اتخاذ القرارات DECISION - MAKING:
يتحدث بعض الكتاب عن "الإرشاد كعملية اتخاذ قرارات"، وعن عملية الإرشاد اتخاذ القرارات" Decision - making Cases "أوزيبو ووالش Osipow & walsh؛ ١٩٧١".
ونحن نعلم أن كل أنواع السلوك الانعكاسي والغريزي -فيها اختيار بين عدة احتمالات سلوكية. ومن هنا تأتي أهمية اتخاذ القرارات في حياة كل فرد.
إن حق العميل في تحديد أهدافه وفلسفة حياته واتخاذ قراراته بنفسه لنفسه يجب أن يكون مؤكدا. إن الحياة حياته والسلوك سلوكه والقرارات لا بد أن تكون قراراته، وبهذا تكون عملية الإرشاد عملية تعبر عن الديمقراطية في التعامل.
ولقد بدأ الإرشاد النفسي أيام أن كان في مهده قاصرا على الإرشاد المهني وموجها أساسا نحو مساعدة الأفراد في الاختيار المهني أي في اتخاذ قرار مهنة العمر.
ومن المهم أن نعلم أن عملية الإرشاد لا تهدف إلى اتخاذ قرارات معينة، بقدر ما تهدف إلى تعلم العميل كيف يتخذ القرارات بصفة عامة.
ورغم أن المرشد مسئول عن مساعدة العميل على تحقيق أهداف عملية الإرشاد، فإن مسئولية اتخاذ القرارات التي تحدد تحقيق هذه الأهداف تنفيذها هي مسئولية العميل.
стр. 317
أهمية اتخاذ القرارات في عملية الإرشاد:
يمر الفرد في حياته بصفة عامة بسلسلة متصلة من المواقف التي تتطلب اتخاذ قرارات. ومن هذه القرارات ما هو خطير وهام مثل اتخاذ قرار بخصوص الزواج واختيار المهنة وإكمال التعليم واختصاره، وهذه تدخل في مجالات الإرشاد الزواجي والمهني والتربوي على الترتيب. وهكذا يحتاج الفرد العادي إلى تعلم اتخاذ القرارات، والبعض يحتاجون إلى مساعدة بالنسبة لقرارات خاطئة تم اتخاذها.
كذلك يشهد الفرد في حياته فترات انتقال حرجة عليه أن يتخذ فيها قرارات هامة، مثل انتقاله من المدرسة الإعدادية إلى المدرسة الثانوية في أي اتجاه يسير. وعند انتقاله من المرحلة الثانوية إلى التعليم العالي فأي تخصص يختار ... وهكذا.
وهناك الكثيرون من الأفراد يلاقون صعوبات، ويحتاجون إلى مساعدة في عملية اتخاذ القرارات، ومن هؤلاء من تنقصهم المعلومات التي يحتاجون إليها. ومنهم من يعرفون معلومات لا يحتاجون إليها، ومنهم من يعجزون عن استخدام المعلومات التي يحصلون عليها، ومنهم من يتسم سلوكه بالتردد عن الاختيار بين الاحتمالات المتعددة، وقد يصل الحال إلى درجة الصراع الذي قد يكون صراع إقدام إقدام لاختيار أحد قرارين كلاهما جذاب، كاختيار فتاة بين قرار الزواج أو قرار العمل، وقد يكون صراع إحجام وإحجام لاختيار بين قرارين متعلقين بخبرتين منفرتين كاختيار موظف بين الاختلاس أو الإفلاس، وقد يكون صراع إقدام وإحجام لاتخاذ قرار حاسم في حالة وجود موقفين أحدهما جذاب والآخر منفر مثل قرار الزواج من حسناء منحرفة.
وفي كل هذه الحالات لا بد من حل الصراع واتخاذ قرار.
ويضاف إلى ذلك أن من القرارات ما يجب أن يكون سريعا وحاسما، ومنها ما يتورط فيه الفرد متسرعا، ومنها ما يكون موفقا وناجحا، ومنها ما يكون خاطئا، ومنها ما يؤدي إلى الشعور بالذنب والندم، ومنها ما لا تظهر آثاره إلا بعد عدة سنوات.
عملية اتخاذ القرارات:
عملية اتخاذ القرارات هي في جوهرها مساعدة المرشد للعميل في تيسير الخطوات التي تمكن من وصول العميل إلى قرارات مناسبة، واتخاذ قراراته، بنفسه، وتحمل مسئولية القرارات التي يتخذها، وهذا كما نعلم مطلب أساسي من مطالب النمو النفسي السوي.
وفي عملية الإرشاد كعملية تعلم، ذكرنا أنه يجب تعليم العميل مهارة اتخاذ القرارات، ومساعدته في اتخاذ القرارات التي تعثر في اتخاذها أو أخفق فيها أو أخطأ فيها، بحيث يستطيع القيام بذلك مستقلا مستقبلا.
стр. 318
وتمر عملية اتخاذ قرار بخطوات هي: تحديد الهدف وفهمه، وتجميع المعلومات اللازمة للاستكشاف والاختيار، وتحليل ومناقشة وتفسير المعلومات وتحديد البدائل والاحتمالات، وتقييم البدائل والاحتمالات في ضوء التنبؤ بالنتائج والآثار المحتملة بالنسبة لتحقيق الهدف، واختيار أنسب الاحتمالات أي اتخاذ القرار "جاكسون، وجونيبر Jackson & Juniper؛ ١٩٧١".
العوامل التي تؤثر في اتخاذ القرارات:
تتأثر عملية اتخاذ القرارات بعدة عوامل منها: شخصية الفرد، والبيئة المادية التي يعيش فيها، والعوامل الاجتماعية والثقافية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الدوافع والقيم والميول والمعايير الاجتماعية تؤثر في اتخاذ الفرد قرارا بخصوص الزواج أو قرارا بخصوص المهنة أو قرارا بخصوص التعليم.
كذلك فإن عملية اتخاذ القرارات تتضمن مواقف تضم نوعين من المتغيرات: أولهما يتعلق بالفروق بين الأفراد، وثانيهما يتعلق بالفروق بين الاختيارات المحتملة.
стр. 319
حل المشكلات PROBLEM SOLVING:
ذكرنا أن من أهم أهداف عملية الإرشاد حل مشكلات العميل، وذلك بأن يساعده المرشد على إيجاد الحلول واقتراحها بنفسه ويتحدث بعض الكتاب عن "الإرشاد كعملية حل المشكلات".
ويتصور بعض العملاء أن مشكلاتهم حلها عسير، ويجب أن يعمل المرشد على تشجيعهم ومساعدتهم لبذل الجهود لحلها١.
ومن المهم أن نعرف أن عملية الإرشاد لا تهدف إلى حل مشكلات العميل التي جاء بها فحسب، ولكنها تهدف إلى تعليمه كيف يحل ما قد يطرأ عليه من مشكلات مستقلا مستقبلا، وهكذا نجد أن عملية الإرشاد تتطلع إلى المستقبل إلى جانب اهتمامها بالحاضر.
стр. 320
أسلوب حل المشكلات:
يمكن اعتبار حل المشكلات التي جاء بها العميل كنموذج أو عينة أو تدريب له لكي يستطيع حل مشكلاته بنفسه مستقلا مستقبلا، مستفيدا بخبرة عملية الإرشاد، وقد ذكرنا أن المرشد لا يحل للعميل مشكلته ولا يقدم له حلولا جاهزة، ولكنه يساعده في حل المشكلة بنفسه، ويتبع لتحقيق ذلك ما يلي:
- بعد التشخيص وتحديد المشكلة، يبدأ العمل في حصرها والسيطرة عليها وحلها.
- تدرس المشكلة طولا وعرضا وعقما من كل أبعادها وتفهم جيدا، وتقتلع أسبابها من جذورها، وتزال أعرضها، لأننا إذا أزلنا الأعراض تركنا الأسباب والجذور فسوف تنمو مشكلات جديدة.
- يتم استعراض المحاولات السابقة لحل المشكلة وأسباب إخفاقها ومدى النجاح الذي تحقق.
- يوجه المرشد العميل إلى اقتراح عدد من الحلول الرئيسية والحلول البديلة الاحتياطية، بحيث تكون هذه الحلول ممكنة ومقبولة اجتماعيا ومشبعة للعميل.
- تحديد الحلول المرتضاة وترتب حسب الأولية، وتوضع الخطط لتنفيذها.
- يحرص كل من المرشد والعميل على التأني وعلى تجنب الحل المبكر غير الناضج للمشكلة.
- يقوم المرشد بالمساعدة فقط، ويحرص على توجيه كل شيء نحو الوصول إلى حل المشكلة مع الاحتياط خشية تورط العميل في اقتراح حلول واضح أنها غير موفقة أو خاطئة أو ضارة به أو بالآخرين، ويحاول المرشد تشجيع العميل على المحاولة حين يظن أنه لا يقدر، وعلى التعلم حين يقول أنه لا يعرف، وعلى التجريب إذا تعلل بأن الحل مستحيل. ومثل المرشد هنا مثل المعلم الذي يعلم شخصا قيادة سيارة، إنه يجلس بجواره فقط، والذي يقود السيارة فعلا هو الشخص الذي يتعلم القيادة، وقد يخطئ أخطاء طفيفة يلفت المعلم نظره إليها، ولكنه إذا أقبل على خطأ جسيم فهنا يتدخل معلمه فورا لتفادي حدوث الخطر.
- يقوم العميل بتنفيذ الخطة الموضوعة لحل المشكلة، وهو مسئول عن هذا١.
وجدير بالذكر أن بعض العملاء قد يضعون شروطا لحل المشكلة تكون بمثابة العقدة في المنشار وتعوق العملية، ويجب أن يذكرهم المرشد أنه "لا شروط" في عملية الإرشاد.
стр. 321
التشاور:
يعتبر البعض -خاصة من أنصار طريقة الإرشاد المباشر- أن المرشد "خبير" نفسي يجب أن يفيد العميل من خبراته وتجاربه وخاصة إذا كان العميل تنقصه الخبرة والتجربة، والمرشد بهذا يكون أكثر إيجابية، وعليه أن يقدم المشورة بخصوص ما يجب أن يتبعه العميل في حل مشكلته مثلا.
وينظر البعض إلى المرشد على أنه "حكيم" يتوقعون منه تقدم النصح Advice Giving للعميل، أو على الأقل الإسهام بقدر من الاقتراحات ويقولون إنه من النادر أن نجد مرشدا لا يقدم نصائح أو اقتراحات على الأقل بطريق غير مباشر أو غير صريح.
ويتناول البعض إجراء التشاور على أنه تشاور بين الأخصائيين فقط بخصوص العميل. وهذا التشاور يتضمن التعاون وتبادل المعلومات والتخطيط المشترك من أجل مصلحة العميل "نيلسون Nelson؛ ١٩٧٢".
بين التشاور وتقديم النصح:
تقديم النصح من جانب المرشد في عملية الإرشاد يكون غير مباشر وغير إجباري وغير ملزم للعميل. وبهذا المعنى يقرب النصح من المشورة.
وهنا فرق بين النصيحة التي تأخذ شكل الاقتراح، وبين النصيحة التي تحمل معنى الأمر. فالعميل إذا أدرك النصيحة على أنه مجرد اقتراح يقدمه المرشد فلا بأس، أما إذا اعتبرها أمرا، فقد يفسر ذلك بأن المرشد لا يقيم له ولا لرأيه وزنا. وقد لا يستطيع العميل تنفيذ النصيحة، فيعتبر ذلك مخالفة وعصيانا، وقد لا يقبل النصيحة، فيظن ذلك رفضا يغضب المرشد، وقد ينفذها قسرا وبدون اقتناع، وهذا -لا شك- أمر غير مرغوب.
ويعارض البعض تقديم النصح حتى لو كان في ضوء خبرة المرشد، وحتى لو كانت خبرات الماضي تعلم الكثير وتثري الحاضر وتنير المستقبل، ويقولون إن ظروف الحاضر ومشكلاته تختلف عن ظروف الماضي ومشكلاته، وأن حلا كان مرغوبا ومجديا فيما مضى قد يكون غير مرغوب في الحاضر، وأن ما ناسب الكثيرين من العملاء ربما لا يناسب العميل الحالي، ويؤكد هؤلاء استنكارهم لتقديم النصح المباشر على أساس أنه يقحم آراء المرشد واتجاهاته وقيمه وأخلاقياته على آراء العميل واتجاهاته وقيمه وأخلاقياته.
وصحيح أن عملية الإرشاد لا تخلو من الاسترشاد من جانب العميل "المسترشد"، وقد ينطوي ذلك على الاستنصاح، أي طلب النصح والرأس والمشورة. وهنا يجب أن يقدم المرشد
стр. 322
النصح في شكل اقتراحات وبطريقة "خذها أو اتركها" بحرية تامة وبدون أن يحدد بالضبط ما يجب وما لا يجب أن يعمله العميل، بحيث تكون العملية أقرب إلى التشاور المشترك وتبادل الآراء، وأبعد ما تكون عن الأمر والإجبار، ويلى ذلك دراسة وفحص لما أسفر عنه التشاور، وفي حالة الإقناع يكون التنفيذ١.
стр. 323
التقييم EVALUATION:
يقصد بالتقييم هنا: تقييم عملية الإرشاد النفسي في ضوء نتائجها وآثارها، وتعرف عملية التقييم بأن تقدير نتائج الإرشاد وظروف عملية الإرشاد وجهود كل من المرشد والعميل. ويود المرشد عادة أن يعرف مدى نجاح عملية الإرشاد، وإلى أي حد أثمرت وآتت أكلها.
ويشترك في تقييم عملية الإرشاد كل من المرشد وزملائه والعميل. وقد يشترك معهم بعض الأخصائيين الآخرين والوالدين وحتى الرفاق ومن يهمهم أمر العميل.
والعبرة في عملية التقييم هو الوصول إلى تقدير كيفي لقيمة عملية الإرشاد، أكثر من مجرد تقييم كمي لما يحدث من تغيير نتيجة لها.
أهداف التقييم:
تتلخص أهداف تقييم عملية الإرشاد فيما يلي:
- الكشف عن مدى فعالية ونجاح العملية في تحقيق أهدافها.
- تقرير مدى فعالية طريقة الإرشاد المستخدمة.
- تحديد أفضلية طريقة من طرق الإرشاد على الطرق الأخرى.
- دراسة مدى نمو شخصية العميل ومدى التغير الذي طرأ على حالته ومدى توافقه النفسي وتمتعه بالصحة النفسية.
معايير التقييم:
لا بد لتقييم عملية الإرشاد من معايير أو موازين أو محكات يتم الحكم على العملية في ضوئها.
стр. 324
ومن معايير التقييم ما يلي:
- تحقيق أهداف عملية الإرشاد مثل تحقيق الذات، وحل مشكلة العميل، وتحقيق التوافق النفسي.
- شعور العميل بالراحة والسعادة والرضا والتغير والنمو إلى أفضل في شخصيته وميوله واتجاهاته "انظر جودشتين وجريج Goodstein & Grigg؛ ١٩٥٩".
أهمية التقييم:
تقييم عملية الإرشاد النفسي إجراء هام وضروري، وتكمن أهمية تقييم عملية الإرشاد فيما يلي:
- طمأنة المرشد على نجاح العملية وعلى فعالية طريقة الإرشاد المتبعة.
- إفادة المرشد في تحسين العملية إذا كان نجاح العملية متوسطا.
- توجيه المرشد إلى تغيير الطريقة أو الأسلوب الإرشادي في حالة تعثر العملية.
- تعريف المرشد بالمدى والشوط الذي قطعه ومقدار ما تبقى.
متغيرات التقييم:
عادة تكون نتيجة عملية الإرشاد إلى أحسن، وأحيانا قد تكون إلى أسوأ، أي أنها قد تنجح أو قد تفشل بدرجات متفاوتة، وبعبارة أخرى قد يكون التحسن كبيرا أو قليلا، ثابتا أو مؤقتا، حقيقيا أو ظاهريا. ومن الملاحظ أن مرشدا معينا قد ينجح في عمله مع نوع معين من العملاء في ظروف معينة، بينما قد يفشل مع نوع آخر من العملاء في ظروف أخرى "وولف Wolf؛ ١٩٧٠" ويتوقف هذا على متغيرات منها:
المرشد: وتدريبه وخبرته واتجاهاته ومهاراته وأخلاقياته وشخصيته ... إلخ.
العميل: ومدى إقباله واستبصاره وتكامل شخصيته.
المشكلة: ونوعها وعمقها ومدتها، وحدتها.
- ظروف عملية الإرشاد: مثل الزمان والمكان وتوافر المعلومات والوسائل.
- طريقة الإرشاد: ومدى كفاءتها وتمرس المرشد في استخدامها.
مضمون عملية التقييم:
أما عن مضمون عملية التقييم فنجد أنها تشمل:
تقييم عملية الإرشاد نفسها: حيث يكون التركيز على تقييم طريقة الإرشاد.
стр. 325
تقييم نتائج عملية الإرشاد: حيث يكون التركيز على تقييم سلوك العميل وتوافقه النفسي وصحته النفسية أثناء وبعد تمام العملية.
طرق ووسائل التقييم:
تتراوح طرق ووسائل تقييم عملية الإرشاد بين الموضوعية الدقيقة التي تستخدم فيها الأساليب الإحصائية إلى الذاتية والتقريبية، وبين طرق التقييم الخارجي إلى طرق التقييم التي يقوم بها المرشد والعميل ... وهكذا. وفيما يلي أهم طرق ووسائل عملية التقييم:
التقييم التجريبي: ويتم عن طريق الدراسة التجريبية لنتائج عملية الإرشاد أو طريقة الإرشاد المستخدمة بمقارنة جماعة تجريبية "مرت بعملية الإرشاد" وجماعة ضابطة "لم تمر بعملية الإرشاد" وعادة ما تختار الجماعة الضابطة من بين الأفراد الذين حالت بينهم وبين استئناف عملية الإرشاد أسباب معينة، ويجب في هذه الحالة الاحتياط بخصوص عدة اعتبارات منها أن التغيرات التي تحدث بعد عملية الإرشاد قد تكون سطحية وغير جذرية، مؤقتة وليست دائمة، وقد يكون التحسن بطيئا لا تظهر آثاره السلوكية إلا بعد فترة قد تطول بعد عملية التقييم نفسها، وقد تكون المتابعة اللازمة لعملية التقييم بعد إنهاء العملية صعبة، وقد يكون التحسن الذي يطرأ على حالة العميل تحسنا تلقائيا Spontanious Recovery يرجع لعوامل أخرى غير عملية الإرشاد نفسها.
التقييم العام: ويستخدم في عملية التقييم العام وسائل عدة. وعادة ما يجري المرشد بعض الاختبارات قبل إجراء العملية وهو يقوم بفحص ودراسة الحالة وتعتبر بمثابة اختبارات قبلية Pre-tests، بعد عملية الإرشاد يعيد إجراء نفس الاختبارات، وتعتبر بمثابة اختبارات بعدية Post-tests، ويكون الفرق بين النتائج في الإجراء الأول والإجراء الثاني هو دليل التغير، ويعبر عن نتائج عملية الإرشاد "إوينج Ewing؛ ١٩٦٤". ومن وسائل التقييم العام ما يلي:
- التقارير الذاتية Self - reports وهذه التقارير يكتبها العميل بنفسه عن مدى تقدم حالته إما دوريا أو في نهاية العملية. ونحن نعلم أنه ليس هناك من هو أعرف بالعميل من نفسه، إن هو الذي يعرف بالضبط مدى اضطرابه السابق ومدى ما تحقق من تقدم نتيجة لعملية الإرشاد.
- مقاييس التقدير Rating Scales وتتضمن معلومات وبيانات عن الشخصية والسلوك والمشكلات وتحتها مقاييس تقدير مدرجة، ويقدر العميل مدى التغيير على درجات هذه المقاييس.
стр. 326
- تقدير الذات التصنيفي: Self - rating Q- sort وفيه يصنف العميل عددا من البطاقات التي تحوي أعراض المشكلة أو الاضطراب أو المرض النفسي مرتين: الأولى قبل العملية والثانية بعدها، ويصنف العميل البطاقات إلى ما ينطبق عليه وما لا ينطبق عليه وما يقع بين بين، أو يصنفها إلى ما كان ينطبق عليه قبل العملية وما لا يزال ينطبق عليه بعدها وما يقع بين بين، ويحسب معامل الارتباط بين التقديرين التصنيفيين، ويعتبر دليلا على مدى نجاح العملية "انظر حامد زهران، ١٩٨٤".
- قوائم المراجعة Check Lists: وتضم أهداف عملية الإرشاد متجمعة في شكل قائمة يراجعها العميل ويحدد أمام كل منها: هل تحقق الهدف أم لم يتحقق. وقد تضم أيضا أعراض الاضطرابات النفسية ليحدد العميل ما زال منها وما لا يزال ... وهكذا.
- اختبارات التشخيص النفسي Diagnostic Tests: وتحوي أعراض وزملات أعراض المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية، وتجري على العميل قبل وبعد العملية وتقارن نتائجها "راجع الفصل الخامس".
- الوسائل الإسقاطية Projective Techniques: مثل اختبار بقع الحبر لرورشاخ واختبار تفهم الموضوع للكبار والأطفال واختبارات تكملة الجمل وغيرها "راجع الفصل الخامس". ويلجأ المرشد إلى استخدامها في التقييم بإجرائها قبل وبعد إجراء العملية، على أساس أن العميل لا يعرف عادة معنى استجاباته مما يقلل من أثر ذاتية، وهي تكشف عن مدى التغير الذي حدث في بناء الشخصية.
- ملاحظة السلوك ويكون هذا في مواقف متنوعة في الحياة اليومية الواقعية أو في مواقف قريبة الشبه منها. وفيها تتم ملاحظة السلوك ووصفه وصفا بسيطا وموضوعيا بقدر الإمكان. ويحسن أن يقوم بالملاحظة عدد من الملاحظين تحقيقا لأكبر قدر ممكن من الموضوعية، ويهتم الملاحظ طبعا بالتغيرات السلوكية الواضحة التي حدثت نتيجة لعملية الإرشاد.
- اختبار تمايز معاني المفاهيم The Semantic Differential: وهو أسلوب يمكن استخدامه لتقييم المفاهيم الهامة في عملية الإرشاد النفسي مثل: المرشد، العميل، عملية الإرشاد، عيادة الإرشاد ... إلخ، على ثلاثة أبعاد هي: التقييم العام "حسن، رديء" والنشاط "نشط، خامل" والقوة "قوي، ضعيف" "انظر حامد زهران، ١٩٨٤".
صعوبات عملية التقييم:
يكتنف عملية التقييم بعض الصعوبات منها ما يلي: "انظر هيرمان بيترز وبروس شيرتزر Peters & shertzer؛ ١٩٦٩".
стр. 327
- نقص الوقت والجهد والمال اللازم لإجرائها على الوجه الأكمل.
- عدم التحديد الواضح لأهداف عملية الإرشاد في شكل سلوك إجرائي محدد يمكن قياسه.
- الخلط بين أهداف الإرشاد النفسي بصفة عامة وبين أهداف عملية الإرشاد بالنسبة لكل عميل على حدة.
- الخلط بين الوسائل والغايات، وبين العملية ونتائجها.
- عدم ضبط العوامل والظروف الأخرى التي تؤثر في حالة العميل ومشكلته.
стр. 328
الإنهاء TERMINATION:
يقول سكوت ميير وسوزان دافيز Meier & Davis؛ "١٩٩٣" إن إنهاء عملية الإرشاد يجب التخطيط له منذ بدايتها.
وعندما تتوالى الجلسات الإرشادية، ويتم اكتشاف الذات، والتداعي الحر، والتفسير، والتنفيس الانفعالي، والاستبصار، والتعلم، وتعديل وتغيير السلوك، والنمو وتغير الشخصية، واتخاذ القرارات، حل المشكلات، والتشاور، وعندما يدل تقييم عملية الإرشاد على نجاحها تنتهي العملية.
إن زمن عملية الإرشاد غير محدد، فقد تنتهي العملية في جلسة واحدة وقد تستغرق أسبوعا وقد تستغرق شهرا وقد تمتد إلى سنة أو أكثر. وهكذا فإن عملية الإرشاد والعلاقة الإرشادية قد تقصر أو تطول، وهي مهما طالت فهي عملية إرشاد وعلاقة مهنية مؤقتة لا بد أن تنتهي ويمضي بعدها كل في طريق. ويتوقف الزمن الذي تستغرقه عملية الإرشاد على عدة متغيرات منها: نوع المشكلة، وحدتها، وشخصية وتجاوب العميل، والمرشد وطريقته في الإرشاد.
وباختصار، يتحدد إنهاء عملية الإرشاد بتحقيق أهدافها، وشعور العميل بقدرته على الاستقلال والثقة بالنفس والقدرة على حل مشكلاته مستقلا ومستقبلا، وشعوره العام بالتوافق والصحة النفسية.
عوامل نجاح إنهاء عملية الإرشاد:
يحتاج إنهاء عملية الإرشاد إلى مهارات خاصة كما احتاج بدؤها وإنجازها، إنها ليست كعملية علاج طبي سريع تنتهي بشكرا ومع السلامة والسلام.
إن إنهاء عملية الإرشاد والعلاقة الإرشادية أمر يكون في بعض الأحيان صعبا أو مؤلما، فقد كانت العلاقة الإرشادية الناجحة قوية وذات أهمية لدرجة أن بعض العملاء لا يودون إنهاءها، وقد يعبر عن ذلك عودة بعض الأعراض في هذا الوقت بالذات -بعد أن تكون
стр. 329
قد زالت- كاعتراض داخلي على عملية الإنهاء أو بسبب الخوف من جراء ترك العون الذي كان العميل يحصل عليه عن طريق العملية الإرشادية، وأحيانا تكون العلاقة قد أصبحت هامة وقوية لدرجة أنها قد تستمر بعد العملية كعلاقة اجتماعية، وبينما يكون هذا ممكنا، إلا أنه قد يكون محاطا بمخاطر منها أن زيادة الانفتاح والتفاعل الاجتماعي مع العميل قد تؤدي إلى فشل عملية الإرشاد، لأنه كما سبق أن ذكرنا يجب أن يستقل العميل عن المرشد. ونحن نعلم أن غالبية المرشدين والمعالجين النفسيين يفضلون ألا يرشدوا أو يعالجوا أصدقاءهم أو أفراد عائلاتهم.
ويجب لفت نظر العميل إلى أنه سيكون هناك عملية متابعة، للتأكد من تمام الشفاء والسعادة، وأن باب المرشد سيظل مفتوحا أمامه، وأنه يستطيع أن يعود في أي وقت يشعر فيه بالحاجة إلى الاستشارة النفسية.
стр. 330
المتابعة Follow-Up:
يقصد بالمتابعة تتبع مدى تقدم وتحسن حالة العميل الذي تم إرشاده. وهي متابعة منظمة لما تم إنجازه أثناء عملية الإرشاد، مثل ما اتخذ من قرارات وما اختير من حلول وما رسم من فلسفة للحياة العملية. أي أن موضوعها هو: ماذا بعد عملية الإرشاد؟
ويجب أن نعرف أن المتابعة جزء لا يتجزأ من عملية الإرشاد، وبدونها تكون عملية الإرشاد ناقصة.
وتهدف المتابعة إلى التأكد من استمرار تقدم الحالة، وتلمس أي فرص أكثر للمساعدة، وتحديد مدى أثر وقيمة ونجاح عملية الإرشاد، وتحديد نسبة التقدم، ومدى استفادة العميل من الخبرات الإرشادية.
أهمية المتابعة:
هناك اعتبارات كثيرة تؤكد أهمية وضرورة المتابعة منها:
- قد تحتاج بعض الخطط المتفق عليها لتعديل السلوك إلى إجراء بعض التعديلات أو الانتفاع بمدى معين من الإنجاز.
- قد يحتاج العميل إلى مزيد من المساعدة والتشجيع بين الحين والحين.
- ضرورة الاحتراس ضد الانتكاس، وهذا أمر قد يحدث وخاصة في الحالات التي يكون فيها حل المشكلة أو الشفاء ظاهريا أو وقتيا، أو قد يطرأ في المجال الاجتماعي الذي يعود إليه
стр. 331
العميل أسباب جديدة وقوية للاضطراب، فربما تحدث نكسة ويعود العميل إلى ما كان عليه أو ربما إلى أسوأ في حالات نادرة.
- الاستفادة من المتابعة في تقييم عملية الإرشاد نفسها، ولهذا قيمته العلمية والعملية الواضحة.
وسائل المتابعة:
من وسائل المتابعة ما يلي:
- الاتصال شخصيا أو تليفونيا أو بالمراسلة للاستفسار والسؤال. وهذا من أسباب الاحتفاظ بعنوان ورقم تليفون العميل إن وجد.
- تحديد مواعيد معينة لحضور العميل إلى عيادة أو مركز الإرشاد لفترة محددة، تزداد الفترة بين كل مرة وأخرى إلى أن ينتهي الاتصال بعد التأكد من تمام الشفاء، كأن يتم الاتصال مرة كل شهر أو شهرين أو ثلاثة أو ستة أشهر حسب الحالة أو حسب الاتفاق أو حسب ما يرى المرشد وحسب ظروف العميل، فقد تكون الموصلات صعبة أو بعيدة ... إلخ.
- قد يستخدم بعض الوسائل المستخدمة في تقييم عملية الإرشاد مثل التقارير الذاتية التي يكتبها العميل عن تطور حالته.
- قد يمتد الاتصال للمتابعة إلى الأسرة أو المدرسة أو مكان العمل في بعض الحالات حسب موافقة العميل.
فوائد المتابعة:
للمتابعة فوائد كثيرة منها: أنها تشعر العميل أن المرشد ما زال يهتم به، وأنه لم يتخل عنه، وأن بابه سيظل مفتوحا وصدره سيبقى رحبا، وأنه دائما على استعداد لتقديم أي مساعدات إذا تتطلب الأمر.
إلا أن الحال لا يكون كذلك لدى كل العملاء، فالبعض -وهم لحسن الحظ قلة- ينظرون إلى المتباعة على أنها نوع من المطاردة غير المرغوبة، تخرج عن حدود عملية الإرشاد، وهذا هو السبب في تأكيد أهمية لفت نظر العميل إلى عملية المتابعة في بداية عملية الإرشاد.
стр. 332
طوارئ عملية الإرشاد النفسي:
في أغلب الحالات: تمر عملية الإرشاد النفسي في سلام، وتحقق أهدافها، وتنتهي على
стр. 333
وفي بعض الأحيان: قد تتعرض عملية الإرشاد لبعض الطوارئ التي تعوقها أو تهددها أو توقفها أو تسبب فشلها فعلا، ومن هذه الطوارئ: المقاومة، والتحويل، والإحالة.
وقبل الكلام عن هذه الطوارئ المحتملة نلفت النظر إلى أهمية الوقاية ضد حدوثها.
المقاومة Resistance:
المقاومة قوة لا شعورية مضادة للعملية الإرشادية من جانب العميل. وتعرقل سير عملية الإرشاد. وهي تعتبر إحدى حيل الدفاع النفسي لدى العميل ضد كشف المكبوتات غير المرغوب في كشفها. أي أنها نوع من التغليف الدفاعي للذات Encystment of the Self.
وتهدف المقاومة إلى الحيلولة دون ظهور المواد المكبوتة في اللاشعور إلى حيز الشعور. وتهدف كذلك إلى مقاومة التغير الذي يحث نتيجة لعملية الإرشاد "ميرل أولسين Ohlsen؛ ١٩٧٠".
وتظهر المقاومة بصفة خاصة عند العميل غير المقبل على عملية الإرشاد وغير المتعاون أو ما يطلق عليه "العميل المقاوم".
ومن أسباب ظهور المقاومة ما يلي:
- كراهية بعض العملاء لأن يكونوا "عملاء" أو "مرضى" نفسيين.
- وجود مكبوتات بغيضة أو مخيفة أو محرمة أو مخجلة، أو إذا كان ظهورها في حيز الشعور لا يقبله العميل مثل الخبرات الجنسية والعدوان ضد الوالدين أو غيرهما.
- وجود مكاسب ثانوية يجنيها العميل من وراء اضطرابه، ويخشى خسران هذه المكاسب لو حلت مشكلاته وزال اضطرابه وشفي.
- وجود رغبة مرضية في المعاناة والبقاء في حالة الاضطراب رغبة من العميل في تحطيم ذاته لا شعوريا.
- حدوث التحويل الانفعالي السلبي العدواني وفقدان الاهتمام بالعملية الإرشادية وسيرها.
وتتعدد مظاهر المقاومة: فقد تكون سلبية أو نشطة، سافرة أو مستترة، ومن أهم مظاهرها وعلامات حدوثها ما يلي:
- الامتناع عن الإفضاء بأي أفكار للمرشد أو الإفضاء بأفكار ظاهرية.
- الانصراف عن المرشد وعدم الرغبة في الإصغاء إليه، وعدم الرغبة أو عدم القدرة على التعاون مع المرشد لتحقيق هدف عملية الإرشاد.
стр. 334
- الكلام بصوت غير مسموع أو الصمت الطويل.
- البطء أو التوقف أثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق.
- توجيه أسئلة غير مناسبة للموضوع لتحويل مسار التداعي الحر.
- الاسترسال في موضوع واحد دون غيره واللف والدوران حوله، التهرب من الكلام عما سواه من الموضوعات.
- الاكتفاء بالكلام عن الحقائق فقط والاحتفاظ بما عدا ذلك.
- إعداد ما يراد قوله في شكل مذكرات حرصا على عدم ظهور أو تسرب أي شيء غير مرغوب التحدث عنه.
- اللجلجة وفلتات اللسان وتصحيح ما يقوله.
- الملل والضيق وظهور علامات القلق مثل اللعب في الملابس وإجراء الجسم والرسم الكتابة العفوية والروتينية الرتيبة، والميل إلى النوم.
- النسيان، والإنكار، والتبرير، والغموض.
- معارضة المرشد وعدم الموافقة على تفسيراته والنضال ضدها، ومحاولة إثبات أن المرشد مخطيء.
- منافسة المرشد في ميدان عمله وادعاء المعرفة.
- الموافقة المفرطة على كل ما يقوله المرشد دون نقاش.
- التشكيك في قيمة عملية الإرشاد وإبراز نواحي القصور فيها، وإنكار الحاجة إليها.
- الحضور متأخرا إلى جلسات الإرشاد أو تناسي مواعيدها، أو الاعتذار عنها.
- التظاهر بالشفاء أو "الهروب إلى الصحة".
ويجب على المرشد مقاومة المقاومة بمرجد ظهورها. إن المواد والخبرات المؤلمة والأفكار والرغبات والصدمات الانفعالية التي تعترض المقاومة ظهورها لها دلالة خاصة في حياة العميل وارتباط وثيق بمشكلاته الأساسية، ومن ثم فلها أهمية خاصة عند المرشد. والمقاومة تمنع العميل من فهم مشكلاته، ومن هنا تأتي ضرورة وأهمية مقاومة المقاومة أو ما يسمى تحليل المقاومة Resistance Analysis وذلك بالعمل على كسر حدتها وإضعافها والقضاء عليها ولفت نظر
стр. 335
العميل إليها وإلى أسبابها ومظاهرها، وتوضيح وشرح أضرارها وكيف أنها تحول دون الوصول إلى أسباب مشكلاته ومواجهة خبراته العنيفة وجها لوجه، ويعتبر التفسير والشرح -في مناخ نفسي دافئ فاهم متقبل- هو الأداة الرئيسية لمقاومة المقاومة تدريجيا. ويفيد التدرج في إظهار الخبرات الأليمة والصادمة والخاصة وعدم البدء بها في مراحل عملية الإرشاد المبكرة. ويساعد على مقاومة المقاومة كذلك المشاركة الانفعالية للعميل ومساندته في الانتقال من جانب المقاومة عبر مرحلة تكافؤ إلى جانب مسايرة التغير، ويمكن استغلال التحويل الانفعالي من جانب المقاومة عبر مرحلة تكافؤ إلى جانب مسايرة التغير. ويمكن استغلال التحويل الانفعالي الموجب أي ميل العميل وحبه للمرشد في تحليل المقاومة والتغلب عليها, هكذا يبذل المرشد كل المحاولات ويطرق كل السبل إلى أن تتحول المقاومة إلى تعاون يؤدي إلى الاستبصار وفهم النفس ومتابعة عملية الإرشاد، مع ضرورة إفهام العميل أنه ما زال -رغم ظهور المقاومة- مقبولا وأن المرشد يفهم هذه الأمور وأنها لم ولن تؤثر عليه ولا على عملية الإرشاد.
ومرة أخرى يلاحظ أنه في بعض الأحيان قد يبذل العميل جهودا لا شعورية في مقاومة تحليل المقاومة، وهذه حلقة جديدة من المقاومة، فالعميل قد يعتبر جهود المرشد لمقاومة مقاومته وتحليلها بمثابة هجوم شخصي عليه يزيد قلقه، وهذا يدعو إلى مزيد من المقاومة، وهنا مرة أخرى يجب أن يصر المرشد على الاستمرار في تحليل المقاومة والتغلب عليها حتى تستمر عملية الإرشاد نحو تحقيق أهدافها.
هذا وقد يعتقد البعض أن ظهور المقاومة قد يضايق المرشد ويشعره بالإحباط، ولكن المرشد الخبير يعرف أنها طارئ محتمل الحدوث، وقد يستفيد من ظهورها في فهم بعض جوانب شخصية العميل المقاوم. ولكنه حين يعمل على تحليلها ومقاومتها فإن آثارها تزول وتستمر عملية الإرشاد. "انظر شيلدون إيزينبيرج ودانيل ديلاني، ١٩٩٥".
التحويل Transference:
يقصد به التحويل الانفعالي، أي تحويل الانفعال من موضوع إلى موضوع آخر. والتحويل كطارئ من طوارئ عملية الإرشاد هو تحويل العميل لانفعالاته الخاصة بالآخرين وتركيزها وبلورتها عن المرشد.
ويكشف التحويل عن أعمق تجارب العميل الانفعالية. ولكن بالنسبة لطبيعة الموقف الإرشادي فإن الانفعالات تكون أقل شدة من الانفعالات الأصلية.
ويمكن تشبيه المرشد بأنه يكون أثناء عملية الإرشاد بمثابة "شاشة بيضاء" يسقط عليها العميل أي انفعالات يشاء.
стр. 336
ويحدث التحويل أثناء عملية الإرشاد في بعض الحالات التي يتعرض فيها العميل لمشاعر مختلفة تجاه المرشد. ومع تقدم عملية الإرشاد قد تتذبذب انفعالات العميل تجاه المرشد، فهو تارة يحبه وتارة يكرهه، وحيث أن العميل لم تكن له صلة سابقة بالمرشد، والأصل في انفعالاته تجاه المرشد أنها محايدة، فليس هناك ما ييبرر هذا السلوك، ولا بد إذن أن يكون المقصود بهذا السلوك شخصا آخر، وما المرشد إلا "شخص متاح" يرمز إليه، ومن ثم تتحول تجاهه الانفعالات التي يكنها العميل في واقع الحياة لهؤلاء الأشخاص الآخرين، ويسقطها عليه العميل ويضعه في أدوارهم.
ومن أنواع التحويل ما يلي:
- التحويل الموجب: وهو التحويل الذي يتسم بالحب والإعجاب من جانب العميل تجاه المرشد. وقد يأخذ شكل تحويل العلاقة الإرشادية إلى علاقة حب، وقد يبرر العميل ظهور التحويل الموجب بأنه نوع التعبير عن الامتنان وعن الجميل الذي يحمله للمرشد الذي يساعده.
- التحويل السالب: وهو التحويل الذي يتسم بالكراهية والنفور من جانب العميل تجاه المرشد. وقد يأخذ شكل العدوان والمقاومة والتشهير وعدم التعاون وفقدان الاهتمام بعملية الإرشاد وإنهائها. ومن مظاهر التحويل السالب أيضا ظهور ما يسمى "عصاب التحويل" Transference Neurosis وهو تكوين عصابي جديد بدلا من التكوين العصابي الأصلي الذي جاء به العميل، يوجه نحو المرشد ونحو عملية الإرشاد.
- التحويل المختلط: وهو التحويل الذي يجمع بين الموجب والسالب أو الحب والكراهية من حانب العميل تجاه المرشد١.
ولتقريب أنوع التحويل نضرب المثل الآتي: لنفرض أن شخصا خيرا أراد توزيع زكاة الفطر، فأخذ المال وقصد مجموعة يعرفها من الفقراء ليوزعه عليهم، ولكنه لم يجدهم ووجد فقيرا واحد لم يكن يقصده، ولكنه هو "الشخص المتاح" فأعطاه كل المال. إن هذا الفقير الذي أخذ كل المال ونال كل الخير ليس مقصودا شخصيا، لكنه أخذ كل المال ونال كل الخير بدلا من الذين قصدوا أصلا وليسوا موجودين وهو فقط الشخص المتاح، ومن ناحية أخرى لنفرض أن
стр. 337
شخصيا ثائرا على سلطة الشرطة لخبرات سيئة مع عدد معين من أفرادها، فخرج إلى الشارع للاشتباك معهم ولكنه لم يجدهم فقد أنهوا دوريتهم، ووجد شرطيا واحدا فاشتبك معه لأنه الشرطي المتاح وصب عليه جام غضبه، إن هذا الشرطي الذي تلقى كل الغضب ليس مقصودا شخصيا ولكنه يمثل أفراد الشرطة الآخرين الذين قصدوا أصلا، ولكنهم ليسوا متاحين، وهو فقط الشخص المتاح.
هذا ويعزى التحويل إلى أسباب منها ما يلي:
- يفتقر العميل في حياته إلى دور خاص ويعتبر خلو حياته من هذا الدور جزءا من مشكلته، ولا تكاد تتقدم العلاقة الإرشادية حتى يضع المرشد في هذا الدور بكل الانفعالات التي ترتبط به. ومن أمثلة هذه الأدوار دور الوالد أو دور الحبيب ... إلخ.
- يفسر أصحاب مدرسة التحليل النفسي التحويل بأن العميل يحيي انفعالاته الماضية بإزاء الأشخاص المحيطين به ويحياها مع المرشد. أي أنه من خلال عملية التحويل، يعيد العميل، تمثيل هذه الانفعالات التي حدثت في الطفولة، ويرى بعض هؤلاء أن عملية التحويل تشير إلى الخبرات الانفعالية المحبطة مع الوالدين والإخوة أو الزوج أو المحبوب أو الرؤساء أو المدرسين أو الأصدقاء أو الزملاء ... إلخ.
وعلى الرغم من أن التحويل طارئ مهدد لعملية الإرشاد، إلا أنه يمكن للمرشد استغلاله في عملية الإرشاد مؤقتا على النحو التالي:
- تحليل سلوك العميل في موقف التحويل، وفهم الكثير عن حياته الانفعالية، وذلك بدراسة السلوك المتكرر خلال عملية التحويل كعينة سلوكية حية، وخاصة أن عملية التحويل تكون تحت الضبط.
- المساعدة في عملية التنفيس والتطهير الانفعالي لانفعالات مكبوتة عند العميل.
- التغلب على مقاومة العميل، وفي استدراج انفعالاته المكبوتة، ما يتيح فهما أوضح لديناميات الشخصية والاضطراب.
- القضاء على العصاب، وذلك لأنه يتيح للانفعالات الموجبة أو السالبة أو المختلطة فرصة الظهور والتحقق، وبذلك يمكن السيطرة عليها وضبطها وتوجيهها التوجيه السليم.
ويجب على المرشد تحليل التحويل Transference Analysis أي تحرير العميل من التحويل الانفعالي، ويتم ذلك بتفسير التحويل وبيان سببه للعميل وإيضاح أن انفعالاته هذه ليس
стр. 338
مصدرها الوقت الراهن ولا صلة لها بشخص المرشد، ولكنها ترجع إلى فترة سابقة، وتتعلق أصلا بأشخاص آخرين، وأنها أسقطت على شخص المرشد خلال عملية التحويل أنه فقط هو "الشخص المتاح" حاليا وليس الشخص الأصلي، ويلاحظ أن تحليل التحويل السالب أسهل نسبيا من تحليل التحويل الموجب. ويلجأ بعض المرشدين إلى الإرشاد الجماعي للمساعدة في فطام العميل انفعاليا من علاقة التحويل، ففي جلسات الإرشاد الجماعي تتوزع الانفعالات على عدد من الأشخاص المتاحين" فتصبح أقل حدة وتركيزا ويصبح تحليلها أسهل.
الإحالة Referral:
هي إحالة العميل إلى أخصائي آخر أو جهة اختصاص أخرى، لسبب أو لآخر مثل الفحص أو تقديم خدمات نفسية متخصصة غير متوافرة لدى المرشد، أو في عيادة أو مركز الإرشاد الذي يعمل به، وذلك بعد موافقة العميل.
والإحالة تعتبر أحد طوارئ عملية الإرشاد، إذا لزمت بعد أن يكون العميل قد قطع شوطا في عملية الإرشاد، حتى لو كان ذلك الشوط مجرد إعداد العميل وتجميع المعلومات والتشخيص وتحديد المشكلات فقط، ولاحظ أن قرار الإحالة قرار مهني هام ومسئولية خطيرة.
ومن أنواع الإحالة ما يلي:
- الإحالة الجزئية "أو المؤقتة": وهذه تكون لفترة محدودة من الزمن أو بقصد إجراء فحص أو بحث محدد أو الحصول على خدمة، ثم يعود العميل بعد ذلك إلى المرشد مرة أخرى.
- الإحالة الكلية: "أو الكاملة": وفيها يحال العميل كلية أو نهائيا إلى مرشد آخر أو جهة أخرى.
ومن أسباب الإحالة ما يلي:
- قد تحيل بعض المدارس أو المؤسسات حالات للإرشاد، ويتم ذلك أحيانا على أساس تشخيص قد يكون خاطئا ولا يدخل في حدود اختصاص المرشد أو عملية الإرشاد.
- قد يكون هناك نقص في بعض الخدمات في العيادة أو مركز الإرشاد.
- قد يتحتم إحالة العميل إلى أخصائي آخر بحكم القانون، حين تكون حالته تخرج عن اختصاص المرشد ونطاق عمله المصرح به قانونا، كما في الحالات التي تحتاج إلى علاج طبي مثلا.
- قد يبدأ العميل عملية الإرشاد، ثم في منتصف الطريق يجد أنه يفضل لو لم يستمر مع هذا
стр. 339
المرشد بسبب معلومات معينة لا يزيد أن يقولها، أو لأي سبب آخر لا يرتبط بالمرشد ولا بالعميل، وقد يلمس المرشد ذلك أو يلمح به العميل أو يذكره صراحة.
وهناك حالات تتحتم فيها الإحالة مثل:
- حالات المرض العضوي، وهذه تحال إلى الطبيب المختص.
- حالات الذهان، وهذه تحال إلى مستشفى الأمراض النفسية للعلاج الطبي النفسي.
ولقرار الإحالة شروط منها:
- يجب في أول الأمر -كما سبق أن ذكرنا- عند تقديم عملية الإرشاد النفسي لفت نظر العميل إلى أنه قد يستدعي الأمر إحالته إلى مرشد أو أخصائي آخر أو جهة اختصاص أخرى، وأن ذلك ليس تخليا عنه، ولكن الإحالة في صالحه.
- يجب أن تكون الإحالة في حالة الضرورة القصوى فقط.
- يجب إقناع العميل بضرورتها والحصول على موافقته عليها ومناقشة المعلومات التي ترسل مع خطاب الإحالة أو تنقل إلى جهة الإحالة وموافقته عليها.
- يجب متابعة الحالة بعد الإحالة للتأكد من أن العميل يذهب إلى الأخصائي الآخر أو الجهة الأخرى فعلا، وحتى لا يشعر العميل أن المرشد تخلى عنه أو نسيه.
وتتم الإحالة حين يرى المرشد ضرورتها، أو حين يطلب العميل ذلك، أو حين تحتمها الظروف كما في حالات اضطرار المرشد إلى سفر أو انتقاله من بلد إلى آخر ... إلخ.
ومن خطوات ووسائل عملية الإحالة ما يلي:
- تحديد الأشخاص أو جهة الإحالة التي يمكن إحالة العميل إليها بادئا بالبيئة المحلية مثل المعالجين النفسيين، والأطباء وبعض العيادات المتخصصة أو المستشفيات، وعيادات توجيه الأطفال، أو مؤسسات الأحداث، أو مؤسسات رعاية الشيوخ المسنين، ويجب التأكد من كفاءة الشخص المحال إليه أو الجهة المحال إليها قبل الإحالة حتى لا يحدث إحالة أخرى، وفي هذا ما فيه من ضرر بالنسبة للعميل، فقد يفسر ذلك على أنه غير مرغوب فيه، أو أن حالته ميئوس منها.
- الاتصال الشخصي أو عن طريق اتصال تليفوني أو عن طريق خطاب إحالة، مع ذكر أسباب الإحالة والتوصيات اللازمة، حتى تتخذ الإجراءات اللازمة لاستقبال الحالة المحالة.
- تعريف العميل بعنوان المحال إليه ورقم التليفون وموعد المقابلة ... إلخ.
стр. 340
مشكلات في عملية الإرشاد النفسي:
قد تعترض عملية الإرشاد بعض المشكلات، فتؤثر في سيرها أو في تحقيق أهدافها. وتتناول هذه المشكلات للفت النظر إليها للوقاية من حدوثها، ولحلها والتغلب عليها عند حدوثها فعلا.
وفيما يلي أهم المشكلات في عملية الإرشاد النفسي:
- فشل عملية الإرشاد:
في بعض الأحيان قد لا تتم عملية الإرشاد النفسي بنجاح كامل، أو قد تفشل في تحقيق أهدافها، ويرجع ذلك إلى الأسباب الآتية:
- قد يقوم بالإرشاد النفسي بعض غير المختصين، وبطريقة غير سليمة.
- قد يكون العميل غير مستعد وغير متقبل لعملية الإرشاد.
- قد ينقطع العميل عن عملية الإرشاد فلا تتم وتكون مبتورة.
- قد تكون المشكلة مزمنة ومستعصية على الحل.
- قد لا يقوم العميل بمسئوليته في التنفيذ، وقد يكون في بيئته ما يحول دون نجاح عملية الإرشاد.
- قد لا تتم عملية تقييم سليمة لعملية الإرشاد، وقد لا تتيسر المتابعة بعد تمامها.
مضاعفات الإرشاد غير الناجح:
من مضاعفات الإرشاد النفسير غير الناجح ما يلي:
- قد يفهم العميل أن غير المختصين الذين لجأ إليهم علماء فشلوا معه، ومن ثم ينصرف عن عملية الإرشاد.
- قد يزداد القلق عند العميل لعدم تقدم حالته والإخفاق في حل مشكلاته فيزداد يأسا.
- قد يلجأ العميل عن قصد إلى بعض الدجالين -من باب طرق جميع الأبواب- وهناك الكثيرون ممن يتحينون هذه الفرص.
- قد يلجأ العميل إلى إدمان الأدوية والعقاقير أو حتى المخدرات.
- قد يحدث في حالات قليلة "نكسة" وارتداد.
стр. 341
- قد تزداد الحالة سوءا وتتطور إلى عصاب أو حتى إلى ذهان.
- في حالات نادرة قد ييأس العميل ويكتئب، وقد يقدم على الانتحار.
مصادر الإحالة:
قد يحال العميل دفعا إلى عملية الإرشاد بدلا من أن يأتي إليها بنفسه سعيا، وفي مثل هذه الحالة فقد يتخذ موقفا سلبيا في عملية الإرشاد ولا يتجاوب ولا يتعاون، مما يسبب مشكلة من مظاهرها عدم تقدم حالته أو زيادتها سوءا في بعض الأحيان. ونحن نعلم أن الفرد يستطيع أن يقود الحصان إلى الماء ولكنه لا يستطيع أن يجبره على أن يشرب.
وتحيل المدارس بعض الحالات إلى عيادة أو مركز الإرشاد بعد تشخيص قد يكون خاطئا وبعد قطع شوط غير موفق في عملية الإرشاد لا يؤتي ثمارا، مما قد يفقد العميل الأمل في خدمات عيادة أو مركز الإرشاد لاعتقاده بأنها لن تكون إلا امتداد لخدمات المدرسة.
وتحيل الهيئات والمؤسسات أعدادا كثيرة إلى عيادات ومراكز الإرشاد، مما قد يزيد عن إمكانات هذه العيادات والمراكز، فلا تستطيع قبولها، أو إذا قبلتها لا تستطيع تقديم الخدمات الإرشادية لها كما يجب.
وتحيل المحاكم أو مؤسسات الجانحين بعض الحالات، ويكون ذلك أحيانا بهدف إجراء عملية الإرشاد، وأحيانا بهدف التثبت من الحالة النفسية للفرد الذي ارتكب مخالفة أو جريمة، وقد يربط العميل بين عملية الإرشاد وبين جهة الإحالة مثل المحكمة أو المؤسسة التي تعامله كمتهم أو كمذنب وما يلقاه أو قد يلقاه من عقاب.
وقد تطلب جهة الإحالة بعض المعلومات السرية التي أدلى بها العميل أثناء الجلسات الإرشادية، وبالطبع لا يوافق المرشد على ذلك -حسب أخلاقيات الإرشاد النفسي- مما يجعل صدر جهة الإحالة ضيقا بالإرشاد والمرشد، وقد يسبب هذا توقف عملية الإرشاد.
اتجاهات الوالدين وأولياء الأمور:
قد تكون اتجاهات الوالدين سالبة نحو عملية الإرشاد. ونحن نعلم أنه لكي تنجح العملية -وخاصة مع الأطفال- فلا بد من تعاون الوالدين مع المرشد، وفي حالة وجود مثل هذه الاتجاهات السالبة، فإن ذلك يهدد عملية الإرشاد بالفشل.
وأحيانا يعتقد الوالدان أن مشكلة الطفل ترتبط بمشكلات الأسرة، وأن اضطرابه يعتبر عرضا من أعراض اضطرابها، ولذلك ينتابهم الضيق وقد يرفضان مناقشة الموضوع من أساسه، ويمتنعان عن المساعدة في عملية الإرشاد.
стр. 342
وقد يعتقد بعض أولياء الأمور أن مشكلة الطفل تتعلق به وحده ولا يشاركون مشاركة فعالة في عملية الإرشاد، ويعتبرونها مسئولية المرشدين وحدهم.
وقد يلاحظ إساءة فهم عملية الإرشاد لدى الوالدين أو أولياء الأمور. فمثلا في إرشاد الأطفال يسمح المرشح للطفل في حجرة اللعب بالتعبير عن عدوانه فيكسر بعض الأشياء، ويعتبر الوالدان ذلك نقصا في ضبط سلوك الطفل وتعويده الحرية الزائدة، مما قد يؤدي إلى مزيد من العدوان في المنزل، وعادة فإن الوالدين وأولياء الأمور يسألون العميل بمجرد خروجه عما دار في جلسة الإرشاد، وهو يحكي، وقد يساء فهم ما جرى وما يحكى.
وقد لا يقتصر وجود مثل هذه الاتجاهات على الوالدين أولياء الأمور فقط، بل قد توجد لدى الأزواج، وقد تسود في المجتمع بصفة عامة، مما يجعل المرشدين والمعالجين النفسيين وكأنهم يسبحون ضد تيار اجتماعي معاكس.
بعض المفاهيم الخاطئة لدى العميل:
يعلن بعض العملاء أن الاضطراب أو المرض النفسي مرادف لما يعرفه العامة باسم "الجنون"، ويظنون أن العيادة النفسية أو مركز الإرشاد النفسي لا يذهب إليها إلا "المجانين"، ومن ثم يتحاشون الإرشاد النفسي، وإذا بدءوه فقد ينقطعون عن استئنافه خشية أن يشيع عنهم أنهم "مجانين".
ويعتقد بعض المرضى خطأ أن المرشد النفسي يتدخل في شئون حياتهم الخاصة وتفاصيل سلوكهم ودخائل أسرارهم الشخصية بدرجة كبيرة، ومن ثم يبدون مقاومة أثناء عملية الإرشاد.
ويفهم بعض المرضى خطأ أن على المرشد أن يعمل لهم كل شيء، وأن يحل لهم مشكلاتهم، وكأنه يملك قوة سحرية يسخرها في ذلك، فيلقون عليه بمشكلاتهم ليحلها، وكيف لا وهو دكتور وعالم نفسي، ويصعب عليهم أن يفهموا أن على عاتقهم هم مسئولية كبيرة في عملية الإرشاد.
من هو الخبير:
قد يحدث صراع بين المرشد والعميل عندما تتحد المسئولية المشتركة بينهما في عملية الإرشاد. فقد لا يعرف العميل حدود مسئولياته وإسهاماته الخاصة بها. فمن هو الخبير إذن؟ أهو المرشد المتخصص العالم بالنظريات والخبير في الطرق والفنيات، أم هو العميل صاحب المسألة "والذي يده في النار"، والذي عليه مسئولية التنفيذ. إن الأمر قد يصل إلى درجة تضطرب فيها العملية وخاصة عندما يكون العميل زائد الذاتية، كثير الأفكار الخاطئة أو حتى الخرافية.
стр. 343
القدرة العقلية للعميل:
قد يكون العميل ضعيف العقل أو غبيا أو يعاني من اضطرابات في الجهاز العصبي، وهنا تكون إمكانات مساعدته وفرص استفادته من عملية الإرشاد النفسي محدودة.
عمر العميل:
في حالة الأطفال الصغار، لا بد من تعاون أهلهم وذويهم ومربيهم في عملية الإرشاد، وإذا لم يتوافر مثل هذا التعاون، فإن درجة نجاح عملية الإرشاد تصبح مشكوكا فيها.
وفي حالة المراهقين، قد يعتقدون أن المرشدين كراشدين -شأنهم شأن غيرهم من الراشدين- لا يفهمونهم وأنهم نوع من السلطة التي يرغبون التخلص منها والاستقلال عنها.
وفي حالة بعض المسنين الذين تراكمت المشكلات لديهم عبر السنين، والذين تأصلت ورسخت عاداتهم السلوكية وأصبحت تقاوم التغير، والذين يعتبرون أنهم في أواخر حياتهم آمالهم محدودة وما عاد من العمر قدر ما مضى، تكون عملية الإرشاد وما تتضمن من تعلم ومحو تعلم وتعديل وتغيير في السلوك صعبة نسبيا، مما يقلل من أثرها.
الدواء:
يختلط مفهوم وطبيعة عملية الإرشاد النفسي والعلاج النفسي مع العلاج الطبي، فكله عند العامة علاج، والمرشد عادة يكون حاصلا على درجة الدكتوراة، فهو دكتور، ولقب دكتور عند العامة ما زال يرتبط بالطب أكثر منه بالإرشاد والعلاج النفسي، ولذلك نجد الكثيرين من العملاء يتوقعون وصفة دواء، وإذا لم يكتبها المرشد، فإنهم يسألون "أليس هناك دواء؟ " وإذا حاول المرشد إقناعهم بأن الإرشاد النفسي يختلف عن العلاج الطبي، وأن المشكلات والاضطرابات النفسية التي جاءوا بها لا تحل ولا تعالج بالدواء، شعروا بخيبة أمل، واعتقدوا أن العملية عبارة عن كلام في كلام.
عيادة ومركز الإرشاد:
قد تكون ظروف عيادة أو مركز الإرشاد النفسي غير مناسبة، كأن تكون إدارتها غير سليمة، أو أثاثها غير مناسب، أو في مكان فيه ضجيج وصخب، أو ليس بها مكان أمين لحفظ سجلات العملاء بما يضمن سريتها الكاملة.
وقد يربط بعض العملاء بين عيادة أو مركز الإرشاد وبين "مستشفى الأمراض العقلية" أو "مستشفى المجانين" ويخشون أن يراهم بعض معارفهم وهم يترددون عليها، فيعرفون أنهم "مجانين" ومن ثم لا يحبون دخولها.
стр. 344
المواعيد:
قد تتعارض مواعيد جلسات الإرشاد مع مواعيد عمل العميل مثلا، وقد تكون المواعيد ثابتة في يوم وساعة محددة من كل أسبوع مما يفوت انتظام نشاط العمل في كليته مثلا في هذا اليوم والساعة من كل أسبوع.
وقد يعتبر بعض العملاء أن المواعيد أقل مما يرجون أو يتوقعون أو يحتاجون، ويطيلون في كل جلسة، أو يشعرون بالضيق عندما تنتهي وخاصة إذا كانت جلسة كل أسبوع مثلا.
وقد يعتبر البعض الآخر أن المواعيد أكثر مما يتوقعون أو يحتاجون أو يستطيعون، وأنها تؤثر في سير حياتهم العملية، وهذا يجعلهم يتخلفون عن بعضها.
وقد تلعب مشكلة المواصلات دورا معطلا، وخاصة عندما تكون المسافة التي على العميل أن يقطعها طويلة ومرهقة. فقد تعوق التزام العميل بمواعيد الجلسات وتعوق انتظامها.
التكاليف:
في حالة الإرشاد أو العلاج النفسي الخاص، يتكلف تكاليف قد تمثل مشكلة كبيرة حين تكون مرهقة بالنسبة للعميل.
في حالة دفع التكاليف عادة يتوقع العميل مقابلا محسوسا ونتائج سريعة، وعملية الإرشاد تستغرق جلسات قد تطول، ويجد العميل أن مجرد الكلام لا يريحه، وقد يعتقد أنه لا يستحق ما يتكلفه من مال.
وفي حالة الإرشاد المجاني على حساب الدولة، قد ينطبق المثل "أبو بلاش كتر منه"، فلا يكون العميل حريصا على وقت المرشد، ولا يحرص على الاستفادة الكاملة من الجلسات، لأنه يستطيع أن يتردد كما يشاء ما دام ذلك لا يكلفه شيئا.
أدعياء الإرشاد والعلاج النفسي:
يمارس بعض الأطباء النفسيين العلاج النفسي وأحيانا الإرشاد النفسي بطريقة "وضع اليد"، ويهتمون بدرجة أكبر بالنواحي الطبية والعلاج الطبي والعلاج بالأدوية فحسب حسب تخصصهم، وقد لا يتمكنون من إعطاء العميل الوقت الكافي لدراسة حالته، ومن ثم لا يقومون فعلا بالعلاج أو الإرشاد النفسي بالطريقة السليمة.
وما زالت نسبة كبيرة من الجمهور في مجتمعنا -للأسف الشديد- يعتقدون أن سبب مشكلاتهم واضطراباتهم هو السحر والأعمال والجن، وهؤلاء يتلقفهم أدعياء الإرشاد والعلاج وحل المشكلات والعقد من غير المختصين بل من الدجالين، وهؤلاء يوحون إليهم أن على
стр. 345
أيديهم الشفاء من كل داء، وهكذا تزمن المشكلات والاضطرابات والأمراض إلى أن تستعصي على الإرشاد والعلاج، حتى على أيدي الأخصائيين.
الإرشاد والعلاج الذاتي:
قد يحاول بعض الأفراد القيام بإرشاد أو علاج أنفسهم بأنفسهم: فيقرءون كتبا بدون دراسة وهم غير مختصين، فيسيئون الفهم أو يضخمون شيئا بسيطا، وقد ينجح البعض جزئيا أو نسبيا، ولكن معظمهم يزيدون الطين بلة، وهنا نحذر هؤلاء من مثل هذه المحاولات ونوجههم إلى مزيد من المعرفة والمهارة في طريقة الإرشاد الذاتي١ "ويأتي تفصيل ذلك في الفصل السابع".
الأقارب والأصدقاء:
قد يلجأ بعض العملاء إلى عملية الإرشاد عند أقاربهم وأصدقائهم من المرشدين، ونحن نعرف أن المرشد أو المعالج لا يستطيع تناول مشكلات أقاربه وأصدقائه، كما لا يستطيع الجراح إجراء جراحة لأقاربه وأصدقائه، ونحن نعرف كذلك أن الأقارب والأصدقاء يأخذون كلام أقاربهم وأصدقائهم بطريقة ودية وبألفة ويخلطون بينه وبين الكلام الأسري والعادي. ويحتاج الأمر إلى الكلام عن أسرار شخصية جدا تتعلق بالأقارب أو بالمرشد نفسه كقريب أو صديق. وقد تتعدى العلاقة الإرشادية الحدود المهنية بحكم القرابة أو الصداقة. وهكذا يكون الإرشاد والعلاج مع الأقارب والأصدقاء بصفة عامة صعبا وأحيانا غير مجد أو غير ممكن أو ممنوعا٢.
стр. 346
مكان عملية الإرشاد:
في ختام الكلام عن عملية الإرشاد النفسي، هذه كلمة عن المكان الذي يجب أن تجري فيه، وهي عيادة أو مركز الإرشاد النفسي، أو مركز إرشاد الصحة النفسية.
عيادة أو مركز الإرشاد النفسي:
تتم عملية الإرشاد عادة في عيادة أو مركز الإرشاد النفسي، أو مركز إرشاد الصحة النفسية، وفيها يتم استقبال العميل، وإجراء فحص ودراسة وتشخيص حالته، وتتم الجلسات الإرشادية.
стр. 347
وتتخصص عيادات ومراكز الإرشاد النفسي، فنجد منها عيادات توجيه الأطفال والعيادات النفسية ومراكز التوجيه التربوي والمهني وغيرها "انظر تيلور Taylor؛ ١٩٧١".
ويجب أن يكون في كل من العيادة أو المركز هيئة كاملة من أعضاء فريق الإرشاد النفسي، مثل المرشد والمعالج النفسي والأخصائي الاجتماعي والطبيب النفسي وعدد من المساعدين الممرضين ... إلخ.
ويحسن أن تضم العيادة أو المركز أخصائيين ذوي اتجاهات متنوعة في الإرشاد والعلاج، مثل الإرشاد والعلاج السلوكي والجماعي والمباشر وغير المباشر ... إلخ.
ويجب أن تكون العيادة أو المركز مكانا هادئا يشرح الصدر ويخلو من المشتتات لأنها تستقبل أفرادا يحتاجون إلى الراحة النفسية.
وتتألف العيادة أو المركز عادة من قاعات استقبال الحالات، ومزودة ببعض المجالات والصحف، وجهاز تليفزيون، وحجرات خاصة بالاختبارات والمقاييس النفسية، وحجرات خاصة ببعض طرق الإرشاد مثل الإرشاد باللعب، وحجرات خاصة بالمرشدين والمعالجين النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين والأطباء ضمانا للخصوصية والسرية.
وعندما يأتي العميل إلى العيادة أو مركز الإرشاد النفسي يتم استقباله عادة بواسطة الأخصائيين الاجتماعيين، ويتم ملء طلب فحص الحالة، وتتم في مقابلة مبدئية إجراء بحث مبدئي، ويقدم تقرير عن الحالة إلى مدير العيادة أو المركز، حيث توزع الحالة على أحد المرشدين الذي يتولى مسئولية عملية الإرشاد بكافة إجراءاتها هو وزملاؤه من بدئها حتى إنهائها ومتابعتها.
وهناك عيادات ومراكز إرشاد حكومية تتبع عادة أقاسم الصحة النفسية وعلم النفس بالجامعات وبعضها يتبع وزارة التربية والتعليم ووزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الصحة ووزارة الدفاع، هذا إلى جانب عدد منها ملحق ببعض المستشفيات العامة، بالإضافة إلى عدد آخر من العيادات الخاصة١.
стр. 348
الفصل السابع: طرق الإرشاد النفسي
تعدد طرق الإرشاد النفسي
...
стр. 349
الفصل السابع: طرق الإرشاد النفسي METHODS OF COUNSELLING
تعدد طرق الإرشاد النفسي:
تعدد نظريات ومجالات وطرق الإرشاد:
عرفنا في الفصل الثالث أن نظريات التوجيه والإرشاد النفسي متعددة، وأن من أهمها نظرية الذات، والنظرية السلوكية، ونظرية المجال، ونظرية السمات والعوامل، ونظرية التحليل النفسي.
وترتبط بالنظريات المتعددة طرق متعددة للإرشاد، فمثلا ترتبط بنظرية الذات طريقة الإرشاد غير الموجه "أو الممركز حول الذات"، وترتبط بالنظرية السلوكية طريقة الإرشاد السلوكي.
وتتعدد طرق الإرشاد كذلك حسب ارتباطها بنظريات أخرى من نظريات الشخصية غير ما ذكرنا، فمثلا ترتبط طريقة الإرشاد باللعب بنظريات اللعب، وتتعدد الطرق كذلك، فنجد منها ما يوفق بين طريقتين مثل الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي، وكذلك الإرشاد الموجه وغير الموجه، أو أن تجمع بين عدد من الطرق وعدد من النظريات مثل طريقة الإرشاد الخياري، ومن طرق الإرشاد النفسي، ما يرتبط بأسلوب معين مثل طريقة الإرشاد الديني، ومنها ما قام على أساس بحوث علمية حديثة مثل الإرشاد المختصر، ومنها ما يرتبط بمجال معين من مجالات الإرشاد النفسي مثل طريقة الإرشاد خلال العملية التربوية.
اسكنر
أهمية دراسة طرق الإرشاد المتعددة:
يتحمس بعض المرشدين لطريقة دون أخرى ويعتبرونها طريقة الطرق، وأن ما سواها يعتبر لا شيء وفي الواقع، لا توجد طريقة عامة شاملة، أو جامعة مانعة، ومن ثم فعلى الدارس والممارس أن يعرف كل الطرق.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن العلماء يتابعون دراسة طرق الإرشاد النفسي المعروفة، ويبتكرون طرقا جديدة لا تزال تحت الدراسة، والبحث فعلى سبيل المثال درس هاريس Harris؛ "١٩٧١" أساليب ثلاثة مستقلة مشتقة من طريقة الإرشاد الجماعي أطلق عليها: تأثير الخبير، والتقليد الاجتماعي، وتأثير المعايير الاجتماعية، وقارنها بطريقة جديدة وهي الإرشاد بالمراسلة أي عن طريق الخطابات، وبدون اتصال شخصي بين المرشد والعميل، ولكنه وجد أن الأساليب الثلاثة المشتقة من طريقة الإرشاد الجماعي أجدى من الإرشاد بالمراسلة، ورغم هذه النتيجة فإن طريقة الإرشاد بالمراسلة جديرة بالمزيد من البحث والدراسة.
وفي تناولنا لطرق الإرشاد النفسي سوف نركز على عدد منها بصفة خاصة، لأسباب منها مثلا أن طريقة الإرشاد الجماعي تعتبر طريقة المستقبل، وأن طريقة الإرشاد الديني تهمنا في مجتمعنا الذي يضع الدين والسلوك الديني في وضع هام، وأن الأسلوب الديني هو الأسلوب المشترك الذي يعرفه كل الناس ... وهكذا.
стр. 350
الإرشاد الفردي INDIVIDUAL COUNSELLING:
يكاد بعض الكتاب يقصدون بالإرشاد الفردي المصطلح الإنجليزي Counselling، وأنه العملية الرئيسية في خدمات التوجيه Guidance Services، ويقابله الإرشاد الجماعي Group Counslling، وسوف نذكر أوجه الشبه والاختلاف بينهما بعد قليل:
والإرشاد الفردي هو إرشاد عميل واحد وجها لوجه في كل مرة، وتعتمد فعاليته أساسا على العلاقة الإرشادية المهنية بين المرشد والعميل، أي أنه علاقة مخططة بين الطرفين، تتم في إطار الواقع وفي ضوء الأعراض وفي حدود الشخصية ومظاهر النمو "لورانس بارمر وإيفيريت شوستروم Brammer & shostrom؛ ١٩٧٧" "انظر شكل ٦٧".
والإرشاد الفردي هو أوج عملية الإرشاد، ويعتبر أهم مسئولية مباشرة في برنامج التوجيه والإرشاد، ويعتبر نقطة الارتكاز لأنشطة أخرى في كل من عملية الإرشاد وبرنامج الإرشاد.
ومن الوظائف الرئيسية للإرشاد الفردي، تبادل المعلومات وإثارة الدافعية لدى العميل وتفسير المشكلات ووضع خطط العمل المناسبة.
ويحتاج الإرشاد الفردي إلى توافر أعداد كافية من المرشدين النفسيين، بحيث يقابلون الحاجات الفردية للإرشاد.
стр. 351
حالات استخدام الإرشاد الفردي:
يستخدم الإرشاد الفردي مع الحالات الآتية:
- الحالات ذات المشكلات التي يغلب عليها الطابع الفردي والخاصة جدا، كما في حالات وجود محتويات ذات طبيعة خاصة في مفهوم الذات الخاص، وحالات المشكلات والانحرافات الجنسية ... إلخ.
- الحالات التي لا يمكن تناولها بفاعلية عن طريق الإرشاد الجماعي.
إجراءات الإرشاد الفردي:
الإرشاد الفردي هو تطبيق عملي لكل ما عرفناه من إجراءات العملية الإرشادية" والتي يجب أن تكون مفهومة لدى العميل، ابتداء من المقابلة الأولى حتى إنهاء عملية الإرشاد ومتابعتها، ومن ثم فلا داعي للتكرار "راجع الفصل السادس".
стр. 352
الإرشاد الجماعي GROUP COUNSELLING:
إن العميل الذي يأتي إلى الإرشاد النفسي لا يأتي من فراغ أو عزلة، ولا يعود إلى فراغ أو عزلة، إنه يأتي من جماعات ويعود إلى جماعات، ومعظم خبرات العميل تحدث في مواقف اجتماعية، ومهما كانت أهمية الفروق الفردية، فإن دراسة علم النفس الاجتماعي وسيكولوجية الفرد والجماعة تعلمنا أن كل فرد يشترك سلوكيا مع غيره في كثير من خصائص السلوك وأنماطه، فهو فريد في بعض أنماط سلوكه ومثل غيره في بعض أنماط السلوك الأخرى.
والإرشاد الجماعي هو إرشاد عدد من العملاء الذين يحسن أن تتشابه مشكلاتهم واضطراباتهم معا في جماعات صغيرة، كما يحدث في جماعة إرشادية أو في فصل.
стр. 353
ويعتبر الإرشاد الجماعي عملية تربوية، إذ أنه يقوم أساس على موقف تربوي، ومن ثم لفت أنظار المرشدين والمربين، ويعتبر كذلك طريقة المستقبل، ومن ثم تأتي أهميته الخاصة "كابلان Caplan؛ ١٩٥٧، وين رايت Right؛ ١٩٥٩، كوهن وآخرون. Cohn et al؛ ١٩٦٠، ليو جولدمان Goldman؛ ١٩٥٩".
الأسس النفسية والاجتماعية للإرشاد الجماعي:
يقوم الإرشاد الجماعي على أسس نفسية واجتماعية أهمها ما يلي:
- الإنسان كائن اجتماعي، لديه حاجات نفسية واجتماعية لا بد من إشباعها في إطار اجتماعي مثل الحاجة إلى الأمن، والنجاح، والاعتراف، والتقدير، والمكانة، والشعور بالانتماء، والشعور بالمسئولية، والحب والمحبة، والمسايرة، وتجنب اللوم، والانقياد، والسلطة والضبط والتوجيه ... إلخ.
- تتحكم المعايير الاجتماعية التي تحدد الأدوار الاجتماعية في سلوك الفرد وتخضعه للضغوط الاجتماعية.
- تعتمد الحياة في العصر الحاضر على العمل في جماعات، وتتطلب ممارسة أساليب التفاعل الاجتماعي السوي واكتساب مهارات التعامل مع الجماعة.
- يعتبر تحقيق التوافق الاجتماعي هدفا هاما من أهداف الإرشاد النفسي.
- تعتبر العزلة الاجتماعية سببا من أسباب المشكلات والاضطرابات النفسية.
الجماعة الإرشادية:
تضم الجماعة الإرشادية عددا من العملاء. وهي تكون إما جماعة طبيعية قائمة فعلا مثل جماعة طلاب في فصل، أو جماعة مصطنعة يكونها المرشد بهدف الإرشاد، وتتم عملية الإرشاد مع الجماعة كوحدة، ومن ثم فلا بد أن يعرف جميع أفراد الجماعة أهدافها وأسلوب العمل الجماعي ومسئولياتهم.
ويجب أن يعتني المرشد عناية خاصة بتكوين الجماعة الإرشادية، وتنمية العلاقات والتفاعل الاجتماعي بين أعضائها، وإنهاء التفاعل الاجتماعي عند انتهاء عملية الإرشاد الجماعي.
القوى الإرشادية في الجماعة:
للجماعة قوى إرشادية هائلة يجب استغلالها، وتعريف أعضاء الجماعة الإرشادية بهذه القوى حتى يمكن الاستفادة منها. وتعبر القوى الإرشادية في الجماعة عن فائدة الجماعة الإرشادية "ميرل أولسين Ohlsen؛ ١٩٧٠". وفيما يلي أهم القوى الإرشادية في الجماعة.
стр. 354
التفاعل الاجتماعي: للتفاعل الاجتماعي -أي الأخذ والعطاء والتأثير المتبادل بين أعضاء الجماعة الإرشادية- تأثيره الفعال، فهو يجعل الأعضاء يندمجون في النشاط الاجتماعي، ويصبح للإرسال والاستقبال الاجتماعي تأثير إرشادي ملموس بين جميع أعضاء الجماعة، فلا يعتمد الإرشاد على المرشد وحده بل يصبح العملاء أنفسهم مصدرا من مصادر الإرشاد١.
الخبرة الاجتماعية: تتيح الجماعة -كنموذج مصغر للمجتمع- فرصة لتكوين علاقات اجتماعية جديدة، واكتساب خبرات ومهارات اجتماعية تفيد في تحقيق التوافق الاجتماعي، وتعمل الجماعة على إظهار أنماط السلوك الاجتماعي العام إلى جانب السلوك الفردي الخاص، وأنماط السلوك المعياري إلى جانب أنماط السلوك الشاذ "تيلور Taylor؛ ١٩٧١".
الأمن: يؤدي انتماء العميل إلى جماعة إرشادية إلى الشعور بالتقبل، والتخلص من الشعور بالاختلاف، والاقتناع بأنه ليس وحده الشاذ وأن المشكلات النفسية تواجه الناس جميعا٢. كذلك فإن سماع العميل غيره وهم يتحدثون عن مشكلاتهم، يزيد من اطمئنانه ويقلل من مقاومته للتحدث عن مشكلاته وخاصة عندما يجد أنها مشكلات مشتركة، فهو يرى من هو أسوأ منه حالا فيهدأ روعه، ومن هم أحسن منه حالا فيزداد أمله في التحسن. كذلك فإن العميل يجد في رفاقه من أعضاء الجماعة سندا انفعاليا ومجالا مناسبا للتنفيس والتفريغ والتطهير الانفعالي، وهذا كله يشعره بالأمن.
الجاذبية: للجماعة جاذبيتها الخاصة لأعضائها، وذلك بتوفيرها لأنشطة جماعية تتيح إشباع حاجات أعضائها وإشعارهم بالأمن وتحقيق الأهداف.
المسايرة: الجماعة يكون لها معاييرها التي تحدد السلوك الاجتماعي المتوقع، وتعتبر المعايير بمثابة: "نورموستات" Normostat السلوك الفردي "منظم السلوك الفردي" التي توفقه عند الحدود المقبولة اجتماعيا. ويلتزم أعضاء الجماعة بمسايرة هذه المعايير، ومن أهم المعايير في الجماعة الإرشادية الكلام عن المشكلات في تعبير حر صادق، وإتاحة الفرصة لمناقشتها بهدف الوصول إلى حلها وتغيير السلوك، هذا وتضغط الجماعة على أعضائها لمسايرة هذا المعيار وعدم مغايرته.
стр. 355
ومما يبرز أهمية القوى الإرشادية للجماعة، ودراسة فيرنر Werner؛ "١٩٧٢" عن مدى تأثير ونجاح عملية الإرشاد الجماعي في جماعات بدون قائد "ومن المتخلفين دراسيا"، وأظهرت دراسة عملية الإرشاد الجماعي "عن طريق شرائط التسجيل المسموعة والمرئية" فعالية القوى الإرشادية للجماعة حتى بدون قائد في نجاح عملية الإرشاد.
حالات استخدام الإرشاد الجماعي:
يستخدم الإرشاد الجماعي في عيادات ومراكز الإرشاد النفسي في الحالات الآتية:
- إرشاد جماعات الأطفال والشباب والراشدين والشيوخ والمغتربين ... إلخ.
- توجيه الوالدين للمساعدة في إرشادهم أولادهم.
- الإرشاد الأسري.
- الإرشاد المهني في المدارس والمؤسسات.
- أصحاب الحالات ذات المشكلات العامة المشتركة مثل مشكلات التوافق الاجتماعي والمدرسي.
- حالات التمركز حول الذات والانطواء والخجل والصمت والشعور بالنقص.
- حالات التحويل الذي يطرأ في عملية الإرشاد الفردي، حيث تساعد الجماعة في فطام العميل نفسيا من علاقة التحويل ذات البعد الواحد بينه وبين المرشد فتشعبها وتحيلها إلى علاقة متعددة الأبعاد بينه وبين أعضاء الجماعة، وبذلك يسهل التخلص التدريجي من التحويل.
هذا ويجب ألا تضم الجماعة الإرشادية والأفراد الذين لديهم مشكلات متطرفة، أو المرضى النفسيين أو الجانحين "كوهن وأخرون.Cohn et al؛ ١٩٦٣".
بحوث في الإرشاد الجماعي:
مما يوضح أهمية الإرشاد الجماعي أن العديد من البحوث والدراسات تدور حوله، فمثلا: وجد بريكبيل Brechbill؛ "١٩٧٢" أن الإرشاد الجماعي له فعالية تتساوى مع فعالية الإرشاد الفردي في تقليل مشاعر الانطواء والاغتراب الاجتماعي والقضاء على السلوك اللاتوافقي. وهذه النتيجة لها أهميتها في صالح الإرشاد الجماعي الذي يوفر الوقت والجهد والمال.
ودرست كارول لامبيرت Lambert؛ "١٩٧١" استخدام شرائط الفيديو في جلسات الإرشاد الجماعي، وأسمت طريقتها Video- model Counselling، وأكدت أهمية أسلوب الإرشاد الجماعي باستخدام شرائط الفيديو.