قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .
- الإخلاص لله: هذا يتضمن أن يكون سلوك الإنسان سويا خالصا غايته رضى الله قياما بالواجب في سائر العبادات وكافة الأعمال، مسبوقا بالنية الحسنة قاصدا وجه الله، ومخالفا أهواء النفس مما يعود بالخير على الفرد والجماعة، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .
- المسئولية: يأتي على رأسها مسئولية الاختيار. فالإنسان بنعمة العقل مخير. قال الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وقال تعالى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وقال رسول الله ﷺ : "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة". وقال ﷺ : "إن الملائكة لتضع أجنحتها على طالب العلم رضى بما يصنع".
- البعد عن الحرام: هذا أمر ضروري جدا وصريح، ويتضمن الالتزام بالسلوك الحلال. قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
стр. 387
- العزة والقوة: في الشعور بالعزة والقوة كسب كبير لشخصية المسلم، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير".
الأخلاق "السلوك الأخلاقي" الدين هو أساس بقاء ودوام القيم الأخلاقية التي تعتبر إطارا مرجعيا لسلوك الفرد وأسلوب حياته، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه التفاعل الاجتماعي السليم، والأخلاق هو الدعامة الأولى لحفظ كيان المجتمع١.
ولقد جاءت رسالات الأنبياء والرسل كلها تحث على الأخلاق الفاضلة، ومن أصول التربية الإسلامية تربية الأخلاق المستمدة من الدين، التي تنظم السلوك وتنمي في الشخصية ضميرا حيا يحاسب الفرد إن هو أخطأ أو انحرف عن الطريق المستقيم.
ولقد وصف الله تعالى رسوله محمدا ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . وقال رسول الله ﷺ : "اللهم كما أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي". وقال ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وقال ﷺ : "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا". وسأل الصحابة السيدة عائشة ﵂ عن خلق الرسول ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن"، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "نعم الحسب الخلق الحسن".
والأخلاق الفاضلة كما يدعو إليها الدين تقوم على أسس ودعائم أهمها ما يلي:
- الاستقامة: أي الاستقامة على طريق الهدى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ وجاء رجل إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد غيرك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم".
- إصلاح النفس: هذا يؤدي إلى إصلاحها، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
- تزكية النفس: أي الطهر من الدنس والسمو عن النقائص، وترفع النفس ورارتفاع قدرها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ .
стр. 388
- معارضة هو النفس: وخاصة النفس الأمارة بالسوء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
- ضبط النفس: ويتضمن ذلك الحلم والتحكم في انفعال الغضب وكظم الغيظ، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
- الصدق: وهو يؤدي إلى الثقة والتعاون الاجتماعي، ومن أنوع الصدق صدق الوعد. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
- الأمانة: وهي فضيلة اجتماعية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .
- التواضع: وهو فضيلة هامة: ومن تواضع لله رفعه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ .
- معاشرة الأخيار: وهذه تؤدي إلى الخير والنعمة, قال الله تعالى: ﴿اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وقال بعض الحكماء: "نبئني من تصاحب أنبؤك من أنت".
- الكلام الحسن: هو مصدر النجاح الاجتماعي وتعبيره عن الذكاء الاجتماعي، ومصدر لمحبة الناس وكثرة الأصدقاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ .
- احترام الغير: هذا يؤدي إلى وحدة الجماعة وتماسكها ونشر المودة فيها. قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ .
стр. 389
- الإصلاح بين الناس: هو صفة أخلاقية فاضلة تصدر عن إنسان نبيل يحب الخير قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ .
- حسن الظن: وهو أفضل من سوء الظن. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ .
- التعاون: أي التعاون على الخير للنهوض بالحياة الاجتماعية مما يؤدي إلى سعادة الفرد ورفاهية الجماعة. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
- الاعتدال: ويتضمن القناعة والحد من الإسراف في الشهوات من طعام وجنس وغير ذلك من متع مادية. قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ .
- الإيثار: وهو صفة كريمة تتحلى بها النفوس الكبيرة الخالية من الأثر الساعية لخير الإنسانية وخدمة المجتمع، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
- العفو: ويتضمن التسامح والرحمة، والعفو حين يصدر عن نفس كبيرة وعقل راجح يطيب النفوس ويؤدي إلى الصداقة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الله تعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
- العفة: يحث الدين على العفة ويشجع على الزواج وينهى عن الزنا. قال الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .
- الإحسان: أي السلوك الحسن، ومن صفات المحسن حسن عبادة الله، واتباع هدى رسوله، والجهاد في سبيله والتصدق، والصبر، ورعاية ذوي القربى واليتامى والمساكين والجيران والأصدقاء. قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقال تعالى:
стр. 390
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ .
- السلام: هو تحية الإسلام: والسلام والتحية والاستئذان من أفضل الآداب الاجتماعية والأخلاق العالية، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ .
- الضمير: والضمير الحي هو الوازع النفسي القوي الذي يرشد الإنسان للسلوك السوي ويبصره بعواقب السلوك. قال رسول الله ﷺ : "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
معالم طريقة الإرشاد النفسي الديني:
الإرشاد النفسي الديني طريقة توجيه وإرشاد وعلاج وتربية وتعليم، وتقوم على معرفة الفرد لنفسه ولربه ولدينه والقيم والمبادئ الدينية والأخلاقية "انظر عبد المنان بار، ١٩٩٣".
وهدف الإرشاد النفسي الديني تحرير الشخص المضطرب من مشاعر الإثم والخطيئة التي تهدد طمأنينته وأمنه النفسي، ومساعدته على تقبل ذاته وتحقيق وإشباع الحاجة إلى الأمن والسلام النفسي.
ويحتاج الإرشاد النفسي الديني إلى المرشد المؤمن ذي البصيرة القادرة على الإقناع والإيحاء والمشاركة الانفعالية، الذي يتبع تعاليم دينه ويحترم الأديان السماوية الأخرى١.
ويمكن أن يمارس الإرشاد الديني كل من المرشد النفسي والمربي وعلماء الدين، حبذا لو كان ذلك في شكل فريق متكامل.
إن الإرشاد النفسي الديني عملية يشترك فيها المرشد والعميل، والمرشد يتناول مع العميل موضوع الاعتراف والتوبة والاستبصار، ويشتركان معا في عملية تعلم واكتساب
стр. 391
اتجاهات وقيم. والعميل يلجأ إلى الله بالدعاء مبتغيا رحمته، ومستغفرا إياه ذاكرا صابرا على كل حال، متوكلا على الله مفوضا أمره إليه.
وفيما يلي أهم معالم طريقة الإرشاد النفسي الديني:
الاعتراف: نظرية الاعتراف بالذنب وظلم النفس أمام الله نظرية قرآنية، وضرب القرآن الكريم مثلا من الاعتراف بالذنب بما صدر عن آدم وحواء ﵉ عند مخالفتهما أمر الله، إذ قالا كما جاء في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وذكر في قصة سيدنا يونس ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ والاعتراف يتضمن شكوى النفس من النفس طلبا للخلاص وللغفران، إن الاعتراف فيه إفضاء الإنسان بما في نفسه إلى الله. وهو يزيل مشاعر الخطيئة والإثم ويخفف من عذاب الضمير، ويطهر النفس المضطربة ويعيد إليها طمأنينتها١، ويظهر مفهوم الذات الخاص حيث يكشف الفرد عن "عورته النفسية" بقصد الإرشاد. ولذلك يجب على المرشد مساعدة العميل على الاعتراف بخطاياه وتفريغ ما بنفسه من انفعالات ومشاعر الإثم المهددة، ويتقبل المرشد ذلك في حياد، ويتبع الاعتراف التكفير عن الأثم والرجوع إلى الفضيلة.
التوبة: هي طريق المغفرة، وأمل المخطئ الذي ظلم نفسه وانحرف سلوكه وحطمته الذنوب وهو في حالة جهالة، أي اندفاع وطغيان شهوة، وصحا ضميره٢، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والتوبة
стр. 392
تحرر المذنب من آثامه وخطاياه وتشعره بالتفاؤل والراحة النفسية. قال رسول الله ﷺ : "التائب حبيب الرحمن، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له". والتوبة تؤكد الذات وتجعل الفرد يتقبل ذاته من جديد بعد أن كان يحتقرها. ونحن نعرف أن "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ والتوبة كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي "في إحياء علوم الدين" لها أركان ثلاثة: علم وحال وفعل، فالعلم هو معرفة ضرر الذنب المخالف لأمر الله، والحال هو الشعور بالذنب، والفعل هو ترك الذنوب والنزع نحو فعل الخير، والتوبة لا بد أن يتبعها تغير السلوك المنحرف إلى سلوك سوي صالح. قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ومن شروط التوبة العزم على عدم العودة إلى المعاصي والذنوب، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وفي الحديث القدسي قال الله : "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله أفرح بتوبة عبده، من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول".
الاستبصار: هو الوصول بالفرد إلى فهم أسباب شقائه النفسي ومشكلاته النفسية والدوافع التي أدت إلى ارتكاب الخطيئة والذنوب وفهم العميل نفسه وطبيعته الإنسانية ومواجهتها، وفهم ما بنفسه من خير ومن شر، وتقبل المفاهيم الجديدة، والمثل العليا، ويتضمن هذا نمو الذات التي تحكم السلوك السوي للإنسان في ضوء بعدين رئيسيين: البعد الرأسي الذي يحدد علاقة الإنسان بربه، والبعد الأفقي الذي يحدد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ وقال تعالى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ .
التعلم: ويتضمن تغير السلوك نتيجة خبرة التوجيه والإرشاد واكتساب مهارات وقيم واتجاهات جديدة، ومن خلال ذلك يتم تقبل الآخرين، والقدرة على ترويض النفس وعلى ضبط الذات وتحمل المسؤليات، والقدرة على تكوين علاقات اجتماعية مبنية على الثقة المتبادلة والقدرة على التضحية وخدمة الآخرين، واتخاذ أهداف واقعية مشروعة في الحياة مثل القدرة على الصمود وعلى العمل والإنتاج، وهكذا يتم تكوين وتنمية النفس اللوامة أو الضمير أو الأنا
стр. 393
الأعلى كسلطة داخلية أو رقيب نفسي على السلوك، ويتم تطهير النفس وإبعادها عن الرغبات المحرمة اللاأخلاقية واللااجتماعية، ويستقيم سلوك الفرد بعد أن يتبع السيئات الحسنات فتمحوها، وتطمئن النفس المطمئنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ .
الدعاء: هو سؤال الله القريب المجيب والاستعانة به والتضرع إليه والالتجاء إليه في كشف الضر عند الشدائد١. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". وفي الدعاء سمو روحي يقوي الفرد بالإيمان، وهو علاج أكيد للنفس التي أشرفت على الهلاك حين يطلب الإنسان العون من القوي القادر فيشعر بالطمأنينة والسكينة ويزول عنه الخوف ويتخلص مما هو فيه من الهم والتوتر والضيق والقلق، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ويجب أن يستمر الدعاء في السراء والضراء. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "دعوة ذي النون، إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له".
ابتغاء رحمة الله: وفي ذلك قوة روحية تؤدي إلى التفاؤل والأمل وتخلص من الآلام والمتاعب، وبالإيمان والأمل يعالج الفرد ما يعتريه من مشكلات متذرعا بالحكمة والصبر مترقبا رحمة الله وانفراج الأزمة، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
الاستغفار: إن الإنسان -غير المعصوم من الخطأ- إذا أخطأ وشعر أنه ظلم نفسه وصحا ضميره، لا يقنط من رحمة الله بل يذكره ويستغفره٢، واثقا في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
стр. 394
غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وقال الله في حديث قدسي: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم"، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
ذكر الله: ذكر الله غذاء روحي يبث الطمأنينة والهدوء والسعادة في الإنسان ويبعد الهم والقلق ويبعد الأفكار الوسواسية والسلوك القهري، ويبعد الشيطان الرجيم١، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ .
الصبر: الصبر مفتاح الفرج، والصبر تفويض الأمر إلى الله فضيلة خلقية ونفحة روحية يعتصم بها الإنسان فيهدأ ويسكن قلبه ويطمئن، والصبر يبعد الشيطان ويرضي الرب ويسر الصديق ويسوء العدو، والصبر عون نفسي هائل يقي الإنسان من الانهيار أمام الشدائد والبلايا والمصائب، ومن الصبر المثابرة على العبادة، ومنه الشجاعة على المكاره، ومنه كتمان الأسرار، ومنه تحمل أذى الناس، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال بعض الحكماء: "العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعل الجاهل بعد أيام"٢.
стр. 395
التوكل على الله: التوكل على الله وتفويض الأمر إليه والرضا بمشئيته والإيمان بقضائه وقدره زاد روحي مطمئن ومسكن، يمد الفرد بقوة روحية تخلصه من القلق والخوف من المستقبل. قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
استخدامات الإرشاد النفسي الديني:
يستخدم الإرشاد النفسي الديني بصفة خاصة في مجالات الإرشاد العلاجي والزواجي وإرشاد الشباب، في الحالات التي يتضح أن أسبابها وأعراضها تتعلق بالسلوك الديني والأخلاقي للعميل، كما سبق أن أوضحنا. ويفيد الإرشاد النفسي الديني في حالات القلق، والوساوس، والهستيريا، وتوهم المرض، والخواف، والاضطرابات الانفعالية، ومشكلات الزواج، والإدمان، والمشكلات الجنسية، ويرى البعض أن أفضل استخدام للإرشاد النفسي الديني هو في تناول المشكلات ذات الطابع الديني.
خلاصة:
وبعد، فقد رأينا أن الدين وسيلة لتحقيق الإيمان والأمان والسلام النفسي، وهو هبة من الله لخير الإنسان، يعينه على الحياة السوية، والدين محبة، وهو الطريق إلى الخلاص والسعادة والسلامة والسلام.
وهكذا، نرى أن الإرشاد النفسي والديني يحقق الهدف المطلوب، وهو النفس المطمئنة التي توفق بين النفس الأمارة بالسوء وبين النفس اللوامة، وتنمية البصيرة١.
الإرشاد السلوكي
стр. 396
الإرشاد السلوكي BEHAVIOURAL COUNSELLING:
يستخدم الإرشاد السلوكي أساسا في مجال الإرشاد العلاجي، حيث تعتبر عملية الإرشاد عملية إعادة تعلم، ويعتبر الإرشاد السلوكي تطبيقا عمليا لقواعد ومبادئ وقوانين التعلم والنظرية السلوكية وعلم النفس التجريبي بصفة عامة في ميدان الإرشاد النفسي وبصفة
стр. 397
خاصة في محاولة حل المشكلات السلوكية بأسرع ما يمكن، وذلك بضبط وتعديل السلوك المضطرب، والمتمثل في الأعراض، ولقد تقدم ميدان العلاج النفسي وسبق ميدان الإرشاد النفسي في تبني طريقة التعديل السلوكي للأعراض باعتبارها تجميعات لعادات سلوكية خاطئة مكتسبة "بيتش Beech؛ ١٩٦٩".
ونحن نجد بعض الكتاب مثل نوردبيرج Nordverg؛ "١٩٧٠" يشيدون بطريقة الإرشاد السلوكي، ويرى جون كرومبولتز Kumboltz؛ "١٩٦٦" أن الإرشاد السلوكي يعتبر "ثورة في الإرشاد النفسي" Bevolution in Counselling.
أسس الإرشاد السلوكي:
يقوم الإرشاد السلوكي على أسس نظريات التعلم بصفة عامة، والتعلم الشرطي بصفة خاصة، ويستند إلى أطر النظريات التي وضعها إيفان بافلوف Pavlov وجون واطسون Watson في التعلم الشرطي "الكلاسيكي" ويستفيد من نظريات ثورنديك Thorndike وكلارك هل Hull، وبروس سكينر Skinner؛ "١٩٣٨" في التعزيز وتقرير نتائج التعلم، مع استخدام التعزيز الموجب عمليا في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي جون دولارد ونيل ميلر Dollard & Miller؛ "١٩٥٠" ويرى هانز أيزينك Eysenck؛ "١٩٦٠" أن العلاج السلوكي يتضمن أساسا إعادة التعليم Re-euction وإعادة التعلم١ Relearing "راجع النظرية السلوكية".
ويطلق على الإرشاد والعلاج السلوكي أحيانا "إرشاد التعلم"، أو "علاج التعلم"، فالافتراض الأساس هنا هو أن الفرد يولد وعقله صفحة بيضاء، وبعد ذلك في نموه يتعلم السلوك "السوي أو المرضي" عن طريق عملية التعليم، ويثبت السلوك المتعلم على الصفحة البيضاء أولا بدرجة محدودة كما لو قد سجل بالطباشير "ويسهل إزالته" فإذا أثيب، وعزز أصبح أثبت كما لو كان تسجيله أصبح بالزيت "ومع ذلك يمكن إزالته ولكن بجهد أكبر". ويعتقد أن الاضطرابات السلوكية هي استجابات شطرية متعلمة، ويحتفظ الفرد بهذه الاستجابات المرضية لأنها من ناحية معينة مصدر إثابة. فمثلا الفرد الذي يعاني من خواف الجمع يهرب من الحفلات مثلا، وهذا الهروب يعتبر مصدر إثابة لأن فيه تجنبا لما يثير الألم
стр. 398
النفسي. وهذا يجعل الاستجابة غير المتوافقة "المرضية" تستمر، بصرف النظر، من وجهة نظر الفرد عن الآثار المؤلمة البعيدة المدى لمثل هذا السلوك المرضي، وهذا يجعل المرشدين والمعالجين السلوكيين يعملون على إزالة مصدر الإثابة الذي ينتج عن السلوك المضطرب أثناء التعلم الذي يوفره الإرشاد والعلاج السلوكي.
خصائص الإرشاد السلوكي:
تتلخص أهم خصائص الإطار النظري للإرشاد السلوكي فيما يلي:
- معظم سلوك الإنسان متعلم ومكتسب، سواء في ذلك السلوك السوي أو المضطرب.
- السلوك المضطرب المتعلم لا يختلف -من حيث المبادئ- عن السلوك العادي المتعلم، إلا أن السلوك المضطرب غير متوافق.
- السلوك المضطرب يتعلمه الفرد نتيجة للتعرض المتكرر للخبرات التي تؤدي إليه، وحدوث ارتباط شرطي بين تلك الخبرات وبين السلوك المضطرب.
- زملة الأعراض النفسية تعتبر تجمعا لعادات سلوكية خاطئة متعلمة.
- السلوك المتعلم يمكن تعديله.
- يوجد الفرد ولديه دوافع فسيولوجية أولية، وعن طريق التعلم يكتسب دوافع جديدة ثانوية اجتماعية تمثل أهم حاجاته النفسية، وقد يكون تعلمها غير سوي يرتبط بأساليب غير توافقية في إشباعها، ومن ثم يحتاج إلى تعلم جديد أكثر توافقا.
إجراءات الإرشاد السلوكي:
تهدف طريقة الإرشاد السلوكي بصفة عامة إلى تغير وتعديل وضبط السلوك مباشرة بما في ذلك محو التعلم مظاهر السلوك المضطرب المطلوب التخلص منه، وتتضمن طريقة الإرشاد السلوكي الإجراءات الآتية:
تحديد السلوك المضطرب المطلوب تعديله أو تغييره أو ضبطه، ويشترط أن يكون هذا السلوك ظاهرا ويمكن ملاحظته موضوعيا، ويتم ذلك في المقابلة الإرشادية وعن طريق استخدام الاختبارات النفسية وخاصة اختبارت التشخيص، والتقارير الذاتية.
تحديد الظروف والخبرات والمواقف التي يحدث فيه السلوك المضطرب، ويتم ذلك عن طريق الفحص والبحث في كل الظروف والخبرات والمواقف التي يحدث فيها السلوك المضطرب، والظروف التي تسبق حدوثه، والنتائج التي تتلوه.
стр. 399
تحديد العوامل المسئولة عن استمرار السلوك المضطرب: هذا التحديد يرتكز على البحث عن الظروف السابقة والراهنة واللاحقة التي تحدد وتوجه السلوك المضطرب وتؤدي إلى استمراره، مثل وجود ارتباط شرطي بسيط، أو تعميم، أو وجود نتائج مثيبة يؤدي إليها استمرار السلوك المضطرب.
اختيار الظروف التي يمكن تعديلها أو تغيرها أو ضبطها: ويتم ذلك بمعرفة كل من المرشد والعميل.
إعداد جدول التعديل أو التغير أو الضبط: يكون ذلك في شكل تخطيط لخبرات متدرجة يتم فيها إعادة التعلم والتدريب، في شكل وحدات أو محاولات، يتم خلالها تعريض السلوك المضطرب بنظام وتدرج للظروف المعدلة، بحيث يتم إنجاز البسيط والقريب قبل المعقد والبعيد، وهنا يلزم ترتيب الإمكانات في شكل سهل وممكن ومستحيل.
تنفيذ خطة التعديل أو التغيير أو الضبط عمليا: يتم ذلك حسب الجدول المعد.
ويستحث المرشد العميل على أن يحاول وأن يتعلم وأن يجرب بقدر طاقته١. ويصاحب ذلك تعديل الظروف السابقة للسلوك المضطرب وتعديل الظروف البيئية المصاحبة لحدوثه.
أساليب الإرشاد السلوكي:
تتعدد أساليب الإرشاد السلوكي. ونتناول أهم هذه الأساليب الواحد تلو الآخر، مع ملاحظة أننا سنقتصر على إيضاح الأساس الذي تقوم عليه كل منها، وذكر مثل أو نموذج واحد لها، ونلفت النظر إلى أن الإجراءات العامة مثل المقابلة، ودراسة الشخصية ككل والعلاقة الإرشادية ... إلخ، وإجراءات هامة في الإرشاد السلوكي تبدو وكأنها قواعد بسيطة يمكن أن تطبق بطريقة سهلة على الاضطرابات السلوكية، والحقيقية أن أساليب الإرشاد السلوكي متعددة ومتجددة، بعضها مباشر، وبعضها غير مباشر يحتاج إلى تعديلات خاصة حسب الحالة، وبعضها بسيط يحتاج إلى مجرد إشراف من جانب المرشد، وبعضها معقد يحتاج إلى اهتمام بالغ ومهارة فائقة من جانب المرشد.
وفيما يلي أساليب الإرشاد السلوكي:
стр. 400
التخلص من الحساسية أو "التحصين التدريجي" Desensitization:
يقصد به التخلص التدريجي من ارتباط السلوك المضطرب بشيء أو حادث معين، ويتم ذلك بتحديد مثيرات السلوك المضطرب، وتعرض العميل بتكرار متدرج لهذه المثيرات، وهو في حالة استرخاء Relaxation، حتى لا تنتج الاستجابة المضطربة، ثم يستمر التعرض للمثيرات المتدرجة الشدة حتى يتم الوصول إلى عدم استثارتها للاستجابة المضطربة.
وقد ابتكر لانج Lang؛ "١٩٦٩" جهازا للتخلص من الحساسية والتحصين التدريجي اسماه "جهاز التخلص الآلي من الحساسية" أو "جهاز التحصين التدريجي الآلي" Device for Automated Desensitization "DAD" وجربه بنجاح في التخلص من سلوك الخواف، وتبدأ العملية بتسجيل قائمة متدرجة لمخاوف العميل "خلال المقابلة"، وتعد شرائط مسجلة تتضمن صورا لمثيرات الخواف متدرجة في الشدة "الأقل إثارة للخوف ثم الأكثر إثارة للخوف إلى أكثر مثيرات الخوف شدة"، ومع الصور تسجيل صوتي عبارة عن شرح وتفسير عن مثير الخواف وتعليمات بالاسترخاء، وتركب الشرائط في الجهاز ويجلس العميل على كرسي خاص مركب به زران يتصلان بالجهاز، أحدهما "الأيمن أو الأخضر" للدلالة على الاسترخاء، والآخر "الأيسر أو الأحمر" للدالة على عدم الاسترخاء وتسجل البيانات الفسيولوجية عن النبض والتنفس ... إلخ لتساعد في تحديد حالة الاسترخاء، وتسجل البيانات الفسيولوجية عن العميل مثير الخواف "البسيط" ويسمع الشرح والتفسير وتعليمات الاسترخاء المرافقة له. فإذا شعر بالاسترخاء ضغط على زر الاسترخاء، وينتقل العرض على مثير أكثر شدة "الصور والتعليمات" ... وهكذا وإذا شعر العميل بعدم الاسترخاء ضغط على زر عدم الاسترخاء فيقف الانتقال إلى المثير التالي ويعاد المثير والتعليمات بأسلوب آخر"على شريط آخر" حتى يشعر بالاسترخاء ويضغط على زر الاسترخاء، وينتقل العرض الرئيسي إلى المثير التالي في الشدة ... وهكذا حتى يتم الوصول تدريجيا إلى أكثر مثيرات الخوف شدة وتحقيق الاسترخاء وزوال استجابات الخوف.
الغمر Flooding:
هو عكس التحصين التدريجي، حيث يبدأ الغمر بمثيرات شديدة، ويضع الفرد أمام الأمر الواقع في الخبرة "دفعة واحدة".
وقد يكون الغمر حيا، على الطبيعة وفي الواقع "وهو الأفضل والأكثر استخداما" وقد يكون خياليا.
ويستخدم الغمر في علاج اضطرابات ومشكلات مثل خواف الجنس "كما في ليلة الزفاف" ويلاحظ أن الغمر مثير للتوتر والقلق في بدايته، إلا أن غمر الفرد بالخبرة، ووضعه أمام الأمر الواقع، سرعان ما يزيل التوتر ويخفض القلق، في إطار المساندة الانفعالية من قبل المرشد.
стр. 401
وقد يستعان بالعقاقير الطبية المهدئة مع أسلوب الغمر. "حامد زهران، ١٩٩٧".
الكف المتبادل Reciprocal Inhibition:
ويقصد به كف كل من نمطين سلوكيين "غير متوافقين" -ولكنهما مترابطان- وإحلال سلوك متوافق محلهما.
وقد استخدام هذا الأسلوب في علاج حالات البوال، حيث الاستغراق في النوم والبوال الليلي، هما نمطان سلوكيان غير متوافقين ولكنهما مترابطان، ومطلوب كف السلوكين، أي كف النوم وكف البوال بالتبادل "لأن كف النوم يكف البوال، وكف البوال يكف النوم"، وإحلال سلوك متوافق محلهما وهو الاستيقاظ والذهاب إلى دورة المياه "يوسف فولب Wolpe؛ ١٩٨٥" ويستخدم عادة "جهاز علاج البوال" ويتكون من جزءين: جرس كهربي، ومرتبة كهربائية تتكون من طبقة قطنية رقيقة تتوسط وتفصل بين شبكة سلكية مزدوجة أعلى وأسفل الطبقة القطنية، وتوصل الشبكتين بسلكين كهربائيين "موجب وسالب" متصلين بالجرس الكهربائي". وينام الطفل على المرتبة الكهربائية التي توضع على سريره، ويشغل الجهاز، وعندما يتبول الطفل أثناء نومه تتم الدائرة الكهربائية عن طريق الطبقة القطنية الوسطى المبتلة، فيدق الجرس الكهربائي ويسقط الطفل، ويتوجه إلى الجهاز ليقف الجهاز ثم يذهب لدورة المياه ويتبول، ويتم تغيير المرتبة المبتلة ويشغل الجهاز مرة أخرى قل أن يواصل النوم. وتستمر العملية لمدة تتراوح من شهر إلى ثلاثة أشهر، وهكذا تحدث عملية كف النوم وكف البوال بالتبادل، وتتكون عادة سلوكية جديدة وهي الاستيقاظ والتوجه إلى دورة المياه للتبول.
الإشراط التجنبي Avoidance Conditioning:
يعني: تعديل سلوك العميل من الإقدام إلى الإحجام والتجنب.
وقد استخدم هذا الأسلوب في علاج حالات مثل الإدمان، حيث يستخدم عقار مقيئ "مثل إميتين: Emetine" كمثير منفر يرتبط شرطيا بانتظام وتكرار مع الخمر "مثلا". ومع تكرار هذا الارتباط الشرطي، يكتسب الخمر خصائص التنفير بارتباطه مع المقيئ "المنفر" وينتج عنه القيء، ويثبت الإشراط التجنبي، فيتجنب العميل شرب الخمر "هانز أيزينيك Eysenck؛ ١٩٦٤" وقد أدخلت تعديلات على أسلوب الإشراط التجنبي، فمثلا أضاف أوزوالد Oswald
стр. 402
"١٩٦٢" استخدام شريط تسجيل صوتي عليه عبارات مكررة مثل "الخمر يجعله يتقيأ" ويلي ذلك أصوات ضحك وتقيؤ.
التعزيز الموجب "الثواب" Positive Reinforcement:
يعني إثابة السلوك المطلوب، ويتم ذلك بإثابة العميل على السلوك السوي المطلوب مما يعززه "أي يدعمه ويثبته" ويؤدي إلى النزعة إلى تكرار نفس السلوك "المطلوب" إذا تكرر الموقف، وتضم أشكال الثواب أي شيء مادي أو معني يؤدي إلى رضى العميل عندما يقوم بالسلوك المطلوب "مثل النقود أو الطعام أو المدح أو الحب أو الاحترام أو الدرجات المرتفعة ... إلخ". "بوروس سكينر Skinner؛ ١٩٣٨".
وقد استخدم هذا الأسلوب بنجاح في علاج حالات مثل السلوك المضاد للمجتمع وذلك عن طريق التعزيز الموجب بإثابة السلوك الاجتماعي السوي المطلوب حتى يتكرر ويثبت "ويحل محل السلوك المضاد للمجتمع".
التعزيز السالب Nagative Reinforcement:
يعني العمل على ظهور السلوك المطلوب، وذلك بتعريض العميل لمثير غير سار أثناء السلوك غير المرغوب، تم إزالة المثير غير السار مباشرة بعد ظهور الاستجابة المطلوبة.
وقد استخدم هذا الأسلوب في علاج حالات مثل مص الإبهام، ففي حالة الطفل كان يمص إبهامه باستمرار "السلوك غير المرغوب" كان يعرض عليه أفلام رسوم متحركة يحبها، وأثناء مشاهدتها حين يمص إبهامه يوقف عرض الفيلم "مثير غير سار أثناء السلوك غير المرغوب"، وعندما يخرج الطفل أصبعه من فمه مباشرة يعود عرض الفيلم "تعزيز سالب". وهكذا -مع التكرار- تغير سلوك الطفل إلى السلوك المطلوب باستخدام أسلوب التعزيز السالب.
العقاب "الخبرة المنفرة" Punishment:
في هذا الإسلوب يعرض العميل لنوع من العقاب العلاجي "كخبرة منفرة" إذا قام بالسلوك غير المرغوب مما يكفه، ومن أشكل العقاب ما يكون ماديا أو جسميا أو اجتماعيا أو في شكل منع الإثابة مما يسبب الألم والضيق.
وقد استخدم هذا الأسلوب في علاج حالات اضطرابات الكلام مثل اللجلجة، بأن يتبع الكلمة صدمة كهربائية مثلا. وهكذا تصاحب اللجلجة "الاستجابة غير المرغوبة" الصدمة الكهربائية "العقاب" بينما يمر الكلام السوي دون عقاب.
стр. 403
وهكذا مع تكرار العقاب "الخبرة المنفرة" يتم كف الكلام الملجلج.
الثواب والعقاب Reward & Punishment:
يفضل عدم استخدام أسلوب العقاب وحدة لأنه ثبت بالتجربة أنه يعتبر أقل الأساليب فعالية -من جهة نظر الإرشاد والعلاج النفسي- لأن يكف السلوك اللاتوافقي مؤقتا، وقد يؤدي إلى معاودة ظهوره مرة أخرى أو إلى إبداله بسلوك لا توافقي آخر، وقد يؤدي إلى جعل السلوك العام للعميل أكثر اضطرابا لا أكثر توافقا، والمطلوب دائما في عملية الإرشاد والعلاج النفسي هو تعلم سلوك توافقي، وإن كان لا بد من كف السلوك اللاتوافقي بالعقاب فلا بد إذن من أن يلازمه تعلم سلوك توافقي جديد باستخدام الثواب.
وقد استخدم باريت Barrett؛ "١٩٦٢" أسلوب الثواب والعقاب في حالات الأزمات "مثل تحريك الرقبة وهز الكتفين وحركات الوجه وغيرها" وذلك باستعمال جهاز تسجيل يسمع منه العميل موسيقى محببة "ثواب" ما دام متوقفا عن إتيان اللازمة، وكلما قام بإتيان اللازمة توقفت الموسيقى وسمع بدلا منها ضوضاء منفرة "عقاب" وإذا توقف العميل عن إتيان اللازمة اختفت الضوضاء وعادت الموسيقى ... وهكذا حتى تختفي اللازمة.
تدريب الإغفال "الإطفاء" Omission Training:
في هذا الأسلوب يحاول المرشد محو السلوك غير المتوافق وذلك بإغفاله "أي غياب التعزيز" حتى ينطفئ السلوك غير المتوافق "أي يتضاءل تدريجيا حتى يختفي".
وقد استخدم هذا الأسلوب بنجاح في علاج بعض حالات الاضطرابات النفسية الجسمية، كما حدث في حالة فتاة شابة كانت تعاني من التهاب جلدي عصبي "نفسي جسمي" كان يحقق لها فائدة "إثابة" وهي اهتمام الأسرة كلها وخاصة خطيبها، وهذا ما كانت تحتاجه الفتاة، وتم العلاج بإعطاء أسرتها وخطيبها تعليمات بإغفال الموضوع تمام وإهماله وعدم استخدام الأدوية وإغفال الألم، وذلك لإزالة مصدر التعزيز الذي دعم الاستجابة. وهكذا حدث إطفاء للاستجابة في غياب الثواب والتعزيز، وبعد شهرين تحسنت الحالة، وتم شفاؤها بعد ثلاثة أشهر "والتون Walton؛ ١٩٦٠".
الإطفاء والتعزيز Extinction & Reinforcement:
قليلا ما يستخدم أسلوب تدريب الإغفال "الإطفاء" وحده إلا إذا صاحبه أسلوب آخر مثل الثواب أو التعزيز، وقد استخدم كل من الإطفاء والتعزيز أملا في تسهيل محو السلوك غير المرغوب وتعلم السلوك المطلوب.
стр. 404
ونجح استخدام هذا الأسلوب المزدوج في علاج المشكلات السلوكية في الفصل حيث يغفل المعلم السلوك المشكل غير المرغوب إلى أن يظهر السلوك السوي المطلوب فيثيبه ويعززه، وهكذا ينطفئ السلوك المشكل غير المرغوب ويعزز ويدعم السلوك السوي المطلوب.
الممارسة السالبة Negative Practice:
في هذا الأسلوب يطلب المرشد من العميل أن يمارس السلوك غير المرغوب بتكرار، فتؤدي هذه الممارسة إلى نتائج سالبة "التعب والملل" حتى يصل إلى درجة تشبع Satiation لا يستطيع عندها ممارسته، مما يقلل احتمال تكرار السلوك غير المرغوب.
وقد استخدم يوسف فولب Wolpe؛ "١٩٦٢" هذا الأسلوب للتخلص من اللازمات الحركية، فقد أمكن التخلص من لازمة جرش الأسنان عند المرأة حيث كان يطلب منها ممارسة هذه اللازمة بتكرار لبضع دقائق تتخللها دقيقة واحدة للراحة طول الجلسات، وبهذا الأسلوب اختفت اللازمة الحركية غير المرغوب فيها تماما بعد أسبوعين، ولم يحدث انتكاس حتى بعد مرور عام.
نقد الإرشاد السلوكي:
لقد تركز الاهتمام في معظم البحوث والدراسات حول العلاج السلوكي، أكثر من الإرشاد السلوكي. ولكن العملية واحدة، وينسحب ما وجه من نقد إلى العلاج السلوكي على الإرشاد السلوكي. وكما في باقي الطرق، لا يمكن أن يدعي أحد أن الإرشاد السلوكي يصلح لكل أنواع الاضطرابات السلوكية، ولقي الإرشاد والعلاج السلوكي تأييدا متحمسا مبنيا على مزاياه، وفي نفس الوقت لقي معارضة شديدة مبنية على عيوبه، ودارت بحوث كثيرة حول محور رئيسي وهو مقارنة نتائج العلاج السلوكي "التجريبي" بنتائج طرق أخرى للعلاج التقليدي "الكلامي" وهكذا ... وتدل معظم هذه البحوث على أن مستقبل الإرشاد السلوكي أكثر أمنا من الكثير من الطرق الأخرى، إلا أن طريقة الإرشاد السلوكي ما زالت تحتاج إلى المزيد من العناية والتطوير عن طريق الإرشاد والعلاج السلوكي سوف تؤدي إلى جعله أقرب إلى كارل روجرز منه إلى إيفان بافلوف.
وتتلخص أهم مزايا الإرشاد السلوكي فيما يلي:
- يقوم على أساس دراسات وبحوث تجريبية معملية قائمة على نظريات التعلم، ويمكن قياس صدقها قياسا تجريبيا مباشرا، وتخضع فروضه ومسلماته التي تفسر السلوك للتجريب العلمي.
стр. 405
- متعدد الأساليب لتناسب تعدد المشكلات والاضطرابات.
- يركز على المشكلة أو العرض وهذا يوفر وجود محك لتقييم نتائجه.
- عملي أكثر منه كلامي، ويستعين بالأجهزة العلمية.
- نسبة الشفاء -أو على الأقل التحسن- باستخدامه عالية قد تصل إلى ٩٠% من الحالات "في مقابل ٥٠-٧٥% في معظم الطرق الأخرى".
- أهدافه واضحة ومحددة.
- يوفر الوقت والجهد والمال لأنه يستغرق وقتا قصيرا نسبيا لتحقيق أهدافه.
- يمكن أن يتعاون فيه كل من الوالدين والأزواج والممرضات بعد التدريب اللازم.
وتتلخص أهم عيوب الإرشاد السلوكي فيما يلي:
- السلوك البشري معقد لدرجة يصعب معها في كثير من الأحيان عزل وتحديد أنماط بسيطة من العلاقات بين المثير والاستجابة حتى يسهل تعديلها واحدا واحدا "قطاعي" وعن طريق استخدام أجهزة، ومحاولة "ميكنة الإنسان".
- الاضطرابات السلوكية يصعب تفسيرها جميعا في شكل نموذج سلوكي مبني على أساس الإشراط.
- أحيانا يكون الشفاء وقتيا وعابرا.
- يهتم بالسلوك المضطرب فقط ويركز على التخلص من الأعراض الظاهرة دون المصدر الحقيقي العميق للاضطرابات، ومنفصلة عن الاضطراب الكبير الذي هو علامة من علاماته، ودون تناول الشخصية ككل، وهذا قد يؤدي إلى ظهور أعراض أخرى. فالاضطراب السلوكي الظاهر ما هو إلا دليل خارجي لاضطراب داخلي عميق يكمن وراء هذا السلوك الظاهر الذي يمثل قمة جبل الثلج الظاهر فقط، ويشبه البعض عملية العلاج "السطحي" لعرض واحد دون الاضطراب كله بدهان البقع الحمراء في الجسم، واعتبار ذلك علاجا للحصبة "نوردبيرج Nordberg؛ ١٩٧٠".
стр. 406
الإرشاد خلال العملية التربوية:
تقدم خدمات الإرشاد النفسي لجميع المواطنين، وفي كل المؤسسات الاجتماعية. لكن المؤسسات التربوية تحظى بالنصيب الأوفر، لأنها هي المؤسسات التي يوكلها المجتمع لتربية
стр. 407
المواطنين الصالحين الأصحاء جسميا ونفسيا. ولذلك نجد من طريق الإرشاد طريقة اتخذت لنفسها اسما من هذا الواقع، وهي طريقة الإرشاد خلال العملية التربوية، التي تعتبر أكثر الطرق فائدة وعملية بالنسبة للمربين.
ولقد اهتم الكثيرون من الكتاب بطريقة الإرشاد خلال العملية التربوية، فنجد الكثير من الكتب بهذا العنوان، تركز على الإرشاد في المدرسة، ونجد الكثير من المدارس تتخصص في التربية الإرشادية أو التربية العلاجية١ كذلك اهتم الكثيرون من الدارسين والباحثين بهذه الطريقة "تيلور Taylor؛ ١٩٧١".
ولا تقصد هذه الطريقة أن تتحول العملية التربوية إلى عملية إرشاد نفسي، ولكنها تقصد إلى إدماج خدمات الإرشاد النفسي ضمن العملية التربوية.
والإرشاد خلال العملية التربوية هو تقديم الخدمات الإرشادية مندمجة في ومن خلال العملية التربوية ككل في إطار برنامج محدد، بحيث تتفق أهداف العملية الإرشادية مع أهداف العملية التربوية ككل.
أسس الإرشاد خلال العملية التربوية:
نحن نعلم أن التربية عملية حياة يتعلم فيها الفرد الحياة عن طريق نشاطه وبتوجيه وإرشاد من المربي، والفرد -وهو يعيش حياته- يحتاج إلى إشراف على نموه ويحتاج إلى العلم والتربية، وهو أيضا -وهو يعيش حياته- يحتاج إلى تعلم مهارات اجتماعية، ومن مسئوليات المدرسة كما نعلم تقديم جرعة تربوية شاملة تؤدي إلى النمو العام، في تعاون مع الأسرة ووسائل الإعلام وغيرها من المؤسسات التربوية.
والتربية عملية هامة توجه لتحقيق التوافق النفسي بصفة عامة كهدف هام ضمن أهدافها. ويجب تعليم الفرد كيف يحقق التوازن بينه وبين البيئة والمجال الذي يعيش فيه حتى يشعر بالسعادة شخصيا واجتماعيا كإنسان صالح. ويعرف هذا الاتجاه التربوي باسم "التربية من أجل التوافق".
والتربية عملية تهتم بإعداد الإنسان الصالح القادر على مواجهة وحل المشكلات العامة والاجتماعية والشخصية في الحياة.
كذلك فإن هناك تشابها "وليس تطابقا" بين العملية التربوية وعملية الإرشاد النفسي هدفا ووظيفة واستراتيجية ومنهجا، فكلتاهما تسعيان إلى تحقيق التوافق والسعادة في
стр. 408
الحياة بطريقة أفضل في إطار فلسفة المجتمع ككل، وكل من العملية التربوية وعملية الإرشاد تتضمن عملية التعلم التي يكون فيها المتعلم نشطا يعمل الكثير لنفسه بتوجيه وإرشاد المربي أو المرشد الذي أصبح اسمه "المعلم المرشد".
وهناك الحاجة الملحة إلى إدخال برامج الإرشاد النفسي التنموي والوقائي إلى جميع المدارس ولجميع التلاميذ، وخاصة في مرحلتي الطفولة والمراهقة.
وفي جميع المدارس هناك أمور هامة تحتاج إلى خدمات الإرشاد مثل اتخاذ القرارات بخصوص الخطط التربوية وسلم التعليم والمراحل التالية وترك المدرسة والذهاب إلى العمل ... إلخ.
وبالإضافة إلى ذلك، فلا توجد مدرسة ليس فيها مشكلات تحتاج إلى عملية الإرشاد على المستوى العلاجي مثل مشكلات التعلم وبعض المشكلات المدرسية والانفعالية.
أساليب الإرشاد خلال العملية التربوية:
تتبع كافة الأساليب لدمج خدمات الإرشاد النفسي في العملية التربوية بكافة أنشطتها من خلال المناهج المدرسية داخل الفصول وخارجها، وفيما يلي أهم أساليب الإرشاد خلال العملية التربوية.
الإرشاد خلال المناهج:
يهتم المنهج المدرسي في المدرسة التقدمية الحديثة بحاجات التلاميذ وحاجات المجتمع، باعتباره مجموع الخبرات التي يمد بها التلاميذ لإشباع حاجاتهم الفردية والاجتماعية، ويهتم المنهج بمشكلات النمو العادي العامة التي توجد لدى معظم التلاميذ.
ويرى بعض واضعي المناهج الذين يشتركون في تخطيط برنامج الإرشاد النفسي أن المنهج المحوري يمكن أن يدور حول حاجات ومشكلات التلاميذ، إلى جانب الحياة التعاونية اللازمة للحياة في المجتمع، وبذلك يجمع بين التربية والإرشاد، ويحبذون إعداد وحدات دارسية تدور حول حاجات التلاميذ النفسية والاجتماعية مندمجة مع برامج الدراسة العادية، وتكون هذه الوحدات إما مضافة للمواد الدراسية أو محورا تدور حوله المادة المستقاة من عدة مواد دراسية، ومن أمثلة هذه الوحدات: "الصحة" وتتناول الصحة النفسية والجسمية، ودراسة الأسرة والعلاقات الإنسانية، ومشكلات النمو والزواج، والمسئولية الاجتماعية، ومشكلات أوقات الفراغ "سعد جلال، ١٩٧٦".
وهناك الكثير من المواد الدراسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمجالات الإرشاد النفسي مثل العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، فمثلا في المواد الاجتماعية بصفة عامة
стр. 409
والجعرافيا بصفة خاصة يمكن تناول اقتصاديات الدولة وعالم المهنة وأنواع العمل الموجود والمطلوب والتدريب المهني ... إلخ، وهذا يفيد في مجال الإرشاد المهني، وهكذا بالنسبة لمجالات الإرشاد الأخرى وحتى في دروس اللغات يمكن الاستفادة منها في كتابة التقارير الذاتية للتلاميذ وتناول موضوعات مثل "مستقبلي".
وهناك الدور الهام الذي تلعبه المكتبة وما فيها من مصادر للمعرفة بالنسبة للكثير مما يحتاجه الطلاب في عملية الإرشاد، ويمكن الاستفادة من ساعات المكتبة والقراءات الحرة وما يقوم به الطلاب من إعداد مجلات المدرسة ومجلات الأسر والفصول والحائط في الإرشاد بالقراءة.
كذلك تفيد جمعيات ونوادي المواد المختلفة مثل جمعية المواد الاجتماعية ونوادي العلوم حين توجه أنشطتها لتخدم أهداف الإرشاد النفسي.
الإرشاد خلال النشاط المدرسي:
يتنوع برنامج النشاط المدرسي "الممركز حول التلميذ" فيشمل الجمعيات المختلفة التي تضم إليها الطلبة، بما في ذلك الرحلات العلمية والترفيهية، والحفلات ... إلخ، ويمكن تنظيم جميعات خاصة مثل جمعيات الندوات حيث يدعى متحدثون لتناول الموضوعات التي تهم الطلاب شخصيا وتربويا ومهنيا، وجمعيات الأفلام حيث تعرض أفلاما هادفة تتعلق بمجالات الإرشاد المتنوعة بالنمو بصفة عامة ... وهكذا، وهذه الأنشطة يمكن تنظيمها بحيث تتيح فرصة ممارس خبرات واكتساب مهارات وتنمية مواهب وهوايات وتشجيع النشاط الابتكاري بالإضافة إلى نمو التفاعل الاجتماعي السليم مع الرفاق والمعلمين وغيرهم.
وتتبنى بعض المدارس "نظام الأسر" كنظام تربوي للنشاط المدرسي، حيث تتكون عدد من الأسر المدرسية لكل منها رائد من هيئة المدرسة وأمين سر وأمين صندوق من الطلاب، وينضم لكل منها عدد من الطلاب حيث تستوعب جميع طلبة المدرسة ويمثل كل منها جميع الفصول والصفوف وينتظمون في لجان فرعية مثل اللجنة الثقافية واللجنة الرياضية ولجنة الرحلات ولجنة الحفلات ... إلخ، وتكون كل لجنة فرقا عملية ورياضية واجتماعية وفنية، ويكون لكل أسرة وكيل منتخب يمثلها في كل فصل وفي الأسرة المدرسية يتجلى نشاط الطلاب وفاعليتهم في مجتمع صغير متماسك يقوم على التعاون البناء والتنافس الهادف والنظام واتخاذ القرارات وتحمل المسئوليات، ويلاحظ أنه في العادة يكون لكل أسرة زيها ونشيدها، وتقوم بدورها في الحكم الذاتي للمدرسة، وفي تنشيط أوجه النشاط المدرسي، وواضح أن هذا كله له ميزته الكثيرة التي تعود بالفائدة تربويا وإرشاديا.
стр. 410
وهكذا نجد أن النشاط المدرسي يتيح فرصة تعامل المعلمين والمرشدين مع تلاميذهم في جو اجتماعي مناسب لعملية الإرشاد بعيدا عن حدود الفصل والمواد الدراسية وفي إطار من النشاط المحبب إلى الطلاب، وكذلك فإن النشاط المدرسي يمثل قنطرة عبور بين المدرسة والأسرة والمجتمع، ويمكن من التعاون بين مصادر هذه الجهات الثلاث مما يساعد في عملية الإرشاد ويثريها، ويتمثل ذلك في مجالس الآباء والمعلمين، والآباء والمرشدين.
الإرشاد في الفصول:
المعلم وتلاميذه في الفصل يكونون جماعة عادية، والتلاميذ العاديون في أي فصل يحتاجون إلى الإرشاد كحاجة أساسية.
وهناك الكثير من أوجه النشاط التربوي التي يستطيع المعلم المرشد أن يقدم خدمات الإرشاد النفسي في الفصل من خلالها، وبعض هذه الخدمات قد يقدم على مستوى الفصل كجماعة، وبعضها قد يقدم على مستوى فردي، والمعلم في هذه الحالة يجب أن يتخلص من قيود التقيد بالتدريس، التقليدي الذي يحصر نشاطه في تدريس المادة الدراسية فحسب.
والمعلم في الفصل يقوم بعملية الإرشاد ولو على أساس المنهج الوقائي، فيتناول مشكلات الشباب ومشكلات المدرسة ومشكلات الأسرة ... إلخ.
وهناك فصول تضم فئات خاصة من الطلاب، مثل المتفوقين أو المتخلفين دراسيا أو بطيئي التعلم أو المشاغبين أو المعوقين كالعميان أو الصم أو البكم، وهؤلاء يحتاجون إلى معلم مرشد يطوع العملية التربوية بحيث تتضمن الإرشاد النفسي الملائم للفئة الخاصة التي يتعامل معها.
ويمكن تنظيم فصول خاصة للإرشاد الجماعي لبعض الحالات الخاصة التي تحتاج إلى اهتمام وتركيز خاص، ويطلق عليها في إطار المدرسة -كما في أمريكا مثلا- اسم "الحجرات المنزلية Homerooms أو "الدراسات الخاصة" Special Courses.
стр. 411
الإرشاد بالقراءة BIBLIOCOUNSELLING:
تعريفه وأهدافه:
استخدم مصطلح الإرشاد بالقراءة أو "القراءة الإرشادية" في بحوث ودراسات
стр. 412
مبكرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، نورمان كينج King؛ "١٩٧٣" سيتفين ريتشاردز وآخرون، Rivhacds؛ "١٩٧٦".
والإرشاد بالقراءة هو استخدام مواد مكتوبة، مثل الكتب والكتيبات أو النشرات أو الموديولات١، وغيرها من المواد التي تقرأ، يقرؤها العميل، ويتفاعل معها، ويستفيد منها في العملية الإرشادية.
ويتضمن الإرشاد بالقراءة التفاعل الدينامي بين شخصية القارئ والمادة المقروءة، والذي يوظف لإحداث التوافق والنمو السوي، وتحقيق الصحة النفسية "شارلز تومبسون، ليندا رودولف Thomposon & Rudolph؛ ١٩٨٣، سلمى الأنصاري، ١٩٨٦".
وأفضل مصادر القراءة: السير الشخصية، والقصص التي تتناول الخبرات البشرية المتنوعة، مثل الحياة الزوجية والأسرية، ومظاهر النمو، والتوافق، وأفضل كل ما يقرأ الكتب السماوية، حيث يؤخذ منها أفضل معايير السلوك. "إجلال سري، ١٩٩٠".
ومن أهداف الإرشاد بالقراءة، ما يلي:
- الإسهام في تشكيل البناء المعرفي للعميل، واكتساب العميل معارف حول مشكلته.
- تعلم العميل التفكير الإيجابي البناء.
- مساعدة العميل على تحليل اتجاهاته وسلوكياته.
- إتاحة الفرصة أمام العميل لوضع حلول بديلة.
- تشجيع العميل على التوافق مع المشكلة.
- مساعدة العميل على مقارنة مشكلته بمشكلات الآخرين.
стр. 413
إجراءات الإرشاد بالقراءة:
تتلخص إجراءات الإرشاد بالقراءة فيما يلي:
تحديد المادة التي يقرؤها العميل: في ضوء أهداف عملية الإرشاد، ومع مراعاة عمره وجنسه ومستوى فهمه وتعليمه وخبراته.
وتقديم القراءة على أنها مقترحات: وليست إلزاما، مع زيادة دافعية العمل وتشجيعه على القراءة باعتدال، وتأكيد فائدتها الإرشادية.
مناقشة المادة المقروءة،: مع العميل، حيث تتناول المناقشة التساؤلات، والمشكلات، والمشاعر، والأفكار، والأسباب، والنتائج، وتطبيق المادة المقروءة في حياة العميل.
- الإرشاد التفاعلي بالقراءة: INteractive Bibliocounselling وتكون القراءة موجهة، حيث تقدم مادة القراءة إلى العميل، ويتفاعل معه المرشد كميسر Facilitator.
- الإرشاد بالقراءة بمساعدة الذات: Self-help Bibliocounselling حيث يقوم العميل بالقراءة بنفسه، ولا تقدم له أي مساعدة في ذلك. ويفيد هنا بصفة خاصة، الموديولات الإرشادية، "لوار كوهين Cohen؛ ١٩٩٤".
استخدامات الإرشاد بالقراءة:
غالبا ما يستخدم الإرشاد بالقراءة كمساعد أو كملحق "نورمان كينج King؛ ١٩٩١".
ومن أمثلة الاستخدامات الناجحة للإرشاد بالقراءة ما يلي:
- حالات قلق الامتحان "أنجيلا ريجيستر وآخرون، Rigister et al؛ ١٩٩١".
- حالات ذوي الاحتياجات الخاصة مثل: العميان، والموهوبين الفائقين "ألفين روبرتس Roberts؛ ١٩٨٤، إليوت أديرهولت وسوزان Adderholdt & Eller؛ ١٩٨٩".
- حالات الأطفال حتى في المرحلة الابتدائية "فريدريك شرانك Schrank؛ ١٩٨٢، جون بارديك ومارثا ماركوارد Rardeck & Markward؛ ١٩٩٥".
- حالات مشكلات المراهقين "سلمى الأنصاري، ١٩٨٦".
- حالات كبار السن، وخاصة في مجال إرشاد الصحة النفسية "أرلين هاينز، لويس ويدل Hynes & Wedl؛ ١٩٩٠".
- حالات المسجونين "كريس دانيل Daniel؛ ١٩٩٢".
- حالات الأمراض المزمنة والخطيرة.
стр. 414
- حالات الإدمان.
- حالات الوالدين في إرشاد الأطفال والإرشاد الأسري.
مزايا الإرشاد بالقراءة
من أهم مزايا الإرشاد بالقراءة ما يلي:
- اندماج العميل انفعاليا مع المادة المقروءة.
- توفير الوقت في عملية الإرشاد النفسي.
- التخفف من التوتر الحيوي النفسي الاجتماعي.
- تنمية رصيد العميل عقليا ومعرفيا وتحصيليا.
стр. 415
الإرشاد بالواقع REALITY COUNSELLING:
الإرشاد بالواقع هو إرشاد محوره تحمل الفرد مسئولية إشباع حاجاته في العالم الواقعي، ولقد بدأ وليام جلاسر Glasser طريقة الإرشاد بالواقع في عام ١٩٦٥ ففي هذا العام أصدر كتابه "العلاج بالواقع" وأسس "معهد العلاج بالواقع".
مفاهيم رئيسية:
يقوم الإرشاد بالواقع على أساس ثلاثة مفاهيم رئيسية، يرمز لها عادة "٣Rs"، وهي:
الواقع Reality أي الخبرات الواقعية الشعورية في الحاضر، بعيدا عن المثال أو الخيار، والفرد السوي يتقبل الواقع، وإنكار الواقع "جزئيا أو كليا" يسبب اضطراب السلوك١.
المسئولية Responsibility أي مسئولية الفرد عن إشباع حاجاته٢، ومساعدة الآخرين على إشباع حاجاتهم. والفرد السوي هو الذي يكون مسئولا عن إشباع حاجاته، ويكون مسئولا عن سلوكه، وعن نتائج سلوكه، والسلوك غير المسئول، ونقص القدرة على إشباع الحاجات الأساسية يسبب اضطراب السلوك.
стр. 416
الصواب "والخطأ": "Right "and Wrong أي قدرة الفرد على فعل الصواب، وتجنب الخطأ "حسب الدين والقانون والعرف" حامد زهران، ١٩٩٧".
إجراءات عملية الإرشاد بالواقع:
تتلخص أهم إجراءات عملية الإرشاد بالواقع فيما يلي:
إقامة علاقة إرشادية: أساسها المشاركة والاندماج Involvment والاهتمام، وكسب ثقة العميل، ومصادقته، وهذا يتطلب إظهار المودة والدفء والمساندة والتقبل والصبر في مناخ تلونه الفكاهة بما يحيي الأمل عند العميل ويتشجع المرشد العميل على التعبير عن حاجته غير المشبعة.
دراسة السلوك الحاضر: يكون التركيز على السلوك الحالي للعميل "هنا والآن" وخاصة السلوك غير الواقعي "وعدم التركيز على الماضي" ومع نظرة مستقبلية تتيح فرصة وضع استراتيجية أفضل للمستقبل، وتأكيد أن العميل يستطيع ويجب أن يتغير، ويتشجع العميل على كشف الذات الخاصة والتجارب الشخصية أو العورة النفسية.
تقييم السلوك الحاضر: يتضمن ذلك مواجهة ما هو موجود في الواقع، وتقييم السلوك الحالي ومدى مسايرته للواقع، ومدى إشباعه للحاجات، ومدى التزامه ومسايرته للمعايير الاجتماعية، ويقوم بذلك العميل، ولا يصدر المرشد أحكاما، ولكن يساعد العميل على إصدار أحكام واقعية، فإذا كان ثمة قصور، تم تحديد استراتيجية واقعية للتغيير.
التخطيط للسلوك الواقعي المسئول الصائب: أي وضع خطة تتضمن تحديد احتمالات وبدائل السلوك الواقعي، المسئول، الصائب، والمشبع للحاجات، ويجب أن تكون الخطة محددة وواضحة، ومنطقية وقابلة للتنفيذ والإنجاز.
التعاقد على الالتزام بالخطة: هنا يتم التعاقد بين الطرفين "المرشد والعميل" على الالتزام بالخطة الموضوعة، التي تؤكد التزام العميل بتحمل المسئولية لتغيير سلوكه إلى سلوك صائب لإشباع حاجاته، في ضوء الواقع. "أي أنه تعاقد سلوكي" والمسئولية الكبرى على عاتق العميل، ويؤكد وليام جلاسر Glasser؛ "١٩٦٥" أن الفرد لديه القدرة على تحسين واقعة من خلال ضبط تصرفاته ضبطا داخليا فعالا يكون مسئولا عنه، والتعاقد على الالتزام بالخطة قد يكون شفويا أو مكتوبا، والتعاقد أفضل وأقوى، ويوقعه الطرفان "المرشد والعميل" ويكون ملزما لهما حسب بنوده.
стр. 417
تقييم جدية الالتزام بالخطة، وتقييم النتائج السلوكية لتنفيذ الالتزام، وعلى العميل ألا يقدم الاعذار التي تعفيه من مسئولية تنفيذ الالتزام، وعلى المرشد ألا يتقبل الأعذار.
تعليم وتعلم السلوك الملتزم: يتضمن ذلك إتاحة خبرات تعلم وتقديم معلومات، وهنا يتم إثابة السلوك الملتزم "الواقعي، والمسئول، والصائب" لتعزيزه وتدعيمه، وتصحيح الذات عند ارتكاب الخطأ، وتحسين السلوك إذا كان دون المعايير، مع عدم استخدام العقاب "الجسمي أو النفسي" لأنه يعلم الفرد ما لا يجب أن يفعله ولا يعلمه ما يجب أن يفعله، أي أنه لا يؤدي إلى سلوك مرغوب، ولكنه يكف السلوك غير المرغوب فقط، كذلك فإن العقاب فيه قسوة وإهانة للعميل، وله آثار سلبية عديدة، حيث قد يولد العدوان والعنف والهجوم المضاد، ويمكن أن يستخدم أسلوب لعب الأدوار لتجربة السلوك عمليا، مع وجود التغذية المرتدة لتصحيح المسار وتحسين الأداء.
المثابرة حتى يتحقق الهدف: يجب المثابرة وعدم الاستسلام من جانب الطرفين "المرشد والعميل" حتى يتحقق الهدف. وحتى إذا فشلت الخطة، وجبت المحاولة مرة أخرى أو حتى مرات. "إجلال سري، ١٩٩٠، سلوى عبد الباقي، ١٩٩٦، حامد زهران، ١٩٩٧".
стр. 418
الإرشاد اللعب PLAY COUNSELLING:
الإرشاد باللعب طريقة شائعة الاستخدام في مجال الإرشاد الأطفال، على أساس أنه يستند على أسس نفسية، وله أساليب تتفق مع مرحلة النمو التي يمر بها الطفل وتناسبها، وأنه يفيد في تعليم الطفل، وفي تشخيص مشكلاته، وفي علاج اضطرابه السلوكي.
ويفترض في الإرشاد باللعب أن الطفل يقوم وهو يلعب بعملية "لعب أدوار" يعبر فيها عن مشاعره، ومشكلاته، لأنه ليس كالكبار الذين يمكنهم عمل ذلك بالكلام والتعبير.
أسس الإرشاد باللعب:
يقوم الإرشاد باللعب على أسس نفسية لها أصولها في ميادين علم النفس العام وعلم النفس النمو وعلم النفس العلاجي.
فاللعب بصفة عامة هو أي سلوك يقوم به الفرد دون غاية عملية مسبقة. وتحاول
стр. 419
نظريات اللعب تفسير لماذ لا بد أن يلعب الأشخاص في كل الأعمار، فنجد منها نظرية الطاقة الزائدة التي تعتبر اللعب تنفيسا ضروريا للطاقة الزائدة عند الفرد. وهناك نظرية الغريزية التي تقول: إن اللعب يستند إلى أساس غريزي، فهو نشاط ضروري لتدريب وتهذيب الغرائز والدوافع مثل المقاتلة والعدوان، وهناك نظرية التلخيص ما كان يعمله أجداده، بل يلخص تاريخ الجنس البشري كله، وهناك نظرية تجديد النشاط بالتسلية والرياضة كشيء ضروري بعد التعب والإجهاد في العمل.
ونحن نعلم في علم نفس النمو أن اللعب يكاد يكون "مهنة الطفل" ويعتبر أحد الأساليب الهامة التي يعبر بها الطفل عن نفسه، ويفهم عن طريقها العالم من حوله، وهو أيضا نشاط ضروري في كل الأعمار، ولكنه يختلف في مراحل النمو المتتالية، ففي الطفولة المبكرة يكون بسيطا وعضليا وفرديا، ثم يتجه إلى المشاركة الجماعية مع أصدقاء اللعب ويشاهد اللعب الإيهامي، ويتمايز لعب الذكور عن لعب الإناث، فالبنت تدلل عروستها كما تدلل الأم طفلها، والذكر يلعب بالطائرة والصاروخ كما يتعامل معها الرجال. وفي الطفولة المتأخرة تظهر بعض الألعاب الجماعية، ثم تظهر الهوايات وتبرز الميول والاهتمامات. وفي المراهقة المبكرة تبدأ المباريات واللعب الجماعي والترفيه وتتضح روح الجماعة، وفي المراهقة الوسطى والمتأخرة يظهر التمسك بقواعد اللعب.
وفي علم النفس العلاجي: نجد أساسا متينا يقوم عليه الإرشاد باللعب، فاللعب حاجة نفسية اجتماعية لا بد أن تشبع. واللعب مخرج وعلاج لمواقف الإحباط في الحياة اليومية، فالطفل الذي لا يختاره أقرانه في موقف قيادي، قد يجد مخرجا في وضع لعبة في صف ويقودها ويتولى الموقف القيادي الذي افتقده، واللعب نشاط دفاعي تعويضي، فالطفل الذي يفتقد العطف والاهتمام داخل المنزل يعوض ذلك عن طريق اللعب مع رفاق يحبونه ويهتمون به خارج المنزل، واللعب الإيهامي المفرد يدل على فشل في التوافق مع الحياة الواقعية، واللعب يعتبر تمثيلا صادقا يعرض متاعب الأطفال.
حجرة اللعب:
تخصص في عيادة أو مركز الإرشاد حجرة أو حجرات للإرشاد باللعب، تضم لعبا متنوعة الشكل والحجم والموضوع، وتمثل الأشخاص والأشياء الهامة في حياة الطفل والتي توجد في مجالهم السلوكي وتعتبر بمثابة مدروسة لسلوك الطفل، ولقد تخصصت الكثير من
стр. 420
الشركات العالمية -كما في اليابان مثلا- في صناعة لعب الأطفال المدروسة عمليا بحيث تناسب النشاط الجسمي والعقلي والاجتماعي والانفعالي للأطفال في كافة الأعمار.
ويلاحظ أن اللعب والأدوات التي توجد في حجرة اللعب يجب أن تكون غير قابلة للكسر ولا تكون غالية الثمن.
ومن أمثلة اللعب التي تضمها حجرة اللعب: الدمى والتماثيل التي تمثل أعضاء الأسرة ورجال الشرطة والسلطة، واللعب التي تمثل الحيوانات والطيور، وقطع تمثل مواد البناء وقطع الأثاث المنزلي والأدوات المنزلية، وقطع قماش تمثل الملابس والمفروشات، ولعب تمثل وسائل المواصلات المتنوعة، ولعب تمثل الأسلحة المختلفة، علاوة على أحواض الرمل والماء والدلاء والجواريف، وطين الصلصال، والأقلام والألوان وورق الرسم، وبعض الأقنعة، والأدوات الأخرى التي يألفها الطفل مثل الأرجوحة والأراجوز، وبعض الأدوات الموسيقية، وتزود حجرة اللعب بالكراسي والمناضد المناسبة للأطفال.
استخدام اللعب في التشخيص:
يمكن دراسة سلوك الطفل عن طريق ملاحظته: أثناء اللعب بهدف تشخيص مشكلاته، ومن المهم أيضا ملاحظة سلوك الطفل أثناء اللعب خارج حجرة اللعب وخارج جلسات الإرشاد حين يعود الطفل إلى بيته وأسرته.
ويلاحظ أن الطفل المضطرب نفسيا يسلك في لعبه سلوكا يختلف عن الطفل العادي الصحيح نفسيا. فالطفل عادة يعبر رمزيا أثناء لعبه عن خبراته في عالم الواقع. ويعبر الطفل المضطرب نفسيا عن مشكلاته وصراعاته وحاجاته غير المشبعة وافعالاته المشحونة أثناء لعبه، وهو يسقط كل ذلك على الدمى واللعب، وهذا يسهل تشخيصها.
стр. 421
وأثناء اللعب الجماعي والتفاعل الاجتماعي مع الرفاق "ومع الدمى"، يمكن معرفة الكثير عن المشكلات وأسبابها وخاصة في العلاقات الاجتماعية بصفة عامة والأسرية بصفة خاصة.
ويستفيد المرشد من الكثير مما يلاحظه على سلوك الطفل أثناء اللعب، ومثل: سن رفاق اللعب، ومدى الاستمتاع باللعب، والحالة الانفعالية أثناءه، وتحديد الشخصيات في اللعب، ومدى ظهور دلائل الابتكار، مع تحديد درجة السواء والاضطراب في كل حالة.
وقد تستخدم بعض اختبارات اللعب الإسقاطية كوسيلة هامة في التشيخص، ومن أمثلتها اختبار العالم١، وضع مارجريت لوفن فيلد، وتقنين شارولت بوهلر Buhler، ويتكون من لعب صغيرة كالدمى والحيوانات والبيوت والأشجار والأسوار والعربات ... إلخ، ويمكن أن يكون بها قرية أو مدينة أو مزرعة أو حديقة حيوان أو غابة أو مطار ... إلخ، واختبار المشهد أو المنظر وضع جيرد هيلد فون شتابس Staabs، ويتكون من مجموعة من اللعب والدمى يمكن ثنيها، وتمثل شخصيات لها اتصال بحياة الطفل، وكذلك على عدد من الحيوانات الأليفة والمفترسة والأدوات ... إلخ، مما يساعد الطفل على التعبير عن انفعالاته ورغباته الشعورية واللاشعورية "سيد غنيم وهدى برادة، ١٩٦٤".
استخدام اللعب في الإرشاد:
يلجأ المرشد إلى اللعب كطريقة هامة لضبط وتوجيه وتصحيح سلوك الطفل.
ويستخدم اللعب لدعم النمو الجسمي والعقلي والاجتماعي والانفعالي المتكامل والمتوازن للطفل، فهو يقويه جسيما ويراوده بمعلومات عامة ومعايير اجتماعية ويضبط انفعالاته.
ويستخدم اللعب في إشباع حاجات الطفل مثل حاجاته إلى اللعب نفسه حين يلعب، وحاجاته إلى التملك حين يشعر أن هناك أشياء يتملكها، وحاجته إلى السيطرة حين يشعر أن هناك أجزاء من بيئته يسيطر عليها، وحاجاته إلى الاستقلال حين يلعب في حرية ويعبر عن نفسه بالطريقة التي يفضلها من دون توجيه من الآخرين.
стр. 422
ويتيح اللعب فرصة التعبير والتنفيس الانفعالي عن التوترات التي تنشأ عن الصراع والإحباط، ويظهر ذلك عندما يعبر الطفل عن مشكلاته وهو يتعامل مع اللعب "حركة وكلاما" وحين يكرر مواقف تمس مشكلاته الانفعالية ويعبر عن انفعالاته ويفرغها.
وقد يجد الطفل أثناء لعبه حلا لصراعاته وحتى مشكلاته، فمثلا في بعض الأحيان قد يهمل الطفل دمية تمثل شخصا معينا أو يرفضها أو يحطمها ... إلخ، وهذا كله له أهمية بالغة في فهم انفعالاته وتنفيسها "موزر وموزر Moser & Moser؛ ١٩٦٣".
ويستخدم اللعب أيضا لتحقيق أغراض وقائية وذلك مثلا عن طريق تقديم الطفل لخبرة ميلاد طفل جديد، حتى يتقي شر ردود الفعل المعروفة حين يفاجأ بهذا الميلاد.
ويحتاج الإرشاد باللعب إلى مرشد ذي شخصية وقدرات تناسب التعامل مع الأطفال، يحتاج إلى فهم وصبر وحساسية ومرح وشعور بالوالدية. وقد يشرك المرشد الوالدين أو غيرهما من أفراد الأسرة أو أعضاء هيئة التدريس في المدرسة أو رفاق الطفل في جلسات الإرشاد باللعب.
ويلاحظ أن المرشد قد يصبح موضوعا لطارئ التحويل الموجب أو السالب، وهنا يتصرف مستغلا التحويل بما يساعد الطفل، ثم يحلل التحويل ويضع الأمور في نصابها.
أساليب الإرشاد باللعب:
يكون المرشد العلاقة الإرشادية المناسبة مع الطفل، ويهيئ مناخا نفسيا ملائما يسوده التقبل، ويصحب الطفل إلى حجرة اللعب، ويتبع المرشد أحد الأساليب الآتية في الإرشاد باللعب:
اللعب الحر: وهو غير محدد Unstructured تترك فيه الحرية للطفل لاختيار اللعب، وإعداد مسرح اللعب وتركه يلعب بما يشاء وبالطريقة التي يراها دون تهديد أو لوم أو استنكار أو رقابة أو عقاب. وقد يشارك الرشد في اللعب وقد لا يشارك، وذلك حسب رغبة الطفل وقد يتخذ المرشد موقفا متدرجا فيكتفي أول الأمر بملاحظة الطفل وهو يلعب وحده ثم يشترك معه تدريجيا ليقدم مساعدات أو تفسيرات لدوافع الطفل ومشاعره بما يتناسب مع عمره وحالته.
اللعب المحدد Structured: وهو لعب موجه مخطط، وفيه يحدد المرشد مسرح اللعب ويختار اللعب والأدوات بما يتناسب مع عمر الطفل وخبرته، وبحيث تكون مألوفة له حتى
стр. 423
تستثير نشاطا واقعيا أو أقرب إلى الواقع، ويصمم اللعب بما يناسب مشكلة الطفل. فمثلا في حالة مشكلة أسرية لطفل ريفي تتكون أسرته من والديه وإخوته الستة من الجنسين وآخرهم طفل وليد بالإضافة إلى جديه، تعد الدمى التي تمثل هؤلاء جنسا وعددا، وتعد كذلك الأدوات التي تمثل المنزل الريفي والبيئة الريفية من حيوانات وأشجار ... إلخ، ثم يترك الطفل يلعب في مناخ يسوده العطف والتقبل. وغالبا يشترك المرشد في اللعب، وهو حين يفعل ذلك يعكس مشاعر الطفل ويوضحها له حتى يدرك نفسه ويعرف إمكاناته ويحقق ذاته ويفكر لنفسه ويتخذ قراراته بنفسه.
اللعب بطريقة الإرشاد السلوكي: هناك بعض الحالات التي يستخدم فيها اللعب بطريقة الإرشاد السلوكي، فمثلا في حالات الخواف من حيونات معينة يمكن تحصين الطفل تدريجيا بتعويده على اللعب بدمى هذه الحيوانات في مواقف آمنة سارة متدرجة ومتكررة حتى تتكون ألفة تذهب بالحساسية والخواف مبدئيا، ويمكن أن يلي ذلك زيارات لحديقة الحيوان لمشاهدة هذه الحيوانات في استرخاء دون خوف.
فوائد الإرشاد باللعب:
لا شك أن الإرشاد باللعب طريقة مفيدة متعددة المزايا، وفيما يلي أهم فوائد الإرشاد باللعب:
- هو أنسب الطرق لإرشاد الطفل.
- يستفاد منه تعليميا وتشخيصيا وعلاجيا في نفس الوقت.
- يتيح خبرات نمو بالنسبة للطفل في مواقف مناسبة لمرحلة نموه.
- يساعد الطفل على الاستبصار بطريقة تناسب عمره.
- يتيح فرصة التعبير الاجتماعي في شكل "بروفة" مصغرة لما في العالم الواقعي الخارجي.
- يعتبر مجالا سمحا يتيح فرصة التنفيس الانفعالي ويخفف عن الطفل التوتر الانفعالي.
- يمثل فرصة لإشراك الوالدين والتعامل معهما في عملية الإرشاد.
стр. 424
الإرشاد وقت الفراغ LEISURE- TIME COUNSELLING:
مع التقدم العلمي والتكنولوجي والتطور الصناعي في المجتمع الحديث، ومع التوسع
стр. 425
في استخدام الآلة والتحكم الآلي واستخدام اليد الأوتوماتيكية ... إلخ يزدد وقت الفراغ، ومع التقدم العلمي كذلك يزداد متوسط العمر وتزداد بالتالي أهمية شغله واستغلاله.
ووقت الفراغ هو الوقت الحر لدى الفرد الذي لا يقضيه في أي نشاط لكسب عيشه كما في العمل أو للمعيشة كما في الأكل والنوم، وهو الوقت الذي يقضيه الفرد في ممارسة الهويات، والترويح والتسلية وتجديد النشاط بالرياضة والاستجمام.
ولقد كان وقت الفراغ فيما مضى متوافرا جدا لدى أفراد الطبقة الأريستوقراطية من الأغنياء، أما الآن فربما نجد الأغنياء هم أكثر الناس انشغالا بالعمل والإنتاج، وقليلا ما يتوافر لديهم وقت فراغ، وفي نفس الوقت فإن عصرنا الحاضر والمستقبل القريب يزداد فيه وقت الفراغ بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، إذ تتناقص ساعات العمل في الأسبوع.
وعلى العموم، فكما أن زيادة وقت الفراغ مشكلة، فإن نقصه كذلك مشكلة، لأن الفرد الذي ليس لديه وقت فراغ لا يجد فرصة الاستجمام والاسترخاء والتسلية والترفيه عن النفس.
ويقول آرثر جونز Jones؛ "١٩٧٠" إن مرشد المستقبل ربما يجد أن الإرشاد وقت الفراغ سيأخذ وقتا منه أكثر من الإرشاد المهني نفسه.
والإرشاد وقت الفراغ هو استغلال وقت الفراغ الحر الذي لا يحتاجه الفرد لكسب عيشه، واستخدام نشاط وقت الفراغ في عملية الإرشاد تشخيصيا وإرشاديا، وهو طريقة ممتازة "خفيفة الظل"، وبالنسبة للعملاء الذين لا يحبون الإرشاد في عياداته أو مراكزه.
أسس الإرشاد وقت الفراغ:
يقوم الإرشاد وقت الفراغ على أسس تبين ضرورته الملحة حتى ينصرف إلى سلوك موجه ويملأ بنشاط مخطط يعود بالنفع، وذلك لعدة اعتبارات أهمها ما يلي:
- وقت الفراغ ليس وقت لهو. إنه سلوك جاد. ولكنه خارج عن العمل وليس إجباريا.
- وقت الفراغ ضروري للراحة والاستجمام، وأن حسن تنظيمه وشغله بما يحبه الأفراد يؤدي إلى الراحة النفسية وإلى زيادة الإنتاج، لأنه يقطع روتين العمل ويقضي على التعب والملل.
- الفرد لو ترك لطبيعته الخيرة لاستغل وقت فراغه في نشاط إيجابي بناء، ولكنه قد يتعرض لعوامل بيئية اجتماعية تؤدي إلى توجيهه إلى نشاط سلبي هدام.