ظهر أمس، متأثرين بأن أحد زعمائهم "فلان" متهم باسم النقيب السابق، وتصرف في مبالغ كبيرة من أموال النقابة لمصلحة مؤيديه.
وقع تصادم بين الشرطة وبعض النقابيين, أدّى إلى حدوث إصابات من الفريقين، والسبب في ذلك أن الاتهام جاء في الليلة السابقة لموعد اجتماع الجمعية العمومية لإجراء انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة.
بادرت الشرطة إلى محاصرة مبني النقابة، وفي داخل المبنى تحصَّن النقيب السابق, ومعه مؤيدوه.
حاولت الشرطة إبعاد العمال قليلًا عن مبنى النقابة، ولكن العمال رفضوا ذلك.
اضطرت الشرطة إلى استخدام الغازات المسيلة للدموع، ثم إلى إطلاق بعض أعيرة نارية أصابت عشرة من العمل بحروج بالغةٍ, ونقلوا إلى المستشفى.
بنى زعيم العمال الثائرين "فلان" اتهامه للنقيب السابق على تقريرٍ وضعته لجنة خاصة كلَّفتها الجمعية العمومية غير العادية, وبحثت في الإعانات العمالية التي صرفت في العام الماضي.
وقد جاء في هذا التقرير أن اللجنة تشك في أن هذا الإعانات اتبعت في صرفها الإجراءات التي نص عليها قانون النقابة:
وأخيرًا نأتي إلى:
صلب الخبر
وفيه يأتي الصحفيُّ بالتفصيلات الكثيرة لما تضمنه الصدر من الوقائع الكثيرة، فيبدأ مثلًا في شرح المزيد من البيانات المتصلة بالحادث, ويتكلم عن الطريقة التي حدث بها التجمع أمام دار النقابة، فهل كانت هناك دعوة سابقة، أم أن التجمع جاء بمحض المصادفة؟
стр. 142
ثم يأتي بتفاصيل أخرى عن الصدام الذي وقع بين المتظاهرين ورجال الشرطة، ويشرح للقارئ كيف نصح رجال الشرطة بالامتناع عن التظاهر، ثم يصف حالة المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى, ويذكر أسماءهم واحدًا واحدًا كلما استطاع ذلك، ثم ينتقل بعد ذلك إلى وصف زعيم العمال الساخطين وهو يقف بينهم وبيده نسخة من تقرير اللجنة يلوح بها لمؤيديه, وينذرهم بأن النقابة على وشك الإفلاس بسبب تصرفات المجلس السابق والنقيب السابق.
وهنا يجب على المحرر أن يقتبس من كلام زعيم العمال الساخطين بعض أقواله، ومنها على سبيل المثال:
"إن ما وصلت إليه حالة النقابة المالية يهددنا جميعًا بخطرٍ كبيرٍ، ويحتِّمُ علينا جميعًا أن نتخذ الإجراء الحازم لحفظ حقوقنا".
ومثل قوله:
"لقد سرقوا أموالنا وأنتم الضحايا، بل إن أولادكم أيها العمال هم الذين سيدفعون الثمن" وهكذا.
ويعود المحرر الصحفيُّ بعد كل ذلك إلى سرد الوقائع الباقية واحدةً بعد أخرى، ثم يعود إلى المزيد من الأقوال المقتبسة من تقرير اللجنة، وهي الأقوال التي استشهد بها زعيم العمال الثائرين في تحريضهم ضد الثورة, وأخيرًا يصل المحرر الصحفيُّ إلى الفقرة النهائية أو الختامية للخبر.
وهذه ليست لها قواعد مضبوطة في الحقيقة على الرغم من أن لها أهمية كبيرة؛ لأنها آخر ما يقرع سمع القارئ من القصة الإخبارية، ويتوقف اختيار الفقرات الختامية على طبيعة الموضوع الصحفيّ ذاته، والمهم ألًّا يترك الصحفيُّ قراءه معلقين أو حائرين، فإن كلمة واحدة في هذه الحالة
стр. 143
تزيل الشك والتردد، وعلى ذلك يمكن أن تكون الفقرة الختامية لهذه القصة الإخبارية بصورةٍ من هذه الصور, فمثلًا:
الصورة الأولى:
وما زال الخلاف بين الفريقين المتنازعين على أَشُدِّه، وستحسم هذا النزاع نتائج الانتخابات التي ينتظرون إعلانها في ساعة متأخرة من مساء اليوم.
الصورة الثانية:
وتواصل النيابة التحقيق، وستستمع إلى أقوال رئيس النقابة السابق, في الساعة العاشرة من صباح اليوم.
الصورة الثالثة:
وإذا ظلّت الاضطرابات مستمرةً اليوم كذلك, فقد يصدر وزير الشئون الاجتماعية قرارًا بتأجيل الانتخابات إلى وقت آخر.
وفي هذا المثال المتقدم من أمثلة الخبر الصحفيّ, وجدنا المحرر يصطنع الطرق الفنية الثلاث المتبعة إلى الآن في تحرير الأخبار، وهي طريقة السرد، وطريقة الحديث المنقول، وطريقة القصة الإخبارية.
فاستخدم طريقة السرد؛ لأنه سرد وقائع الحادث واحدةً بعد أخرى, وبالترتيب الذي وقعت به تمامًا، واستخدم طريقة الحديث المنقول؛ لأنه أورد كثيرًا من كلام زعيم العمال الساخطين, ومن كلام التقرير الذي كتبته اللجنة، واستخدم طريقة القصة الإخبارية؛ لأن الخبر كان له صدر أجاب عن الأسئلة التقليدية، ومن سؤال "لماذا", وأن السبب في هذا الحادث كان هو الأهم في الواقع، كما كان للخبر صلب اشتمل على التفاصيل كما رأينا.
стр. 144
الحوادث الداخلية أو المحلية:
كيف تصاغ في قصة إخبارية؟
تشغل الحوادث الداخلية أو الأخبار المحلية حيزًا هامًّا في الصحافة اليومية منذ نشأتها، غير أن طريقة صياغتها في الوقت الحاضر تختلف اختلافًا كبيرًا عنها في الماضي، ولذا يحرص الكثيرون من المشتغلين بالصحافة في وقتنا هذا على معرفة الأصول والقواعد التي يحسن اتباعها في كتابة هذا النوع من الأخبار بنوع خاص.
وقد يكون الحادث الداخليّ من الأهمية والخطورة في بعض الأحيان؛ بحيث يلفت أنظار القراء على اختلاف درجاتهم؛ وإذ ذاك تعنى الصحيفة اليومية بهذا الحادث الداخليّ عنايةً خاصةً، ونكتبه في الصفحة الأولى، وهي الصفحة المخصصة في الغالب للأخبار الخارجية، وتكتب له العنوانات الضخمة، وفي نفس المكان -أعني: بالصفحة الأولى- تنشر الصحيفة صورة قوية الدلالة على هذا الحادث، وتكتفي بكتابة صدر الخبر في هذا المكان الممتاز من الصفحة الأولى، ثم في الصفحات التالية يأتي الجسم، أو الصلب مشتملًا على التفاصيل.
وسنحاول في هذا الفصل أن نشير إلى بعض الأصول والقواعد التي تتبع في صياغة مثل هذا الخبر، وسنشفع ذلك ببعض الأمثلة من بيئتنا المصرية الحاضرة، ليقيس عليها الصحفيّ كلما تعرض للحالات المشابهة, ومن القواعد الصحفية التي يرددها الصحفيون دائمًا قولهم:
стр. 145
"إن الأسماء هي التي تصنع الخبر".
وهي قاعدة صحيحة لا اعتراض عليها، ولكن الخطأ يأتيها من جانب المبتدئين في التحرير غالبًا؛ إذ نرى هؤلاء يعمدون إلى المبالغة في تكديس الأسماء وازدحامها في صدر الخبر، فيشوشون بذلك على القارئ منذ اللحظة الأولى، فينصرف عن قراءة الخبر.
والحقيقة أنه كما تكون المبالغة في التفاصيل مسيئةً إلى الخبر متى احتلت مكان الصدارة منه على خلاف المتبع، فكذلك ازدحام الأسماء يسيء إلى الخبر إذا صدم به القارئ منذ بداية هذا الخبر، فالأحرى بالمحررين في هذه الحالة أن يقدموا الأسماء المهمة, أو المألوفة للقاريء العاديّ، ثم في أجزاء أخرى من صلب الخبر الداخليّ يصح لهم أن يذكروا الأسماء غير المألوفة له، وهكذا.
وليس معنى ذلك مطلقًا أن على الصحيفة اليومية أن تقلل من عنايتها بالأسماء، أو أن تغفل عن ذكرهم عمدًا في بعض الأحيان؟ كلَّا، فإن القاعدة التي أشرنا إليها صحيحة من جميع الوجوه، واتباعها واجب في جميع الظروف.
وإليك مثلًا يوضح هذا العنصر الهام من عناصر الخبر الداخليّ، ونعنى به عنصر الأسماء -أو بعبارة أخرى- عنصر الإجابة عن سؤال "من؟ " من الأسئلة الستة المعروفة.
وازن معي أيها القارئ بين صيغٍ أربعٍ للإخبار عن حادثة بسيطة على النحو الآتي:
الصيغة الأولى:
غرق صبيان ونجا ثالث مساء أمس عندما انقلب بهم زورق في النيل قرب الزمالك.
стр. 146
الصيغة الثانية:
غرق صبيان من سكان شارع عباس بالجيزة، ونجا ثالث لهم, عندما انقلب بهم زورق في النيل قرب الزمالك.
الصيغة الثالثة:
غرق صبيان من سكان شارع عباس بالجيزة، ومن تلاميذ المدرسة الإعدادية الأميرية, ونجا الثالث، وهو من سكان هذا الشارع, ومن تلاميذ المدرسة نفسها, عندما انقلب بهم زورق في النيل قرب الزمالك.
الصيغة الرابعة:
غرق صبيان هما فلان وفلان، ونجا الثالث وهو فلان، وثلاثتهم من شارع عباس بالجيزة، ومن تلاميذ المدرسة الإعدادية الأميرية، وكانوا مساء أمس يستقلون زورقًا في النيل, انقلب بهم قرب الزمالك.
هذه صورة أربع لصدر هذا الخبر المفزع، ولكن ليس شك هناك في أن الصيغة الأخيرة هي الأقرب إلى الفن الصحفيّ بالمعنى الصحيح؛ إذ هي الصورة التي عُنِيَ فيها المحرر بذكر أسماء الصبية واحدًا واحدًا، وذكر عنوان كل منهم ومدرسته, وهكذا، وهذه الأسماء -وإن كانت في ذاتها مجهولةً لأغلبية القراء, باستثناء سكان شارع عباس، وتلاميذ المدرسة الأميرية الإعدادية- إلَّا أنها تعطي الخبر أهمية خاصة، وتكمله من الناحية الفنية الصحفية الخالصة، وبدونها يعتبر الخبر ناقصًا، ولا يجذب انتباه العدد الكافي من قراء الصحيفة.
وكالحوادث الخاصة بالغرق، أو التصادم، أو التشاجر، أو السرقة، أوالقتل والانتحار, تكون الحوادث الداخلية الخاصة بالحريق.
стр. 147
غير أن حوادث الحريق بالذات, يجب أن يعني بها المحرر الصحفيّ عنايةً من نوعٍ آخر، ذلك أن عنصر "المكان" أو الإجابة عن السؤال "أين؟ " هو الذي ينبغي أن يقدم في هذه الحالة، وهنا يجب على المحرر الصحفيّ أن يكون واضحًا كل الوضوح في تحديد هذا الموقع.
فإذا قال مثلًا: إن نارًا شبت في العمارة رقم ٥٠ بشارع ٢٣ يوليو, وجب عليه في هذه الحالة أن يتبع ذلك بكلمة "فؤاد سابقًا", فليس كل الناس يعرفون أن اسم هذا الشارع الرئيسيّ من شوارع القاهرة حدث فيه مثل هذا التغيير في التسمية, وأكثر من هذا وجوبًا على المحرر في تحديد موقع الحريق أن يعني بتعريف هذا الموقع, أو المكان للقراء باسم موقع, أو مكان آخر يجاوره، ويكون أعظم منه شهرةً لدى الخاص والعام، كأن يقول المحرر في هذه الحالة: "شبت النار بالعمارة رقم كذا, شارع ٢٣ يوليو "فؤاد سابقا" وهي العمارة المجاورة لسينما ريفولي أو الأمريكيين، أو محلات شملا, وهكذا.
وثَمَّ قاعدة صحيفة ثالثة لا بُدَّ من الاهتمام بها فيما يتصل بالحوادث اليومية، وهذه القاعدة هي:
أن الإنسان أغلى ما في الوجود، وفيه ينبغي أن يتركز اهتمام الجريدة.
واتباعًا لهذه القاعدة يجب على الصحيفة أن تعني دائمًا بذكر الضحايا من الناس قبل الضحايا من الأموال والمتاع.
بل إن الضحايا البشرية ذاتها تتفاوت في نظر القراء، فيكون موت طالب من طلاب المدارس الثانوية, أو الجامعات في مظاهرة سياسية، أهم في نظر القراء، من موت رجلٍ من رجال الأمن الذين عهد إليهم إخماد هذه المظاهرات.
стр. 148
فالمعروف أن عمل الشرطيّ في مثل هذه الظروف عملٌ محفوفٌ بالخطر دائمًا، وموت الشرطيّ في هذه الحالة، قد يكون نتيجةً من نتائج هذا العمل المحفوف بالخطر، ثم إن موته في مثل هذه الحالة يعتبر في نظرالحكومة والجمهور موتًا في سبيل الواجب الذي قام به.
أمَّا موت طالب أو طالبين، أو عامل, أو عاملين, في مظاهرة سياسية, فإنه ليس متوقعًا دائمًا، فوق أنه يتصل اتصالًا قويًّا بالمعنى أو الغرض الذي قامت من أجله المظاهرة، وهو غرض يلفت نظر القراء قبل أي غرض سواه. ومعنى ذلك باختصارٍ أنه ينبغي للصحيفة اليومية أن تعنى بذكر "الضحايا المدنيين" قبل"الضحايا الرسميين" وذلك في الجمل الافتتاحية، أو الفقرات الاستهلالية التي يتألف منها صدر الخبر، وللصحيفة بعد هذا وذاك أن تذكر الضحايا الرسميين في الفقرة التالية للفقرة الأولى مباشرةً، وقد لا يجوز إرجاء ذلك إلى الفقرة الثالثة أو الرابعة.
هذه طائفةٌ من القواعد المتبعة في تحرير الخبر الداخليّ عادةً, أما الطرق المتبعة في صياغته على شكل قصة فكثيرة، سنشرح بعضها فيما يلي:
طرق صياغة القصة الخبرية لحادث داخليٍّ:
من الأصول التي يجب اتباعها في كتابة القصة الخبرية -على وجه العموم- تقسيم الخبر نفسه إلى أجزاء, يستقل كل منها بجانب من جوانبه, أو بحقيقة من حقائقه، وإذا كانت هذه القاعدة ضروريةً في كتابة الأخبار بوجه عام، فإنها أكثر ضرورة في الواقع للخبر المحلي بوجه خاص، ذلك أن الأخبار المحلية عرضةٌ للتغيير المستمر من لحظة إلى أخرى، والمطبعة لا تمهل المحرر حتى يعيد صياغة الخبر المحلي من أوله إلى آخره، فهي لا تدع له أكثر من الوقت الذي يسمح له بحذف فقرة, وإثبات أخرى مكانها، أو إضافة في فقرة جديدة لم تكن موجودة في الأصل إذا لزم هذا الإجراء.
стр. 149
وندع هذه القاعدة جانبًا لننظر في الطرق التي يمكن أن نتبعها في كتابة الخبر الداخليّ، أو صياغة القصة الإخبارية التي تمد القراء بحقائق هذا الخبر.
وهنا نستطيع أن نضع أيدينا على طرق ثلاث، هي:
١- طريقة الترتيب الزمنيّ المعدول.
٢- طريقة الترتيب الزمنيّ المعكوس.
٣- "التشويق المسرحي "أو التغلب على فتور القارئ".
وإليك الأمثلة:
١- بطريقة الترتيب الزمنيّ المعدول:
يمكننا أن ننشر الخبر الآتي بالصيغة التالية:
ا- حدث أمس -في طريق مصر الجديدة- أن أخرج سائق "المترو" رأسه من العربة، وكان المترو سائرًا بسرعة كبيرة، فاصطدم رأس السائق بعمود من أعمدة الكهرباء، فقتله في الحال، وقذف به في الطريق وبقي المترو سائرًا إلى الأمام بنفس السرعة.
ب- وشد ما انزعجت سيدة في غرفة "السيدات" حين رأت المترو يسير وحده بدون سائق في الطريق، فصرخت صرخات عاليةٍ لفتت إليها أنظار الركاب الذين ارتكبوا ارتباكًا شديدًا، وصرخ النساء بعدها صرخاتٍ مدويةٍ كذلك.
جـ- وتقدم الكمساري -وهو لا يعرف شيئًا عن القيادة- وطفق يحاول وقف المترو حتى وقف لحسن الحظ في تلك اللحظة الدقيقة.
د- وكان وقوف المترو -لحسن الحظ أيضًا- قبيل المنحنى السابق لمحطة روكسي مباشرةً, بما لا يزيد عن ثلاثين بوصة.
стр. 150
هـ- ولو وصل المترو بسرعته إلى هذا المنحنى الحاد قبيل محطة روكسي لانقلب بركابه، ولأصبح ضحايا الحادث يعدون بالعشرات.
٢- بطريق الترتيب الزمنيّ المعكوس:
يمكننا أن ننشر الخبر بالصيغة التالية:
١- نجا ركاب المترو في طريق مصر الجديدة من الموت بأعجوبة, حين وقف المترو فجأةً عن السير قبيل المنحنى السابق لمحطة روكسي, بما لا يزيد عن ثلاثين بوصة.
ب- ولو وصل المترو بسرعته السابقة إلى هذا المنحنى الحادِّ قبيل محطة روكسي لانقلب بركابه، ولأصبح ضحايا الحادث يعدون بالعشرات.
جـ- أما الذي تنبه إلى ذلك فسيدة في الحريم, صرخت صراخًا عاليًا حين لاحظت أن المترو يسير وحده بدون سائق, وبسرعة عظيمة، فلفتت إليها أنظار الركاب الذين اضطربوا اضطرابًا شديدًا، وصرخ النساء منهم صرخاتٍ مدويةً كذلك.
د- وإذ ذاك تقدَّم الكمساري -وهو لا يعرف شيئًا عن القيادة- وطفق يحاول وقف المترو حتى وقف لحسن الحظِّ في تلك اللحظة الدقيقة.
هـ- أما السبب في سير المترو بهذه الصورة, فهو أن السائق كان قد أخرج رأسه من العربه، فاصطدم بعمود من أعمدة الكهرباء، فقتله في الحال, وقذف به بعيدًا عن مكانه.
٣- بطريقة التشويق المسرحي:
تستطيع الصحيفة أن تنشر الخبر بالصيغة الآتية:
١- صرخت سيدة في غرفة السيدات بالمترو, في طريق مصر الجديدة, حين رأت أن هذا المترو يسير وحده بدون سائق, وبسرعة عظيمة.
стр. 151
ب- واضطرب الركاب، وعلا صراخ النساء والأطفال، وشعر الجميع بالخطر الداهم، خصوصًا أن المترو يقترب سريعًا من المنحنى السابق لمحطة روكسي، التي هي أولى محطات مصر الجديدة.
حـ- ولو وصل المترو إلى هذا المنحنى الحادِّ لانقلب بركابه جميعًا, ولعظمت فداحة الحادث، وأصبح الضحايا يعدون بالعشرات.
د- وشاءت الأقدار أن يجري الكمساري إلى مكان السائق، وعلى الرغم من أنه يجهل كل شيءٍ عن القيادة، فإنه أخذ يحاول وقف المترو عن السير، والعجيب أن المترو وقف في تلك اللحظة الدقيقة، وكان وقوفه قبل المنحنى الحادِّ بما لا يزيد عن ثلاثين بوصة.
هـ- واتضح فيما بعد أن السبب في سير المترو على هذه الصورة, هو أن السائق كان قد أخرج رأسه من العربة، فاصطدم بعمود من أعمدة الكهرباء، فقتل في الحال، وقذف به بعيدًا عن القضبان.
تعليق على الطرق الثلاث:
إذا نظرت معي أيها القارئ إلى الطريقة الأولى -وهي طريقة الترتيب الزمنيّ المعدول- لاحظت أنها أسهل الطرق جميعًا بالنسبة للمحرر وللقارئ في وقت معًا، أما المحرر: فإنه لم يعمل فكره كثيرًا في تقسيم الخبر إلى وقائع، وترتيبها بحسب وقوعها ترتيبًا زمنيًّا لا تصرف فيه، وأما القارئ: فإنه لم يجد عسرًا في تتبع القصة الخيرية على هذا الوجه.
غير أن الطريقة الأولى تفتقر إلى العنصر الدراميّ، والعناية فيها بجميع أجزاء الخبر متساويةً تقريبًا، مع أن المتبع عادةً هو المخالفة في هذه العناية، وذلك بتقديم بعض الأجزاء وتأخير الأخرى، والاهتمام ببعض الأجزاء أكثر من الاهتمام بالأخرى، وهكذا.
стр. 152
على أن أهم ما يوجَّه إلى هذه الطريقة الأولى من نقدٍ, هو أنها مبنيةٌ في الواقع على نظام الهرم المعتدل. وقد سبق أن قلنا عن هذا النظام إنه يصلح لنشر المقال، ولكنه لا يصلح دائمًا لكتابة الأخبار, ومعنى ذلك أن اتباع هذه الطريقة الأولى في صياغة الأخبارمن شأنه ألّا يجعل الفرق واضحًا أو مفهومًا بين صياغة الخبر وصياغة المقال، وفي ذلك ما فيه من الخلط بين الفنون الصحفية من حيث الصياغة.
والقائل بهذه الطريقة الأولى من أساتذة الصحافة, هو الأستاذ نيل NELA، ولكنا لا نوافقه على ما ذهب إليه من الإشارة إليها, على أنها من بين الطرق الثلاث المتبعة في صياغة القصة الخبرية، بل نميل إلى القول بالطريقتين الأخيرتين إلى أن يأتي الوقت الذي يبتدع فيه المحررون النابهون طائفة من الطرق الأخرى.
وإذا نظرت معي أيها القارئ في الطريقة الثانية -وهي طريقة الترتيب الزمنيّ المعكوس- وجدتها تُعْنِي بنتيجة الحادثة أولًا- فتأتي بها في أول القصة، ثم تندرج منها إلى الوقائع التي أدت إليها.
وهذه الطريقة الثانية أكثر اتباعًا في الصحف السيّارة، وإن احتاجت من المحرر إلى جهدٍ أكبر، ووقتٍ أطول.
أما الطريقة الثالثة والأخيرة -وهي طريقة التشويق- فإنها أفضل الطرق جميعًا، وفيها يستطيع المحرر أن يغلب على فتور القارئ، وذلك بأن يوفر له العنصر الدراميّ، وفيها كذلك إهمال تام للعنصر الزمنيّ؛ إذ المهم في هذه الحالة هوالحادث نفسه وصورة وقوعه، وحتى النتيجة نفسها تأتي في الأهمية بعد الصورة, أو الكيفية, أو العنصر الدراميّ في مثل هذه القصة.
غير أن هذه الطريقة الأخيرة تتطلب من التحرير تفكيرًا أطول,
стр. 153
ومهارة أكبر، وإنها لا يحسنها في الواقع إلّا كاتب بارع، أو محرر متمرن، وهو بهذه البراعة، وهذه المرانة, قادر على التصرف في القصة الخبرية تصرفًا صحفيًّا سليمًا جاريًّا في الوقت نفسه مع الأصول والقواعد التي أشرنا إليها.
وقبل الفراغ من هذا الفصل يجدر بنا أن ننبه القارئ هنا إلى أننا في تطبيق الطرق الثلاث على صياغة الخبر, إنما عنينا بشيءٍ واحد فقط، وهو كتابة صدر الخبر, والطرق المتبعة غالبًا في كتابة هذا الصدر، وأهملنا العناية بالعنوان من جهةٍ, وصلب الخبر من جهةٍ ثانيةٍ.
والحقيقة التي لا نزاع فيها, أن صدر الخبر أهم في نظر الصحيفة ونظر القارئ من صلب الخبر؛ لأن هذا الأخير -وهو الصلب- هو مكان التفاصيل التي تملأ بها الصحيفة فراغها غالبًا، وهي لذلك إنما نكتب دائمًا "البنط" الدقيق أو الخفيف، ويقع جزء منها في الصحيفة التي كتب فيها صدر الخبر، وتقع الأجزاء الباقية من هذه التفاصيل في الصفحات الأخرى من الصحيفة, أما القرّاء فلا يمضي منهم في قراءة هذه التفاصيل عادةً إلّا مَنْ يسمح له وقته بهذه القراءة، ومن هنا جاء اهتمام الصحيفة دائمًا بصدور الأخبار دون جسومها أو أصلابها، وكان الجهد الفنيّ الذي يبذل في كتابة هذه الأصلاب أقل بكثير جدًّا من الجهد الفنيِّ الذي يبذل في كتابة الصدور.
وذلك ما أردنا أن نلفت إليه نظر القارئ حتى يفهم أن القصة الإخبارية على الصورة التي قدمناها له, يجب أن تكون لها بقيةٌ تقصر وتطول حسب التفاصيل التي استطاع مخبر الصحيفة جمعها, وتزويد صحيفته بها, حتى تستطيع كتابة القصة كاملة.
وللصحيفة ذاتها بعد ذلك أن تتصرف في هذه التفاصيل, فتكتب منها ما تريد في الطبعة الخاصة بالعاصمة، وتكتب منها ما تريد أيضًا في الطبعة
стр. 154
خاصةً بالأقاليم، وإن كان المتبع في الغالب أن طبعة الأقاليم -حيث يتسع الوقت أمام الجمهور القارئ- تكون مزودةً بقدرٍ أكبر من التفاصيل التي لا تتسع لها طبعة العاصمة، وحيث لا يتسع الوقت فيها للقارئ لكي يأتي على هذه التفاصيل من أولها إلى آخرها.
الأخبار الكبيرة, أو الأخبار ذات الزوايا المتعددة:
من الأخبار الداخلية, أو الخارجية, مما يمس عددًا محدودًا من القراء، ومنها ما يمس عددًا كبيرًا منهم، وقد ألمعنا إلى ذلك عند الكلام عن "تقويم الخبر"، وسمينا النوع الأخير بالأخبار الضخمة، أي: التي يهتم بها أكبر عدد ممكن من القراء، أو التي تمس مشكلةً من أهم المشكلات السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
وهذا النوع الأخير من الأخبار فوق أنه يوصف بالفخامة, فإنه يوصف كذلك بأنه متعدد الزوايا, والمقصود بالزوايا هنا: الوحدات أو النواحي الكثيرة التي يتألف منها الخبر الصحفيّ, أو الجهات العديدة التي يهمها الخبر, وهنا تحتاج كل وحدة من هذه الوحدات, أو ناحية من النواحي, إلى مندوبٍ صحفيٍّ خاصٍّ يأتي بمعلوماتٍ عنها، وعلى الصحيفة في النهاية أن تؤلف من جميع هذه الزوايا أو النواحي خبرًا كبيرًا يهم القراء أن يقفوا عليه، وكثيرًا ما يقوم رئيس التحرير بدراسة الموضوع الخبريّ في ذاته، ثم يتولى تقسيم المحررين أو المندوبين الإخباريين على نواحي هذا الخبر وزواياه بعد ذلك.
ولنبدأ أولًا بضرب الأمثلة على هذه الأخبار الضخمة, أو الأخبار المتعددة الزوايا، فمنها على سبيل المثال:
* خبر ثورة داخلية كبرى؛ كثورة مصر في ٢٣ "تموز" يوليه ١٩٥٢, وثورة العراق في ١٤ تموز "يوليه" سنة ١٩٥٨.
* خبر عدوان خارجيّ على البلاد؛ كالعدوان الثلاثيّ على مصر سنة ١٩٥٦.
стр. 155
خبر حادث كبير؛ كحادث تأميم قناة السويس الذي كان سببًا في العدوان الثلاثيّ على مصر كما هو معروف.
- حادث انتشار وباء خطير؛ كالطاعون أو الكوليرا.
- حادث زلزال, أو انفجار بركان.
- حادث عصابة كبيرة تتجر في المخدرات.
- حادث سقوط جسر من الجسور, في جهةٍ كالقناطر الخيرية بالقاهرة، وهو المعروف هناك "بالكبري الهزاز".
وسنضرب المثل هنا أولًا، بحادث تأميم قناة السويس:
عندما أعلن الرئيس عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس، وكان ذلك في مساء اليوم السادس والعشرين من يوليو "تموز" سنة ١٩٥٦", شعرت الصحافة العالمية عامَّةً, والصحافة المصرية بوجهٍ خاصٍّ أنها أمام خبر في غاية الضخامة، واهتمت الصحف المصرية يومئذ بالنواحي الآتية وهي:
الناحية الأولى: الخطبة التي ألقاها الرئيس عبد الناصر واستمعت إليها الجماهير بأعصابٍ متوترةٍ وأنفاس مبهورة، بينما كان الملايين من الناس في الإسكندرية وغيرها من المدن المصرية يحدقون بأجهزة الراديو, أما المعلقون السياسيون من الأوربيين, فوصفوا هذه الخطبة بأنها كانت أقوى من قنبلة مدوية أصمت آذان الاستعمار, وأذهلته عن نفسه.
الناحية الثانية: كيف تَمَّ الاستيلاء على مركز الشركة في السويس، وذلك في أثناء الخطاب الذي ألقاه الرئيس، أو كيف طرد الضباط المصريون جميع الأجانب التابعين لهذه الشركة من مكاتبهم, واحتلوا هذه المكاتب.
الناحية الثالثة: كيف تَمَّ الاستيلاء كذلك على مكاتب المركز العام للشركة في القاهرة نفسها.
стр. 156
الناحية الرابعة: من هم أعضاء الإدارة الجديد بعد أن ألغى القرار الذي أصدره جمال عبد الناصر مجلس الإدارة القديم.
الناحية الخامسة: ماذا تقول وكالات الأنباء الخارجية عن هذا الحادث، وماذا تقول الصحف والإذاعات الأجنبية كذلك؟
كل هذه الأمور تشعبت عن حادثٍ واحدٍ، هو حادث تأميم قناة السويس، وثَمَّ أمورٌ أخرى تشعبت عنه كذلك لا نريد الإطالة فيها، وكل واحد من هذه الأمور، أو كل زاوية من هذه الزوايا تحتاج إلى محرر مسئول لتغطية الأخبار والمعلومات التي تتصل بهذه الناحية أو الزاوية.
ومن مجموعة هذه الأخبار والمعلومات تتألف القصة الإخبارية الضخمة ذات الزوايا المتعددة، وتبذل هيئة التحرير مجهودًا فنيًّا كبيرًا في صياغتها, حتى يفهمهما القارئ فهمًا مستقيمًا من جهةٍ, وكاملًا من جهةٍ ثانيةٍ، وحتى لا تحمل القارئ مهمة ترتيب الوقائع، أو استخلاص النتائج, وتفسير البيانات والتصريحات, ونحو ذلك.
كيف تصاغ القصة المتعددة الزوايا:
قلنا: إن على رئيس التحرير أن يوزع محرريه في الصحيفة على جوانب الموضوع الإخباريّ الكبير؛ بحيث يستقل كل واحد منهم بجانبٍ واحدٍ فقط من جوانبه, ويستطيع كل واحد من أولئك المحررين بعد ذلك أن يكتب الموضوع كما لو كان هذا الموضوع سينشر في الجريدة مستقلًا عن سائر الموضوعات, أو الأجزاء التي يتألف منها الخبر, وبهذه الطريقة يستطيع المحرر المختص بزاويةٍ من الزوايا أن يضع خلاصةً لأهم ما حصل عليه من المعلومات خاصًّا بزاوية، ثم يقدم كل هذه الجوانب, أو الزوايا إلى رئيس التحرير، وفي استطاعة هذا الأخير بعد ذلك أن ينظر في صدور هذه الموضوعات الخبرية؛ ليعرف من أين يبدأ كتابة الخبر الكبير في الصحيفة، كما يستطيع رئيس التحرير بعد ذلك أن ينظر
стр. 157
في جسوم هذه الموضوعات الإخبارية؛ ليعرف أيَّ التفاصيل أهم من الأخرى، ويرتبها ترتيبًا خاصًّا؛ بحيث يقدم الأهم على المهم منها, وهكذا.
ومرةً أخرى نعود إلى شرح الطريقة التي تكتب بها القصة الكبيرة, أو الضخمة, أو ذات الزوايا المتعددة.
فكيف يكتب الصدر أولًا؟:
يمكن لرئيس التحرير أن يكشف بذوقه الصحفيّ عن المحور الذي تدور عليه القصة, ويبدأ به كتابتها, كما يمكن لرئيس التحرير بعد ذلك أن يعرف أبرز ما في القصة كلها من موضوعاتٍ لكي يقدمها للقارئ, ثم يأتي بما هو أقل أهميةً, ومن الجائز أن يتسع صدر الخبر الكبير لأكثر من موضوع واحد، بل إنه ليتسع أحيانًا إلى موضوعاتٍ كثيرةٍ في وقت واحدٍ متى رأى رئيس التحرير أنها متساوية في الأهمية.
مثل للخبر المتعدد الزوايا:
يضرب أحد الصحفيين مثلًا لذلك, خبرًا عن إضراب سائقي السيارات المسماة "باللوري" احتجاجًا على إجراءٍ معينٍ اتخذه أصحاب هذه السيارات ضد سائقيها، ولذلك اتفق السائقون على الالتجاء إلى العنف في حركة الإضراب التي سيقومون بها.
وبدأ الإضراب فعلًا، وجاءت الأنباء إلى المحرر المسئول من مختلف المندوبين الموزعين في أماكن مختلفة.
وينظر المحرر المسئول في كافة العناصر التي وصلت إليه، ثم يختار منها واحدًا يدل على العنف الذي اتفق العمال عليه, فيجعل منه أول جملة, أو فقرة من فقرات الصدر, أو الجمل التي يتألف منها، كأن يكتب الفقرة الأولى بهذه الصورة:
стр. 158
"خمسمائة جالون من اللبن سكبت في الطريق الزراعيّ العام بين القاهرة وقليوب, عندما هاجم عدد كبير من العمال ست سيارات لوري محملة باللبن, وهي في طريقها إلى مصنع الألبان.
أو أن يقول:
وقف العمال القافلة وأرغموا السائقين على النزول من السيارات، وبدءوا في سكب اللبن قبل أن يتدخل رجال الشرطة الذين أسرعوا إلى مكان الحادث، وفي الفقرة التالية من فقرات الصدر يقول:
"كان هذا الحادث أبرز ما وقع أمس ,بعد أن أعلن سائقو سيارات اللوري إضرابهم"١.
وإلى الآن عنيت القصة الإخبارية بجانبٍ واحدٍ فقط, هو حركة الإضراب في ذاتها، غير أن على رئيس التحرير ومعاونيه أن يعنوا فوق ذلك بالجوانب أو الزوايا الأخرى من زوايا هذه القصة الإخبارية الكبيرة, ومنها الزاوية الإخبارية التي تهم أصحاب المصنع, والزاوية الإخبارية التي تهم الجمهور المنتفع, والزاوية الإخبارية التي تهم الحكومة.
وينبغي أن يشتمل صدر الخبر على جملٍ أو فقراتٍ توضح هذه الزوايا الأخيرة، ثم يأتي جسم القصة الإخبارية بعد كل ذلك, وبه جميع التفاصيل التي وردت إلى الصحيفة عن كل زاوية من زوايا القصة الإخبارية كلها, وبذلك تنتهي هذه القصة.
стр. 159
الأخبار الخارجية:
أصاب الأستاذ "أدمون برك" Edmond Burke حين قال: "إن الصحافة هي تاريخ العالم كله في يوم".
ذلك أنه كان على الصحيفة منذ نشأتها أن تطلع القراء على ما يحدث في الداخل, وما يحدث في الخارج، والصحيفة بدون هذا العمل بشقيه الداخليّ والخارجيّ لا قيمة لها في الواقع.
أهمية الخبر الخارجيّ:
تحتاج الشعوب الآن أكثر من أيِّ وقتٍ مضى إلى أن يفهم بعضها بعضًا، وأن يتعاون بعضها مع بعضٍ، وأن تؤمن كلها بهذا المبدأ الذي يسود غيره من المبادئ الأخرى في عصرنا هذا، وهو "مبدأ التعايش السلميّ". ولكي تفهم الشعوب بعضها بعضًا على الوجه الصحيح، وطريقها إلى ذلك واحد دائمًا، هو العناية التامة بوسائل الإعلام المختلفة، ومن أهمها الصحافة، فعلى هذه الصحافة إذن, أن تَعْبُرَ الحدود السياسية بين الدول، ليس فقط في أوقات الحروب والتوتر الدوليّ، والأزمات السياسية، بل في أوقات السلم أيضًا، وعلى الصحافة دائمًا أن تقوم بدور الوسيط بين هذه الدول والشعوب، وأن تكون طريق التعارف السليم بينها دائمًا، وفي ذلك وحده ما يضمن السلام العالميّ والاستقرار الدوليّ، والتعايش السلميّ، وبدونه يصبح السلام أمرًا صعبًا في عالمٍ تتهدده عوامل الانحلال، وتسري في جسده حُمَّى الانقسام، ويذود النوم عن أجفانه شبح الحرب!
стр. 160
إننا بدون الأخبار الخارجية نعيش في ظلام تامٍّ، ونشعر أننا غرباء في هذا العالم الذي ربطت بين أجزائه مصالح مشتركة، ووصلت بين أطرافه شَتَّى طرق المواصلات، وأصبح كالأسرة الواحدة في البيت الواحد، لا غنى لأيِّ فردٍ منها عن الوقوف على أخبار الآخرين.
والباحث في تاريخ الصحافة المصرية منذ نشأتها إلى يومنا هذا, لا يسعه إلّا الاعتراف بهذه الحقيقة، وهي أن الصحف المصرية ربما كانت من أكثر صحف العالم اهتمامًا بالأخبار الخارجية، فهي تقدمها دائمًا على الأخبار المحلية، وهي تفسح لها حيزًا كبيرًا من صفحاتها اليومية والدورية، وإلى عهدٍ قريبٍ كانت الصحف المصرية تفرد الصفحة الأولى لهذا النوع من الأخبار، وبقي الحال على ذلك حتى ظهرت أهمية الأخبار الداخلية, فاحتلت جزءًا كبيرًا من حيِّزِ الصفحة الأولى، وإذا قيست المساحة التي تشغلها الأخبار الخارجية من الصحف المصرية بالمساحة التي تشغلها هذه الأخبار من الصحف الأمريكية, وجد أن هذه الأخيرة لا تنشر من تلك الأخبار إلا ما يغطي ثلاثة أعمدة فقط من مائة عمود تشتمل عليها الصحيفة الأمريكية غالبًا, وأكثر ما تصل إليه الصحف الكبرى هناك أنها تشغل ما بين الثمن والخمس من مساحتها لهذا الغرض, وقبل نصف قرنٍ من الزمان, لم تكن الصحف الأمريكية تنشر من الأخبار الخارجية إلّا ما له أهمية قصوى.
وإذا كانت مصر -أو الجمهورية العربية المتحدة- في الوقت الحاضر قد اتسعت علاقاتها أكثر من ذي قبل في المجال الدوليّ، وإذا كان ظهور الكتلة الآسيوية الأفريقية قد أحدث نوعًا من التوازن بين المعسكرين الشرقيّ والغربيّ، فمعنى ذلك: أنه أصبح للأخبار الخارجية مكانٌ مرموقٌ في الصحف العربية في وقتنا هذا, ربما كان أعظم بكثير من مكانها في أي وقت مضى.
стр. 161
طبيعة الخبر الخارجيّ:
سبق لنا أن تعرضنا لتعريف الخبر من حيث هو، سواء أكان هذا الخبر محليًّا أم خارجيًّا، وسواء أكان هذا الخبر سياسيًّا أم غير سياسيٍّ، وقلنا عن الخبر: إنه الشيء الجديد الذي يهتم به القراء فور صدور الصحيفة. والحق أننا لا نجد صعوبةً ما في تعريف الخبر الداخليّ، فكل ما يقع في مصر, أو الجمهورية المتحدة, هو خبر داخليّ أو محليّ، وكل ما يتلعق بمصر, أو بالجمهورية العربية المتحدة, من الحوادث أو الأخبار التي تقع في الخارج هو أيضًا خبر داخليّ أو محليّ.
فإذا صح ذلك -وهو صحيح بأغلبية الآراء- فإن الأخبار الخارجية هي أخبار ما يقع في خارج مصر, أو خارج الجمهورية العربية، وهي الأخبار التي يكون مصدرها الخارج في جميع الأحوال، وهي الأخبار التي تحتل الصفحة الثانية من أكثر الصحف المصرية في الوقت الحاضر, ومن الأمثلة عليها:
- بريطانيا تتجاهل قرار الأمم المتحدة لحل مشكلة قبرص.
- اليونان تبلغ الأمم المتحدة استياءها من خطة بريطانيا.
- خمس هزات أرضية في ثماني ساعات تحدث خسائر فادحة.
- بطلة عالمية في الرقص يحكم عليها القدر بألّا ترقص أبدًا.
- مليون عامل يبدءون الإضراب في بريطانيا.
- أمريكا تزود بريطانيا بصواريخ ذرية.
- زعيمة شيوعية تفر من فينا.
- رئيس وزراء روسيا يجتمع بالسفير البريطاني.
تلك إذن أخبار خارجية: منها ما وقع في لندن، ومنها ما وقع في أثينا، ومنها ما وقع في فينا، ومنها ما وقع في موسكو، وهي أخبار تشترك جميعها في صفتين أساسيتين.
أولاهما: أنها أخبار تصف أحداثًا وقعت في بلاد أجنبيةٍ تقع خارج حدود الجمهورية العربية المتحدة.
стр. 162
والثانية: أنها جاءت إلينا من مصادر خارجية.
وهنا يصح لنا أن نسأل:
هل يفهم من هذا أن كل ما يقع خارج حدود الجمهورية العربية المتحدة يعتبر أخبارًا خارجية، ومكانه من الجريدة هو صفحة الأخبار الخارجية؟ أو بعبارةٍ أخرى:
ما القول في أخبار السودان، وأخبار الدول العربية الشقيقة؟ أتعتبر أخبارًا خارجية؟.
لقد أجمع المسئولون عن الصحف المصرية على إجابةٍ واحدةٍ عن مثل هذه الأسئلة، وهذه الإجابة التي أجمعوا عليها: هي النظر إلى أخبار السودان والأقطار الشقيقة، بل الشرق الأوسط كله, على أنها أخبار داخلية, وليست خارجيةً بحالٍ من الأحوال.
ونحن نعلم أن الأستاذ مصطفى أمين, رئيس تحرير أخبار اليوم -على وجه التمثيل- يقسم الأخبار إلى قسمين:
الأول: هو الأخبار الداخلية، وهي أخبار مصر والجمهورية العربية المتحدة، والسودان والعالم العربي والشرق الأوسط.
والثاني: هو الأخبار الخارجية، وهي أخبار بقية العالم.
وصحيفة "أخبار اليوم" تعتبر نفسها صحيفة الشرق الأوسط، وليست صحيفةً محليةً بالمعنى الضيق، فتنظر مثلًا إلى سياسة أمريكا تجاه أندونيسيا على أنها مسألة داخلية، في حين أنها تنظر إلى النزاع بين أمريكا والصين الشعبية على أنه مسألة خارجية.
ولهذا رأينا في الصفة الأساسية الأولى من صفات الخبر الخارجيّ، أنه خبر يصف أحداثًا وقعت في بلاد أجنبية خارج حدود الجمهورية العربية المتحدة.
стр. 163
أما الصفة الأساسية الثانية من صفات الخبر الخارجيّ، وهي أن هذا الخبر آتٍ إلينا من مصادر أجنبية، فاعتراضنا عليها: أنه ليس كل ما يأتي من مصادر خارجية يكون خبرًا خارجيًّا؛ إذ المعلوم أن هناك أخبارًا خارجيةً تتصل بمصر أو بالجمهورية العربية المتحدة ونشاطها في المجال الدوليّ، ومثل هذه الأخبار لا بد أن ننظر إليها على أنها داخلية محلية، ولا يجوز لنا أن ننظر إليها نظرةً أخرى.
هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ ثانيةٍ، فإننا نرى أن بعض الأخبار الخارجية تأتي من مصادر مصرية, فقد يحدث مثلًا أن تستقي صحيفة مصرية بعض أخبارها الخارجية من بعض الدبلوماسيين الأجانب الموجودين في البلاد المصرية، وقد يحدث مثلًا أن تكون مصر مسرحًا لنشاط دبلوماسيٍّ أجنبيٍّ من نوع خاصٍّ، وعلى هذا, فإن أخبار هذا النشاط الدبلوماسيّ، أو الأخبار المستقاة من دبلوماسيين غير مصريين, يقيمون في البلاد المصرية، لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن ينظر إليها على أنها أخبار محلية داخلية، ولكنها من غير شك أخبار خارجية، وإن أبدت الصحف المحلية اهتمامًا خاصًّا بمثل هذه الأخبار، لا لشيءٍ إلّا لأنها تقع على مرأى ومسمع من القارئ المصريّ أو القارئ العربيّ.
والذي نخرج به من مناقشة هذه المسائل، أنه ليس كل ما يقع في خارج حدودنا خبرًا خارجيًّا، وليس كل ما يأتي من خارج حدودنا خبرًا من هذا النوع أيضًا، إنما الأخبار الخارجية هي الأخبار التي تصف أحداثًا تقع في الخارج، ويكون مصدرها الخارج، ولا تكون مصر أو الجمهورية العربية طرفًا فيها بحالٍ ما، ولا تكون لها صلة بالعالم العربيّ، بل بالشرق الأوسط كله -في نظر بعضهم- كما رأينا.
وبعبارةٍ أخرى: يمكن تحديد الأخبار الخارجية بأنها الأخبار التي تصف النشاط السياسيّ وغير السياسيّ, مما يقع في الدول الأجنبية خارج
стр. 164
حدود الجمهورية العربية المتحدة, أو النشاط الأجنبيّ الذي يقع في داخل حدود هذه الجمهورية، ولا تكون مصر أو سوريا أو أي جزء من أجزاء هذا العالم العربيّ طرفًا فيها بحالٍ ما، ويكون مصدر هذه الأخبار خارجيًّا في الأعم الأغلب، ومحليًّا في حالات قليلة الوقوع.
أنواع الأخبار الخارجية:
الأخبار الخارجية هي كل ما ينشر في الصحيفة بالمعنى المتقدم، ويهم القراء أن يطلعوا عليه، وهي أنواع، منها:
أولًا: الأخبار السياسية: وهي تؤلف الغالبية العظمى من صفحة الأخبار الخارجية، وكثيرًا ما تكون لها الصدارة في الصحف العربية؛ فتحتل مكانًا مرموقًا بالصفحات الأولى.
ومن الأخبار السياسية ما يصف تطور العلاقات بين الدول، كأخبار المحادثات، والمفاوضات، والمؤتمرات، والاتفاقات، والمعاهدات، والانقسامات، ونحو ذلك.
ومنها ما يصف النشاط السياسيّ لدولة من الدول، كخبر استقالة وزارة، وتأليف أخرى، وخبر معركة انتخابية، أو ثورة محلية، أو حرب أهلية، أو فتنة سياسية.
ومنها ما يصف سير الحرب بين دولتين, مما يهتم له السواد الأعظم من القراء، وتعنى به الصحف عنايةً خاصة.
ثانيًا: الأخبار ذات الطابع الإنسانيّ، كأخبار الأطفال، والحيوان، والكوارث الطبيعية، والحوادث التي تسبب خسارةً في الأرواح والممتلكات، وكأخبار العلاقات الاجتماعية: من زواج، وطلاق، وخاصة منها ما اتصل بالمشهورين والمشهورات.
ثالثًا: الكشوف العلمية، وفي مقدمة هذه الكشوف أخبار الذرة،
стр. 165
والقنابل الذرية، والقنابل الهيدروجينية، ثم الأخبار الطبية العلاجية، وأخبار القضاء، والأقماء الصناعية، وما إلى ذلك.
وقريب من هذه الأخبار كذلك أخبار الأدب، والجوائر الأدبية، وخاصةً جائزة نوبل، وأخبار الفلاسفة ودعاة السلام، وحماة الأخلاق, ورجال الإصلاح, ونحوهم.
رابعًا: الجرائم، وقد أصبح لأخبار الجريمة مكان عظيم، وأهمية كبيرة في الصحافة الحديثة، باستثناء الصحافة الروسية السوفيتية.
خامسًا: الطرائف، وهي ضروب شَتَّى، وألوانٌ متباينةٌ، ومصدرٌ للخبر الخارجيّ لا ينضب له معين، ولا تجف له مياه، ولا يسكت له صوت.
فهذا ثور مات, وثمنه خمسون ألف دولار، وهذا طائر فرعونيٌّ عُثِرَ عليه في انجلترا، وتلك علبة للتدخين كان يملكها نابليون بونابرت، وهذه ساعةٌ ثمينةُ كان يملكها قيصر، وهكذا.
مصادر الأخبار الخارجية:
تستمد الصحيفة هذه الأخبار عادةً من المصادر الآتية:
المصدر الأول: وكالات الأنباء: ولعل هذا المصدر هو أهم المصادر على الإطلاق، وقد تبين من الإحصاءات أن أكثر من ٩٥% من الأخبار الخارجية تأتي عن هذا الطريق، وأن من تتاح له زيارة هذه الصحف يرى كيف تعمل أجهزة استقبال هذه الأخبار Tickers ليل نهار، وتمد الصحف بأنبائها أولًا بأول، ولا تتوقف عن العمل لحظةً واحدةً في اليوم، ولا تستريح فترةً معينةً في الأسبوع، ولا تتمتع بإجازة معلومة في السنة، ومع هذا وذاك, فإن الصحف لا تنشر من برقياتها -التي تتدفق عليها كالسيل- إلّا جزءًا يسيرًا للغاية.
وتزداد الحاجة إلى هذه الوكالات؛ لأن تكاليف المراسلين والمندوبين
стр. 166
الخصوصيين من قِبَلِ الصحيفة إلى مختلف أنحاء العالم, وتكاليف البرقيات التي يبعث بها أولئك المراسلون أو المندوبون إلى صحفهم، هي في الواقع، فوق طاقة الصحف في الوقت الحاضر، ومن يدري, لعلها تصبح ما يمكن تحمله في المستقبل.
وقد درجت الصحف اليومية في الجمهورية العربية على أن تستقي البرقيات الخارجية من الوكالات الآتية:
- وكالة رويتر الإنجليزية.
- وكالة أليونيتد برس الأمريكية.
- وكالة الأسوشيتدبرس الأمريكية أيضًا.
- وكالة أنا الإيطالية.
- الوكالة الفرنسية "وقد تعطلت الآن".
- وكالة تاس السوفيتية.
وعلى الرغم من أن هذه الوكالات تحاول أن تكون أمينةً دقيقةً في برقياتها, إلّا أن أنباءها لا تسلم من التحيز, والذي لا مراء فيه, أن ما دام الاستعمار قائمًا، وما دامت الدول الكبرى لا تنزع هذا المنزع إلى يومنا هذا، فإنه لا معدي لهذه الوكالات عن مثل هذا التحيز الذي يصدر عنها، ومن هنا تظهر أهمية الاقتراح الذي تقدمنا به في كتابنا: "مستقبل الصحافة في مصر"، وهو أن تكون هناك وكالة أنباء تابعة للأمة المتحدة؛ بحيث يتسنى لهذه الوكالة أن تنشر الأخبار الصحيحة التي لا تخدم دولة بعينها، ولا مذهبًا بعينه، وإذا انحرف عضو من من أعضاء هذه الوكالة عن الصواب, تَعَرَّضَ للعقاب من جانب هذه المنظمة العالمية وحدها، لا من جانب حكومة من الحكومات، وبذلك يتمتع أعضاء هذه الوكالة
стр. 167
بحصانةٍ دوليةٍ تمكنهم من القيام بعملهم على أحسن وجه مستطاع١.
والمهم أن هذه الوكالات السابقة ترسل برقياتها إلى الصحف إما باللغة الإنجليزية أو بالفرنسية، ومن هنا كان العمل الرئيسيّ لمحرري القسم الخارجيّ في الصحيفة, هو ترجمة هذه البرقيات إلى اللغة العربية, وإن من الحق أن يقال أيضًا: إن عمل محرري القسم الخارجيّ لا يقتصر في الواقع على الترجمة، وإنما يتعداه إلى شيء آخر سنشرحه فيما بعد.
أما وكالة "آنا" الإيطالية, فإنها تقوم بترجمة برقياتها إلى اللغة العربية، وذلك عن طريق الفرع التابع لها بمدينة القاهرة، وقد بدأت وكالة "رويتر" تخدو حذو الوكالة الإيطالية في ذلك، وترسل برقياتها المترجمة إلى العربية عن طريق وكالة أنباء الشرق الأوسط.
المصدر الثاني: المراسل الخارجيّ أو الأجنبيّ، وهو مصدر هام من مصادر الأخبار الخارجية في الواقع, وما من صحيفة كبرى تستطيع أن تستغني عن هذا المراسل, إلى جانب اعتمادها اعتمادًا ظاهرًا -كما قدمنا- على وكالات الأنباء، ولكل صحيفة مصرية مراسلوها؛ في كل من لندن، وباريس، ونيويورك، وروما، وأثينا، ودلهي، وأنقرة، وغيرها من العواصم الكبرى.
ومع ذلك, يمكن القول هنا بأن وكالات الأنباء حصرت عمل المراسل الأجنبيّ في أضيق نطاق، فلم يعد هذا المراسل مطالبًا أمام صحيفته بأن يرسل إليها كل أخبار البلد الذي يعمل فيه، وإلّا جاءت برقياته التي تكلف الصحيفة أثمانًا باهظةً, تكرارًا لما تأتي به وكالات الأنباء على اختلافها، ولذلك نجد أن أهم ما يعني به المراسل المصريّ، أو العربيّ في الخارج، إنما هو موافاة الصحيفة بالأخبار الخاصة بمصر والجمهورية العربية المتحدة، والعالم العربيّ، والشرق الأوسط عامة.
стр. 168
على أن هذا المراسل الأجنبيّ الذي تبعث به صحيفةٌ مصريةٌ إلى عاصمة من تلك العواصم الكبرى, إنما يكتب برقياته إلى الصحيفة باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وأحيانًا باللغة الإيطالية.
ويمكن القول باختصار: إن الصحيفة تعتمد على هذا المراسل الأجنبيّ غالبًا في تكوين شخصيتها الإخبارية التي تتميز بها عن شخصيات الصحف الأخرى, ما دامت جميع هذه الصحف تشترك في الاعتماد على وكالات الأنباء، ثم تنفرد كل واحدة منها بمراسيلين تبعث بهم من قبل إلى البلاد الخارجية.
المصدر الثالث: الإذاعات الأجنبية:
الحق أن نشرة الأخبار التي تذيعها الإذاعات الأجنبية على اختلافها, تعتبر مصدرًا هامًّا من مصادر الأخبار الخارجية، وقد توسعت الإذاعات في مثل هذه النشرات حتى أصبح تقديم الأخبار من أهم الأغراض التي تنشأ من أجلها محطات الإذاعة في العالم.
وفي وسع الصحف دائمًا أن تحصل بسهولة على طائفة من الأخبار "الجاهزة" بسرعةٍ عظيمةٍ عن طريق هذه النشرات التي نشير إليها, مع الالتفات التام إلى هذه الحقيقة، وهي أن النشرة الإخبارية الصادرة عن الإذاعة إنما تخضع خضوعًا تامًّا في أكثر الدول لإشراف الحكومة.
وهنا يجدر بنا أن ندعو كذلك إلى إنشاء محطة للإذاعة, تكون تابعةً تبعيةً مباشرةً للأمم المتحدة, أسوة بوكالة الأنباء التي اقترحنا تبعيتها كذلك لهذه المنظمة الدولية.
المصدر الرابع: الصحف الأجنبية
لا ينكر أحد أن الصحف العالمية الكبرى تعتبر مصدرًا هامًا من مصادر الأخبار، وخاصة إذا علمنا أن هذه الصحف الكبرى تعتمد على مجموعة ممتازة من مراسليها في الخارج، وفي مقدمة هذه الصحف في الواقع:
стр. 169
- جريدة التايمز اللندية.
- جريدة النيويورك تايمز.
- المانشستر جارديان.
- الديلي ميلي.
- الأيكو نومست.
- الديلي هرالد.
- سي سوار.
ومن ثَمَّ أوجبت الصحف العربية على نفسها الاشتراك في تلك الصحف الأجنبية, والاعتماد عليها أحيانًا في كتابة المهم من الأخبار الخارجية.
تلك هي أهم المصادر التي تستقي منها الصحافة العربية أنباءها عادةً، وأنت ترى أن هذه المصادر تبعت ببرقياتها باللغة الأوروبية لا العربية إلّا نادرًا، ومن ثَمَّ كانت الصحف العربية تعاني من الصعوبات المضنية في تحرير الأخبار الخارجية, ما لا تحتاج الصحف الأجنبية إلى معاناته، ولا شك أن هذا عبء من الأعباء الثقيلة التي تواجهها الصحافة العربية، ولا تواجهها الصحافات التي بإحدى اللغات الأوروبية.
وهذا يجرنا إلى النقطة الهامة والأخيرة من نقط هذا الفصل، وهي:
تحرير الخبر الخارجيّ:
عرفنا فيما سبق أن أهم ما يميز الخبر الخارجيّ:
أولًا: أنه يأتي من الخارج غالبًا.
ثانيًا: أنه يأتي مكتوبًا بلغة أجنبية غير اللغة التي تصدر بها الصحيفة العربية.
стр. 170
ثالثًا: أن موضوعات الخبر الخارجيّ بعيدةً عن القارئ العاديّ، بعيدةً كذلك عن محرر الخبر الخارجيّ نفسه، إلى أن يكتب عنها بقلمه.
رابعًا: أن الخبر الواحد تتعدد مصادره، وتختلف وجهات النظر فيه اختلافًا بينًا، فأزمة وزارة في فرنسا تعتبر خبرًا يحمله البرق, ويطير به من وكالة أنباء إلى وكالةٍ أخرى، وينقله المراسلون الأجانب من بلد لآخر، وتنشره الصحف الأجنبية، كلٌّ بطريقتها الخاصة، وبما يتفق وسياستها التي تسير عليها في إصدار هذه الصحف.
خامسًا: هكذا يجد محرر الخبر الخارجيّ نفسه أمام سيلٍ من البرقيات الخارجية، كلها تتحدث عن موضوع واحد، وكلها تحاول أن تفسر هذا الموضوع الواحد، ويكون على المحرر وقتئذٍ أن يفاضل بين هذه الطرق والتفسيرات والاتجاهات المختلفة، ويستخلص منها الخبر الذي يريد أن ينشره في الصفحة الخارجية نشرًا يتفق والصحيفة التي يعمل فيها.
الترجمة:
على محرر القسم الخارجيّ بعد ما تقدَّم, أن يقوم بدور الترجمة، ولعله منذ تعطيل وكالة الأنباء الفرنسية, أصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة الوحيدة التي ترد بها البرقيات من وكالات الأنباء, والمحرر الخارجيّ يرى نفسه ملزمًا بقراءة هذه المواد التي تمده بها وكالات الأنباء، وترجمتها، على النحو المتقدم، ومن هنا لم يزل القسم الخارجيّ في الصحف المصرية يسمى: "قسم الترجمة"، ومن هنا أيضًا جاءت أهمية هذه المادة بين مواد الدراسة في أقسام الصحافة بالجمهورية العربية إلى اليوم.
فالترجمة إذن, عنصر من عناصر تحرير الخبر الخارجيّ، وربما اقتصر عمل المحرر الخارجيّ أحيانًا على مجرد الترجمة، على أن النجاح في هذا الفن من فنون الصحافة العربية -وهو الترجمة- يقتضي في الواقع مهارة
стр. 171
وتفوقًا في اللغة المترجم منها، واللغة المترجم إليها في وقت معًا، والمحرر الضعيف في إحدى اللغتين لا يُنْتَظَرُ له نجاحٌ في هذا العمل.
وهذان المطلبان يستوي فيهما المترجم الصحفيّ والمترجم غير الصحفيّ، ولكن الترجمة الصحفية في الأقسام الخارجية تتطلب من المحرر أمورًا أخرى, أهمها ما يلي:
أولًا: أن يكون دقيقًا في ترجمته, أبعد ما تكون الدقة، وخاصةً حين يتعرض لترجمة التصريحات الهامة، والبيانات الرسمية، والمعاهدات أو الاتفاقات الدولية, فإن أقل خطأ أو تحريف في ترجمة هذه الموضوعات، قد تترتب عليه أمور جسام، وحوادث كبيرة، ونتائج على جانب من الخطورة في العلاقات بين الدول، فقد يؤدي الخطأ في الترجمة إلى سوء فهم بين دولتين من هذه الدول، ويؤدي سوء الفهم إلى قيام حرب, أو على الأقل يفضي بأحد الطرفين إلى سلوك معين، ويرد عليه الطرف الآخر بسلوك مماثل، وبذلك تسوء العلاقات، وتسوء العواقب.
وقد تتطلب البرقية من المحرر أن يقوم بترجمة النص الذي أمامه ترجمةً حرفيةً، وهذا الأسلوب من أساليب الترجمة لا غنى عنه في ترجمة المعاهدات والمواثيق الدولية، وقرارات الهيئات، والمؤتمرات، والتصريحات الرسمية التي تصدر عن المسئولين، وبخاصة في الأوقات التي تشتد فيها الأزمات السياسية.
ولكن ليس معنى ذلك أن تجور الدقة في الترجمة على سلامة الأسلوب العربيّ، وتفقده رونقه وصحته وروعته، فلا بد إذن من المحافظة على خصائص الأسلوب العربيّ: نحوًا وتركيبًا وصياغةً وترتيبًا، وإلّا أضحت الترجمة نفسها غير مفهومة ولا مستساغة.
ثانيًا: أن يكون المحرر عارفًا بالمصطلحات السياسية، أو التعبيرات الدبلوماسية، والعسكرية، والاقتصادية، والأدبية، والفنية، والعلمية, ونحوها, مما يرد في البرقيات على اختلافها، وعلى المحرر ألَّا يخلط بين هذه
стр. 172
المصطلحات بشكلٍ أو بآخر، فاللفظ الواحد قد يكون له قصد ما في موضوع من الموضوعات العسكرية، ويكون له قصدٌ ثانٍ في موضوع آخر، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلّا بالمرانة، وليس على المحرر ضرر ما في هذه الحالة في أن يستعين بالمعاجم الخاصة التي ربما أفادته في فهم المصطلح الذي يرد ذكره في برقية من البرقيات، وخاصةً إذا كانت البرقية، مما يعالج موضوعًا فنيًّا خالصًا، أو علميًّا خالصًا، أو نحو ذلك، ولا بأس على المحرر أيضًا من الاتصال في هذه الحالات بالمختصين في كل مادة من المواد, يستوضحهم بعض هذه المصطلحات، ويعرف منهم ما يقابلها في اللغة العربية، فلا بد أن هؤلاء المختصين قد اهتدوا قبله إلى مثل ذلك لحاجتهم الماسة إليه، وذلك بطبيعة الحال أسلم للمترجم في قسم الأخبار الخارجية من التخبط في ترجمةٍ ربما لا تكون دقيقةً ولا أمينةً، على حين أنه قد تكون لهذا المصطلح أو ذاك ترجمةً دقيقةً عند المتخصصين قد جرت بها ألسنتهم، وكتبوها واستخدموها في كتبهم ومؤلفاتهم.
ثالثًا: ينبغي للمحرر أن يتعرف قدر المستطاع على أساليب وكالات الأنباء، وأن يميز بين أسلوب وكالة منها, وبين بقية الوكالات الأخرى. وقد دلت التجربة على أن لكل واحدة من هذه الوكالات طريقتها الخاصة في عرض الأنباء، وأن لكل منها طريقتها الخاصة كذلك في الحكم على مدى الدقة التي تتوخاها كل وكالة منها في نقل الخبر، كما تعينه على كشف التحريف, أو التهويش الذي تعمد إليه الوكالة في بعض الأحيان لغرض من الأغراض.
ويتصل بهذه الناحية كذلك أن يجتهد المحرر في معرفة الأساليب التي يمتاز بها كبار المسئولين العالميين ممن ترد أسماؤهم بكثرة في ثنايا الأخبار، وبذلك يستطيع المحرر أن ينقل هذه التصريحات نقلًا صحيحًا إلى القارئ العربيّ.
стр. 173
والمعلوم أن لكبار الساسة لغةً ليست كاللغة المعتادة، وكثيرًا ما تصدر عنهم تصريحات لها ظاهر ولها باطن، وأحاديث وبيانات تحتمل عدة معانٍ في وقت واحد, إذن فمعرفة اللغة التي يتكلم بها هؤلاء الساسة تعين المحرر على فهم تصريحاتهم وبياناتهم وخطبهم وأحاديثهم، وتكشف عَمَّا وراءها من الحقائق والأغراض.
هذا كله من ناحية الترجمة، أمّا من ناحية التصفية أو الغربلة فنقول: ليس عمل المحرر الخارجيّ كله ترجمة، ونحن نعرف كذلك أن المحرر الخارجيّ قَلَّمَا يترجم البرقية بحذافيرها، اللهم إلّا إذا كانت هذه البرقية تشتمل على تصريح أو بيانٍ رسميٍّ، أو تحتوي على نصوص اتفاق أو معاهدة، أو نحو ذلك.
إذ أن الذي يحدث عادةً هو أن المحرر يجد أمامه كومةً من البرقيات عن حادث معينٍ، ويأتي رئيس القسم الخارجيِّ فيطلب إليه أن يخرج من هذه الكومة, أو تلك خبرًا معينا على عمود، بمعنى أنه لا يكاد يزيد عن عشرة أسطر، وأمام المحرر أكوام كثيرة من هذه النوع تنبيء عن أحداث أخرى أكثر أهمية من الحدث الأول، ورئيس القسم الخارجيّ يلح كذلك على المحرر في أن يستخلص من هذه الأكوام موضوعًا خبريًّا على عمودين أو ثلاثة أو أربعة على الأكثر، وإذا عمد المحرر إلى ترجمة جميع البرقيات التي أمامه ضاق وقته ووقت صحيفته عن ذلك، فماذا يصنع المحرر الخارجيّ في هذه الحالة؟
الواقع أن تحرير الأخبار الخارجية عملٌ شاقٌّ في طبيعته، ونحن إذا حللنا هذا العمل وجدناه يتألف من الخطوات التالية:
أولًا: تصفية البرقيات الواردة إلى الصحيفة، واختيار أكثرها أهميةً, والمفاضلة بين برقيات الوكالة المختلفة في الحادث الواحد، وهذه التصفية والاختيار والمفاضلة, إنما تقوم على أساسٍ من أهمية الموضوع من جهةٍ,
стр. 174
ومن تجربة المحرر نفسه مع هذه الوكالة, أو تلك من جهةٍ ثانيةٍ.
ثانيًا: تصفية البرقية الواحدة، فإنها غالبًا ما تتألف من أجزاء متفرقة، منها المهم، ومنها غير المهم، وفيها الحشو، وفيها غير ذلك.
وعمل المحرر الخارجيّ هنا هو استبعاد ما لا حاجة له به، والإبقاء على ما يحتاج إليه.
ثالثًا: عدم التقيد بترتيب عناصر الخبر، كما أوردته الوكالة تمامًا، فقد تبدأ الوكالة بناحية لا تعد مهمة في نظر الصحيفة، ولا في نظر القارئ العربيّ، وقد تعمد هذه الوكالة إلى وضح جزء من الخبر في نهاية البرقيقة يوحي بعدم أهميته, وعمل المحرر في هذه الحالة هو أن يقرأ برقيات الوكالة قراءة فاحصة، ويلم بكل العناصر والنواحي الهامة في الخبر على عجلٍ، ثم يتصرف في هذه العناصر بما يتفق وسياسة الصحيفة من جانب، واهتمام القراء من جانبٍ آخر.
رابعًا: على المحرر الخارجيّ دائمًا ألّا يعتمد على وكالةٍ واحدةٍ بعينها, حتى يطَّلِع على غيرها من الوكالات الآخرى في نفس الموضوع الذي يقدمه لقراء صحيفته.
خامسًا: بعد الفراغ من تجميع العناصر المختلفة، والموازنة كذلك بين الوكالات المختلفة, تبدأ صياغة الخبر الخارجيّ، أو تبدأ المهمة الحقيقية للمحرر؛ إذ أن جميع الخطوات السابقة ليست إلّا ممهدةً لهذه الخطوة الهامة.
على أن هذه الصياغة تختلف باختلاف حجم الخبر عادة، فإذا كان الخبر قصيرًا, وعلى عمود واحدٍ, فالمحرر يرى نفسه مضطرًا إلى الاكتفاء بنقطة واحدة، أو ناحية واحدة؛ لأن الخبر القصير لا يحتمل أكثر من ذلك. وهنا تظهر مقدرة المحرر الخارجيّ في اختيار أهم النقط التي يشتمل عليها الخبر، أو الزوايا التي يتألف منها. وكثيرًا ما يحدث أن المحررين يكتفون بأن يترجموا مقدمة البرقية, أو صدرها, لاشتمال هذه الصدر عادةً على خلاصة الخبر.
стр. 175
أما إذا كان الخبر الخارجيّ كبيرًا، كأن يكون موضوعًا من الموضوعات -كما هو مصطلح على تسميته بهذا الاسم في الأقسام الخارجية للصحف- فإن الصياغة تتطلب من المحرر في هذه الحالة أن يصيغ مقدمةً أو صدرًا للموضوع الإخباريّ، ولا بد أن يخضع هذا الصدر في صياغته لجميع الشروط التي يخضع لها الصدر عند كتابة الأخبار المحلية، وقد سبق أن ذكرنا طرفًا من ذلك في فصول أخرى، وبعد كتابة المقدمة, أو الصدر, تأتي الأجزاء الأخرى أو الصلب، فيكتبه المحرر في فقرات, أو جمل تقصر وتطول حسب الجزء الذي تعبر عنه هذه الجمل من أجزاء الخبر. ومن المحررين من يفضل الفصل بين هذه الفقرات بعنوان صغير، ومنهم من لا يفعل ذلك، وإذا كان الموضوع كبيرًا، أو كان يتألف من فقرات كثيرةٍ وجب أن يراعي المحرر التوازن بين أجزائه، بحيث لا يطغى جزء على آخر، ولا يتوسع المحرر في جزء على حساب آخر، ولكن يجب أن يراعي المحرر التناسب بين هذه الأجزاء قدر المستطاع.
وبعد الانتهاء من صياغة الموضوع الإخباريّ تأتي مهمة "وضع العنوان المناسب"، وفي بعض الصحف يتولى رئيس القسم الخارجيّ وضع العنوان، وفي بعضها الآخر يترك للمحرر الذي تولى تحرير هذا الخبر مهمة وضع العنوان، والاتجاه السائد بين الصحف الآن هو ترك هذا الأمر للمحرر، وإن كان من حق رئيس القسم دائمًا أن يحدث ما يشاء من التغيير في صيغة العنوان بعد ذلك.
وكتابة العنوان ليست بالعمل السهل، وبعض المحررين يظهرون نبوغًا في ذلك، وبعضهم يتعثرون كثيرًا، ويجدون عسرًا شديدًا في كتابة العنوان الناجح لموضوع الخبر، وإن كان للممارسة والتجربة دخل كبير في هذه الناحية, وثَمَّ ملاحظةٌ هامة، وهي أننا كثيرًا ما نرى أن عنوان الخبر الخارجيّ
стр. 176
في صحيفة من الصحف, يحمل في طياته رأي محرره في مضمونه عادة، بل يعد تعليقًا عليه، وتوجيهًا منه للقراء في فهم هذا المضمون على نحو خاص، من أجل ذلك وجب على المحرر الخارجي أن يجيء بعنوان معبر عن فحوى الخبر تعبيرًا دقيقًا بقدر المستطاع, من غير زيادة ولا نقصان، وأن يكون هذا العنوان متفقًا تمام الاتفاق مع سياسة الصحيفة التي تنشر هذه الأخبار.
تلك هي طريقة تحرير الخبر الخارجيّ في صحفنا المصرية أو العربية، وهي طريقة تتطلب من المحرر-إلى جانب القدرة على الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية- محافظةً تامةً على فحوى الخبر، وبراعةً فائقةً في جميع أجزائه، وسرعةً وصبرًا على فحص هذه الأجزاء، والموازنة بينها في جميع الوكالات التي تعرضت لها، وموازنة سريعةً وسليمةً بين هذه الأجزاء لتقديم الأهم منها على المهم دائمًا، وأمانةً تامةص في القيام بكل هذه المهام على أحسن وجه مستطاع.
стр. 177
طبيعة اللغة التي يكتب بها الخبر:
في اللغة التي يكتب بها الخبر، يقول بعض أساتذة الصحافة "وهو هنا الأستاذ ر. فليش R FLESH":
"ما دامت الصحافة تتجه بالخبر إلى الطبقات الديمقراطية في الشعب، وما دامت هذه الطبقات تتزايد في كل بلد من بلاد العالم يومًا بعد يوم، فلا مفر من مسايرة اللغة الصحفية مسايرة تامةً لهذه الطبقات"١.
ومعنى ذلك أننا نكتب ليفهمنا الناس, ومعنى ذلك أيضًا أن اللغة التي تكتب بها المادة الصحفية لا بد أن تتوافر فيها جملة أشياء منها:
أولًا: إيثار الجمل القصيرة على الطويلة، بحيث لا تزيد الجملة على قدر معين من الألفاظ.
وقد أجمع المشتغلون بالصحافة على وجوب تحذير محرر الأخبار من استخدام الكتابة الأدبية, أو الكتابة المنمقة في التحرير, واتفقوا جميعًا على العمل بهذه النصيحة التي تقول: استعمل الجمل القصيرة, واكتب بلغة سلسة ومفهومة.
استعمل الكلمة التي تصيب الهدف، بدلًا من استعمال الكلمات العامة التي قد تعني أشياء كثيرة, منها مضافة إلى الهدف، فالألفاظ في أيامنا هذه يجب أن نعتمد على الدقة في استعمالها.
ثانيًا: إيثار الفقرات القصيرة على الفقرات الطويلة، حتى تضمن الصحيفة انتباه القراء دائمًا، وتحتاج هذه المسألة إلى ما تحتاج إليه سابقتها
стр. 178
من التجارب الإحصائية, ولغة الأرقام في مثل هذه الأبحاث لا تحتمل الشك، ولا تضلل الصحف بحالٍ ما.
ثالثًا: الحرص على استعمال الألفاظ المألوفة للقراء، وتجنب الألفاظ غير المألوفة, وليس القصد من ذلك هو الحرص على سلامة اللغة, من أن تكثر بها الألفاظ الأجنبية عنها، فللصحف أن تقول: "ماركة رالي" في الدراجات, ولا تقول: "علامة رالي"، ولها أن تقول: "محطة الأوتوبيس" ولا يصح أن تقول: "محطة السيارات العامة" وتقول: "ضاحية مصر الجديدة" ولا يصح أن تقول: "ضاحية هليوبوليس", وتقول: "راديو وتليفون" ولا يصح أن تقول "مذياع ومسرة".
وحتى في مجال العلم الخالص, أو الفن الخالص, ينبغي للصحيفة عندما تنشر خبرًا من هذا النوع أن تقتصر ما أمكنها على استخدام المصطلحات المعروفة لأهل هذا الفن أو العلم؛ إذ من الجائز أن يطلع على هذا الخبر بعض الجمهور غير المثقف بهذه الثقافة، ولكنه يرغب في الاستفادة، وليس من شكٍّ في أن نشر الثقافة هدف من أجل أهداف الصحافة، فعليها أن تجعل الطريق سهلًا إلى هذا الهدف، كما أوضحنا ذلك في كتاب "فن المقال".
رابعًا: الحرص على استعمال الأفعال المجردة, وتفضيلها على الأفعال المزيدة, أو المبالغ في اشتقاقها على صورة من الصور، ولا بأس هنا من استخدام الألفاظ المنحوتة حديثًا؛ لتدل على معنى من المعاني الحديثة أيضًا، كما في قولهم: تأقلم وتمذهب، وتبلشف، وكما في قولهم: التعايش السلمي، واللامركزية، والروتين الحكومي، ونحو ذلك.
خامسًا: اصطناع الألفاظ والتراكيب التي يألفها القراء، أو التي تشعرهم بشيء من الإيناس, وهنا يحسن بالمحرر الصحفيّ أن يكثر من استعمال ضمائر الخطاب، وأن يتجنب ضمائر الغيبة بقدر المستطاع، وأن يشعر
стр. 179
القارئ باستمرار أنه يتحدث إليه كصديق، بل أخٍ شقيقٍ يلذ له أن يستمع إليه، ويصغي بكل جوارحه لكل كلمة من كلماته في الصحيفة، غير أن هذه النصيحة الخامسة, ألزم في كتابة المقال منها في كتابة الخبر, فتنبغي مراعاة ذلك.
سادسًا: استعمال الفعل المبنيّ للمعلوم، وتجنب استعمال الفعل المبني للمجهول, إلّا عند الضرورة القصوى، أو عندما يستخدم المحرر في كتابته بعض الألفاظ التي اشتهرت بالبناء للمجهول كلفظ "عني بأمره"، "وأسقط في يده" ونحو ذلك.
سابعًا: لا يجوز للخبر الصحفيّ أن يستعان فيه بالأشعار والحكم والأمثال وكلام الفحول من الكتاب والخطباء، فهذه الأشياء أدخل في باب الأدب الخالص, فضلًا عن أنها من أمارات الكتابة الأرستقراطية التي لا تفهمها إلّا طبقة خاصة من القراء، والجريدة إنما تخاطب الطبقات الدنيا أو الوسطى، أو التي سماها العلماء: بالطبقات الديمقراطية -كما قدمنا، ومعنى ذلك باختصار: أن المحرر ينبغي له دائمًا أن يضع نصب عينيه مستوى القارئ، فإذا كان قراء الصحيفة على جانب كبير من العلم, وجب عليه أن يكتب لهم بأسلوب يتناسب وهذا القدر من العلم، وإذا كانوا متوسطي الثقافة, وجب عليه أن يراعي هذا المستوى في تحريره مراعاة دقيقة, وفي هذه الأحوال جميعها لا تكون وظيفة المحرر الصحفيّ إثارة إعجاب القارئ بروعة الأسلوب وجمال التراكيب، وبلاغة الجمل, ونحو ذلك، فهذا كله لا يتلاءم وصياغة الأخبار، ولكنه يتفق مع المقال في حالات خاصة من حالاته، أو صورة معينة من صوره -كما ستعرف ذلك فيما بعد.
ثامنًا: في كتابة الخبر الصحفيّ المتصل بحادثٍ من الحوادث الداخلية، كحادث حريق أو حادث تصادم أو نحو ذلك من الأحداث التي تتعرض للتغيير بين لحظة وأخرى، ينبغي للمحرر الصحفيّ أن يخفف من عنايته بإيجاد الروابط الأسلوبية القوية بين أجزاء الخبر الواحد، من أمثال: "وفي أثناء ذلك" أو "ولما كانت الأمر كذلك" إلخ.
стр. 180
ومن حقك أيها الصحفيّ أن تعرف لماذا نسوق إليك هذه النصيحة الأخيرة:
فاعلم أن السبب في ذلك هو أن الخبر الصحفيّ لحادث من الحوادث الداخلية بنوعٍ خاصٍّ عرضةً -كما قلنا- للتغيير والتبديل بين لحظة وأخرى, فإذا كانت الروابط بين أجزاء الخبر من هذا القبيل صعب عليك إجراء هذا التغيير المطلوب، على حين أنه إذا كانت أجزاء الخبر الصحفيّ مستقلةً بعضها عن بعض، وغير مرتبط بعضها ببعض إلى هذا الحد، أمكنك أن تحذف جزءًا، وتضع مكانه آخر إذا اقتضى الحال ذلك، دون أن يؤثر هذا في الخبر الصحفيّ نفسه من حيث الصياغة، ودون أن يكون لذلك تأثير ما في سير الطبع، وترتيب مواد الصفحة الخاصة بمثل هذه الأخبار الداخلية.
الفرق بين القصة الإخبارية والقصة الأدبية:
مهما يكن من شيءٍ, فإن الفرق عظيم جدًّا بين القصة الأدبية والقصة الخبرية، وهو فرق يتضح من جانبين:
جانب العقدة أولًا، وجانب الأسلوب بعد ذلك.
فالمعروف أن القصة الأدبية لا بد لها من عقدة، وأن مهارة الأديب تظهر في إخفاء هذه العقدة أولًا، والسير بالقصة رويدًا رويدًا نحو حلها آخر الأمر, أما القصة الخبرية, فإن عقدتها تظهر أولًا، ولا يجوز للمحرر أن يؤجل ظهورها إلى ما بعد ذلك، فأهم حادث في القصة الإخبارية ينبغي أن يحتل مكان الصدارة، ثم تأتي الأحداث التي تقل عنه في الأهمية.
والقاعدة عند محرر الخبر في الصحيفة أن يسأل نفسه أولًا جميع الأسئلة التقليدية المعروفة في صياغة الخبر, وهي: "من ومتى وأين وكيف وماذا ولماذا"، ثم يختار لصدر الخبر أهم هذا الإجابات الست كلها، وليس عليه