٥- الائتمان على الأسرار والثقة.
٦- العمل في صالح العميل.
٧- توافر العلاقات المهنية الصحية بين العاملين.
٨- توافر فنيات التشخيص والتقييم.
٩- ضرورة المشاركة ببحوث مع الآخرين.
١٠- ضرورة استخدام الحيوان في بعض المواقف البحثية المضرة بالإنسان.
هذا وقد وضعت الجمعية المصرية للدرسات: النفسية ميثاقا أخلاقيا للمشتغلين بعلم النفس في مصر، ويتضمن هذا الميثاق الأخلاقي ما يلي١:
١- مبادئ عامة: تتناول أهمية مظهر الأخصائي النفسي، والتزاماته نحو العميل، ونحو المجتمع وإجادته للطرق والأساليب المهنية، ومحافظته على الأسرار والبيانات الشخصية، وتحمله للمسئولية المهنية، ورفع قيمة المهنة في نظر الآخرين.
٢- القياس النفسي: يتضمن الميثاق الأخلاقيات الخاصة بإعداد وتأليف وتقنين ونشر الاختبارات والمقاييس النفسية واستخدامها.
٣- البحوث والتجارب: يشتمل الميثاق على الأخلاقيات الخاصة بالبحوث والتجارب وأهدافها العلمية وسلامة إجراءاتها علميا وعمليا.
٤- التشخيص والعلاج: يحتوي الميثاق على الأخلاقيات الخاصة بالتشخيص الدقيق والعلاج السليم في إطار برنامج مخطط، ودون إرهاق العميل في التكاليف.
٥- التدريس والتدريب: يشير الميثاق إلى أخلاقيات التدريس وتدريب الطلاب والأخصائيين الجدد وتوفير الخبرات لهم.
٦- العمل في المؤسسات: يشير الميثاق إلى أخلاقيات العمل في المؤسسات المهنية والإنتاجية بالأسلوب العلمي.
وفيما يلي كلمة عن أهم أخلاقيات الإرشاد النفسي:
العلم والخبرة: الإرشاد النفسي خدمات متخصصة. ومن ثم يجب أن يكون المرشد مؤهلا ومزودا بالعلم والمعرفة المتخصصة والخبرات والمهارات اللازمة لذلك، وأن يكون دئما حريصا على التزود بالمعلومات الأكاديمية وعلى دراية بالدراسة والبحوث في ميدان التوجيه والإرشاد.
стр. 72
الترخيص: هذا شرط أساسي لممارسة الإرشاد النفسي وتحمل مسئولياته، أي أنه لا بد أن يكون من يقوم بعملية الإرشاد النفسي مؤهلا علميا وعمليا ومرخصا له بهذا العمل من قبل الجهات العلمية والرسمية، وهذا من باب إعطاء القوس باريها، وإعطاء "العيش لخبازه".
القسم: وقبل أن يحصل المرشد أو المعالج على الترخيص بممارسة الإرشاد أو العلاج النفسي لا بد أن يقسم قسم المهنة الذي من أهم بنوده مراعاة الله في عمله ومراعاة أخلاقيات المهنة.
سرية المعلومات: وسرية المعلومات تحتل مكانا هاما بين أخلاقيات الإرشاد، ولا شك أن الكثير من ما يدور في مقابلات الإرشاد أمور شخصية وخاصة وسرية. وكما يقول المثل "الناس أسرار"، وسرية المعلومات واجب وأمانة على المرشد، ذلك لأن المرشد يتوصل إلى أسرار وخصوصيات العميل مباشرة أو عن طريق وسائل الإرشاد مثل الاختبارات وغيرها في إطار من الثقة المتبادلة. والسرية واجبة على المرشد وحق للعميل. والمرشد مسئول عن المحافظة على أسرار العميل وليس له الحق في تسجيلها إلا بعد استئذان العميل. والقانون يؤاخذ المرشد أو المعالج إذا أساء استخدام الأسرار وإذا أباح بسر يضر العميل ماديا أو معنويا أو يشوه سمعته ومكانته أو حتى يحرجه. والمعلومات السرية تكون سرية على الجميع حتى على رجال القانون، ولا يمكن أن يباح بأي سر إلا بتصريح من العميل "يحسن أن يكون كتابيا". والسرية نسبية وليست مطلقة تماما وتتوقف على طبيعة المعلومات، فمن المعلومات التي لا تدخل في إطار السرية المعلومات العامة التي يعرفها الجميع، ولا تمس خصوصيات العميل والتي يمكن أن يباح بها في موقف تعليمي دون ذكر الاسم أو ما يدل عليه أو في مؤتمر دراسة الحالة وفقط لأعضاء فريق الإرشاد النفسي، وفي بعض الحالات للوالدين. ويلاحظ أنه إذا كان من الضروري أن يكتب المرشد تقريرا عن العميل فيجب أن يقتصر على تحديد التشخيص وما اتخذ من إجراءات إرشادية ولا يتضمن أي معلومات سرية "وارمان Warman؛ ١٩٦٣". وتقدير مدى السرية متروك لحكمة المرشد وحسن تقديره. ويرى أليكساندر شنايدرز Schneiders "١٩٦٣" أن حق السرية يسقط في بعض الحالات منها حالات العدوان المباشر على المرشد أو على سمعته ومكانته، أو الإضرار به، ومنها إلحاق الضرر بطرف ثالث بريء، ومنها العدوان على الصالح العام وحقوق المجتمع، ومنها حدوث ضرر مؤكد للمرشد إذا تم الاحتفاظ بالسر. وفي كل حالات جواز البوح يكون بهدف رفع الضرر عن الطرف المضار بما لا يضر العميل وبشرط أن يكون الذي يباح له بالسر مهنيا ومسئولا بدوره عن الاحتفاظ بهذا السر.
العلاقة المهنية: لا بد أن تكون العلاقة الإرشادية بين المرشد والعميل علاقة مهنية في إطار محدد من المعايير الاجتماعية الدينية والأخلاقية والقانونية المعروفة حتى يجد العميل فيها خبرة حقيقية لعلاقة أخلاقية نظيفة مع إنسان آخر. وينبغي ألا تتطور العلاقة المهنية إلى أي نوع آخر من العلاقات.
стр. 73
العمل المخلص: الإرشاد النفسي عمل إنساني من الدرجة الأولى، ويحتاج إلى الإخلاص ويتضمن ذلك تقديم أكبر قدر ممكن من العمل المخلص، واستخدام أنسب وأجدى الوسائل والطرق الإرشادية التي تتفق مع حاجات العميل ومشكلته، حتى يشعر المرشد بالرضا وراحة الضمير حين يبتغي وجه الله ولا يبتغي مجدا أو فائدة مادية أو شخصية، وبحيث لا تتدخل في العمل أمور شخصية قد تفسده. قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ .
العمل كفريق: يجب أن يقوم بعملية الإرشاد النفسي فريق متكامل متعاون من الأخصائيين مثل المرشد النفسي والطبيب النفسي والأخصائي الاجتماعي، وغيرهم، بحيث يتيح فرصة تقديم الخدمات المتخصصة من كافة النواحي حتى يحقق الهدف، ومن المعروف أن معظم المشكلات، والاضطرابات النفسية لها أسبابها الاجتماعية ومظاهرها الجسمية وعناصرها النفسية وآثارها الاجتماعية ... وهكذا.
احترام اختصاص الزملاء: يجب احترام اختصاص الزملاء في فريق الإرشاد النفسي واحترام عملهم وتقديره وعدم القيام بعمل من اختصاص الآخرين مهما ظن ذلك سهلا يمكن أن يقوم به أي إنسان.
الاستثشارة المتبادلة: يجب القيام بالاستشارة المتبادلة مع الزملاء والخبراء والاستعانة بالأخصائيين الآخرين خاصة في الحالات الحدية أو الغريبة، فأحيانا قد يحتاج المرشد إلى مشورة طبيب الأعصاب أو الطبيب الباطني أو حتى المحامي.
الإحالة: يجب على المرشد إحالة العميل إلا أخصائي آخر إذا تطلب الأمر بمجرد إدراك الحاجة إلى ذلك، كأن تكون الحالة ليست من اختصاصه أو ليست في حدود إمكاناته أو تحتاج إلى الاستعانة بأخصائي آخر، وذلك حفظا على مصلحة كل من المرشد والعميل كما في حالة الشك في وجود مرض عقلي أو عضوي.
كرامة المهنة: الإرشاد النفسي مهنة ولا بد من المحافظة على كرامة المهنة في علاقة المرشد بالعملاء وبالجمهور بصفة عامة. فلا يصح أن يعرض المرشد خدماته الإرشادية على الناس في الأماكن العامة وفي الجلسات العامة وفي وسائل الإعلام، وحتى في حالة الإعلان يجب أن يحافظ على كرامة المهنة. إن الإرشاد النفسي مهنة لها مكانتها ومكانها ولا بد أن يسعى إليها من يحتاج إليها١. كذلك يجب اتباع السلوك الشخصي والمهني الذي يتفق مع كرامة المهنة.
стр. 74
التكاليف: في حالة الإرشاد الذي يدفع العميل تكاليفه يجب أن تكون التكاليف بالمعروف دون استغلال، ودون إرهاق للعميل، ويجب ألا تتحكم في عملية الإرشاد نفسها مهما كانت الظروف، وفي حالة الإرشاد المجاني على حساب الدولة يجب أن يعطي المرشد حق العميل كاملا في الخدمة بإخلاص وكأنه يدفع التكاليف فعلا، فالمسألة أولا وآخرا مسألة ضمير وأخلاق.
أسس فلسفية أخرى:
هناك بعض الأسس الفلسفة الأخرى وأهمها:
الكينونة والصيرورة: Being and Becoming الكينونة هي أي ما يوجد أو ما يمكن أن يوجد. وكل الكائنات الموجودة فعلا أو المحتمل وجودها مادية كانت أو روحية بسيطة أو معقدة تدخل في إطار الكينونة والصيرورة تتضمن التغير. والكينونة والصيرورة متكاملان وبينهما تغير يبقى على الكينونة ويؤدي إلى الصيرورة. فمثلا الطفل الصغير ينمو ويصير راشدا كبيرا، أي أن الذي كان طفلا وصار راشدا ما زال نفس الشخص. وكل شيء في الإنسان يتغير مع الزمن والنمو، فلا شيء في الإنسان في لحظة معينة يظل كما كان منذ عشر سنوات خلت أو حتى من عشر ثوان مضت. ولكن الشخص ما زال هو الشخص، أي أن هناك أشياء في الشخص تظل كما هي بينما أشياء أخرى تتغير، ومعنى ذلك أنه ليس هناك جديد لأن ما يسمى جديدا جاء من قديم كائن ولا يمكن أن يأتي من لا شيء، لأنه لا شيء يأتي من لا شيء، ومفهوم التغير قائم لأننا نعيش في عالم متغير. وفي الإرشاد النفسي لدينا المرشد والعميل وعيادة أو مركز الإرشاد، ويكون الإرشاد النفسي فقط عندما يكون هناك شخص يقدم له الإرشاد وينظر إلى هذا الشخص ككائن يتغير رغم بقائه نفس الشخص.
الجماليات Aesthetics: الجماليات فرع من الفلسفة يدرس الفن والجمال، ويهتم المرشدون بالجماليات كأساس من الأسس الفلسفية للإرشاد النفسي على أساس أن تقدير الجمال وتذوقه جزء هام في مساعدة العميل في توافقه للحياة.
المنطق Logic: المنطق فرع من الفلسفة يدرس قواعد التفكير الصحيح، ولمعرفته جيدا يجب دراسة موضوعات مثل الاستقراء والاستنباط والمنطق الرياضي ... إلخ وتحتاج عملية الإرشاد إلى دراسة المنطق وقواعده الأساسية إذ أن كثيرا من المناقشات في المقابلات الإرشادية تحتاج إلى التفكير المنطقي، وهناك من أساليب الإرشاد النفسي المختصر أسلوب الإقناع المنطقي الذي يقوم على تحديد أسباب السلوك المضطرب من أفكار ومعتقدات غير منطقية والتخلص منها بالإقناع المنطقي وإعادة العميل إلى التفكير المنطقي.
стр. 75
الأسس النفسية والتربوية:
الفروق الفردية Individual Differences:
الفروق الفردية مبدأ وقانون عام وأساسي في علم النفس يهتم بدراسته علم النفس الفارق وعلم النفس الفردي، وحيث أن التوجيه والإرشاد حق لكل فرد، فإن مسألة الفروق الفردية تصبح ذات أهمية كبيرة، ونحن نعلم أن أي معلم يدخل الصف الأول الابتدائي حيث التعليم إلزامي للكل يجد التوزيع الاعتدال الذي يبرز الفروق الفردية في القدرات، وغيرها. فبالنسبة للتوزيع العادي للذكاء مثلا "انظر شكل ١١" يجد أن العاديين يتابعونه، والمتفوقين يستسهلون ما يقوله، والمتخلفين يحاولون متابعته دون جدوى، ولا بد من وضع هذه الفروق الفردية في الحساب في تعليمهم وإرشادهم.
والأفراد يختلفون كما وكيفا، وعلى نطاق واسع وشامل يظهر في كافة مظاهر الشخصية جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، وليس هناك معادلات معروفة تنطبق على كل الأفراد في أي جزء من برنامج التوجيه والإرشاد النفسي. إن لكل فرد عالمه الخاص الفريد وشخصيته الفريدة المميزة عن باقي الأفراد وله حاجاته وقدراته وميوله، وهو يختلف عن كل من سواه بسبب سماته الموروثة وخصائصه المكتسبة. ولا يوجد اثنان على وجه الأرض صورة واحدة طبق الأصل. وحتى التوائم المتماثلة التي تنشأ من بويضة واحدة ذات بداية واحدة في النمو من كافة مظاهره سرعان من يختلفان بسبب العوامل البيئية المتعددة التي تؤثر في النمو.
стр. 76
وحتى إدراك الفرد لذاته يختلف عن إدراك الآخرين لها، وإدراكه للبيئة يختلف عن إدراك الآخرين لها. وإدراك الفرد لذاته ولبيئته يتأثر بعوامل كثيرة منها مستوى نموه ومستوى تعليمه وطبقته الاجتماعية والمجتمع الذي يعيش فيه.
وما نراه من اتفاق في الإدراك العام بين الأفراد مرجعه وجود الخبرات المشتركة المتشابهة بصفة عامة، وحتى هذا الاتفاق لا يكون تاما، ولكنه يكون متقاربا. وهذا التقارب هو الذي يؤدي إلى التفاهم والتوافق١.
وهكذا نرى أن الفروق الفردية توضع في الحساب تماما في الإرشاد النفسي. فالمرشد عليه أن يعرف فيما يتعلق بأسباب المشكلات النفسية مثلا أن بعض العوامل المسببة بصفة عامة قد تسبب مشكلة عند فرد ولا تسبب مشكلة عند فرد آخر، ونحن نعرف أن النار التي تذيب الدهن هي نفسها التي تجعل البيض يتجمد. فقد تحدث كارثة في أسرة فتصقل شخصية فرد وتهدم شخصية فرد آخر. ففي ضوء مبدأ الفروق الفردية تعدد طرق الإرشاد وليس ثمة طريقة واحدة تناسب كل العملاء لما بينهم من فروق فردية.
الفروق بين الجنسين Sex Differences:
لقد خلق الله الجنسين وبينهما فروق فسيولوجية واجتماعية وعقلية وانفعالية، وتلعب التنشئة الاجتماعية دورا هاما في إبراز الفروق بين الجنسين في الأدوار الاجتماعية التي يقوم بها أفراد كل من الجنسين، ويكفي للتمثيل على ذلك بعض الفروق الخاصة في القدرات وفي الاتجاهات وفي الميول في المعايير الاجتماعية المتعلقة باللبس والعمل المتاح ... إلخ.
ومعروف في عالم المهنة أن هناك مهنا تكاد ترتبط بالجنس، أي أنه يوجد مهن "رجالي" ومهن "نسائي". ومن أمثلة المهن التي يفضلها ويجيدها الذكور القوات المسلحة والصناعات الثقيلة والتعدين. ومن أمثلة المهن التي تفضلها تجيدها الإناث السكرتارية والتدريس والتمريض والخدمة الاجتماعية.
وإلى جانب الفروق بين الجنسين حيويا هناك فروق نفسية، ونحن نعرف أن الذكورة النفسية أو الأنوثة النفسية تحدد في ضوء ما إذا كان سلوك الفرد أكثر ميلا نحو السلوك الذكري أو نحو السلوك الأنثوي بصرف النظر عن جنسه حيويا. وفي الإرشاد النفسي نجد أن
стр. 77
بعد الذكورة/ الأنوثة Masculinity/ Femininity أمر مهم لأنه لا يمكن القول أن عملية الإرشاد تكون واحدة وينطبق فيها على الإناث ما ينطبق على الذكور.
مطالب النمو Develppmental Tasks:
يتطلب النمو النفسي السوي للفرد في كل مرحلة من مراحل نموه عدة أشياء. وهذه الأشياء يجب أن يتعلمها الفرد لكي يصبح سعيدا وناجحا في حياته، إنها مطالب النمو التي تظهر في مراحله المتتابعة "روبرت هافيجهرست Havighurst؛ ١٩٧٢".
وتوضح مطالب النمو المستويات الضرورية التي تحدد كل خطوات نمو الفرد، وتصلح مطالب النمو في توجيه العملية التربوية والعملية الإرشادية، وتبين مطالب النمو مدى تحقيق الفرد لذاته وإشباعه لحاجاته وفقا لمستوى نضجه وتطور خبراته التي تتناسب مع مرحلة النمو.
وتنتج مطالب النمو من تفاعل مظاهر النمو العضوي "كما في تعلم المشي" وآثار الثقافة القائمة "كما في تعلم القراءة" ومستوى طموح الفرد "كما في اختيار المهنة".
ويؤدي تحقيق مطالب النمو إلى سعادة الفرد، ويسهل تحقيق مطالب النمو الأخرى، في نفس المرحلة وفي المراحل التالية. ويلاحظ أن تحقيق مطالب النمو يحتاج إلى تعلم واتخاذ قرارات، وهذا واجب أساسي في عملية الإرشاد النفسي وفي العملية التربوية بصفة عامة.
وفي نفس الوقت فإن عدم تحقيق مطالب النمو يؤدي إلى شقاء الفرد وفشله وصعوبة تحقيق مطالب النمو الأخرى في نفس المرحلة وفي المراحل التالية.
وهكذا نلاحظ ترابط مطالب النمو، فإذا أخذنا في الاعتبار النمو المتكامل للشخصية وضرورة تحقيق مطالب النمو وأهميته، نجد أن هناك تكاملا أفقيا ورأسيا في السلوك بمعنى أن الفرد الذي يحقق مطلبا من مطالب النمو تحقيقا حسنا يميل إلى تحقيق باقي المطالب في المرحلة بدرجة حسنة أيضا، وهو أيضا يميل إلى الاستمرار في تحقيق مطالب النمو في المراحل التالية بدرجة مماثلة من النجاح "مارجريت بينيت Bennett؛ ١٩٦٣".
وفيما يلي أهم مطالب النمو خلال مراحل النمو المتتابعة:
مطالب النمو في مرحلة الطفولة: المحافظة على الحياة، تعلم المشي، تعلم استخدام العضلات الصغيرة، تعلم الأكل تعلم الكلام، تعلم ضبط الإخراج وعاداته، تعلم الفروق بين
стр. 78
الجنسين، تعلم المهارات الجسمية الحركية اللازمة للألعاب وألوان النشاط العادية، تحقيق التوازن الفسيولوجي، تعلم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، تعلم المهارات العقلية المعرفية الأخرى اللازمة لشئون الحياة اليومية، تعلم الطرق الواقعية في دراسة والتحكم في البيئة، تعلم قواعد الأمن والسلامة، تعلم ما ينبغي توقعه من الآخرين وخاصة الوالدين والرفاق، تعلم التفاعل الاجتماعي مع رفاق السن وتكوين الصداقات والاتصال بالآخرين والتوافق الاجتماعي، تكوين الضمير وتعلم الدور الجنسي في الحياة، تكوين اتجاهات سليمة نحو الجماعات والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية، تكوين المفاهيم والمدركات الخاصة بالحياة اليومية، تعلم المشاركة في المسئولية، تعلم ممارسة الاستقلال الشخصي، تكوين مفاهيم بسيطة عن الواقع الاجتماعي، نمو مفهوم الذات واكتساب اتجاه سليم نحو الذات، الشعور بالثقة في الذات وفي الآخرين، تحقيق الأمن الانفعالي، تعلم الارتباط الانفعالي بالوالدين والإخوة والآخرين، تعلم ضبط الانفعالات وضبط النفس.
مطالب النمو في مرحلة المراهقة: نمو مفهوم سوي للجسم وتقبل الجسم، تقبل الدور الجنسي في الحياة، تقبل التغيرات التي تحدث نتيجة للنمو الجسمي والفسيولوجي والتوافق معها، تكوين المهارات والمفاهيم العقلية الضرورية للإنسان الصالح، واستكمال التعليم، تكوين علاقات جديدة طيبة ناضجة مع رفاق السن من الجنسين، نمو الثقة في الذات والشعور الواضح بكيان الفرد، تقبل المسئولية الاجتماعية، امتداد الاهتمامات إلى خارج حدود الذات، واختيار مهنة والاستعداد لها "جسميا وعقليا وانفعاليا واجتماعيا"، تحقيق الاستقلال اقتصاديا، وضبط النفس بخصوص السلوك الجنسي، الاستعداد للزواج، والحياة الأسرية، تكوين المهارات والمفاهيم للازمة للاشتراك في الحياة المدنية للمجتمع، معرفة السلوك الاجتماعي المعياري المقبول الذي يقوم على المسئولية وممارسته، نمو والقيام بالدور الاجتماعي الجنسي السليم، اكتساب قيم مختارة ناضجة تتفق مع الصورة العملية للعالم الذي نعيش فيه، إعادة تنظيم الذات ونمو ضبط الذات، بلوغ الاستقلال الانفعالي عن الوالدين وعن الكبار.
مطالب النمو في مرحلة الرشد: تقبل التغيرات الجسمية التي تحدث في هذه المرحلة والتوافق معها، توسيع الخبرات العقلية المعرفية بأكبر قدر مستطاع، اختيار الزوج، الحياة مع زوجة أو زوج، تكوين الأسرة وتحقيق التوافق الأسري، تربية الأولاد والقيام بعملية التنشئة
стр. 79
الاجتماعية لهم، التطبيع والاندماج الاجتماعي، ممارسة المهنة وتحقيق التوافق المهني، تكوين مستوى اقتصادي مناسب مستقر والمحافظة عليه، ممارسة الحقوق المدنية وتحمل المسئولية الاجتماعية والوطنية، إيجاد روابط اجتماعية تتفق مع الحياة الجديدة، تكوين وتنمية الهوايات المناسبة لهذه المرحلة، تقبل الوالدين والشيوخ معاملتهم معاملة طيبة والتوافق لأسلوب حياتهم، تكوين فلسفة عملية للحياة، تحقيق الاتزان الانفعالي.
مطالب النمو في مرحلة الشيوخة: التوافق بالنسبة للضعف الجسمي والمتاعب الصحية المصحابة لهذه المرحلة، القيام بأي نشاط ممكن يتلائم مع قدرات الشيخ، تحقيق ميول نشطة وتنويع الاهتمامات، التوافق بالنسبة للإحالة إلى التقاعد أو ترك العمل، التوافق بالنسبة لنقص الدخل نسبيا، الاستعداد لتقبل المساعدة من الآخرين وتقدير ذلك، والتوافق بالنسبة للتغيرات الأسرية وترك الأولاد للأسرة واستقلالهم في أسرهم الجديدة، التوافق لموت الزوج أو الأصدقاء، تنمية وتعميق العلاقات الاجتماعية القائمة بين الأقران، تكوين علاقات اجتماعية جديدة، تحقيق التوافق مع رفاق السن، الوفاء بالالتزامات الاجتماعية في حدود الإمكانات، تقبل الواجبات الاجتماعية والوطنية، تقبل التغير الاجتماعي المستمر والتوافق معه ومع الجيل التالي، تهيئة الجو النفسي والصحي المناسب للحياة الصالحة لهذه المرحلة.
مطالب النمو العامة في كل المراحل: نمو استغلال الإمكانات الجسمية إلى أقصى حد ممكن، تحقيق الصحة الجسمية، تكوين عادات سليمة في الغذاء والنوم والتريض والوقاية الصحية، تعلم المهارات الجسمية الضرورية للنمو السليم، حسن المظهر الجسمي العام، النمو العقلي المعرفي، واستغلال الإمكانات العقلية إلى أقصى حد ممكن، تحصيل أكبر قدر ممكن من المعرفة والثقافة العامة وعادات التفكير الواضح، ونمو اللغة وسلامة التعبير عن النفس، تنمية الابتكار، تنمية مهارات جديدة، النمو الاجتماعي المتوافق إلى أقصى حد مستطاع، تقبل الذات والثقة بالذات، تقبل الواقع وتكوين اتجاهات وقيم سليمة، التقدم المستمر نحو السلوك الأكثر نضجا، المشاركة الابتكارية المسئولة في الأسرة والجماعات الأخرى، الاتصال والتفاعل السليم في حدود البيئة، الاستمتاع بالحياة التي يستمتع بها الآخرون، توسيع دائرة الميول والاهتمامات والهوايات، تنمية المهارات الاجتماعية التي تحقق التوافق الاجتماعي السوي، تحقيق النمو الأخلاقي والديني القويم، النمو الانفعالي إلى أقصى درجة ممكنة، تحقيق الصحة النفسية بكافة الوسائل، إشباع الغرائز مثل الغريزة الجنسية والوالدية والميل إلى الاجتماع ... إلخ تحقيق الدوافع
стр. 80
للإنجاز والنبوغ والتفوق ... إلخ، إشباع الحاجات مثل الحاجة إلى الأمن والانتماء والمكانة والتقدير والحب والمحبة والتوافق والمعرفة وتنمية القدرات والنجاح والدفاع عن النفس والضبط والتوجيه والحرية ... إلخ.
стр. 81
الأسس الاجتماعية:
الاهتمام بالفرد كعضو في جماعة:
هذا المبدأ مكمل للمبدأ القائل: إن السلوك الإنساني فردي اجتماعي، فالفرد لا يعيش فردا في المجتمع، وإن الإنسان كائن اجتماعي من اللحظة الأولى لولادته ومنذ أن تلقاه والداه بالفرحة ودأبا على تنشئته اجتماعيا من مهده، تلك العملية التي يسهم فيها مؤسسات ووكالات اجتماعية أخرى كالرفاق والمدرسة ووسائل الإعلام ودور العبادة والثقافة بصفة عامة, والفرد يعيش في واقع اجتماعي له معايير وقيم، وهو يعيش في جماعة ليست مجرد مجموعة من الأفراد وإنما هي كيان اجتماعي يؤثر في الفرد.
وفي الإرشاد والعلاج النفسي توجد طريقة ممتازة وهي الإرشاد الجماعي ينتظر أن تكون أبرز طرق الإرشاد النفسي في المستقبل فالحضارة المتقدمة السريعة التغير وأمراض الحضارة ستصبح من الكثرة بحيث تحتم الإرشاد الجماعي لقلة الأخصائيين مهما كثر عددهم "ويأتي الكلام عن الإرشاد الجماعي في الفصل السابع".
ولأهمية اعتبار الفرد كعضو في جماعة بل في جماعات كثيرة له فيها أدوار اجتماعية يقوم الإرشاد الجماعي على أساس دراسة ديناميات الجماعة وعملية التفاعل الاجتماعي وعمليات المسايرة والمغايرة في السلوك. وهناك نوعان من الضغط الاجتماعي أحدهما توجهه الجماعة إلى الفرد، والآخر ينشأ دخل الفرد، وكلاهما يدفع الفرد دفعا إلى مسايرة معايير الجماعة والالتزام بها، وهذا يستغل تماما في عملية الإرشاد.
ويتأثر السلوك الاجتماعي للفرد بالجماعات التي ينتمي إليها وخاصة الجماعة المرجعية Reference Group وهي الجماعة التي يرجع إليها الفرد في تقييم سلوكه الاجتماعي والتي يلعب فيها أحب الأدوار الاجتماعية إلى نفسه وهي أكثر الجماعات إشباعا لحاجات الفرد، ويشارك أعضاءها الدوافع والميول والاتجاهات، والقيم والمعايير والمثل ويتوحد معها، وهي تؤثر في سلوك الفرد فتحدد مستويات طموحه وإطاره المرجعي للسلوك "حامد زهران، ١٩٨٤".
стр. 82
كذلك يتأثر الفرد بالثقافة الاجتماعية التي ينتمي إليها بما فيها من عادات وتقاليد وعرف أو أخلاقيات وفولكلور ... إلخ، وكل فرد يتحمس لجماعته المرجعية وثقافته وقد يتعصب لها ويرى ويعتقد أن أساليبها السلوكية هي أصبح الأساليب.
وقد يكون الفرد عضوا في جماعة أقلية في المجتمع الكبير. وجماعة أقلية لها سيكولوجيتها وسوسيولوجيتها. وقد تكون هذه الأقلية دينية أو سلالية أو مهنية أو لغوية، وقد تكون أقلية ممتازة أو مواطنين من الدرجة الثانية ... إلخ.
ونحن نجد أن الفرد يعيش في وسط اجتماعي ثقافي يتأثر به لدرجة أن شخصية الفرد مع وضوح الفرق الفردية تقترب من الشخصية الأساسية التي تأخذ من شخصية الأمة وتعطيها.
وهكذا نجد أنه حتى بالنسبة لهدف الإرشاد النفسي وهو تحقيق الذات والتوافق والصحة النفسية يتضمن شعور الفرد والسعادة مع نفسه ومع الآخرين. أي أن المرشد وهو يتعامل مع العميل يضع في حسابه أنه دائما عضو في جماعة ويعيش في مجال اجتماعي.
الاستفادة من كل مصادر المجتمع:
يستفيد المسئولون عن برنامج التوجيه والإرشاد النفسي من المساعدات الممكنة من سائر المؤسسات الاجتماعية.
ومن أهم المصادر والمؤسسات التي تقدم مساعدات قيمة: المؤسسات الدينية، ومؤسسات الخدمة الاجتماعية، ومؤسسات التأهيل المهني، ومؤسسات رعاية المعوقين ... وغيرها.
وتعتبر المدرسة أكثر المؤسسات الاجتماعية أهمية من حيث قدرتها على تقديم الخدمات الإرشادية لأكبر عدد من أطفال المجتمع وشبابه، سواء عن طريق المرشدين أو عن طريق المعلمين المرشدين.
стр. 83
الأسس العصبية والفسيولوجية:
النفس والجسم:
العميل إنسان له جسم يتكون من عدد من الأجهزة الحيوية مثل الجهاز العصبي والجهاز الدوري والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي وجهاز الغدد ... إلخ. وكل جهاز يتكون من أعضاء تتكون بدورها من أنسجة تتكون من خلايا لها خصائص معينة، وتتخصص في أداء وظائف.
стр. 84
مختلفة. فهناك الخلايا العصبية والأنسجة التي تتخصص في التوصيل العصبي، وهناك خلايا وأنسجة الغدد التي تتخصص في الإفراز ... وهكذا.
والإنسان يسلك في محيطه البيئي كوحدة نفسية جسمية، تتأثر الحالة النفسية بالحالة الجسمية -والعكس الصحيح- في توازن تحت الظروف العادية لشخصية سوية متوافقة. والجسم يعتبر وسيطا بين البيئة الخارجية وبين الذات ككيان نفسي، ويؤدي الضغط الانفعالي الشديد المزمن واضطراب الشخصية إلى أن يضطرب هذا التوازن.
ونحن نعلم أنه لا يوجد جسم بدون نفس إلا الجماد والجثث، ولا يوجد نفس بدون جسم إلا الأرواح والأشباح، ولا يوجد اضطراب جسمي بحت يؤثر في الجسم دون النفس، ولا يوجد اضطراب نفسي بحت يؤثر في النفس دون الجسم.
ونحن نعلم أن أهم الأمثلة التي توضح الارتباط الوثيق بين النفس والجسم تأثير الانفعال النفسي على العمليات الفسيولوجية، أي على وظائف أعضاء الجسم. فانفعال الحزن يؤدي إلى انسكاب الدموع، وانفعال الغضب يؤدي إلى إسراع ضربات القلب. وانفعال الخجل يؤدي إلى احمرار الوجه، وانفعال الخوف يؤدي إلى شحوب الوجه، والقلق يؤدي إلى فقدان الشهية، ومن المعروف أنه كما يسبب المرض الجسمي الاكتئاب، فإن الإرهاق العصبي يؤثر في وظائف أعضاء الجسم المختلفة.
وهكذا يحتاج المرشد النفسي إلى دراسة ومعرفة عصبية فسيولوجية حتى يتمكن من مساعدة عملائه، إنه لا بد أن يعرف -إلى جانب دراسته النفسية- شيئا من الجسم حيث التكوين والوظيفة وعلاقتها بالسلوك بصفة عامة، ويكفي للتدليل على ذلك أن عملية الإرشاد نفسها تتضمن عملية تعلم، ويقوم المخ وبقية الجهاز العصبي بدور رئيسي في عملية التعلم عصبيا وفسيولوجيا وبالإضافة إلى ذلك يحتاج المرشد إلى التفريق بين الاضطرابات العادية والاضطرابات الهستيرية والاضطرابات النفسية الجسمية والاضطرابات العضوية.
الجهاز العصبي Neervous System:
الجهاز العصبي هو الجهاز الحيوي الرئيسي الذي يسيطر على أجهزة الجسم الأخرى برسائل عصبية خاصة تنتقل الإحساسات المختلفة "المثيرات" الداخلية والخارجية ويستجيب لها في شكل تعليمات إلى أعضاء الجسم، مما يؤدي إلى تكيف نشاط الجسم وموائمته لوظائفه المختلفة الإرادية واللاإرادية الضرورية للحياة بانتظام وتكامل. وبفضل الجهاز العصبي يستطيع الجسم أن يتفاعل مع بيئته الداخلية والخارجية.
стр. 85
ولا يسمح المجال هنا بالتفصيل دراسة الجهاز العصبي، ولكن يمكن الرجوع إلى مراجع علم النفس الفسيولوجي للتفصيل "للإيجاز انظر حامد زهران، ١٩٩٧".
ووحدة النسيج العصبي هي الخلية العصبية ومحورها وتشعباته، ومن خصائصها المميزة أنها إذا تلفت لا تتجدد ولا تعوض.
والأعصاب تتكون من حزمة من محاور وألياف عصبية، ووظيفتها هي توصيل الإشارات العصبية بين المخ والحبل الشوكي، والجهاز العصبي الذاتي من جهة وبين جميع أجزاء الجسم من جهة أخرى، أي أنها تعمل في اتجاهين، فمنها: أعصاب مستقبلة "موردة" حسية، وأعصاب مرسلة "مصدرة" حركية، وأعصاب متوسطة "موصلة" مشتركة "حسية حركية".
وينقسم الجهاز العصبي إلى:
الجهاز العصبي المركزي Central Neervous System: وهو الذي يتحكم في السلوك الإرادي للإنسان "انظر شكل ١٢" ويشمل:
- المخ Brain: لقد كرم الله الإنسان ووهبه مخا كبيرا هو الأساس في تقدير السلوك، يمكنه من السلوك بمرونة وتوافق مع البيئة وتوجيه سلوكه توجيها ذكيا، ويتركب المخ من القشرة واللب، ويحيط به السائل المخي الشوكي والسحايا لحمايته وتغذيته، وله ثلاثة أجزاء رئيسية هي:
стр. 86
المخ المقدمي: ووظيفته بصفة عامة هي العلميات العقلية العليا والإحساس والحركة الإرادية ينقسم إلى فصوص هي: الفص الجبهي "الأمامي" وهو مركز الوظائف العقلية العليا كالإدراك والتفكير، والفص الجداري "الجانبي" وهو مركز الإحساس غير المخصص كاللمس والألم، والفص الصدغي وفيه مركز السمع، والفص القذالي "الخلفي" وفيه مركز البصر، وبينهما شقوق.
- المخ المتوسط: بين المخ المقدمي والمخ المؤخري ويشمل: فخذي المخ "وهما يربطان القنطرة بفصي المخ وبالحبل الشوكي وبالمخيخ ويمر بهما المحاور الحساسة الصاعدة والمحاور الحركية النازلة، والأجسام التأومية الأربعة "التي تتصل بحاسة البصر وحاسة السمع"، ويليه سرير المخ "وهو مركز استقبال الإحساسات وتصنيفها وملتقى المسرات العصبية من قشرة المخ وإليها"، وأسفل منه المهيد "وهو المركز الأساسي للجهاز العصبي الذاتي وهمزة الوصل بين الانفعال وبين الجهاز العصبي الذاتي".
- المخ المؤخري: ويشمل القنطرة "وبها مسارات عصبية تتصل بالنخاع والحبل الشوكي والمخيخ". والنخاع المستطيل "وبه مراكز حيوية ومن وظائفه الهامة التحكم في الجهاز الدوري والجهاز التنفسي"، والمخيخ "ووظيفته تنظيم الحركات الإرادية وتوافقها وحفظ توازن الجسم أثناء الحركة والسكون" "انظر شكل ١٣".
- أعصاب المخ: وتخرج من المخ "وعددها ١٢ زوجا" ثلاث للحساسية وثلاثة لحركة العينين وثلاثة حسية حركية وثلاثة للتعبير.
стр. 87
- الحبل الشوكي: "النخاع الشوكي" Spinal Cord وهو مركز توصيل التيارات العصبية من المخ وإليه، كما أنه مركز الانعاكسات العصبية، ويخرج منه الأعصاب الشوكية وعددها ٣١ زوجا تتوزع على جميع أجزاء الجسم بالعنق والجذع والأطراف.
الجهاز العصبي الذاتي "التلقائي" Autounomic Nervous System "انظر شكل ١٤". وهو الذي يتحكم في السلوك اللاإرادي للإنسان، وهو جهاز مستقبل يعمل تلقائيا أو ذاتيا أو لا إراديا أو لا شعوريا، وينقسم إلى جهازين فرعيين يعمل كل منهما عملا مضادا لعمل الآخر، ولكنه مكمل له، وهما:
- الجهاز العصبي التعاطفي "السمبتي" Sympathetic وهو ينشط وينبه عمل أجهزة الجسم التي يسيطر عليها.
- الجهاز العصبي نظير التعاطفي "نظير السمبتي" Parasympathetic وهو يثبط أو يكف وينظم عمل أجهزة الجسم التي يسيطر عليها.
ووظيفة الجهاز العصبي الذاتي بصفة عامة هي القيام على أمن الجسم تلقائيا، فهو يسيطر على جميع أجهزة الجسم الحيوية اللاإرادية مثل الجهاز الدوري والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز البولي، والجهاز التناسلي، وجهاز الغدد والجلد، وهو يعمل وقت تعرض الجسم للخطر بما يشبه إعلان حالة الطوارئ وذلك بتجهيز طاقاته ووضعها في أعلى درجة من الاستعداد والأداء، كذلك فإنه يتصل بالانفعال عن طريق المهيد.
стр. 88
ويهمنا بصفة خاصة تلخيص وظائف الجهاز العصبي وقد عرفنا أنها السيطرة على أجهزة الجسم الأخرى، وربط الجسم بالبيئة الخارجية، ويقوم الجهاز العصبي بوظيفة حسية، ووظيفة حركية، وتتم فيه العمليات العقلية العليا, ويختص كل جزء من أجزاء المخ بوظيفة خاصة، كذلك يختص كل عصب من أعصاب المخ بوظيفته المحددة له، ويغذي كل عصب شوكي منطقة خاصة من الجسم، وتنطلق أعصاب الجهاز العصبي الذاتي بقسميه التعاطفي ونظير التعاطفي إلى الأعضاء الخاصة بها، وفوق هذا كله فإن الجهاز العصبي هو الذي يصدر عنه السلوك السوي واللاسوي، ومن ثم أهميته بالنسبة لنا.
وإذا حدث انفعال مزمن وتحول من طريق الجهاز العصبي المركزي إلى أعراض جسمية في شكل خلل في أعصاب الحس والحركة تصيب أعضاء الجسم التي يتحكم فيها الجهاز العصبي المركزي "الإرادي" مثل الحواس وجهاز المحركة أدى ذلك إلى "الهستيريا" Hysteria ومن الأعراض الحسية للهستيريا: العمى الهستيري والصمم الهستيري والخشم الهستيري وفدقان حاسة التذوق وفقدان الحساسية الجلدية والخدار الهستيري والألم الهستيري. ومن الأعراض الحركية للهستيريا: الشلل الهستيري والرعشة الهيستيرية والتشنج الهستيري، والصرع الهستيري وعقال العضل والخرس الهستيري.
وكذلك إذا حدث انفعال مزمن وتحول عن طريق الجهاز العصبي الذاتي إلى أعراض جسمية تصيب أعضاء الجسم التي يتحكم فيها الجهاز الذاتي "اللغرادي" ظهرت الاضطرابات النفسية الجسمية Psychosomatic Disorders ومن الأعراض النفسية الجسمية في الجهاز الدوري: الذبحة الصدرية وعصاب القلب وارتفاع أو انخفاض ضغط الدم والإغماء، وفي الجهاز التنفسي: الربو الشعبي والتهاب مخاطية الأنف، وفي الجهاز الهضمي: قرحة المعدة والتهاب المعدة المزمن والتهاب القولون وفقدان الشهية العصبي والشراهة والتقيؤ العصبي والإمساك والإسهال، وفي الجهاز الغددي: مرض السكر والبدانة والتسمم الدرقي، وفي الجهاز التناسلي: العنة والبرودة وتشنج المهبل واضطراب الحيض والعقم والإجهاض المتكرر، وفي الجهاز البولي: احتباس البول وكثرة التبول والبوال، وفي الجهاز العضلي الهيكلي: آلام الظهر والتهاب المفاصل الروماتيزمي، وفي الجلد: الأرتيكاريا والتهاب الجلد العصبي والحكاك والأكزيما العصبية وسقوط الشعر وفرط العرق والحساسية وحب الشباب، وفي الجهاز العصبي: الصداع النصفي وإحساس الأطراف الكاذب.
стр. 89
الفصل الثالث: نظريات التوجيه والإرشاد النفسي
أهمية نظريا التوجيه والإرشاد النفسي
...
стр. 90
الفصل الثالث: نظريات التوجيه والإرشاد النفسي THEORIES OF GUIDANCE AND
أهمية نظريات التوجيه والإرشاد النفسي:
التوجيه والإرشاد النفسي علم قائم على نظريات متطورة:
عرفنا أن الإرشاد النفسي علم يقوم على نظريات عملية "راجع". ونحن نعرف أن البحث العلمي يبدأ من دراسة الظاهرات النفسية والفروض مرورا بالدراسات التجريبية التي تعطي نتائج وحقائق وقوانين تلخصها نظرية.
وليس معنى هذا أن النظرية هي نهاية المطاف وأن العلم ينتهي والبحث العلمي يتوقف بمجرد الوصول إلى النظريات. ولكن عند التوصل إلى نظرية تبدأ الحلقة من جديد وتخضع النظرية للبحث العلمي المستمر.
وهكذا تظهر نظريات جديدة توضع نظريات قديمة في متحف علم النفس ولا يبقى لها غير القيمة التارخية فقط، وسوف توضع في المستقبل بعض النظريات الحالية في متحف علم النفس أيضا، ونحن نعرف أنه كان فيما مضى يوجد أشباه نظريات أو نظريات كاذبة في الإرشاد النفسي Pseudo- Guidance theories وأصبحت في ذمة التاريخ ومنها ما كان يسمى النظريات الروحانية ومنها ما كان يتعلق بالتنجيم والفراسة وقراءة الكف وغيرهما "روسيكرانس وهيدين Rosecrance & Hayden؛ ١٩٦٠".
إن العلم يتطور، والنظريات السابقة والحالية ترتبط بأسماء علماء معينين توصلوا إليها، وهي محددة بعينات وبإجراءات تجريبية وكلينيكية محددة، فنحن نعرف نظرية الذات لكارل روجرز Rogers، ونظرية المجال الرؤية وتضاعف إمكانات الكشف العلمي.
اسكنر
أهمية دراسات النظريات:
لا شك أن المرشد النفسي يجب أن يعمل في ضوء نظرية، والنظرية النفسية إطار عام يضم مجموعة منظمة متناسقة متكاملة من الحقائق والقوانين التي تفسر الظاهرات النفسية، والنظرية يجب أن تتضمن الفروض الأساسية التي بنيت عليها، كما يجب أن تتضمن مجموعة من التعريفات الإجرائية أو التجريبية، والفروض يجب أن تكون ذات صلة بالوقائع التجريبية التي تهتم بها النظرية. وتهدف النظرية إلى اكتشاف العلاقات التجريبية الثابتة بين المتغيرات. والنظرية
стр. 91
يجب أن تكون هادفة ونفعية، بمعنى تفسير الظاهرات وتنظيم الحقائق والقوانين في شمول وتكامل يفيد في العمل ويمكن من الضبط والتنبؤ الدقيق.
والإرشاد النفسي يهتم بدراسة وفهم وتفسير وتقييم السلوك والتنبؤ به وتعديله وتغييره، ومن ثم فلا بد من دراسة النظريات التي تفسر السلوك وكيفية تعديله، وتفيد دراسة نظريات الإرشاد النفسي في فهم العملية الإرشادية نفسها، وفهم أوجه الشبه والاختلاف بين طرق الإرشاد.
ونحن نجد أن بعض المرشدين يفضلون العمل في ضوء النظرية محددة دون غيرها من النظريات مثل نظرية الذات بطريقة الإرشاد غير الموجه أو الإرشاد الممركز حول الذات وهكذا.
ملاحظات:
تختلف دراستنا لنظريات التوجيه والإرشاد النفسي قليلا عن دراسة نفس النظريات في إطار دراسة الشخصية مثلا، فالاهتمام هنا منصب على ما يتعلق بالتوجيه والإرشاد النفسي نظريا وعمليا، أي أن المهم ليس معرفة تفاصيل النظريات بقدر معرفة الأسس التي قامت عليها النظريات، ولن نقارن بين النظريات بقصد التفضيل بينها، ذلك لأن التركيز هنا يكون على عملية الإرشاد ككل في شمول وتكامل آخذين من كل نظرية ما يفيد. إن اتباع نظرية واحدة والتمسك بها لدرجة التعصب يعتبر نوعا من الجمود العلمي غير المرغوب. ونحن نعلم أن أي نظرية مهما كانت لا تعلوا على النقد. وفي نفس الوقت قد يلجأ بعض المرشدين تحت ستار اتباع الأسلوب الخياري، وباسم المرونة، إلى التوفيق والتأليف والتوليف بين النظريات أكثر من اللازم لدرجة تؤدي إلى نتيجة غير علمية وغير مرغوبة.
ونحن نعلم أنه لا توجد قوانين عامة للسلوك البشري تنطبق على كل الناس بصدق كامل والمرشد حين يتعامل مع مشكلات بشرية معقدة لا بد أن يقوم عمله على أساس عدد من النظريات وليس نظرية واحدة، لأنه لا وجود لمثل هذه النظرية الواحدة الشاملة بخصوص السلوك البشري في علم النفس "تيلور Taylor؛ ١٩٧١".
وهكذا تعدد نظريات التوجيه والإرشاد النفسي. وهذا التعدد يفيد في مواجهة تعدد المشكلات التي يتناولها الإرشاد النفسي في شخصيات العملاء والمرشدين أنفسهم.
وفيما يلي عينة من نظريات التوجيه والإرشاد النفسي الهامة التي ترتبط ارتباطا مباشرا بطرق الإرشاد النفسي.
стр. 92
نظرية الذات SELF THEPRY:
يتضمن التوجيه والإرشاد النفسي دراسة الذات ومفهوم الذات، والذات هي جوهر الشخصية، ومفهوم الذات هو حجر الزاوية فيها وهو الذي ينظم السلوك، ويقول جوردون ألبورت Allport؛ "١٩٣٧" إن مفهوم "الذات" مفهوم أساسي في دراسة الشخصية.
وقد استعرض فليب فيرنون Vernon؛ "١٩٦٤" عددا من نظريات الذات، ويؤكد أن أهمها نظرية الذات لكارل روجرز Rogers.
ونظرية الذات لكارل روجرز Roger's Self Thoeory هي أحدث وأشمل نظريات الذات، وذلك لارتباطها بطريقة من أشهر طرق الإرشاد والعلاج النفسي وهي طريقة الإرشاد والعلاج الممركز حول العميل Client- centred، أو غير الموجه Nondirective وهذه النظرية بنيت أساسا على دراسات وخبرة روجرز في الإرشاد والعلاج النفسي.
وقد بدأ تاريخ نظرية الذات لكارل روجرز عندما بدأ روجرز الإرشاد والعلاج النفسي الممركز حول العميل، واتضح أول معالمها في كتابه "الإرشاد والعلاج النفسي" Counseling and of Psychotherapy سنة ١٩٢٤، وعندما بلور بعض النقاط الهامة في العلاج النفسي الممركز حول العميل سنة ١٩٤٦، وعندما كتب مقالا بعنوان "بعض الملاحظات على تنظيم الشخصية" Some Observation of the Organization of Personality سنة ١٩٤٧، وعندما كتب "العلاج الممركز حول العميل" Client- Centered Therapy سنة ١٩٥١، وفي تجميعه الشامل المركز للنظرية في المجلد الثالث من كتاب "علم النفس: دراسة علم" الذي حرره كوش Koch سنة ١٩٥٩، وفي كتابه: On Becoming a Person: A Therapist's View of Psychotherapy سنة ١٩٦٤، الذي لخص فيه التغيير الذي طرأ على نظريته منذ سنة ١٩٤٢ حتى سنة ١٩٦١ قائلا: "في السنوات الأولى من تخصصي في الإرشاد والعلاج النفسي كنت أسال السؤال الآتي: كيف أستطيع أن أعالج أو أغير هذا الشخص؟ والآن أعيد صياغة ذلك السؤال بهذه الطريقة: كيف أستطيع أن أوجد علاقة ومناخا نفسيا يستطيع هذا الشخص من خلاله أن يحقق أفضل نمو نفسي؟ ".
стр. 93
وهناك مكونات رئيسية في نظرية الذات لكارل روجرز. وهذه المكونات هي: الذات، مفهوم الذات، الخبرة، الفرد، والسلوك، المجال الظاهري.
الذات Self:
تمثل الذات قلب نظرية روجرز. ومفهوم "الذات" قديم قدم الحضارة المصرية، وقد مر مفهوم "الذات" بنمو ديني فلسفي عبر التاريخ، واقتبسه المفكرون اليونان مثل أفلاطون وسقراط وأرسطو وفلسفوه، ثم احتضنه المفكرون العرب مثل العلامة ابن سينا في القرن العاشر والعالم الفيلسوف أبو حامد الغزالي في القرن الحادي عشر، ولقد علمنا الله ما لم نكن نعلم عن: النفس الملهمة، والنفس اللوامة، والنفس البصيرة، والنفس المطمئنة، والنفس الأمارة بالسوء، ويقول الغزالي: إن الوجهات الأربع الأولى للنفس البشرية حميدة أما الأخيرة فهي غير محمودة وقد ذكر ابن سينا "٩٨٠- ١٠٣٧" مفهوم الذات على أنه الصورة المعرفية للنفس البشرية، وتكلم من جاء بعد ذلك من المفكرين عن مفهوم "الذات" متذبذبين بين الروح Soul تارة وبين الذات Self تارة أخرى مثل جون لوك Loke؛ "١٦٣٢-١٧٠٤" وجورج بيريكلي Berkeley؛ "١٦٨٥-١٧٥٣" وهيوم Hume؛ "١٧٤٠" وتوماس براون Brown؛ "١٧٧٨-١٨٢٠" وجيمس ميل Mill؛ "١٨٢٩" وكانت Kant؛ "١٨٣٨" وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر فقط بدأ المفهوم "العجوز" للذات يحتل مكانه الصحيح في علم النفس "الرضيع" كمفهوم نفس خلال كتابات وليام جيمس James؛ "١٨٩٠" ومنذ بداية القرن الحالي أخذت معظم النظريات النفسية تتبنى مفهوم "الذات" Self أو "الأنا" ego كمفهومين هامين في دراسة الشخصية والتوافق النفسي، ولكن النظريات اختلفت حول طبيعة الذات وبنيتها وتركيبها وأبعادها ووظائفها، وحتى على تعريفها، وكان الخلط كثيرا بين مصطلح الذات ومصطلح الأنا تارة على أنهما مختلفان وتارة على أنهما مترادفان.
وقد وجد علماء النفس في النصف الأول من القرن العشرين أنه لا يمكن الكتابة في علم النفس دون الاهتمام بالذات، ومنذ العقد الرابع من هذا القرن أخذت الذات مكانه الطبيعي في دراسات علم النفس، وأصبح مفهوم الذات الآن ذا أهمية بالغة ويحتمل مكان القلب في الإرشاد والعلاج النفسي، وكثرت الدراسات والبحوث وظهر ما يسمى سيكولوجية الذات Self Psychology. "حامد زهران Zahran؛ ١٩٦٦".
وهكذا نرى أن مفهوم "الذات" قديم قدم الحضارة المصرية ذاتها، وجديد جدة أي مفهوم نفس معاصر وضع تحت ضبط البحث النفسي العلمي. ويلخص تاريخ الذات ومكانها في علم
стр. 94
النفس قول مأثور "إن علم النفس فقد أولا روحه ثم فقد وعيه وشعوره ثم فقد عقله، ولكنه لحسن الحظ وجد ذاته واكتشف نفسه".
وعلى كل حال فقد اختار المؤلف تعريف الذات كما حدد في نظرية روجرز.
الذات هي كينونة الفرد أو الشخص. وتنمو الذات وتنفصل تدريجيا عن المجال الإدراكي، وتتكون بنية الذات نتيجة للتفاعل مع البيئة، وتشمل الذات المدركة، والذات الاجتماعية، والذات المثالية، وقد تمتص قيم الآخرين، وتسعى إلى التوافق والاتزان والثبات وتنمو نتيجة للنضج والتعلم، وتصبح المركز الذي تنظم حوله كل الخبرات.
مفهوم الذات Self- Concept:
منذ أن بدأ روجرز في بلورة نظرية الذات أصبح "مفهوم الذات" من أهم موضوعات البحث في علم النفس، وأصبح ذات أهمية خاصة في الإرشاد والعلاج الممركز حول العميل، وقد وصفت روث ويلي Wylie؛ "١٩٧٤، ١٩٧٩" وحللت عددا كبيرا من الدراسات والبحوث حول مفهوم الذات بأنه تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتقييمات الخاصة بالذات يبلوره الفرد، ويعتبره تعريفا نفسيا لذاته، ويتكون مفهوم الذات من أفكار الفرد الذاتية المنسقة المحددة الأبعاد عن العناصر المختلفة لكينونته الداخلية والخارجية، وتشمل هذه العناصر المدركات والتصورات التي تحدد خصائص الذات كما تنعكس إجرائيا في وصف الفرد لذاته كما يتصورها هو "مفهوم الذات المدرك" Perceived Self- concept، والمدركات والتصورات التي تحدد الصورة التي يعتقد أن الآخرين في المجتمع يتصورونها والتي يتمثلها الفرد من خلال التفاعل الاجتماعي مع الآخرين "مفهوم الذات الاجتماعي" Social Self- concept والمدركات والتصورات التي تحدد الصورة المثالية للشخص الذي يود أن يكون "مفهوم الذات المثالي" Ideal Self- concept.
ووظيفة مفهوم الذات وظيفة دافعية وتكامل وتنظيم وبلورة عالم الخبرة المتغير الذي يوجد الفرد في وسطه، ولذا فإنه ينظم ويحدد السلوك. وينمو مفهوم الذات تكوينيا كنتاج للتفاعل الاجتماعي جنبا إلى جنب مع الدافع الداخلي لتأكيد الذات، وعلى الرغم من أنه ثابت إلى حد كبير إلا أنه يمكن تعديله وتغييره تحت ظروف معينة "في الإرشاد النفسي الممركز حول العميل" "حامد زهران Zahran؛ ١٩٦٦".
ومن الملاحظات الهامة حول مفهوم الذات أنه أهم من الذات الحقيقية في تقرير السلوك وأنه
стр. 95
عبارة كل "جشطلت" يتأثر بالوراثة "الجغرافية والمادية والاجتماعية والسلوكية" ويتأثر بالآخرين الهامين في حياة الفرد "مثل الوالدين والراشدين والرفاق" ويتأثر بالنضج وبالتعلم، ويتأثر بالحاجات "الأمن، الحب، احترام الذت، تحقيق الذات" ويتأثر بموجهات "مثل المعتقدات والقيم والاتجاهات والأخلاقيات" ويلخص المؤلف نظرية الذات في شكل "١٧". كذلك فإن القرد يسعى دائما لتأكيد وتحقيق وتعزيز ذاته وهو يحتاج إلى مفهوم موجب للذات، وأن مفهوم الذات مفهوم شعوري يعيه الفرد، بينما قد تشتمل الذات عناصر لا شعورية لا يعيها الفرد.
стр. 96
الخبرة:
يمر الفرد في حياته بخبرات كثيرة. والخبرة هي شيء أو موقف يعيشه الفرد في زمان ومكان معين، ويتفاعل الفرد معها وينفعل بها، ويؤثر ويتأثر بها. والخبرة متغيرة ويحول الفرد خبراته إلى رموز يدركها ويقيمها في ضوء مفهوم الذات وفي ضوء المعايير الاجتماعية أو يتجاهلها "على أنها لا علاقة لها ببنية الذات" أو ينكرها أو يشوهها "إذا كانت غير متطابقة مع بنية الذات".
والخبرات التي تتفق وتتطابق مع مفهوم الذات ومع المعايير الاجتماعية تؤدي إلى الراحة والخلو من التوتر وإلى التوافق النفسي١. والخبرات التي لا تتفق مع الذات ومفهوم الذات والتي تتعرض مع المعايير الاجتماعية يدركها الفرد على أنها تهديد ويضفي عليها قيمة سالبة، وعندما يدرك الخبرة على هذا النحو تؤدي إلى تهديد وإحباط مركز الذات والتوتر والقلق وسوء التوافق النفسي وتنشيط وسائل الدفاع النفسي التي تعمل على تشويه المدركات والإدراك غير الدقيق للواقع.
الفرد:
والفرد قد يرمز أو يتجاهل أو ينكر خبراته المهددة فتصبح شعورية أو لا شعورية.
والفرد لديه دافع أساسي لتأكيد وتحقيق وتعزيز ذاته، ويتفاعل الفرد مع "واقعه" في إطار ميله لتحقيق ذاته، ولديه حاجة أساسية "رغم أنها متعلمة" للتقدير الموجب "ويشمل الحب والاحترام والتعاطف والقبول من جانب الآخرين". وهذا التقدير الموجب للذات متبادل مع الآخرين المهمين في حياته، وتحدد الفرد ودوافعه كما يدركها أو كما يخبرها جانبا من سلوكه.
السلوك:
والسلوك هو نشاط موجه نحو هدف من جانب الفرد لتحقيق وإشباع حاجاته كما يخبرها في المجال الظاهري كما يدركه.
ويتفق معظم السلوك مع مفهوم الذات، ومع المعايير الاجتماعية، وبعضه لا يتفق مع بنية الذات والمعايير الاجتماعية، وعندما يحدث تعارض هنا يحدث سوء التوافق النفسي.
стр. 97
ويمكن تغيير السلوك وتعديله "تبني السلوك أو إنكاره" ويصحبه الانفعال ويسهله. وقد يحدث السلوك نتيجة للخبرات أو الحاجات العضوية التي لم تأخذ صورة رمزية لكونها غير مقبولة ومثل هذا السلوك قد يكون مطابق مع بنية الذات ومفهوم الذات، وفي هذه الحالة قد يتصل الفرد منه، وهذا يؤدي إلى التوتر وسوء التوافق النفسي.
وأحسن فهم لسلوك الفرد يكون من وجهة نظر الفرد نفسه ومن داخل إطاره المرجعي، أي من داخل مجاله الإدراكي. ويعبر روجرز عن ثقته في التقارير الذاتية Self Reports عن السلوك بدرجة أكبر من المعلومات التي تنتجها الاختبارات والمقاييس من إطار مرجعي خارجي.
وأحسن طريقة لإحداث التغير في السلوك هي أولا إحداث التغير في مفهوم الذات. وهذا ما يحاول المرشد إحداثه في طريقة الإرشاد الممركز حول العميل Client -centred وبعبارة أخرى الممركز حول الذات Self- centred.
المجال الظاهري Phenomenal field:
يوجد الفرد في وسط مجال ظاهري أو مجال شعوري، ويسلك الفرد ككل في المجال الظاهري كما يدركه ويخبره والمجال الظاهري هو عالم الخبرة المتغير باستمرار، وهو كل الخبرات أو مجموعها، وهو عالم شخصي ذاتي يتضمن المدركات الشعورية للفرد في بيئته. ويتفاعل الفرد مع المجال الظاهري كما يخبره وكما يدركه. ويعتبر -على الأقل من جهة الفرد- "واقعا" وحقيقة. فمثلا قد يدرك مريض الفصام الهذائي أن كل من حوله يتقولون عليه. وهذا قد يكون صحيحا أو غير صحيح على الإطلاق، ولكن بالنسبة له يعتبر هذا واقعا وحقيقة تحدد استجابته وسلوكه.
ويرتبط المجال الظاهري بالذات الظاهرية Phenomenal Self أي الذات الشعورية كما يدركها الفرد "دونالد سنيج وآرثر كومبس Snygg & combs؛ ١٩٤٩". ويختلف المجال الظاهري عن المجال غير الظاهري Non- phenomenal Field أي المجال اللاشعوري الذي يتضمن الأجزاء اللاشعورية من الذات والخبرات "هليجارد Hilgard؛ ١٩٤٩".
تطورات نظرية الذات:
من أهم التطورات في نظرية الذات والإطار الذي قدمه فيليب فيرنون Vernon "١٩٦٤" فهو يقول إن هناك مستويات مختلفة
стр. 98
للذات. والفرد يشعر أن له "ذات مركزية" أو "ذات خاصة" تختلف عن "الذات الاجتماعية" التي تكشف للناس، ومستويات الذات حسب رأي فيرنون هي:
الذوات الاجتماعية أو العامة Social or public Selves التي يعرضها الفرد للمعارف والغرباء والأخصائيين النفسيين.
الذات الشعورية الخاصة Conscious Private Self: يدركها الفرد عادة ويعبر عنها لفظيا ويشعر بها، وهذه يكشفها الفرد عادة لأصدقائه الحميمين فقط.
الذات البصيرة Insightful Self: التي يتحقق منها الفرد عادة عندما يوضع في موقف تحليلي شامل مثل ما يحدث في عملية الإرشاد أو العلاج النفسي الممركز حول العميل.
الذات العميقة Depth Self "أو المكبوتة": التي تتوصل إلى صورتها عن طريق التحليل النفسي.
وهكذا حدد فيرنون طريقا مفيدا للإرشاد والعلاج موضحا أن الصورة التي يكشفها العميل عن ذاته أو التي يحصل عليها المرشد أو المعالج هي إلى حد كبير ذاتية أو تعتمد على الإطار التصوري للملاحظ، وأن هناك صورا أخرى كثيرة على مستويات مختلفة يمكن التوصل إليها. ويمكن تحقيق التقدم في الإرشاد والعلاج عندما تصبح الذات الشعورية الخاصة أكثر اقترابا من الذات البصيرة، وعندما يحقق اقترابا كبيرا من الذات الفعالة.
وقد قام المؤلف "حامد زهران Zahran؛ ١٩٦٦، ١٩٦٧" بدراسة عن نظرية الذات والإرشاد والعلاج النفسي الممركز حول العميل، وأثبتت الدراسة أن مفهوم الذات يعتبر حجرا أساسيا في بناء الشخصية وأن مفهوم الذات لدى الفرد له أهمية خاصة لفهم ديناميات الشخصية والتوافق النفسي، وأنه مفهوم هام في الإرشاد النفسي الممركز حول العميل وتأكد أن مفهوم الذات مفهوم متعدد الأبعاد. وتحددت الصفات التي تميز كلا من مفهوم الذات الموجب ومفهوم الذات السالب، وتأكد أن مفهوم الذات الموجب يعبر عن التوافق النفسي والصحة النفسية، وأن تقبل الذات يرتبط ارتباطا جوهريا موجبا بتقبل وقبول الآخرين، وأن تقبل الذات وفهمها يعتبر بعدا رئيسيا في عملية التوافق الشخصي وإعادة التوافق الشخصي، وأن تكون مفهوم الذات يتأثر بالعوامل الاجتماعية مثل اتجاهات الفرد نحو الآخرين واتجاهات الآخرين نحو الفرد، ومن ثم يجب على الوالدين والمربين والمرشدين أن يقدروا دورهم الهام والخطير في نمو مفهوم الذات عند الأطفال والمراهقين، وبرزت العلاقة القوية القائمة بين مفهوم الذات والتوافق النفسي بأنه كلما كان الفرد سيئ التوافق انحطت نظرته إلى نفسه، وتأكد أن أحسن طريقة لفهم السلوك
стр. 99
هي من الإطار المرجعي للسالك نفسه، كذلك يجب الالتفات إلى الأهمية القصوى للذات وإلى أهمية البيئة الاجتماعية، ولقد برزت من خلال هذه الدراسة أهمية مفهوم الذات الخاص.
مفهوم الذات الخاص Private self- Concept:
وجد المؤلف "حامد زهران، ١٩٧٢" أن مفهوم الذات الخاص هو أخطر مستويات مفهوم الذات. وهو يختص بالذات الخاصة، أي الجزء الشعوري السري الشخصي جدا أو "العوري" من خبرات الذات، والذي يقع في المنطقة الحدية بين الشعور واللاشعور، ومحتوى مفهوم الذات من خبرات الذات الخاص يكون هاما وخطيرا يحاول الانطمار في اللاشعور قبل أي خبرة أخرى من خبرات الذات، إلا أن لأهميته وخطورته في حياة الفرد يقاوم هذا الانطمار.
ومحتوى مفهوم الذات الخاص يكون معظمه مواد غير مرغوب فيها اجتماعيا "خبرات محرمة أو محرجة أو مخجلة أو معيبة أو بغيضة أو مؤلمة ... إلخ"، ولا يجوز إظهاره أو كشفه أو ذكره أمام الناس، وتنشط الذات تماما للحيلولة دون خروج محتواه، وهكذا يبدو مفهوم الذات الخاص وكأنه العورة النفسية للفرد.
إن من السهل على الفرد الكشف عن مفهوم الذات الواقعي والمدرك والاجتماعي والمثالي بدون اللجوء إلى حيل الدفاع النفسي، ولكن من الصعب جدا الكشف عن مفهوم الذات الخاص، والفرق شاسع بين محتويات مفهوم الذات العام ومحتويات مفهوم الذات الخاص، ويعلم كل المرشدين والمعالجين النفسيين أن من السهل أن يقول العميل أن له زوجا أو زوجة ومن الصعب أن يقول أن له عشيقة أو عشيقا، ويمكن أن يذكر أنه يكسب عيشه من التجارة ولكنه لا يفصح عن أنه يتاجر في المخدرات أو في الدعارة، وقد يعترف بفشله في العمل لنقص ميله إليه أو لنقص عائده وليس من السهل أن يعترف أن فشله يرجع إلى غشه في الامتحانات أو إلى أن الشهادة التي يحملها مزورة، وقد يقرر أن مشكلته الزواجية نابعة من نقص الحب، ولكنه لا يقرر أنها ناتجة عن شذوذ العلاقات الجنسية أو العلاقات الجنسية غير الشرعية.
وهكذا يهتم الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي الممركز حول العميل بمفهوم الذات العام "الشعوري المتاح" الذي يتيح فهم الشخصية، ومفهوم الذات الخاص "الشعوري العوري" الذي يهدد الشخصية.
ويرى المؤلف أن أي خبرة مهددة في مفهوم الذات الخاص -إذا لم تظهر للمرشد النفسي وتناقش ويوضع خطة لعلالجها- تكون بمثابة "عاهة نفسية مستديمة".
يجمع الكتاب والباحثون على أن أحد الأهداف الرئيسية للإرشاد العلاجي هو تنمية
стр. 100
مفهوم واقعي عن الذات Realistic Self- concept وأن معظم حالات سوء التوافق هي نتيجة الفشل في تنمية مثل هذا المفهوم الواقعي، ورسم الخطط التي تتلاءم معه، ومن المعلوم أن من ينمي مفهوما منخفضا للذات أو أقل من الواقع يكون لديه مشكلات تماثل في حدتها تلك التي تكون لدى من ينمي مفهوما مبالغا فيه للذات. وقد وجد أن مرضى الذهان يكون مفهوم الذات لديهم مشوها وبعيدا عن الواقع.
ويعتقد معظم الباحثين أن الإرشاد النفسي يتضمن موقفا خاصا بين المرشد والعميل يضع فيه العميل مفهومه عن ذاته كموضوع رئيسي للمناقشة، بحيث تؤدي عملية الإرشاد إلى فهم واقعي للذات وتقبل الآخرين، والتوافق النفسي والصحة النفسية، وتؤكد معظم الدراسات والبحوث العلاقة والارتباط القوي بين مفهوم الذات والتوافق النفسي وأن سوء التوافق ينتج عن إدراك تهديد الذات أو إدراك تهديد في المجال الظاهري، أحدهما أو كلاهما، وأن الأفراد ذوي مفهوم الذات الموجب يكونون أحسن توافقا من الأفراد ذوي مفهوم الذات السالب.
وفي مجال الإرشاد المهني يعتقد الباحثون أن الوعي بمفهوم الذات المهني Vocational Self- concept يعتبر عنصرا هاما في الوعي بالذات. فالفرد مثلا يجب أن يتصور مهنة مثل التدريس على أنها مناسبة لذاته قبل أن يختارها كمهنة لذاته.
وفي مجال الإرشاد الزواجي وجدت إليانور لاكي Luckey؛ "١٩٦٤" علاقة جوهرية بين مفهوم الذات الموجب وبين التوافق بين الزوجين، وأوصت أن يكون الإرشاد الزواجي ممركزا حول الشخص Person- Cenrred وليس ممركزا حول المشكلة Problem- centred.
وفي مجال الإرشاد العلاجي تأكدت الأهمية الخاصة لمفهوم الذات العام وخطورة مفهوم الذات الخاص وضرورة البوح والتصرف في محتواه المهدد، عن طريق الإرشاد والعلاج الممركز حول العميل حامد زهران، ١٩٧٦".
نقد نظرية الذات:
يوجه إلى نظرية الذات بعض الانتقادات "نوردبيرج Nordberg؛ ١٩٧٠".
ومن هذه الانتقادات ما يلي:
- أن النظرية لم تبلور تصورا كاملا لطبيعة الإنسان، وذلك لتركيزها الكامل على الذات ومفهوم الذات.
стр. 101
- يرى روجرز أن الفرد له وحده الحق في تحقيق أهدافه وتقرير مصيره، ولكنه نسي أن الفرد ليس له الحق في السلوك الخاطئ.
- يؤكد روجرز أن الفرد يعيش في عالمه الذاتي الخاص ويكون سلوكه تابعا لإدراكه الذاتي، أي أنه يركز على أهمية الذاتية -وهو يركز عملية الإرشاد حول العميل- وذلك على حساب الموضوعية، ويركز على الجوانب الشعورية على حساب الجوانب اللاشعورية ونسي أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى الحقيقة الموضوعية، وأن الجوانب اللاشعورية لها أهميتها.
- يضع روجرز أهمية قليلة أو ثانوية للاختبارات والمقاييس كوسيلة لجمع المعلومات للإرشاد النفسي, واكتفى بأن أشار "كارل روجرز Rogers؛ ١٩٤٦" إلى أن الاختبارات والمقاييس يمكن أن تستخدم حين يطلبها العميل، وأن المعلومات التي يحصل عليها المرشد فيها يمكن الحصول على أفضل منها عن طريق المقابلة، ونسي أن على المرشد أن يستخدم جميع الوسائل الممكنة للحصول على أكبر قدر من المعلومات لتحقق أكبر نجاح لعملية الإرشاد النفسي.
وعلى الرغم من هذه الانتقادات، فإن نظرية الذات لكارل روجرز تعتبر من أهم وأشهر نظريات الإرشاد والعلاج النفسي.
стр. 102
النظرية السلوكية BEHAVIOUR THEORY:
يطلق على النظرية السلوكية اسم "نظرية المثير والاستجابة" وتعرف كذلك باسم "نظرية التعلم".
والاهتمام الرئيسي للنظرية السلوكية هو السلوك: كيف يتعلم وكيف يتغير. وهذا في نفس الوقت اهتمام رئيسي في عملية الإرشاد التي تتضمن عملية تعلم ومحو تعلم وإعادة تعلم، والتعلم هو محور نظريات التعلم التي تدور حولها النظرية السلوكية.
مفاهيم النظرية السلوكية:
ترتكز النظرية السلوكية وتقوم على مفاهيم ومسلمات ومبادئ وقوانين تتعلق بالسلوك وبعملية التعلم وحل المشكلات، استخصلت من دراسات بحوث تجريبية معملية قام بها رواد وأصحاب هذه النظرية، وفيما يلي أهم المفاهيم وأبرز الرواد.
معظم سلوك الإنسان متعلم: من المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها النظرية السلوكية أن معظم سلوك الإنسان متعلم، وأن الفرد يتعلم السلوك السوي، ويتعلم السلوك غير السوي، أي
стр. 103
أنه يتعلم السلوك المتوافق والسلوك غير المتوافق، ويتضمن ذلك أن السلوك المتعلم يمكن تعديله.
المثير والاستجابة Stimulus and Response: تقول النظرية: إن كل سلوك "استجابة" له مثير. وإذا كانت العلاقة بين المثير والاسجابة سليمة كان السلوك سويا والأمر على ما يرام، أما إذا كانت العلاقة بينهما مضطربة كان السلوك غير سوي والأمر يحتاج إلى دراسة ومساعدة. ونضرب مثلا في مجال المدرسة. هب أن معلما سأل تلميذا: "ما الجذر التربيعي للعدد ٢٥؟ ". إذا أجاب التلميذ: "٥"؛ فإن الاستجابة صحيحة وتعني أن الأمر على ما يرام، أما إذا أجاب "٧" مثلا فالاستجابة خاطئة وتحتاج إلى بحث سبب ومصدر الخطأ، والعملية هنا عملية "هندسية بشرية". فالمعلم يبدأ في عمل مجسات سلوكية ليبحث عن سبب ومصدر الخطأ، فربما يكون الخطأ عند مصدر المثير، قد يكون هناك مؤثر خارجي كصوت سيارة غلب على صوت المعلم، وقد يكون العيب في المستقبل في أذن التلميذ فلا يسمع صوت المعلم جيدا، وقد يكون هناك نقص معرفي في معلومات التلميذ الحسابية كالجهل أو النسيان، وقد يكون هناك عيب اجتماعي فالتلميذ يرتبك عند التعبير أمام زملائه، وقد يكون العيب انفعاليا فالتلميذ يخجل أو يخاف إذا تحدث في الفصل، وهكذا يبحث المعلم كل الاحتمالات إلى أن يضع يده على سبب مصدر الخطأ حتى يساعد في تصحيحه. وهكذا ففي الإرشاد التربوي، وبالمثل في غيره من مجالات الإرشاد النفسي، لا بد من دراسة المثير والاستجابة وما بينهما من عوامل الشخصية جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا.
الشخصية: والشخصية حسب النظرية السلوكية هي التنظيمات أو الأساليب السلوكية المتعلمة الثابتة نسبيا التي تميز الفرد عن غيره من الأشخاص.
الدافع: ترتكز نظرية التعلم على الدافع Motive والدافعية Motivation في عملية التعلم. فلا تعلم دون دافع، والدافع طاقة قوية بدرجة كافية تدفع الفرد وتحركه إلى السلوك، والدافع إما أولي "موروث فسيولوجي مثل الجنس" أو ثانوي "متعلم مثل الخوف". وعن طريق التعلم يكتسب الفرد دوافع ثانوية تقوم على الدوافع الفسيولوجية الأولية. وهذه تسمى الحاجات Needs ولها صفة الدافعية وتحدد السلوك، ووظيفة الدافع في عملية التعلم ثلاثية الأبعاد: فهو يحرر الطاقة الأخرى، وهو يوجه السلوك وجهة معينة ليشبع حاجة معينة عند الفرد "أحمد زكي صالح، ١٩٧٢".
стр. 104
التعزيز Reinforcement: التعزيز هو التقوية والتثبيت بالإثابة، والسلوك يتعلم ويقوى ويدعم ويثبت إذا تم تعزيزه، والتعزيز قد يكون إثابة أولية مثل إشباع دافع فسيولوجي أو لتكرار السلوك المعزز، ويرتبط مفهوم التعزيز في التعلم باسم كلارك هل Hull. ويرتبط التعزيز أيضا بالأثر الطيب، وقد وضع ثورنديك Thorndike قانون الأثر كقانون رئيسي مسئول عن علمية التعلم، ومؤداه أن الاستجابات التي لها أثر طيب تميل إلى البقاء، ويرتبط التعزيز بالاقتران الشرطي بين مثير حين يتكرر يؤدي إلى ظهور استجابة معينة. وقد أسهم إيفان بافلوف Pavlor إسهاما واضحا حين بين أهمية الاقتران الشرطي. كذلك فإن قانون التعليم الرئيسي عند جون واطسون Watson -الذي يعتبر أبا علم النفس السلوكي- هو قانون التكرار، هذا وقد ركز بورس سكينر Skinner على قيمة التعزيز وقال: إن تعلم أي سلوك يجب يقسم إلى خطوات صغيرة متتابعة وتعزز كل خطوة تتم بنجاح، وكل خطوة يجب أن يتم تعلمها بدرجة صحيحة وتعزز قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، وبطبيعة الحال يجب أن ترتب الخطوات الواحدة تلو الأخرى بحيث تؤدي السابقة إلى اللاحقة وتعتبر إعداد لها. ويؤكد سكينر أنه من الأفضل والأكثر فعالية تعزيز التعلم الصحيح بإثابته أكثر من العقاب على التعلم غير صحيح، ويلاحظ أن النموذج الذي قدمه سكينر طبق في التعلم المبرمج وآلات التدريس وفي الإرشاد والعلاج السلوكي خاصة في المخاوف والسلوك القهري، وقد حدد سكينر أهمية مبدأ الإشراط والتعزيز في عملية الإرشاد النفسي بأنه عند تعزيز استجابة صحيحة لدى عميل "متعلم" فإنه يميل إلى تكرارها والقيام باستجابات مماثلة في المستقبل، وبتجنب العقاب والإصغاء والتقبل يعزز المرشد محاولات العميل وهو يتكلم عن سلوكه المضطرب في جو خال من التهديد.
الانطفاء Extimction: وهو ضعف وتضاؤل وخمود واختفاء السلوك المتعلم إذا لم يمارس ويعزز أو إذا ارتبط شرطيا بالعقاب بدل الثواب، ويلاحظ أن العقاب يكف السلوك لأن الفرد يحاول دائما أن يتجنبه، ويلاحظ أيضا أن الاستجابات التي لها أثر محبط تميل إلى الانطفاء.
العادة Habit: وهي رابطة تكاد تكون وثيقة بين مثير واستجابة، والعادات معظمها مكتسب وليس التعلم وتكرار الممارسة ووجود رابطة قوية بين مثير واستجابة، والعادات معظمها مكتسب وليس موروثا، ونحن نعرف أن كل ما هو متعلم له أساس من الاستعداد الوراثين والتعلم هو الذي يظهر هذا الاستعداد فمثلا الإنسان يولد ولديه استعداد موروث للكلام، فإذا تعلم الكلام تكلم
стр. 105
لأنه عنده الاستعداد الموروث، وإذا لم يتعلم لن يتكلم رغم أن عنده الاستعداد للكلام، أما الحيوان الذي ليس لديه استعداد موروث لأن يتكلم فلا يمكن تعليمه الكلام.
التعميم Generalization إذا تعلم الفرد استجابة، وتكرر الموقف فإن الفرد ينزع إلى تعميم الاستجابة المتعلمة على استجابات أخرى تشابه الاستجابة المتعلمة، وإذا مر الفرد بخبرات في مواقف محدودة فإنه يميل إلى تعميم حكم يطبقه على المواقف الأخرى بصفة عامة.
التعلم ومحو التعلم وإعادة التعلم: التعلم Learning هو تغير السلوك نتيجة للخبرة والممارسة، ومحو التعلم Delearning يتم عن طريق الانطفاء. وإعادة التعلم Relearning تحدث بعد الانطفاء بتعلم سلوك جديد، وهذه السلسلة من عمليات التعلم تحدث في التربية والإرشاد والعلاج النفسي وحتى في عملية غسيل المخ Brain Washing أي محاولة محو ما تعمله الفرد ثم إعادة تعليمه من جديد.
стр. 106
تطبيقات النظرية السلوكية في الإرشاد النفسي:
تفسر النظرية السلوكية المشكلات السلوكية: بأنها أنماط من الاستجابات الخاطئة أو غير السوية المتعلمة بارتباطها بمثيرات منفرة، ويحتفظ بها الفرد لفاعليتها في تجنب مواقف أو خبرات غير مرغوبة "أوزيبو ووالش Osipow & Walsh؛ ١٩٧٠".
ويركز الإرشاد النفسي على ما يأتي:
- تعزيز السلوك السوي المتوافق.
- مساعدة العميل في تعلم سلوك جديد مرغوب والتخلص من سلوك غير مرغوب، ومساعدته في تعلم أن الظروف الأصلية قد تغيرت أو يمكن تغييرها بحيث تصبح الاستجابات غير المرغوبة غير ضرورية لتجنب المواقف غير السارة التي سبق أن ارتبطت بها. فمثلا يمكن تخليص العميل من أفكار وسواسية أو سلوك قهري كان يقوم به لتجنب أفكار مثيرة للشعور بالذنب.
- تغيير السلوك غير السوي أو غير المتوافق وذلك بتحديد السلوك المراد تغييره والظروف والشروط التي يظهر فيها والعوامل التي تكتنفه وتخطيط مواقف يتم فيها تعلم ومحو تعلم لتحقيق التغير المنشود، ويتضمن ذلك إعادة تنظيم ظروف البيئة بما يؤدي إلى تكوين ارتباطات شرطية جديدة فيما يتعلق بمشكلات العميل وأغراضه، وهذا يتطلب فصل المشكلة وتخطيط مواقف تعلم تؤدي إلى إزالة الأغراض وتعديل السلوك وحل المشكلة "جودشتين Good stein؛ ١٩٦٥".
- الحيلولة بين العميل وبين تعميم قلقه على مثيرات جديدة.
- ضرب المثل الطيب والقدوة الحسنة سلوكيا أمام العميل عله يتعلم أنماطا مفيدة من السلوك عن طريق محاكاة المرشد خلال الجلسات الإرشادية المتكررة "جين وارترز Warters؛ ١٩٦٤".
стр. 107
ومن أبرز من أسهم في تطبيق النظرية السلوكية في مجال الإرشاد والعلاج النفسي جون دولارد ونيل ميلر Dollard & Miller؛ "١٩٥٠"، فهما اللذان زاوجا بين النظرية والتطبيق العلمي، وهما يقبلان استخدام مفاهيم وأساليب التحليل النفسي مثل مفهوم الصراع والعمليات اللاشعورية ولكنهما يصوغانها في مصطلحات نظرية التعلم الشرطي. وهما يعتبران السلوك العصابي سلوكا ناتجا عن صراع انفعالي عنيف مثل الذي يحدث عندما يدفع الخوف الفرد إلى تجنب استجابة تتعارض مع استجابة هادفة، وعندما تتوقف الاستجابة الهادفة بسبب الخوف يقل الخوف، ومن ثم يعزز السلوك التجنبي، ولكن التوتر الذي يسبق الدافع لا ينخفض، ويحاول الفرد مرة ثانية سلوكا يقربه من الهدف، وهذا يثير الخوف مرة أخرى ويسبب إيقاف الاستجابة نحو الهدف مرة أخرى. ولما كان إيقاف الاستجابة يقلل الشعور القوي بالخوف فإن الحافز نحو الهدف يكبت. وعلى الرغم من أن الحافز للسلوك قد يكتب بهذه الطريقة، فإن الدوافع غير المشبعة تبقى قوية، ويظل الفرد مشغولا مضطربا بسبب الأفكار التي تصحب ذلك. ويؤدي الخوف والدوافع غير المشبعة لدى الفرد إلى ظهور أعراض عصابية في شكل خوف ووسواس وقهر وما شابه ذلك كوسيلة للتخلص من الخوف وإشباع الدافع مؤقتا "ولو بطريقة مرضية". وبمرور الوقت فإن الأعراض تعزز، وحيث أن الكبت يعفي الفرد من التعبير عن مشاعره فإنه لا يستطيع أن يحدد أو يتعرف على أسباب الأعراض العصابية في سلوكه، وحتى لا يحدث تعزيز الخوف، ولكي ينطفئ بدلا من ذلك، فإن الإرشاد أو العلاج النفسي يجب أن يهيئ مناخا نفسيا صحيا بدلا من المناخ السيئ الذي كان في الخوف والخجل والشعور بالإثم مرتبطا بكلمات معينة ثم عمم منها. ويعزز المرشد استجابة العميل عندما يتكلم وهو قلق بتمام إصغائه وتقلبه وفهمه ومشاركته الوجدانية وإتاحة الحرية ومساعدة العميل على استعادة ذكرياته والتخلص من قلقه وخوفه، وانطفاء الخوف يساعد على أن يصبح أكثر نشاطا وابتكارا وأن يعي ويستخدم قدراته في تعامله مع العالم المحيط به.
ويطلق على تطبيق النظرية السلوكية عمليا في ميدان الإرشاد النفسي اسم "الإرشاد السلوكي" Behavioural Counselling. وفي ميدان العلاج النفسي اسم "العلاج السلوكي" Bevhaviour Therapy. ومن ألمع الأسماء في هذا المجال يوسف فولب Wolpe؛ "١٩٨٥" وقد حرر جون كرومبولتز Krumblots "١٩٦٦" كتابا عن الإرشاد السلوكي بعنوان "ثورة في الإرشاد النفسي" Revolution in Couselling.
وفي الإرشاد السلوكي -كما سنرى في الفصل السابع- نجد أن خطوات عملية الإرشاد
стр. 108
تبدأ بتحديد السلوك المطلوب تعديله، ثم تحديد الظروف التي يحدث فيها السلوك المضطرب، ثم تحديد العوامل المسئولة عن استمرار السلوك المضطرب، ثم اختيار مجموعة من الظروف التي يمكن تعديلها أو تغييرها، ثم إعداد جدول لإعادة التعلم.
ويوجد عدد من أساليب الإرشاد السلوكي منها: التخلص من الحساسية أو التحصين التدريجي، والكف المتبادل، والإشراط التجنبي، والتعزيز الموجب "الثواب"، والتعزيز السالب، والخبرة المنفرة "العقاب"، وتدريب الإغفال "الانطفاء" والممارسة السالبة.
نقد النظرية السلوكية:
رغم أن النظرية السلوكية تعتبر نظرية تجريبية موضوعية وظيفية في تفسير السلوك يوجه إليها بعض الانتقادات أهمها:
- يصر أصحاب النظرية السلوكية على أن السلوك الملاحظ الظاهري الموضوعي فقط هو الذي يوضع في الاعتبار من الناحية العلمية.
- تتغاضى النظرية السلوكية عن النظر للفرد ككل وتهمل العناصر الذاتية في السلوك.
- المفاهيم الأساسية للنظرية السلوكية لا تتفق كثيرا مع المفاهيم النظرية والتكوينات الفرضية التي توجد في النظريات الأخرى مثل نظرية التحليل النفسي "كما سيأتي ذلك بعد قليل".
- يتحمس الكثيرون للنظرية السلوكية ويعتبرون أن الإرشاد والعلاج السلوكي في ضوء نظرية التعلم هو الإرشاد والعلاج العلمي الذي يفضل كل ما عداه من الطرق ويطلقون عليه "علاج التعلم" Learnign Therapy وكأن غيره من طرق العلاج لا تتضمن تعلما.
- يقول البعض: إن من أكبر عيوب النظرية السلوكية أن معظم دلائلها العلمية والتجريبية الأصلية مبنية على البحوث على الحيوان أكثر منها على الإنسان.
- يركز الإرشاد السلوكي الذي يقوم على أساس النظرية السلوكية على إزالة الأعراض في حد ذاتها بدلا من الحل الجذري للسلوك المشكل عن طريق التعرف على أسبابه الدينامية وإزالتها، وبذلك قد يكون وقتيا وعابرًا "نوردبيرج Nordberg؛ ١٩٧٠".
стр. 109
نظرية المجال FIELD THEORY:
ترتبط نظرية المجال في علم النفس باسم كيرت ليفين Lewin. ولقد ظهر أول تأثير لنظرية في الطبيعة على علم النفس في علم نفس الجشطلت Gestalt Pyschology على
يد فيرتايمر Wertheimer وكوهلر Kohler وكوفكا offka. والفكرة الأساسية فيه أن إدراك موضوع ما يحدده المجل الإدراكي الكلي الذي يوجد فيه، وأن الكل ليس مجرد مجموع أجزاء، وأن الجزء يتحدد بطبيعة الكل، وأن الأجزاء تتكامل في وحدات كلية، ونحن نعرف أن بعض علماء النفس مثل السلوكيين يحاولون تحليل السلوك إلى بسط مكوناته مثل المثير والاستجابة، ولكن الجشطلتيين ينكرون مثل هذه "الذرة النفسية" التي يتكون منها السلوك.
وتؤكد نظرية المجال لكيرت ليفين أن السلوك هو وظيفة المجال الذي يوجد في الوقت الذي يحدث فيه السلوك ونتيجة لقوى دينامية محركة، ويبدأ التحليل بالموقف ككل، ومن الموقف الكلي تتمايز الأجزاء المكونة. ويؤكد ليفين أهمية قوى المجال الدينامية التي تسهم في تحديد السلوك، ويعرف المجال بأنه جماع الوقائع الموجودة معا والتي تدرك على أنها تعتمد على بعضها البعض الآخر. "هول وليندزي، ١٩٧١".
مفاهيم نظرية المجال:
يرسم ليفين خريطة عقلية معرفية توضح نظرية المجال ومفاهيمها الأساسية، وفيما يلي أهم مفاهيم نظرية المجال:
الشخص: الشخص هو كيان محدد محدود داخل المجال الخارجي الأكبر منه، والشخص له خاصيتان هما "الفصل" عن المجال و"الوصل" مع المجال. وبمعنى آخر "التفاضل أو التمايز" و"التكامل" أي أن الشخص يكون منفصلا عن المجال الكلي الأكبر. ومندمجما في نفس الوقت داخل هذا المجال الكلي، وهذا هو واقع الشخص الذي يمثل جلده حدودا واضحة تفصله عن المجال الخارجي الذي يتحرك فيه والذي يكون في نفس الوقت جزءا منه، ويذهب ليفين إلى أن بناء الشخص بناء متفاضل متمايز أي ينقسم إلى أجزاء منفصلة ومتصلة في نفس الوقت.
المجال النفسي: يوجد الشخص في المجال نفسي أو بيئة نفسية خارج حدوده. ويحدث تفاعل بين الشخص ومجاله النفسي. وهما -أي الشخص والمجال النفسي- يعتمدان على بعضهما البعض داخل "حيز الحياة".
حيز الحياة: Life Space حيز الحياة هو المجال النفسي الكلي الذي يحتوي على مجموع الوقائع الممكنة، التي تحدد سلوك الشخص في وقت محدد مثل حاجاته وخبراته وإمكانات سلوكه كما يدركه، أي أن السلوك هو وظيفة حيز الحياة، ويحيط بحيز الحياة "غلاف غريب" لا حدود
стр. 110
له، فيه وقائع غير نفسية تؤثر في البيئة النفسية في حيز الحياة فتؤثر بدورها في الشخص وقد أطلق عليه ليفين اسم "العالم المادي" أي أن الحدود الفاصلة بين حيز الحياة والعالم الخارجي تتسم بخاصية "النفاذية" فقد تغير واقعة من وقائع العالم المادي مسار الأحداث في حيز الحياة في المجال النفسي للشخص، ونحن نجد ذلك في الحياة اليومية، فقد يؤدي لقاء عارض أو حديث تليفوني غير متوقع أو حادث سيارة مفاجئ إلى تغيير مجرى حياة الشخص، كذلك فإن الحدود الفاصلة بين الشخص وبين المجال النفسي لها خاصية النفاذية، أي أن وقائع المجال النفسي يمكن أن تؤثر في الشخص، كما أن الوقائع الشخصية يمكن أن تؤثر في المجال النفسي.
المجال الموضوعي: المجال الموضوعي أو البيئة الموضوعية يضم كلا الإمكانات التي تخرج من المجال السلوكي للشخص والتي ليست في حيز الحياة، وهذا المجال الموضوعي رغم أنه ليس جزءا من حيز الحياة فإنه يؤثر على الفرد. ومثال ذلك نظام التعليم في الدولة الذي يخرج من حيز حياة التلميذ ولكنه يؤثر عليه لأنه يحدد نوع التعليم الذي يتلقاه في المدرسة.
المناطق: ينقسم المجال الكلي إلى مناطق، وتحتوي كل منطقة على وقائع Facts والذي يحدد عدد المناطق هو عدد الوقائع النفسية المنفصلة التي توجد في أي وقت معين، وقد تكون هناك واقعتان فقط هما الشخص والمجال فتكون هناك منطقتان رئيسيتان فقط في حيزة الحياة. وإذا احتوى المجال على واقعتين هما واقعة العمل وواقعة اللعب تنقسم المجال إلى منطقتين فرعيتين واحدة للعمل وأخرى للعب، وإذا كان هناك أنواع مختلفة من وقائع العمل مثل واقعة العمل الحكومي وواقعة العمل الحر تنقسم منطقة العمل إلى منطقتين جزئيتين، وهكذا بالنسبة لمنطقة اللعب، وبالنسبة للشخص قد يحتوي على واقعتين هما واقعة التوتر وواقعة الفزع، يتحدد عدد المناطق في الشخص بعدد الوقائع الشخصية الموجودة فعلا. وتسمى الوقائع الأساسية للمنطقة الشخصية الداخلية باسم "الحاجات".
الاتصال بين المناطق: وهنا حدود بين المناطق من خصائصها "النفاذية" وتبادل الاتصال، وتتصل المناطق عن طريق الاتصال بين الوقائع الواقعة في كل منها بالأخرى، ويحدث بينها تفاعل وتأثير متبادل ينتج عنه "حدث" Event فالكتاب واقعة والشخص واقعة بينما قراءة الشخص في الكتاب حدث ويتوقف مدى اتصال المناطق على عاملين هما: عامل "القرب البعد"، وعامل "المرونة الجمود" ومعنى ذلك أن الحدود بين المناطق قد تكون قابلة للنفاذية.