الكتاب الأول: الرأي العام
"١"
الصحافة والرأي العام:
"الصحافة حارس الأمة الأمين"
فمن الذي يُعَلِّمُ الوطنيُّ حقوقه؟ من الذي يرشده إلى واجباته؟ من الذي يكون له عونًا في المعترك الذي يلقي بنفسه فيه، ومن الذي يدرأ عنه عادية كل من أراد به سوءًا؟
هي الصحافة, وهي وحدها دون غيرها على الدوام, وإذا لم يكن هناك صحافةٌ أصبحت الشجاعة الأدبية أمرًا من الأمور الشاذة، بل أصبحت في حكم المستحيل، وكذلك شأن الشجاعة الحربية، فإن الجندي لا يرمي نفسه فوق الخطر، ولا يقدم على المهالك، إلّا عندما ترمقه أعين زملائه، ويشجعه صوت الطبول ورائحة البارود!.
ولأجل أن يكون الرأي العام، وتتوطد دعائمه، يجب أن يوجد ذلك الصوت القويّ العظيم -صوت الأمة- الذي يعطي كل ذي حق حقه، فيثني في كل يوم على العاملين، ويؤنب المقصرين، ويذكر الناس بالمنافع العامة المشتركة، وبالمبادئ الاجتماعية، ويؤازر بقوته كل حق من حقوق الأفراد١.
ويقول الأستاذ هارولد لاسكي في كتابه "محنة الديموقراطية٢":
"إن القدرة على توجيه الأخبار وجهةً معينةً هي نفسها القدرة على حرمان القراء من أن تصل إليهم المادة التي يستطيعون بها أن يكونوا لأنفسهم رأيًا في كل مشكلة، وإن من يوازن بين الطريقة التي عالجت بها الصحافة البريطانية موضوع نزع السلاح في وقت انعقاد مؤتمر جنيف عام ١٩٣٢
стр. 37
والطريقة التي عالجت بها تلك الصحافة أخبار السلوك الجنسيّ عند رجال الدين الإنجليز, في الفترة نفسها؛ ليشهد أن الصحافة البريطانية أولت كل اهتمامها للموضوع الأخير, بقصد إهمال الموضوع الأول, على الرغم من أنه خطير, وهنا لا يجد القارئ صعوبة ما في اكتشاف الطريقة التي يتكون بها الرأي العام في بلد من بلاد الديمقراطيات الرأسمالية كانجلترا.
الحق أن الصحافة مرآة الآمة، ولسانها الناطق بأفكارها وآرائها, ورغباتها وحاجاتها، وآلامها وآمالها، ومن هنا جاءت قوتها، وقد أطلق الناس عليها اسم: "السلطة الرابعة" -أي: أنها رابعة السلطات الثلاث المعروفة، التي هي السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية- وطريق الصحافة إلى كل ذلك هو التحرير, أعنى: تحرير الخبر أو المقال, وهما مادتا الصحف على اختلاف ألوانها ونزعاتها.
ولتكوين الرأي العام في ذاته وسليتان هامتان هما:
الكلمة المطبوعة، والكلمة المسموعة، ولكل من هاتين الوسيلتين مجالات تظهر فيها:
فالكلمة المطبوعة تظهر في الصحيفة وفي المجلة، وهما مدرستا الشعب, وصاحبتا الفضل الأول فيما يصيبه من تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية، كما تظهر الكلمة المطبوعة في الكتاب، وفي اللافتات، وفي الملصقات، وفي شتّى ضروب الإعلان.
وتظهر الكلمة المطبوعة أيضًا في أجهزة استقبال الأخبار TICKERS، وهي الأجهزة التي تقوم عليها وكالات الأنباء، وعلى هذه الأخيرة تعتمد الصحف في حصولها على الأخبار الهامة وغير الهامة, هنا وهناك.
أما الكلمة المسموعة: فتظهر في الراديو والتليفزيون، وهما آلة الدهماء في أغلب الأحيان؛ لأن الخاصة ليس لديها من الوقت ما تنفقه في الجلوس إليهما, واستيعاب الجزء الأكبر من منهج كل منهما اليوميّ.
стр. 38
وكما تظهر الكلمة المسموعة في السينما، والمسرح, والمدرسة, والجامعة، تظهر أيضًا في المحادثات الخاصة بين الأصدقاء، سواء أكانت هذه المحادثات في المنزل، أم في الطريق، أم في النادي, أم في المركبات العامة, وسواء أكانت همسًا، أم نجوى، أم كانت على شكل شائعة، أم اغتيابًا، ونحو ذلك.
على أن الوسيلة الأولى منهما هي التي تعنينا في هذا البحث, وهذه الوسيلة هي الكلمة المطبوعة، والعجيب حقًّا أن يكون للكلمة المطبوعة كل هذا التأثير القويِّ في النفوس، أو هذا السلطان الكبير على القول، ومن هنا أصبح الرأي العام عن طريق الكلمة المطبوعة قوةً عظيمةً لا يمكن أن تقاوم، فقد تتعرض الجيوش نفسها للهزائم، أما الصحف وما تحمله للناس من قوة الرأي العام, فقلَّمَا تتعرض لذلك، وقلَّمَا تستطيع الحكومات نفسها أن تؤثر في الصحافة إلّا بطريق الإلغاء أو التعطيل.
والتاريخ حافل بالأمثلة العديدة التي تدل على قوة الرأي العام, الآتي من طريق الكلمة المطبوعة في الصحيفة.
فلقد قبضت السلطات الإنجليزية على "عرابي" وعزمت على التنكيل به، وبأصحابه، ثم ظهرت جريدة "التيمس" معلنةً أن عرابي سيحاكم محاكمةً نزيهةً، وسيعامل معاملةً إنسانيةً مستقيمةً، فاضطرت الحكومة الإنجليزية أمام هذا التصريح أن تعدل من خطتها، وترجع عما عزمت عليه١.
وأمامنا الآن -ونحن نكتب هذا الكتاب- مَثَلٌ حيٌّ من التاريخ المصريّ الذي نعيش فيه، وهذا المثل هو تأميم قناة السويس، فمنذ أعلنت الحكومة المصرية هذا التأميم في ٢٦ يوليو سنة ١٩٥٦ هاج "المستر إيدن" رئيس الوزارة البريطانية، وأراد أن يعلن الحرب على مصر، ولكن الرأي العام في العالم كله, وفي إنجلترا نفسها, كان لا يريد الحرب في ذلك الظرف.
стр. 39
غير أن "إيدن" ومعه "موليه" رئيس الوزارة الفرنسية، و"بن جوريون" رئيس الوزارة الإسرائيلية، دبروا أمرهم بليل، واتفقوا في مؤامرةٍ تجاهلوا فيها الرأي العام، وتغفلوا هذا الرأي، واعتدوا جميعًا على مصر.
واستنكر الرأي العالميّ هذا الاعتداء، ولولا هذا الاستنكار الصارخ، ولولا مقاومة الشعب المصريّ الباسل، ولولا الإنذار الروسيّ للحكومات الثلاث التي اعتدت على مصر، نشبت الحرب العالمية الثالثة، ولأصبح مركز هذه الحرب منطقة الشرق الأوسط، ولا يدري إلّا الله نتيجة ذلك على الحضارة الإسلامية والشعوب الشرقية والغربية.
стр. 40
"٢"
تعريف الرأي العام:
من أجل هذا وجب علينا أولّا أن نعرف المقصود تمامًا بكلمة الرأي العام عند إطلاقها، ما دامت الصلة وثيقة بينه وبين الصحافة على هذا النحو: عرفه الأستاذ "كلاريد كنج" في مقدمة كتابه: "قرارات في الرأي العام "فقال: "إنه الحكم الذي تصل إليه الجماعة في مسألة ذات بال، وذلك بعد مناقشات علنية ومستوفاة".
وعرفه الأستاذ "جيمس برايس" في كتابه: "الديمقراطيات الحديثة" فقال: "إنه اصطلاح يستخدم للتعبير عن مجموع الآراء التي يدين بها الناس, بإزاء المسائل التي تؤثر في مصالحهم العامة، والخاصة".
وعرفه الأستاذ "ألبورت ALPORT" فقال: "إنه تعبير صدر عن مجموعة كبيرة من الناس عما يرونه في مسألة ما، أو اقتراح واسع النطاق، بحيث يمكن استدعاؤهم لهذا التعبير سواء أكانوا
стр. 41
مؤيدين للفكرة أم معارضين لها، وبحيث تكون نسبتهم العددية كافية لإحداث تأثير ما بطريق مباشر، أو غير مباشر".
وعرفه الأستاذ "ألبج" ALBIG فقال: "إنه ثمرة تفاعل الأفكار في أيِّ وضعٍ من أوضاع الجماعة التي تصدر عنها هذه الأفكار".
فهذه تعريفات أربعة من عشرات التعريفات التي صدرت عن علماء النفس والاجتماع والصحافة، وكلها توضح الدور الخطير الذي يلعبه الرأي العام في حياة الأفراد والمجتمعات، وإن كان بعضها يقلل إلى حد ما من أهمية الدور الذي يقوم به أفراد قليلون في الأمة؛ هم المجددون ذوو الأفكار التقدمية فيها، فبمقدار ما تكون أفكارهم جديدة على المجتمع, يكون الأمل قليلًا في نجاحهم أول الأمر، إلّا أنهم إذ يوطنون أنفسهم على الكفاح والصبر، يستطيعون النجاح في نهاية الشوط.
ولكن ماذا يؤخذ من التعريفات السابقة على وجه الإجمال فوق ما ذكرناه حتى الآن؟ يؤخذ منها ما يلي:
أولًا: إن الرأي العام هو الاتجاه الذي تتخذه الجماعة في مسألةٍ بعينها, بعد بحث هذه المسألة من جميع وجوهها بحثًا علنيًّا بطريق الصحافة, أو بطريق الخطابة, أو بطريق الإذاعة, أو بغير ذلك من وسائل الإعلام.
ثانيًا: إن الرأي العام بالمعنى الصحيح لهذه المشكلة, لا يشترط فيه أن يكون رد فعلٍ للتقاليد والعادات التي عليها الأمة، وإنما هو نتيجة تفكير سليم في المصلحة التي تعود على المجموع، أو هو محاولة في بعض الأحيان للتوفيق بين هذه المصلحة من جهة، ومجموعة التقاليد والعادات التي عليها الأمة من جهة ثانيةٍ، بل إنه إذا أريد التحرر أحيانًا من سلطان العادات والتقاليد، فإنه لا سبيل للمجتمع في هذه الحالة إلّا بالرأي العام؛ لأنه وحده القادر على إحداث التحرر الذي تطلبه المجموعة التي تصبو إلى التحرر.
стр. 42
ثالثا: أن الرأي العام استنادًا إلى النقطة السابقة لا ينبغي أن يكون ثمرة اندفاع عاطفيٍّ في المجتمع، ولا ينبغي أن يكون نتيجةً لتغلب طائفةٍ بعينها, ذات مصلحة خاصة من طوائف المجتمع, وليس من الضروريّ -كما قلنا- أن يكون مرتبطًا كل الارتباط بميراث الأمة من تقاليد وعادات ونحوهما.
ولنضرب المثل هنا بالحركة التي قام بها المرحوم قاسم أمين, باسم: "تحرير المرأة" فقد كان المصريون في القرن الماضي لا يعترفون بالسفور، ولا بحق المرأة في الاشتغال بالأعمال العامة، ولا بحقِّ المرأة حتى في التعليم، فجاء قاسم أمين وأخذ ينشر مقالاته التحررية في جريدة "المؤيد", وهاج الرأي العام في مصر، وتضاربت الآراء في هذا الشأن، وتعرض الكاتب نفسه لكثير من السخط والسخرية من جانب الشعب، وأخيرًا وبعد لأي أمكن لهذا الرأي أن يؤثر في نفوس الكثرة من المصريين الذين آمنوا بحقِّ المرأة في السفور وفي التعليم.
وهكذا استطاعت الصحافة بطريق الرأي العام أن تزعزع أركان رأي قديمٍ, كاد يصل في نفوس المصريين إلى حد التقديس، وأن تهدم عقيدةً من العقائد الاجتماعية التي وصلها المصريون بالدين الحنيف, بل هكذا جاءت الصحافة بالدليل القاطع على أن الرأي العام هو وحده القادر على تغيير النزعات العامة، وزعزعة العقائد الموروثة، ومحابة الآراء القديمة لتحلَّ محلها الآراء الحديثة.
رابعًا: إن التعبير عن الرأي العام لا يكون إلّا في جوٍّ من الحرية التامة، أما في ظل النظام الدكتاتوريّ, فإنه يتعذر على الرأي العام تحت ضغط من الحكام أن يقوم بهذا التعبير, إلّا بطريقة سرية، كثيرًا ما تكون أخطر على الحكومة الدكتاتورية من ألد أعدائها، وشر خصومها، وأخطر معارضيها.
فمنذ تطلعت الشعوب إلى التمتع بحريتها, لم تجد الصحافة ضمانًا قويًّا لبقاء هذه الحرية، ومن هنا بدأت العناية بأمر الصحف، والفضل في ذلك يرجع لأولئك الأبطال الذين استخدموا أقلامهم الحرة في الدفاع عن الحرية
стр. 43
وأثبتوا للعالم أن الحياة الحقيقية لا ترتكز إلّا على حرية تلك الأقلام, وإفساح ميادين العمل أمامها١.
стр. 44
الفرق بين الرأي والسخط والعام والاتجاه العام
...
"٣"
الفرق بين الرأي العام، والسخط العام، والاتجاه العام:
تقع أزمة من الأزمات في أمة من الأمم, فإذا بالقادة والزعماء في هذه الأمة يبسطون آراءهم في أسباب الأزمة، ويقترح كل منهم علاجًا لها، ويروّج كل حزب في صحفه لما يراه من رأي.
وباحتكاك الآراء المختلفة، ووجهات النظر المتباينة, تستطيع الأمة أن تتبين وجه الصواب في الأزمة أو المشكلة التي تواجهها، وبتبلور هذه الآراء والأفكار في خطةٍ واحدةٍ تكاد تجمع عليها الأمة, يتألف ما يسمى: "بالرأي العام" في لغة العصر الحديث، أو "حكم الجماعة" في لغة العصور السابقة.
ولكن هل تصلح الجماعة كلها لإبداء الرأي؟ وهل تصلح كلها لمناقشة هذا الرأي؟
هنا ينبغي للباحث أن يفرق تفرقةً واضحةً بين طبقتين على الأقل من طبقات المجتمع, طبقة المستنيرين أو المثقفين الذين يستطيعون أن يدرسوا الأمور، وطبقة السوقة أو الدهماء أو المنقادين, الذين ينقادون انقيادًا أعمًى لرأي من الآراء، أو فكرةٍ من الأفكار؛ لأنهم عاجزون تمامًا عن مناقشتها؛ لمعرفة مقدار الخطأ أو الصواب فيها. ومن هنا كان تصرف الطبقة المستنيرة في المسائل العامة مخالفًا كل المخالفة لتصرف الدهماء أو السوقة في هذه المسائل.
стр. 45
أما الطبقة الأولى فهي التي تسمع وتقرأ، وتناقش وتفهم، وتكَوّن لنفسها رأيًا ما في نهاية الأمر, وأما الطبقة الأخيرة فلا عمل لها إلّا السير وراء الزعماء والقادة, منساقةً لهم، متأثرةً بهم وبآرائهم.
ومن ثَمَّ تجد أفراد هذه الطبقة الأخيرة يتبعون أول ناعقٍ، ويستحييون لأول صيحةٍ، ويسلكون سبيل الهياج أو الثورة، ولا يملكون لأنفسهم القدرة على مناقشة المسائل التي ثاروا من أجلها، والمشكلات التي أبدوا سخطهم عليها, وعلى ذلك تنبغي التفرقة دائمًا بين:
١- الرأي العام: وهو ما يصل إليه المجتمع الواعي بعد تقليب وجهات النظر المختلفة، والآراء المتعارضة.
٢- والسخط العام: وهو ما تصل إليه الجماهير بمجرد الإثارة والانفعال برجل واحد فقط، أو فكرة واحدة فقط، أو زاوية واحدة فقط, لا تكاد تسمح لغيرها من زوايا النظر الأخرى أن تظهر إلى جانبها.
٣- والاتجاه العام: وهو ما يكون نتيجةً لاتفاق الجماهير على شيءٍ معينٍ يرون فيه صيانة لتقاليدهم، أو دفاعًا عن دينهم، أو محافظةً على تراثهم، ونحو ذلك.
أجل, تنبغي التفرقة الواضحة بين هذه الكلمات الثلاث:
فالرأي العام هو -كما قلنا- نتيجة البحث والدرس والتجربة والفحص, وهو من هذه الناحية يعتبر قوة خالقة، وإن كان في بعض الأحيان -وإلى حدٍّ ما - يعتمد على ماضي الأمة، وعاداتها, وتقاليدها، وعلى ما يسمى بالنزعات أو الاتجاهات العامة فيها.
ومن ثَمَّ كان الوعي القوميّ في بلد من البلاد, إنما يقاس بالرأي العام في كل بلد، ولا يقاس مطلقًا بالسخط العام في هذا البلد، اللهم إلّا نادرًا
стр. 46
وفي ظروف معينة، وذلك لسبب واحد فقط، هو أن الناس في حالة "الرأي العام" يتمتع كل منهم بفرديته، ويستطيع أن يظهر شخصيته، وأن يظفر بالحرية الكافية لشرح وجهة نظره التي يقتنع بها، ويريد أن يقنع غيره بما فيها من صواب.
ولكن الناس في حالة "السخط العام" تنعدم فرديتهم وذاتيتهم, أو تكاد، ففي الزحام والتجمع تنمحي هذه الصفات, ويفكر الناس بالصور والخيالات، ويكون المجال واسعًا أمام الزعماء والقادة من غير العقلاء, وهم المعرفون عند الأوربيون باسم: "الديماجوج" ممن يثيرون الجماعات, ويستغلون سذاجتها, وانعدام الفردية, أو الذاتية بين أفرادها.
إن الشعب في حالة "السخط العام" يكون أشبه شيء بالنظارة في المسرح، يتأثرون بالرواية المسرحية وقت مشاهدتهم لها، فلا يستطيعون الجمع وقتئذ بين المشاهدة والنقد، ولايستطيعون التمييز بين شتَّى المواقف المسرحية المعروضة عليهم في ذلك الوقت.
стр. 47
"٤"
أنواع الرأي العام:
اختلف الباحثون في الرأي العام، فمنهم من رأى أنه ثلاثة أنواع على النحو الأتي:
١- الرأي العام المسيطر.
٢- الرأي العام المستنير أو القاريء.
٣- الرأي العام المنقاد.
والأول: رأي القادة، والزعماء، والحكومات في أغلب الأحيان.
والثاني: رأي الطبقة المثقفة في الأمة، وهي الطبقة القادرة على الدرس والمناقشة.
والثالث: رأي السواد الأعظم من الشعب, ممن يستطيعون متابعة البحث أو الدرس.
стр. 48
ومن الباحثين من رأى أنه -أي: الرأي العام- ثلاثة أنوع، ولكن على النحو الآتي:
١- الرأي العام الكليّ.
٢- الرأي العام المؤقت.
٣- الرأي العام اليوميّ.
فالأول: يتصل اتصالًا قويًّا بالدين، والأخلاق العامة، والعادات، والتقاليد الموروثة، وغيرها من الأشياء الثابتة في الأمة، ولذا يمتاز هذا النوع بالثبات، ويشترك فيه السواد الأعظم من الناس.
والثاني: هو ما تمثله الأحزاب السياسية, والهيئات العامة والخاصة، وذلك عندما تسعى لتحقيق هدفٍ معينٍ في وقت معين.
والثالث: هو النوع المتقلب كتقلب الجو في شهر أمشير -كما يقول المصريون- وعليه تعيش الصحف اليومية، والإذاعة, ونحو ذلك.
ومن الباحثين من يرى في الرأي العام كذلك أنه أربعة أنواع:
١- رأي الأغلبية أو الأقلية.
٢- رأي الأقلية مجتمعة.
٣- الرأي الساحق.
٤- الرأي الجامع.
فالأول: هو رأي الجماعة حين تنقسم إلى هذين القسمين: أغلبية، وأقلية, وقد تتحول الأولى إلى الثانية، وقد يحدث العكس، ومن أجل هذا, كان لرأي الأقلية وزنٌ كبيرٌ في الأمة، وذلك أن أصحاب الأقلية إنما يعتمدون على بذل الجهود الكثيرة في سبيل الوصول إلى الأغلبية، وبهذه الجهود تنتفع الأمة.
والثاني: هو رأي الأقليات الكثيرة حين تتفق أحيانًا على رأي معين في ظرف معين، ولهدف معين، ولكن قد يفضي هذا النوع من الرأي بالأمة إلى التحول السريع, من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أجله قد تسقط وزارة، وتعقبها أخرى، ويستمر الحال على ذلك حتى تتمكن إحدى الأقليات من أن تصبح أغلبية.
стр. 49
وأما الثالث: فكثيرًا ما يكون نتيجةً لاندفاع الشعب، أو نتيجةً لتكاسله في بحث المشكلات العامة، والشعب إذا وصل إلى الرأي الساحق عن طريق البحث أو الدرس, فإنه يكون في مثل هذه الحالة بلغ الذروة، ولكنه في الواقع قَلَّمَا يصل إلى ذلك.
والرابع: هو الأي تجمع عليه الأمة، ولا يكون ذلك في الأعم الأغلب إلّا في الأمور التي ترتكز على ماضي هذه الأمة، وما ورثته من عادات، ونزعات، ومعتقدات، وهذا الرأي العام هو ما سميناه من قبل: بالاتجاه العام، أو النزعة العامة، وهو شيء لا يناقش في العادة، وإذا تعرض أحد لمناقشته عَرَّضَ نفسه للخطر المحقق.
ومع هذا وذاك, ففي استطاعة عددٍ قليلٍ من القادة في كل أمة أن يقنعوا أمتهم بفساد جزء من أجزاء هذا الرأي الجامع، بشرط ألّا يمسَّ هذا الجزء أصلًا من أصول الدين أو العقيدة، فمن الممكن مثلًا أن ينادي مصلح من المصلحين في أمريكا بفساد الفكرة القائمة بالتمييز بين السود والبيض، وإن كان ذلك يحتاج من مثله إلى صبر طويل, وكفاح مرير، وعمل متواصل, فعلى الصحفيِّ دائمًا أن يعرف كيف يفرق بين هذه الأنواع للرأي العام، وعليه أن يفرق بين ما سميناه: بالرأي العام، والسخط العام، والاتجاه العام، فهذه التفرقة يأمن الزلل في تفسير الحوادث التي تجري في المجتمع.
стр. 50
"٥".
دور الصحافة في تكوين الرأي العام:
نحن نعرف أن الصحافة أقدر من غيرها على التأثير في الجمهور، وهي بلا شكٍّ أقدر في هذه الناحية من الإذاعة, ومن الخطابة، بل هي أخطر منها في الوصول إلى هذه الغاية.
والسبب في ذلك أن الصحيفة تستطيع بخلاف الخطب والإذاعة أن تدعو إلى فكرةٍ من الأفكار، أو رأي من الآراء، وأن تكرر هذه الدعوة
стр. 51
يومًا بعد يومٍ, بصور مختلفةٍ، والصحيفة بهذا التكرار أشبه شيء بقطرات الماء التي تسقط تباعًا وباستمرار على صخرةٍ قويةٍ، ولا بد لها يومًا أن تخرق هذه الصخرة، وقد تصل إلى تحطيمها وتهشيمها في نهاية الأمر.
غير أنه من الخطأ مع هذا وذاك, أن تعتقد أن الصحافة تصنع الرأي العام بكل ما في هذه الكلمة من معنًى. فإن الأولى من ذلك أن يقال: إن الصحافة تأخذ من هذا الرأي وتعطي، وتؤثر فيه وتتأثر به، تقود الشعب وتنقاد له، توجه الحكومات وتتلقى توجيهاتها, وهكذا.
ومن ثَمَّ, نجد الفرق واسعًا بين الرأي العامِّ في أمة متعلمةٍ ناهضةٍ واعيةٍ، والرأي العام في أمةٍ جاهلةٍ نائمةٍمتغافلة.
الأولى: تستطيع الاستفادة من الصحافة، أو بعبارة أخرى: تؤثر فيها وتتأثر بها.
والثانية: عاجزة عن الانتفاع بالصحافة، ولا دخل لها تقريبًا في تكوين الرأي العام الذي تُعْنَى به الصحف,
وفي هذا المعنى يقول الأستاذ "توماس جيفرسون" عبارته المشهورة: "إنني لا أستطيع الاعتقاد بأن الصحافة قد بلغت غايتها إلّا إذا أصبح كل إنسانٍ يعرف القراءة والكتابة, ويعرف كيف يقرأ الصحيفة".
"والخلاصة" حتى الآن, أن الأمانة الصحفية تُحَتِّمُ على الصحف أن تتوخى الدقة في رواية الأخبار, داخلية كانت أم خارجية, كما تحتم عليها كذلك ألَّا تنظر إلى الربح الماديِّ وحده، بأن تعرض الأخبار على الجمهور عرضًا ينطوي على سوء القصد قبل كل شيء، أو بأن تُحَرِّفَ الأخبار تحريفًا يبعدها عن الحقيقة كل البعد.
ذلك أن الصحافة مسئولةٌُ عن توجيه الأمة، مسئولةٌ عن تكوين الرأي العام الناضج فيها، وهذه المسئولية في الأمم الضعيفة, أو الجاهلة, أو المتأخرة, أثقل منها بكثير في الأمم القوية المتعلمة المناهضة.
стр. 52
وفي هذا المعنى يقول الزعيم الشاب مصطفى كامل:
"إذا كانت الصحافة في كل بلاد العالم شديدة التأثير، عظيمة الفائدة، فإنها يجب أن تكون في مصر أشد تأثيرًا، وأكبر نفعًا؛ لأن الأمم الحية غنيةٌ عن إرشاد الصحف في كثير من الشئون, أمَّا في مصر, وبقية بلاد الشرق, فوظيفتها أن تكون المهذبة المؤدبة، المنشطة المشجعة، القائمة مقام المجالس النيابية، حتى تترقى الأمة, وتنال كل حقوقها".
ومهما يكن من شيء ففي استطاعتنا أن نقول: إن هناك أمورًا كثيرةً تؤثر في الدور الذي تؤديه الصحافة في توجيه الرأي العام.
منها: صبغة الصحيفة, أو الهدف الذي ترمي إليه هذه الصحيفة، فإذا كان الهدف تجاريًّا في مجموعه، وكان الربح الماديُّ هو الغرض الأساسيّ من إصدارها, فإنها إذ ذاك تقل عنايتها بتوجيه الرأي العام، وتزداد عنايتها بتملق القراء، فلا تنشر لهم إلّا ما يلائم رغباتهم، ولو كان في ذلك ما يضر بمصلحتهم التي هي مصلحة المجتمع.
ويتصل بهذا العامل عاملٌ آخر, هو سياسة الصحيفة، فإذا كانت سياستها ترمي إلى العبث بالأخبار, أو تلوينها, خاصةً لغايةٍ من الغايات الخاصة بها, كذلك فإن الرأي العام إذ ذاك يتعرض بنفسه لمحنة من أشد المحن، ويحار القراء يومئذٍ في معرفة الحقيقة, فتنحرف الأفكار والخطط انحرافًا بليغًا.
وثَمَّ مظهر آخر من مظاهر سياسة الصحيفة، فقد ترغب هذه الصحيفة في اتباع سياسة الإثارة، وقد تزهد في هذه السياسة، ومن الصحف ما تعتمد اعتمادًا تامًّا في كتابة الأخبار على الإثارة، ومنها ما تقتصد اقتصادًا ظاهرًا في ذلك، والذي لا شكَّ فيه أن الرأي العامَّ يصلح باتباع الطريقة الأخيرة، ولا يصلح مطلقًا باتباع خطة الإثارة, ثم إنه من العوامل المؤثرة في الرأي العام عن طريق الصحافة عامل
стр. 53
الحكومة، وسيطرة هذه الأخيرة أو عدم سيطرتها على الصحافة, والذي لا شك فيه أيضًا أن الرأي العام لا يتكوّن تكونًا صحيفًّا في ظل حكومة من النوع الأول، ولكنه يقترب من الكمال في ظل حكومة تبسط للصحافة من الحرية ما يكفي التعبير عن جميع الآراء ومختلف الاتجاهات.
وهنا يحلو لنا مرةً أخرى أن نسوق عبارةً للأستاذ أمين الرافعي, نشرها في افتتاحية السنة الثالثة لجريدة الأخبار ١ قال: "قامت الصحافة بدورٍ كبيرٍ في النهضات الوطنية التي شهدها الشرق والغرب، وقد عرفت لها الشعوب المختلفة هذا الفضل, فجعلت في مقدمة أنظمتها الدستورية أن تكون الصحافة حرةً؛ لتستطيع تأدية واجبها العظيم الذي أنشئت من أجله، وقد تبين قادة الحركات السياسية أن هذه الحركات يصعب نجاحها ما لم تكن الصحافة بجانبها, لتقوم بقسطها الكبير فيها".
وقال "سايبس": "الصحافة هي الضامن الحقيقيُّ للحرية السياسية، فإذا أردت إصلاح العيوب العامة, وجدت من الصحافة أكبر عضد لك في عملك، فهي التي تنير الرأي العام، وتكون بمثابة المصباح يُهْتَدَى بضوئه، ومتى ظهر هذا المصباح أمام أعداء الأمة، وخصوم الإنسانية, استولى عليهم الرعب, وبادروا إلى العدول عن تنفيذ نيَّاتهم الضارة التي كانوا يتآمرون عليها في الظلام, فاتركوا الصحافة تعمل لإعداد النفوس لفعل الخير، اتركوها تؤهل العقول للشعور بالواجب الوطنيّ".
ومضى الأستاذ أمين الرافعي يقول: "وقد أرتأى كثيرٌ من الفلاسفة والسياسيين والمؤرخين, أن الأمة التي لا تحترم حرية الصحافة, لا تستطيع النهوض بنفسها، ولا يسعها الانتفاع من جميع الحقوق الأخرى التي تكون متمتعة بها، مهما كانت هذه الحقوق عظيمة الشأن في ذاتها".
стр. 54
وقال جول "سيمون":
"إذا كانت للشعب حق التشريع لنفسه, بواسطة النواب الذين ينتخبهم، وإذا كانت السلطة الحاكمة لا تمتلك سن القوانين, ولا عرضها، ولا رفضها، وإذا كانت الانتخابات للهيئات النيابية حرةً وغير مقيدةٍ, إذا كان للشعب كل هذه الحقوق, فإنها تظل جوفاء وهمية خيالية, ما لم تتأيد بضمانة كبرى, هي حرية الصحافة".
فالذين يتقدمون للخدمة الوطنية عن طريق الصحافة, إنما يتقدمون لتحمل عبء ثقيل لا يجوز أن يستهان فيها بالمسئولية المترتبة عليه، ولا سيما إذا كانت الصحافة في عهدهم محرومة من التمتع بحريتها، فهم مضطرون من جهةٍ للنضال في سبيل تحرير صحافتهم، كما أنهم مطالبون من جهةٍ ثانيةٍ بأن يستخدموا الدائرة الضيقة المخصصة لعملهم في سبيل الدفاع عن القضايا الوطنية التي وقفوا أنفسهم على خدمتها، والسعي في نجاحها, مهما تحمَّلوا في هذا الطريق من تضحيات مختلفة.
فذلك إذن, هو الدور الذي تقوم به الصحافة في جميع الأمم, وهو دورٌ خطيرٌ ما دامت الصحافة تقوم بواجبها بكل شرف ونزاهة, وهنا يطيب لي أن أستطرد قليلًا فأقول عن الصحافة المصرية: إنها كانت في العشر الأخير من القرن التاسع عشر, والعشور الثلاثة الأولى من القرن العشرين, كانت في نظر التاريخ صحافة رأيٍ بالمعنى الصحيح، وذلك بالرغم مما تعرضت له تلك الصحافة من إيذاء وتعطيل، وبالرغم مماكانت تعانيه من قانون المطبوعات١.
كان الصحفيون في تلك الفترة التي نشير إليها, يقدرون مهمة الصحافة على الوجه الذي شرحه أحدهم، وهو هنا الأستاذ أمين الرافعي، وكانوا يوطِّنُون أنفسهم على البذل والتضحية في سبيل قيامهم بهذا الواجب الأعلى.
стр. 55
أما اليوم: فالصحافة المصرية قد وجهت كل عنايتها إلى أمرين, هما: الإخراج، والتوزيع, وهما الناحيتان اللتان لم تبد صحافة الأمس عنايةً كافيةً بهما في الحقيقة, ولسنا نبالغ إذ نقول: إن صحافة اليوم وجدت في الاهتمام بالإخراج الفنيّ كل ما يعوضها عن الاهتمام بإبداء الرأي, والثبات على المبدأ، وتوخي مصلحة المحكوم قبل توخي مصلحة الحاكم.
стр. 56
"٦"
القانون والرأي العام:
أيهما أشد تأثيرًا في سلوك الأفراد والجماعات: الرأي العام أم القانون؟ وأيهما أرعى للصالح العام، وللمثل الأخلاقية، وللتقاليد والعادات: الرأي العام أم القانون؟
وهل يستطيع الرأي العام أن يسن قانونًا أو يلغي قانونًا؟
الإجابة على هذه الأسئلة توضح لنا قيمة الرأي العام من جهة، كما توضح لنا الصلة بين الرأي العام والقانون من جهةٍ ثانية، وتزيدنا معرفةً بالدور الخطير الذي يؤديه الرأي العام في حياة الناس آخر الأمر.
والمتأمل في حياة الأفراد والجماعات يراها تسير في أكثر الأحيان بقوة التقاليد والعرف والعادات، وكل واحد من هذه الأشياء إنما هي ثمرة الرأي العام، أو الأفكار المتفق عليها بين الناس, في كل شأنٍ من شئونهم الخاصة والعامة.
ومعنى ذلك بجلاء: أن الإجماع بين الناس على نوعٍ من أنواع السلوك يعتبر قانونًا عرفيًّا من القوانين التي تسيطر على الحياة العامة من جميع جوانبها، وتخلق ما يسمى بين العلماء باسم "المناخ الاجتماعيّ".
ومن ثَمَّ كان "الإجماع" أصلًا من أصول الشريعة الإسلامية، لا يقل في خطورته أو فائدته عن الأصول الثلاثة الأخرى, التي هي: القرآن، والسنة, واجتهاد الأئمة.
стр. 57
وكالشريعة الإسلامية في ذلك جميع الشرائع الأخرى، أي: أنه ليس في استطاعة القوانين الوضعية أن تهمل هذا الأساس القويّ من الأسس التي تبنى عليها، وهو "الرأي العام" وخاصةً إذا بلغ هذا الرأي مرتبة "الإجماع".
وفي هذا وذاك ما يدل دلالةً صريحةً على أن الرأي العام هو الذي يصنع القانون, أو بعبارة أدق, هو الأصل الأول من الأصول التي يعتمد عليها واضعو القانون، وكثيرًا ما نرى بعض المجتمعات البدائية محكومة بالتقاليد السائدة بين أفرادها, وبالعرف والعادات التي هي بمثابة القوانين غير المكتوبة.
وصف المستر "بلانت" نظام الحكم البدويّ في نجد, عام ١٨٧٩ فقال:
"..... وفي نَجْد, تعيش هيئةٌ اجتماعيةٌ طِبْقًا للنظام الذي يحكم به دعاة المثل الأعلى في بلادنا، فلا ضرائب ولا بوليس، ولا تجنيد، ولا إكراه في أي شيء, ولا قانون لهذه الهيئة في حقيقة الحال إلّا الرأي العام، ولا نظام إلّا ما تمليه مبادئ النبل والشرف "١.
ومعنى ذلك: أنه لا ضرر من أن تحكم الأمم بالرأي العام الذي يسوده, وأن في الإمكان أن يحل هذا الرأي محل القانون، ويقوم بكل وظائفه، ويأتي بثمرته.
وأكثر من هذا وذاك, أنك ترى في بعض الأحيان أن الرأي العام في الأمة المتحضرة يستطيع أحيانًا أن يلغي قانونًا مكتوبًا بنفس القوة التي استطاع بها أن يسن هذا القانون المكتوب.
وكثيرًا ما يكون ذلك في الأوقات التي يبدو فيها القانون المكتوب كأنه يتعارض ومصلحة من مصالح الجمهور، وفي هذا الحالة يضطر الفقهاء وواضعو القانون أن يخضعوا خضوعًا تامًّا لهذه المصلحة، وفي مثل هذه الحالة كذلك تظهر قيمة "الاجتهاد" كأصلٍ من الأصول التي يُبْنَى عليها التشريع.
стр. 58
وعندي أن الأساس الذي بنيت عليه فكرة الاجتهاد في التشريع, هو ما ذهب إليه عامة المفكرين من أن رجال القانون في أيِّ جيلٍ من الأجيال, إنما يمثلون في الواقع جيلًا متخلفًا عن الرأي العام السائد في هذا الجيل، أو بعبارةٍ أخرى: يمثلون الجيل السابق أكثر مما يمثلون الجيل الحاضر أو اللاحق، فإذا صحَّ ذلك, فإنه يفضي بنا إلى القول في صراحة: بأن كل جيلٍ من الأجيال في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى طائفة من أهل الاجتهاد يشرعون له من النظم والقوانين ما يتفق والحالة التي انتقل إليها، أو ما يتفق والتطور الذي خضع له، فإذا حرم جيلٌ من الأجيال من هذا الاجتهاد, أصبح القانون الذي يخضع له جامدًا لا حياة فيه، وعجز هذا القانون عن أن يحل مشكلة، أو يحمي مصلحة، أو يساعد على أيِّ نوعٍ من أنوع التطور أو الرقيِّ.
والذي لا شك فيه أن الرأي العام هو وحده القادر دائمًا على أن يكشف عما بالقانون القديم من نقص، ويعبِّر عما يحتاج إليه الجيل الجديد من إضافةٍ أو تعديلٍ أو حذفٍ.
ومهما يكن من شيء, فنحن إذ نتعمق البحث في طبيعة الرأي العام من جانبٍ, وطبيعة القانون من جانب آخر، نجد أن بينهما فروقًا من نواحٍ شتَّى منها:
أولًا: الرأي العام -كما قلنا- يعتبر أصلًا من الأصول التي يُبْنَى عليها القانون، والعكس قلما يصح.
ثانيًا: أن القانون بحاجةٍ على الدوام إلى تأييدٍ من الرأي العام، ولذا فإنه كثيرًا ما تتعرض القوانين التي لا تظفر بهذا التأييد إلى خطر الإلغاء, في اللحظة التي يظهر فيها أن هذا القانون ضارٌّ بمصلحة من مصالح الجمهور، ومثال ذلك:
"أن من القوانين الأمريكية ما لم يرض عنه الرأي العام الأمريكيّ، مثل قانون حظر صناعة الخمور وتناولها, سنة ١٩٢٠، وقد قامت ضده الدعايات
стр. 59
في كل مكانٍ, على زعم أنه يناهض الحرية الشخصية وينتقص منها، فظهر رأي عامٌّ يطالب بإلغائه, حتى تَمَّ إلغاؤه"١.
ثالثًا: الرأي العام أكثر ملاءمةً لنفسية الشعوب والأفراد من القانون, بل هو أكثر منه مرونةً, وأقدر على التعبير عن حاجات الناس، وهي الحاجات التي يُسَنُّ من أجلها القانون في معظم الحالات.
رابعًا: الرأي العام تثيره العواطف، بينما القانون لا يابه لهذه العواطف، بل كثيرًا مانسمع المحامين في بعض القضايا يصيحون في وجه القاضي: الرحمة فوق العدل، ولكن تذهب صرخاتهم هباء، ولا يسمع لها القضاة في أكثر الأحيان.
خامسًا: الرأي العام من وضع الجمهور على مر السنين، في حين أن القانون من وضع طائفةٍ قليلةٍ من هذا الجمهور في فترة معينة، وهم المشرعون.
والرأي العام بما له من هذه المزايا الخمس على الأقل, يعتبر قوةً هائلةً تستطيع المحافظة على كيان المجتمع، وتستطيع النهوض بصيانة المثل الأخلاقية التي لهذا المجتمع, وهذه القوة الهائلة تستطيع القيام بكل هذه الأمور الهامة بدون عصا الحاكم, أو تهديد المستبد، أو بطش الدكتاتور.
والمهم أنه في ظل الديموقراطية الصحيحة يزدهر الرأي العام وينمو, كما نما بقوة في مثل البيئة اليونانية القديمة، أو البيئة الإسلامية المجيدة، على أيدي الخلفاء الراشدين، ومن جرى على نهجهم من حكام المسلمين.
стр. 60
"٧"
الرقابة على الصحف:
مهما يولغ في حرية الصحف, فإن لهذه الحرية حدودًا معينةً، والشارع
стр. 61
حينما وضع القوانين التي تخوّل الحكومة حق الرقابة على الصحافة, إنما قصد في الحقيقة إلى حماية المصالح العامة، والذود عن التقاليد التي تواضع عليها الناس، فأخذهم بشيء من التحفظ في إبداء الرأي، حتى لا تضر الحرية المطلقة بكيان الفرد أو المجتمع، من أجل ذلك تحرص الحكومات على فرض شيء من الرقابة على الصحف، وتتخذ هذه الرقابة الحكومية مظهرين في الغالب:
أولهما: مظهر الرقابة الاستثنائية في وقت الحروب والثورات، فإذ ذاك تخضع البلاد للأحكام العرفية التي تتيح للحاكم العسكريّ أن ينظر في كل خبر صحفيٍّ قبل نشره، وذلك عن طريق الرقيب الذي يكون له مطلق الحرية في حذف ما يريد, وإثبات ما يريد.
وثانيهما: مظهر الرقابة الجزئية، وذلك عن طريق القضاء؛ إذا ينظر القانون إلى رئيس التحرير على أنه المسئول الأول عن كل ما ينشر في صحيفته؛ من خبر يكون ضارًّا بالفرد أو بالمجتمع, وكاتب المقال يعتبر شريكًا لرئيس التحرير في هذه الحالة.
وعلى الرغم من هذا وذاك، فمن الحقِّ أن يقال: إن الشارع في هذه المحاولات قد يتجاوز الحد في تنظيم حرية الرأي, حين لا يكتفي بالقيود الضرورية لحماية الدولة أو المجتمع، بل يعمد إلى وضع العراقيل في سبيل هذه الحرية، وقصده منها -في الأعم الأغلب- أو التعليق على تصرفاتهم، أو محاسبتهم على أخطائهم التي يرتكبونها أحيانًا ضد شعوبهم، من أجل ذلك حرصت الشعوب كلها -حينما وضعت دساتيرها- على أن تنص في هذه الدساتير كلها نصًّا صريحًا على ضمان حرية الرأي، والنظر إلى هذه الحرية على أنها حقٌّ طبيعيٌّ لا غنى عنه للفرد.
وعلى هذا فالواجب أن تكون الصحافة حرةً لا رقيب عليها من جانب
стр. 62
الحاكم، فإن هذا شرط أساسيٌّ لنجاحها، إلّا أنه يجب ألَّا تتعارض هذه الحرية الصحفية وصالح الوطن، وألّا تكون أداةً لعرقلة نهضته، كما يجب ألَّا تقف هذه الحرية في سبيل حركة الشعب الوطنية والقومية بحالٍ ما.
ومهما يكن الأمر, فهناك نظريتنان تخضان بالتشريع الصحفيّ؛ من حيث حرية إعلان الرأي:
الأولى: ترى أن الصحافة وغيرها من طرق النشر والإعلان يجب أن تتحرر من كل قيدٍ قانونيٍّ, مهما كان هذا القيد.
والثانية: ترى فرض القيود القانونية على هذه الحرية, ما دام من واجب الدولة حماية الأفراد, والمحافظة على النظام العام.
ولكل نظريةٍ من هاتين النظريتين أنصار، ولكل طائفة من هؤلاء الأنصار حجج؛ فمن أنصار النظرية الأولى -على سبيل المثال- "ميرابو" أحد أبطال الثورة الفرنسية المعروفة، يحكى أنه قال: "إن حرية الصحافة دواء لكل الأدواء، وإن تقييدها لا يعوق في الحقيقة إلّا الشرفاء ١".
ومنهم "روبيه كولا" الذي قال في كلامه عن الصحافة: "خير قانون ألّا يكون هناك قانون".
ومنهم "إميل دي جير ردان" الذي قال: "الصحافة التي لا تترك حرةً ليست صحافةٌ بالمعنى الصحيح، ولكنها صحافةٌ متسامحٌ في وجودها؛ لأنها صحافةٌ يتضافر عليها العسف والتحامل في وقت معًا".
ومع هذا وذاك, ففي الصحافة كما يقولون: دواء يشفي من دائها، فقد أضحى القارئ لا يقنع عادةً بمطالعة صحيفة واحدة، والضرر الذي
стр. 63
تحدثه صحيفةٌ ما, تصلحه الصحيفة الأخرى، بحيث يزيد خير الصحافة في النهاية على ما فيها من شر١".
على أنه لا خوف في الحقيقة من هجمات الصحف، فقد يكون من ورائها خيرٌ للفرد الذي هو موضوع هذه الهجمات، وخيرٌ للمجتمع إذا أريد إظهار عيوبه ونقائصه.
ويحدثنا الزعماء والسياسيون أنهم أفادوا من أعدائهم بأعظم مما أفادوا من أنصارهم وأصدقائهم، حتى لقد ظهر فيهم من يقول: "أن يكون لك في عالم السياسة اسم ردئ, خير من ألّا يكون لك اسم على الإطلاق".
والأمريكيون يذهبون في حرية إعلان الرأي إلى أبعد حدٍّ، ويرون في الحرية على هذا النحو أمانًا من كل شر، وكذلك يفعل الإنجليز في بلادهم، وأكثر شعوب القارة الأوروبية في وقتنا هذا.
أما النظرية الثانية: وهي النظرية التي تفرض قيودًا قانونيةً على الحرية- فلها كذلك أنصار كثيرون، يرون أن من واجب الدولة حماية الأفراد والجماعات، وتنظيم الحقوق والحريات، والاحتراس الشديد من أولئك الذين يهاجمونها, ويعكرون عليها صفوفها وسلامتها، ومن ثَمَّ بادرت الحكومات بوضع القوانين التي تحول دون إساءة استعمال الحريات بوجهٍ عامٍّ، وحرية الصحافة بوجه خاصٍّ، وفي صلب القانون العام جزء هام اسمه "جرائم الرأي", وهو مادة تدرس في معاهد الصحافة كلها تقريبًا إلى يومنا هذا، وقد نصَّ هذا القانون على عقوبات خاصةٍ في أمر السب, أو القذف, وغيرهما من الجرائم التي ترتكب عن طريق النشر.
والقاعدة الأساسية في هذا القانون تتلخص في: أن لكل فرد حريةً فكريةً في أية مسألة دينيةٍ, أو سياسيةٍ, أو اجتماعيةٍ، ولا عقاب على التفكير وتكوين الرأي مهما كان مخالفًا للقانون، إنما العقاب على إعلان الرأي
стр. 64
المخالف للقانون بطريقة من طرق العلانية المعروفة، والعقاب كذلك على استعمال العنف في إقناع الغير بهذا الرأي المخالف.
ومعنى ذلك أن العقيدة شيء, وإبداء الرأي شيء آخر؛ لأن إبداء الرأي وسيلةٌ من وسائل التأثير في الناس، وقد يكون في ذلك ضرر ما يحيق بهم, فعلى الحكومة في هذه الحالة أن تحمي المجتمع من الآراء الضارة بمصالحهم، ولذلك يفرِّق القانون دائمًا بين إبداء الرأي والتحريض على اعتناق هذا الرأي؛ فالأول مباح في جملته، أما الثاني فيعاقب عليه القانون، ومن حقِّه -عند اتباع النظرية الثانية- أن يفعل.
وجاءت بعض البلاد -ومنها مصر- فنظرت إلى الشيوعية مثلًا على أنها من المذاهب السياسية الخطيرة, وخطورتها في نظر هذه البلاد آتية من أنها تعتمد أولًا على العنف أو القهر، ولذلك يعاقب القانون المصريّ الصادر في سنة ١٩٦٤ كل من يدعو إلى الشيوعية، ويحاول إقناع الناس بها، وما زلنا نسير على هذا القانون إلى اليوم.
على أن الرقابة الصحيحة هي التي تكشف عن النيات السيئة والأغراض المضللة, والرقيب الذكيُّ هو الذي يكشف عن هذه النيات السيئة، حتى ولو لم يقصد الكاتب إلى شيء منها.
والخلاصة: أن للصحافة أن تخوض في هذه الموضوعات المختلفة برفق، وأن تعتمد في ذلك على الجدل المحض، وألّا تتجاوز الجدل إلى غيره من مظاهر القهر، وهي بهذه الشروط تستطيع أن تنجح في أمور شَتَّى، مثل تنقية الدين من عار الخرافة، ومثل إقناع الأمة بفكرة جديدة, تحل محل أخرى قديمة، وكثيرًا ما يكون ذلك حين يثبت للأمة أن الفكرة القديمة قد بليت, وأستنفدت أغراضها، كما يقول السياسيون.
стр. 65
على أن هذه الحدود التي يحدُّ بها القانون من حرية الصحافة في بعض الأوقات, أشبه ما تكون بعلامة الخطر أو الإنذار التي نجدها أحيانًا في الطريق العام, وليس من الحكمة مطلقًا أن يتجاهل العاقل هذه الأشياء، ولكن ليس معنى ذلك أيضًا أن يبالغ في خوفه منها مبالغةً تشل حركته، وتحدُّ من نشاطه وقوته؛ فالصحفيُّ المقيد قلَّمَا يكتب شيئًا له قيمة، والصحفيّ متى فعل ذلك حكم على نفسه وعلى جريدته بالجمود الأبديّ، وحَالَ بين أمته وبين أن تتطور وتتقدم، وربما كان ذلك بعض ما عناه الدكتور محمد كامل مرسي؛ حيث قال:
"والذين يدعون مخلصين إلى التوسع في توفير الحريات الفردية, إنما يدعون إلى ذلك على اعتبار أن الإنسان بفضل ما بلغه من المستوى الرفيع في أمور الاجتماع، وفي الأخلاق، وفي الثقافة، خليقٌ أن يدرك واجباته نحو الدولة، ونحو المجتمع، ونحو سائر المواطنين، بحيث لا يحتاج الحال إلى تقييده بقيود, ونظمٍ تقلل من نشاطه الاجتماعيّ، على اعتبار أن الحرية نفسها -مع بعض المراقبة- كفيلةٌ بتنظيم نفسها, وبتطورها مع الزمن إلى الأصلح والأنفع١".
هذا هو منطق الحكام ورجال القانون والقادة والزعماء.
أما الأدباء ورجال الفنون بوجهٍ عامٍّ, فإنهم يبغونها حريةً واسعةً لا حدَّ لها، ويؤمنون إيمانًا لا يمازجه الشك بأن الحرية -مهما حشد لها الظالمون، وبيت لها المتآمرون، وكاد لها الكائدون- لا بد وأن تبلغ ما تريد.
وقف الأستاذ أنطون الجميل في مجلس النواب المصريّ يومًا, وطالب الحكومة المصرية بمثل هذه الحرية، واستشهد في كلامه بأبياتٍ للشاعر خليل مطران قال فيها:
стр. 66
كسروا الأقلام هل تكسيرها ... يمنع الأيدي أن تنقش صخرًا؟
قطعوا الأيدي هل تقطيعها ... يمنع الأعين أن تنظر شزرًا؟
أطفئوا الأعين هل إطفاؤها ... يمنع الأنفاس أن تصعد زفرى؟
أخمدوا الأنفاس هذا جهدكم ... وبه منجاتنا منكم فشكرًا
أجل، إن حرية الرأي مكفولةٌ لكل صحيفةٍ، وهي في الأمم الناهضة القوية أظهر منها في الأمم الضعيفة المتخلفة، ولذلك لا تؤثر الحزبية في الأمم الأولى, ولا تضعف قوة الرأي العام فيها، فلا تراها تعادي الحكومات القائمة بغير سبب، ولا تراها تعارض في الأعمال الحسنة كما تعارض في الأعمال السيئة سواء بسواء، بل تصل الأمم الراقية في أكثر الأحيان إلى حدِّ أن تتفق فيها جميع الأحزاب على طائفة من المسائل القومية الكبرى لا تصبح موضعا للمناقشة تحت أيِّ ظرف؛ وإذ ذاك تصبح المعارضة مسئولة هي الأخرى عن الحكم، ومن أجل ذلك يطلق على المعارضة في انجلترا اسم "معارضة جلالة الملك أو الملكة" أسوة بالاسم الذي يطلق على الحكومة نفسها وهو "حكومة جلالة الملك أو الملكة".
وفي هذا ما يدل على احترام الحكم البريطانيّ للمعارضة، ومدى شعوره بالاشتراك في تحمل التبعات التي يتطلبها موقف المعارضة.
стр. 67
"٨"
نشأة الرأي العام في مصر:
سبق أن تعرضنا لهذا الموضوع في بداية الجزء الأول من "أدب المقالة الصحفية في مصر" فذكرنا الدوافع التي دفعت إلى ظهور الرأي العام، ولخصنا هذه الدوافع في خمسة دوافع وهي:
١- التدخل الأجنبيّ في مصر.
٢- استبداد الحكم المصريّ منذ تولي محمد على هذا الحكم.
٣- الأزمة التي وقعت بين الخديو إسماعيل والباب العالي.
стр. 68
٤- ظهور الدستور العثماني سنة ١٨٧٦.
٥- ازدياد الحركة الفكرية في مصر بظهور السيد جمال الدين الأفغاني.
فلقد كان من آثار هذه الدوافع الخمسة ظهور المحاكم المختلطة، وإقرار الامتيازات الأجنبية، وظهور صندوق الدين، والمراقبة الثنائية، ثم الوزارة الأوروبية، والإكثار من استخدام الأجانب في مصر، وفساد القضاء المصريّ، وظهور السخرة التي عانى منها الفلاح كثيرًا، وفداحة الضرائب التي أثقلت كاهل هذا الفلاح، وظهور إسماعيل بمظهر الرجل المسرف إلى الحدِّ الذي أضر بسمعة البلاد المالية والأخلاقية، وبداية الرغبة الملحة من جانب المصريين في أن يمنحوا الدستور الذي منحه عبد الحميد للشعب التركيّ، وأخيرًا ظهور هذا الرجل في إيقاظ المصريين من سياتهم، وحثّهم على المطالبة بحقوقهم، واسترداد الحرية التي لهم.
ثم انتقلنا من ذلك إلى ذكر الحركات الشعبية التي كانت مظهرًا للرأي العام, أو صدًى له، وأشرنا إلى أن هذه الحركات كانت تظهر أحيانًا على شكل صحافة أهلية، وأحيانًا على شكل جمعيات علنية، وأحيانًا على شكل جمعيات سرية.
ولا بأس هنا من الإشارة إلى بعض هذه الجمعيات الأخيرة التي لم نتحدث عنها في الماضي؛ لندل بهذا الحديث على أن هذه المنظمات السرية كانت كالصحافة العلنية قادرة على تطوير الأمة, والانتقال بها من حالٍ إلى أخرى أفضل منها، ومن تلك الجمعيات على سبيل المثال:
أولًا: الجمعية السرية للضباط
وهي أولى الجمعيات السرية في مصر, ظهرت عام ١٨٦٧م, وكان رئيسها فتًى يقال له: "علي الروبي" وانضم إليها فيها بعد رجال من أهمهم: أحمد عرابي، وعلى فتحي، وعبد العال حلمي، وغيرهم.
стр. 69
وقد اعتادت الجمعية السريَّة إذ ذاك أن تسند ظهرها إلى شخصيةٍ من الشخصيات المرموقة، ولذا رأينا هذه الجمعية السرية التي نتحدث عنها الآن, تحاول التقرب من الأمير حليم -وهو الابن الوحيد الباقي من أبناء محمد علي الكبير- وكان مرشحًا لتولي العرش بعد إسماعيل، لولا سعي هذا الأخير في تغيير نظام الوراثة على نحو ما هو معروف في التاريخ المصريّ.
وقد وصلت أنباء هذه الجمعية, وأنباء الأمير حليم, إلى مسامع الخديو إسماعيل، فعمل على نفي حليم من مصر, وإبعاده إلى القسطنطينية، فتَمَّ إبعاد هذا الأمير قبل أن يتمكن من إشعال ثورةٍ دبَّرَها مع أعضاء هذه الجمعية السرية، كان الغرض منها قتل الخديو إسماعيل، وكان الأمير حليم قد مَهَّدَ لهذه الثورة "بعريضة" قدمها إلى الخديو إسماعيل مطالبًا إياه فيها ببعض الإصلاحات الاقتصادية التي ترمي إلى التخفيف من عبء الضرائب عن كاهل الفلاح، ولم يكن من اليسير على إسماعيل أن يقوم بإصلاحٍ كهذا, في وقت كان فيه غارقًا في ديونه, ممعنًا في إسرافه وملذاته.
وأخيرًا أعلنت هذه الجمعية السرية عن نفسها، وكان ذلك في عام ١٨٧٩, وأطلقت على نفسها يومئذ اسم: "الحزب الوطني" وهو بطبيعة الحال غير الحزب الوطنيّ المنسوب إلى مصطفى كامل، ومهما يكن من شيء فتلك هي المرة الأولى التي سمع فيها صوتٌ يدافع عن الفلاح في مصر، وفي المرات التالية تابع المصلحون ترديد هذا الصوت، إلى أن كان عهد الثورة العرابية التي دافعت عن مصالح الفلاح، وسُمِّيَ زعيمُها أحمد عرابي إذ ذاك: "بزعيم الفلاحين".
وكان من أعضاء الحزب الوطني يومذاك شريف باشا، وشاهين باشا, وعمر لطفي باشا، وراغب باشا، ومحمد سلطان باشا، وآخرون.
وكانت هذه الهيئة في الواقع صدًى لظهور المعارضة في داخل مجلس النواب, واحتجاج المجلس على المشروع المالي الذي أعدته حكومة
стр. 70
رياض؛ لتعلن به على الملأ أنها في حالة إفلاس؛ وإذ ذاك رأى المستنيرون في هذا المشروع امتهانًا لكرامة الأمة، وكرامة الحكومة، وكرامة النوّاب، واجتمعوا بدار السيد البكري نقيب الأشراف، وفكَّروا في تسويةٍ ماليةٍ يمحون بها عار الإفلاس, ويعلنون فيها أن البلاد قادرةٌ على الوفاء بديونها، وانتهزوا الفرصة يومئذ للمطالبة بتأليف وزارة وطنية لا يشترك فيها الوزيران الأوروبيان، على أن تكون هذه الوزارة القومية مسئولة أمام مجلس النواب "١.
ثانيًا: جمعية مصر الفتاة
نشأت هذه الجمعية في مدينة الإسكندرية, عام ١٨٧٩, ولئن كان قوام الجمعية السابقة ضباطًا من الجيش المصريّ، فقد كان قوام هذه الجمعية نفرًا من الشبان المثقفين, الذين أطلقوا على جمعيتهم اسم: "مصر الفتاة".
ولم تهدنا الوثائق -حتى الآن- إلى معرفة زعيم هذه الجمعية، ولكنها تهدي إلى بعض الأعضاء المنضمين إليها، ومن هؤلاء: محمد أمين "نائبًا للرئيس"، ومحمود واصف "سكرتيرًا" وعبد الله النديم، وأديب إسحق, وسليم النقاش "أعضاء".
ثم حدث بتأثير عبد الله النديم, أن تغير اسم هذه الجمعية من "مصر الفتاة" إلى "الجمعية الخيرية الإسلامية"، وهي غير الجمعية الخيرية المعروفة في مصر في أيامنا هذه، ومن ذلك الحين خرجت هذه الجمعية من السر إلى العلن، وكانت هذه الجمعية أيضًا قد أعدت لنفسها صحيفةً تتحدث بلسانها، واسم هذه الصحيفة: "مصر الفتاة" التي ظهرت في أواخر عام ١٨٧٩، وبعد صدورها بعامٍ واحدٍ, تولى رياسة تحريرها أديب إسحق، وكان النديم يشاركه في تحريرها.
стр. 71
وهكذا تكاملت لهذه الجماعة هي الأخرى مقومات الحزب السياسيّ، ثم ما كاد توفيق يجلس على عرش مصر حتى بادرت الجماعة, فقدمت إليه عريضةً, ضمنتها مقترحاتها في الإصلاح، ورفعتها إليه يومئذ باسم: "اتحاد الشبيبة المصرية".
وكانت هذه العريضة تدل دلالةً صريحةً على مبلغ الثقافة التي تمتَّع بها الأعضاء، فقد شرح هؤلاء الأعضاء في مقترحاتهم الحالة الاجتماعية، والحالة الاقتصادية التي عليها البلاد، ووصفوا بإسهابٍ سوء حالة الفلاح، وأشاروا إلى عيوب القضاء، وإلى فساد الإدارة, ونحو ذلك، وأرجعت العريضةُ سوءَ الحالة إلى أسبابٍ أربعةٍ هي:
أولًا: حصر السلطة كلها في يد شخص واحد.
ثانيًا: الحاجة إلى قانون ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
ثالثًا: فساد القضاء المصريّ.
رابعًا: انحطاط التعليم, والحاجة إلى العناية الكافية بشئونه.
وقيل: إن رئيس هذه الجماعة هو عمر باشا لطفي محافظ الإسكندرية, ومن أعضائها يومئذ: السيد إبراهيم أبو هيف، والسيد إبراهيم مسعود بك، والسيد محمد شوباش بك، والسيد عبد القادر الغرياني.
وفي عام ١٨٨٠, وقف نشاط هذه الجمعية في مصر, ويبدو أن من أسباب ذلك انضمام أكثر أعضائها يومئذ إلى الحزب الوطنيّ الذي تقدَّمَ ذكره.
ثالثًا: الجمعية السرية المنسوبة إلى عباس حلمي الثاني
شعر عباس بأنه في حاجةٍ شدةٍ إلى الاستعانة على السلطات الإنجليزية بقوة الشعب المصريّ، وقوة المثقفين فيه خاصة، لكي يقوموا بتنظيم حركة وطنية، فأوعز إلى مصطفى كامل بعد عودته من فرنسا بتأليف
стр. 72
هذه الجمعية، فتألفت منه ومن: أحمد شفيق باشا, صاحب كتاب: "مذكراتي في نصف قرن" وآخرين من المصريين والفرنسيين الذي كان يعينهم أن يشتركوا في مقاومة النفوذ الإنجليزيّ.
وحين علم الخديو عباس بعد ذلك بوجود جمعيةٍ سريةٍ غرضها تحرير مصر, يرأسها أحمد لطفي السيد، ومن أعضائها عبد العزيز فهمي، وأحمد طلعت، وعبد الحليم، وعلي بهجت، طلب إلى مصطفى كامل أن يفاوض أحمد لطفي السيد في شأن انضمامه ومن معه إلى الخديو وجماعته ليؤلِّفَ الجميعُ حزبًا وطنيًّا برياسة الخديوي، فأجابه أحمد لطفي السيد إلى ذلك، واجتمع هذا الأخير بمصطفى كامل في منزل محمد فريد، وتَمَّ لهم تأليف الحزب الوطنيّ على النحو الذي أراده الخديو عباس إذ ذاك.
رابعًا: جمعية المودة السرية لضباط الجيش
مرةً أخرى عمد ضباط الجيش المصريّ في وادي حلفا وسواكن, إلى إنشاء جمعية سرية، وذلك بعد حادثٍ مشهورٍ في التاريخ المصريّ الحديث باسم: "حادث الحدود"، فقد كان الخديو عباس في زيارة للسودان, فاستعرض إحدى فرق الجيش هناك، وأبدى بعض الملاحظات في أثناء الاستعراض، فأحدثت هذه الملاحظات أزمةً كبيرةً تدخلت فيها بريطانيا, واضطر الخديو إلى سحب ملاحظاته، وأحدث ذلك امتعاضًا في نفوس الضباط المصريين في السودان، فأرادوا تأليف هذه الجمعية السرية عام ١٨٩٤, وكانت تهدف إلى إرسال التقارير السرية إلى الخديو, عن جميع الحركات التي يقوم بها الدراويش في منطقة وادي حلفا وسواكن, وتقارير عن حركات الضباط الإنجليز وأعمالهم هناك.
خامسًا: جمعية المقاصد الخيرية
هي هيئة شعبيةلم تكن في الواقع على شكل جماعة سرية، وكان من
стр. 73
أعضائها الشيخ محمد عبده، وكان من عملها الانغماس في أمور السياسة، واجتماع الأعضاء من حين لآخر للخطابة، والتداول في أمورٍ كثيرةٍ, وتكوين رأي عام في كل أمر من هذه الأمور على حدة، وذلك للمجاهرة أو المطالبة به في الوقت المناسب, وقد اجتمعت هذه الجمعية في ١٧ فبراير ١٨٨٢ للتصديق على المشروع الأساسيّ لمجلس النواب, وخطب الشيخ محمد عبده خطبةً بليغةً في ذلك الاجتماع١.
وبعد، فليس من شكٍّ أن جميع هذه المنظمات السرية والعلنية تدلنا دلالةً قويةً على وجود ما يسمى: برأي عامٍّ ضد الفساد القائم في مصر في ذلك الوقت، وهو فساد سياسيٌّ واجتماعيٌّ وقضائيٌّ وإداريٌّ، ومن أسبابه القوية عدم العناية بأمر التعليم، والخضوع التام لسيطرة الأوروبيين.
وقد رأينا كيف استتبع ظهور هذه الجمعيات على مسرح السياسة المصرية ظهور الأحزاب السياسية من جانب، وظهور الصحف الشعبية من جانب آخر.
وهكذا كان الشعور بسوء الحالة في مصر يظهر أولًا, ثم تظهر الصحف والأحزاب بعد ذلك, وقد أعان هذا كله على نضج الرأي العام في هذه البلاد، وهو الرأي الذي كان له الفضل في مقاومة الاستعمار الأوروبيّ أكثر من سبعين عامًا، انحسر بعدها ظل الاحتلال البريطانيِّ عن مصر، وتحررت في أثناء ذلك أكثر دول الشرق الأدنى من هذا القيد٢.
стр. 74
مصادر الكتاب الأول:
١- Anatomy of Pnblic opinion. by. Norman Yoem Powell.
٢- Public opinion and propaganda. by: Leonard Doob.
٣- The making of Public opinion. by Emory Bogardus.
٤- Public opinion. by william albig.
٥- La Prupagande Nouvelle Force Publicue. Par: Drien cout
٦- Das Internationale Zeitungs Wesen, Karl Bomer.
٧- The Flow of News: The International Press institute.
٨- جرائم الصحافة والنشر، للدكتور رياض شمس.
٩- الرأي العام، بحيث بقلم الدكتور حسنين عبد القادر, مجلة كلية الآداب" جامعة القاهرة, بتاريخ مايو ١٩٥٥.
١٠- أدب المقالة الصحفية في مصر، الجزء الأول للدكتور عبد اللطيف حمزة.
стр. 75
الكتاب الثاني: فن الخبر
نشأة الخبر وأهميته
...
الفصل الأول: نشأة الخبر وأهميته
الغاية من الصحافة هي جمع الأخبار التي تمس الصالح العام، والأخبار هي حجر الأساس في بناء الصحافتين القديمة والحديثة، وعن هذه المادة تصدر جميع المواد الصحفية الأخرى على اختلافها، أي: أن هذه المادة هي الأساس الأول الذي تقوم عليه الصحافة بجميع ألوانها المعروفة، كالمقال، والتعليق، والعمود، والتحقيق، والحديث، والماجريات الصحفية على اختلافها، ولولا الخبر ما عرفت هذه الفنون الصحفية التي نشير إليها بحالٍ ما, غير أنه من الخطأ أن يظن أن نشأة الصحافة مرتبطة بنشأة المطبعة، فالأصح من هذا أن يقال: إن الصحافة ترتبط في الواقع بالصفات الإنسانية والاجتماعية في نفوس البشر، وإن كان لاختراع المطبعة أعظم الأثر في تطور الصحافة ذاتها، فقد تأثرت الصحافة بها كما تأثر غيرها من مظاهر الحضارة في المجتمع.
وآية ذلك, أن المجتمعات البدائية تناقلت الأخبار بطرقها الخاصة منذ القدم, فقد كانت تتناقل أخبار الصيد والقنص، وأخبار الحرب والسلم، وأخبار الزواج والعبادات والدين، ونحو ذلك, بطريق النقش على الصخر، أو بطريق الأبواق، أو بطريق المنادين الذين يجوبون الأماكن الآهلة بالسكان، أو بطريق الرواة الذين يروون الأخبار والأشعار في كل مكان، أو بطريق الرسل الذين تناط بهم مثل هذه الأمور.
ثم ارتقت الصحافة من هذه المرحلة الصوتية إلى مرحلة الكتابة الخطيّة التي ظهرت أولًا في شكل خطابات دورية، ثم ظهرت بعد ذلك في شكل كتبٍ صغيرة، وبقي الحال على هذا حتى ظهرت المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر للميلاد، ومع ذلك, لم تنتفع الصحافة بهذه الأداة