتداء الملابس، وفهم اللغة البسيطة وحب الأطفال الآخرين. وهكذا نرى أن السلوك الإنساني مرن وقابل للتعديل، ولا يقتصر مبدأ المرونة على السلوك الظاهري فقط بل يشمل التنظيم الأساسي للشخصية ومفهوم الذات مما يؤثر في السلوك، ولولا هذه المسلمة لما كان الإرشاد النفسي ولا العلاج النفسي ولا التربية ولا أي جهد يقوم أساسا على تعديل وتغيير السلوك المضطرب أو المرضي إلى السلوك سوي وعادي. السلوك الإنساني فردي جماعي: السلوك الإنساني فردي جماعي في نفس الوقت. وهناك فرع من فروع علم النفس هو علم النفس الفردي، وفي نفس الوقت هناك فرع آخر هو علم النفس الاجتماعي الذي يدرس سيكولوجية الفرد والجماعة والسلوك الاجتماعي كاستجابة للمثيرات الاجتماعية. والسلوك الإنساني فردي اجتماعي مهما بدا فرديا بحتا أو اجتماعيا خالصا فسلوك الإنسان هو وحده يبدو فيه تأثير الجماعة، وسلوكه وهو مع الجماعة تبدو فيه آثار شخصيته وفرديته، ونحن نعرف أن الشخصية هي جملة السمات الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية التي تميز الشخص عن غيره. والمعايير الاجتماعية Social Noroms هي ميزان أو مقياس السلوك الاجتماعي، وهي السلوك النموذجي أو المثالي المحدد لما هو صحيح وما هو خطأ وما هو جائز وما هو غير جائز وما هو مباح وما هو عيب، أي أنها تحدد وتسهل سلوك الفرد والجماعة وتحدد السلوك المتوقع في المواقف الاجتماعية. والفرد يلعب عددا من الأدوار الاجتماعية Social Roles أي الوظائف الاجتماعية المتكاملة المتتالية، بمعنى أنه يقوم بدور أستاذ ودور أب ودور زوج ودور أخ ودور قائد أو تابع ... إلخ، وهذه الأدوار يتعلم الفرد المعايير السلوكية المحددة لها من الجماعة. وللفرد اتجاهات اجتماعية Attitudes كثيرة نحو الأفراد والجماعات والمؤسسات والمواقف والموضوعات الاجتماعية، تتكون من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، ويكون منها اتجاهات موجبة أو سالبة، واتجاهات جامدة واتجاهات منفعلة في شكل تعصب. وهكذا يمكن القول بأن الجماعة تعتبر بمثابة "نور موستات" السلوك الفردي، أي منظم السلوك الفردي، وأن السلوك الإنساني فردي اجتماعي. وفي الإرشاد والعلاج النفسي نجد أن أي محاولة لتعديل أو تغيير سلوك الفرد لا بد أن تدخل في الحساب شخصية الفرد ومعايير الجماعة والأدوار الاجتماعية والاتجاهات السائدة

стр. 64

والقيم ... إلخ، بما يحقق صالح كل من الفرد والجماعة. وفي الفصل التالي الذي يتناول نظريات الإرشاد النفسي ونجد نظرية المجال تؤكد أهمية المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد. استعداد الفرد للتوجيه والإرشاد: الفرد العادي لديه استعداد للتوجيه والإرشاد مبني على وجود حاجة أساسية لديه للتوجيه والإرشاد، وكل منا حين يلتوي عليه أمر أو تعترضه مشكلة يلجأ إلى الآخرين طلبا للاستشارة والتوجيه والإرشاد١. والفرد العادي يكون لديه استبصار بحالته ويدرك حاجته إلى الإرشاد ويسعى إليه سعيا ويقبل عليه إقبالا برضى واختيار، وهذا يتضمن وجود الدافعية والإرادة والرغبة في التغيير. وهذا يعتبر أساسا هاما تقوم عليه عملية الإرشاد نفسها، فنحن لا نستطيع أن نقدم شيئا للإنسان ولا يتقبله أو ليس مستعدا لأن يتقبله. وحتى إذا أجبر العميل دون أن يكون لديه الاستعداد والإقبال والاهتمام فإنه يعطي للمرشد كما يقول المثل "أذن من طين وأذن من عجين"، ويكون المرشد في هذه الحالة كمن يطرق في حديد بارد، ولا يجدي الإرشاد ويشعر بالحاجة إليه ويقبل عليه ويثق في عملية الإرشاد ويتوقع الاستفادة منها حتى تحدث الاستفادة فعلا ويتحقق الهدف. حق الفرد في التوجيه والإرشاد: التوجيه والإرشاد حاجة نفسية هامة لدى الإنسان. ومن مطالب النمو السوي إشباع هذه الحاجة. وعلى هذا يكون التوجيه والإرشاد حقا من حقوق كل فرد حسب حاجته في أي مجتمع ديموقراطي، أي أن للفرد حقا على المجتمع في أن يوجه كإنسان. ومن واجب الدولة توفير وتيسير خدمات التوجيه والإرشاد لكل فرد يحتاج إليها، فهي حق لمن ينمو في تطوره العادي ولمن يمر بمراحل حرجة ولمن يتعرض لمشكلات شخصية أو تربوية أو مهنية أو زواجية أو أسرية ... إلخ. فمثلا من حق كل تلميذ أن يتلقى خدمات الإرشاد التربوي والمهني، ومن حق التلميذ المشكل أن يتلقى خدمات إرشادية خاصة، كذلك من حق التلميذ المتفوق الذي لا يستغل كامل إمكاناته أن يتلقى خدمات إرشادية خاصة ... وهكذا. إن خدمات التوجيه والإرشاد يجب أن تتوافر لكل فرد ولكل الفرد ككائن متكامل لتحقيق سعادته في كل ميادين حياته الشخصية والتربوية والمهنية ... إلخ.

стр. 65

ونحن نجد من أشهر طرق الإرشاد النفسي طريقة أطلق عليها اسم يدل على كرامة الفرد وحقه في التوجيه والإرشاد، وهي طريقة الإرشاد النفسي الممركز حول العميل "كارول ميلر Miller؛ ١٩٦٥" وهي الطريقة التي أطلق عليها كارل روجرز أخيرًا "الإرشاد الممركز حول الشخص". حق الفرد في تقرير مصيره: من أهم مبادئ التوجيه والإرشاد النفسي الاعتراف بحرية الفرد ومقامه وقيمته وحقه في اختيار وتقرير مصيره. إن الفرد الحر شخص يعرف ذاته ويحققها وينميها، ويسعى لحل مشكلاته حين يقابلها، مختارا أفضل احتمالات الحلول. وهو يعرف أن حريته تحددها طبيعة شخصيته ومطالب بيته وهو يسعى لتحقيق مزيد من الحرية في إطار من المسئولية في ضوء خبرات الماضي وظروف الحاضر وتطلعات المستقبل، والفرد الحر يعرف أن حريته ترتبط بحريات الآخرين في إطار من التكامل، وأن من أهم مظاهر الحرية حرية الاختيار، وحرية اتخاذ القرار، وحق تقرير المصير والفرد الحر يتحمل مسئولية قراراته ونتائج سلوكه، وهو يسعى للحصول على المساعدة والتوجيه والإرشاد من الآخرين حين يحتاج إلى ذلك "إداورد جلانز Glanz؛ ١٩٧٤". إن الإرشاد إرشاد وليس إجبارا. وقد علمنا الله بقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وليس في الإرشاد أوامر ولا وعظ، ولا نصح ولا حلول جاهزة، إنه ليس شيئا يعمله المرشد للعميل ولكنه عملية مساعدة تتيح الفرصة للقوى الخيرة والإيجابية في الإنسان أن تعمل وأن تظهر فيستطيع أن يتعلم كيف يحل هو مشكلاته بالطريقة التي يراها مناسبة. وهناك قاعدة أساسية وهي أنه "ليس هناك من هو أعرف بالفرد من نفسه"١. وفي معايير النمو السوي نجد أن تقرير المصير وتحديد الأهداف والتخطيط للمستقبل والقدرة على اتخاذ القرارات والاستقلال في السلوك والاعتماد على النفس وتحمل مسئولية الذات علامة هامة من علامات النضج الاجتماعي. ومن أسس الإرشاد الثقة في الفرد واحترامه مهما كان جنسه أو لونه أو دينه أو مستواه الاجتماعي والاقتصادي، وإتاحة الفرصة أمامه لكي ينمو ويستغل إمكاناته وإمكانات بيئته إلى

стр. 66

أقصى حد. إن للفرد الحق في أن يدرس ما يشاء ويختار، وأن يعمل في العمل الذي يفضله، بالضبط كما أن له الحق في أن يأكل ما يشتهي "جين وارترز Wartaers ١٩٦٤". والفرد العادي وهو يقرر مصيره، وهو يختار لنفسه، لا يضع نفسه في وضع شقاء ولا يختار لنفسه طريقا منحرفا. فلا أحد يكتب نفسه شقيا عن قصد، اللهم إلا إذا كان مريضا أو مضطربا نفسيا، وهذا موضوع آخر. وهكذا لا يقدم المرشد للعميل حلولا أو قرارات أو خططا جاهزة، ولكنه يساعد العميل في اقتراح الحلول ورسم الخطط واتخاذ القرارات بنفسه لنفسه، وتصور أننا نقدم لإنسان جائع طعاما ممضوغا، إنه لا يقبله، فضلا عن أنه لا يجوز. والأصوب هو مساعدته في الحصول على طعامه الذي يحبه ويختاره ويجهزه بالطريقة التي يفضلها ويأكله هو ويمضغه هو. إن المساعدة في الإرشاد النفسي تقدم للعميل الذي له الحق في تقرير مصيره بطريقة "خذها أو اتركها، Take it or leave". ونحن نجد أن حق الفرد في تقرير مصيره يقابله واجب ومسئولية عن فهم وتحقيق وتحسين وتوجيه ذاته. تقبل العميل: يقوم الإرشاد النفسي على أساس تقبل المرشد للعميل كما هو وبدون شروط وبلا حدود. وهذا أمر ضروري لتحقيق العلاقة الإرشادية الطيبة المطلوبة التي تتيح الثقة المتبادلة في العملية الإرشادية. وميدان الإرشاد النفسي ليس ميدان تحقيق أو إصدار أحكام على السلوك والخبرات. إن العميل حين يلجأ إلى المرشد يلوذ به ليطمئن نفسيا، وله حق التقبل وسعة الصدر والطمأنينة والشعور بالأمن وإزالة الكرب ويجب أن يلمس العميل ذلك من خلال العلاقة الإرشادية. وعلى العموم فإن الأساس هنا هو تقبل العميل ككل مهما كان سلوكه، وليس تقبل كل سلوكه أيا كان مليحه بقبيحه، فتقبل العميل شيء، وتقبل سلوكه شيء آخر. فقط يقوم العميل بسلوك شاذ أو غير سوي فلا يتقبله المرشد، ولكنه يساعد العميل على تغييره، إن تقبل السلوك السوي مقبول ومرغوب، أما تقبل السلوك غير السوي فقد يفسره العميل على أنه تشجيع لمثل هذا السلوك.

стр. 67

استمرار عملية الإرشاد: عملية الإرشاد عملية مستمرة متتابعة من الطفولة إلى الكهولة، ومن المهد إلى اللحد. ففي الطفولة يقوم بها الوالدان حين يهرع إليهما الولد بمشكلاته، وفي المدرسة يقوم بها المرشد أو المعلم المرشد حين يلجأ إليه التلميذ. وهكذا في الحياة حين تطرأ المشكلات. يسعى الفرد للإرشاد لدى مرشد متخصص. ونحن نعلم أن مشكلات الحياة العادية تستمر مع النمو العادي وتصاحبه ولا تقتصر على فترة معينة من النمو. والمرشد الذي يقدم خدمات الإرشاد عليه أن يتابعها. والمتابعة تؤكد استمرار عملية الإرشاد. فالإرشاد ليس مجرد وصفة طبية أو دفعة مبدئية، ولكنه خدمة مستمرة منظمة. وهكذا نجد أن الإرشاد عملية مستمرة ما دام الفرد ينمو، والنمو عملية مستمرة، ما دام من مناهجه المنهج التنموي والمنهج الوقائي. الدين ركن أساسي: الدين عنصر أساسي في حياة الإنسان. والتربية السليمة تشمل التربية الدينية. والنمو السوي يتضمن النمو الديني. والصحة النفسية تشتمل السعادة في الدنيا والدين. والمعتقدات الدينية لكل من المرشد والعميل هامة وأساسية لأنها تعتبر ضوابط للسلوك ومعايير مقدسة محددة له وتؤثر في العلاقة الإرشادية. ويقول بعض الكتاب إن الإرشاد عملية إنسانية يجب ألا تتدخل فيها أو تنعكس عليها المعتقدات الدينية للمرشد والعميل سواء اتفقت أو اختلفت. وفي مقابل هؤلاء نجد بعد المتحمسين -كل لدينه- يضيفون للمرشد صفة دينية. فتجد كتابات عن "المرشد المسيحي" و"المرشد اليهودي" وفي مقابلها يجب أن يكون هناك كتابات عن "المرشد المسلم". ويحل البعض الموضوع بالحديث عن "المرشد المحترف" وحجتهم في ذلك أننا لا نستطيع أن نتحدث عن الأسلوب المسيحي في عملية جراحية ولا عن الأسلوب اليهودي في تعليم القراءة ولا عن الأسلوب الإسلامي في حل مسائل الحساب "مكجوان وشميت McGowan & Schmidt؛ ١٩٦٢". ويجمع المرشدون والمعالجون النفسيون على اختلاف أديانهم سواء كانوا مسلمين، أو يهودا أو مسيحيين على أن الإرشاد والعلاج النفسي يقوم على أساس ومفاهيم ومبادئ وأساليب دينية روحية "حامد زهران، ١٩٧٥".

стр. 68

الأسس الفلسفية: طبيعة الإنسان: يعتبر مفهوم المرشد عن طبيعة الإنسان أحد الأسس الفلسفية التي يقوم عليها عمله، لأنه يرى نفسه ويرى العميل في ضوء هذا المفهوم. وهناك الكثير من النظريات الفلسفية والنفسية والاجتماعية، التي تحاول تحديد طبيعة الإنسان، وهي تختلف فيما بينهما حول شيء واحد، وهو الإنسان، فمثلا نجد نظرية التحليل النفسي، والنظرية السلوكية، ونظرية المجال، ونظرية الذات، كل لها مسلماتها وفروضها والدراسات التي تقوم عليها وكل لها حقائق وقوانيين تؤكدها، وبينهما فروق "عبد السلام عبد الغفار، ١٩٧٣". وبعض النظريات مثل نظرية الذات لكارل روجرز Rogers؛ "١٩٥٩" تنظر إلى الإنسان -كما نظرإليه جان جاك روسو Rousseau- على أنه خير بطبيعته، وتنظر إليه نظرة متفائلة باعتباره أفضل المخلوقات، وأن بعض الظروف والضغوط هي التي تفسده وتجعل سلوكه مضطربا. ومثل هذه النظرية يقوم عليها الإرشاد النفسي الممركز حول العميل، التي تركز على مساعدة الفرد في إزالة العوامل التي تحول دون تحقيق ذاته وطبيعته الخيرة، وهو يعرف نفسه داخليا بدرجة تفوق معرفته لأي شيء آخر. وفي نفس الوقت نجد نظرية مثل نظرية التحليل النفسي كما قدمها سيجموند فرويد Freud "١٩٩٣" تنظر إلى سلوك الإنسان في تشاؤم على أنه شهواني عدواني. وبين هاتين النظريتين تقع نظريات مثل النظرية السلوكية، فترى أن الإنسان محايد أساسا وأن سلوكه يكون حسب ما يتعلم خيرا أو شرا سواء أو انحرافا وتوافقا أو اضطرابا "باتيرسون Patterson؛ ١٩٦٧". والله خلق الإنسان وهو أعلم بمن خلق. قال الله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ولذلك فخير فهم لطبيعة الإنسان هو كما حددها الله . وأهم سمات طبيعة الإنسان كما حددها الله ما يلي: - الإنسان هو أفضل المخلوقات، كرمه الله وفضله على كل خلقه حتى الملائكة. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وخلقه الله في أحسن تقويم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . وعلمه ما لم يكن يعلم. قال تعالى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . وميزه بالعقل والتفكير والقدرة

стр. 69

على الاختيار والتخطيط. قال رسول الله ﷺ : "ما اكتسب أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى". وهو خير بطبيعته يتميز بالعاطفة الدينية. وهو مخلوق طيب في كل عوامل النمو والصحة والتوافق السليم. وهو مخير في سلوكه وله إرادة حرة، وهو يدرك ذلك، ومن ثم فهو مسئول عن سلوكه. وحرية الاختيار نسبية وليست مطلقة فالإنسان لا يستطيع أن يختار ما لا يستطيع، وهو مسير في بعض أنماط سلوكه. قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ . وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن﴾ . - هناك سمات أخرى للإنسان ذكرها الله في كتابه العزيز. ومن هذه السمات أن الإنسان يحب الشهوات من النساء والبنين والمال. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ والإنسان ضعيف. قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وهلوع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ عجول، قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يئوس، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ﴾ ، مجادل، قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ، كفور، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ، قتور، قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ، يطغى، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ، ظلوم كفار جهول، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ . ولقد كرم الله الإنسان وزوده بالدوافع التي تدفعه ليشبع حاجاته ويحافظ على حياته وعلى نوعه ويحيا حياة اجتماعية يحقق من خلالها ذاته وينجز وينفع الآخرين. كذلك فقد من الله على الإنسان وزوده بالعواطف والانفعالات التي يعبر بها عن نفسه حين يحب وحين يكره، وحين يخاف وحين يغضب وحين يفرح وحين يحزن، وحين ييأس وحين يغار وحين يحسد ... إلخ "حمدي الغرماوي، ١٩٩٦". وهكذا نرى أن عملية الإرشاد النفسي يجب أن تقوم على أساس فهم كامل لطبيعة الإنسان، ذلك أنها عملية فنية معقدة عميقة عمق الطبيعة البشرية نفسها "رسمية خليل، ١٩٦٨".

стр. 70

أخلاقيات الإرشاد النفسي: يركز الفلاسفة مثل سارتر Sarter على أهمية الأخلاق Ethics، ويقول: إن الفرد يجب أن يكون سلوكه حسنا صحيحا يؤدي إلى ما يحقق حريته وأمنه وحرية وأمن الآخرين. ومعظم المرشدين والمعالجين النفسيين يعملون في هدي دستور أخلاقي يحكم سلوكهم ويلتزمون به في المواقف المهيئة لعملية الإرشاد لمصلحة المرشد والعميل والمجتمع والمهنة. ولقد نشرت جمعية علم النفس الأمريكية American Psychological Association؛ "١٩٥٩" ورابطة المرشدين النفسيين الأمريكية American personael and Guidance Association؛ "١٩٦١" ما يمكن أن يسمى "الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين" "نوردبيرج Nordberg، ١٩٧٠ جون بيتروفيسا وآخرون. Pietrofesa et al؛ ١٩٨٠". وتتوالى الدراسات والبحوث العربية في المؤتمرات والندوات الكاملة حول أخلاقيات ومعايير وضوابط الخدمات النفسية بصفة عامة ومن بينها خدمات التوجيه والإرشاد النفسي١. ويهدف الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين إلى تحقيق ما يلي: - تعريف المرشد ما يجب عليه أن يعمله في عملية الإرشاد بصفة عامة، وفي مواقف الصراع والطوارئ التي قد تنشأ خلال الممارسة. - تحديد مسئوليات المرشد تجاه العميل. - تحديد حقوق المرشد وحدوده في العملية الإرشادية. - تحديد الإطار الاجتماعي وحقوق المجتمع على كل من المرشد والعميل. ومما هو جدير بالذكر أن أخلاقيات الإرشاد والعلاج النفسي لا تنفصل عن أخلاقيات علم النفس ولا عن أخلاقيات العلم ولا عن الأخلاقيات بصفة عامة. وتتخلص أهم المبادئ الأخلاقية لمهنة الأخصائي النفسي بصفة عامة كما حددتها الجمعية النفسية الأمريكية في عشرة مبادئ هي: ١- تحمل المسئولية. ٢- الكفاءة في العمل. ٣- معايير آداب وتشريعات العمل. ٤- تدعيم عامة المجتمع للخدمات.

стр. 71

٥- الائتمان على الأسرار والثقة. ٦- العمل في صالح العميل. ٧- توافر العلاقات المهنية الصحية بين العاملين. ٨- توافر فنيات التشخيص والتقييم. ٩- ضرورة المشاركة ببحوث مع الآخرين. ١٠- ضرورة استخدام الحيوان في بعض المواقف البحثية المضرة بالإنسان. هذا وقد وضعت الجمعية المصرية للدرسات: النفسية ميثاقا أخلاقيا للمشتغلين بعلم النفس في مصر، ويتضمن هذا الميثاق الأخلاقي ما يلي١: ١- مبادئ عامة: تتناول أهمية مظهر الأخصائي النفسي، والتزاماته نحو العميل، ونحو المجتمع وإجادته للطرق والأساليب المهنية، ومحافظته على الأسرار والبيانات الشخصية، وتحمله للمسئولية المهنية، ورفع قيمة المهنة في نظر الآخرين. ٢- القياس النفسي: يتضمن الميثاق الأخلاقيات الخاصة بإعداد وتأليف وتقنين ونشر الاختبارات والمقاييس النفسية واستخدامها. ٣- البحوث والتجارب: يشتمل الميثاق على الأخلاقيات الخاصة بالبحوث والتجارب وأهدافها العلمية وسلامة إجراءاتها علميا وعمليا. ٤- التشخيص والعلاج: يحتوي الميثاق على الأخلاقيات الخاصة بالتشخيص الدقيق والعلاج السليم في إطار برنامج مخطط، ودون إرهاق العميل في التكاليف. ٥- التدريس والتدريب: يشير الميثاق إلى أخلاقيات التدريس وتدريب الطلاب والأخصائيين الجدد وتوفير الخبرات لهم. ٦- العمل في المؤسسات: يشير الميثاق إلى أخلاقيات العمل في المؤسسات المهنية والإنتاجية بالأسلوب العلمي. وفيما يلي كلمة عن أهم أخلاقيات الإرشاد النفسي: العلم والخبرة: الإرشاد النفسي خدمات متخصصة. ومن ثم يجب أن يكون المرشد مؤهلا ومزودا بالعلم والمعرفة المتخصصة والخبرات والمهارات اللازمة لذلك، وأن يكون دئما حريصا على التزود بالمعلومات الأكاديمية وعلى دراية بالدراسة والبحوث في ميدان التوجيه والإرشاد.

стр. 72

الترخيص: هذا شرط أساسي لممارسة الإرشاد النفسي وتحمل مسئولياته، أي أنه لا بد أن يكون من يقوم بعملية الإرشاد النفسي مؤهلا علميا وعمليا ومرخصا له بهذا العمل من قبل الجهات العلمية والرسمية، وهذا من باب إعطاء القوس باريها، وإعطاء "العيش لخبازه". القسم: وقبل أن يحصل المرشد أو المعالج على الترخيص بممارسة الإرشاد أو العلاج النفسي لا بد أن يقسم قسم المهنة الذي من أهم بنوده مراعاة الله في عمله ومراعاة أخلاقيات المهنة. سرية المعلومات: وسرية المعلومات تحتل مكانا هاما بين أخلاقيات الإرشاد، ولا شك أن الكثير من ما يدور في مقابلات الإرشاد أمور شخصية وخاصة وسرية. وكما يقول المثل "الناس أسرار"، وسرية المعلومات واجب وأمانة على المرشد، ذلك لأن المرشد يتوصل إلى أسرار وخصوصيات العميل مباشرة أو عن طريق وسائل الإرشاد مثل الاختبارات وغيرها في إطار من الثقة المتبادلة. والسرية واجبة على المرشد وحق للعميل. والمرشد مسئول عن المحافظة على أسرار العميل وليس له الحق في تسجيلها إلا بعد استئذان العميل. والقانون يؤاخذ المرشد أو المعالج إذا أساء استخدام الأسرار وإذا أباح بسر يضر العميل ماديا أو معنويا أو يشوه سمعته ومكانته أو حتى يحرجه. والمعلومات السرية تكون سرية على الجميع حتى على رجال القانون، ولا يمكن أن يباح بأي سر إلا بتصريح من العميل "يحسن أن يكون كتابيا". والسرية نسبية وليست مطلقة تماما وتتوقف على طبيعة المعلومات، فمن المعلومات التي لا تدخل في إطار السرية المعلومات العامة التي يعرفها الجميع، ولا تمس خصوصيات العميل والتي يمكن أن يباح بها في موقف تعليمي دون ذكر الاسم أو ما يدل عليه أو في مؤتمر دراسة الحالة وفقط لأعضاء فريق الإرشاد النفسي، وفي بعض الحالات للوالدين. ويلاحظ أنه إذا كان من الضروري أن يكتب المرشد تقريرا عن العميل فيجب أن يقتصر على تحديد التشخيص وما اتخذ من إجراءات إرشادية ولا يتضمن أي معلومات سرية "وارمان Warman؛ ١٩٦٣". وتقدير مدى السرية متروك لحكمة المرشد وحسن تقديره. ويرى أليكساندر شنايدرز Schneiders "١٩٦٣" أن حق السرية يسقط في بعض الحالات منها حالات العدوان المباشر على المرشد أو على سمعته ومكانته، أو الإضرار به، ومنها إلحاق الضرر بطرف ثالث بريء، ومنها العدوان على الصالح العام وحقوق المجتمع، ومنها حدوث ضرر مؤكد للمرشد إذا تم الاحتفاظ بالسر. وفي كل حالات جواز البوح يكون بهدف رفع الضرر عن الطرف المضار بما لا يضر العميل وبشرط أن يكون الذي يباح له بالسر مهنيا ومسئولا بدوره عن الاحتفاظ بهذا السر. العلاقة المهنية: لا بد أن تكون العلاقة الإرشادية بين المرشد والعميل علاقة مهنية في إطار محدد من المعايير الاجتماعية الدينية والأخلاقية والقانونية المعروفة حتى يجد العميل فيها خبرة حقيقية لعلاقة أخلاقية نظيفة مع إنسان آخر. وينبغي ألا تتطور العلاقة المهنية إلى أي نوع آخر من العلاقات.

стр. 73

العمل المخلص: الإرشاد النفسي عمل إنساني من الدرجة الأولى، ويحتاج إلى الإخلاص ويتضمن ذلك تقديم أكبر قدر ممكن من العمل المخلص، واستخدام أنسب وأجدى الوسائل والطرق الإرشادية التي تتفق مع حاجات العميل ومشكلته، حتى يشعر المرشد بالرضا وراحة الضمير حين يبتغي وجه الله ولا يبتغي مجدا أو فائدة مادية أو شخصية، وبحيث لا تتدخل في العمل أمور شخصية قد تفسده. قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ . العمل كفريق: يجب أن يقوم بعملية الإرشاد النفسي فريق متكامل متعاون من الأخصائيين مثل المرشد النفسي والطبيب النفسي والأخصائي الاجتماعي، وغيرهم، بحيث يتيح فرصة تقديم الخدمات المتخصصة من كافة النواحي حتى يحقق الهدف، ومن المعروف أن معظم المشكلات، والاضطرابات النفسية لها أسبابها الاجتماعية ومظاهرها الجسمية وعناصرها النفسية وآثارها الاجتماعية ... وهكذا. احترام اختصاص الزملاء: يجب احترام اختصاص الزملاء في فريق الإرشاد النفسي واحترام عملهم وتقديره وعدم القيام بعمل من اختصاص الآخرين مهما ظن ذلك سهلا يمكن أن يقوم به أي إنسان. الاستثشارة المتبادلة: يجب القيام بالاستشارة المتبادلة مع الزملاء والخبراء والاستعانة بالأخصائيين الآخرين خاصة في الحالات الحدية أو الغريبة، فأحيانا قد يحتاج المرشد إلى مشورة طبيب الأعصاب أو الطبيب الباطني أو حتى المحامي. الإحالة: يجب على المرشد إحالة العميل إلا أخصائي آخر إذا تطلب الأمر بمجرد إدراك الحاجة إلى ذلك، كأن تكون الحالة ليست من اختصاصه أو ليست في حدود إمكاناته أو تحتاج إلى الاستعانة بأخصائي آخر، وذلك حفظا على مصلحة كل من المرشد والعميل كما في حالة الشك في وجود مرض عقلي أو عضوي. كرامة المهنة: الإرشاد النفسي مهنة ولا بد من المحافظة على كرامة المهنة في علاقة المرشد بالعملاء وبالجمهور بصفة عامة. فلا يصح أن يعرض المرشد خدماته الإرشادية على الناس في الأماكن العامة وفي الجلسات العامة وفي وسائل الإعلام، وحتى في حالة الإعلان يجب أن يحافظ على كرامة المهنة. إن الإرشاد النفسي مهنة لها مكانتها ومكانها ولا بد أن يسعى إليها من يحتاج إليها١. كذلك يجب اتباع السلوك الشخصي والمهني الذي يتفق مع كرامة المهنة.

стр. 74

التكاليف: في حالة الإرشاد الذي يدفع العميل تكاليفه يجب أن تكون التكاليف بالمعروف دون استغلال، ودون إرهاق للعميل، ويجب ألا تتحكم في عملية الإرشاد نفسها مهما كانت الظروف، وفي حالة الإرشاد المجاني على حساب الدولة يجب أن يعطي المرشد حق العميل كاملا في الخدمة بإخلاص وكأنه يدفع التكاليف فعلا، فالمسألة أولا وآخرا مسألة ضمير وأخلاق. أسس فلسفية أخرى: هناك بعض الأسس الفلسفة الأخرى وأهمها: الكينونة والصيرورة: Being and Becoming الكينونة هي أي ما يوجد أو ما يمكن أن يوجد. وكل الكائنات الموجودة فعلا أو المحتمل وجودها مادية كانت أو روحية بسيطة أو معقدة تدخل في إطار الكينونة والصيرورة تتضمن التغير. والكينونة والصيرورة متكاملان وبينهما تغير يبقى على الكينونة ويؤدي إلى الصيرورة. فمثلا الطفل الصغير ينمو ويصير راشدا كبيرا، أي أن الذي كان طفلا وصار راشدا ما زال نفس الشخص. وكل شيء في الإنسان يتغير مع الزمن والنمو، فلا شيء في الإنسان في لحظة معينة يظل كما كان منذ عشر سنوات خلت أو حتى من عشر ثوان مضت. ولكن الشخص ما زال هو الشخص، أي أن هناك أشياء في الشخص تظل كما هي بينما أشياء أخرى تتغير، ومعنى ذلك أنه ليس هناك جديد لأن ما يسمى جديدا جاء من قديم كائن ولا يمكن أن يأتي من لا شيء، لأنه لا شيء يأتي من لا شيء، ومفهوم التغير قائم لأننا نعيش في عالم متغير. وفي الإرشاد النفسي لدينا المرشد والعميل وعيادة أو مركز الإرشاد، ويكون الإرشاد النفسي فقط عندما يكون هناك شخص يقدم له الإرشاد وينظر إلى هذا الشخص ككائن يتغير رغم بقائه نفس الشخص. الجماليات Aesthetics: الجماليات فرع من الفلسفة يدرس الفن والجمال، ويهتم المرشدون بالجماليات كأساس من الأسس الفلسفية للإرشاد النفسي على أساس أن تقدير الجمال وتذوقه جزء هام في مساعدة العميل في توافقه للحياة. المنطق Logic: المنطق فرع من الفلسفة يدرس قواعد التفكير الصحيح، ولمعرفته جيدا يجب دراسة موضوعات مثل الاستقراء والاستنباط والمنطق الرياضي ... إلخ وتحتاج عملية الإرشاد إلى دراسة المنطق وقواعده الأساسية إذ أن كثيرا من المناقشات في المقابلات الإرشادية تحتاج إلى التفكير المنطقي، وهناك من أساليب الإرشاد النفسي المختصر أسلوب الإقناع المنطقي الذي يقوم على تحديد أسباب السلوك المضطرب من أفكار ومعتقدات غير منطقية والتخلص منها بالإقناع المنطقي وإعادة العميل إلى التفكير المنطقي.

стр. 75

الأسس النفسية والتربوية: الفروق الفردية Individual Differences: الفروق الفردية مبدأ وقانون عام وأساسي في علم النفس يهتم بدراسته علم النفس الفارق وعلم النفس الفردي، وحيث أن التوجيه والإرشاد حق لكل فرد، فإن مسألة الفروق الفردية تصبح ذات أهمية كبيرة، ونحن نعلم أن أي معلم يدخل الصف الأول الابتدائي حيث التعليم إلزامي للكل يجد التوزيع الاعتدال الذي يبرز الفروق الفردية في القدرات، وغيرها. فبالنسبة للتوزيع العادي للذكاء مثلا "انظر شكل ١١" يجد أن العاديين يتابعونه، والمتفوقين يستسهلون ما يقوله، والمتخلفين يحاولون متابعته دون جدوى، ولا بد من وضع هذه الفروق الفردية في الحساب في تعليمهم وإرشادهم. والأفراد يختلفون كما وكيفا، وعلى نطاق واسع وشامل يظهر في كافة مظاهر الشخصية جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، وليس هناك معادلات معروفة تنطبق على كل الأفراد في أي جزء من برنامج التوجيه والإرشاد النفسي. إن لكل فرد عالمه الخاص الفريد وشخصيته الفريدة المميزة عن باقي الأفراد وله حاجاته وقدراته وميوله، وهو يختلف عن كل من سواه بسبب سماته الموروثة وخصائصه المكتسبة. ولا يوجد اثنان على وجه الأرض صورة واحدة طبق الأصل. وحتى التوائم المتماثلة التي تنشأ من بويضة واحدة ذات بداية واحدة في النمو من كافة مظاهره سرعان من يختلفان بسبب العوامل البيئية المتعددة التي تؤثر في النمو.
следующие страницы →