في صحيفة من الصحف, يحمل في طياته رأي محرره في مضمونه عادة، بل يعد تعليقًا عليه، وتوجيهًا منه للقراء في فهم هذا المضمون على نحو خاص، من أجل ذلك وجب على المحرر الخارجي أن يجيء بعنوان معبر عن فحوى الخبر تعبيرًا دقيقًا بقدر المستطاع, من غير زيادة ولا نقصان، وأن يكون هذا العنوان متفقًا تمام الاتفاق مع سياسة الصحيفة التي تنشر هذه الأخبار.
تلك هي طريقة تحرير الخبر الخارجيّ في صحفنا المصرية أو العربية، وهي طريقة تتطلب من المحرر-إلى جانب القدرة على الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية- محافظةً تامةً على فحوى الخبر، وبراعةً فائقةً في جميع أجزائه، وسرعةً وصبرًا على فحص هذه الأجزاء، والموازنة بينها في جميع الوكالات التي تعرضت لها، وموازنة سريعةً وسليمةً بين هذه الأجزاء لتقديم الأهم منها على المهم دائمًا، وأمانةً تامةص في القيام بكل هذه المهام على أحسن وجه مستطاع.
стр. 177
طبيعة اللغة التي يكتب بها الخبر:
في اللغة التي يكتب بها الخبر، يقول بعض أساتذة الصحافة "وهو هنا الأستاذ ر. فليش R FLESH":
"ما دامت الصحافة تتجه بالخبر إلى الطبقات الديمقراطية في الشعب، وما دامت هذه الطبقات تتزايد في كل بلد من بلاد العالم يومًا بعد يوم، فلا مفر من مسايرة اللغة الصحفية مسايرة تامةً لهذه الطبقات"١.
ومعنى ذلك أننا نكتب ليفهمنا الناس, ومعنى ذلك أيضًا أن اللغة التي تكتب بها المادة الصحفية لا بد أن تتوافر فيها جملة أشياء منها:
أولًا: إيثار الجمل القصيرة على الطويلة، بحيث لا تزيد الجملة على قدر معين من الألفاظ.
وقد أجمع المشتغلون بالصحافة على وجوب تحذير محرر الأخبار من استخدام الكتابة الأدبية, أو الكتابة المنمقة في التحرير, واتفقوا جميعًا على العمل بهذه النصيحة التي تقول: استعمل الجمل القصيرة, واكتب بلغة سلسة ومفهومة.
استعمل الكلمة التي تصيب الهدف، بدلًا من استعمال الكلمات العامة التي قد تعني أشياء كثيرة, منها مضافة إلى الهدف، فالألفاظ في أيامنا هذه يجب أن نعتمد على الدقة في استعمالها.
ثانيًا: إيثار الفقرات القصيرة على الفقرات الطويلة، حتى تضمن الصحيفة انتباه القراء دائمًا، وتحتاج هذه المسألة إلى ما تحتاج إليه سابقتها
стр. 178
من التجارب الإحصائية, ولغة الأرقام في مثل هذه الأبحاث لا تحتمل الشك، ولا تضلل الصحف بحالٍ ما.
ثالثًا: الحرص على استعمال الألفاظ المألوفة للقراء، وتجنب الألفاظ غير المألوفة, وليس القصد من ذلك هو الحرص على سلامة اللغة, من أن تكثر بها الألفاظ الأجنبية عنها، فللصحف أن تقول: "ماركة رالي" في الدراجات, ولا تقول: "علامة رالي"، ولها أن تقول: "محطة الأوتوبيس" ولا يصح أن تقول: "محطة السيارات العامة" وتقول: "ضاحية مصر الجديدة" ولا يصح أن تقول: "ضاحية هليوبوليس", وتقول: "راديو وتليفون" ولا يصح أن تقول "مذياع ومسرة".
وحتى في مجال العلم الخالص, أو الفن الخالص, ينبغي للصحيفة عندما تنشر خبرًا من هذا النوع أن تقتصر ما أمكنها على استخدام المصطلحات المعروفة لأهل هذا الفن أو العلم؛ إذ من الجائز أن يطلع على هذا الخبر بعض الجمهور غير المثقف بهذه الثقافة، ولكنه يرغب في الاستفادة، وليس من شكٍّ في أن نشر الثقافة هدف من أجل أهداف الصحافة، فعليها أن تجعل الطريق سهلًا إلى هذا الهدف، كما أوضحنا ذلك في كتاب "فن المقال".
رابعًا: الحرص على استعمال الأفعال المجردة, وتفضيلها على الأفعال المزيدة, أو المبالغ في اشتقاقها على صورة من الصور، ولا بأس هنا من استخدام الألفاظ المنحوتة حديثًا؛ لتدل على معنى من المعاني الحديثة أيضًا، كما في قولهم: تأقلم وتمذهب، وتبلشف، وكما في قولهم: التعايش السلمي، واللامركزية، والروتين الحكومي، ونحو ذلك.
خامسًا: اصطناع الألفاظ والتراكيب التي يألفها القراء، أو التي تشعرهم بشيء من الإيناس, وهنا يحسن بالمحرر الصحفيّ أن يكثر من استعمال ضمائر الخطاب، وأن يتجنب ضمائر الغيبة بقدر المستطاع، وأن يشعر
стр. 179
القارئ باستمرار أنه يتحدث إليه كصديق، بل أخٍ شقيقٍ يلذ له أن يستمع إليه، ويصغي بكل جوارحه لكل كلمة من كلماته في الصحيفة، غير أن هذه النصيحة الخامسة, ألزم في كتابة المقال منها في كتابة الخبر, فتنبغي مراعاة ذلك.
سادسًا: استعمال الفعل المبنيّ للمعلوم، وتجنب استعمال الفعل المبني للمجهول, إلّا عند الضرورة القصوى، أو عندما يستخدم المحرر في كتابته بعض الألفاظ التي اشتهرت بالبناء للمجهول كلفظ "عني بأمره"، "وأسقط في يده" ونحو ذلك.
سابعًا: لا يجوز للخبر الصحفيّ أن يستعان فيه بالأشعار والحكم والأمثال وكلام الفحول من الكتاب والخطباء، فهذه الأشياء أدخل في باب الأدب الخالص, فضلًا عن أنها من أمارات الكتابة الأرستقراطية التي لا تفهمها إلّا طبقة خاصة من القراء، والجريدة إنما تخاطب الطبقات الدنيا أو الوسطى، أو التي سماها العلماء: بالطبقات الديمقراطية -كما قدمنا، ومعنى ذلك باختصار: أن المحرر ينبغي له دائمًا أن يضع نصب عينيه مستوى القارئ، فإذا كان قراء الصحيفة على جانب كبير من العلم, وجب عليه أن يكتب لهم بأسلوب يتناسب وهذا القدر من العلم، وإذا كانوا متوسطي الثقافة, وجب عليه أن يراعي هذا المستوى في تحريره مراعاة دقيقة, وفي هذه الأحوال جميعها لا تكون وظيفة المحرر الصحفيّ إثارة إعجاب القارئ بروعة الأسلوب وجمال التراكيب، وبلاغة الجمل, ونحو ذلك، فهذا كله لا يتلاءم وصياغة الأخبار، ولكنه يتفق مع المقال في حالات خاصة من حالاته، أو صورة معينة من صوره -كما ستعرف ذلك فيما بعد.
ثامنًا: في كتابة الخبر الصحفيّ المتصل بحادثٍ من الحوادث الداخلية، كحادث حريق أو حادث تصادم أو نحو ذلك من الأحداث التي تتعرض للتغيير بين لحظة وأخرى، ينبغي للمحرر الصحفيّ أن يخفف من عنايته بإيجاد الروابط الأسلوبية القوية بين أجزاء الخبر الواحد، من أمثال: "وفي أثناء ذلك" أو "ولما كانت الأمر كذلك" إلخ.
стр. 180
ومن حقك أيها الصحفيّ أن تعرف لماذا نسوق إليك هذه النصيحة الأخيرة:
فاعلم أن السبب في ذلك هو أن الخبر الصحفيّ لحادث من الحوادث الداخلية بنوعٍ خاصٍّ عرضةً -كما قلنا- للتغيير والتبديل بين لحظة وأخرى, فإذا كانت الروابط بين أجزاء الخبر من هذا القبيل صعب عليك إجراء هذا التغيير المطلوب، على حين أنه إذا كانت أجزاء الخبر الصحفيّ مستقلةً بعضها عن بعض، وغير مرتبط بعضها ببعض إلى هذا الحد، أمكنك أن تحذف جزءًا، وتضع مكانه آخر إذا اقتضى الحال ذلك، دون أن يؤثر هذا في الخبر الصحفيّ نفسه من حيث الصياغة، ودون أن يكون لذلك تأثير ما في سير الطبع، وترتيب مواد الصفحة الخاصة بمثل هذه الأخبار الداخلية.
الفرق بين القصة الإخبارية والقصة الأدبية:
مهما يكن من شيءٍ, فإن الفرق عظيم جدًّا بين القصة الأدبية والقصة الخبرية، وهو فرق يتضح من جانبين:
جانب العقدة أولًا، وجانب الأسلوب بعد ذلك.
فالمعروف أن القصة الأدبية لا بد لها من عقدة، وأن مهارة الأديب تظهر في إخفاء هذه العقدة أولًا، والسير بالقصة رويدًا رويدًا نحو حلها آخر الأمر, أما القصة الخبرية, فإن عقدتها تظهر أولًا، ولا يجوز للمحرر أن يؤجل ظهورها إلى ما بعد ذلك، فأهم حادث في القصة الإخبارية ينبغي أن يحتل مكان الصدارة، ثم تأتي الأحداث التي تقل عنه في الأهمية.
والقاعدة عند محرر الخبر في الصحيفة أن يسأل نفسه أولًا جميع الأسئلة التقليدية المعروفة في صياغة الخبر, وهي: "من ومتى وأين وكيف وماذا ولماذا"، ثم يختار لصدر الخبر أهم هذا الإجابات الست كلها، وليس عليه
стр. 181
في هذه الحالة أن يضمِّنَ الصدر جميع الإجابات الست دفعةً واحدةً متى رأي ضرورة لذلك.
أما من حيث الأسلوب: فطبيعي أن الأديب أوسع مجالًا من الصحفيّ في التعبير عن الحوادث التي تتألف منها القصة، وطبيعي كذلك أن الأديب أغنى في الأدوات والأساليب والوسائل التي يعبر بها عن حوادث القصة الأدبية، في حين أن الصحفيّ مقيد أبدًا باللغة التي يفهمها قراؤه، والطرق التي عودهم عليها في كتابة القصة الخبرية.
ولكن: هل معنى ذلك أن القصة الخبرية ليست ذات حظٍّ وافرٍ من الجمال، أو مقضيّ عليها بأن تكون كذلك على الدوام؟ كلّا، فإن الكاتب اللبق يستطيع أن يخلق منها شيئًا جميلًا حقًّا, ومثيرًا حقًّا، ولذلك لا يعهد في الصحف بتحرير القصة الإخبارية إلّا للمحررين الذين قضوا وقتًا كافيًا في التدريب عليها.
стр. 182
تحرير العنوان ١:
لم يكن للصحف العربية إلى وقتٍ قريبٍ كبير عنايةٍ بالعنوان من حيث العرض أو التحرير، وليست الصحف العربية وحدها هي التي أهملت العنوان، بل إن الصحف الأوروبية والصحف الأمريكية شاركتها أيضًا في هذه الظاهرة.
لكنك حين تتصفح نسخةً من صحيفة يومية تصدر في أيِّ بلدٍ من بلاد العالم المتحضر في أيامنا هذه, تجد الأمر على عكس ذلك، بل تجد أنواعًا شَتَّى من هذه العنوانات، وكل نوع منها يؤدي وظيفة خاصة، ويستطيع القارئ الحديث بنظرةٍ واحدةٍ سريعةٍ يلقيها على الصحيفة أن يلم بجميع الأنباء، وأن يعرف في الوقت نفسه أهم هذه الأنباء، فإن كان لديه مُتَّسَعٌ من الوقت, انتقل من العنوانات إلى صدور الأخبار ليزداد بقراءتها علمًا بالحوادث، وإن كان لديه وقت أكثر من هذا, فرغ لقراءة التفاصيل، ولا يحدث ذلك في الواقع إلّا نادرًا.
نخلص من كل هذا إلى أن الصحيفة الحديثة مضطرةً إلى أن تبذل أكبر جهد مستطاع في كتابة العنوان ما دامت ظروف القراء -وخاصة في المدن الكبيرة- لا تسمح لهم بأكثر من قراءة السطور القليلة التي يتألف منها العنوان, ثم السطور القليلة التي تتألف منها صدور الأنباء.
стр. 183
إن صنيع الصحف الحديثة في ذلك؛ كصنيع المحال التجارية في الوقت الحاضر, حين تعنى هذه المجلات "بالفترينات".
والحقيقة -كما يقول الأستاذ "وستلي" في كتابة: "تحرير الأخبار": إن العنوانات لا ينبغي أن ننظر إليها فقط على أنها النوافذ التي تطل منها على الصحف، بل يجب أن ننظر إليها كذلك على أنها من المصادر الرئيسة للإعلام، وخاصةً بالنسبة للقراء الذين تضطرهم ظروفهم دائمًا إلى القراءة العجلى على نحو ما أشرنا إليه فيما سبق.
ومع هذا وذاك, فهناك الحقيقة التي تقول: ثلاثة أشياء تجذب القارئ إلى قراءة المقال:
أولها العنوان, وثانيها طريقة العرض، وثالثها اسم الكاتب والمحرر الذي كتب المقال، ومعنى ذلك أن الطريق إلى شهرة الكاتب الناشئ, إنما هو في حسن اختيار العنوان, وفي حسن كتابة المقال بعد ذلك، فالشهرة آتية بعدهما لا محالة.
من الذي يقوم بصياغة العنوان؟ :
يقوم بصياغة العنوان في الغالب قسم بالصحيفة يقال له: "قسم المراجعة" ويتألف هذا القسم عادة من رؤساء الأقسام المختلفة, ومعهم نائب رئيس التحرير، وهذا الأخير يشترط فيه أن يكون ذا حس دقيق بالأخبار على اختلافها، وقدرة تامة على التمييز بين هذه الأخبار من حيث القيمة الخبرية ذاتها، وبذلك يستطيع في سهولة ويسرٍ أن يختار لصحيفته العنوانات الدائرية العريضة، أو ما يسمى في اللغة الأوروبية: "المانشتات"١ وقد اعتادت الصحف المصرية الحالية أن تبذل قصارى
стр. 184
جهدها في العناية بهذه العنوانات الدائرية، وهي عنايةٌ لم تشهد لها مثيلًا في الصحافة الماضية, التي كانت تصدر في البلاد العربية، كما أنها لا تشهد لها مثيلًا في الصحف الأوروبية.
ومهما يكن من شيء, فعلى نائب رئيس التحرير ومعاونيه أن يسألوا أنفسهم دائمًا:
لماذا نكتب العنوان؟ وهل للعنوان وظيفة في الحقيقة؟ وهل تكتب الصحيفة العنوان لمجرد العادة, والجري وراء التقاليد؟ أم أنها تعنى بكتابة العنوان؛ لأنه يخدم غرضًا بالذات من أغراض الصحيفة؟
إن عليهم أن يناقشوا كل هذه الأسئلة، أو يجعلوها على الأقل في أذهانهم دائمًا عند كتابة العنوانات التي تحتاج إليها الصحيفة، ثم عليهم بعد هذا كله، أو مع هذا كله، أن يجيبوا عن هذه الأسئلة من وجهة نظر الصحيفة أولًا، ومن وجهة نظر القراء بعد ذلك.
ومع هذا وذاك, فهناك حقيقة لا ينبغي أن نغفل عنها أو نتجاهلها، وهي أن نائب رئيس التحرير -سواء رضي هو أو رضي رؤساؤه، أم لم يرض هو, ولم يرض رؤساؤه- هو المسئول الحقيقيّ عن الخبر.
ومعنى ذلك أنه مضطر أن يعكس شخصيته إلى حدٍّ ما على صياغة الخبر بعنوانه وصدره وبقية أجزائه، ذلك أن الأخبار لا تحدث في الفراغ, ولا يمكن أن تصاغ بشكل آليّ.
وهذا وذاك, لا يطعن في قدسية الخبر التي سبق أن أشرنا إليها, وألزمنا جميع الصحف بالمحافظة عليها، وذلك أن انعكاس شخصية المحرر على
стр. 185
صياغة الخبر ليس مطلقًا العبث بجزئية واحدة من جزئيات الخبر، ولكن معناه صياغة الخبر بالطريقة التي تَنُمُّ عن شخصية محررة, أو شخصية الصحيفة التي تنشر, وعلى نائب رئيس التحرير ومعاونيه أن يبرزوا جدية الخبر، معتمدين في ذلك على إجادة التحرير من جانبٍ، وعلى طريقة العرض أو نوع الحروف التي تستخدم في عرض العنوان من جانبٍ آخر، فلعلهم يشيرون بكتابة العنوان بالخط الثلث، ولعلهم يشيرون بكتابته بالخط النسخ، ولعلهم كذلك يشيرون بكتابته بالخط الرقعة, وهم لسبب أو لآخر يتحكمون في أحجام الحروف واختيارها, من أي نوع من هذه الأنواع الثلاثة، وهكذا.
وهنا ينبغي أن نلفت أنظار الطلبة الذين يدرسون الصحافة بالجامعة إلى الفرق بين الصحف العربية والصحف الأجنبية من هذه الناحية.
فالصحف العربية تعتمد على الخطوط، كما أوضحنا ذلك، والصحف الأجنبية لا تعتمد على الخطوط, وإنما تعتمد على الحروف، ولهذا تملك المطابع والصحف الأجنبية مجموعة كبيرة من طرز الحروف "جمع طراز". كالطراز القوطي، والطراز الروماني، والطراز الحديث، ونحو ذلك، ولكل واحد من هذه الطرز علامة خاصة، أو رقم معين يعرف به في المطبعة، وما على المحرر إلّا أن يشير إلى علامة هذا الطراز أو ذاك؛ ليعرف عامل المطبعة نوع الطراز الذي اختاره المحرر ليحقق به غرضًا معينًا في ذهنه.
ونعود إلى عمل نائب رئيس التحرير ومعاونيه، فنراهم يجتهدون في تحرير العنوان؛ بحيث يجذب نظر القارئ بسرعة كبيرة، ونراهم يحاولون أن يكون العنوان متفقًا كل الاتفاق مع شخصية الصحيفة؛ إذ المعروف لدى الجميع أن لكل صحيفةٍ من الصحف أسلوبها الخاصِّ في عرض الخبر، ونائب رئيس التحرير هو المسئول الأول عن مطابقة العنوان لشخصية الصحيفة التي ينتمي إليها، ففي ذلك ما يعين على شهرتها من جانب، وعلى
стр. 186
انتشار التوزيع عن طريق البيع في "الأكشاك" والأماكن العامة من جانب آخر.
ومعنى ذلك باختصار: أن فن كتابة العنوان من الفنون الدقيقة التي تتطلب مهارةً خاصةً وذوقًا خاصًّا، ولا يستطيع أي شخص في أسرة التحرير أن يَدَّعِي لنفسه الكمال في الوصول إلى هذه الغاية، ما دام متفقًا مَعَنَا في أن العنوان يجب أن يحتل المكانة الأولى من وظائف الإعلام، ويجب أن يعتمد عليه أولًا في القيام بهذه الوظائف.
وقبل أن ندع الكلام عن نائب رئيس التحرير ومعاونيه، وعن الواجب عليهم نحو كتابه العنوان المعبر عن شخصية الصحيفة, يجب أن ننبه الأذهان هنا إلى شيءٍ هامٍّ، وهو أن يكون العنوان مفهومًا فهمًا تامًّا للقراء، فلا يصح للمحرر بحالٍ من الأحوال أن يلجأ إلى ألفاظ تكون غامضة لدى القراء، واختصارات ومصطلحات يعجزون عن فهمها، وإن كان من الحق أن يقال عن ظاهرة استخدام الاختصارات وأوائل حروف الكلمات: إنها أوضح في الصحف الأجنبية منها في الصحف العربية، فالصحيفة الأجنبية -على سبيل المثال- تستخدم الحرفين.A. P لتدل بهما على وكالة الأنباء المعروفة باسم: "الأسوشييتدبرس" كما تستخدم الحروف. U. S. A للدلالة على الدولة التي تحمل اسم الولايات المتحدة الأمريكية, وهكذا.
أما نحن في الصحف العربية فلا نلجأ إلى شيء من ذلك، لِأَنَّ ذلك ليس من طبيعة اللغة العربية التي تكتب بها هذه الصحف.
ما هو العنوان؟ وما أهم أشكاله في الصحف؟
يمكن تعريف العنوان في الصحيفة بأنه السطر, أو مجموعة الأسطر التي جمعت بحروف كبيرة لتسبق موضوعًا أو قصةً خبريةً، وتلخص هذا
стр. 187
الموضوع أو القصة الخبرية, غير أنه من الخطأ أن نعتقد أن كلمة: "عنوان" تنصب فقط على العنوانات الدائرية "المانشتات" وغيرها من عنوانات الصفحة الأولى وحدها، كما أنه من الخطأ أيضًا أن ننظر إلى كلمة: "عنوان" على أنها تعني: الجزء العلوي وحده من عنوانات الصحف دون سائر الأجزاء الأخرى, من الخطأ أن نعتقد ذلك؛ إذ أن العنوان في الواقع يشمل كل الوحدات التي تسبق صدور الأخبار والموضوعات التي تنشر عنها الصحيفة, وهذا كله من حيث تعريف العنوان.
أما أشكال العنوان, أو أنواعه, فأمرها بسيط في الصحف العربية، على حين أن هذه الأشكال والأنواع تتعدد في الصحف الأجنبية:
فهناك في تلك الصحف الأجنبية العنوان المكتوب على شكل هرم مقلوب، وفيها العنوان المكتوب على شكل سلم متدرج، وهناك العنوان المكتوب على شكل أسطر متساوية في بداياتها، متساوية في نهاياتها.
ولكل شكلٍّ من هذه الأشكال، أو نموذجٍ من هذه النماذج, عددٌ خاصٌّ من الكلمات، وحجمٌ خاصٌّ للحروف التي تجمع منها الكلمات، ورقم خاص يدل عليه، ويهدي المطابع إليه، وما على كاتب العنوان في الصحيفة الأجنبية إلّا أن يشير إلى رقم النموذج الذي يختاره لكتابة العنوان، ومن السهل بعد ذلك على عامل الجمع في المطبعة أن يقوم بتنفيذ ذلك على الوجه الذي أراده المحرر.
والأمر على خلاف ذلك في الصحف العربية، فليس لها مثل هذا النظام إلى الآن، وربما يكون لها مثله في المستقبل القريب، وليس أمام الصحف العربية في الحالة الراهنة، إلّا أن تقيد نفسها بحدود الأعمدة التي تنشر عليها هذا العنوان أو ذاك، فيبعث المحرر إلى الخطاط في الصحيفة بتعليماتٍ خاصة يشير فيها إلى عدد الأعمدة التي يمتد عليها العنوان، وإلى السعة
стр. 188
أو العمق الذي يشير به، وما على الخطاط إلّا أن يقوم بتنفيذ ذلك, وإذا كان ولا بُدَّ من أن يتألف العنوان من أسطر يكمل بعضها بعضًا؛ فينبغي أن تراعى في ذلك بعض القواعد الهامة ومنها:
أولًا: أن يشتمل السطر الأول على كلمات قليلة توضح المعنى العام للمقال.
ثانيًا: أن يشتمل السطر الثاني على ألفاظ تزيد رغبة القارئ في القراءة, وتفتح شهيته لها.
ثالثًا: أن يشتمل السطر الثالث -إن وجد- على معلومات تساعد في الربط بين العنوان ومقدم المقال.
رابعًا: أن تكون ألفاظ العنوان بأسطره الثلاثة, أو الأربعة, مطابقةً لمضمون المقال، وبدون ذلك يشعر القارئ بنوع من الغرابة، ويرى أن الفجوة واسعة بين العنوان والمقال، وقد يجعله ذلك زاهدًا في قراءته -كما سنشير إلى ذلك بعد.
خصائص كتابة العنوان:
للصحف أن تختلف في الطريقة التي يكتب بها العنوان، وللصحف أن تعبر كل منها عن شخصيتها المميزة لها في كتابة العنوان، ولكن ثَمَّ أصولٌ عامةٌ لا مَفَرَّ لجميع الصحف من اتباعها في كتابة عنواناتها؛ بحيث تتوافر لها خصائص منها:
أولًا: تركيز عبارات العنوان؛ بحيث يجب تجريده من جميع الألفاظ التي يمكن الاستغناء عنها.
ثانيًا: تفضيل الفعل المضارع في صياغة العنوان، والحكمة في ذلك هي أن يشعر القارئ بأنه يعيش في جو الموضوع, أو الحادث الذي تنشر
стр. 189
عنه الصحيفة، وإن كانت هذه الطريقة مألوفة في الصحف الأجنبية أكثر منها في الصحف العربية، على أن هذه الطريقة معروفةٌ لدى البلغاء ورجال الأدب وكتاب القصة بنوع خاص.
ثالثًا: أن تكون ألفاظ العنوان ملائمةً بقدر المستطاع لطريقة عرضه، وللطراز أو النموذج الذي جمع به، أو الخط الذي اختاره المحرر لكتابته.
فالعنوان الكبير الحجم، أي: المكتوب بالخط العريض، تلائمه الألفاظ المختصرة، أو القليلة العدد، والعنوان الأصغر، أو العنوان غير الرئيسي، وهو المجموع في حروف متوسطة الحجم، يمكن أن يحتاج الألفاظ أكثر، وهكذا.
والغاية من هذه التوصيات هي تركيز عبارات العنوان, وتوفير الحيز الذي يمكن استغلاله في إضافة حقائق هامة من حقائق الخبر.
وأنت ترى من ذلك أنه لكي يحقق المحرر كل هذه الأغراض, لا بُدَّ له من أمور كثيرة:
أولًا: استيعاب دقيق لِكُنْهِ الخبر, أو الموضوع الذي يكتب له العنوان؛ فيحاول المحرر أن يعرف جيدًّا أيّ أجزاء الخبر أو الموضوع أولى بالتقديم، وأيُّها أشد لفتًا لأنظار الجمهور، وأيُّها كذلك أهم من سواه في نظر الصحيفة.
ثانيًا: حصيلة لغوية كبيرة تعين المحرر على حسن اختيار الألفاظ؛ بحيث تقوى على تأدية الوظائف التي للعنوان، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.
ثالثًا: حاسة دقيقة, وقدرة ظاهرة على بناء الجملة, أو الجمل التي يشتمل عليها العنوان، بحيث لا تحتمل غموضًا أو إبهامًا، ولا تتسع لتأويلات مختلفة، ولعل خير ما يعين المحرر على بناء هذه الجمل، وعلى نجاحها في تأدية الغرض المطلوب منها, المفاضلة بين الأسئلة التقليدية الستة عند
стр. 190
الإجابة عنها، والأسئلة هي: "من، متى، أين، ماذا، كيف، لماذا؟ ".
ويستطيع المحرر عن طريق هذه المفاضلة أن يخلص إلى الإجابة التي تهم القراء والصحيفة أكثر من الإجابات الأخرى، فيقدمها على سواها، ويجعلها مادة العنوان.
نعم، إن كل جزء من العنوان يعتبر وحدةً لغويةً، أو جملةً مفيدةً قائمةً بذاتها، ولكن لا ينبغي أن يتعارض ذلك مع مبدأ تجريد العبارة أو الجملة أو الوحدات اللغوية التي يتألف منها العنوان من جميع الألفاظ التي يمكن الاستغناء عنها.
وغنيٌّ عن البيان بعد هذا وذاك, أنه يجب على المحرر أن يتجنب تكرار الألفاظ التي ترد في العنوان الواحد، كما أن عليه أن يختار الألفاظ والمصطلحات الصحيحة الدلالة بقدر الإمكان، وأن يبذل جهدًا واضحًا في اختيار الفعل المضارع الذي لا يصح أن يحل محله فعلٌ آخر بحالٍ ما.
كتابة العنوانات الفرعية:
تعمد الصحف كثيرًا إلى تقسيم الموضوع, أو القصة الخبرية إلى أجزاء، وتجعل لكل جزء منها عنوانًا فرعيًّا، وتنظر إلى هذه العنوانات الفرعية على أنها فواصل بين أجزاء الموضوع الواحد, أُرِيدَ بها التغلب على ملل القارئ، كما تنظر الصحف إليها كذلك على أنها معالم في طريق القراءة تجذب إليها نظر القارئ، وتهديه في أثناء القراءة، وتلقي في روعه أن الموضوع الذي يقرؤه لم يطل عرضه بالصحيفة إلّا لفائدة جديرة بالحصول عليها، وقد تستخدم الصحف بدلًا من العنوانات الفرعية فواصل طباعية كالنجوم، أو الرسوم الصغيرة، أو الفراغات البيضاء, ونحو ذلك.
وعلى هذا, فالعنوانات الفرعية في الصحيفة تعتبر في نظر الكثيرين فواصل أكثر منها عنوانات بالمعنى المفهوم لهذه الكلمة، ومع هذا فإن
стр. 191
كثيرًا من الصحف تبذل في تحرير هذه العنوانات الفرعية, مثل العناية التي تبذلها في العنوانات الكبرى, أو الأصلية، والمتبع في أكثر الصحف هو أن يتضمن العنوان الفرعيّ إحدى الحقائق الهامة التي تشتمل عليها الفقرة التالية لهذا العنوان الفرعيّ.
ومهما يكن من شيءٍ فلا ينصح الخبراء كثيرًا بالإسراف في استخدام العنوانات الفرعية, حتى لا تتجاوز الغرض المقصود منها.
على أننا نلفت النظر هنا كذلك إلى العنوانات الخاصة ببقايا الموضوعات, أو القصص الخبرية التي سبق نشرها في صفحات متقدمة, فقد يحدث أن ينشر موضوع كبير في الصفحة الأولى، وتنشر بقيته في صفحات أخرى، وهنا تشير الصحيفة إلى مكان هذه البقية، وعند كتابة البقية, إما: أن يكرر المحرر نفس العنوان الأساسيّ للموضوع أو للقصة، وإما أن يكتفي بالجزء الأول منه، مثال ذلك: إذا كان العنوان الأساسيّ "زيارة الدكتورة نيكروما للرئيس جمال عبد الناصر" فللمحرر -عند كتابة البقية- أن ينشر العنوان كاملًا، وله أن يكتفي بقوله: "زيارة الدكتور نيكروما".
لك أيها القارئ أن تطبق هذه الأصول على تحرير العنوان في الصحافة التي تقرؤها، وفي وسعك أن تنقد الطرق المختلفة في تحرير العنوان بهذه الصحف، وأن تتعرف على شخصية الصحيفة من خلال عنوانها على النحو الذي أشرنا إليه.
стр. 192
التعليق على الخبر:
ليس هناك شكٌّ في أن الأخبار في ذاتها لا تؤثر في حياة الناس, ما لم تكن لها صلاتٌ وثيقةٌ بمصالحهم الخاصة والعامة، ولذا يحتاج القراء إلى فهم هذه الأخبار وإدراكها إدراكًا صحيحًا على ضوء هذه المصالح، وهذا ما يسمى عند علماء الصحافة: "الوعي الصحافيّ"، وعلى الصحافة واجبٌ عظيمٌ هو الوصول بقرائها إلى هذا الوعي، ولا يكون ذلك إلّا عن طريق الشرح لمدلول الأخبار، وتكييفها بحيث تمس وجدان الناس، وتخاطب شعورهم ومصالحهم في وقت معًا، ولا يكون ذلك في أكثر الأحيان إلّا عن طريق "التعليق الصحفيّ".
والتعليق الصحفيّ على هذا النحو يجعل للأحداث التي تنشرها الجريدة معنًى ومغزًى، ويكسبها رائحة وطعمًا، وهو فوق هذا وذاك, يتحكم في نظرة القراء إلى هذه الأحداث؛ فمرةً يحكم التعليق الصحفيّ على بعض الأخبار بأنه تافه، وأخرى يحكم على بعضها بأنه خطير، وتارةً يصفها بأنها حوادث عابرة، وأخرى يصفها بأنها مقدمات لأزمةٍ حادةٍ تؤدي لنتيجة ما، وهكذا.
ومن هنا كان سلطان الصحافة عظيمًا على نفوس الجماهير، ومن هنا كانت الصحافة مسئولة إلى حد كبير عن الثورات، والانقلابات، والتغييرات التي تخضع لها الشعوب، وفي هذه المسئولية الأخيرة، يشترك الأدب مع الصحافة، فليس يكفي أن يقع الظلم على الشعوب حتى تثور، وإنما يشترط للثورة التي يقوم بها الشعب أن يحس هذا الشعب إحساسًا قويًّا بظلم الظالمين، ولن يكون هذا الإحساس الخطير إلّا عن طريق الأدب من
стр. 193
جانبٍ، والصحافة من جانب آخر، والأمثلة على هذا موفورة في التاريخ، فالثورة الفرنسية، والثورة المصرية، والثورة الإيطالية، والثورة الروسية, كلها مدينة لأقلام الكتاب في ميدان الأدب, والمحررين في ميدان الصحافة, ولولا هم لظل الناس يحتملون آلامهم، ويصبرون على بؤسهم وشقائهم، ولا يشعرون بهما يومًا ما.
وفي ذلك يقول علماء النفس:
"إن الحكم على الشيء جزء من تصوره، فلا تستطيع أن تحكم على شيء ما بأنه نافع أو ضار إلّا إذا تَمَّ تصورك له، وإدراكك لمعناه".
ثم إن القراء ليس لديهم الوقت الكافي دائمًا لإدارك الأخبار، وبعضهم عاجزٌ تمامًا عن مثل هذا الإدراك، ومن ثَمَّ كان على كتَّاب الصحف أن يقوموا لقرائهم بهذه المهمة العقلية والنفسية، وبها يستطيع القراء أن يضموا إلى معرفتهم "الخبر" معرفتهم كذلك بـ "ما وراء الخبر".
على أن التعليق الصحفيّ في ذاته, له أنواع كثيرة، والمعلقون الصحفيون فئات كثيرة أيضًا؛ فهناك المعلقون السياسيون، والمعلقون الاجتماعيون، والمعلقون في مجال العلم، والمعلقون في مجال الأدب، ولن يستطيع المعلق الصحفيّ أن يتذوق خبرًا من الأخبار كائنًا ما كان, ما لم يكن له رصيد كافٍ من العلم الذي يعنيه على إدراك هذا الخبر إدراكًا صحيحًا.
والصحفيُّ الذي حُرِمَ قدرًا من المعرفة يكفي لفهم نوعٍ من الأخبار المتقدمة, لا يستطيع بحالٍ ما أن يتصدى للتعليق على هذا النوع بالذات، وإن تَصَدَّى لذلك على غير علم منه أضل القراء، وجنى على صحيفته جناية تقضي بها إلى السقوط والاختفاء.
وثَمَّ سببٌ آخر من أسباب أهمية التعليق على الخبر، ولعله من أخطرها في الحقيقة، وهو سبب يتصل بوكالات الأنباء، وتفسير
стр. 194
ذلك أن بعض هذه الوكالات تهدف في كثير من الأحيان إلى خدمة المصالح الاستعمارية، ويدأب على نشر الأخبار بطريقةٍ ملتويةٍ تساعد على تحقيق هذه الغاية السياسة، وبذلك تلحق الضرر بمصالح البلاد الشرقية أو العربية، وفي هذه الحالة يصح للصحيفة أن تعلق على الأخبار الصادرة عن هذه الوكالات تعليقًا تميز به الجانب الصحيح من الجانب المغرض.
ولعله من أجل هذا السبب الخطير, فكرت الحكومة المصرية في إنشاء وكالة أنباء جديدة، وكانت شركة أنباء الشرق الأوسط أثرًا من آثار هذا التفكير، بل إن الجمهورية العربية المتحدة في هذا الوقت تمكنت من إنشاء وكالة أنباء عربية عالمية, سيكون مقرها جريدة الأهرام الحالية.
وهنا واجب آخر على الصحافة -من حيث التعليق- ونعني به واجبها نحو المجتمع في مجال الجريمة.
نعم، على الصحف في كل وقتٍ أن تعنى عنايةً تامَّةً بالتعليق على أخبار الجريمة، وعليها أن تهدف من وراء هذا التعليق دائمًا إلى بيان الدوافع الحقيقية لارتكاب الجريمة، وطرق الوقاية منها، ودفع أولي الرأي في الأمة لكي يعاونوها معاونةً صادقةً على أداء هذه المهمة الوقائية البحتة.
هذا هو التعليق الصحفيّ، وتلك هي أهميته للصحيفة وللقراء، وهو بهذا الوصف يعتبر نوعًا من أنواع المقال، ولا يصح -في نظرنا- أن يعتبر جزءًا من أجزاء الخبر بحالٍ من الأحوال، وسنرى أن التعليق على الأخبار كثيرًا ما يكون موضوع المقال الافتتاحيّ ذاته في الصحيفة.
أما الذي يعتبر جزءًا من أجزاء الخبر نفسه, فهو الجانب التفسيريّ الذي يتخلل الصلب عادةً، ويكون من جملة التفاصيل التي يتألف منها هذا القسم الهام من أقسام الخبر.
مثال ذلك: أن صحيفةً من الصحف قد تنشر خبرًا عن رئيس وزراء
стр. 195
في السويد أو النرويج، أو الصين الشعبية، أو الصين الوطنية، وتفترض الصحيفة؛ إذ ذاك أن القارئ العاديّ لا يعرف شيئًا ما عن هذا الرجل أو ذاك، وأنه لا يستطيع لذلك أن يفيد فائدةً من الخبر مالم تعمد الصحيفة في جزءٍ من أجزاء هذا الخبر -وهو الصلب عادةً- إلى ذكر شيءٍ عن هذا الرئيس، وكثيرًا ما يبدأ هذا الجزء التفسيريّ بقولها: "ومن المعروف عن هذا الرجل أن ميوله السياسية كذا وكذا" أو "والقراء يعلمون عن اتجاهاته السياسية كذا وكذا"، وبهذه الطريقة تضمن الصحيفة أن الخبر سيقرأ أولًا، وسينتفع به في هداية القارئ بعد ذلك.
وقد اصطلح العلماء على تسمية هذا اللون الصحفيّ باسم: "تفسير الأخبار"، وذلك في مقابل اللون المعروف في الصحافة باسم: "التعليق على الأخبار"، كما اصطلحوا على تسمية هذا الهدف في ذاته: "الوظيفة التفسيرية في الصحافة"، وهي شيء مخالف لوظيفة المقال، أو التعليق، أو العمود، ونحو ذلك، ولكنه يتصل اتصالًا تامًّا بالخبر، ويعتبر جزءًا هامًّا من أجزائه، أو تفصيلًا مهمًّا من تفصيلاته، بحيث إذا خلت منه بعض الأخبار أصبحت ناقصة من الناحية الفنية الخالصة.
وهذه الوظيفة التفسيرية للصحافة هي التي دعت العلماء إلى مراجعة أنفسهم في البحث عن وظائف الصحافة، فقد اتفقوا قبل الآن على أنه للصحافة وظائف أربعًا هي:
١- وظيفة الإعلام.
٢- وظيفة التوجيه والإرشاد.
٣- وظيفة التسلية والإمتاع.
٤- وظيفة التسويق أو الإعلان.
أما الآن، فقد اتفقوا على أن للصحافة الحديثة خمس وظائف، هي:
стр. 196
تلك التي ذكرناها مضافةً إليها وظيفة "تفسير الأخبار" التي فرغنا من شرحها بطريقة موجزة.
والخلاصة: أن الفرق كبير بين الخبر، وتفسير الخبر، والرأي المبنيّ على الخبر.
فالخبر هو الوقائع التي حدثت بالفعل، وتفسير الخبر جزءٌ هامٌّ من أجزاء الخبر, يراد به شرح نقطة المفاهيم، أو بعض المسميات الواردة في صلب هذا الخبر.
وأما الرأي المبنيّ على الخبر، فهو المراد بكلمة: "التعليق الصحفيّ".
يقول المستر "ماركل" رئيس المعهد الدولي للصحافة, ومعهد الصحافة الأمريكيّ, في شرح الفروق المتقدمة١: "إن ذُكِرَ أن الكرملين يشن حملة من أجل السلام يعتبر خبرًا, وإن شرح أسباب شن الكرملين لهذه الحملة في هذا الوقت بالذات، هو التفسير, والقول بأن كل حملة لسلام تصدر عن الكرملين يجب أن ترفض، هو الرأي, أما الشرح: فهو جزء هام من أجزاء الخبر، أما الرأي فلا مكان له غير أعمدة التعليقات".
وليس من شكٍّ في أنه كما يحتاج التعليق الصحفيّ إلى ثقافة واسعة ومنوعة من جانب المحرر، كذلك يحتاج التفسير الخبريّ إلى هذا القدر من الثقافة، وذلك من حيث السعة والتنوع، حتى يتمكن المخبر الصحفيّ من القيام بهذه الوظيفة الجديدة من وظائف الصحافة خير قيام.
على أن هذا الأمر الهام -وهو تفسير الأخبار- كثيرًا ما يقتضي
стр. 197
من المحرر الصحفيّ أن يكون له "أرشيف خاص" عدا الأرشيف العام الذي للصحيفة، وفي هذا الأرشيف الخاص يستطيع المحرر الصحفيّ أن يجمع المعلومات الجديدة أولًا بأولٍ عن الشخصيات الجديدة عليه وعلى القراء، وهو يعلم علم اليقين أنه محتاج إليها يومًا ما, عند تفسير خبر من الأخبار التي تتصل بإحدى هذه الشخصيات.
ومن هنا تبدو أهمية هذه الإدارة من أدوات المحرر الصحفيّ، التي هي ألزم له من "كراسة التحضير للمدرس"، ونعنى بها المجمعات الإخبارية الخاصة والعامة، أو ما اصطلح الصحفيون أنفسهم على تسميته باسم: "الأرشيف".
وتستطيع الجريدة أن تجمع في التعليق على الأخبار -وخاصة السياسية منها- بين طريقتين:
الأولى: الطريقة المباشرة، وبها يتولى أحد المحررين كتابة التعليق الذي يتفق وسياسة الجريدة.
الثانية: الطريقة غير المباشرة, وهي التي تعمد فيها الجريدة إلى استعارة تعليق من التعليقات الهامة, من أية جهة من جهات الإعلام المعروفة، كالصحف والمجلات، والإذاعة، ووكالات الأنباء العالمية, ونحو ذلك.
ولقد كانت جريدة الأهرام المصرية -إلى وقت قريب- تتبع الطريقتين معًا، فتكتب تعليقًا خاصًّا على شكل مقال افتتاحيٍّ، أو عمودٍ صحفيٍّ عاديٍّ، وتستعير في الوقت نفسه تعليقًا آخر من وكالة أنباء أجنبية، وكانت تكتب هذا النوع الآخر من التعليق تحت عنوان: "العالم يفكر" وفيها -أي: في هذه المادة- تأتي بتعليق لجريدة أمريكية أو إنجليزية، وكثيرًا ما يكون هذا التعليق بقلم صحفيٍّ كبيرٍ متخصصٍ في التعليقات السياسية
стр. 198
كالأستاذ: ليبمان Lippmann وسنختصه بكلمة قصيرةٍ في نهاية هذا الفصل, وفي الجرائد العراقية تنشر أحيانًا تعليقات محمد حسين هيكل مأخوذةً من الأهرام.
والحق أن شهرةَ رجلٍ كالأستاذ "ليبمان" في كتابة التعليق السياسيِّ آتيةً من ثقافته الواسعة من جهةٍ، ومن علمه الدقيق بالاتجاهات السياسية في العالم كله من جهةٍ ثانيةٍ, ومن معرفته الدقيقة كذلك بأخلاق الشعوب التي يكتب عنها، وأخلاق الزعماء والقادة الذين يشير إليهم، ونيات الحكومات التي يتعرض لنقد سياستها آخر الأمر.
ومن هنا تعدت شهرة هذه التعليقات جريدة "الهرالدتربيون" التي يكتب فيها "ليبمان" إلى جرائد كبرى في شَتَّى أنحاء العالم المتمدن، فضلًا عن وكالات الأنباء في جميع هذه الأنحاء.
وكالأستاذ "ليبمان" في فن التعليق الصحفيِّ كل من:
جون ديفي في جريدة الأوبزرفر, ووليم كلارك بنفس الجريدة, وديفيد بورانس في جريدة الهرالد تربيون, ومار جريت هيجنز بنفس الجريدة, ومحمد حسنين هيكل في جريدة الأهرام، وذلك بالنسبة للقضايا العربية بنوعٍ خاصٍّ، وهكذا.
وبعد أن اختلفت صحيفة ورق عام ١٩٣١ تحول "ولترليمان" إلى كاتب رواية، وكاتب عمود صحفي، وغزت كتاباته في عموده المعروف "اليوم وغدًا" قطاعًا واسعًا من جمهور القراء، فهو كثيرًا ما يوفق في القاء الضوء أمام القارئ العاديّ, وكثيرًا ما يمهد له الأرض الصلبة التي أمامه؛ حيث تلتقي السياسة بالاقتصاد، فإذا القارئ العاديّ قادرٌ على أن
стр. 199
يفهم هذه المسائل الصعبة فهمًا مستقيمًا في أكثر الأحيان.
تتبع الخبر. Folloing Up:
على الصحيفة -فضلًا عن واجب التعليق- واجباتٌ أخرى كثيرةٌ؛ منها: المهمة الخاصة بتتبع الأخبار، ولها في ذلك طرقٌ كثيرةٌ, فهي تستطيع أن تتبع الخبر الصحفيّ:
أولًا: بنشر تفاصيل جديدة لم يسبق نشرها في المرة الأولى.
ثانيًا: بنشر أحاديث صحفية يدلي بها المسئولون, أو الأشخاص المشتركون في الحادث بأحاديثهم.
ثالثًا: بكتابة التحقيقات الصحفية, إن احتاج الأمر إلى ذلك.
رابعًا: بكتابة الطرائف الصحفية Peatures.
وهذه الأخيرة هي التي سنتحدث عنها أولًا في الفصل التالي:
إن أول من اشتهر بذلك هو "ولتر ليبمان" الذي يملك صحيفةً علميةً وخبرة صحفيةً تمكنه دائمًا من أن يكتب بثقة، وهو يملك فوق ذلك براعةً غير عاديةٍ في التعبير عن رأيه بوضوحٍ وبساطةٍ، ذلك أن "ولتر ليبمان" -وهو ثمرة دراسات ورحلات كثيرة في ربوع أوروبا- استطاع وهو صغير السن، أن يغدو طالبًا عمليًّا، ثم طفر فكان باحثًا اختصاصيًّا في الإدارة العامة والاقتصاد, وفاز بتدريبات صحفيةٍ مبكرةٍ ونافعةٍ في جريدة "نيوزبابليك"، ورأس تحرير جريدة "نيويورك ورلد" القديمة, عندما كانت هي الصحيفة الأولى الحرة في البلاد١.
стр. 200
الطرائف المتصلة بالخبر:
يميل الكثير من الباحثين إلى تشبيه مواد الصحيفة أيضًا بهرم، قاعدته الأخبار، وكل ما فوق هذه القاعدة من موادٍّ تنشر في الصحيفة لا بُدَّ أن تعتمد على هذه الأخبار؛ فالمقال، والعمود، والحديث، والتحقيق والماجريات، والطرائف، كلها مواد ترتكز ارتكازًا قويًّا جدًّا على هذه القاعدة، وبدونها لا يكون هناك مبرر ما لإحدى هذه المواد لكي تملأ بها الصحيفة جزءًا من فراغها بشكلٍ أو بآخر.
فالخبر إذن هو الأساس الذي تبنى عليه الصحيفة من أساسها، ثم تأتي بعد ذلك بقية المواد التي يرتفع بها بناء الصحيفة، فمن هذه المواد بطبيعة الحال التعليق على الأنباء، ومنها كذلك المقال الافتتاحيّ الذي يُعَبِّرُ عن رأي الصحيفة في الأهم من هذه الأنباء.
ولكن: هل بهذا التعليق الصحفيّ ذي المقال الافتتاحيّ تنتهي الصحيفة من واجبها نحو القراء؟
كلَّا، فإن أمام الصحيفة واجبًا من نوعٍ آخر، هو النظر في هذه الأنباء من زاوية أو زوايا جديدة, هذا الزوايا الجديدة هي التي تعطي للخبر قيمةً، وهي التي توضح للقراء كيف أن مندوب الأخبار لديه حاسة سادسة، هي هذه الحاسة التي يشم بها الأخبار، ويقدر بها كل خبر منها تقديرًا خاصًّا.
فإذا كان من هذه الأخبار-في نظر الصحيفة- ما يستحق أن تبحث فيه عن طائفة من التفاصيل الهامة، أتت بهذه التفاصيل وهي واثقةٌ من أنها ستجذب اهتمام القارئ، وستجعله يفهم الغير فهمًا جديدًا قد يخالف
стр. 201
فهمه الأول عند قراءته الخبر مجردًا من التعليق، وقد يخالف فهمه الثاني عند قراءته الخبر بهذا التعليق، وقد يتفق معهما، ولكن بزيادةٍ هامةٍ لها خطرها في نظر الصحفيون من جانبٍ، ونظر القارئ من جانبٍ آخر.
وكثيرًا ما تكون هذه التفاصيل التي تأتي بها الصحفية ذات طابعٍ إنسانيٍّ بحت، ومثل هذا الطابع من التفاصيل قَلَّ أن يتسع له مجال القصة الإخبارية، وقَلَّ أن يكون واضحًا فيها وضوحًا بينًا، وقلما يعني به كاتب الخبر أية صورة من صور هذه الكتابة.
هذه التفاصيل التي تنشرها الصحيفة استجابةً منها لرغبةٍ كامنةٍ في نفس القارئ، يطلق عليها الصحفيون الأوربيون اسم Features، أي: "طرائف" وهذه الطرائف تعتبر جزءًا من الأخبار لا ينفصل عنها -كما قلنا، والغاية منها في الأعمِّ الأغلب, إنما هي تسلية القارئ، وإذا ذهبت تسأل: ما هي أكثر المواد قراءة في الصحيفة الحديثة في الوقت الحاضر؟ أهي مادة المقال الافتتاحيّ؟ أم صفحة الأدب، أم العلم، أم الفن؟ فالجواب: كلّا, لا هذه, ولا تلك, وإنما هي مادة "الطرائف".
خذ لك مثلًا: خلع الملك فاروق عن العرش، إنه يعتبر خبرًا من الأخبار الهامة، والطريقة التي تَمَّ بها هذا الخلع، والزمان والمكان، ونحو ذلك, يعتبر قصةً من القصص الخبرية الخطيرة, أما الحديث عن طباع الملك فاروق، أو عاداته في النزهة والرياضة والصيد والحفلات, ونحو ذلك, فتعتبر من الطرائف, والقارئ بحاجةٍ ماسةٍ إلى عشرات من هذه الأخيرة؛ ليشبع بها نفسه من جهةٍ، وليزداد بها إحساسًا بالخبر في ذاته من جهةٍ ثانيةٍ.
مثالٌ آخر: اغتيال رئيس حكومة من الحكومات، إنه خبر من الأخبار، أما إذا أتى من يقص علينا قصة هذا الخبر, ويبحث لنا عن أسبابه ونتائجه، ويحكي لنا كثيرًا عن الظروف التي أحاطت بهذا الحادث، ويتنبأ
стр. 202
بكل آثاره في المستقبل، ويذكر لنا علاقات القتيل ببعض النساء أو الرجال ونحو ذلك، فهذه هي "الطرائف".
مثالٌ ثالثٌ: يأتي مندوب الصحيفة أحيانًا بنبأ حريق لم يسبب إلّا خسائر بسيطة، وترى الصحيفة أن مثل هذا الخبر قد لا يحظى بقدرٍ ما من الإثارة, ثُمَّ سرعان ما تزداد قيمة هذا الخبر في نظر الصحيفة, وفي نظر القارئ, إذا تضمن أنه كانت في البيت الذي احترق عجوز شمطاء استطاع الجيران أن ينقذوها, أو أن الحريق إنما تسبب عن عبث أطفال كانوا يعدون بأنفسهم حفلة عيد الميلاد في منزل أحدهم، فالحريق في ذاته خبر من الأخبار المحلية، وطريقة الحدوث وزمانه ومكانه والأشخاص الذين أصيبوا به هو القصة الخبرية، أما التفاصيل الأخرى فإنها من "الطرائف".
مثال رابع: عندما يأتي المندوب للصحيفة بنبأ تصادم, يشعر إذ ذاك بأن القراء قد سئموا مثل هذه الأخبار واعتادوها، وأنهم قد لا يضيّعون وقتًا ما في قراءتها بالصحيفة، ولكن إذا قيل لهم بعد ذلك: إن هذا التصادم جاء بسبب أن السائق أفلتت من يده عجلة القيادة؛ لأن نحلةً قرصته وطارت, فإن الخبر يصبح له وجه آخر، وإذ ذاك تُعْنَى الصحيفة بمثل هذه التفاصيل, وتكتبها في شكل "طرائف".
وهنا يقفز سؤال إلى ذهن الباحث: ما الفرق في هذه الحالة بين القصة الخبرية والطرائف؟
والجواب عن ذلك: أن القصة الخبرية إذا اشتملت على العنصر الإنسانيّ، وغلب عليها عنصر التسلية, فإنها تصبح شيئًا قريبًا جدًّا من الطرائف، وقد قلنا مرارًا: إنه ليس هناك خطٌّ يفصل تمامًا بين كل فَنٍّ من فنون الصحافة الحديثة والفن الآخر، فالأصح دائمًا أن يقال: إن هذه
стр. 203
الفنون يتداخل بعضها في بعض؛ كتداخل الألوان في قوس قزح، ولكن لا يمنع ذلك مطلقًا من تمييز كل لون من هذه الألوان عن الآخر.
ومن هنا كانت "الطرائف" Features" من الأمور التي يختلف العاملون في حفل الصحافة اختلافًا كبيرًا في تحديد معناها؛ فمنهم من يشترط في هذه المادة اعتمادها فقط على الجانب الإنسانيّ، ومنهم من يشترط فيها أن تهدف فقط إلى مجرد التسلية، ومنهم من يقول: إنها أيّ نوعٍ, أو قدرٍ من المعلومات, تملأ به الصحيفة ما تخلف عندها من الفراغ بعد كتابة الأخبار بأنواعها، والأعمدة على اختلافها، وما إلى ذلك، وعند هؤلاء أنه ما دامت هذه التفاصيل أو المعلومات ليست معلقةً في الهواء, أو بمعنًى آخر: ليست مقطوعة الصلة بالأخبار, فإنها تصلح لأن يطلق عليها اسم: "الطرائف".
أما نحن فلا نتصور الأمر فوضى على هذا النحو، وإلّا لكانت مادة "الطرائف" من المواد التافهة في الجريدة, على حين أن الإحصاءات دلت على أنها هي التي تستحوذ على اهتمام القراء أكثر مما عداها من مواد الجريدة.
أجل، ليست الطرائف في نظرنا هي المواد التافهة في الصحافة الحديثة؛ لأنها في الحقيقة هي التي تعطي للخبر قيمةً، فضلًا عن أنها تزود القارئ بمعلوماتٍ شائقةٍ لا يتسع لها الخبر في ذاته من جهة، ولا يمكن إيرادها بطريقة التعليق عليه من جهة ثانية.
بل إن الطرائف الخبرية ترفع من قدر الصحيفة في نظر القارئ، وتدفعه إلى قراءتها، ولو كانت سياستها بما يخالف رأي هذا القارئ، وطريقتها مما تتنافى مع ذوقه تمامًا، ومن هنا رأينا أن الصحافة الأمريكية قالت - وهي على الحق فيما قالت: إنها لا تحتاج لكي تكون صحافةً للانتماء إلى حزب سياسيٍّ لكي تعيش، وذلك أنها تستمد بقاءها, وتعتمد في قوتها على عناصر ذاتية، ومقومات فنية تستميل بها قراءها، ومن هذه الفنون- بل من أولها في الواقع- فن "الطرائف".
стр. 204
وهذا الذي يقال في الصحافة المقروءة, يقال مثله كذلك في الصحافة المسموعة, ونعني بها: الإذاعة, والصحافة المرئية -التليفزيون.
فهل يستمع الجمهور للبرنامج الثقافيّ؟ وهل يستمع لنقد الكتب؟ وهل يستمع للتعليق على الأنباء؟ الواقع أنه قَلَّ أن يستمع إلى شيءٍ مما سبق بقدر ما يستمع للطرائف، ولما يشبه الطرائف من شتَّى أنواع التسلية.
وليس معنى ذلك أننا ندعو القارئ بطريقةٍ غير مباشرة إلى إهمال المواد الصحفية والإذاعية كلها فيما عدا مادة الطرائف؟ لا، بل نحن ندعوه إلى الأخذ من كل مادةٍ من هذه المواد بقدر معين، وإلّا لكان كمن يجلس إلى مائدةٍ حافلةٍ بألوان الطعام، ولكنه لا يصيب إلّا واحدًا فقط من هذه الألوان، ومثل هذا الرجل لا بد أن يكون مريضًا بمرضٍ يمنعه من أن يكون حرًّا في أن يَمُدَّ يده لشتَّى الطعوم التي تملأ المائدة.
وصدق من قال١: لقد أصبحت النظرية القائلة بأن الناس يقرءون الأخبار؛ لأنها تهزهم, أو تثيرهم نظريةً أثرية, فقدت تأثيرها لكثرة ما كررها الناس, والواقع أن الناس يقرءون الصحف للاطلاع على ما فيها من معلومات، وبدافع من حب الاستطلاع، وبقصد المتعة والتسلية.
وقد جاء في نتيجة إحصاءٍ لبعض المجلات الأمريكية, في ٢٣ من آب أغسطس, سنة ١٩٥٨ ما يلي:
١- أن قراء الأخبار المحلية يشكلون نسبة ٤٨%.
٢- أن قراء الأخبار العامة يشكلون نسبة ٤٠%.
٣- أن المهتمين بالطب والصحة العامة يشكلون نسبة ٣٧%.
٤- المتتبعين لأخبار الجرائم يشكلون نسبة ٢٨%.
стр. 205
٥- المتتبعين لأخبار العلوم يشكلون نسبة ٢٨%.
٦- المتتبعين للأخبار الفكاهية يشكلون نسبة ٣٠%.
٧- المتبعين للأخبار السياسية الوطنية يشكلون ٢٣%.
٨- المتبعين للأخبار الخارجية يشكلون نسبة ٢١%.
ومن ثَمَّ أصبح على مؤسسات الإعلام، على اختلاف أشكالها ودرجاتها؛ كالصحيفة، والمجلة، والكتاب، ومحطة الإذاعة, والتلفزيون، ونحو ذلك, أن تستجيب لرغبات الجمهور، وأن تدرس هذه الرغبات بين حين وآخر، وأن تتعرف ذوق الجمهور، وأن تقدم له ما يتفق معه تمامًا، وألّا تتعالى عليه بوجهٍ من الوجوه، وإلّا جاء يومٌ اضطرت فيه كل وسيلة من وسائل الإعلام التي تَقَدََّمَ ذكرها أن تعلن إفلاسها، وشهر عجزها عن مجاراة القراء والمستمعين على السواء.
كيف تجمع الطرائف؟ :
الطرائف المتصلة بالأخبار هي -كما قلنا- التفاصيل التي تكمل هذه الأخبار، وتلقي عليها ضوءًا خاصًّا، وتزيد من قدرتها على جذب القارئ, وتضفي عليها من الرواء والصفاء ما يضمن بقاءها عنصرًا هامًّا من عناصر الصحيفة الناجحة في الوقت الحاضر.
من أجل هذا, كثيرًا ما ترى سكرتير التحرير يطلب إلى معاونيه أن يقوموا بتحويل مادةٍ من المواد الخبرية في الصحيفة من صورة أخبار إلى صورة طرائف، فإذا أتى إلى الصحيفة خبر عن شخصية بارزة في العالم بادر سكرتير التحرير إلى إحداث نوعٍ من المنافسة بين المحرريين, في أنه يستطيع أن يزود الصحيفة بأكبر قدر ممكن من المعلومات حول هذه الشخصية البارزة، ويراجع سكرتير التحرير كل ذلك، ويختار أكثره
стр. 206
إمتاعًا للقارئ, أو يجمع من المحررين كل ما جمعوه من المعلومات التي يضمن أنها تجذب القارئ.
ويكون عمل سكرتير التحرير في هذه الحالة تأليف نسيج إنساني من طرازٍ معينٍ, يعتبر في الواقع من أوضح الأمثلة للطرائف، ويوضِّحُ الجوانب الغامضة في تلك الشخصية، بشرط أن تكون موضع اهتمام القارئ في ناحيةٍ من النواحي.
وإذا حدث مثلًا أن زار رئيس إحدى الجمهوريات مسجدًا من مساجد القاهرة, فإن الصحيفة في هذه الحالة تبادر إلى الحصول على معلومات تاريخية وإنسانية مسليةً عن هذا المسجد، وتتحف بها القارئ، وهنا تقدم الصحيفة لونًا جديدًا من ألوان الطرائف, يكون مخالفًا للون الأول.
وإذا فرضنا أن هدهدًا طار من قفصه في حديقة الحيوان، وأن الصحيفة أرادت أن تقدم بعض الطرائف إلى القراء بمناسبة هذا الحادث، فإنها في هذه الحالة قد تتحدث عن صيد أول هدهدٍ في العالم، وقد تحتال على القارئ, حتى تسوق له شيئًا من قصص القرآن؛ مثل: قصة الهدهد وسليمان، ونحو ذلك.
وفي صحيفة الأخبار التي كان يحررها الصحفيّ المعروف "أمين الرافعي" نشر خبر١ عن فأرة تسببت في إطفاء نور القاهرة، هذا نصه:
فأرة أطفأت نور القاهرة
"حدث مساء السبت الماضي حادثٌ غريبٌ في بابه، ويكاد يكون فريدًا فيه، ذلك أن فأرةً كانت تسير تحت الآلات البخارية الكهربائية بمعمل شركة النور, وكانت تنتقل من مكان إلى آخر في طمأنينةٍ, فحدث
стр. 207
أنها وقفت على سلكٍ من أسلاك الآلة المولدة للكهرباء, قوتها أربعة آلاف كيلو واط، وتعطي الكهرباء تحت ضغط عشرة آلاف فولت، ولو أن الفأرة مشت على سلك واحد لما حدث حادث، ولكنها قفزت من سلك إلى آخر، ولطول ذيلها لمست السلكين معًا في آنٍ واحدٍ، فأحدث ذلك اتصالًا بين السلكين، وعليه مَرَّ تيار قوي جدًّا, أحدث قوسًا كبيرًا من النار، فصعقها, وأذاب بعض الأسلاك النحاسية، فوقفت الآلة, وانطفأ نور العاصمة، وبعد الحادثة وجدت الفأرة يابسةً, فوضعت في كمية من الكحول لحفظها".
لا شكَّ أن هذه قصةٌ إخباريةٌ صغيرةٌ, تصلح في الوقت نفسه لأن تكون طرفةً من الطرائف التي تسوقها الصحافة الحديثة، وفيها عنصر "الغرابة"، وهو العنصر الذي جعل لهذا الخبر قيمةً، كما أن فيها كذلك عنصر الطرافة؛ لأن القراء لم يعتادوا على مثل هذه الحوادث العجيبة؛ ولأن الفأرة الضئيلة استطاعت أن تحرم سكان القاهرة من نعمة الضوء مدةً ليست بالهينة.
ولو أن حادثًا كهذا حدث في أيامنا هذه, لتسابقت الصحف إلى شركة النور تسأل المدير والعمال، ثم يخرج المندوبون إلى الجماهير في الطرقات والدور فيسألونهم: كيف فوجئوا بهذا الحادث؟ وكيف كان تصرفهم وقت وقوعه؟ وما الذي صنعه سائق السيارة, وهو ينهب الأرض نهبًا ليسعف راكبًا في مهمة خطرة؟ ومن مجموع هذه الإجابات يستطيع الصحفيّ أن يستكمل هذه الطريفة.
إن الطرائف إذن بمثابة التوابل, أو المشهيات في مائدة الصحافة, وهي من أجل ذلك محبوبة من جانب القراء جميعًا، وتكون مقبولةً في نظرهم أكثر من ذلك إذا كانت ذات أنواع شتَّى، وصورٍ متعددةٍ، وفي هذا المجال تتنافس الصحف, وتتبارى أذهان المحررين، فقد تكون
стр. 208
الطرائف الإخبارية ذات طابع تاريخيّ، أو ذات طابعٍ جغرافيٍّ، أو ذات طابعٍ إخباريٍّ يشبه القصة الإخبارية، وهنا ينبغي للكاتب أن يؤخر نهاية القصة, أو يبطيء في الكشف عن عقدتها الفنية بقدر المستطاع، ذلك لأن الطرائف الخبرية لا تشتمل في الغالب على أخبار هامة، ولا تهدف إلى تزويد القارئ بهذه الأخبار الهامة، وإنما هي أشبه شيء بالمشهيات فوق المائدة, لا تحتوى على العناصر الرئيسية للغذاء، وإنما تشتمل على عناصر تثير شهوة الآكلين باستمرار.
أنواع الطرائف:
تستطيع بسهولةٍ أن تدرك أن الطرائف على أنواعٍ شتًّى، وألوانٍ متعددةٍ، ولكن أشهرها في الغالب هذا الذي نعرضه فيما يلي:
أولًا: الطرائف الإنسانية.
ثانيًا: الطرائف التاريخية.
ثالثًا: الطرائف الخاصة بتراجم الرجال.
رابعًا: الطرائف الجغرافية.
خامسًا: الطرائف الخاصة بالأدب.
سادسًا: الطرائف الخاصة بالعلم١.
سابعًا: الطرائف الخاصة بالفن.
ثامنًا: الطرائف الهزلية.
وذلك فضلًا عن أنواع أخرى -ربما كانت أقل أهميةً- مثل الطرائف الموسمية، وطرائف أيام الإجازات، والطرائف الخاصة بأصحاب المهن, ونحو ذلك.
стр. 209
والملاحظ دائمًا أن الصحيفة اليومية أكثر عنايةً بالطرائف التي تتوافر فيها صفة "الحالية"، على حين أن المجلات الدورية هي التي تهتم بالطرائف الفنية والأدبية والعلمية.
والملاحظ أيضًا أن مادة الطرائف بوجهٍ عامٍّ, أقرب إلى المجلة الدورية منها إلى الصحيفة اليومية, ومع ذلك فعلى الطرائف تعتمد الصحيفة دائمًا في ملء الفراغ المتخلف عن المواد الصحفية المعتادة، ولهذا يجب أن يكون لها رصيدٌ كافٍ من هذه الطرائف كلما أمكنها ذلك.
وكما أن للأخبار الخارجية وكالات تحصل منها الصحف على هذه الأخبار, فكذلك "للطرائف" المتصلة بالأخبار وكالات تقدم هذه الطرائف للصحف التي تطلبها بين حينٍ وآخر، وفي مثل هذه الحالة تستطيع الوكالة أن توفر على الصحف مهمة البحث عن معلوماتٍ من هنا وهناك، وتعفيها من مئونة الاتصال المباشر بالأشخاص الذين ذكرت أسماؤهم في الخبر، أو الأماكن التي وقع فيها الحادث.
أسلوب كتابة الطرائف:
الحق أن قوة هذه المادة من المواد الصحفية -وهي مادة الطرائف- إنما تأتي دائمًا من الطريقة التي تتبع في كتابتها، من أجل ذلك ينصح علماء الصحافة كل من يمارسون كتابة هذا النوع أن يتوخوا دائمًا أن تكون كل كلمة من الكلمات, أو عبارةٍ من العبارات قادرةً على المشاركة في هذا الموضوع، مضيفةً إليه أثرًا من الآثار, لا يكون إلّا بها، ولا معنًى له بدونها.
كما ينصح العلماء أيضًا بألّا يحرص الكاتب على أن يقدم كل ما يعرفه من التفاصيل عن الموضوع، بل يكتفي بالإشارة عن العبارة، ويكون بمثابة المضيف اللبق، لا يقدم إلى ضيوفه كل ما يملك في بيته من شتَّى ألوان الطعام، ولكن يقدم إليهم ما يشتهونه منها فقط.
стр. 210
كما ينصحونه كذلك بأن يصطنع في كتابة الطرائف أسلوبًا قريبًا من أسلوب القصة أو الرواية، ومعنى ذلك أن يتوخى الطرق التي من شأنها أن تخلق التأثير في نفس القارئ, وكما يؤثر استخدام الأساليب الخفيفة الروح, بما فيها من تشبيهاتٍ لطيفةٍ، وعباراتٍ جذابةٍ، وألوانٍ ساخرةٍ، وأساليب تتدفق بالحياة والحركة.
وأخيرًا يوصي النقاد بأن يقسِّمَ كاتب الطرائف موضوعه إلى فقرات، كما يقسِّم القصة أو المسرحية إلى فصول ومشاهد؛ بحيث لا تظهر للقارئ كأنها كتلة مصبوبة، أو شيء ملقى في الطريق، أو مادة تملأ فراغًا في الصحيفة لا أكثر ولا أقل.
وما أشبه هذه المادة من مواد الصحافة الحديثة -وهي مادة الطرائف- بمادةٍ نجدها دائمًا في كتب الأدب العربيّ، ولا يخلو منها كتاب من كتب الجاحظ على الأخصِّ، وهي مادة النوادر والملح١.
والقارئ لكتب الأدب العربيّ من جهةٍ، والمتتبع لسير الأدباء -ونخص بالذكر منهم الكتّاب- من جهةٍ ثانيةٍ، يرى كيف كان لهذه النوادر والملح تأثير كبير في ذوق الأديب العربيّ, وكيف كانت مادة من أهم المواد في تثقيفه وتأهيله لأنه يصبح كاتبًا له شأنه، وله قلمه، وله ظرفه، وله أدبه.
ولا يتسع المجال هنا لضرب الأمثلة على هذه النوادر والملح من الأدب العربيّ، فهي أكثر من أن تحصى من ناحية، وأشهر من أن ندل عليها من ناحيةٍ ثانيةٍ، ومن هنا نجح كلٌّ من الجاحظ في كتبه الكثيرة، والأبشيهي في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف" وابن حجة الحموي في كتابه
стр. 211
"ثمرات الأوراق" وأبو الفرج الأصفهاني في كتابه "الاغاني"، والمبرد في كتابه" الكامل"، وابن عبد ربه في كتابه" العقد الفريد" في أن يكونوا "صحفيين" ناجحين بالقياس إلى العصور التي عاشوا فيها، فقد استطاعوا أن يمدوا قراءهم بطائفة صالحة من "طرائفهم" حول الموضوعات، والأشخاص، والحوادث، والتجارب، والأماكن، والكائنات التي تعرضوا لها في كتبهم، ومن ثَمَّ أقبل قراؤهم على هذه الكتب يقضون في قراءتها, والاستمتاع بها أكبر وقت مستطاع.
ومعنى ذلك: أن لهذا الفن من فنون الصحافة الحديثة -وهو فن الطرائف- أصلًا في الآداب القديمة، ومنها الأدب العربيّ.
وكما أن النوادر والملح تعتبر على الدوام من الأدب الواقعيّ فكذلك الطرائف تعتمد الاعتماد كله على الواقع الملموس, ولا صلة لها مطلقًا بالخيال أو الصور الوهمية بحالٍ ما، ولا شكَّ في أن من أغراض فن الطرائف مد القارئ بما يسمى: "الصورة الخلفية" ١ للحوادث، وهي صورة تساعد على شرح الأسباب والنتائج والحقائق، ونحو ذلك.
من هم كُتَّابُ الطرائف:
تعتمد المجلة أو الصحيفة في كتابة الطرائف على نوعين من الكتاب في الغالب:
أولهما: أعضاء في هيئة التحرير روضوا أقلامهم على كتابة هذه الطرائف، ومالوا إليها كثيرًا، ووقفوا دائمًا وراء الأخبار يعملون على استكمالها، ويستعينون على ذلك إما بالكتب والمراجع الأدبية والعلمية على اختلافها، وإما بالاتصال بالأشخاص الذين تدور حولهم الأخبار الهامة في الصحف، ومن هؤلاء المراسلون الخارجيون للصحيفة.
стр. 212
وثانيهما: كتاب يتصلون بالمجلة أوبالصحيفة عن طريق "المصاحفة" ولا يكونون في هذه الحالة أعضاء في هيئة التحرير، ولكن تنظر إليهم المجلة أو الجريدة على أنهم من أصدقائها.
والمشاهد أن النوع الثاني من كتاب الطرائف أكثر نجاحًا في الغالب من النوع الأول، ذلك لأن الكتاب الذين من هذا النوع الثاني يكتبون بوحيٍ من أنفسهم، كما يفعل الشعراء أو الكتاب الأحرار سواء بسواء، ثم إن هذا النوع الأخير من كتاب الطرائف يدرك تمامًا أن من أهم مصادر هذا الفن من فنون الصحافة الحديثة الأفراد الذين يتصل بهم، والقصص التي يسمعها من أفواههم, والمناظر الطبيعية التي يراها في المحيط الذي يعيش فيه، والتجارب التي مرت به، ونحو ذلك.
على أن أهم مصدر لكتابة الطرائف في الواقع هو نفس المصدر الذي تستقي منه الأخبار والحوادث الداخلية، ونعنى به: أماكن الشرطة، أو البوليس في المدن والقرى، وكثيرًا ما يختلف المخبر أو كاتب الطرائف إلى هذه الأماكن, ويعود وحقيبته مملوءة بشتَّى القصاصات، والبيانات، والمذكرات، والصور، وغير ذلك من المواد التي تساعد على كتابة الطرائف.
ما الفائدة التي تعود على القراء من الطرائف؟
لا شكَّ أن الإقبال الذي نراه من القراء على هذا الفن الجميل من فنون الصحافة بَيِّنٌ -كما قلنا- إلى أي حدٍّ يشعر القراء بالفائدة والمتعة في وقت معًا من هذه القراءة.
فالكاتب الذي يكتب الطرائف الكثيرة عن الشخصيات البارزة, أو الشخصيات المعقدة، أو الشخصيات المكافحة في الحياة، يقدم أَجَلَّ الخدمات للشباب الذين يجدون صورهم منعكسة في إحدى هذه الشخصيات.
стр. 213
فيشعرون من مطالعة هذه الطرائف بالراحة النفسية التي لا حَدَّ لها.
والكاتبة المحترفة أو المصاحفة التي تجسد من وقتها ما يكفي لكتابة الطرائف التي تمس الشئون المنزلية للمرأة، أو تشير من قريب أو من بعيد إلى مشكلاتها الزوجية، أو المادية، أو النفسية، تساعد الكثيرات من الزوجات على التخلص من متاعبهن، أو تحسين حالاتهن، مسترشداتٍ في ذلك بالتأثير النفسي الذي ربحته من مطالعة هذا اللون من ألوان الصحف.
وبهذه الطرق وأمثالها يصبح الجيل الجديد من الشبان والفتيات أكثر ثقافةً من الأجيال السابقة، ويخوض غمار الحياة بنفوس أكثر صفاءً وتحررًا من تلك الأجيال، بل بهذه الطريقة تؤدي الصحافة وظيفة "الأدب الواقعيّ" وتحل محله في أوقاتٍ كثيرة، وتكفي -إلى حد ما- في تغذية الجيل الحاضر من هذه الناحية.
على أن الأمر عسير على المحرر المحترف أو المصاحف بقدر ما هو يسير على القاريء أو المستمع؛ فالمحرر عليه دائمًا أن يبحث عن احتياجات القراء، وعن مطالب المجلة أو الصحيفة، أو الإذاعة، وعليه أيضًا أن يحسن استخدام النقد عند الضرورة، وعليه أن ينمي اتصالاته بالناس على اختلاف طبقاتهم، وعليه أن يضيف كل يوم جديدًا إلى معلوماته وتجاربه الخاصة، كما أن عليه أن يأخذ نفسه بالصبر والمثابرة في الوصول إلى المعاني الجديدة, والألفاظ التي تناسب هذه المعاني الجديدة.
ثم هو بعد هذا كله لا يبدأ الكتابة إلّا حين يشعر بالرغبة الشديدة فيها، فقد بَيَّنَّا أن هذه المادة أقرب إلى المجلات الدورية منها إلى الصحف اليومية، أو بعبارة أخرى: أقرب إلى طبيعة الأدب منها إلى طبيعة الصحافة.
стр. 214
ويستطيع القاريء أن يطلع في كل يوم على الصحف المحلية أو الصحف الأجنبية فيجد العدد الوفير من الطرائف على اختلاف أنواعها، وخاصةً منها الطرائف ذات الطابع الإنسانيّ، ومنها -على سبيل المثال- مقال قرأته في جريدة الجمهورية الصادرة ببغداد، وإليك خلاصة له:
قطع الراديو برامجه وأعلن النبأ
عادت "تينا" وعطست.. في وجه الملك.
قبل حلول عيد الميلاد بأسبوعين, خرجت هانا "٢٣سنة" متوجهةً إلى أسواق "ديبل" التي تقع في وسط مدينة "كوبنها كره" لتختار هديةً لزوجها السيد: بيتر فيكيل "٢٦سنة" الطالب في كلية الهندسة، وقد صحبت معها طفلتها "تينا" التي كانت قد أكلمت الشهرين من عمرها، وتركت الأم الطفلة في عربتها الصغيرة أمام أحد مداخل السوق المزدحم, ودخلت لشراء الهدية.
وبعد برهةٍ خرجت الأم إلى حيث تركت ابنتها، ولكن العربة والطفلة التي في داخلها لم يكن لهما أثر, وقد أجرى البوليس تحقيقًا روتينيًا, ووعد الأم برجوع طفلتها خلال ساعاتٍ من نفس اليوم، كما حدث في حالات مماثلة، ومرت أيام على الاختفاء, وبعد أن وجه البوليس نداء إلى كل من لديه معلومات يدلي بها عن الموضوع، وبعد أن وقف البوليس مكافأةً قدرها "١٧٠٠" دينار, على من يساعد في العثور على الطفلة، أجمعت أكثر من ثلثمائة شهادة على أن امرأةً متوسطة الطول, داكنة الشعر, مستديرة الوجه، لها شفاه ممتلئة, في حوالي الثلاثين من عمرها, شوهدت في فترة الظهر وقت اختطاف الطفلة، وهي تحمل طفلة صغيرة وتسير متجهة ناحية الميناء البحريّ.
وقامت الصحف الدانماركية الكبرى بتحقيقاتها للعثور على الطفلة.
стр. 215
ولكن بدون جدوى، وأعلنت جمعية سائقي التاكسيات الدانماركية المساهمة بألفين وستمائة سائق للعمل على إيجاد "تينا".
وعقدت الآمال على ليلة عيد الميلاد، وموسم عيد الميلاد في الدانمارك كله فرح واحتفالات عائلية، ولكن اكتنف الاحتفالات هذا العام وجومٌ لم يعرف له الدانماركيون مثيلًا منذ الاحتلال النازي، وذلك بسبب غيباب الطفلة "تينا" عن والديها, وحين حَلَّ عيد رأس السنة, ظهر رئيس وزراء الدانمارك كعادته على شاشة التليفزيون, ووجَّه كلمةً للشعب الدانماركي, ونداءً خاصًّا للحاشية، ووعدها بمعالجة خاصة للحادث.
وعاد مدير البوليس الذي قطع إجازته مع مئات من مساعديه الذين قطعوا عطلتهم اختياريًّا من أجل مواصلة التحقيق، وأعاد قراءة أكثر من خمسة آلاف رسالة كانت قد وردت من المواطنين، وفي إحدى الرسائل قال كاتبها: إن إحدى قريباته في مدينةٍ تبعد ٥٠كم عن "كوبنها كرة" قد ولدت في نفس التاريخ الذي اختفت فيه "تينا" وقد لفت نظره كبر حجم الطفلة الوليدة.
وتوجَّه البوليس إلى العنوان المذكور، وفتح باب الشقة, وظهرت امرأة تنطبق عليها الأوصاف التي ذكرها أكثر من ثلثمائة شاهد، وطلب البوليس النظر إلى الطفلة، كما طلب رؤية أوراق المستشفى؛ فانهارت أعصاب المرأة, وأعترفت بأن الطفلة هي "تينا".
وعلى أثر هذا الاعتراف, حملت سيارة البوليس الأم حيث تعرفت على ابنتها واحتضنتها وهي تبكي, بعد أن غابت "٢٩ يوما" عنها, وقطع الراديو برامجه, وأعلن الخبر, وقد شهدت الدانمارك يومًا مماثلًا لذلك اليوم قبل إحدى وعشرين سنة، يوم أعلن تحرير الدانمارك من قوات الاحتلال النازي،