ومن المهم معرفة هل دوافع العميل وحاجاته مشبعة أم غير مشبعة، ومدى إشباعها وكيفية وطرق إشباعها، هل عن طريق الحلال أم الحرام، أو عن طريق مقبول اجتماعيا أم مستهجن اجتماعيا ... وهكذا.
وكما سبق أن عرفنا فإن المبادئ الأساسية في الإرشاد النفسي ضرورة إشباع الدوافع والحاجات النفسية لأن إشباعها ضروري للنمو السوي للشخصية ولتحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية "مارجريت بينيت Bennett؛ ١٩٦٣".
وكما سنرى -في الفصل التاسع- فإن برنامج التوجيه والإرشاد النفسي يتحدد في ضوء دوافع وحاجات الأفراد العاديين وتحقيق مطالب نموهم التي من ضمنها إشباع الدوافع والحاجات، هذا ويرى هيرمان بيترز وبروس شيرتزر Peters & Shertzer "١٩٦٩" أنه يجب النظر إلى الحاجات ليس على أنه نقص، ولكن على أنها مطالب نمو، وإشباعها يؤدي إلى التوافق والصحة النفسية.
هدف الحياة Life Gaol:
من المهم معرفة هدف حياة العميل فالعمل له ماض منذ أن وجد أي منذ كان جنينا في بطن أمه، وله حاضر يعيشه، وله مستقبل سيعيشه، وله أهداف أهمها وأشملها هو "هدف الحياة"، وهو الهدف الأساسي الذي يسعى الفرد لتحقيقه في الحياة. وقد يشتمل ذلك على هدف رئيسي أساسي وعلى أهداف فرعية أو ثانوية، وهدف الحياة ينظم حياة الفرد وسلوكه ويتحدد في ضوئه أسلوب الحياة الذي يتبعه لتحقيق هدف الحياة، ويلاحظ أن العميل قد يتخذ هدفا وهميا لا يستطيع تحقيقه.
أسلوب الحياة Life Style:
يلزم معرفة أسلوب حياة العميل لتحقيق أهداف حياته.
وفي سبيل تحقيق هدف الحياة يسلك العميل بطريقة خاصة وأسلوب حياة خاص هو عبارة عن طريقته في سعيه لتحقيق أهدافه.
وتعدد أساليب الحياة، فقد يكون أسلوب الحياة الذي يتبعه العميل أسلوب علم أو أسلوب نشاط اقتصادي أو اجتماعي أو رياضي أو فني أو أسلوب مناورة. وأسلوب العلم يؤدي إلى أن يصبح الفرد عالما وأسلوب النشاط الفني يؤدي إلى أن يصبح فنانا ... وهكذا.
وقد تختلف أساليب الحياة التي تؤدي إلى تحقيق هدف واحد. فمثلا قد يكون هدف الحياة عند فردين واحدا وهو جمع المال وأحدهما يتبع أسلوب حياة شريف والآخر يتبع أسلوب حياة غير شريف لتحقيق هذا الهدف.
стр. 177
حيل الدفاع النفسي Defense Mechanisms:
العميل كإنسان يتعامل مع العالم المحيط به ومعه سلاح نفسي اسمه "حيل الدفاع النفسي"، وعبارة عن أساليب لا شعورية غير مباشرة تحاول الإبقاء على التوازن النفسي وتحقيق التوافق النفسي ولو بتشويه الحقيقة ومسخها، وهي عبارة عن خط دفاع نفسي به نقط دفاع قوية ضد أي مهددات نفسية مثل مسببات القلق والتوتر الناتجة عن الإحباطات والصراعات.
وحيل الدفاع النفسي عادة يلجأ إليها كل الناس، السوي وغير السوي والعادي، والشاذ والصحيح والمريض، ولكن الفرق بينهما في كل حالة هو نجاح الأول وإخفاق الثاني، ووجودها بصورة معتدلة عند الأول وبصورة مفرطة عند الثاني.
وتتعدد حيل الدفاع النفسي فنجد منها:
حيل دفاع انسحابية "أو هروبية": مثل الانسحاب والنكوص والتفكيك والتخيل والتبرير والإنكار والإلغاء والسلبية.
حيل دفاع عدوانية "أو هجومية: مثل العدوان والإسقاط والاحتواء.
حيل دفاع إبدالية: مثل الإبدال والإزاحة والتحويل والإعلاء والتعويض والتقمص وتكوين رد الفعل والتعميم والرمزية والتقدير المثالي.
ويجب تحديد حيل الدفاع التي يلجأ إليها العميل: هل هي حيل دفاع سوية غير عنيفة تساعد على حل أزمته النفسية وتحقيق توافقه النفسي مثل الإعلاء والتعويض والتقمص والإبدال، أم هي حيل دفاع غير سوية عنيفة يلجأ إليها عندما تخفق حيله الدفاعية السوية فيظهر سلوكه مرضيا مثل الإسقاط والنكوص والعدوان والتحويل والتفكيك والسلبية "للتفصيل انظر حامد زهران، ١٩٩٧".
مفهوم الذات Self- Concept:
للعميل ذات هي جوهر الشخصية، وله مفهوم عن ذاته هو حجر الزاوية في الشخصية ومقرر السلوك, وله مستويات لمفهوم الذات: عام وخاص وواقعي ومثالي واجتماعي، وقد يكون مفهوم الذات موجبا حين يتطابق مفهوم الذات الواقعي والمثالي أو سالبا حين لا يتطابقان، فإذا كان موجبا فمعنى ذلك التوافق، وإذا كان سالبا فمعنى ذلك سوء التوافق "راجع نظرية الذات في الفصل الثالث".
стр. 178
ومطلوب معرفة هل مفهوم الذات لدى العميل موجب أم سالب، وهل هناك نقص في تقدير الذات، ومطلوب معرفة محتوى مفهوم الذات الخاص أهميته الخاصة في الإرشاد العلاجي وخاصة المحتويات ذات الوزن الكلينيكي والمشكلة الرئيسية للعميل ومشكلاته الخاصة ودرجة تغليف الذات والمقاومة "انظر حامد زهران، ١٩٧٧".
مستوى التوافق Adjustment:
يلزم لعملية الإرشاد معلومات عن مستوى التوافق وعن أبعاد التوافق وسوء التوافق ودرجته.
والتوافق هو عملية دينامية مستمرة تتناول السلوك والبيئة "الطبيعية والاجتماعية" بالتغيير والتعديل حتى يحدث توازن بين الفرد وبيئته، وهذا التوازن يتضمن إشباع حاجات الفرد مقابلة متطلبات البيئة، والعميل له مستوى من التوافق يتوقف على مدى ما تعرض له من مؤثرات في ماضيه وحاضره.
ومن أبعاد التوافق المطلوب معلومات عنها:
التوافق الشخصي: ويتضمن السعادة مع النفس والرضا عنها وإشباع الدوافع والحاجات، ويعبر عن السلم الداخلي حيث يقل الصراع الداخلي، ويتضمن كذلك تحقيق مطالب النمو، ويلزم معلومات عن أسباب سوء التوافق الشخصي.
التوافق الاجتماعي: ويتضمن السعادة مع الآخرين ومسايرة المعايير والقيم الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي السليم والسعادة الأسرية والتوافق الزواجي والتوافق المدرسي، ويلزم معلومات عن المشكلات الاجتماعية الرئيسية التي يعاني منها العميل في المجتمع، والسمات الاجتماعية السالبة للعميل وعن أسباب سوء التوافق في المجتمع.
التوافق المهني: ويتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد علما وتدريبا لها والدخول فيها والإنجاز والكفاءة والإنتاج والشعور بالرضا والنجاح، ويلزم معلومات عن أسباب الاضطراب في المهنة إن وجدت.
مستوى الصحة النفسية Mental Health:
من الضروري تحديد مستوى الصحة النفسية للعميل. ونحن نعرف أن الفرد له مستوى من الصحة النفسية يتدرج بين السوية أو العادية وبين اللاسوية والشذوذ، ومعلوم أن الفرق بين الصحة النفسية والمرض النفسي، وبين السوي واللاسوي أو بين العادي والشاذ فرق في الدرجة، أي أن الأفراد يمكن تدريبهم على متصل مستمر بين الصحة النفسية والمرض النفسي.
стр. 179
ويلزم معرفة هل العميل لديه مشكلات عادية، أم تصاعد اضطرابه ووصل إلى العصاب، أم زاد العيار ووصل إلى الذهان، وهل حالته تدخل في إطار ميدان الإرشاد النفسي أم تحتاج إلى علاج نفسي مع إرشاد مساعد، أم أن الحالة حالة ذهان لا مجال للإرشاد معه إلا بعد العلاج الطبي ثم النفسي ثم يأتي دور الإرشاد.
стр. 180
ملخص الحالة:
المعلومات الهامة المتعلقة بالمشكلة:
لا بد أن ينتهي جمع المعلومات إلى ملخص لحالة العميل، يجمع أهم المعلومات عن العميل ومشكلته وبيئته ويحللها ويفسرها.
ويتضمن ملخص الحالة أهم النواحي المرضية ذات الدلالة، في ضوء البيانات العامة وتحديد المشكلة أو المرض، والفحص النفسي والبحث الاجتماعي والفحص الطبي والفحص العصبي والملاحظات العامة.
التوصيات:
توضع التوصيات على أساس ملخص الحالة، وتتضمن التشخيص وتوصيات الإرشاد والعلاج خطته.
стр. 181
دليل فحص ودراسة الحالة في الإرشاد والعلاج النفسي:
لماذا الدليل؟:
في عملية جمع المعلومات لا بد أن يعرف المرشد بالضبط ماذا يريد سلفا، ولذلك لا بد له من دليل، أو إطار عام يحدد اتجاه عملية الفحص والدراسة وجمع المعلومات، ونحن نعلم أن المعلومات قد تكون كثيرة جدا وتستغرق وقتا وجهدا كبيرا وقد لا تكون مطلوبة، وقد تتفرع العملية إلى فروع ومتاهات، وتتشتت المعلومات وتصبح محيرة أكثر منها هادية ومرشدة. وفي نفس الوقت يجب ألا تكون المعلومات قليلة أو مختصرة أو مقتضبة أو بها فجوات قد تكون مضللة أو على أحسن الفروض لا تعطي صورة واضحة، وهذا يذكرنا بالمثل القائل: "الزائد أخو الناقص".
وحيث أن المطلوب هو التركيز حول العمل ومشكلته وبيئته فإن الحاجة ماسة إلى دليل لفحص ودراسة الحالة.
стр. 182
دليل فحص ودراسة الحالة للمؤلف:
لمس المؤلف "حامد زهران، ١٩٧٦أ" أهمية مثل هذا الدليل فأعد "دليل فحص ودراسة الدلالة في الإرشاد والعلاج النفسي، وهو عبارة عن الخطوط الرئيسية والفقرات المحددة لعملية فحص ودراسة حالة العميل وفي مرونة ليسترشد به المرشد أو المعالج في عملية جمع المعلومات -بتصرف- حسب عمر وجنس وثقافة وحالة العميل، وعلى هدي هذا الدليل يقدر الفاحص السمات والقدرات والاستعدادات ويحدد الأسباب والأعراض ... إلخ.
أما عن محتوى دليل فحص ودراسة الحالة: فيتكون من سبعة مباحث يتضمن كل منها عددا من الفقرات على النحو التالي: البيانات العامة، المشكلة الحالية أو المرض الحالي، الفحص النفسي، البحث الاجتماعي، والفحص الطبي، الفحص العصبي، ويقوم كل أخصائي بالفحص حسب تخصصه.
ملاحظات:
وهكذا نرى أن عملية جمع المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي -كما ذكرت في هذا الفصل- طويلة وتحتاج إلى وقت وجهد.
وفي ممارسة الإرشاد النفسي، ربما لا يجمع جميع المرشدين المعلومات اللازمة جميعها، ونجدهم يقتصرون على الأهم ويكتفون بالميسر منها، أي أن هناك بعض المرشدين يتبعون دليل فحص ودراسة الحالة المفصل، بينما الكثيرون يكتفون بالقليل والمختصر، وحجتهم في ذلك أنه في الطب مثلا نجد دليل فحص ودراسة الآلة مفصلا وطويلا، ولكن الذي نراه ممارسا في العيادات والمستشفيات هو فحص مختصر يكتفي بالضروري ويرضى بالحد الأدنى من المعلومات، وإذا قيل لهم: لماذا هذا القياس؟ قالوا: تعالوا إلى الدين نفسه، إن علماء الدين عندما يعلمون الناس أصول الدين والعبادة يحددون الفروض والسنن والتطوع، وعلى المسلم أن يؤدي الفروض والأركان ويقوم بما يستطيع من السنن والنوافل والتطوع، قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
стр. 183
الفصل الخامس: وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي
المعلومات ووسائل جمعها
...
стр. 184
الفصل الخامس: وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي
المعلومات ووسائل جمعها:
تعتبر وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي حجر الزاوية في عملية الإرشاد.
ولقد عرفنا -في الفصل السابق- المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد، فقد كان السؤال الرئيسي: ما هي المعلومات المطلوبة؟ وفي الفصل الحالي نتناول وسائل جمع المعلومات. أي أن السؤال الآن هو: كيف تجمع هذه المعلومات؟ وبمعنى آخر: ما وسائل الحصول على هذه المعلومات؟
أما عن البيانات العامة عن العميل وبيئته المباشرة: عن والديه أو ولي أمره، إخوته وأخواته، وزوجه، وأولاده، ومن يعولهم، والأقارب والآخرين الذين يعيشون مع الأسرة، ومن يمكن الاستعانة بهم، هذه البيانات العامة يمكن الحصول عليها عن طريق المقابلة، ودراسة الحالة، والسيرة الشخصية، والسجلات.
وأما عن شخصية العميل وأبعادها، وسماتها، وتوافقها واضطرابها، وتكاملها، وتفككها والعوامل المؤثرة فيها، وبنائها ديناميا ووظيفيا "جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا"، هذه المعلومات يمكن الحصول عليها عن طريق الملاحظة، والمقابلة، ودراسة الحالة، ومؤتمر الحالة، والاختبارات والمقاييس، والفحوص والبحوث النفسية والطبية والعصبية والاجتماعية والتقارير والسيرة الشخصية، والسجلات، ومصادر المجتمع.
وأما عن المشكلة الحالية أو المرض الحالي من حيث التحديد، وتعيين الأسباب، والأعراض، والتاريخ والجهود الإرشادية والعلاجية السابقة، والتغييرات التي طرأت على الحالة، والمشكلات والأمراض الأخرى، وطريقة حل المشكلات، هذه المعلومات يمكن الحصول عليها أيضا عن طريق الملاحظة والمقابلة، ودارسة الحالة، ومؤتمر الحالة، والاختبارات والمقاييس، والفحوص والبحوث والتقارير، والسيرة الشخصية، والسجلات، ومصادر المجتمع.
وأما عن المعلومات العامة عن النمو، والدوافع والحاجات، وهدف الحياة، وأسلوب الحياة، وحيل الدفاع النفسي، ومفهوم الذات، ومستوى التوافق، ومستوى الصحة النفسية، هذه المعلومات يمكن الحصول عليها من عن طريق الملاحظة، والمقابلة، ودراسة حالة، ومؤتمر الحالة، والاختبارات والمقاييس، والسيرة الشخصية.
وسائل وليست غايات:
قبل البدء في الكلام عن وسائل جمع المعلومات يجب التنبيه إلى ضرورة اعتبارها وسائل لفهم ومساعدة العميل وليست غايات في حد ذاتها، ويرجع تأكيد هذا إلى أن بعض
стр. 185
الأخصائيين يقعون أحيانا في المحظور ويستخدمون وسائل جمع المعلومات كغايات في حد ذاتها. ومثال ذلك في دراسة الحالة حين تتم بدقة وتجمع وتعرض أو تحفظ في سجل أو ملف كمثال للجهد الذي يبذل، أو كاستعراض لمهارة المرشد، ولا يستفاد منها في إرشاد الحالة، وقد يحدث مثل هذا أيضا عندما تعد السجلات المجمعة وتودع في الملفات، وعندما تجري الاختبارات ولا يستفاد من نتائجها في التوجيه والإرشاد "جين وارترز Warters؛ ١٩٦٤".
إن الغاية المنشودة من اسخدام وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي يجب أن تكون دائما هي اعتبارها وسائل دينامية للإرشاد السليم، واستخدام نتائجها في عملية الإرشاد النفسي لتحقيق أقصى نمو وتوافق ممكن.
تعدد الوسائل:
تتنوع وسائل جمع المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد، ولذلك فإن استخدام عدد من هذه الوسائل سهل وممكن. وذلك للتثبت من المعلومات، والتأكد من دقتها وموضوعيتها.
وفي دارسة وفهم العميل من أجل مساعدته، يجب أن تتعدد وسائل جمع المعلومات لأسباب كثيرة. فمن النادر أن يستطيع المرشد الاعتماد بكفاية على استخدام وسيلة واحدة. ونحن لا نعرف وسيلة واحدة تؤدي إلى جميع الأغراض وتصلح لجمع المعلومات المطلوبة لإنجاح عملية الإرشاد. هذا إلى جانب أن بعض وسائل الإرشاد تقوم على تقدير الكمي، وبعضها يقوم على التقدير الكيفي، وبعضها يتسم بالموضوعية وبعضها بالذاتية.
إن تعدد الوسائل يجعلها تكمل بعضها بعضا وتؤكد بعضها بعضا. وصحيح أن هناك وسائل ممتازة وتصلح الواحدة منها لجميع المعلومات اللازمة، ولكن هذا الامتياز يزداد في يد مرشد، قد لا تكون كذلك في موقف آخر أو مع حالة أخرى، أو في يد مرشد آخر، فمثلا هناك بعض الاختيارات التي تعتبر وسائل ممتازة ولكن من المعروف أن بعض العملاء لا يستجيبون استجابات طبية، بدليل حصولهم على درجات عالية على مقاييس الكذب التي تتضمنها هذه الاختبارات، فإذا كنا نقيم ذكاء العميل، فسوف نستخدم اختبارات ذكاء، وإذا استخدمنا اختبار ذكاء واحد فهذا لا يكفي. وتحسب نسبة ذكائه من متوسط نتائج الاختبارات ويجب أن يضاف إلى ذلك تقديرات المدرسين لأنهم أقرب الناس إلى التلميذ وأقدرهم على تقدير مستوى ذكائه.
стр. 186
ومما يلاحظ في ممارسة الإرشاد النفسي أن بعض المرشدين يكتفون باستخدام بعض الوسائل دون الأخرى، أو يفضلون بعض الوسائل ويستغنون تماما عما سواها، فمثلا المرشدون الذين يفضلون طريقة الإرشاد غير المباشر والممركز حول العميل يقيمون وزنا أكبر للسيرة الشخصية والتقرير الذاتي على حساب باقي الوسائل.
الشروط العامة لوسائل جمع المعلومات:
هناك شروط عامة يجب مراعاتها في جميع وسائل جمع المعلومات، وهذه الشروط نذكرها هنا وجملة تفاديا لتكرارها عند الكلام عن كل وسيلة على حدة، أما الشروط الخاصة بكل وسيلة فسوف نذكرها في مكانها تحت عنوان شروطها وعوامل نجاحها.
ومن الشروط العامة لوسائل جمع المعلومات ما يلي:
السرية: يجب تأكيد سرية وأمن المعلومات التي تجمع عن العميل عن طريق جميع الوسائل وطمأنته عن طريق تدوينها وتسجيلها في شكل رمزي لا يستطيع قراءته الأفراد العاديون، ويجب تأكيد أن التقارير والسجلات تحفظ بأمانة وسرية تامة بحيث تكون بعيدة عن أيدي غير المتخصصين وبحيث لا تستعمل إلا لأغراض الإرشاد النفسي، كذلك يجب تأكيد احترام رغبة العميل إذا وحدد من يطلع على المعلومات ومن لا يطلع عليها.
التخطيط، يجب التخطيط والتحديد المسبق لاستخدام وسيلة لجمع المعلومات وتحديد المعلومات المطلوب الحصول عليها، والهدف من الحصول عليها.
التنظيم: يجب تنظيم المعلومات التي يتم الحصول عليها في تسلسل واضح.
الدقة: ويتضمن ذلك الدقة في استخدام وإجراء الوسيلة، والدقة في تحري المعلومات، بحيث تكون مطابقة للواقع، والبعد عن التقديرات الجزافية أو التقريبية أو العامة، ويجب أن يكون للأرقام اعتبارها ومعناها لأنه لغة اصطلاحية مشتركة "مثل متوسط الذكاء ١٠٠ وانحرافه المعياري ١٥" ونحن نلاحظ أحيانا أن بعض المعلمين حين يحصل تلميذ على درجة ٩٥ من ١٠٠ يكتب تقديره "جيد" وهذا طبعا خطأ وغير دقيق لأن التقدير في هذه الحالة "ممتاز"، وكذلك يجب تحري الدقة في تفسير المعلومات واستنتاج دلالتها النفسية بأسلوب علمي والبعد عن الأسلوب الإنشائي والدرامي.
الموضوعية: يجب أن تكون وسائل جمع المعلومات موضوعية. ويجب توخي الموضوعية في عملية جمع المعلومات وفي تفسيرها، ويجب البعد عن الذاتية والآراء الشخصية بقدر الإمكان.
стр. 187
المعيارية: ويقصد بالمعيارية هنا معناها العام أي الحكم على العميل في ضوء المعايير الخاصة بجنسه وعمره وثقافته.
التسجيل: يجب تسجيل كل المعلومات التي يتم الحصول عليها حتى لا تكون عرضة للنسيان ويجب أن تسجل المعلومات عقب الحصول عليها مباشرة، ويجب تحديد وتسجيل تواريخ المعلومات، وذلك مهم لمعرفة دلالتها بالنسبة لمرحلة النمو ومعرفة التقدم في الإرشاد، إذا أعيد التقييم أو الاختيار مثلا، ومعرفة مدى التقدم واتجاه التغير الذي يحدث ... وهكذا كذلك يجب تسجيل اسم الأخصائي الذي جمع المعلومات أو أضافها.
الخبرة: ويقصد بذلك خبرة الأخصائي -الذي يستخدم وسائل جمع المعلومات- في استخدامها في دراسة السلوك البشري، ويلزم لذلك التدريب العملي الكافي.
"انظر نورمان جرونلوند Gronlund؛ ١٩٨٥، سبع أبو لبدة، ١٩٨٧".
стр. 188
المقابلة INTERVIEW:
المقصود هنا "مقابلة جمع المعلومات" أي المقابلة كوسيلة لجمع المعلومات، وتسمى أيضا المقابلة الشخصية أو الاختبار الشخصي. وليس المقصود المقابلة الإرشادية Counselling Interview أو المقابلة العلاجية Clinical Interview أي المقابلة كجزء من عملية الإرشاد أو العلاج النفسي.
والمقابلة هي الوسيلة الأولى الأساسية في الإرشاد النفسي، وهي كوسيلة لجمع المعلومات ليست قاصرة على الإرشاد والعلاج النفسي، ولكنها وسيلة يستخدمها الأطباء والأخصائيون وأصحاب الأعمال والباحثون والصحفيون ... إلخ.
ما هي المقابلة:
المقابلة علاقة اجتماعية مهنية دينامية وجها لوجه بين المرشد والعميل، في جو نفسي آمن يسوده الثقة المتبادلة بين الطرفين، بهدف جمع معلومات من أجل حل مشكلة. أي أنها علاقة فنية حساسة يتم فيها تفاعل اجتماعي هادف، وتبادل معلومات وخبرات ومشاعر واتجاهات، ويتم خلالها التساؤل عن كل شيء، وهي نشاط مهني هادف، وليست محادثة عادية.
والمقابلة الإرشادية تتضمن مواجهة إنسانية، في مكان محدد، وبموعد سابق، لفترة زمنية معينة، لتحقيق أهداف إرشادية. "ماهر محمود عمر، ١٩٨٩".
أنواع المقابلة:
تقسم المقابلة بصفة عامة إلى أنواع عديدة نلخصها فيما يلي:
المقابلة المبدئية Initial or Intake Interview: وهي أول مقابلة مع العميل، وفيها يتم التمهيد للمقابلات التالية، ويتم تحديد إمكانات المرشد وما يتوقعه المرشد والعميل كل من الآخر، والتعريف بالخدمات الإرشادية، والإلمام بتاريخ الحالة بصورة مبدئية عامة.
المقابلة القصيرة Brief- talk Interview: وهي مقابلة تستغرق مدة قصيرة عندما تكون المشكلة طارئة وسهلة وواضحة، وقد تكون مقدمة لمقابلات أخرى أطول. وقد تكون كافية وخاصة في حالات المشكلات التي يستطيع العميل بنفسه أن يحلها، ولكنها إذا كانت قصيرة بسبب ضيق وقت المرشد، فقد يكون ضررها أكثر من نفعها، إذ أنها تفتقر إلى التفاعل والعلاقة الكافية بين المرشد والعميل، ويسودها الأسلوب المباشر والإيحاء والإلزام والضغط والسطحية وعدم التعمق المطلوب.
стр. 189
المقابلة الفردية: وهي التي تتم بين المرشد وبين عميل واحد فقط.
المقابلة الجماعية Group Interiew: تتم مع جماعة من العملاء، كما يحدث في جماعة الطلاب الذين يعانون من مشكلات مشتركة فيما بينهم.
المقابلة المقيدة أو "المقابلة المقننة": وهي التي تكون مقيدة بأسئلة معينة محددة سلفا يجيب عنها العميل، وموضوعات محددة مسبقا يتحدث فيها، وبتعليمات محددة يتبعها المرشد ومن مزاياها ضمان الحصول على المعلومات الضرورية المطلوبة وتوفير الوقت، إلا أن من عيوبها الجمود ونقص المرونة وتفويت فرصة الحصول على معلومات يريد العميل سردها.
المقابلة المطلقة أو "الحرة": وهي غير مقيدة بأسئلة ولا موضوعات ولا تعليمات محددة، بل تكون حرة ومرنة حيث تترك الحرية للعميل تتداعى أفكاره تداعيا حرا ويعرضها بطريقته الخاصة، ولا شك أن لكل ما يقوله العميل أهمية لأنه يعبر عن وجهة نظره، ومن مزاياها أنها تسير بطريقة تلقائية، إلا أنها تتطلب خبرة خاصة وتدريبا طويلا وإلا كانت مضيعة للوقت.
وتقسم المقابلة حسب هدفها إلى أنواع منها:
مقابلة المعلومات: وتكون بهدف جمع معلومات جديدة أو التوسع في معلومات أو التأكد من معلومات سبق جمعها بوسائل أخرى.
المقابلة الإرشادية أو العلاجية "الكلينكية": وتكون بهدف تعديل أو تغيير وتوجيه السلوك لصالح العميل، وهي تستغرق وقتا طويلا وتهدف إلى تحقيق أهداف الإرشاد والعلاج النفسي "ويأتي الكلام عنها تفصيلا في الفصل السادس".
المقابلة الشخصية: ويطلق عليها أحيانا مقابلة التوظيف، وتكون بهدف تحديد مدى العمل أو الدراسة أو التخصص "ويلي وأندرو Willey & Andrew؛ ١٩٥٥".
وتقسم المقابلة حسب الأسلوب المتبع فيها إلى:
المقابلة الممركزة حول العميل أو المقابلة غير الموجهة: وفيها يكون سير المقابلة حرا تحت تصرف العميل يفيد منه كيفما يشاء، ولا يقرر المرشد موضوع المقابلة ولا يحدد خطواتها، وإنما يساعد العميل في عمل ذلك بنفسه لنفسه، وينحصر عمل المرشد في تهيئة مناخ نفسي مناسب، ومساعدة العميل في ازدياد إدراك أن المشكلة مشكلته ومسئولية فهمها وحلها تقع على عاتقه هو. فالعميل هو الذي يحدد ما يذكره للمرشد ومتى ينتقل إلى معلومة أخرى. وهو حر في مناقشة ما يشاء من موضوعات وبالأسلوب الذي يراه. وهو الذي يحدد متى تنتهي المقابلة ... وهكذا.
стр. 190
المقابلة الممركزة حول المرشد أو المقابلة الموجهة: وفيها يكون العبء الأكبر على المرشد. وتنحصر المقابلة في دائرة المشكلة. وتسير المقابلة في خطوات محددة مقننة تبدأ بالإعداد له ثم بدئها في سيره حتى إنهائها وتسجيلها.
ويتناول بنجهام ومور "١٩٦١" أنواعا أخرى من المقابلة منها: مقابلة الطلاب، ومقابلة العمال، ومقابلة ذوي المشكلات، ويضاف كذلك المقابلة الاستفسارية بصفة عامة، وحتى المقابلة في الصحافة، والمقابلة الخاصة بالشهادة القانونية.
عوامل نجاح المقابلة:
بالإضافة إلى الشروط العامة التي يجب مراعاتها في جميع وسائل جمع المعلومات التي سبق ذكرها، هناك شروط خاصة لضمان نجاح المقابلة وتحقيق أهدافها نلخصها فيما يلي:
عام: يجب مراعاة السرية والأمانة التامة، والتخطيط المسبق والتحضير والإعداد الجيد، والتنظيم، والدقة، والموضوعية، والمعيارية، وأصول التسجيل، والتدريب العلمي، والخبرة، والتعاون والفهم المتبادل والإخلاص والصدق، وهنا ينصح بأن يتجنب المرشد أخطاء مثل النصح والشرح والأمر والنهي والتفسير والإيحاء واستعجال العميل أو إكمال حديثه.
جعل المقابلة موقف تعلم: يجب الحرص على أن تكون المقابلة موقف تعلم وخبرة بناءة فرصة لزيادة فهم الذات والاستبصار لدى العميل، ومن مظاهر ذلك العميل كيف يدرس ويدرك مشكلته من كافة النواحي، وبوضوح أكثر، وكيف يتناول الخبرات بانفعال متزن، وكيف يفهم الانفعالات التي تكمن وراء سلوكه، واكتساب طريقة التفكير المنطقي، وزيادة قدرته على تحمل مسئولية نفسه.
مؤهلات المرشد: وتشمل المؤهلات الشخصية، ويأتي على رأسها سمعته الطيبة في إجراء المقابلة، كأن يكون مشهورا بالبشاشة والأمانة والإخلاص والعلاقة الإنسانية. ومن مؤهلات المرشد الشخصية، أيضا التوافق الشخصي والنجاح في حياته والحياد والموضوعية والتسامح والتخلص من التفكير النمطي الجامد، ومنها كذلك المظهر الشخصي للمرشد حتى في لبسه الذي قد ينظر إليه كرمز للنضج والقدرة، وتشمل مؤهلات المرشد كذلك المؤهلات المهنية، ويأتي على رأسها الإعداد والتدريب المهني وسعة الاطلاع، والمعارف العامة، ومعرفة شاملة للسلوك البشري ودينامياته، ومن المؤهلات الهامة للمرشد، الذكاء الاجتماعي، ولنذكر ما قيل من أن الإرشاد النفسي علم وفن، إن هذا يصدق بصفة خاصة في المقابلة.
стр. 191
إجراء المقابلة:
يتم إجراء المقابلة في خطوات وعلى مراحل مرنة تعتبر أجزاء أساسية، وهي: "انظر أنيت جاريت، ١٩٥٨".
الإعداد: أو التخطيط المسبق المرن، ويتضمن إعداد الخطوط العريضة والمحاور الرئيسية التي تدور حولها المقابلة وموضوعات المناقشة، وتحديد أسلوب بدء المقابلة، وتحديد الأسئلة الرئيسية، والاطلاع على ما تيسر من معلومات من الوسائل الأخرى، حتى تحدد النواحي المطلوب فيها المزيد من المعلومات ويتضمن الإعداد كذلك إعداد الأدوات اللازمة للتسجيل وخلافه.
الزمان يجب أن يكون الزمن كافيا لإجراء المقابلة، ويختلف الزمن حسب حالة العميل ومشكلته، ووقت المرشد والمعلومات المطلوبة، ويتراوح الزمن بين نصف ساعة وساعة بمتوسط ٤٥ دقيقة، ويلاحظ أن المقابلة التي تتم بسرعة وعلى عجل لا تؤتي ثمارها المنشودة, ويجب تحديد الوقت الذي تستغرقه المقابلة حتى يحرص العميل على عرض الموضوعات التي يهمه عرضها قبل انتهاء الوقت. ويجب أن يكون موعد المقابلة مريحا بالنسبة لكل من المرشد والعميل، وإذا حدث وطلب العميل تحديد موعد المقابلة، فيحسن أن يكون الموعد في أقرب وقت، بل يفضل أن يكون في نفس الوقت الذي يطلبه العميل، لأن هذه تعتبر اللحظة السيكولوجية المناسبة لإجراء المقابلة، وهذا أحد أسباب ترك وقت في جدول المرشد احتياطيا لمثل هذه المقابلات.
المكان: يجب أن يكون مكان المقابلة غرفة خاصة هادئة خالية من الضوضاء والمقاطعات والتدخل، وكلما كانت في مكان يألفه العميل كان ذلك أفضل، بما يساعد على الراحة والطمأنينة والاسترخاء وييسر سير المقابلة، وحتى أثاث غرفة المقابلة يجب أن يكون مريحا ومناسبا ومنسقا، وبه بعض الزهور، ويحسن ألا تكون المقابلة من وراء مكتب حتى لا يشعر العميل بسلطة المرشد وانفصاله عنه.
البدء: تبدأ المقابلة عادة بحديث ترحيب وحديث عام عن الطقس مثلا حتى لا تكون البداية حادة قبل الدخول في الموضوع على ألا يزيد عن هذا الحد الذي يشعر العميل بالضيق لأنه شخصيا يريد أن يدخل في الموضوع، وعادة يستغرق حديث البدء حوالي ربع
стр. 192
ساعة. ويحتاج المرشد إلى حديث التقديم هذا في المقابلة الأولى فقط، أما باقي المقابلات التالية فالبدء يكون بالدخول في الموضوع مباشرة، والأسلوب الشائع والمقبول لدى معظم المرشدين هو التحية والترحيب، وبعض الملاحظات الودية وإبداء الاستعداد للمساعدة، وتشجيع العميل على الكلام، وطمأنته على السرية ... إلخ.
تكوين الألفة Rapport: إن تكوين الألفة والتجاوب وصلة الوئام نقطة مهمة في إجراء المقابلة، وتتضمن الألفة الاحترام والفهم والاهتمام والإخلاص المتبادل والثقة المتبادلة، وهذه أمور مهمة تمهد لنجاح المقابلة. ويجب أن تستمر الألفة طوال المقابلة، ويتوقف نجاح الألفة في الغالب على نجاح بداية المقابلة ونجاح بداية العلاقة بين الطرفين واستمرار نجاحها في المقابلات المقبلة. ولضمان تكون الألفة، يقترح أن تبدأ المقابلة بالترحيب والبشاشة والاهتمام، وتناول بعض الموضوعات العامة، والموضوعات المشتركة، والخبرات السارة، مع الاهتمام بالمشاركة والانفعالية، والتشجيع، والموافقة، والموضوعية، وضرب الأمثلة، كل ذلك مناخ آمن خال من التهديد، يستطيع فيه العميل أن يقول كل شيء وأي شيء.
الملاحظة: أي ملاحظة سلوك العميل وكلامه وحركاته وتعبيرات وملامح وجهه.
الإصغاء: يجب أن يكون إصغاء المرشد أكثر من كلامه، ويشترط حسن الإصغاء بعقل واع واهتمام وتعبير عن المشاركة الانفعالية والتعبير المناسب، مما يساعد على التنفيس والتطهير الانفعالي من جانب العميل١.
التقبل: ويعني هذا تقبل العميل وما يقوله بكل حرية وتسامح، وليس تقبل سلوكه، ويجب أن يدرك العميل ذلك، فالمرشد يتقبل العميل كإنسان ليس معصوما من الخطأ، ولكنه لا يتقبل سلوكه الخاطئ، ومما يساعد على إظهار التقبل إعادة كلام العميل واستخدام ألفاظ تعبر عن التقبل والفهم.
التوضيح: ويتضمن ذلك ربط الأفكار وتوضيحها، وهذا يساعد على التركيز حول الموضوع الرئيسي للمقابلة واستمرارها وإشعار العميل باهتمام وانتباه ومتابعة المرشد.
التساؤل: يعتبر إعداد وتوجيه الأسئلة اثناء المقابلة مهارة مهمة. ويجب اختيار الأسئلة
стр. 193
المناسبة بصيغة مناسبة وفي الوقت المناسب، وتوجهها بطريقة تشعر العميل بأهمية الإجابة عنها بصدق، والأسئلة الجيدة هي تلك التي تهدف إلى الحصول على معلومات مطلوبة وتوجه سير المقابلة في الإطار المرسوم لتحقيق هدفها، والاعتدال والتوسط مطلوب في عدد الأسئلة، فلا تكون قليلة فتظل جوانب كثير غير مطروقة، ولا تكون كثيرة فتشتت العميل. ويجب الحرص بخصوص الأسئلة المباشرة التي قد توحي بأن المقابلة أقرب إلى التحقيق، مما قد يؤدي إلى المقاومة، وبقدر ما تكون الأسئلة مساعدة في توجيه سير المقابلة، فإنها قد تكون معطلة وخاصة في حالات استرسال العميل وصراحته.
الكلام: يقصد هنا كلام وحديث وتعليقات المرشد، ويتضمن ذلك كم كلامه وكيفه. فيجب التعبير بأسلوب يفهمه العميل. وينصح بترك المجال للعمل ليتكلم أكثر مما يتكلم المرشد، وتشجيعه على الكلام، مثل إظهار التقبل والتأييد والتوضيح والأسئلة العامة ... إلخ. أما عن كلام المرشد عن خبراته الخاصة والشخصية أثناء المقابلة، فترى جين وارترز Warters؛ "١٩٦٤" أنه يجب تجنب الكلام عنها لأنها ليست موضوع المقابلة، بينما يرى مورفي Murphy؛ "١٩٧٢" العكس ويقول إن إشارة المرشد إلى نفسه وإلى خبراته الشخصية تثري المقابلة وتجعل العميل يقبل أكثر على المقابلة ويقوي العلاقة الإرشادية.
التسجيل: هناك آراء كثيرة حول تسجيل ما يجري في المقابلة، وحول كتابة مذكرات أثنائها، فمن المتفق عليه ضرورة التسجيل والكتابة للرجوع إلى ما يسجل وتحليله والإفادة منه فيما بعد، حيث لا يمكن الاعتماد على الذاكرة وخاصة مع مضي الوقت. ويؤخذ على التسجيل أن المرشد إذا اندمج في تدوين الملاحظات أثناء المقابلة، فإن هذا قد يمنع العميل من ذكر مشكلاته وخبراته الخاصة التي لا يجب أن تدون على الورق، ويلجأ بعض المرشدين إلى استخدام أجهزة التسجيل الصوتي، ولكن ذلك مكلف ماديا بالإضافة إلى أنه قد يزيد حرص العميل بل وامتناعه عن الكلام عن خصوصياته، ويلاحظ أن بعض العملاء بمجرد أن يرى المرشد يكتب ملاحظات يمتنع تماما عن الإدلاء بأي معلومات، وإذا رأى أي جهاز يشك في أنه جهاز تسجيل وتتعقد الأمور. ولتفادي هذه المشكلات، تقترح جين وارترز Warters؛ "١٩٦٤" ضرورة تعريف العميل بأهمية التسجيل واستئذانه في ذلك، وأن تقتصر الكتابة أثناء المقابلة على الضروري، وإرجاء ما يمكن إرجاؤه إلى نهاية المقابلة حيث يدون بعد إنهائها مباشرة، هذا ويجب تنظيم كل ما يجمع من معلومات خلال المقابلة وحفظها في ملف العميل.
стр. 194
إنهاء المقابلة: يجب أن تنتهي المقابلة عند تحقيق هدفها، وإنهاء المقابلة مهم جدا بقدر أهمية بدئها، ويجب أن يكون إنهاء المقابلة متدرجا وليس مفاجئا بانتهاء الزمن أو انتهاء وقت استعراض وتلخيص ما دار فيها، ويحسن أن يكون ذلك التلخيص على لسان العميل نفسه، والإشارة إلى موعد المقابلة القادم إن شاء الله.
مزايا المقابلة:
تمتاز المقابلة كوسيلة من وسائل جمع المعلومات بما يلي:
- الحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها عن طريق الوسائل الأخرى مثل التعرف على الأفكار والمشاعر والآمال وبعض الخصائص الشخصية، مما يتيح فهما أفضل للعميل ومشكلاته.
- إتاحة فرصة تكوين مناخ من الألفة والتجاوب والاحترام والثقة المتبادلة بين المرشد والعميل، وتكوين علاقة إرشادية ناجحة.
- إتاحة الفرصة أمام العميل للتفكير "بصوت عال" في حضور مستمع جيد، مما يمكنه من التعبير عن نفسه وعن مشكلته.
- إتاحة فرصة الاستبصار والحكم على الأحكام الذاتية التي يصدرها أو يكونها كل من المرشد عن العميل والعميل عن نفسه.
стр. 195
- إتاحة فرص التنفيس الانفعالي وتبادل الآراء والمشاعر في مناخ نفسي آمن.
- تنمية المسئولية الشخصية للعميل في عملية الإرشاد.
عيوب المقابلة:
على الرغم من أن المقابلة تعتبر الوسيلة الأولى في الإرشاد النفسي، ولها مزاياها المهمة، إلا أن لها بعض العيوب منها:
- انخفاض معامل الصدق، وذلك لاختلاف الاستعدادات والقدرات والميول وتقدير المشاعر.
- انخفاض معامل الثبات، وذلك لاختلاف مشاعر العميل تجاه خبراته ومشكلاته من يوم لآخر.
- الذاتية في تفسير نتائج المقابلة، حيث قد يختلف المرشدون المختلفون في ذلك. وقد تختلف هذه النتائج مع الحقائق الموضوعية، وقد يخطئ المرشد في تقدير السمات أو يبالغ فيها حسب خبرته واتجاهاته، وقد يكون متحيزا عند تسجيل ملاحظاته أو عند تحليلها.
- عدم جدواها كثيرا في حالات الأطفال الصغار الذين يصعب عليهم التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، وعلى أي حال، ورغم هذه العيوب، فإنه لا غنى عن المقابلة كوسيلة لجمع المعلومات، ولا بد إذن من الدراسات والبحوث التي تحاول التخلص من هذه العيوب.
стр. 196
الملاحظة OBSERVATION:
المقصود هنا الملاحظة العملية المنظمة: وهي من أقدم وأكثر وسائل جمع المعلومات شيوعا في الإرشاد النفسي، وهي لذلك وسيلة أساسية ومهمة ومورد خصب للحصول على معلومات عن سلوك العميل "سترانج وموريس Strang & Morris؛ ١٩٦٤".
ما هي الملاحظة:
هي ملاحظة الوضع الحالي للعميل، في قطاع محدد من قطاعات سلوكه، وتسجيل لموقف من مواقف سلوكه. وتشمل ملاحظة السلوك في مواقف الحياة اليومية الطبيعية، ومواقف التفاعل الاجتماعي بكافة أنواعها في اللعب والعمل والراحة، والرحلات والحفلات، وفي مواقف الإحباط والمسئولية الاجتماعية والقيادة والتبعية والمناسبات الاجتماعية بحيث يتضمن ذلك عينات سلوكية لها مغزى في حياة العميل.
стр. 197
وتقوم الملاحظة العلمية المنظمة على ملاحظات السلوك وتسجيله في صورة لفظية لتحقيق الأهداف الآتية: تسجيل الحقائق التي تثبت أو تنفي فروضا خاصة بسلوك العميل، وتسجيل التغيرات التي تحدث في سلوك العميل نتيجة للنمو، وتحديد العوامل التي تحرك العميل سلوكيا في مواقف وخبرات معينة، ودراسة التفاعل الاجتماعي للعميل في مواقفه الطبيعية، وتفسير السلوك الملاحظ، وإصدار توصيات بشأن السلوك الملاحظ.
أنواع الملاحظة:
من أنواع الملاحظة ما يلي:
الملاحظة المباشرة: حيث يكون الملاحظون أمام العميل وجها لوجه في المواقف ذاتها.
الملاحظة غير المباشرة: مثل التي تحدث دون اتصال مباشر بين الملاحظين والعملاء، ودون أن يدرك العملاء أنهم موضع ملاحظة. ويتم ذلك في أماكن خاصة مجهزة لذلك.
الملاحظة المنظمة الخارجية: ويكون أساسها المشاهدة الموضوعية والتسجيل بإزاء الشخص ومظاهر ونواح سلوكية معينة، دون التحكم في الظروف والعوامل التي تؤثر في هذا السلوك، ويمكن أن تكون تتبعية لسلوك معين، ويقوم بها أشخاص خارجيون"أي غير الشخص الملاحظ أو العميل".
الملاحظة المنظمة الداخلية: وهذه تكون من الشخص نفسه لنفسه "التأمل الباطني"، وهي ذاتية وليست موضوعية، ومن عيوبها أنها لا يمكن أن تتبع مع الأطفال الصغار الذين لا يستطيعون القيام بها.
الملاحظة العرضية أو الصدفية: وهي عفوية غير مقصودة، وتأتي بالصدفة، وتكون سطحية وغير دقيقة وغير علمية وليس لها قيمة علمية، ومن أمثلتها الملاحظات العابرة لسلوك العميل في المدرسة أو دار العبادة، وعلى الرغم من هذا فإنها تعطي بعض المعلومات وتستثير بعض الأسئلة، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى فهم أكثر.
الملاحظة الدورية: وهذه تتم في فترات زمنية محددة، وتسجيل حسب تسلسلها الزمني كل صباح أو كل أسبوع أو كل شهر ... وهكذا.
الملاحظة المقيدة: وتكون مقدية بمجال أو موقف معين، ومقيدة ببنود أو فقرات معينة مثل ملاحظة الأطفال في مواقف اللعب أو الإحباط أو أثناء التفاعل الاجتماعي مع الكبار.
стр. 198
عوامل نجاح الملاحظة:
للملاحظة شروط يجب مراعاتها ضمانا لنجاحها وضمانا لفائدة المعلومات التي تحصل عليها عن طريقها، ومن هذه الشروط ما يأتي:
عام: سرية المعلومات التي يتم الحصول عليها منها، والموضوعية والبعد عن الذاتية والآراء الشخصية وخاصة في تسجيل وتفسير السلوك الملاحظ، والدقة في إجراء الملاحظة وفي تفسير السلوك الملاحظ، كذلك يحتاج نجاح الملاحظة إلى خبرة وتدريب في دراسة وملاحظة السلوك البشري.
الشمول: ويتضمن ذلك شمول الملاحظة لعينات متنوعة من سلوك العميل وتوضح تفاصيل إيجابيات السلوك وسلبياته، ونقاط القوة مع نقاط الضعف، بما يغطي الجوانب المختلفة لشخصية العميل.
الانتقاء: ويقصد بذلك انتقاء السلوك المتكرر أو الثابت نسبيا، والاهتمام بملاحظته وتمييزه عن السلوك العارض أو الصدفي أو الطارئ.
إجراء الملاحظة:
يتم إجراء الملاحظة في خطوات أبرزها ما يلي:
الإعداد: ويتضمن ذلك التخطيط المحكم بها، والتحديد المسبق للسلوك الذي سوف يلاحظ وأبعاده، وتحديد المعلومات المطلوبة بالضبط, وهدف الملاحظة بصفة عامة. ويتضمن الإعداد كذلك تجهيز الأدوات اللازمة للتسجيل، وتحديد الزمان والمكان الذي تتم فيه الملاحظة.
الزمان: ويحدد الزمان الذي سوف يتم في غرف خاصة مجهزة بالأجهزة، والمعدات اللازمة والأدوات والأثاث اللازم، ولقد تطورت أساليب الملاحظة مع تطور الأجهزة العليمة في معامل ومختبرات علم النفس، وحيث تستخدم آلات التصوير العادي والسينامي والدوائر التليفزيونية المغلقة. وتتم الملاحظة في غرف على شكل قباب تمكن من متابعة وملاحظة السلوك من أعلى ومن كل الجوانب، وتستخدم كذلك غرف بها حجاب الرؤية من جانب واحد One- Way Screen حيث يرى الملاحظون العملاء دون أن يراهم العملاء، وذلك بقصد ضمان
стр. 199
عدم إحراج العملاء، وحتى يكون السلوك تلقائيا وغير مصطنع، ويستخدم فيها الأجهزة الصوتية والبصرية اللازمة "شكل ٤١" هذا وقد تم الملاحظة في مكان حدوث السلوك كالفصل أو الفناء أوعلى الشاطئ في رحلة أو حتى في الشارع.
إعداد دليل الملاحظة: ويفيد دليل الملاحظة في تحديد عينات السلوك التي تلاحظ. ويستخدم بعض الملاحظين "قائمة مراجعة" Check list كدليل يشمل موضوعات الملاحظة الهامة١.
اختيار عينات سلوكية ممثلة للملاحظة: يجب اختيار عينات متنوعة ومتعددة وشاملة وممثلة لأكبر عدد من مواقف الحياة المختلفة في أوقات مختلفة وفي مناسبات مختلفة وفي مواقف فردية ومواقف جماعية ... وهكذا، بحيث تعطي صورة متكاملة وواضحة لسلوك العميل، فمن
стр. 200
الملاحظ أن عميلا قد يكون خجولا عقيل اللسان في موقف ورائدا أو خطيبا في موقف آخر، وأن نجما اجتماعيا أو قائدا في موقف اجتماعي قد يكون معزولا أو مرفوضا في موقف اجتماعي آخر ... وهكذا وهنا يجب مراعاة انتفاء عينات السلوك ذات الدلالة والتي تؤدي إلى إعطاء صورة أوضح لشخصية العميل، كذلك يجب الاهتمام بتكامل الموقف بحيث يكون السلوك الملاحظ موقفا له بداية ونهاية محدودتان.
عملية الملاحظة: تجري عملية الملاحظة بحيث يتم ملاحظة عميل واحد في الوقت الواحد. وفي حال ملاحظة سلوك الجماعة يحسن استخدام الأفلام والشرائط التسجيلية، ويحسن تعدد الملاحظين ضمانا للموضوعية والدقة مع اتفاقهم جميعا على السلوك الذي يلاحظ ومعاني السمات السلوكية التي تلاحظ، حتى إذا أغفل أحدهم أمرا لم يغفله غيره، على أن يكتفي بالقدر من المعلومات الذي يكون موضع اتفاق بين الملاحظين ومن أبرز من أرسوا دعائم الملاحظة في دراسة سلوك الأطفال جان بياجيه Piaget وأرنولد جيزيل Gesell وتبعهما علماء دأبوا على ابتكار أساليب جديدة للملاحظة في الإرشاد النفسي بصفة خاصة، ومن أمثلة ذلك أسلوب سيدني بيجو Bijou؛ "١٩٦٦" ويبدأ أسلوب بيجو في ملاحظة السلوك بعد تكرار حدوث السلوك غير السوي لكي يحدد تكراره القاعدي Base Line Frequency AE وهذا يتضمن تقدير الأحداث المثيرة السابقة واللاحقة والظروف الخاصة التي ترتبط بحدوث مثل هذا السلوك.
ويتم تحديد التكرار القاعدي قبل أي تدخل من أي نوع، وهنا يحدد التشخيص، وبعد ذلك تتم عملية التدخل بتقديم برنامج إرشادي "أو علاجي" مخطط لإحداث التغيير في السلوك، وبعد ذلك تحدث عملية ملاحظة ومتابعة مستمرة منظمة لتقرير مدى تأثير التدخل الإرشادي، أو بيجو عددا من المقاييس في عملية الملاحظة توضح التغير في سلوك معين في إطار عملية الإرشاد برنامج الإرشاد كان مؤثرا "أي قلل تكرار حدوث السلوك غير السوي"، فإن البرنامج يستمر، أما إذا أظهرت السجلات أن البرنامج كان غير مؤثر فيجب تعديله على الفور.
التسجيل: هذا ويجب أن تسجل الملاحظة، ولكن يجب التعود على الملاحظة بدون الحاجة الماسة إلى الكتابة أثناءها، والتعود على تذكر السلوك الهام، ثم الإسراع بستجيل وتلخيص
стр. 201
الملاحظة بعد إتمامها مباشرة، بحيث تكون الملاحظات محددة ومركزة، كذلك يجب الاهتمام بتسجيل بعض النصوص كلما أمكن ذلك مما يجعل تسجيل الملاحظة حيا، ويجب أيضا تسجيل تاريخ كل ملاحظة ومكانها وزمانها وأسماء من قاموا بها.
التفسير: بعد التسجيل يتم تفسير السلوك الملاحظ، ويجب أن يكون التفسير في ضوء الخلفية الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية للعميل ومجموع خبراته السابقة التي يجب البحث عنها وبوسائل جمع المعلومات الأخرى. كذلك يجب أن يكون التفسير في ضوء الإطار المرجعي للعميل نفسه.
مزايا الملاحظة:
تستأثر الملاحظة العلمية المنظمة بمزايا أهمها ما يأتي:
- يمكن عن طريقها الحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها عن طريق غيرها من الوسائل.
- تتيح دراسة السلوك الفعلي في مواقفه الطبيعية، وذلك أفضل من قياس السلوك اللفظي أو المقاس عن طريق الاختبارات، والذي قد يختلف إلى حد كبير عن السلوك الفعلي.
عيوب الملاحظة:
للملاحظة بعض العيوب نذكر منها ما يلي:
- بعض الأفراد والجماعات لا يحبون أن يكونوا موضع ملاحظة كالمراهقين والمراهقات والأزواج والأسر.
- تدخل الذاتية، ورجوع الملاحظ في ملاحظته إلى إطاره المرجعي الشخصي وإلى خبراته الشخصية، ويظهر ذلك في الانحياز اللاشعوري، أو إسقاط بعض ما لدى الملاحظ على سلوك العميل. فمثلا الملاحظ المتسلط قد يرى العميل الذي يخالفه في الرأي على أنه مسيطر. هذه النواحي الذاتية قد تجعل الملاحظة عديمة الفائدة.
- لكي تتم ملاحظة السلوك في إطاره الطبيعي لا يخبر العميل بذلك مسبقا، وقد يتعارض هذا مع مبدأ رئيس من أخلاقيات الإرشاد النفسي وهو تعريف العميل بل واستئذانه في ذلك.
стр. 202
دراسة الحالة CASE STUDY:
دراسة الحالة وسيلة شائعة الاستخدام لتلخيص أكبر عدد ممكن من المعلومات عن العميل، وهي أكثر الوسائل شمولا وتحليلا.
ويبدو أن الإرشاد النفسي قد استعار وسيلة دراسة الحالة من الخدمة الاجتماعية "سعد جلال، ١٩٦٧".
ويرى البعض أن دراسة الحالة ليست "وسيلة" جمع معلومات بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنها بالأحرى أسلوب لتجميع المعلومات التي تم جمعها بالوسائل الأخرى، مثل المقابلة والملاحظة ومؤتمر الحالة والاختبارات والمقاييس والسيرة الشخصية ... إلخ "ميلتون هان ومالكولم ماكلين Hahn & MacleanK؛ ١٩٥٠".
ما هي دراسة الحالة:
هي كل المعلومات التي تجمع عن الحالة، والحالة قد تكون فردا أو أسرة أو جماعة "لوفيل ولوسون، ١٩٧٦". وهي تحليل دقيق للموقف العام للحالة ككل، وهي منهج لتنسيق وتحليل المعلومات التي جمعت بوسائل جمع المعلومات الأخرى عن الحالة وعن البيئة "رسمية خليل، ١٩٨٦". وهي بحث شامل لأهم عناصر حياة العميل. وهي وسيلة لتقديم صورة مجمعة للشخصية ككل، وبذلك تشمل دراسة مفصلة للفرد في حاضره وماضيه، وهي بذلك تصور فعلا فردية الحالة.
وعادة ما يقوم بها المرشد في الحالات العادية، أما في الحالات المضطربة فقد يقوم بها أكثر من أخصائي، كل من زاوية تخصصه مثل الأخصائي النفسي، والأخصائي الاجتماعي، والمعلم وغيرهم، ويتولى المرشد أو المعالج عملية التنسيق، "بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ ١٩٧٦".
وتهدف دراسة الحالة إلى الوصول إلى فهم أفضل للعميل، وتحديد وتشخيص، مشكلاته وطبيعتها وأسبابها، واتخاذ التوصيات الإرشادية والتخطيط للخدمات الإرشادية اللازمة "حامد زهران، ١٩٩٧"، والهدف الرئيسي لدراسة حالة هو تجميع المعلومات ومراجعتها ودراستها وتحليلها وتركيبها وتجميعها وتنظيمها وتلخيصها ووزنها كلينيكيا، أي وضع وزن كلينيكي لكل منها. فمثلا قد يكون هناك معلومة أو خبرة لها وزن كلينيكي أثقل من الوزن الكلينيكي لعشرات المعلومات الأخرى "حامد زهران، ١٩٧٧".
стр. 203
تاريخ الحالة جزء من دراسة الحالة ١:
تعتبر دراسة تاريخ الحالة Case History أو ما يطلق عليه أحيانا "تاريخ الحياة" Life History جزءا من الأخرى، ويتناول الحالة، وهو موجز لتاريخ الحالة كما يكتبه العميل، وكما يجمع عن طريق الوسائل الأخرى، ويتناول دراسة مسحية طولية شاملة للنمو منذ وجوده والعوامل المؤثرة فيه، وأسلوب التنشئة الاجتماعية، والخبرات الماضية، والتاريخ التربوي والتعليمي والصحي، والخبرات المهنية، والمواقف التي تتضمن صراعات، وتاريخ التوافق النفسي، وتاريخ الأسرة، بطريقة شاملة وموضوعية بقدر الإمكان.
ويؤكد ألمان وليم Ullman & LimK؛ "١٩٦٢" ضرورة استخدام معلومات تاريخ الحالة كجزء من دراسة الحالة، وعلى العموم فإن تاريخ حياة العميل يستوجب أيضا النظر إليه على أنه جزء من الثقافة التي يعيش فيها.
ومما يجب عمل حسابه التأكد من معلومات تاريخ الحالة لأن بعضها قد يتأثر بعامل الزمن والنسيان فلا يكون دقيقا.
ولاحظ أن بعض المؤلفين يستخدمون دراسة حالة وتاريخ الحالة بمعنى واحد. ولكن هناك فرقا بين دراسة الحالة وتاريخ الحالة هو أن دراسة الحالة تعتبر بمثابة قطاعا مستعرضا حياة الفرد، أي أنها دراسة استعراضية لحياة العميل تركز على حاضر الحالة ووضعها الراهن، بينما تاريخ الحالة يعتبر بمثابة قطاع طولي لحياة العميل، يقتصر على الماضين ويختص فقط بماضي الحالة "وإن لم يخل الحال من نظرة على الحاضر وتطلع إلى المستقبل وذلك من باب ربط الأحداث والخبرات" إنها دراسة تتبعية لحياة العميل "جين وارتزر Warters؛ ١٩٦٤".
تطلعات المستقبل جزء من دراسة الحالة:
الحصول على معلومات عن تطلعات العميل إلى المستقبل جزء مهم من دراسة الحالة.
ويمكن الحصول على مثل هذه المعلومات من كتابة العميل ووصفه للشخص المثالي الذي يود أن يكون في المستقبل بآماله ومطامحه "بعد عشر سنوات مثلا".
وتفيد دراسة تطلعات المستقبل في المطابقة بين حاضر العميل ونظرته المستقبلية إلى نفسه، أي إلى ذاته المثالية ومدى التطابق بين الاثنين، ومدى الرضا بالوضع الراهن والتوافق النفسي والصحة النفسية ... إلخ.
стр. 204
عوامل نجاح دراسة الحالة:
لكي تنجح دراسة الحالة، ولكي تكون ذات قيمة علمية، يجب أن تراعى الشروط الآتية:
- التنظيم: والتسلسل والوضوح وذلك لكثرة المعلومات التي تشملها دراسة الحالة.
- الدقة: وتلزم في تحري المعلومات وخاصة أنها تجمع عن طريق وسائل متعددة، ومراعاة تكامل المعلومات ومعنويتها بالنسبة للحالة ككل وبالنسبة للمشكلة.
الاعتدال: ويقصد الاعتدال بين التفصيل الممل وبين الاختصار المخل. ويتحدد طول دراسة الحالة حسب العميل وحسب هدف الدراسة، وهنا يجب الاهتمام بالمعلومات الضرورية وعدم تجاهل بعضها، وفي نفس الوقت عدم التركيز على المعلومات الفرعية.
الاهتمام بالتسجيل: وهذا مهم وخاصة مع كثرة المعلومات، مع تجنب المصطلحات الفنية المعقدة.
الاقتصاد: وينصح باتباع قانون أو مبدأ اقتصاد الجهد، أي اتباع أقصر الطرق عملا لبلوغ الهدف.
ماذا تشمل دراسة الحالة:
تعتبر دارسة الحالة بمثابة منظر من بعيد Brid's eye view، وفكرة عامة شاملة عن الحالة، وتشمل كل المعلومات والعوامل والخبرات التي جعلت الحالة على ما هي عليه. أي أنها تشتمل على: المعلومات المهمة اللازمة لعملية الإرشاد "وقد سبق ذكرها في الفصل الرابع". وعلى عينات من السلوك في الحياة اليومية "سترانج وموريس Strang & MorrisK؛ ١٩٦٤".
ويفضل البعض استخدام إطار معياري مقنن محدد لدراسة حالة، يعتبر بمثابة إطار منظم. وليس هناك شكل واحد لهذا الإطار، ولكن توجد أشكال مختلفة بعضها مفصل وشامل وبعضها مختصر يركز على المعلومات الرئيسية فقط "جورج هيل وإليانور لكي Hill & Luckey؛ ١٩٦٩".
وفيما يلي إطار مقترح لدراسة الحالة:
المعلومات والبيانات العامة: عن العميل ووالديه وإخوته وزوجه وأولاده، ومن يعولهم.
الشخصية: بناؤها وسماتها وأبعادها واضطراباتها.
الحالة الجسمية والصحية: طبيا وعصبيا، ومعلومات عن الطول والوزن والمظهر الجسمي والعاهات والأمراض.
стр. 205
الحالة العقلية المعرفية: وتشمل الذكاء والقدرات والاستعدادات والتحصيل والتقدم الدارسي، وملاحظات المعلمين والمشكلات التعليمية والاتجاهات نحو المدرسة والخطط الدراسية والمهنية.
النواحي الاجتماعية: وتتضمن المعلومات المتعلقة بالمجال الصناعي وعملية التنشئة الاجتماعية، والخلفية والأسرية وخاصة تركيب الأسرة والعلاقات والاتجاهات، والبيئة المنزلية، والقيم، والميول والهوايات، والجماعة المرجعية والمركز الاجتماعي والشعبية والزعامة والصداقات والتفاعل الاجتماعي والخلفية الاجتماعية الاقتصادية، والسلوك الديني والأخلاقي.
النواحي الانفعالية: وتشمل الحالة الانفعالية، ومستوى النضج الانفعالي والثقة في النفس والاتجاه نحو الذات والصراعات والصدمات الانفعالية والأزمات ... إلخ.
تطور النمو: من حيث معدله، ومدى تحقيق مطالب النمو، واضطراباته ومشكلاته.
النواحي العامة: مثل حاجات العميل، وهدف حياته، وأسلوب حياته، وحيل دفاعه النفسي، ومفهومه عن ذاته.
المشكلة: تحديدها وأسبابها وأعراضها وتاريخها ومدى خطورتها، والمحاولات السابقة لحلها، ومشاعر واتجاهات العميل نحوها، والتغيرات التي طرأت عليها.
الملخص العام: ويشمل خلاصات المعلومات المهمة المرتبطة بالمشكلة.
التفسير: ويجب أن يكون دقيقا وعلميا ومعتدلا غير درامي أو كاريكاتيري، مع تجنب التعميمات غير المدعومة، ويستلزم ذلك دراسة البيئة المادية والاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها العميل.
التشخيص: ويحدد فرض التشخيص، أي افتراض لتشخيص قابل للتأكد أو الرفض.
التوصيات: وتشمل الاقتراحات الخاصة بطريقة العلاج العاجل والآجل، وقد تشمل الحاجة إلى معلومات أخرى بوسائل معينة، أو الإحالة إلى أخصائي معين ... إلخ.
المتابعة: وهذه ضرورة لتقدير مدى الإفادة من معلومات دراسة الحالة.
مزايا دراسة الحالة:
تمتاز دراسة الحالة بما يلي:
- تعطي أوضح وأشمل صورة للشخصية، باعتبارها وسائل جمع المعلومات.
- تيسر فهم وتشخيص وعلاج الحالة على أساس غير متسرع، مبني على دراسة وبحث.
стр. 206
- تساعد العميل على فهم نفسه بصورة أوضح، وترضيه حين يلمس أن حالته تدرس دراسة مفصلة.
- تفيد في التنبؤ، وذلك عندما يتاح فهم الحاضر في ضوء الماضي، ومن ثم يمكن إلقاء نظرة تنبؤية على المستقبل.
- لها فائدة كلينيكية خاصة لأنه يحدث خلالها نوع من التفتيش والتطهير الانفعالي، وإعادة تنظيم الخبرات والأفكار والمشاعر، وتكوين استبصار جديد بالمشكلة.
- تسخدم لأغراض البحث العلمي والأغراض التعليمية في إعداد وتدريب المرشدين النفسيين.
عيوب دراسة الحالة:
يؤخذ على دراسة الحالة بعض المآخذ أهمها ما يلي:
- تستغرق وقتا طويلا مما قد يؤخر تقديم المساعدة في موعدها المناسب، وخاصة في الحالات التي يكون فيها عنصر الوقت عاملا فعالا.
- إذا لم يحدث تجميع وتنظيم وتلخيص ماهر للمعلومات، فإنها تصبح عبارة عن حشد من المعلومات غامض عديم المعنى يضلل أكثر مما يهدي.
стр. 207
مؤتمر الحالة CASE CONFERENCE:
يشعر المرشدون في عيادات توجيه الأطفال وفي مراكز الإرشاد النفسي أن مساعدة بعض الحالات تكون أفضل لو تيسر مناقشتها مع الآخرين. ولا شك أن رأي الجماعة أبلغ قيمة من رأي فرد واحد. ولا شك أيضا أن جهد الجماعة التعاوني في جمع المعلومات أبلغ أثرا من الجهد الفردي. وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك تكون عن طريق "مؤتمر الحالة" وهو إن كان يسمى مؤتمرا إلا أنه ليس مؤتمرا بالمعنى الحرفي للكلمة. ولذلك يفضل البعض تسميته "مناقشة الحالة".
ما هو مؤتمر الحالة:
هو اجتماع مناقشة خاصة يضم فريق الإرشاد كله أو بعضه، ويضم كل أو بعض من يهمهم أمر العميل، وكل أو بعض من لديه معلومات خاصة به، ومستعد للتطوع والحضور شخصيا للإدلاء بها والمشاركة في تفسيرها وفي إبداء بعض التوصيات بموافقة العميل.
стр. 208
ويضم مؤتمر الحالة عادة الأخصائي النفسي والأخصائي الاجتماعي والمعلم المرشد، ومن أعضائه البارزين الوالدن، ويضم في بعض الحالات محيل الحالة والمدير وغيرهم، وعادة يتولى إدارته المرشد حتى لا يتحول إلى مجرد جلسة عامة.
أنواع مؤتمر الحالة:
هناك عدة أنواع من مؤتمرات الحالة منها:
مؤتمر الحالة الواحدة: وهو الذي يكون خاصا بحالة عميل واحد.
مؤتمر الحالات: وهو الذي يكون خاصا بدراسة حالة مجموعة من العملاء، كما في حالات المتفوقين أو المتسربين أو ذوي المشكلات العامة الشائعة أو المعوقين وغيرهم.
مؤتمر الأخصائيين: ويضم الأخصائيين في الإرشاد فقط لتبادل الآراء والتعاون في إعطاء الرأس والاستماع إلى التقارير واقتراح التوصيات، وهو بهذا يعتبر بمثابة اجتماع لهيئة الإرشاد بخصوص حالة عميل معين. ويمكن أن يتضمن جدول أعماله دراسة أكثر من حالة واحدة.
مؤتمر الأخصائيين وغير الأخصائيين: ويضم إلى جانب الأخصائيين كل من يهمهم أمر العميل من غير الأخصائيين، وهذا يكون خاصا بحالة واحدة فقط.
مؤتمر المرشد والعميل والوالد: ويضم المرشد والعميل وأحد الوالدين أو كليهما، وهو بهذا يكون مؤتمرا محدودا، ويمكن أن ينضم إليه -بناء على طلبهم وبموافقتهم- أي من أعضاء هيئة الإرشاد أو الآخرين. ويلاحظ أن هذا النوع يؤتي ثمارا في المرحلة الابتدائية أكثر منه في
стр. 209
المرحلة الثانوية والعالية، لأن المراهقين والشباب يفضلون الاستقلال عن الوالدين وبصفة خاصة في حالات التي يكون فيها سوء فهم بين العميل والوالدين، ويفيد كذلك في الرابطة بين الأسرة والمدرسة، ويعتبر نموذجا جديا للاتصال بينهما.
عوامل نجاح مؤتمر الحالة:
يساعد على نجاح مؤتمر الحالة ضمان توافر شروط منها:
عقده في حالات الضرورة فقط: يجب أن يقتصر عقد مؤتمر الحالة على حالات الضرورة التي تحتاج إلى عقده، أي أن هذه الوسيلة ليست عامة بالنسبة لجميع حالات الإرشاد النفسي، فهناك حالات لا تستدعي عقد مؤتمر بشأنها، وهناك حالات يرفض العملاء إعلان حالتهم في مؤتمر. أي أن هناك حالات يمكن اعتبارها "حالة مؤتمر" وحالات أخرى لا تصلح كحالة مؤتمر، ولذلك يجب تحديد الحالات التي تعرض على المؤتمر للمناقشة.
موافقة العميل: يجب الحصول على موافقة العميل على عقد مؤتمر الحالة، فبعض العملاء يأتون للاسترشاد بشروط خاصة منها ألا يعرف أهلهم أو ذووهم أو أقاربهم أو معارفهم أو رؤساؤهم أو أزواجهم، وهؤلاء جميعا لا يجوز عقد مؤتمر حالة بخصوصهم.
مراعاة المعايير الأخلاقية: يجب مراعاة أخلاقيات الإرشاد النفسي الخاصة بأسرار العميل. أي أن المؤتمر يجب أن يقتصر على ما لا يعتبر سرا بالعميل نفسه، فضلا عن تأكيد السرية التامة لكل ما يدور في المؤتمر.
الحضور الاختياري: يجب أن يكون حضور المؤتمرين برضا واختيار ودون إجبار، حتى لا يكون حضورهم مجرد حضور روتيني عديم الجدوى، وهذا يجعل حضور المؤتمر متاحا ومفتوحا أمام المهتمين والمتحمسين لحضوره فقط.
اهتمام الحاضرين: يجب أن يكون الحاضرون مهتمين بحالة العميل. ويجب أن يكونوا فاهمين لطبيعة المؤتمر وهدفه والمطلوب من كل منهم. ويجب التزامهم بالجدية والموضوعية في أحكامهم وتفسيراتهم، والنظر إلى الأمور بفهم وسعة أفق.
الجو غير الرسمي: يجب أن يسود المؤتمر جو غير رسمي، ولكن يجب في نفس الوقت أن يتوافر قدر من المسئولية، إذ يجب أن يكون المؤتمرون لديهم معلومات مهمة وحديثة ولازمة فعلا، ويدلون بها في مسئولية.
مراعاة التخصصات: يجب مراعاة التخصصات المختلفة والخلفيات المتنوعة لأعضاء
стр. 210
المؤتمر، وعدم سيطرة بعضهم على الجلسة، وعدم الاستخفاف بما يدلي به بعض الأعضاء من معلومات أو آراء أو تعليقات أو توصيات.
عقد مؤتمر الحالة:
يتطلب عقد المؤتمر اتخاذ خطوات مهمة هي:
الإعداد: قبل عقد المؤتمر يحتاج الأمر إلى إعداد خاص، فيجب على المرشد تحديد خطة عمل أو جدول أعمال المؤتمر جزئيا، وأن يترك مجالا حرا في نفس الوقت. كذلك يجب أن يتزود المرشد بكافة المعلومات التي تم الحصول عليها بالوسائل الأخرى لاستخدامها عند الحاجة إليها. ويجب أن يتصل بالأعضاء المشتركين لإعلامهم مسبقا بطبيعة المؤتمر وهدفه، ويحدد الزمان والمكان والوقت الذي سيستغرقه المؤتمر. وبالنسبة لأعضاء هيئة الإرشاد، يحسن أن يكون للمؤتمرات يوم دوري محدد لعقدها، بحيث يكون الجميع غير مشغولين في أعمال أخرى، كيوم الخميس مثلا أو بعد وقت العمل الرسمي، حتى تتاح فرصة الحضور للجميع. ويمكن أن يسمى اليوم الذي يحدد "يوم المؤتمر".
الافتتاح: ويفتتح المرشد المؤتمر بشرح هدفه، وتقديم ملخص عام عن الحالة بحرص، بحيث لا يؤثر على أفكار وآراء واتجاهات الآخرين، ويحدد بدقة زمن انعقاد المؤتمر وعلى وجه التقريب الزمن الذي يستغرقه، وهذا مهم جدا حتى لا يطول وتتشعب الموضوعات ويضيع الوقت ويخرج الحاضرون عن الموضوع.
جلسة المؤتمر: وتكون رئاسة جلسة المؤتمر عامة للمرشد، ويرى البعض أن الرئاسة يجب أن تكون بالتناوب بين أعضاء فرق الإرشاد النفسي الذين يشتركون فيه، ويجب أن يعمل المرشد على إشعار كل فرد من أعضاء المؤتمر بأهمية وجوده وضرورته، ويجب ألا يسيطر هو ولا غيره على الأخصائيين على جلسة المؤتمر، ثم يطلب من كل من الحاضرين تقديم معلومات عن العميل ومشكلته وبيئته وتقييم حالته العامة، ويتضمن ذلك ما يتيسر من معلومات شخصية عن العميل وظروفه الأسرية وتطور نموه الشخصي والاجتماعي وتوافقه الشخصي والاجتماعي والانفعالي والمهني ... إلخ، مع تقديم التحليل والتفسير اللازم والتوصيات التي يراها.
الختام: وفي ختام المؤتمر يلخص المرشد كل ما قيل، ويحدد نقاط الاتفاق والاختلاف، ويجمع التوصيات الخاصة بالحالة واللازمة للعمل مع العميل، وفي بعض الحالات قد يحتاج الأمر إلى استيفاء بعض المعلومات من وسائل أخرى مثل الاختبارات والمقاييس، وفي هذه الحالة يعهد إلى الأخصائيين باستيفاء هذه النواحي.
стр. 211
مزايا مؤتمر الحالة:
يمتاز مؤتمر الحالة بما يلي:
- يزود المرشد بمعلومات عن العميل وشخصيته وخاصة المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها من الوسائل الأخرى التي تفيد في مناقشة الفروض المختلفة التي توضع عن الحالة وفي التشخيص وفي عملية الإرشاد نفسها.
- يفيد في تجميع أكبر قدر من المعلومات من مصادر متعددة ومن وجهات نظر مختلفة في وقت قصير، وبذلك يعتبر بمثابة استشارة وتبادل آراء تفيد في الحكم على التقديرات الذاتية لكل من المرشد والعميل.
- يفيد بصفة خاصة في حالة العميل الجديد في المدرسة أو المؤسسة والذي تكون المعلومات الخاصة عنه قليلة.
- يمكن التعرف من خلاله على من يستطيع أن يسهم في عملية إرشاد الحالة من غير أعضاء هيئة الإرشاد.
- يشعر أعضاء المؤتمر أنفسهم بفائدتهم وإسهامهم المشترك التعاوني في مساعدة العملاء، ويؤدي إلى نموهم شخصيا من ناحية الممارسة وتنوع دراسة الحالات والاستفادة بآراء الزملاء والمشاركين، ويتيح فرصة اطلاع كل عضو من أعضاء فريق الإرشاد على أهمية الدور الذي يقوم به كل من زملائه، وبذلك يعتبر نموذجا عمليا لنشاط فريق الإرشاد.
- يساعد في تبني طريقة الإرشاد الخياري، حيث يطلع أعضاء فريق الإرشاد على وجهات نظر مختلفة لكل منها وجاهتها، ويدركون عمليا أنه باختلاف الحالات والمشكلات يجب أن تتنوع طرق الإرشاد.
- يعتبر الوسيلة النموذجية للاتصال بالأسرة وغيرها من مصادر المجتمع الأخرى في الإرشاد النفسي.
عيوب مؤتمر الحالة:
لمؤتمر الحالة بعض العيوب أوضحها ما يلي:
- قد يستغرق وقتا طويلا ويعطي معلومات قليلة.
- قد تأتي المعلومات التي يسفر عنها المؤتمر شتاتا غير منسق وغير متكامل.
- قد لا يتوفر الوقت لدى الكثيرين لحضور المؤتمر مما يهدده بالفشل.
- قد تعوق نظرة بعض العملاء إلى المؤتمر على أنه تدخل الآخرين فيما لا يعنيهم من خصوصيات العميل، وقد يعبرون عن ذلك بأنه "مؤتمر فضائح".
стр. 212
الاختبارات والمقاييس TESTS AND MEASURES:
كل ما يوجد يوجد بمقدار، وكل ما يوجد بمقدار يقاس. كذلك فإن كل ما يمكن أن يقاس من خصائص الأشخاص يوجد فيه فروق فردية بينهم، وينطبق هذا على الذكاء والقدرات والاستعدادات والتحصيل والشخصية والميول والقيم والاتجاهات والتوافق النفسي والصحة النفسية, وهذه كلها معلومات لازمة في الإرشاد النفسي.
ولقد عكف العلماء منذ بداية القرن الحالي على ابتكار الاختبارات والمقاييس النفسية كأدوات مقننة يمكن بها قياس أوجه السلوك المختلفة بصورة علمية، وكثرت وتعددت الاختبارات والمقاييس، وأصبح من الممكن قياس العديد بل معظم الخصائص النفسية للفرد، ففي العقد الأول من هذا القرن بدأ وضع البذور الأولى للاختبارات النفسية. وفي العقد الثاني كان الذكاء هو الخاصية النفسية الوحيدة التي يمكن قياسها موضوعيا، وفي العقد الثالث أصبح من الممكن قياس بعض القدرات. وفي العقد الرابع أضيف قياس الاتجاهات. وفي العقد الخامس أمكن قياس الشخصية، وبعد ذلك كثرت وتنوعت الاختبارات والمقاييس واستخدمت الأجهزة "انظر شكل ٤٣" "دونالد سوبر وجونكرايتز Super & Crites؛ ١٩٦٢".
ولا شك أن الاختبارات والمقاييس تعتبر من أهم وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي.
والقياس النفسي يتطلب الدقة والتحديد للقيم الكمية التي تقدر بها الصفات وتتخذ أساسا للحكم والمقارنة، ويكون القياس وحدات معيارية، وبدون القياس نجد أنفسنا نعالج مجموعة من العموميات ليس إلا "جيرالد كويتز ونورما كويتز Kowitz & Kowitz؛ ١٩٥٩".
وهكذا يجب الاهتمام بدراسة الاختبارات والمقاييس النفسية، والتدريب الكافي على استخدامها، ومتابعة الجديد منها. "سبع أبو لبدة، ١٩٨٧".
أهمية الاختبارات والمقاييس:
مما يبرز أهمية استخدام الاختبارات والمقاييس في الإرشاد النفسي اهتمام الكثير من مراكز وعيادات الإرشاد والمدراس بما يسمى "برنامج الاختبارات والمقاييس"، والذي يتضمن تجهيز عدد متنوع متكامل من الاختبارات والمقاييس الفردية والجماعية في شكل وحدة أو مجموعة أو بطارية، ويقوم الأخصائيون من بين أعضاء هيئة التوجيه والإرشاد بتخطيط البرنامج وإعداده والإشراف على إجرائه وتسجيل نتائجه، وإنشاء وإعداد وتقنين الاختبارات الناقصة والمطلوبة.
стр. 213
وما يوضح أهمية الاختبارات والمقاييس أنه أصبح لها مؤسسات ووكالات خاصة عملها إنشاء وتقنين ونشر وتوزيع الاختبارات والمقاييس والأجهزة النفسية في أنحاء العالم.
كذلك فإن هناك تخصصا في القياس النفسي في أقسام علم النفس في الكليات والجامعات في جميع أنحاء العالم.
شروط الاختبارات والمقاييس:
هناك شروط للاختبارات والمقاييس النفسية الجيدة، وفيما يلي هذه الشروط:
الصدق Validity: أي قياس الاختبار أو المقياس لما وضع أصلا لقياسه. أي أن مقياسا وضع لقياس الذكاء يجب أن يقيس الذكاء ولا يقيس التحصيل مثلا. وهناك طرق لمعرفة صدق الاختبار أو المقياس منها الصدق الظاهري أو صدق المحتوى، كما في حالة اختبار تحصيلي في الحساب وفيه فعلا عمليات ومسائل حسابية، وهناك الصدق الإحصائي أو التجريبي وهو حساب معامل الارتباط بين درجات جماعة من المختبرين على الاختبار ودرجاتهم على اختبار معروف ثبت صدقه وصلاحيته ويعتبر بمثابة ميزان معياري، فمثلا في حالة مقياس جديد للذكاء يعرف مدى صدقه بمعامل ارتباط الدرجات عليه مع الدرجات على مقياس معياري مشهور مثل مقياس ستانفورد بينيه للذكاء.
الثبات Reliability: يقصد به ثبات نتائج الاختبار أو المقياس تقريبا في المرات المختلفة التي يجري فيها على نفس الفرد أو الأفراد، أو إعطاء نفس النتائج تقريبا عندما تجري صور متماثلة أو متكافئة منه ويدرس ثبات الاختبار إحصائيا بحساب معامل الارتباط بين الدرجات التي حصل
стр. 214
عليها أفراد عينة أجرى عليها نفس الاختبار في مرتين مختلفتين يفصل بينهما حوالي أسبوعين. وتسمى هذه الطريقة "إعادة الاختبار" ومن طرق دراسة ثبات الاختبار أيضا طريقة "الصور المتماثلة" وذلك بإعداد صورتين متكافئتين لنفس الاختبار، وحساب معامل الارتباط بين الدرجات عليهما، كذلك تتبع طريقة "التجزئة النصفية" للاختبار إلى وحدات فردية وزوجية مثلا لتكون كل منهما صورة تضم نصف الاختبار، ويحسب معامل الارتباط بين الدرجات عليهما. ويحدد البعض معامل الارتباط ٠.٩٠ كحد مقبول للثقة في ثبات الاختبار. ويعلق نوردبيرج Nordberg؛ "١٩٧٠" على موضوع الثبات قائلا: إن الاختبار هو هو ولا يتغير من مرة لأخرى عندما يجري، وإذا حدث تغيير في النتائج فإن التغيير يعود إلى المفحوصين أكثر مما يعود إلى الاختبار.
التقنين: يقصد به إعداد معايير للاختبار أو المقياس حتى تتحول الدرجات الخام إلى درجات معيارية تمكن من مقارنة العميل برفاق سنه وجنسه وثقافته، وتعتمد المعايير على المتوسطات أو غيرها من مقاييس النزعة المركزية والانحراف المعياري.
الموضوعية: أي أن يكون هناك معنى وتفسير موحد لوحدات الاختبار وأسئلته، يؤدي إلى فهم المقصود منها. ويمكن التأكد من ذلك عن طريق دراسة الوحدات عندما يجري الاختبار تجريبيا للاستطلاع. كذلك تتضمن الموضوعية التخلص إلى أقصى حد ممكن من الذاتية والتحيز الشخصي والاختلاف في التصحيح وتقدير الدرجات وتفسير النتائج.
إظهار الفروق الفردية: يجب أن يكون الاختبار فارقا، أي مظهرا للفروق الفردية ومميزا السهولة والصعوبة وتدرجها وتغطيتها للسمات بحيث تظهر الفروق الفردية، ويمكن معرفة ذلك بدراسة معامل سهولة الوحدات.
سهولة الاستخدام: يقصد بذلك سهولة الإجراء والتصحيح وتفسير النتائج. ويتطلب ذلك أن يكون للاختبار كراسة تعليمات يحدد فيها طريقة الإجراء وأمثلة توضيحية والزمن ومفتاح للتصحيح وجدول المعايير ... إلخ.
تعدد الاختبارات: يجب الاعتماد على أكثر من اختبار واحد في الإرشاد النفسي، لأن الاقتصار على اختبار أو مقياس واحد والاكتفاء به قد يكون مضللا.
الاعتدال في الاختبارات: يجب الاعتدال وعدم التمادي في إجراء الاختبارات، لأن كثرة الاختبارت قد تسبب مقاومة من جانب العميل، من مظاهرها الرفض والكذب والتلفيق، ومن علاماتها أيضا شك العميل في قيمة الاختبارات والمقاييس وفي دلالة نتائجها.
стр. 215
الاحتراس من أثر الهالة Halo Effect: يجب الاحتراس من أثر الهالة عند استخدام الاختبارات والمقاييس وفي التقييم النفسي بصفة عامة، ويقصد بأثر الهالة ميل الفاحص إلى أن يقيم المفحوص متأثرا بفكرة عامة أو انطباع عام عنه على أنه حسن أو رديء أو أعلى من المتوسط أو دون المتوسط. وتؤثر هذه الفكرة العامة أو هذه "الهالة" على تقييم خصائص المفحوص، وتقلل إن لم تقض على فائدة الاختبارات والمقاييس. فمثلا قد يكون العميل تلميذا مختلفا دراسيا، والفكرة العامة عنه أنه "فاشل"، وهذه الفكرة العامة قد تؤثر في تقدير ذكائه فيقدر على أنه أقل من المتوسط على الرغم من أنه قد يكون فوق المتوسط ... وهكذا. "فيليب فيرنون Vernon؛ ١٩٦٤، لوفيل ولوسون، ١٩٧٦، نورمان جرونلوند Gronlund؛ ١٩٨٥".
إنشاء الاختبارات والمقاييس:
يسير إنشاء الاختبار أو المقياس في خطوات نلخصها فيما يلي:
تحديد الهدف أو الأهداف وجانب السلوك المراد قياسه بالضبط، وتحديد جنس وعمر ومستوى ثقافة المراد إجراء الاختبار أو المقياس عليهم.
إعداد وحدات مبدئية تجريبية للاختبار، مع مراعاة مناسبتها للجنس والعمر والثقافة، ومراعاة التوازن بينها إذا كان الاختبار يقيس نواحي متعددة، ويراعى فيها الوضوح.
إعداد صورة تجريبية للاختبار تحتوي ما لا يقل عن ٥٠% من الوحدات زيادة عن عدد الوحدات التي ستتضمنها الصورة النهائية للاختبار.
إجراء تحكيم على الصورة التجريبية بعرضها على الأخصائيين والحكام لنقدها واقتراح التعديلات.
صياغة التعلميات الدقيقة لإجراء الاختبار بحيث تشمل أمثلة توضيحية، ويجهز مفتاح للتصحيح.
إجراء الصورة التجريبية -بعد إدخال التعديلات عليها- على جماعة محدودة من المختبرين في نفس العمر والظروف على سبيل التجربة في دراسة استطلاعية.
تحليل الواحدات إحصائيا من حيث درجة السهولة والصعوبة، وإدخال التعديلات التي أسفرت عنها الدراسة الاستطلاعية للصورة التجريبية.
إعداد الصورة النهائية للاختبار وذلك باختيار أفضل الوحدات على أساس تحليلها السابق وتعليقات الحكام ونتائج الدراسة الاستطلاعية، وتحديد الزمن المناسب.
تحديد معامل صدق ومعامل ثبات الاختبار إحصائيا.
إعداد المعايير لمختلف الأعمار في صورة جداول ورسوم بيانية.