الحالات الصعبة أو غير الواضحة اللجوء إلى استثارة أخصائيين آخرين للاستعانة بهم في عملية التشخيص.
تحديد المشكلة:
في تحديد المشكلة يجب التعرف على نوعها: ومن أنواع المشكلات ما يلي:
- مشكلات الشخصية وسوء التوافق الشخصي والاضطرابات الانفعالية.
- المشكلات التربوية وعدم التوفيق في اختيار المواد الدراسية ومشكلات التحصيل المدرسي ونقص الاستعداد الدراسي وسوء عادات الاستذكار وقلق التحصيل وقلق الامتحان وسوء التوافق المدرسي.
- المشكلات المهنية ومشكلات اختيار المهنة والدخول فيها وسوء التوافق المهني.
- المشكلات الصحية ووجود عاهات وما يصاحبها من سوء توافق.
- مشكلات نقص المعلومات لدى العميل، ونقص مهارات يمكن اكتسابها.
ملاحظات في عملية التشخيص وتحديد المشكلة:
يجب الاحتراس من الخطأ في عملية التشخيص حتى لا ينبني كل ما بعده على أساس خاطئ، وكثيرا ما نسمع عن الآثار الضارة للخطأ في التشخيص حيث تسير عملية الإرشاد أو العلاج في طريق خاطئ وتفشل في النهاية، بل قد يسبب ذلك مضاعفات لم تكن موجودة أصلا. ومن مصادر الخطأ في التشخيص عدم ظهور ما يسمى "استجابة الأعراض"، أي الاستجابة السلوكية التي تدل على وجود العرض أو المرض، وقد يخطئ المرشد ويعتبر غياب استجابة الأعراض دليلا على عدم وجود الاضطراب أو المرض، علما بأن الاضطراب أو المرض قد يكون موجودا ولكن لا تظهر استجابة الأعراض "سميدزلوند Smedslund؛ ١٩٦٩". ومن أسباب الخطأ في التشخيص عدم فهم التعليمات والمصطلحات الخاصة، وعدم فهم المعلومات الأخرى التي تعطي أثناء فحص ودراسة الحالة. ويجب التغلب على هذه الأسباب بتوضيح المعلومات، ويوصي ماركس وسيمان Marks & Seeman؛ "١٩٦٢" باستخدام كافة الطرق العلمية التي تضمن دقة التشخيص، وهناك اختبارات يمكن الاستعانة بها في عملية التشخيص، ومن أمثلتها اختبار التشخيص النفسي للمؤلف.
ويلاحظ أن بعض العملاء قد ينهارون عند سماع التشخيص، وتزداد حالتهم المرضية.
стр. 282
وقد يهرع العميل إلى قراءة الكتب عن المشكلات والاضطرابات النفسية فيخطئ في فهم وتفسير وتطبيق ما كتب أصلا للمختصين، مما يزيد الحالة تعقيدا. ولذلك يجب أن يعرف العميل التشخيص بأسلوب وطريقة لبقة وبتصرف حسب الحالة، بما يخفف وقع التشخيص عليه.
ويلاحظ أن التشخيص في حالة الأطفال يحتاج إلى اهتمام خاص، لأن الطفل، ما زال ينمو ولم يصل بعد تمام نضج الشخصية، وأن السلوك العادي، وغير العادي عند الأطفال يختلف عنه لدى الكبار، وأن مشكلات الأطفال تختلف مع النمو. هناك فرق بين تشخيص وإرشاد الأطفال وبين تشخيص وإرشاد الكبار. فإمكانات الطفل في التعبير عن نفسه محدودة نسبيا، وقدرته على ضبط بيئته محدودة والتحكم فيها صعب، وتأثره بالكبار واضح وفي كثير من حالات الأطفال نجد أن اضطراب الطفل يعتبر عرضا لاضطراب أحد الوالدين أو كليهما. وعلى العموم، ففي التشخيص في حالة الأطفال يحسن أو يجب الاعتماد على تقارير الكبار وخاصة الوالدين "وبصفة أخص الأم" أو ولي الأمر أو الإخوة أو المربين أو الأخصائيين "ويجب التثبت من مدى صدق وثبات وموضوعية ما يدلي به هؤلاء من معلومات عن الطفل، ويحسن إلى جانب ذلك استخدام الوسائل المناسبة للأطفال مثل اللعب كأداة تشخيصية ذات قيمة كبيرة.
стр. 283
تحديد المآل PROGNOSIS:
المرشد عندما يقوم بعملية الإرشاد، يحاول دائما التنبؤ بنجاح هذه العملية في المستقبل، أي بتحديد مآل المشكلة أو الاضطراب أو المرض.
ويتناول تحديد مآل مستقبل المشكلة أو الاضطراب أو المرض في ضوء الفحص الذي يتناول ماض وحاضر العميل والمشكلة، وعلى هدي التشخيص الذي يتناول حاضر العميل والمشكلة مع نظرة مستقبلية، أي أن المآل هو التنبؤ بمستقبل حالة العميل، ومدى النجاح المحتمل إن شاء الله، ثم إذا تساوت العوامل المؤثرة والظروف المحيطة بعملية الإرشاد.
ومثل المرشد عندما يحدد مآل مثل الطبيب الجراح الذي يحاول التنبؤ بمدى النجاح المحتمل، أي بمآل العملية التي سيقوم بإجرائها فيحدد نسبة مئوية للنجاح المحتمل إن شاء الله.
هذا وتهدف عملية تحديد المآل إلى تحقيق ما يلي:
- توجيه وتحسين عملية الإرشاد في ضوء المآل المتوقع.
- تحديد أنسب طرق الإرشاد لاستخدامها مع الحالة لتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح.
стр. 284
- تعيين حد مرن للنجاح يساعد في تقييم عملية الإرشاد ومدى تحقيقها له أو اقترابها أو ابتعادها عنه.
التنبؤ بالمآل:
يتضمن المآل التنبؤ الذي يحدد في ضوء بداية المشكلة أو الاضطراب أو المرض، ودراسة الأسباب والأعراض والمكاسب، وعلى هدي الفحص والتشخيص وطريقة الإرشاد، وحسب شخصية العميل، وتوافقه وبيئته وظروف حياته وصحته العامة واتجاهاته نحو عملية الإرشاد ... إلخ. ويستخدم في ذلك الاختبارات والمقاييس والمعايير والطرق الإحصائية المناسبة.
وما دام كل من المرشد والعميل يعرف أن تساوي الظروف والعوامل المؤثرة في عملية الإرشاد أساس هام في عملية التنبؤ، فعليهما أن يجعلا الظروف والعوامل الأخرى ثابتة أو مواتية، ويتجنبا تأثير العوامل التي تسيء إلى عملية الإرشاد بقدر الإمكان. فقد تتم عملية الإرشاد على خير وجه، وكل ما يتم عمله تهدمه الظروف الأسرية المضطربة، مثل هذه الحالة يكون مثل بناء يبني فيه البناءون ويهدم الهدامون ما يتم بناؤه، فهذا البناء لا يكتمل أبدأ. فلا بد في مثل هذه الحالة من الاتصال بالأسرة وتعديل ظروفها بحيث تتكامل الصورة ويتفادى تأثير هذا العامل.
وهكذا يعمد المرشد إلى تحديد مآل المشكلة أو الاضطراب ولو على وجه التقريب، استنادا إلى أمور منها أن هناك عوامل تؤكد الثبات النسبي للسلوك وسمات الشخصية، وفي نفس الوقت فإن السلوك مرن وقابل للتعديل، وأن هناك فروقا بين الأفراد، وأن الفرد نفسه يختلف من وقت لآخر.
وتؤكد برادلي Bradley؛ "١٩٧٢" أهمية التنبؤ الفعال القائم على أساس دراسة الحالة ودراسة الشخصية، وقد وجدت أن المرشدين دقيقي التنبؤ لا يغالون في دقة تنبئهم كما يغالي المرشدون الذين تنقصهم دقة التنبؤ.
ملامح التنبؤ بالمآل:
يكون مآل المشكلة أو الاضطراب أو المرض أفضل، أي أن الأمل في نجاح عملية الإرشاد يكون أكبر والتفاؤل أكثر، في الحالات الآتية:
- إذا كانت بداية المشكلة أو الاضطراب مفاجئة وحادة.
- إذا كانت المشكلة أو الاضطراب حديثا.
- إذا عرفت الأسباب المهيئة بدقة وعرف سبب مرسب محدد.
стр. 285
- إذا كانت الأعراض بسيطة وغير حادة.
- إذا لم يكن هناك عوامل وراثية في الأسرة.
- إذا كانت المكاسب الأولية والثانوية من وراء ظهور المشكلة أو الاضطراب قليلة.
- إذا كان الفحص شاملا لجميع النواحي النفسية والاجتماعية والطبية والعصبية.
- إذا كان التشخيص دقيقا.
- إذا بدأ الإرشاد مبكرا وفي الوقت المناسب.
- إذا كان الإرشاد سليما وبأسلوب الفريق النفسي والاجتماعي والطبي.
- إذا تحمل العميل مسئولياته في العملية الإرشادية وكان تعاونه صادقا.
- إذا كانت شخصية العميل متكاملة ومرنة وناضجة نسبيا.
- إذا كان العميل ذكيا، وبصريته أفضل، وظروف حياته أحسن، وصحته العامة سليمة.
- إذا كان للعميل تاريخ من التوافق العام والشخصي والاجتماعي والتربوي والمهني والجنسي.
- إذا كانت البيئة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية للعميل بعد الإرشاد أفضل.
стр. 286
الجلسات الإرشادية COUNSELLING SESSIONS:
تستغرق عملية الإرشاد النفسي عدة جلسات إرشادية. وتختلف الجلسة الإرشادية عن الجلسة الاجتماعية العادية. فالجلسة الإرشادية جلسة مهنية تتم فيها علاقة إرشادية في مناخ نفسي خاص حيث يشجع المرشد العميل ليعبر عن أفكاره، وليقول كل شيء وأي شيء عن المشكلة، فكل ما يقال مهم. وتحدث في الجلسات الإرشادية كل إجراءات العملية الإرشادية التالية، مثل التداعي الحر والتنفيس الانفعالي والاستبصار والتعلم والنمو وتغير الشخصية واتخاذ القرارات وحل المشكلات والمشورة وتعديل السلوك.
عوامل نجاح الجلسة الإرشادية:
فيما يلي أهم عوامل نجاح الجلسة الإرشادية:
الاستعداد للمساعدة: هذا أمر هام يجب أن يحرص عليه المرشد، ويجب أن يكون لديه اتجاه موجب نحو العميل، ولديه الرغبة المخلصة في مساعدته وبذل الوقت والجهد الكافي لتحقيق
стр. 287
ذلك. ويجب على المرشد إظهار الاستعداد لمساعدة العميل في مجالات أوسع من مجرد المشكلة المحدودة.
الألفة: يجب أن تتوافر الألفة والوئام والوفاق والتفاهم الكامل بين المرشد والعميل.
التقبل: نعني بالتقبل الإيجابي غير المشروط للعميل، أي تقبله على ما هو عليه دون التأثر بأحكام سابقة أو آراء مسبقة، ودون نقد أو لوم. فالمرشد يجب ألا يحمل العميل أكثر من حمولته التي جاء بها، وقد جاء العميل فاقدا الشعور بالتقبل، وهو يحتاج إلى التقبل الإيجابي غير المشروط مما يساعده على تقبل نفسه.
المشاركة الانفعالية Empathy: أي الشعور بمشاعر العميل وجعله يشعر بأن المرشد يشاركه انفعالاته ويفهم مشاعره، ويقدر ظروفه ويفهم عالمه الداخلي والخارجي، وكأنه يرى الأمور من داخل الإطار المرجعي للعميل.
التركيز: يجب أن يتركز الكلام والتفاعل حول موضوع الجلسة الإرشادية أي المشكلة الخاصة والشخصية وليس حول مشكلات عامة غير محددة، وحول الأفكار والمشاعر الشخصية وليس حول الأحاديث العامة. أي أن المطلوب هو التحديد لا التعميم والتخصيص لا التعويم.
الحكمة: يجب أن يسود الجلسة الإرشادية الحكمة في القول والفعل من جانب المرشد الذي يصدق عليه صفة "الحكيم". ومن الحكمة أن يكون المرشد أسوة حسنة للعميل "افعل كما أفعل وليس كما أقول". ويجب أن يتروى في كلامه، وأن يتحلى بالصبر والأناة. كذلك فإن لأسلوب إلقاء الكلام دخلا كبيرا في التأثير في نفس العميل، فالكلام مهما كان عميقا لو ألقي بسرعة وعجلة لا يؤثر التأثير المطلوب بعكس ما إذا ألقي بتأن واتزان، وفي ذلك توقير للحكمة١.
التلقائية: يقصد بها التعبير عن المشاعر الحقيقة في حرية وصراحة وأمانة وبإخلاص وعلى طبيعتها ودون مواجهة مزيفة ودون قناع ودون تصنع، حتى يتعامل المرشد مع العميل شخصيا وليس مع واجهة صناعية، ويقول كارل روجرز Rogers؛ "١٩٦١" إن التلقائية تعني تطابق السلوك مع الواقع. ويعبر عنها كذلك مستخدما مصطلح "الشفافية" Transparency بمعنى أن كل ما في داخل المرشد والعميل يمكن للطرف الآخر أن يدركه على حقيقته.
حسن الإصغاء: حسن الإصغاء والاستماع مع الملاحظة وتركيز الانتباه لكل قول وفعل وانفعال يساعد المرشد على إدراك كل الجوانب في الجلسة الإرشادية، والميدان هو ميدن العميل
стр. 288
ويجب أن يتاح له فرصة الكلام والسلوك أكثر، ويكون تداخل المرشد بقدر محدود وعند الضرورة بما يساعد العميل على الاسترسال والبوح والتفريغ الانفعالي.
بيع الصداقة: يقول بعض المرشدين إن الإرشاد هو بيع صداقة، ويتضمن ذلك بشاشة المرشد. ومن الأقوال المأثورة " لا تكن تاجرا دون وجه بشوش" وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصافح الآخر ويده مقبوضه فكيف يتعامل معه وجبهته مقبوضة١.
الثقة المتبادلة: هذا أمر ضروري يعطي العميل الأمان على نفسه وعلى أسراره ويساعده على الاسترخاء والطمأنينة، والبوح والتفكير بصوت عال حين يعرض ذاته ومشكلته، والثقة المتبادلة تشجع المرشد على المساعدة والعميل على التعاون. ويلاحظ أن الجلسات الأولى تكون غالبا "جس نبض" من جانب العميل، ويتوقف على نجاحها مستقبل عملية الإرشاد كلها. والعميل هنا يكون أشبه بمن يريد النزول إلى ماء البحر فيبدأ بجس الماء، فإن وجده باردا فإنه يتردد وقد يمتنع، أما إذا وجده دافئا فإنه ينزل ويستمتع "هولدين Holden؛ ١٩٧١".
المسئولية المشتركة: المسئولية في عملية الإرشاد مشتركة بين كل من المرشد والعميل ويتوقف نجاح العملية على فهم كل من الطرفين لدوره ومسئولياته وتحملها.
مظهر المرشد: إن مظهر المرشد المناسب وجلسته وصوته الواضح وتعبيرات وجهه وإظهاره اهتمامه بالعميل أمور هامة، وقد تطرق براسير Pricer؛ "١٩٧١" إلى مظهر المرشد ولبسه ووجد أن العملاء الذكور يفضلون اللبس البسيط بينما العميلات الإناث يفضلن اللبس الأنيق.
تحديد المواعيد: يحسن الإسراع بتحديد مواعيد الجلسات للعميل والحرص على هذه المواعيد، ويجب تنظيم الجلسات بما يتناسب مع مواعيد كل من المرشد والعميل.
الزمان: يحسن أن يكون للجلسة الإرشادية زمن محدد. ويحدد البعض الجلسة الإرشادية بمدة لا تقل عن نصف ساعة ولا تزيد عن ساعة. وينبغي ألا تكون مواعيد الجلسات متقاربة جدا كأن تكون يومية، ولا متباعدة جدا كأن تكون مرة كل شهر. ومعظم المرشدين يكتفون بجلسة واحدة أسبوعيا. وعلى العموم فمن المفيد أن يفصل بين كل جلسة وأخرى بضعة أيام على الأقل، لأن ذلك يساعد على منح العميل فرصة تزيد من استبصاره بنفسه.
المكان: يجب أن يكون للجلسة الإرشادية مكان محدد، أي غرفة خاصة، ويجب أن تكون جلسة العميل مريحة، وأن يكون في مواجهة المرشد. وقد وجد برايسر Pricer؛ "١٩٧١" أن
стр. 289
العملاء الذكور يفضلون ألا يكون بينهم وبين المرشد مكتب بينما تفضل العميلات أن يكون بينهن وبين المرشد مكتب. ومن ملاحظات الباحث حول العلاقة الإرشادية أن تكوين العلاقة الإرشادية بين المرشد والعميل من جنسين مختلفين يتم أسرع مما بين مرشد وعميل من نفس الجنس.
المناخ النفسي الإرشادي:
المناخ النفسي مصطلح مستعار من الجغرافيا. والمناخ المناسب يساعد على الحياة بطريقة أفضل، والعكس صحيح كذلك فإن المناخ النفسي الصحي السليم الآمن السمح الحر الذي يسوده الاسترخاء والارتياح والألفة والأمل أمر ضروري جدا في الحياة بصفة عامة، وفي الجلسة الإرشادية بصفة خاصة، ضمانا لنجاح عملية الإرشاد، ويجب على المرشد تهيئة مثل هذا المناخ الذي يسوده التقبل وفهم آراء العميل وأفكاره وانفعالاته ومشاعره ودوافعه وحاجاته واتجاهاته وردود فعله نحو مشكلاته وطرق حلها ومعنى أعراضه وأهدافها، إن المناخ الإرشادي المشبع بالدفء والأمن والفهم والتقبل والتسامح والسرية والخصوصية، يعتبر مثيرا لانفعالات سارة ومريحا، ويبعث في العميل الطمأنينة والأمل، ويساعده على استرجاع المواقف والخبرات المثيرة
стр. 290
للقلق مرة ثانية بطريقة رمزية في مناخ نفسي مريح سار، يساعد على الربط بين هذه المثيرات والخبرات وبين الشعور بالراحة الذي يشيع في المناخ الإرشادي الصحي.
ومن مظاهر المناخ النفسي الصحي اللازم لعملية الإرشاد النفسي ما يلي:
السرية والخصوصية Confidentiality: عرفنا أن السرية والخصوصية من البنود الرئيسية في أخلاقيات الإرشاد النفسي، كما رأينا في الفصل الثاني. وضمان السرية والخصوصية فيما يتعلق بالمعلومات الخاصة بالعميل -التي تعتبر أمانة في عنق المرشد-من أهم مظاهر المناخ النفسي الصحي، فأبسط قواعد الإرشاد النفسي هي السرية المطلقة، وإن المحافظة على السرية والخصوصية في حد ذاتها تعتبر دليلا على احترام المرشد لنفسه ولعميله ولمهنته، وتشجع العميل على الصدق والصراحة والتلقائية، فتجده لا يخاف ولا يخفي شيئا ويجعل ما فيه على فيه. والمعلومات التي تظهر من خلال الجلسات الإرشادية يجب أن تكون فقط بين المرشد والعميل. ونحن نعلم أنه إذا لم تكن السرية والخصوصية مضمونة فسوف تهتز الثقة أو تفقد، وسوف يحجب العميل عن المرشد ربما أخطر ما لديه من معلومات مما يقلل من قيمة العملية أو ينسفها نسفا. ويرى البعض أنه يمكن أن نشكف بعض المعلومات لبعض المسئولين في عملية الإرشاد للاستخدام المهني لمصلحة العميل، أو للأخصائيين الذين يحال إليهم العميل لمساعدته، أو في حالة الخوف من احتمال وقوع خطر مؤكد على العميل أو على الآخرين، وفي كل هذه الحالات يشترط أن يكون الكشف عن المعلومات بعد مشاورة العميل وبإذن منه لمصلحته وفي أضيق الحدود. وطبيعي أن كل معلومة تختلف أهميتها ودرجة سريتها، وهذا أمر يحدده المرشد حسب خبرته المهنية وفي ضوء مسئوليته، لدرجة أن هناك بعض المعلومات لا يجوز مطلقا الكشف عنها، وهكذا نجد أن البعض يعارضون الكشف عن أي معلومات وفي أي صورة ولأي أحد وتحت أي ظروف، حتى لو كانت طوارئ أو حتى لو كان في ذلك إضرار بالآخرين، وهذا الرأي يقوم على أساس أن هناك الكثير من المهنيين وظيفتهم ومسئوليتهم حمياة المجتمع، فلتكن وظيفة المرشد ومسئوليته حماية العميل والدفاع عنه "كلارك Clark؛ ١٩٦٥".
التسامح Tolerance: المرشد ليس إداريا وليس سلطة أو سلطانا، وإذا أصبح كذلك فإنه يتحول من نعمة إلى نقمة. إن حق العميل في تقرير مصيره وتحديد أهدافه واحترام شخصيته كإنسان أمور توجب التسامح وحسن المعاملة والعلاقة الإنسانية.
الاحترام Respect: الاحترام المتبادل أمر هام جدا في السجلات الإرشادية، ويجب على المرشد أن يقدر أهمية الاحترام في المناخ النفسي الإرشادي. وأهم عناصر الاحترام الاندماج
стр. 291
الملموس والاعتراف بقيمة العميل وقدرته على التفكير والسلوك البناء والاستجابة الإيجابية لما يقوله وما يفعله.
الدفء Warmth: الدفء عنصر هام من عناصر المناخ النفسي والإرشادي، ويقصد به دفء العلاقة الإرشادية وحرارة التفاعل واستمرار الأخذ والعطاء والتقبل والاهتمام والانتباه الواضح والمشاركة الانفعالية "جون بيتروفيسا وآخرون Pietrofesa et al؛ ١٩٧٨".
العلاقة الإرشادية:
العلاقة الإرشادية هي قلب عملية الإرشاد. وهي علاقة شخصية اجتماعية مهنية دينامية هادفة وثيقة، تتم بين المرشد والعميل في حدود معايير اجتماعية، تحدد ما هو جائز وما هو غير جائز، وتحدد دور كل منهما، وتهدف إلى تحقيق الأهداف العامة والخاصة لعملية الإرشاد.
وفي بداية العلاقة الإرشادية: يرحب المرشد بالعميل ويتعارفان. ومنذ البداية يجب أن يعرف كل من الطرفين حدود دوره ومعاييره السلوكية وإمكاناته ومسئولياته تجاه الآخر.
وخلال العلاقة الإرشادية، يتعلم العميل كيف يعبر عن مشاعره ويواجهها ويتعامل معها ومع أفكاره وخبراته، وتزداد ثقته بنفسه، ويتعلم مهارات جديدة لتحسين مستوى توافقه، ويطبق ما تعلمه لتغيير سلوكه "ميرل أولسين Ohlsen؛ ١٩٧٠".
وقد بذل دونالد سوبر وآرثر كومبس Super & Combps؛ "١٩٦٢" جهدا في دراسة العلاقة الإرشادية المثالية بمقارنتها بالعلاقة الإرشادية الواقعية، وينصحان ببذل الجهد في تدريب طلاب الإرشاد النفسي على العمل على ترجمة ما يدرسونه كوضع مثالي إلى وضع عملي في صورة أقرب ما تكون إلى الوضع المثالي.
ودرس لوبيتكين Lubetkin؛ "١٩٧٠" العلاقة الإرشادية كما تتم خلال دائرة تليفزيونية مغلقة وأثرها في عملية الإرشاد، ووجد أن العلاقات الإرشادية وجها لوجه أفضل منها.
أما عن حدود العلاقات الإرشادية التي تميزها عن العلاقة الاجتماعية العادية، والتي يجب أن يحافظ عليها كل من الطرفين فأهمها ما يلي:
- العلاقة المهنية: العلاقة الإرشادية علاقة مهنية لها حدود، وليست علاقة صداقة.
- العلاقة المتبادلة: من أهم عوامل نجاح العلاقة الإرشادية أن تكون العلاقة متبادلة بين المرشد والعميل بصرف النظر عن العمر والثقافة ... إلخ، من حيث الاحترام الموجب Regard غير المشروط، "أي بدون تحفظات وبدون تقييمات وبدون أحكام"، والثقة والفهم والانتباه
стр. 292
والاهتمام والتعاون والمساعدة والود والصداقة ... إلخ. والمسئولية مشتركة بين المرشد العميل لتحقيق ذلك، بحيث إذا طرأ ما يهدد العلاقة المتبادلة السليمة، يجب أن يعمل الطرفان على إزالته فورا والعودة إلى الوضع السليم.
- التفاعل: التفاعل والاتصال بين المرشد والعميل هو الوسيلة التي تقوي أو تقوض العلاقة الإرشادية، وقد تكون الاتصال بلغات عديدة تشمل الاتصال اللفظي وبالإشارات واللمحات والوضع واللبس، وقد يكون رمزيا له معان ضمنية كامنة تختلف عن معناه الظاهري. ويوجه المرشد انتباهه إلى مجرى الاتصال بينه وبين العميل، ويختار عناصر يركز عليها وعناصر يتخطاها وعناصر يستجيب لها استجابة المرشد كلها بناءة في شكل شرح وتفسير وتوضيح وتأكيد وإيحاء ومشاركة انفعالية ... إلخ، وهذا يحتاج إلى ترتيب خاص للوصل على الأهداف الرئيسية للإرشاد. هذا ويجب أن يختار المرشد الوقت المناسب لاستجاباته.
- الاعتدال: يجب أن تكون العلاقة الإرشادية معتدلة بين الحنو الزائد والتعامل الرسمي المتزمت، وأن تكون نموذجا للعلاقة الإنسانية السليمة.
- المدى: للعلاقة الإرشادية مدى يجب أن تقف عنده، فلا يجوز أن تأخذ شكل صداقة شخصية أو علاقة عاطفية، ولا يجوز أن يتدخل المرشد فيما لا يعنيه بين العميل وأهله ورؤسائه، ما لم يطلب إليه كذلك ... وهكذا.
- الزمان: قد تكون العلاقة الإرشادية قصيرة كما في حالة إرشاد الطلاب العاديين، وقد تكون طويلة كما في حالة الإرشاد العلاجي الفردي، ونحن نعلم أن الإرشاد العلاجي عملية طويلة حيث أن أنماط السلوك غير السوي التي تثبت خلال مدة طويلة من الزمن تقاوم التغير السريع.
- خصوصيات المرشد: يحسن البعد عن الكلام عن خصوصيات المرشد وحياته الشخصية وقيمه الخاصة أثناء الجلسات الإرشادية.
стр. 293
ومن أهم إجراءات عملية الإرشاد النفسي أن يمعن العميل النظر في ذاته ويتفحصها بدقة يستكشف ما خفي منها ويكشف ما أخفى منها.
إجراءات استكشاف الذات:
يستمر استكشاف الذات طول عملية الإرشاد النفسي ويوجه المرشد العميل حتى يستطيع:
- وصف ذاته وصفا دقيقا كما يدركها.
- وصف سلوكه الشخصي والاجتماعي.
- تعرف أنماط سلوكه المسطيرة أو الغالبة.
- إدراك الخبرات التي تجعله سعيدا، والخبرات التي تجعله قلقا.
- إدراك آماله وطموحاته المستقبلية.
- معرفة إمكانات التحكم في انفعالاته وضبطها.
- معرفة ما يجب تغييره من سلوكه.
"شيلدون أيزينبيرج، دانيل ديلاني، ١٩٩٥".
ويتضمن استكشاف الذات، القدرة على كشف الذات Self- disclosure وخاصة مفهوم الذات الخاص أوالعورة النفسية، طواعية وبتلقائية ودون امتناع أو احتراس أو دفاعية. "راجع نظرية الذات في الفصل الثالث".
هذا ويعتبر استكشاف الذات مغامرة مثيرة تتركز على الحاضر أكثر من الماضي، وقد تكون خبرة مؤلمة، ولكنها يمكن أن تصبح معلمة، حتى يصبح الإرشاد ناجحا.
ويلاحظ أن استشكاف الذات يقوم إلى استكشاف جديد ووعي جديد وأعمق للذات وللبيئة وللسلوك.
ويساعد المرشد العميل في إجراء استكشاف الذات عن طريق الاستماع الفعال والتلخيص وعكس المشاعر ودعم الثقة والتصديق والتقبل.
ومعروف أنه كلما زاد استكشاف الذات والوعي بالذات وفهم الذات وتقبل الذات وتحقيق الذات، كلما تحسنت الصحة النفسية.
وخير ما يوضح العلاقة بين استكشاف الذات وكشف الذات وهو ما يعرف باسم "نافذة جوهاري" Johari Window "انظر شكل ٦١".
стр. 294
١- ذات عامة "منفتحة" Open Self وهي معروفة للشخص "العميل" ومعروفة للآخرين "المرشد".
٢- ذات خاصة "مخفية" Hidden Self وهي معروفة للشخص "العميل، ومجهولة للآخرين "المرشد".
٣- ذات مجهولة "لا شعورية" Unknown وهي مجهولة للشخص "العميل" ومجهولة للآخرين "المرشد".
وهناك ملاحظات على هذا النموذج، وهي:
- المساحات في الواقع ليست متساوية.
- تتسع المساحة "١" نتيجة للإرشاد النفسي أو التربية النفسية Psychological Education.
- تنحصر المساحة "٢" نتيجة للتربية النفسية.
- تنحصر المساحة "٣" نتيجة للتغذية المرتدة من الآخرين.
- المساحة "٤" قد تتغير وقد لا تتغير، فهي مجهولة للذات واللآخرين.
- الهدف الأساسي للإرشاد النفسي والتربية النفسية هي توسيع المساحة "١".
- إذا حدث تغير في أي مربع لا بد أن يحدث تغير في مربع آخر أو أكثر.
- الإخفاء يستهلك طاقة، والكشف يوسع المساحة "١" ويسبب التحسن.
- إذا كان هناك تهديد، فلن تتسع المساحة "١".
وهكذا ... عن طريق التربية النفسية، يقوم المرشد -بالتعاون مع العميل- بتغيير الوضع وكلما زاد اكتشاف وكشف الذات، اتسعت المساحة "١" "العامة" وانحصرت المساحات "٢"، "٣"، "٤" "المجهولة" وينفتح الطريق لمزيد من فهم الذات من خلال باقي إجراءات عملية الإرشاد النفسي، "انظر شكلي ٦٢-٦٣".
стр. 295
التداعي الحر FREE- ASSOCIATION:
التداعي الحر أو "الترابط الطليق" يعتبر أصلا من الإجراءات الرئيسية في التحليل النفسي، ولكنه يعتبر كذلك من الإجراءات المشتركة في كل طرق الإرشاد والعلاج النفسي.
стр. 296
ويهدف التداعي الحر أساسا إلى الكشف عن المواد المكبوتة في اللاشعور واستدراجها إلى حيز الشعور.
عملية التداعي الحر:
في التداعي الحر، يترك المرشد للعميل الحرية في أن يطلق العنان لأفكاره وخواطره واتجاهاته وصراعاته ورغباته ومشاعره تسترسل من تلقاء نفسها دون تخطيط ودون اختيار أو تحفظ ودون قيد أو شرط، متناولا تاريخ حياته وخبراته الماضية، دون تقيد بمعناها أو تماسكها أو تسلسلها وحتى دون التقيد بالمنطق، ويطلق العميل العنان بحرية للأفكار تتداعى وتترابط بطلاقة مهما بدت تافهة أو معيبة أو مخجلة أو محرجة أو بغيضة أو مؤلمة أو مستهجنة أو سخيفة أو غريبة أو عديمة الصلة بالموضوع.
ويشبه فرويد Freud العميل أثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق بالجالس بجوار شباك قطار يصف لشخص آخر "المرشد" المناظر المتغيرة المتلاحقة التي يراها ذاكرا كل شيء وأي شيء.
وأثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق يكون المرشد يقظا لما يبدو على وجه العميل من انفعال أو لما يأتيه من حركات عصبية، أو لما يتورط فيه من فلتات اللسان١، أو لما يعتريه من تلعثم أو تردد أو تحرج أو تأخر أو تغير شديد أو توقف مفاجئ في تسلسل التداعي وترابطه، أو لما قد يدلي به من تعليق أو اعتراض على عملية التداعي -وهذه عملية مقاومة- مما يدل على أن العميل يحاول -لا شعوريا عادة- تجنب مواجهة موقف أو خبرة معينة، وهنا يجب أن يتدخل المرشد ليشجع أو يوجه أو يفسر أو يطلب المزيد محاولا الحث على الاسترسال في التداعي الحر والترابط الطليق.
стр. 297
وهكذا يؤدي التداعي الحر إلى استخراج الخبرات اللاشعورية إلى حيز الشعور، وإلى الإدراك الشعوري لتلك الخبرات التي لم تكن متاحة شعوريا، وبمعنى آخر فإنه يؤدي إلى استعادة كل ما استبعد بطريق الكبت من اللاشعور إلى الشعور.
وعندما يتم ذلك يعمل المرشد على تدعيم ذات العميل بدرجة تجعلها قادرة على أن تسيطر على القلق الذي يحركه استدراج المكبوت من اللاشعور إلى الشعور.
وبعد ذلك يتم تفسير ما كشف عنه التداعي الحر أو الترابط الطليق.
هذا وتتأثر عملية التداعي الحر بأربعة متغيرات هي: المثيرات الخارجية، والمثيرات الحشوية الحسية، والمواد الشعورية "مثل ما يريد وما لا يريد العميل أن يقوله مما أودع عن قصد في مستودع مفهوم الذات الخاص"، والمواد اللاشعورية المكبوتة، وهذه المتغيرات تتفاعل أثناء إخراج الأفكار والخبرات والأحداث بحرية وانطلاق مرتبطة بأفكار أخرى سابقة تتصل بدورها بالأفكار المكبوتة في اللاشعور.
تعليقات على التداعي الحر:
هناك عدة تعليقات على التداعي الحر أو الترابط الطليق، فهذه كارين هورني Horney ترى أنه مرغوب فيه ولكنه ليس ضروريا في عملية الإرشاد أو العلاج، وتقول إنه ليس من الضروري أن يتناول كل شيء يرد إلى الذهن، ولكنه يمكن أن يقتصر على الاسترسال التلقائي غير المراقب للخبرات الداخلية، ويرى أوتو رانك Rank أنه لا داعي للتداعي الحر لأنه يلفت نظر العميل إلى ماضيه الأليم مع تركه عاجزا عن مواجهة مشكلاته الحالية.
стр. 298
التفسير INTERPRETATION:
التفسير هو إعطاء معنى للمعلومات يتجاوز نطاق ما عبر عنه العميل أو أعطته وسائل جمع المعلومات، وهو إجابة عن "لماذا" و"كيف" هذه المعلومات.
ويهدف التفسير: إلى إيضاح ما ليس واضحا، وفهم وإفهام ما ليس مفهوما.
أنواع التفسير:
ومن أنواع التفسير ما يلي:
التفسير العام: وهذا قد يشمل جميع البيانات، ويؤدي عادة إلى تعميم يفيد الدارسة الكلية لحالة العميل.
стр. 299
التفسير الخاص: وهذا يقتصر على بعض عبارات العميل أو بعض نتائج الاختبارات أو بعض الخبرات في حياة العميل.
التفسير الصامت: وهذا يحدث في عقل المرشد ولا يقوله العميل. وهذا التفسير الصامت هام في فهم حاجات العميل وأساسي في عملية الإرشاد.
فوائد التفسير في عملية الإرشاد:
من فوائد التفسير في عملية الإرشاد ما يلي:
- إحداث تغيير في إدراك العميل لخبراته ومشكلاته وسلوكه، وربط الماضي بالحاضر والتطلع إلى المستقبل.
- إحداث تغيير في معرفة العميل وتفكيره ومشاعره تجاه نفسه، وإحداث تغيير في سلوكه.
- تنمية بصيرة العميل ووضوح مفهومه عن ذاته وزيادة ثقته في نفسه.
- مساعدة العميل في اتخاذ قراراته وفي حل مشكلاته.
- إبعاد القلق أو تخفيفه.
- كشف الصراعات والمساعدة في حلها.
- تسهيل التداعي الحر.
- تحليل التحويل والتغلب على المقاومة.
- زيادة اهتمام العميل بعملية الإرشاد.
- شعور المرشد بعمل شيء ملموس للعميل.
عملية التفسير:
يقوم بالتفسير كل من المرشد والعميل، ويستعين المرشد في التفسير بمعرفته النفسية التي جمعها من خبرته بالحياة، ومن ثقافته ودراساته، وحالات الإرشاد التي قام بها، ويحتاج التفسير إلى علم واسع ودراية كبيرة بآخر ما وصل إليه علم النفس بكافة فروعه وخاصة المتصلة بالإرشاد النفسي في الدوريات العملية، وكذلك يجب أن يكون المرشد على علم بخصائص الثقافة التي يعيش فيها والثقافات الفرعية كما في الريف والحضر والبدو، وأن يكون على دراية بسيكولوجية الأعزب والمتزوج والعانس والأرمل والشاب والشيخ ... إلخ، ويستفيد المرشد في التفسير بملاحظة سلوك العميل وتتبع فلتات لسانه وكل ما يساعد على فهم عناصر معينة من شخصيته.
стр. 300
ويتيح المرشد للعميل فرصة التفسير، إذا توصل كل من المرشد والعميل إلى نفس التفسير كان في ذلك فائدة كبيرة، ومن هنا تأتي أهمية تعاون العميل مع المرشد في التفسير، ويحذر أنصار طريقة الإرشاد غير الموجه أو الممركز حول العميل من استئثار المرشد بالتفسير لأنه قد يؤدي إلى ظهور اتجاه دفاعي لدى العميل مما يعطل سير عملية الإرشاد.
ويبدأ التفسير عندما تتجمع المعلومات الكافية التي تساعد في التفسير، وعندما يصبح العميل مستعدا عقليا وانفعاليا للمشاركة فيه وتقبله وتحمله، أي أن التفسير يجب أن يقدم في اللحظة السيكولوجية المناسبة لتقبله. وهنا نحذر من خطأ الاستعجال والقيام بالتفسير المبكر قبل أوانه مما قد يضر أكثر مما ينفع، حيث قد يؤدي بالعميل إلى حالة من الفزع واللجوء إلى المقاومة، وقد ينصرف عن عملية الإرشاد.
مواد التفسير:
يتناول التفسير ما يلي:
المعلومات: التي تم جمعها عن العميل مباشرة باستخدام وسائل جمع المعلومات مثل الاختبارات والمقاييس وغيرها.
- الأسباب: وتتضمن أسباب المشكلة أو الاضطراب أو المرض وزملتها وأصلها ورموزها ومعناها ووظائفها وأهدافها.
السلوك: ويتناول ذلك بعض نماذج السلوك في الماضي والحاضر أثناء أو خارج جلسة الإرشاد.
ديناميات العلاقة الإرشادية: بين المرشد والعميل.
- التفاعل الاجتماعي: والعلاقات الاجتماعية مع الآخرين.
- المشاعر والأفكار والرغبات والاتجاهات والصراعات: أي كل ما يكشف عنه التداعي الحر أو الترابط الطليق من مشاعر وأفكار ورغبات واتجاهات وصراعات ... إلخ، وعلاقتها بخبرات العميل ومشكلاته في الماضي والحاضر، مما يساعد العميل في عملية الاستبصار بهذه المواد التي لم يكن يعرفها من قبل.
стр. 301
توريات العميل: وقراءة وتفسير ما بين السطور. ويعتقد أن الكثير مما يقوله العميل عبارة عن تورية لأشياء أخرى, ومن ثم فإن على المرشد استنتاج وترجمة وتفسير المعاني الكامنة وراء ذلك.
المنسيات: ويقصد هنا استنتاج ما نسيه العميل من بين ما يقوله.
طورائ عملية الإرشاد: مثل التحويل والإحالة والمقاومة، وسيأتي تفصيلها في هذا الفصل.
جوانب أخرى: مثل أسلوب الحياة وديناميات الشخصية وحيل الدفاع النفسي.
عوامل نجاح التفسير:
من عوامل نجاح التفسير وفائدته الإرشادية ما يلي:
الوضوح: يجب أن يكون التفسير واضحا وسهلا ومفهوما ومنطقيا، وأن يكون مناسبا لمستوى استيعاب وفهم العميل، وأن يكون خاليا من المصطلحات الفنية الصعبة أو اللغات الأجنبية التي لا يعرفها العميل، وحتى التفسير مع استخدام الأرقام قد لا يجد له العميل معنى، ولذلك يجب أن يكون التفسير وصفيا كيفيا.
الإيضاح: يقصد هنا استخدام وسائل الإيضاح اللازمة كلما أمكن، مثل الصور والرسوم واللوحات التوضيحية مثل صور الجهاز العصبي وبناء الشخصية ... إلخ.
التدرج: يجب أن يكون التفسير متدرجا في شكل "جرعات" مناسبة في وقتها المناسب، ولا يكون كثيرا ودفعة واحدة.
الشمول: يجب أن يكون التفسير شاملا وكاملا ومتكاملا، بمعنى أن تكون التفسيرات للخبرات المختلفة والمشاعر المتنوعة متكاملة، ولا شك أن التفسير الجزئي لا يقنع ولا يكفي.
الدقة: يجب أن يكون التفسير دقيقا وعلميا، أي في ضوء النظريات العلمية. والتفسير الخاطئ له آثاره الضارة.
الإقناع: يجب أن يقنع العميل بالتفسير ويقبله على المستوى العقلي والمعرفي والمستوى الانفعالي حتى يؤدي هدفه.
стр. 302
التنفيس الانفعالي CATHARSIS:
يعرف التنفيس الانفعالي أحيانا باسم "التفريغ أو التطهير الانفعالي". وهو إجراء هام في عملية الإرشاد النفسي.
стр. 303
والتنفيس الانفعالي يقصد به التنفيس عن المواد والخبرات المشحونة انفعاليا، ويتضمن تفريغ العميل ما بنفسه من انفعالاته، أي أنه يعتبر بمثابة تطهير للشحنات الانفعالية، وتفريغ للحمولة النفسية.
إن المشكلة النفسية في حياة العميل كجمرة النار في يده، وكالشوكة في قدمه، يجب أن يخرجها أولا وبأسرع ما يمكن ويطهر مكانها حتى يستطيع أن يتعامل مع الناس وأن يشق طريقه في الحياة.
عملية التنفيس الانفعالي:
تعتبر عملية التنفيس الانفعالي بمثابة "بكاء على كتف المرشد"١. فمن مظاهر التنفيس الانفعالي ما يلاحظ أثناءه من بكاء العميل أو غضبه أو ثورته، أو الإفضاء أو الاعتراف المفاجئ بكل شيء.
ويمكن تشبيه عملية التنفيس الانفعالي بعملية التحنيط أو سحب الروح أو الشحنة الانفعالية من الخبرة المخيفة، فتصبح -رغم ظهورها في حيز الشعور- غير مخيفة. إن الخبرة الانفعالية المتربصة بالعميل مثلها كمثل الوحش المفترس يخيف باستمرار حتى وهو بعيد، أما عندما تفرغ أو تطهر من الشحنة الانفعالية فإنها تكون مثل الحيوان المحنط، كان وحشا ومفترسا يخيف فعلا، ولكن تم صيده والسيطرة عليه وسحب روحه وتحنيطه فأصبح مع وجوده معنا لا يخيف. وهكذا، بعد التنفيس الانفعالي وسحب وتنفيس وتفريغ وتطهير الشحنة الانفعالية من الخبرة المؤلمة أو المشكلة المؤلمة، يمكن للعميل أن يتذكرها ويتكلم عنها دون قلق أو خوف.
ومن وسائل التنفيس إتاحة الفرصة أمام العميل للتحدث في تداع حر وترابط طليق عن كل ما يجول بخاطره: عن صراعاته وإحباطاته وحاجاته ومشكلاته ومخاوفه ونواحي قلقه وأنماط سلوكه المنحرف، في إطار من حسن الإصغاء وتشجيع التعبير عن النفس، وفي مناخ نفسي دافئ آمن خال من الأحكام الأخلاقية واللوم والعقاب، ومن وسائله أيضا الشرح والتفسير وتوضيح الحالات الانفعالية، بما يتيح الفرصة أمام العميل لكي يرى هو نفسه وما يلون سلوكه من
انفعالات.
стр. 304
ومما يساعد على نجاح عملية التنفيس الانفعالي، توثيق العلاقة الإرشادية السليمة وتهيئة مناخ نفسي صحي مناسب خال من الرقابة، يتيح فرصة اختفاء حيل الدفاع النفسي.
ومما يعرقل عملية التنفيس الانفعالي تدخل انفعالات مؤلمة "مثل الاشمئزاز والخزي والعار والشعور بالذنب" مما يضطر الأنا إلى اللجوء إلى حيل الدفاع النفسي ضد هذه الانفعالات المؤلمة مثل الإنكار والتكوين العكسي والإلغاء ... إلخ.
وقد يستعين المرشد بوسائل مساعدة في عملية التنفيس الانفعالي، فقد كان فرويد Freud يستعين بالإيحاء أثناء التنويم، ثم لجأ إلى الإيحاء أثناء اليقظة، ثم انتقد هو نفسه هذا الأسلوب لأن بعض العملاء لا يمكن تنويمهم، ولأن هذا الأسلوب يتضمن إقحام مؤثرات نفسية خارجية على العميل عليه أن يتقبلها دون مناقشة، ومن ثم فهي تقرب إلى أن تكون عملية "تضليل نفسي" منها أن تكون عملية إرشاد نفسي. وهكذا لجأ فرويد إلى التداعي الحر أو الترابط الطليق كوسيلة مساعدة للتنفيس الانفعالي.
فوائد التنفيس الانفعالي في عملية الإرشاد:
يفيد التنفيس الانفعالي في عملية الإرشاد على النحو التالي:
- تخفيف ضغط الكبت حتى لا يحدث انفجار وحتى لا يتصدع وينهار بناء الشخصية١.
- التخلص من التوتر الانفعالي، عندما يحدث لدى العميل ما يشبه "الانفتاح الانفعالي".
- اختفاء أعراض العصاب.
- إزاحة الحمولة النفسية الانفعالية الزائدة عن كاهل العميل ونحن نعلم أن الخبرات النفسية والأحداث الشخصية والذكريات والصراعات اللاشعورية بمصاحبتها الانفعالية المكبوتة تعتبر بمثابة حمولة نفسية داخلية. ولا بد أن تتناسب الحمولة النفسية للعميل مع قوته وطاقته وقدرته على التحمل، ويفيد التنفيس الانفعالي في التخلص من الحمولة النفسية والشحنة الانفعالية الزائدة عن طاقة التحمل وخاصة إذا كانت القوة محدودة ومع مرور الزمن.
стр. 305
الاستبصار INSIGHT:
الاستبصار هو فهم النفس ومعرفة الذات والقدرات والاستعدادات، وفهم الانفعالات ومعرفة دوافع السلوك والعوامل المؤثرة فيه، ومعرفة مصادر الاضطراب والمشكلات وإمكانات حلها، ومعرفة الإيجابيات والسلبيات ونواحي القوة ونواحي الضعف.
عملية الاستبصار:
الاستبصار أمر يعمل المرشد على نموه عند العميل من خلال عدة جلسات إرشادية، ويجب أن تكون عملية الاستبصار عن طريق نشاط العميل الذاتي الذي يوجهه المرشد.
ويتضمن الاستبصار ما يلي:
- تقبل الذات وفهمها وإعادة تنظيمها، وإعادة تنظيم مفهوم الذات بمستوياته المختلفة، وحل مشكلة عدم التطابق بين مستوياته.
- فهم الواقع وتقبله والتوافق معه، ليس على طريقة المغلوب على أمره، ولكن بطريقة الفاهم للحياة المتبصر بالأمور، أي أن تقبل الواقع يكون في حدود العقل والمنطق، فإذا لم يستطع العميل تقبل ذاته وتقبل واقعه وإصلاح ذاته فليس له أن يطمع في إصلاح العالم من حوله.
- نمو الإرادة التي يقهر بها العميل كل مشكلاته ويسيطر هو عليها بدلا من أن يتركها تسيطر عليه.
- تحويل خبرات العميل من خبرات مؤلمة إلى خبرات معلمة١، والاستفادة من الماضي والحاضر في التخطيط المستنير للمستقبل.
- تحويل نقاط الضعف والسلبية إلى مصادر قوة إيجابية، حيث يستفيد العميل من أخطائه عندما يدركها على حقيقتها.
- نقص واختفاء حيل الدفاع النفسي غير التوافقية مثل الإسقاط وغيرها.
ولكي يقوم المرشد بدوره جيدا في عملية الاستبصار، فعليه أن يكون مثله كمثل المرآة ليرى العميل نفسه بطريقة أوضح وبدرجة أفضل، فالفرد لا يستطيع أن يرى وجهه إلا بمرآة٢.
стр. 306
وعلى المرشد أن يكون مستقبلا لخبرات العميل، ويعكس ما يعرض عليه من دوافع واتجاهات ومشاعر العميل، وذلك عن طريق التعبيرات اللفظية وغيرها، وهكذا يستطيع العميل مناقشة مشكلاته التي لم يكن يستطيع مناقشتها من قبل، والتي ربما لم يكن يعترف بها كمشكلات خاصة به، ويصبح أكثر أمانة مع نفسه، ويتخلص من الواجهة المزيفة التي كان يطل بها على العالم، ويعدل مفهومه عن ذاته، ويتقبل ذاته، ويحدث التغير المطلوب في سلوكه بما يؤدي إلى توافقه النفسي.
فوائد الاستبصار في عملية الإرشاد:
يفيد الاستبصار في فهم الذات مما يعتبر أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للإرشاد الناجح وتحقيق واحد من أهم أهدافه، ويفيد في إدراك العميل بوضوح أكثر لسلوكه المضطرب وقدرته على التحكم في هذا السلوك، ويؤدي الاستبصار إلى تحقيق تعلم جديد يتغير على أساسه السلوك.
ويتبع نمو وزيادة الاستبصار تفسيرات من جانب المرشد تمهد للمزيد من الجهد الإيجابي من جانب العميل.
ومن المأثورات في فوائد الاستبصار ما ورد في إحدى رسائل أخوان الصفا١: "اعلم يا أخي أيدك الله وإيانا بروح منه ... أن لب العلوم الشريفة، معرفة الإنسان نفسه، لأنه قبيح بكل عالم
стр. 307
يتعاطى الحكمة، أن يدعي معرفة الأشياء وهو لا يعرف نفسه ويجهل حقيقة ذاته، ثم أعلم أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف نفسه على الحقيقة، إلا أن ينظر ويبحث، وذلك من ثلاث جهات، أحدها الجسد مجردا من النفس، والثاني النفس مجردة من الجسد، والثالث الجملة المجموعة من النفس والجسد ... ".
стр. 308
التعلم LEARNING:
يعتبر التعلم واكتساب العادات السلوكية خطوة هامة وضرورية في عملية الإرشاد النفسي. ويرى البعض أن عملية الإرشاد كلها عملية تعلم، يتعلم العميل خلالها عن نفسه وعن قدراته وعن علاقاته الشخصية واتجاهاته وعن العالم الذي يعيش فيه، ويتعلم أساليب تفكير جديدة وعادات سلوكية جديدة "بروس شيرترز وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ ١٩٧٦".
وكما سنرى في الفصل التالي، فإن الإرشاد السلوكي يعتبر تطبيقا عمليا لقواعد ومبادئ وقوانين التعلم في ميدان الإرشاد النفسي.
عملية التعلم في الإرشاد النفسي:
التعلم عملية تحتاج إلى وقت لأنها أساسا عملية تغير في السلوك نتيجة للخبرة والممارسة، والوقت المطلوب لإحداث تغير في السلوك لا يقاس بالساعات ولكنه يقاس بالخبرات التي يمر بها العميل أثناء عملية الإرشاد، فقد يحقق مرشد مع عميل تقدما واضحا في وقت أقصر كثيرا من الوقت الذي يستغرقه نفس المرشد مع عميل آخر.
ويقول البعض إن العملية صعبة بالنسبة لبعض العملاء صحيح أنها قد تكون صعبة، ولكنها ممكنة، ولينظر هؤلاء إلى مدربي السيرك الذين يستطيعون تعليم الوحوش وتدريبهم وتحويلهم إلى حيوانات مستأنسة.
وتتضمن عملية التعلم تهيئة خبرات وممارسات شخصية واجتماعية جديدة سليمة تتيح فرصة تعلم السلوك السوي، وتكوين مدركات جديدة، واكتساب أنماط سلوكية جديدة في حل المشكلات، وتعلم ضبط الانفعالات والتوافق النفسي السليم، وملء الفجوات والفراغات التي تركها الوالدن والمربون أثناء تعلم العميل، كما يحدث مثلا في التربية الجنسية ... إلخ.
стр. 309
ومعنى هذا أن المرشد يعمل على توفير مواقف تعلم تتوافر فيها شروط التعلم الجيد مثل المناخ النفسي المناسب والعلاقة السليمة وإثارة الدافعية الكافية، واختيار المادة المتعلمة وتنظيمها وتدريجها ومناسبتها بما يتفق مع استعداد العميل، وشرحها وتفسيرها واستخدام الثواب والتعزيز ... إلخ، مع تقييم نتائج عملية التعلم.
وهنا يقرب موقف المرشد من موقف المعلم حين يستخدم كل ما يعرفه من نظريات التعلم وطرق التربية والتعليم، وقد تأخذ عملية التعلم هنا شكل المحاولة والخطأ والتعلم الشرطي ... إلخ.
فائدة التعلم في عملية الإرشاد:
إن ما يتعلمه العميل من أساليب سلوكية خلال عملية الإرشاد مكسب كبير والمرشد عادة يضع في حسابه أثناء عملية الإرشاد أن يهيئ الخبرات المناسبة التي تتيح للعميل أن يتعلم مهارات توافقية كثيرة، وأن يتعلم حل مشكلات بنفسه مستقبلا. وهذا خير ألف مرة من أن يحل المرشد له مشكلته التي جاء بها فحسب١.
تعديل وتغيير السلوك
стр. 310
BEHAVIOUR MODIFICATION AND CHANGE:
تعتبر الاضطرابات النفسية تجمعات لعادات سلوكية خاطئة أو غير متوافقة، متعلمة ومكتسبة، نتيجة للتعرض المتكرر للخبرات التي تؤدي إليها، وهذه الاضطرابات السلوكية المتعلمة يمكن علاجها عن طريق تعديلها وتغييرها الواحد تلو الآخر، تعديلا وتغييرا من السيئ إلى الأحسن، ومن الغريب إلى المألوف، ومن الشاذ إلى العادي، ومن اللامتوافق إلى المتوافق، بحيث يصبح السلوك أكثر فعالية وكفاية وواقعية وفائدة "دوجلاس براون Brown؛ ١٩٧١".
ولقد تطورت طرق الإرشاد السلوكي مستندة إلى رصيد كبير من نتائج بحوث علم النفس التجريبي كان هدفها تعديل وتغيير السلوك ، وأدت إلى تيسير ضبط وتعديل وتغيير السلوك عن طريق محو تعلم السلوك الشاذ أو غير التوافقي المطلوب التخلص منه، وإعادة التعلم من جديد. وأصبح المرشد يستطيع استخدام طرق التعلم ومحو التعلم وإجراءاتها المعروفة مثل التعزيز والانطفاء والإشراط ... إلخ.
стр. 311
عملية التعديل وتغيير السلوك:
عملية تعديل وتغيير السلوك في جوهرها تعتبر عملية محو تعلم Unlearning وإعادة تعلم Relearining
وتتضمن العملية محو تعلم السلوك الخاطئ غير السوي أو غير المتوافق أو غير المرغوب والذي يظهر في الأعراض، وذلك بالعمل على إطفائه بالتخلص منه، ومن الطرق المستخدمة في تلك الإشراط التجني، واستخدام الخبرات المنفردة، وتدريب الأطفال، والممارسة السالبة "انظر حامد زهران، ١٩٩٧".
وتتمضن العملية إعادة التعليم، وإعادة التنظيم الإدراكي للعميل، وإعادة تنظيم سلوكه، والتعلم من جديد لأنماط سلوكية تحل محل الأنماط السلوكية التي محيت، بحيث ينتقل أثر هذا التعلم والتدريب الجديد من الموقف الإرشادي إلى مواقف الحياة اليومية العلمية خارج عيادة أو مركز الإرشاد، ويتم ذلك عن طريق عملية التعلم حيث يعمم العميل مثلا الاتجاهات التي كونها نحو المرشد والخبرات التي اكتسبها إلى سائر الناس والمواقف في البيئة الخارجية التي يعيش فيها.
وتسير عملية تعديل السلوك وتغيير السلوك على النحو التالي:
- تحديد السلوك المطلوب تعديله أو تغييره: ويقصد بذلك تحديد دقيق للسلوك المضطرب الظاهر الذي يمكن ملاحظته وتقييمه موضوعيا.
- تحديد الظروف التي يحدث فيها السلوك المضطرب: ويقصد بذلك تحديد كل الظروف والخبرات التي يحدث فيها السلوك المضطرب وكل ما يرتبط به وما يسبقه من أحداث وما يتلوه من عواقب. فمثلا إذا كان العميل يشكو من خواف، فإن الانتباه يوجه إلى المناسبات التي تسبق الشعور بالخوف، والمناسبات التي يشعر العميل فيها بالخوف، والأحداث التي تتلو حدوث الخوف.
- تحديد العوامل المسئولة عن استمرار السلوك المضطرب: ويتم ذلك بتقدير ما إذا كان السلوك المضطرب يحدث نتيجة لعوامل بسيطة ونتيجة لارتباط شرطي، أم أن وراء استمراره عوامل أساسية أخرى، أم أنه يستمر بسبب النتائج التي يؤدي إليها.
- اختيار الظروف التي يمكن تعديلها أو تغييرها: ويتم ذلك بالتعاون بين كل من المرشد والعميل.
- إعداد جدول لإعادة التعلم والتدريب: ويتم ذلك بإعداد خبرات ومواقف متدرجة يتم فيها إعادة التعلم والتدريب من خلال ممارسة السلوك الجديد في إطار الخبرة المعدلة
стр. 312
بحيث يتم إنجاز البسيط والقريب قبل المعقد والبعيد. وهنا يلزم ترتيب الإمكانات في شكل سهل وممكن ومستحيل، ويستحث المرشد العميل على أن يبذل ما في وسعه وأن يحاول وأن يتعلم وأن يجرب١.
- تعديل الظروف السابقة للسلوك المضطرب: ويقصد بذلك تعديل العلاقات بين الاستجابات وبين المواقف التي تحدث فيها، كما في حالات نقص القدرة على التفاعل الاجتماعي السليم.
- تعديل الظروف البيئية، ويتضمن ذلك تعديل العلاقات المتبادلة بين الاستجابات ونتائجها التي تؤدي إليه، بما يؤدي إلى حدوث السلوك المرغوب في الظروف التي لم يكن يحدث فيها.
- وتنتهي العملية عند الوصول إلى السلوك المعدل المنشود.
هذا ويقول البعض إن هناك عادات سلوكية تقاوم التعديل والتغيير، ويمكن في مثل هذه الحالات الاكتفاء بتقليل تكرار مثل هذا السلوك. والرد الموجز عليهم أنه ليس هناك مستحيل أمام سلطان الإرادة وقوة العزيمة٢.
فوائد عملية تعديل وتغيير السلوك في عملية الإرشاد:
تفيد عملية تعديل وتغيير السلوك في نواح كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
- تعديل مفهوم الذات لدى العميل.
- تعديل وتغيير الانفعالات غير السوية.
- تعديل وتغيير نواحي النشاط العقلي المعرفي مثل بعض أفكار العميل ومعتقداته عن سلوكه وعن الآخرين ... إلخ.
стр. 313
- تعديل الاتجاهات السالبة والجامدة وغير المقبولة اجتماعيا والمتعصبة، واتجاهات العميل نحو الآخرين ونحو الحياة بصفة عامة "تولبي ورايت Taublee & Wright؛ ١٩٧١".
стр. 314
النمو وتغيير الشخصية:
يؤكد فوان Vaughan؛ "١٩٧٥" أهمية النمو وتغيير الشخصية كإجراء هام في عملية الإرشاد النفسي. ويقول كارل روجرز Rogers؛ "١٩٥٨، ١٩٦١" إن النمو النفسي نحو النضج وتغيير شخصية العميل نحو التكامل والاستقلال إجراء يجب أن يكون من أهم معالم عملية الإرشاد النفسي.
النمو:
يقول أوزيبو ووالش Osipow & Walsh؛ "١٩٧٠" إن أكبر هدف لعملية الإرشاد يجب أن يكون تسهيل النمو النفسي العادي للعميل، ويقصد بالنمو النفسي هنا النمو العقلي والانفعالي والاجتماعي للعميل، ونمو الذات لديه وتقبل الآخرين وتحديد فلسفة عامة في الحياة أكثر واقعية.
والنمو يتضمن التغير التقدمي نحو النضج الانفعالي الاجتماعي والعقلي والجسمي. وتهتم عملية الإرشاد النفسي بالنمو الوظيفي "السلوكي" ويشمل نمو الوظائف النفسية للعميل "حامد زهران، ١٩٩٠".
ويتضمن تحقيق النمو الذي يحدث خلال عملية الإرشاد ضرورة تحسين العوامل التي تؤثر فيه، والتغلب على العوامل التي تعوقه.
إن العميل عندما يبدأ عملية الإرشاد ويستمر فيها لا يمكن أن يظل كما هو -أي كما بدأها- حين ينتهي منها. إن نموا ما وتغيرا ما يحدث إلى أفضل في معظم الحالات. ويمكن أن يلاحظ ذلك بمقارنة حالة العميل في بداية العملية وفي نهايتها.
تغيير الشخصية:
ويحدث التغيير في البناء الوظيفي للشخصية: فمن الناحية العقلية يعرف العميل أشياء لم يكن يعرفها ويكتسب مهارات جديدة، ومن الناحية الانفعالية يتخلص من أسباب وأعراض الضيق والتوتر الانفعالي، ومن الناحية الاجتماعية تتحسن علاقاته الاجتماعية وتتعدل اتجاهاته ... وهكذا.
стр. 315
ومن ناحية البناء الدينامي للشخصية يخف الصراع بين القوى المحركة في الشخصية بين غرائز الهو وبين الأنا الأعلى الضعيف والأنا المغلوب على أمره، ويتخلص من كثير من المكبوتات في اللاشعور.
وهكذا يزداد تكامل الشخصية وانتظام مكوناتها، وظيفيا وديناميا مما يساعد على تحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية.
ويلاحظ أن تغيير شخصية العمل أمر جد خطير يحتاج إلى خبرة، وذلك يحتم أن يقتصر إجراؤه على المرشدين والمعالجين والنفسيين والمختصين الحائزين على أعلى المؤهلات العلمية وأوسع خبرة عملية.
стр. 316
اتخاذ القرارات DECISION - MAKING:
يتحدث بعض الكتاب عن "الإرشاد كعملية اتخاذ قرارات"، وعن عملية الإرشاد اتخاذ القرارات" Decision - making Cases "أوزيبو ووالش Osipow & walsh؛ ١٩٧١".
ونحن نعلم أن كل أنواع السلوك الانعكاسي والغريزي -فيها اختيار بين عدة احتمالات سلوكية. ومن هنا تأتي أهمية اتخاذ القرارات في حياة كل فرد.
إن حق العميل في تحديد أهدافه وفلسفة حياته واتخاذ قراراته بنفسه لنفسه يجب أن يكون مؤكدا. إن الحياة حياته والسلوك سلوكه والقرارات لا بد أن تكون قراراته، وبهذا تكون عملية الإرشاد عملية تعبر عن الديمقراطية في التعامل.
ولقد بدأ الإرشاد النفسي أيام أن كان في مهده قاصرا على الإرشاد المهني وموجها أساسا نحو مساعدة الأفراد في الاختيار المهني أي في اتخاذ قرار مهنة العمر.
ومن المهم أن نعلم أن عملية الإرشاد لا تهدف إلى اتخاذ قرارات معينة، بقدر ما تهدف إلى تعلم العميل كيف يتخذ القرارات بصفة عامة.
ورغم أن المرشد مسئول عن مساعدة العميل على تحقيق أهداف عملية الإرشاد، فإن مسئولية اتخاذ القرارات التي تحدد تحقيق هذه الأهداف تنفيذها هي مسئولية العميل.
стр. 317
أهمية اتخاذ القرارات في عملية الإرشاد:
يمر الفرد في حياته بصفة عامة بسلسلة متصلة من المواقف التي تتطلب اتخاذ قرارات. ومن هذه القرارات ما هو خطير وهام مثل اتخاذ قرار بخصوص الزواج واختيار المهنة وإكمال التعليم واختصاره، وهذه تدخل في مجالات الإرشاد الزواجي والمهني والتربوي على الترتيب. وهكذا يحتاج الفرد العادي إلى تعلم اتخاذ القرارات، والبعض يحتاجون إلى مساعدة بالنسبة لقرارات خاطئة تم اتخاذها.
كذلك يشهد الفرد في حياته فترات انتقال حرجة عليه أن يتخذ فيها قرارات هامة، مثل انتقاله من المدرسة الإعدادية إلى المدرسة الثانوية في أي اتجاه يسير. وعند انتقاله من المرحلة الثانوية إلى التعليم العالي فأي تخصص يختار ... وهكذا.
وهناك الكثيرون من الأفراد يلاقون صعوبات، ويحتاجون إلى مساعدة في عملية اتخاذ القرارات، ومن هؤلاء من تنقصهم المعلومات التي يحتاجون إليها. ومنهم من يعرفون معلومات لا يحتاجون إليها، ومنهم من يعجزون عن استخدام المعلومات التي يحصلون عليها، ومنهم من يتسم سلوكه بالتردد عن الاختيار بين الاحتمالات المتعددة، وقد يصل الحال إلى درجة الصراع الذي قد يكون صراع إقدام إقدام لاختيار أحد قرارين كلاهما جذاب، كاختيار فتاة بين قرار الزواج أو قرار العمل، وقد يكون صراع إحجام وإحجام لاختيار بين قرارين متعلقين بخبرتين منفرتين كاختيار موظف بين الاختلاس أو الإفلاس، وقد يكون صراع إقدام وإحجام لاتخاذ قرار حاسم في حالة وجود موقفين أحدهما جذاب والآخر منفر مثل قرار الزواج من حسناء منحرفة.
وفي كل هذه الحالات لا بد من حل الصراع واتخاذ قرار.
ويضاف إلى ذلك أن من القرارات ما يجب أن يكون سريعا وحاسما، ومنها ما يتورط فيه الفرد متسرعا، ومنها ما يكون موفقا وناجحا، ومنها ما يكون خاطئا، ومنها ما يؤدي إلى الشعور بالذنب والندم، ومنها ما لا تظهر آثاره إلا بعد عدة سنوات.
عملية اتخاذ القرارات:
عملية اتخاذ القرارات هي في جوهرها مساعدة المرشد للعميل في تيسير الخطوات التي تمكن من وصول العميل إلى قرارات مناسبة، واتخاذ قراراته، بنفسه، وتحمل مسئولية القرارات التي يتخذها، وهذا كما نعلم مطلب أساسي من مطالب النمو النفسي السوي.
وفي عملية الإرشاد كعملية تعلم، ذكرنا أنه يجب تعليم العميل مهارة اتخاذ القرارات، ومساعدته في اتخاذ القرارات التي تعثر في اتخاذها أو أخفق فيها أو أخطأ فيها، بحيث يستطيع القيام بذلك مستقلا مستقبلا.
стр. 318
وتمر عملية اتخاذ قرار بخطوات هي: تحديد الهدف وفهمه، وتجميع المعلومات اللازمة للاستكشاف والاختيار، وتحليل ومناقشة وتفسير المعلومات وتحديد البدائل والاحتمالات، وتقييم البدائل والاحتمالات في ضوء التنبؤ بالنتائج والآثار المحتملة بالنسبة لتحقيق الهدف، واختيار أنسب الاحتمالات أي اتخاذ القرار "جاكسون، وجونيبر Jackson & Juniper؛ ١٩٧١".
العوامل التي تؤثر في اتخاذ القرارات:
تتأثر عملية اتخاذ القرارات بعدة عوامل منها: شخصية الفرد، والبيئة المادية التي يعيش فيها، والعوامل الاجتماعية والثقافية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الدوافع والقيم والميول والمعايير الاجتماعية تؤثر في اتخاذ الفرد قرارا بخصوص الزواج أو قرارا بخصوص المهنة أو قرارا بخصوص التعليم.
كذلك فإن عملية اتخاذ القرارات تتضمن مواقف تضم نوعين من المتغيرات: أولهما يتعلق بالفروق بين الأفراد، وثانيهما يتعلق بالفروق بين الاختيارات المحتملة.
стр. 319
حل المشكلات PROBLEM SOLVING:
ذكرنا أن من أهم أهداف عملية الإرشاد حل مشكلات العميل، وذلك بأن يساعده المرشد على إيجاد الحلول واقتراحها بنفسه ويتحدث بعض الكتاب عن "الإرشاد كعملية حل المشكلات".
ويتصور بعض العملاء أن مشكلاتهم حلها عسير، ويجب أن يعمل المرشد على تشجيعهم ومساعدتهم لبذل الجهود لحلها١.
ومن المهم أن نعرف أن عملية الإرشاد لا تهدف إلى حل مشكلات العميل التي جاء بها فحسب، ولكنها تهدف إلى تعليمه كيف يحل ما قد يطرأ عليه من مشكلات مستقلا مستقبلا، وهكذا نجد أن عملية الإرشاد تتطلع إلى المستقبل إلى جانب اهتمامها بالحاضر.
стр. 320
أسلوب حل المشكلات:
يمكن اعتبار حل المشكلات التي جاء بها العميل كنموذج أو عينة أو تدريب له لكي يستطيع حل مشكلاته بنفسه مستقلا مستقبلا، مستفيدا بخبرة عملية الإرشاد، وقد ذكرنا أن المرشد لا يحل للعميل مشكلته ولا يقدم له حلولا جاهزة، ولكنه يساعده في حل المشكلة بنفسه، ويتبع لتحقيق ذلك ما يلي:
- بعد التشخيص وتحديد المشكلة، يبدأ العمل في حصرها والسيطرة عليها وحلها.
- تدرس المشكلة طولا وعرضا وعقما من كل أبعادها وتفهم جيدا، وتقتلع أسبابها من جذورها، وتزال أعرضها، لأننا إذا أزلنا الأعراض تركنا الأسباب والجذور فسوف تنمو مشكلات جديدة.
- يتم استعراض المحاولات السابقة لحل المشكلة وأسباب إخفاقها ومدى النجاح الذي تحقق.
- يوجه المرشد العميل إلى اقتراح عدد من الحلول الرئيسية والحلول البديلة الاحتياطية، بحيث تكون هذه الحلول ممكنة ومقبولة اجتماعيا ومشبعة للعميل.
- تحديد الحلول المرتضاة وترتب حسب الأولية، وتوضع الخطط لتنفيذها.
- يحرص كل من المرشد والعميل على التأني وعلى تجنب الحل المبكر غير الناضج للمشكلة.
- يقوم المرشد بالمساعدة فقط، ويحرص على توجيه كل شيء نحو الوصول إلى حل المشكلة مع الاحتياط خشية تورط العميل في اقتراح حلول واضح أنها غير موفقة أو خاطئة أو ضارة به أو بالآخرين، ويحاول المرشد تشجيع العميل على المحاولة حين يظن أنه لا يقدر، وعلى التعلم حين يقول أنه لا يعرف، وعلى التجريب إذا تعلل بأن الحل مستحيل. ومثل المرشد هنا مثل المعلم الذي يعلم شخصا قيادة سيارة، إنه يجلس بجواره فقط، والذي يقود السيارة فعلا هو الشخص الذي يتعلم القيادة، وقد يخطئ أخطاء طفيفة يلفت المعلم نظره إليها، ولكنه إذا أقبل على خطأ جسيم فهنا يتدخل معلمه فورا لتفادي حدوث الخطر.
- يقوم العميل بتنفيذ الخطة الموضوعة لحل المشكلة، وهو مسئول عن هذا١.
وجدير بالذكر أن بعض العملاء قد يضعون شروطا لحل المشكلة تكون بمثابة العقدة في المنشار وتعوق العملية، ويجب أن يذكرهم المرشد أنه "لا شروط" في عملية الإرشاد.