← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهكذا تكاملت لهذه الجماعة هي الأخرى مقومات الحزب السياسيّ، ثم ما كاد توفيق يجلس على عرش مصر حتى بادرت الجماعة, فقدمت إليه عريضةً, ضمنتها مقترحاتها في الإصلاح، ورفعتها إليه يومئذ باسم: "اتحاد الشبيبة المصرية". وكانت هذه العريضة تدل دلالةً صريحةً على مبلغ الثقافة التي تمتَّع بها الأعضاء، فقد شرح هؤلاء الأعضاء في مقترحاتهم الحالة الاجتماعية، والحالة الاقتصادية التي عليها البلاد، ووصفوا بإسهابٍ سوء حالة الفلاح، وأشاروا إلى عيوب القضاء، وإلى فساد الإدارة, ونحو ذلك، وأرجعت العريضةُ سوءَ الحالة إلى أسبابٍ أربعةٍ هي: أولًا: حصر السلطة كلها في يد شخص واحد. ثانيًا: الحاجة إلى قانون ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ثالثًا: فساد القضاء المصريّ. رابعًا: انحطاط التعليم, والحاجة إلى العناية الكافية بشئونه. وقيل: إن رئيس هذه الجماعة هو عمر باشا لطفي محافظ الإسكندرية, ومن أعضائها يومئذ: السيد إبراهيم أبو هيف، والسيد إبراهيم مسعود بك، والسيد محمد شوباش بك، والسيد عبد القادر الغرياني. وفي عام ١٨٨٠, وقف نشاط هذه الجمعية في مصر, ويبدو أن من أسباب ذلك انضمام أكثر أعضائها يومئذ إلى الحزب الوطنيّ الذي تقدَّمَ ذكره. ثالثًا: الجمعية السرية المنسوبة إلى عباس حلمي الثاني شعر عباس بأنه في حاجةٍ شدةٍ إلى الاستعانة على السلطات الإنجليزية بقوة الشعب المصريّ، وقوة المثقفين فيه خاصة، لكي يقوموا بتنظيم حركة وطنية، فأوعز إلى مصطفى كامل بعد عودته من فرنسا بتأليف

стр. 72

هذه الجمعية، فتألفت منه ومن: أحمد شفيق باشا, صاحب كتاب: "مذكراتي في نصف قرن" وآخرين من المصريين والفرنسيين الذي كان يعينهم أن يشتركوا في مقاومة النفوذ الإنجليزيّ. وحين علم الخديو عباس بعد ذلك بوجود جمعيةٍ سريةٍ غرضها تحرير مصر, يرأسها أحمد لطفي السيد، ومن أعضائها عبد العزيز فهمي، وأحمد طلعت، وعبد الحليم، وعلي بهجت، طلب إلى مصطفى كامل أن يفاوض أحمد لطفي السيد في شأن انضمامه ومن معه إلى الخديو وجماعته ليؤلِّفَ الجميعُ حزبًا وطنيًّا برياسة الخديوي، فأجابه أحمد لطفي السيد إلى ذلك، واجتمع هذا الأخير بمصطفى كامل في منزل محمد فريد، وتَمَّ لهم تأليف الحزب الوطنيّ على النحو الذي أراده الخديو عباس إذ ذاك. رابعًا: جمعية المودة السرية لضباط الجيش مرةً أخرى عمد ضباط الجيش المصريّ في وادي حلفا وسواكن, إلى إنشاء جمعية سرية، وذلك بعد حادثٍ مشهورٍ في التاريخ المصريّ الحديث باسم: "حادث الحدود"، فقد كان الخديو عباس في زيارة للسودان, فاستعرض إحدى فرق الجيش هناك، وأبدى بعض الملاحظات في أثناء الاستعراض، فأحدثت هذه الملاحظات أزمةً كبيرةً تدخلت فيها بريطانيا, واضطر الخديو إلى سحب ملاحظاته، وأحدث ذلك امتعاضًا في نفوس الضباط المصريين في السودان، فأرادوا تأليف هذه الجمعية السرية عام ١٨٩٤, وكانت تهدف إلى إرسال التقارير السرية إلى الخديو, عن جميع الحركات التي يقوم بها الدراويش في منطقة وادي حلفا وسواكن, وتقارير عن حركات الضباط الإنجليز وأعمالهم هناك. خامسًا: جمعية المقاصد الخيرية هي هيئة شعبيةلم تكن في الواقع على شكل جماعة سرية، وكان من

стр. 73

أعضائها الشيخ محمد عبده، وكان من عملها الانغماس في أمور السياسة، واجتماع الأعضاء من حين لآخر للخطابة، والتداول في أمورٍ كثيرةٍ, وتكوين رأي عام في كل أمر من هذه الأمور على حدة، وذلك للمجاهرة أو المطالبة به في الوقت المناسب, وقد اجتمعت هذه الجمعية في ١٧ فبراير ١٨٨٢ للتصديق على المشروع الأساسيّ لمجلس النواب, وخطب الشيخ محمد عبده خطبةً بليغةً في ذلك الاجتماع١. وبعد، فليس من شكٍّ أن جميع هذه المنظمات السرية والعلنية تدلنا دلالةً قويةً على وجود ما يسمى: برأي عامٍّ ضد الفساد القائم في مصر في ذلك الوقت، وهو فساد سياسيٌّ واجتماعيٌّ وقضائيٌّ وإداريٌّ، ومن أسبابه القوية عدم العناية بأمر التعليم، والخضوع التام لسيطرة الأوروبيين. وقد رأينا كيف استتبع ظهور هذه الجمعيات على مسرح السياسة المصرية ظهور الأحزاب السياسية من جانب، وظهور الصحف الشعبية من جانب آخر. وهكذا كان الشعور بسوء الحالة في مصر يظهر أولًا, ثم تظهر الصحف والأحزاب بعد ذلك, وقد أعان هذا كله على نضج الرأي العام في هذه البلاد، وهو الرأي الذي كان له الفضل في مقاومة الاستعمار الأوروبيّ أكثر من سبعين عامًا، انحسر بعدها ظل الاحتلال البريطانيِّ عن مصر، وتحررت في أثناء ذلك أكثر دول الشرق الأدنى من هذا القيد٢.

стр. 74

مصادر الكتاب الأول: ١- Anatomy of Pnblic opinion. by. Norman Yoem Powell. ٢- Public opinion and propaganda. by: Leonard Doob. ٣- The making of Public opinion. by Emory Bogardus. ٤- Public opinion. by william albig. ٥- La Prupagande Nouvelle Force Publicue. Par: Drien cout ٦- Das Internationale Zeitungs Wesen, Karl Bomer. ٧- The Flow of News: The International Press institute. ٨- جرائم الصحافة والنشر، للدكتور رياض شمس. ٩- الرأي العام، بحيث بقلم الدكتور حسنين عبد القادر, مجلة كلية الآداب" جامعة القاهرة, بتاريخ مايو ١٩٥٥. ١٠- أدب المقالة الصحفية في مصر، الجزء الأول للدكتور عبد اللطيف حمزة.

стр. 75

الكتاب الثاني: فن الخبر نشأة الخبر وأهميته ... الفصل الأول: نشأة الخبر وأهميته الغاية من الصحافة هي جمع الأخبار التي تمس الصالح العام، والأخبار هي حجر الأساس في بناء الصحافتين القديمة والحديثة، وعن هذه المادة تصدر جميع المواد الصحفية الأخرى على اختلافها، أي: أن هذه المادة هي الأساس الأول الذي تقوم عليه الصحافة بجميع ألوانها المعروفة، كالمقال، والتعليق، والعمود، والتحقيق، والحديث، والماجريات الصحفية على اختلافها، ولولا الخبر ما عرفت هذه الفنون الصحفية التي نشير إليها بحالٍ ما, غير أنه من الخطأ أن يظن أن نشأة الصحافة مرتبطة بنشأة المطبعة، فالأصح من هذا أن يقال: إن الصحافة ترتبط في الواقع بالصفات الإنسانية والاجتماعية في نفوس البشر، وإن كان لاختراع المطبعة أعظم الأثر في تطور الصحافة ذاتها، فقد تأثرت الصحافة بها كما تأثر غيرها من مظاهر الحضارة في المجتمع. وآية ذلك, أن المجتمعات البدائية تناقلت الأخبار بطرقها الخاصة منذ القدم, فقد كانت تتناقل أخبار الصيد والقنص، وأخبار الحرب والسلم، وأخبار الزواج والعبادات والدين، ونحو ذلك, بطريق النقش على الصخر، أو بطريق الأبواق، أو بطريق المنادين الذين يجوبون الأماكن الآهلة بالسكان، أو بطريق الرواة الذين يروون الأخبار والأشعار في كل مكان، أو بطريق الرسل الذين تناط بهم مثل هذه الأمور. ثم ارتقت الصحافة من هذه المرحلة الصوتية إلى مرحلة الكتابة الخطيّة التي ظهرت أولًا في شكل خطابات دورية، ثم ظهرت بعد ذلك في شكل كتبٍ صغيرة، وبقي الحال على هذا حتى ظهرت المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر للميلاد، ومع ذلك, لم تنتفع الصحافة بهذه الأداة

стр. 76

الجديدة, قبل أواخر القرن السادس عشر, وأوائل القرن السابع عشر. والحقُّ أن أهمية الأخبار ليست وليدة العصور الحديثة، ولكنها بعض ما ورثته هذه العصور الحديثة عن العصور القديمة، فقد كان الناس قديمًا -وخاصةً في الأمة المشهورة بالتجارة والملاحة- يستقون الأخبار من التجار، ومن البحارة، وكان تجار البندقية بنوعٍ خاصٍّ من أهم من نقلوا الأخبار عن الشرق، ووصفوه بالغموض والغرابة, وغيرهما من الصفات التي لفتت إليه أنظار الغرب. وهكذا منذ القدم, ووسائل الحصول على الأنباء متنوعة تنوعًا ظاهرًا؛ فمن شعراء ورواة للأشعار، إلى سفراء تبعث بهم الحكومات إلى البلاد البعيدة, ومن تجار وبحارة يركبون متن البحار؛ ليجلبوا فيما يجلبون إلى بلادهم مادة الخبر، إلى غير هؤلاء وأولئك. أليس معنى كل ذلك أن الحكومات والشعوب والأفراد والجماعات تدرك أن العلم بالأخبار خير من الجهل بها، وأن الوقوف على هذه الأخبار يعتبر نوعًا من التسلح ضد الحوادث والمحن المستقبلة، أي: أن الأخبار في ذاتها ليست إلّا نوعًا من الإنذار في الوقت المناسب عما حدث, أو ما سيحدث للفرد أو للأمة. وما الصحافة في الواقع إلّا مظهرٌ راقٍ من مظاهر الإعلام في العصور الحديثة، وهي وسيلةٌ من وسائل الإعلام إلى جانب الوسائل الأخرى المعروفة، وهي الوسائل التي تكاد تنحصر حتى الآن في أربع، هي: الصحافة، والإذاعة، والسينما، والتليفزيون. ولا ننسى أن كل وسيلةٍ من تلك الوسائل الثلاث, يمكنها أن تعين الأخرى في سبيل الحصول على الأنباء، ومن هذا القبيل ما تعمد إليه بعض الصحف في الوقت الحاضر من أنها تنشيء لنفسها قسمًا من أقسامها يُدْعَى: "قسم الإصغاء الإذاعيّ" وبهذه الطريقة تمكنت إحدى الصحف الإنجليزية من التقاط النبأ الذي أذاعته وكالة تاس السوفيتية، وهو نبأ وفاة "ستالين"، وحققت الصحيفة بذلك سبقًا صحفيًّا لا شك فيه.

стр. 77

ولكن إلى متى بقي الخبر في الصحافة هو كل شيء فيها تقريبًا؟ وما الأسباب التي من أجلها قَلَّت أهمية الخبر بالقياس إلى غيره من مواد الصحيفة؟ أما في مصر: فقد كانت الصحف التي أصدرها القائد الفرنسيّ بونابارت, تهتم بأخبار الحملة الفرنسية وحدها, وتحمل للجند الفرنسيين في مصر أهم الأنباء في بلادهم التي أتوا منها، وتمدهم كذلك بالأخبار التي يعرفون بها شيئًا عن الديار التي أتوا إليها، وكذلك كانت الجريدة التي أصدرها محمد على باسم "الوقائع المصرية" تعنى عنايةً تامةً -جهد المستطاع- بأخبار المحاكم، وبنشر الأوامر التي يصدرها الوالي إلى كبار موظفيه. ثم في ظروفٍ سياسيةٍ خاصةً من أهمها -ظروف الاحتلال البريطانيّ- تحولت الصحافة المصرية من صحافة خبر إلى صحافة رأي، وظهرت الصحف التي تحمل كل واحدةٍ منها اسم زعيم من الزعماء المصريين الذين لهم آراؤهم في السياسة المصرية في ذلك الوقت, ثم في منتصف القرن العشرين, أو قبله بقليل, عادت للخبر الصحفيّ أهميته الأولى، وأصبح مقدمًا على مقال الرأي، وأصبحت الصحيفة غير محتاجة إلى الأسماء العظيمة, تلتمس الرواج عن طريقها، وتعتمد عليها في بقائها حية بين الناس. أما في أوروبا -وخاصة في انجلترا- فقد كانت الناحية الغالبة عليها هي ناحية الخبر, ثم بتقدم الطباعة من جهة, وتقدم الحياة السياسية من جهةٍ ثانيةٍ، وتقدم الديمقراطية التي جعلت من الشعب مصدر السلطات من جهةٍ ثالثةٍ، ظهرت صحافة الرأي إلى جانب صحافة الخبر، وحدث أحيانًا في بلاد "كانجلترا" أن صدرت الصحف وهي لا تشتمل على أخبار مطلقًا, وإنما تشتمل على مقالاتٍ فقط، والسبب في ذلك أن الحكومة كانت تفرض الضرائب هناك على الخبر، ولا تفرضها على غير ذلك من مواد الصحف؛ كالمقال وغيره. ومهما يكن من شيء, فنحن إذ ننظر في الصحافة الحديثة ندرك بوضوحٍ أن أهم العناصر الأساسية لصحيفة من الصحف هي:

стр. 78

أولًا: الخبر. ثانيًا: المقال. ثالثًا: التقرير. فالخبر هو الوظيفة الأولى للصحف، والمهمة الأساسية لها، والمقال يأتي في المرتبة الثانية مباشرةً بعد الخبر؛ لأنه كثيرًا ما يكون تعليقًا على هذا الخبر، أو بيانًا لمغزاه السياسيِّ أو الاجتماعيِّ أو الثقافيِّ، ونحو ذلك. والقارئ الحديث لا يكتفي بأن يعرف الخبر، بل يتوق دائمًا إلى معرفة معنى الخبر، ومقدار تأثيره في المجتمع، وإن كانت حاجة الطبقة التي تمثل الرأي المنقاد في الأمة إلى قراءة المقال, أشد من حاجة الطبقة التي تمثل الرأي النابة بها، ومع ذلك, لا تجد من هذه الطبقة المنقادة من يقرأ المقال في الجريدة. وإذن, فعلى الصحافة الحديثة واجب عظيم في العصر الحاضر, هو توجيه الأمة عن طريق المقال توجيهًا صحيحًا في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعليها كذلك واجب آخر, لا يقل عن الأول في الأهمية, وهو تثقيف الشعب نفسه تثقيفًا يعينه على المشاركة القوية في الحياة السياسية, والحياة الاجتماعية, والحياة الاقتصادية، وطريق ذلك كله هو المقال. وهنا يجوز لنا أن نستطرد قليلًا لنقول عن صحف الرأي: إنها نوعان: "صحف مستقلة، وصحف حزبية". والاستقلال في الصحافة ليس معناه الحياد، والوقوف موقف المتفرج حيال المشكلات العامة في المجتمع، لا تبدي الصحيفة فيها رأيًا، ولا تعبر عن فكرةٍ، وإلّا أثر ذلك في انتشارها, وربما أفضى إلى موتها واختفائها. وأما الصحف الحزبية: فهي التي تعبر عن آراء حزبٍ معينٍ، وتفرض على نفسها اتجاهًا معينًا، ومع ذلك لا ينبغي أن تسرف الصحف الحزبية في الدعاية.

стр. 79

ولدينا مثالٌ يوضح هذه الحقيقة، هو جريدة "الديلي هرالد" الإنجليزية. وهي جريدة حزب العمال في انجلترا، فقد كانت في أول أمرها تملأ كل صفحاتها بالدعاية لحزبها، فسرعان ما منيت بالفشل، وقَلَّ انتشارها إلى درجةٍ لا تحتمل، فلم يكن من مجلس الإدارة إلّا أن اجتمع، وقرَّرَ ألّا تزيد نسبة الدعاية الحزبية في الصحيفة عن عشرة في المائة، وفي النسبة الباقية من هذه الجريدة تنشر الموضوعات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مما يُعْنَى به الجمهور القارئ عنايةً كاملةً. بقي أن نشير في ختام هذا الفصل إلى أمرين هامَّين, يتصلان اتصالًا قويًا بما للخير من خطورةٍ كبيرةٍ في الصحف: أما أول الأمرين: فهو "الحاسة السادسة" التي لا بد منها للصحفيّ, حتى يكون أقوى من غيره من الناس فهمًا لقيمة الخبر، وتقديرًا لأهميته, ويكون أعظم قدرةً على التمييز بين خبرٍ جديرٍ بالنشر، وآخر لا يستحق هذه الصفة, والحق أنه كما يمتاز الشاعر بأنه رجلٌ مرهف الحسِّ أكثر من غيره من الناس؛ فهو إذا فرح كان فرحه أكثر من فرحهم، وإذا حزن كان حزنه أشد من حزنهم، وهو إذا انفعل بالأحداث كان في انفعاله بالأحدث أعمق, وهكذا, فكذلك ينفرد الصحفيُّ بقدرته على فهم الأحداث الجارية، والتمييز بين الأخبار العامة، ومن الخطأ كلَّ الخطأ -كما يقول الصحفيون المجربون- القول بأن الأنباء إنما تولد من غير أن نشعر بها، فإن هذه الحاسة الصحفية -أو الحاسة السادسة- التي نتحدث عنها, هي التي ترشد الصحفيُّ دائمًا إلى أهمية الخبر من ناحيةٍ، وإلى المصادر الصحيحة التي يستقي منها هذا الخبر من ناحيةٍ ثانية. وأما ثاني الأمرين اللذين يتصلان اتصالًا وثيقًا بالخبر؛ من حيث هو: "قدسية الخبر" وواجب الصحفيّ نحو الأخبار دائمًا هو الواجب الذي

стр. 80

يمليه عليه الشرف، وتَحُضُّ عليه الأمانة والنزاهة، وهذا الواجب هو نقل الأخبار نقلًا صحيحًا، وتسجيل المعلومات المتصلة بهذه الأخبار تسجيلًا صحيحًا كذلك. فلو قَدَّرَ الصحفيُّ أن الخبر هو الأساس الأول لكل ما يكتب في الصحف؛ من تعليق، وعمود، وطرائف، وحديث، وتحقيق، ونحو ذلك، ولو قَدَّرَ الصحفيُّ أن الخبر هو الأساس الأول لكل تصرفٍ يبدو من جانب الحكومة، أو الأفراد، أوالهيئات، أو الشعوب, لو قَدَّرَ الصحفيُّ كل ذلك؛ لأدرك أن عليه واجبًا لا مفر من أدائه، وهو تحري الصدق والأمانة في الحصول على أخبار من مصادرها الصحيحة، ثم المحافظة التامة على سرية هذه المصادر، متى رأى أصحابها ذلك, ثم الأمانة الكاملة في نقل الخبر ذاته، ومعنى ذلك, أنه لا ينبغي للصحيفة -حرصًا منها على ما يُسَمَّى: بالسبق الصحفيّ- أن تستهين بهذه الأمانة، أو تعبث بسرية الأخبار. حدث في أمريكا أن اختطف طفلٌ رضيعٌ من عربته الصغيرة، ووضع الخاطف ورقة صغيرة يطلب فيها الفدية، وأبلغ الحادث إلى البوليس الذي رأى من المصلحة إذ ذاك عدم إذاعة الخبر إلى أن يعاد الطفل إلى والديه، ووعدت الصحف بعدم النشر، إلّا صحيفةً واحدةً رأت في الموضوع خبرًا مثيرًا للقراء، فنشرت الخبر، وتبعتها الصحف الأخرى في ذلك بعد إذ أصبح الخبر معروفًا، وكان من أثر ذلك أن فشلت خطة رجل البوليس، وعثر على الطفل الذي كان وحيد والديه بعد أيام جثةً هامدةً, وضاع كل أثرٍ من آثار هذه الجريمة، وهكذا أفسد هذا السبق الصحفيُّ الذي حرصت عليه الصحيفة خطة البوليس للتعرف على الجناة، وانحطت قيمة الصحيفة التي سعت إلى ذلك١.

стр. 81

تعريف الخبر: لماذا نحرص على تعريف الخبر أولًا؟ وهل لذلك صلة منا بطريقة اختيار الخبر الذي ينشر في الجريدة؟ الحق أن الصحف تختلف طعومها ومشاربها لدى القاريء باختلاف فهمها للخبر الصحفيّ من حيث هو, فهناك صحيفة من الصحف ترى أن حوادث الجريمة وأخبارها أهم من سواها من الأخبار والحوادث، ولذلك تختار لهذه الأخبار أحسن الأمكنة في الصحيفة. وهناك جريدة أخرى ترى أن الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكلٍ ما, أولى بالنشر عما عداها من الأخبار الكبرى، ولذلك تتوخى الأماكن الجذابة في الجريدة وتخص بها هذه الأخبار الكبيرة أو الصغيرة، واختلاف الصحف في تقدير الأخبار على هذه الصورة, هو المؤثر الحقيقيّ في اتجاهات الشعب واتجاهات الحكومة، والعكس صحيح أيضًا، فإن هذه الاتجاهات من جانب الشعب أو الحكومةكثيرًا ما تؤثر في الصحف من ناحيتين هما: ١- ناحية اختيار الأخبار. ٢- ناحية التوزيع والانتشار. وهكذا يصبح اختيار الأخبار عملًا مهمًّا في نظر الحكومات، ونظر الشعوب معًا, كما سبق القول في ذلك، ومن أجل هذا, وجب أن يدرس

стр. 82

الصحفيون موضوع "تعريف الخبر" دراسةً جيدةً، ويكونوا لأنفسهم رأيًا واضحًا في هذا المسألة. الخبر الصحفيُّ: هو الجديد الذي يتلهف القراء على معرفته، والوقوف عليه بمجرد صدوره في الجريدة، ومعنى ذلك: أن أحسن الأخبار الصحفية هو ما أثار اهتمام أكبر عدد ممكن من الناس". هذا التعريف للخبر الصحفيّ هو ما ذهب إليه الأستاذ ويلارد بلاير Willard G. Bleyer في كتابه "الصحيفة وتحريرها". وذهب أستاذ آخر، هو "وليم مولسبي Willim maulsby" في تعريف الخبر الصحفيّ إلى أنه: "وصف أو تقريرٌ دقيقٌ غير متحيز للحقائق الهامة, حول واقعة جديدة تهم القراء". لهذا تبقّى أن تتوفر للخبر خصائص الدقة والإثارة, والتجاوب مع الوقت, والوضوح التام, ونحو ذلك, وهناك تعريف ثالث للخبر الصحفيّ يمثل الناحية الواقعية, أو العملية Pragmatlc للصحيفة، وهو تعريف ماكدوجل Mac Dongall. وفيه يقول: "الخبر الصحفيّ تقرير عن حادثٍ معيَّنٍ ترى الصحيفة في نشره وسيلة للربح الماديّ". وثَمَّ تعريفٌ للأخبار يقول إنها: "أي حادث, أو فكرة, أو رأي ابن ساعته, يمكنه أن يفهم, أو يؤثر في عدد كثير من الأشخاص في مجتمع ما, ويكون مفهومًا منهم". أما لورانس كاميل"، R وولسي في كتابهما Exbloring lournsliam فيذهبان إلى أن الخبر: "وصف أو تقرير عن حادث, أو موقف, أو فكرة, تنشره الصحيفة؛ لأنه يهم القراء، ولأنه يدر الربح على الناشرين". ويقول كارل وارين في وصف الأخبار الصحفية: "إنها بعض وجوه النشاط الإنسانيّ الذي يهم الرأي العام ويسليه، ويضيف إلى معلوماته

стр. 83

جديدًا, وتفسير ذلك: أن الذي تعتبره، موسكو خبرًا, ربما كان شيئًا تافهًا في بلاد الهند، وأن المادة التي تهتم بها صحيفة المحافظين في انجلترا, تلقي بها صحيفة الأحرار في سلة المهملات. وبوجهٍ عامٍّ, فإن الأخبار هي كل شيء لم تعلم به أمس. ومعنى ذلك: أن تعريف الخبر الصحفيّ أمر ليس بالهين، فقد عقدت مجلة "كوليير" الأسبوعية الأمريكية ندوةً جمعت إليها عددًا كبيرًا من محرري الصحف في أمريكا؛ لكي يمدوا المجلة بتعريف صحيح للخبر الذي ينشر في الصحف، لكن أعضاء الندوة اختلفوا اختلافًا كبيرًا في ذلك, فظهرت المجلة وبها عدد كبير من التعريفات، منها على سبيل المثال: ١- الخبر هو كل ما يهم القراء أن يعرفوا عنه شيئًا ما. ٢- الخبر هو كل شيء يرغب عدد كافٍ من الناس في قراءته, بشرط ألّا يكون خارجًا على قواعد الذوق العام، وقوانين السب والقذف. ٣- الخبر هو كل شيء يحدث ويهتم به الناس. ٤- الخبر هو كل ما قد يتحدث عنه الناس، وكلما كان الاهتمام الذي يثيره فيهم أكبر، كانت قيمته أعظم. ٥- الخبر هو الاستطلاع الدقيق للأحداث الإنسانية، والكشوف والآراء التي تهم الناس وتؤثر فيهم. ٦- الخبر هو كل ما يحدث, وكل ما توحي به الأحداث, وكل ما ينجم عنها. ٧- الخبر هو الوقائع الأساسية التي تتعلق بأي حدثٍ أو مناسبةٍ أو فكرةٍ تستحوذ على اهتمام الناس، وتؤثر على الحياة, وعلى السعادة البشرية. ٨- الخبر قائم في أساسة على الناس، ويجب أن يكون محدودًا بما يعنيهم، وما يرضيهم دائمًا.

стр. 84

٩- الخبر يشمل كل أنواع النشاط الجاري الذي يستحوذ -بصفة عامة- على اهتمام الناس, وأحسن الأخبار ما أثار اهتمام أكبر عدد من القراء. ١٠- الخبر كل ما يتعلق بالصالح العام, وكل ما يهم القراء, أو يترك أثرًا في علاقاتهم ونشاطهم وآرائهم وأخلاقهم وسلوكهم. ١١- الخبر هو الذي تقول الصحيفة عنه إنه خبر. والنتيجة من كل هذه التعاريف السابقة أن الخبر الصحفيَّ مادةٌ من أهم مواد الصحيفة، وأنها تهم القراء من جانب، وتهم الصحيفة من جانب آخر، وأنها تعتبر موردًا من موارد الثروة للصحف. والحق أن الأخبار لم تعد حاجة من حاجات الصحف وحدها، وإنما أصبحت حاجة من حاجات الأمة كلها، ولذلك اتخذت الأخبار مكانها الممتاز في جميع وسائل النشر، ومنها الصحف والإذاعة والسينما والتلفزيون.... إلخ. حدث أن أضرب العمال في انجلترا حوالي سنة ١٩٣٠, فاضطرت الحكومة إلى وقف إصدار الصحف، ولكنها -أي: الحكومة- لم تجد مفرًّا من إذاعة الأخبار على الجمهور، فأصدرت باسمها نشرة إخبارية أطلقت عليها اسم "الجازيت البريطانية "Britanic Gazette"، ودلت بهذه النشرة على أن مسئولية الإعلام -من حيث هي- تعتبر إحدى المسئوليات التي تقع على عاتق الحكومات. وأن هذه الحكومات والشعوب التي تخضع لها, لا تستغني عن الخبر بحالٍ ما, وإلّا أحست بنقص ظاهر في حياتها لا يمكنها أن تصبر عليه، ومن أجل هذا أثر عن عملاق الصحافة الإنجليزية "لوردت نور ثكليف" أنه قال: "الشيء الوحيد الذي يساعد على زيادة توزيع الجريدة هو الخبر، والخبر هو كل ما يخرج عن محيط الحياة العادية المألوفة، ويكون مدار حديث العامة والخاصة".

стр. 85

ومن ثَمَّ كانت للخبر أهميته التي أشرنا إليها في الفصل السابق، وأصبحت رسالة الصحفيّ تنحصر أو تكاد تنحصر في جمع الأخبار بأمانة، وسردها ونشرها بأمانة، ثم التعليق عليها بأمانة، حتى أن الصحفيَّ الذي يخل يومًا بهذه الأمانة يصبح في نظر الحكومة والجمهور أشبه رجل بالصانع الغشاش، أو التاجر المطفف، أو الطبيب، أو المعلم الذي هان عليه العبث بشرف المهنة. وهنا يعود الباحث ليواجه المشكلة مرةً أخرى، وهي إلى أيِّ حدٍ يجب أن يتصف الصحفيّ المسئول بالأمانة التامة حيال الخبر الذي ينشره في الجريدة؟ هل يحق له أن يساير عواطف الجماهير, فيعمد من أجلهم إلى نشر الخبر حينًا, وإلى تشويهه حينًا آخر، حتى يصبح الخبر متفقًَا والرأي العام. والجواب على هذا، أن الصحيفة ليست إلّا عقدًا اجتماعيًّا بين ناشريها من جهة، وقرائها من جهة ثانية، وفي هذا العقد الاجتماعيّ اتفاقٌ ضمنيٌّ بين هذين الطرفين على أمور كثيرة، من أوّلها أداء هذه الأمانة. وهذا الاتفاق الضمنيّ -كما يقول الأستاذ "ويكهام استيد" في كتابه المعروف عن الصحافة- إنه من نوع العلاقة الصحفية التي تقوم بين الطبيب والمرضى مع فارق واحد، هو أن رجال الطب يعملون طبقًا لنظام خاصٍّ، بينما الصحافة لا تزال مهنةً حرةً لا تخضع إلّا لعدد محدود من القيود الخارجية، ومن القيود الداخلية. وانظر إلى الأستاذ "استيد" هذا يمضي في بيانه قائلًا: "إني أعتقد -كما يجب أن يعتقد كل إنسان- أن الأخبار الكاذبة أكثر ضررًا من الأطعمة المغشوشة أو الفاسدة، ذلك أن الصحافة ذات الكلمة الممتازة في نفوس القراء، مادتها الأولى في العقل العام، وبضاعتها القيم الإنسانية بوجه عام، وهدفها الأخير هو السعيُ نحو الكمال".

стр. 86

ولكن ليس معنى هذا أن تكون الصحيفة راكدة أو غير جذابة، فإنه ليس شيء أخطر على الصحافة من الركود، فالركود مدعاة للكساد، والكساد طريق إلى الموت، ومن هنا تحرص الجريدة على نشر الأخبار الغريبة, متى وجدت إليها سبيلًا. وهنا نسمع من يقول في سخرية مريرةٍ لا تخفي على سامعيها: ولكن الفضيلة لا تحوي غير العادي من الأمور، أما الرذيلة فتحوي كل المادة التي تشتهيها الصحافة، كما تشمل عنصري الإغراب والإثارة، ومن هذه الثغرة الأخيرة تنفذ الصحافة الصفراء، أو الصحافة المثيرة، وحجتها في ذلك أنها لا تريد أن تكون صحافة مملولة، وهذا صحيح -إلى حدٍّ ما- ولكن متى وقفت الصحافة الرشيدة على هذه الحقيقة عرفت أن أمامها صعابًا كثيرة، وأن عليها أن تتغلب كل يوم على واحدة منها، وإذ ذاك تحاول هذه الصحافة أن تستعيض بالتدريج عن عنصر الغرابة عنصرًا آخر, هو عنصر التنويع في عرض مواد الصحافة؛ فهذه أخبار سياسية يهتم بها السياسيون, وهذه أخبار اقتصادية يهتم بها الاقتصاديون, وهذه أخبار رياضية يهتم بها الرياضيون, وتلك أخبار علمية أو أدبية أو فنية يعني بها ذوو العلم والأدب والفن. وبمقدار ما تتنوع الصحف يزداد عدد قرائها، وتنشأ صداقة وطيدة الأركان بينها وبين القراء، فتراهم يتعلقون بها، ويزدادون مع الأيام وفاءً لها, ويؤثرونها على غيرها من الصحف التي تعتمد على الإغراب والإثارة, وما إليهما. ومعنى ذلك: أنه يجب على الصحفيِّ أن يشعر دائمًا بهذه الأمانة الصحفية، وأن يكون له ضمير يقظ يمنعه من نشر خبر من الأخبار ما لم تكن وراء نشره مصلحة تعود على القراء أو المجتمع.

стр. 87

كما ينبغي للصحفيّ أن تكون العلاقة طيبة بينه وبين مصدر الخبر، فإن هذه العلاقة هي الأساس الذي تبنى عليه عملية استنقاء الأنباء, ويجب على الصحفيِّ ألّا ينسى مطلقًا أن مصدر الخبر هو وحده صاحب الحق في نشر الخبر أو عدم نشره متى أراد. وباختصار شديد, يجب على الصحفيِّ أن يدرك أن الخبر ليس ملكًا له ولا ملكًا للصحيفة التي يعمل بها، ولا ملكًا للرأي العام، ولكنه ملك للحقيقة فقط. وكل هذه الاعتبارات هي التي أملت على "هدو له لاسكي" أن ينصح طلبة الصحافة في كتابه: "الصحافة والشئون العالمية" بأن يضعوا نصب أعينهم الحقائق الأربع التالية. الأولى: أنه لا توجد حكومة في العالم لا تعمل على توجيه الأخبار الوجهة التي تخدم مصالحها. الثانية: أن هناك هيئات كثيرة تعمل في جمع الأخبار على أساس تلوينها بما يمليه عليها ميولها وتجهيزها. الثالثة: أن للمراسلين وزنًا خاصًّا في عرض الأمور، وهم لذلك يعمدون إلى تلوين الأخبار التي يبعثون بها إلى الصحف. الرابعة: أن لمكاتب التحرير هي الأخرى شخصيتها الخاصة التي تضفيها على الأخبار، وطريقتها الخاصة التي تقدم بها هذه الأخبار للقراء. والخلاصة: أن الأخبار وجمعها واختيارها وطرق صياغتها, إنما تعتمد اعتمادًا تامًّا على المصدر الذي أتت منه, وعملية امتحان هذا المصدر, والتحقق من نزاهته, هو أصعب عملية تواجه المخبر الصحفيّ، وتقف أمامها الصحيفة نفسها موقف المحكمة أمام الشهود.

стр. 88

في سبيل الحصول على الخبر: تحصل الجريدة على الأخبار الداخلية عادةً بطريق المخبرين الصحفيين, أو مندوبي الأخبار الذين توزعهم على المصالح والوزارات والإدارات المختلفة، وتجعل كل واحد منهم مختصًا بمصلحة أو وزارة أو إدارة، ونادرًا ما يقع المخبر على موضوع يكتبه من تلقاء نفسه، فإن تسعة أعشار الأعمال التي يقوم بها المخبر الصحفيُّ يكلف بها من قبل رئيس قسم الأخبار، وهو الشخص المكلف من قبل الجريدة بوضع خطة يومية يسير عليها المخبرون, تكون مبنية على الحسِّ الصحفيِّ الدقيق عند هذا الأخير، فهذا الحسُّ الصحفيُّ يستطيع أن يعرف بواطن الأخبار الجديرة بالنشر في الصحيفة التي يعمل بها, ومع هذا وذاك, قد يحدث أن يجد المخبر في طريقه شيئًا يستحق الإخبار عنه، وإذا ذاك يتجه إلى أقرب "تليفون", ويبادر إلى تبليغ الجريدة هذا الخبر الذي عثر عليه بطريق المصادفة، ثم يعود إلى تنفيذ الخطة التي وضعها له رئيس قسم الأخبار، ومعنى ذلك: أن المصادفة تلعب دورها أحيانًا في الحصول على الخبر، وفي السبق الصحفيِّ إلى هذا الخبر, وكثيرًا ما تربح الجريدة ماديًّا من وراء ذلك. وقد اطلع الشعب المصريُّ يومًا في جريدة "الأهرام" على خبر زواج "توفيق نسيم باشا" رئيس مجلس الوزراء، وهو في السبعين من عمره، من فتاةٍ نمساويةٍ في السابعة عشرة من عمرها، وكانت جريدة الأهرام أولى الجرائد المصرية التي سبقت إلى نشر هذا الخبر الذي شغل بال الرأي العام في مصر مدةً ليست بالهيِّنة. وسمعت يومئذ أن السبب في نشر الخبر يرجع إلى الأستاذ جبرائيل تقلا, صاحب "الأهرام" حينذاك، قرأت في كتاب الأستاذ جلال الدين الحمامصي

стр. 89

"صحافتنا بين الأمس واليوم"١ بعد ذلك ما يلي: "في ذلك الوقت الذي اشتعل فيه الغرام بين السياسيِّ العجوز, والشابة النمسوية, مر المرحوم الأستاذ "جبرائيل تقلا" بقرية من القرى، وأراد أن يبقى فيها ليلة واحدة، وبينما هو يسجل اسمه في دفتر الفندق, لاحظ صاحبه أنه كتب أمام جنسيته أنه مصريّ، فأخبرنا أن بين نزلاء الفندق مصريًّا آخر كبيرًا, اسمه: توفيق نسيم، وأن هذا السياسيّ الكبير, سيتزوج من ابنته، وأحس الأستاذ جبرائيل تقلا بأنه وقع على نبأ هام، نبأ لا بد أن يحدث دويًّا في مصر، وأمسك الأستاذ تقلا بالورقة التي سجل عليها اسمه فشطب ليلةً واحدةً، وكتب: عدة ليالٍ، فقد شعر بأن مكانه -كصحفيّ- هذا الفندق, حيث تولد قصة صحفية ضخمة، وبالفعل كانت القصة من الضخامة بحيث شغلت قراء الأهرام عدة أشهر. وقد أصبح من المعتاد أن نرى في كل وزارة من الوزارات, أو مصلحة من المصالح الحكومية, وغير الحكومية, قسمًا يقال له: "إدارة الشئون العامة، أو "مكتب الصحافة"، ومن هذه الأقسام يستقي المخبرون الصحفيون أخبارهم في أغلب الأحيان، وفي استطاعة المخبر اللبق أن يحصل على أخبار الوزارات بطرقٍ فيها شيء من الخفاء، كأن يحصل عليها من طريق السعاة, وصغار الموظفين، وبذلك يصل إلى الأخبار التي تبالغ بعض الوزارات والمصالح في إخفائها، ولكن يشترط في هذا الخفاء ألَّا يصل بالمخبر الصحفيِّ إلى حد الإخلال بالشرف، أو ارتكاب جريمة السرقة, أو غيرها من الأساليب التي تعافها الصحافة الشريفة النزيهة، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في المقدمة. ويعود المخبرون إلى الصحيفة, ويقضي كل منهم وقتًا في كتابة أخباره، وفي ركن من الورقة يكتب اسمه, ومصدر النبأ الذي أتى به، ويحسن به

стр. 90

إذ ذاك أن يكتب كل موضوعٍ, أو كل خبرٍ, من ثلاث نسخ؛ واحدة يحتفظ بها لنفسه، والثانية توضع في ملف خاص به، والثالثة تأخذ طريقها إلى رئيس التحرير, مارَّةً في أثناء ذلك بعدة مكاتب في إدارة الصحيفة. ومن أهم هذه المكاتب: مكتب المراجع REWRITER الذي يعيد كتابة الأخبار بعد غربلتها غربلة جيدة، ثم يبعث بها إلى رئيس الأخبار ليقوم فيها بوظيفته، ثم ترسل إلى سكرتير التحرير الذي يحدد لكل خبر مكانه في صفحة الأخبار الداخلية، ثم ينتهي بها المطاف إلى رئيس التحرير -كما سبق القول في ذلك، وليس على هذا الأخير أن يقرأ جميع ما يصل إليه منها، وإنما يكتفي بما له من صلة قوية بالسياسة أو بالمشكلات العامة, ونحو ذلك. ثم تواصل الأخبار رحلتها إلى أن تصل في النهاية إلى غرفة الجمع، فتجمع, ثم تؤخذ عليها تجارب -بروفات, ويقوم المصححون بتصحيحها قبل أن تدور عجلة المطبعة دورتها النهائية. هذا كله من حيث الأخبار الداخلية, أما الأخبار الخارجية فتأتي إلى الصحف عن طريق وكالات الأنباء، أو عن طريق المراسلين الخارجين للصحيفة في مختلف الأنحاء, ولكل صحيفة قسم خاص بالمترجمين الذين يتولون ترجمة هذه الأخبار من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية, ثم ترسل الأخبار مترجمةً ليعيد سكرتير التحرير، أو من يقوم مقامه؛ إذ ذاك قراءتها، ويحدد مكانها من الجريدة، وأخيرًا تعرض الأخبار الخارجية على رئيس التحرير، لعله يجد فيها ما يستحق التعليق بكلمة خاصة، هي في الغالب كلمة الجريدة، أو ما يسمى: "بالمقال الافتتاحي" أو "العمود الرئيسي" فيها. * * * * ولا خلاف إذن في أن وكالات الأنباء هي المصدر الرئيسي لجميع الأخبار الخارجية التي تنشر في صحيفة من الصحف، ولكن إلى جانب هذا المصدر

стр. 91

الرئيس نجد هناك مصادر أخرى أشرنا فيما مضى إلى شيء منها. فمن ذلك: "القسم الإذاعيّ" للصحيفة، فقد تذيع المحطات الخارجية نبأً له أهمية خاصة، فإذا صادف أن سمعه بعض رجال الصحيفة، وسارع في تعجيله وتوصيلة إلى قسم الأخبار، فإنه يكسب لصحيفته سبقًا صحفيًّا كما قدمنا. ومن تلك المصادر التي نشير إليها بعض الشخصيات الكبيرة التي يلتقي بها الصحفيون بطريق المصادفة، ويستطيعون الحصول منهم على بعض الأخبار الهامة، وكهذه الشخصيات الكبيرة: سفراء الدول الأجنبية، ورجال السلك السياسيّ, متى أمكن للصحفيّ أن يحصل منهم على معلومات, أو أخبار هامة، وقلما يتمكن الصحفيون من ذلك في الحقيقة. ونعود إلى المصادر الرئيسية للحصول على الخبر فنجملها فيما يلي: ١- مندوب الأخبار في الصحيفة. ٢ مراسل الصحيفة في الداخل، ومراسلها في الخارج. ٣ وكالات الأنباء المحلية والدولية أو العالمية. ٤ وكالات الأعمدة الصحفية, وسنشرحها فيما بعد. ٥- المتطوعون بالأخبار من أصدقاء المحرر أو المخبر وغيرهم. ٦- أماكن الشرطة أو "نقط البوليس". ٧- دور الخدمة، وبها "إدارات في الشئون العامة" الخاصة بإعطاء الأخبار. ٨- المؤسسات العامة، وبها كذلك "إدارات الشئون أو العلاقات العامة". ومن عمل هذه الأخيرة إعطاء الأخبار الخاصة بالمؤسسة.

стр. 92

٩- المحاكم على اختلافها. ١٠- الشخصيات العامة, أو الكبيرة في المجتمع. ١١- الاجتماعات العامة, والنوادي العامة, ونحو ذلك. ١٢- المؤتمرات الصحفية على اختلاف أنواعها. ١٣- المصادفة في الطريق العام. والمهم أن الصحفيّ هو الذي يدعم المصادر الروتينية بمصادر أخرى ذاتية أو شخصية، ولا يتيسر هذا التدعيم إلّا عن طريق الصداقات, والعلاقات الطيبة التي له ببعض الأفراد, أو بالشخصيات الكبيرة التي يمكن أن تكون مصدرًا للخبر، ولنا أن نقف وقفةً قصيرةً أمام المرحلتين, وهما: المخبر والمراسل: المخبر الصحفيّ أو مندوب الأخبار: مندوب الأخبار هو العنصر الهام في عملية جمع الأخبار, ووظيفته واحدة، وهي أن يذهب بنفسه إلى مسرح الحياة, ويحصل بنفسه على المعلومات التي يتكوّن منها النبأ الذي يهم القراء، وقد يتذرع المخبر إلى ذلك بصفتين هما: ١- صفة الاهتمام الشديد بعملية الصحفيّ: وهو العمل الذي جعل منه مراقبًا للركب الإنسانيّ في مروره بطريق الحياة, وجعله مضطرًا إلى مشاهدة المسرحيات السياسية من خلف الكواليس, كما يقول رجال التمثيل، وأما الصفة الثانية فهي: ٢- صفة الفضول: ما دام العمل الصحفيّ ينطوي على شيء من المشقة، ويحتاج إلى شيء من المزاحمة، ولذلك يقول أحد رجال الصحف: "إن المندوب الذكيّ أغلى عند صحيفته بكثير من المحرر الذكيّ".

стр. 93

المراسل الصحفي: مهمته إمداد الصحيفة بمواد غزيرة من حقله, بداخل البلاد إن كان مراسلًا داخليًّا، أو بخارج البلاد إن كان مراسلًا أجنبيًّا، غير أن العمل الذي يقوم به المراسلون في الخارج, أشد صعوبةً وخطورةً من العمل الذي يقوم به المراسلون في الداخل. وأشد ما تكون مهمة المراسل الخارجيّ خطورةً, حين يشترك في مؤتمر صحفيٍّ في بلاد أجنبية, ويحاول أن يعطي أخبار هذا المؤتمر، وأن يشترك في توجيه الأسئلة إلى رئيس المؤتمر، أو الشخص المسئول في الدولة المضيفة للمؤتمر. والمراسل الخارجيّ هو المسئول عن بيان قيمة الأحداث التي ينقلها إلى صحيفته، وعن تفسير هذه الأحداث, وإعطاء صورةٍ دقيقةٍ للشخصيات الكبيرة التي تقترن بكل حادثة منها، ومن ثَمَّ أصبحت لهذا المراسل الخارجيّ أهميةً عظيمةً يعرف بها في المسرح الدوليّ. والمراسل الخارجيّ كالمراسل الحربيّ -تواجهه صعاب كثيرة- ينبغي له أن يواجهها بشجاعة تامة، منها سوء المعاملة التي يلقاها أحيانًا من أهل البلد, أو من حكومته، ومنها الشعور بالوحشة، وبالريبة في كل من يلتقي بهم في هذه البيئة الجديدة، ومنها الرهبة الشديدة من الوقوف في المعركة التي يجمع منها الأخبار؛ ليبعث بها إلى الصحيفة، وحسبه كل ذلك لكي يكون شخصًا فدائيًّا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنًى١. طرق مشروعة للحصول على الخبر: قبل أن ندع الكلام عن كيفية الحصول على الأخبار، ينبغي أن نشير إشارةً عابرةً إلى بعض الطرق التي يعمد إليها المخبر الصحفيّ في الحصول

стр. 94

على الأخبار، وذلك فيما خلا الطريقة المعتادة التي منها الذهاب إلى المصالح الحكومية المختلفة، أو أقسام البوليس، أو المحافظات والمديريات، والمحاكم والمدارس، والمعاهد والجامعات، ونحوها. ويستطيع المخبر الصحفيّ أن يحصل على أهم الأخبار من المصادر الهامة بطرقٍ سليمةٍ لا تخرج في مجموعها عن طريقة "العلاقات" أو "الصداقات" التي ينشئها المخبر بين حينٍ وآخر معى الشخصيات التي تعتبر مصادر هامة للأنباء. وهنا يجب على المخبر اللبق أن يدرس ميول الشخص الذي هو مصدر الخبر، وعلى أساسٍ متينٍ من هذه الدراسة يستطيع أن يتقرب منه، وأن يبذل أقصى جهده في مجاملته وملاطفته، وإذا لزم الأمر أن يقدم إليه الهدايا والألطاف فليفعل، فإن الهدية في هذه الحالة لا تعتبر نوعًا من الرشوة, أو هي -على الأصح- رشوةً بيضاء لا تحمل غير معنى المجاملة التي يأنس الناس إليها. ومن طرق الحصول على الخبر فيما عدا "الصداقة" طريق آخر، هو ما يسمى: الإيهام بالمعرفة، وكثيرًا ما تجوز هذه الحيلة على مصدر الخبر، فيتساهل في التصريح به, ما دام هذا الخبر قد أصبح معلومًا لكثيرين من الناس، كما أوهمه المخبر بذلك. وهناك طرق أخرى كثيرة لا تخفى على ذكاء المتمرنين، ولا مجال هنا لسرد هذه الطرق, أو الإلمام بها, أو نقدها والحكم عليها. وإليك مثلين منهما: أحدهما: على طريقة الإيهام بالمعرفة، والثاني: على طريقة الصداقة وإنشاء العلاقات الخاصة بمصدر النبأ. المثل الأول: "وهو مثل على الإيهام بالمعرفة"١. حكى أحد الصحفيين الإنجليز عن نفسه قال:

стр. 95

إنه كان جالسًا في مقهى من مقاهي الإسكندرية على شاطيء البحر, وتصادف أن جلس معه على نفس المائدة أحد كبار تجار الثغر المعروفين، وجرى الحديث بينهما في أمورٍ عدةٍ, أشار التاجر الكبير في بعضها- عن غير قصد- إلى إلحاح الخديوي إسماعيل في بيع نصيب مصر من أسهم قناة السويس, وإلى أن هذا التاجر الكبير يتمنى لنفسه أن يربح هذه الصفقة, وهنا تغير لون الصحفيّ الإنجليزيّ, وأحسَّ كأنه جالس على برميل من البارود -على حد تعبيره- ولكن المهنة الصحفية أوجبت عليه في هذه اللحظة أن يتماسك, أو يتظاهر بالثبات التام، كما أوجبت عليه المهنة كذلك أن يلجأ إلى طريقة الإيهام بالمعرفة. فأوهم التاجر الكبير أنه على علمٍ بهذا السر الخطير، وهنا اطمأن التاجر إلى أنه لا يذيع سرًّا من الأسرار، وأفاض في الحديث عن أسهم القناة، ثم ما كاد التاجر يغادر المكان حتى أسرع الصحفيّ الإنجليزي إلى مكاتب البرق، وأرسل برقيةً إلى "دزرئيلي" رئيس الوزراء البريطاني حينذاك، وما كان من "دزرائيلي" هذا, إلّا أن اتصل من فوره "بآل روتشلد" وهم من كبار رجال المال في انجلترا, وطلب منهم المال اللازم لشراء أسهم القناة, ولم ينتظر "درزائيلي" ريثما يحصل على إذن بهذا المال من مجلس الوزراء، أو مجلس العموم، أو من الجالس على عرش انجلترا إذ ذاك. المثل الثاني: "وهو مثل على استخدام الصداقة": هو حادثة جرت للأستاذ مصطفى أمين, حكاها عن نفسه قال: "إنه كان بلندن في الوقت الذي دارت فيه مفاوضات "صدقي-يفن" وقد تَمَّ الاتفاق بينهما على نصوص معينة، غير أن مستر بيفن اشترط أن تبقى هذه النصوص سرًّا من الأسرار, فلا تنشر إلّا بإذنه في الوقت الذي يحدده هو؛ وإذ ذاك ساقت الظروف مصطفى أمين فتعرف إلى

стр. 96

سيدة, اتضح أنها تعمل في مكتب مستر بيفن، وبطريقة غير مباشرةٍ علم مصطفى أمين بأن هذه السيدة هي التي كتبت على الآلة الكاتبة نصوص الاتفاق, فدعاها مصطفى أمين مرارًا للجلوس معه في مقهى من مقاهي العاصمة، ولاحظ في كل مرةٍ يجلس إليها أن هذه السيدة تنتظر قطع السكر التي يقدمها المقهى, وتمسك بيدها هذه القطع باحتراس تَامٍّ واهتمام, وتدسها في حقيبة يدها -شنطتها- بخفة وعجلة، إذا ذاك أحضر مصطفى أمين في اليوم التالي كل تموينه من السكر, وأسلمه إلى هذه السيدة العظيمة، ففرحت به فرحًا عظيمًا. ونظرت إليه على أنه أعظم هدية لأطفالها الصغار الذين لا يكفيهم تموينهم من السكر الذي يوزع عليهم بالبطاقة. ومن ذلك الوقت, نشأت صداقة متينة بين مصطفى أمين وهذه السيدة، وعن طريق هذه الصداقة استطاع مصطفى أمين أن يحصل على ورق الكربون الذي كتبت عليه نصوص الاتفاق, ومالبثت هذه النصوص أن نشرت في بعض الصحف الصادرة في مصر، وفوجيء بها "مستر بيفن" كما فوجيء بها رئيس الوزارة المصرية إذا ذاك إسماعيل صدقي. إلّا أننا نحرص الحرص كله هنا على القول بأن الحصول على الأخبار يجب ألّا يضطر المخبر الصحفيّ بحالٍ من الأحوال, إلى سلوك الطرق غير الشريفة، كالسرقة والتساهل في العرض، وخراب الذمم، والتضليل، والغش، ونحو ذلك من الأمور الضارة بالسمعة والشرف، فليكن معلومًا أن الصحافة شيء، والجاسوية شيء آخر، والصحفيّ الشريف ليس جاسوسًا للمجتمع ولا للدولة، ولا ينبغي لأحد أن يطالبه بشيء من ذلك، وبهذا ننفي عن الصحافة كل عمل يشينها, أو يسيء إلى كرامة المشتغلين بها. على أنه لا مناص من القول بأن الوسائل الميكيافلية التي تقول: "بأن

стр. 97

الغاية تبرر الوسطة، لا تجوز مع الخبر الصحفيّ إلّا في حالات شاذةٍ؛ كأوقات الحرب مع دولة أجنبية، وظروف الاحتلال الأجنبيّ الذي ينشب أظفاره في الأمة، ففي مثل هذه الأحوال يجوز للمخبر الصحفيّ أن يلجأ إلى طريق يخدع بها العدو الأجنبيّ، ويحاول أن يتغفله ليحصل من أتباعه على الأخبار ذات الصلة الوثيقة بسلامة الوطن١ وذلك كله على القاعدة القائلة: "الحرب خدعة". وتاريخ الصحافة المصرية يحفظ لنا مثلًا من أقوى الأمثلة على ذلك وهو: قضية التلغرافات: وهي القضية التي تعرضت لها صحيفة "المؤيد"، وخرج بها السيد على يوسف بطلًا من أبطال الصحافة المصرية، وزعيمًا من زعماء الشعب المصريّ. وخلاصة هذه القضية: أنه في مايو سنة ١٨٦٩, أصدرت نظارة الحربية أمرًا بعدم إمداد "المؤيد" بأية معلومات عن الحملة المصرية على دنقلة، مع السماح في الوقت نفسه بهذه المعلومات للصحف الموالية للاحتلال البريطاني يومئذ، ومنها جريدة "المقطم"، وبذلك تفقد "المؤيد" -التي هي جريدة الشعب المصريّ- قيمتها الإخبارية، ويفضي بها الحرمان من الأخبار إلى الموت الأبديّ. ومعنى هذا وذاك, أن الأمر أصبح مكيدةً مدبرةً، ومؤامرةً منظمةً ضد الشعب المصريّ، والصحافة المصرية، وهكذا تحولت المسألة يومئذ إلى مسألة عداء بين سلطة قوية قاهرة هي سلطة الاحتلال البريطانيّ، وشعب أعزل من السلاح هو الشعب المصريّ.

стр. 98

في مثل هذه الظروف وحدها يباح للصحفيّ الوطنيّ أن يحصل على الخبر بطريقةٍ أو بأخرى من الطرق الغامضة، وهذا ما فعله السيد علي يوسف صاحب جريدة "المؤيد"، فقد اتهم بأنه اتصل في الخفاء بمواطن من أقباط مصر هو "توفيق أفندي كيرلفس" الموظف بمكتب بريد الأزبكية -وهو المكتب الذي كان يتلقى البرقيات الخاصة بالحملة المصرية على دنقلة- واتفق معه على الوصول إلى هذه البرقيات الخاصة بالحملة، وعبثًا حاول القضاء المصريّ بعد ذلك, إثبات الصلة بين السيد على يوسف وتوفيق أفندي كيرلس، وأكثر من ذلك, رأينا هذا الأخير يعترف في المحكمة بأن المعتمد البريطانيّ هو الذي حمله على الاعتراف بهذه الصلة، وسلك سبيل العنف والضغط عليه في الاعتراف بها، والحقيقة أنه لا صلة بينه وبين السيد علي يوسف، وإزاء هذا الاعتراف الصريح حكمت المحكمة ببراءة السيد علي يوسف، وخرج السيد إذا ذاك محمولًا على الأعناق، والشعب يهتف بحياته وحياة "المؤيد"، وبقي أمر الحصول على هذه التلغرافات سرًّا لا يعرفه أحد من رجال الوكالة البريطانية إلي اليوم. فذلك ظرفٌ من الظروف التي يضطر فيها الصحفيّ إلى سلوك الطرق الغامضة، ومنها طريق الرشوة بالمال على سبيل المثال، ذلك أن الصحيفة -والأمة معها في مثل هذا الحال- تعتبر نفسها في حرب، والحرب خدعة, وظروف التآمر على سلامة الوطن، أو إماتة الروح الوطنيّ في أهله، تبيح يومئذ سلوك جميع الطرق التي من شأنها إحباط المؤامرة.

стр. 99

تقويم الخبر: بم نقوّم الخبر؟ أو ما هي الخصائص التي ينبغي توافرها في الخبر حتى يكون هامًّا في نظر الصحيفة؟ أو ما هي الأسس التي يُبْنَى عليها تقديم خبر من الأخبار على سواه؟ لا شك أن هذه الخصائص أو القيم كثيرة منها: ١- الجدة أو "عنصر الزمان" ومعنى ذلك أن أغلب ما ينشر في الصحيفة من الأخبار إنما هو أحداث أمس واليوم والغد, أما أحداث الأسبوع الماضي فلا تصلح للنشر إلّا إذا كانت قصتها لم تتم بعد. ذلك أن الأخبار هي في الواقع أسرع البضائع في السوق استعدادًا للتلف أو الفساد، ولذا نرى المخبر الصحفيّ يبدأ موضوعه دائمًا بكلمة "اليوم" إذا كانت الصحيفة مسائية, أو "أمس" إذا كانت الصحيفة صباحية. وعلى هذا, فالزمن عامل هام جدًّا في الخبر، حتى أن ساعة أو ساعتين قد تؤثران في قيمة الخبر الصحفيّ من حيث هو، ولذا نرى أن "آخر الأنباء" أكثرها لفتًا لأنظار القراء، وفي موضوع الجدة في الخبر يعرض لنا سؤالان هامان. أولهما: أيهما أولى بعناية الجريدة, التثبت من صدق الخبر، أم السبق الصحفيّ في نشر الخبر؟ والذي نراه أن التثبت من صحة الخبر هو الأهم دائمًا، ولو أدى ذلك إلى التأخر في نشر الخبر يومًا أو يومين، فإن في اتباع هذه الطريقة الأخيرة أمانًا من خطرٍ كبيرٍ على الجريدة، هو خطر "التكذيب"، والتكذيب يفقد الجريدة ثقة القراء بها، وفي فقدان هذه الثقة ضياع لها.

стр. 100

حدث مرة أن تناقلت وكالات الأنباء نبأ قالت فيه: "إن سلطان باشا الأطرش قد مات". وتسابقت الصحف المصرية في نشر هذا الخبر، عدا "الأهرام"، فلما سئل أنطون الجميل رئيس تحرير هذه الصحيفة يومئذ عن سبب ذلك أجاب بقوله متهكمًا: "من لم يمت في الأهرام فإنه لم يمت" وبالفعل أذاعت وكالات الأنباء في اليوم التالي خبرًا قالت فيه: إن الذي توفي هو والد سلطان باشا, وليس هو سلطان باشا نفسه". ثانيهما: ما موقف الجريدة من الخبر التاريخيّ؟ أو بعبارة أخرى: هل يصح أن تكون مادة التاريخ خبرًا مثيرًا يستحق النشر؟ والجواب في ذلك: أن التاريخ يمكن أن يكون خبرًا صحفيًّا مثيرًا في حالات خاصة، فإذا استطاعت صحيفة مصرية -في الوقت الحاضر- أن تنشر وثيقةً, أو خطبةً من خطب أحمد عرابي, لم تكن قد نشرت من قبل في كتاب من الكتب التاريخية, فإن هذه الوثيقة, أو الخطبة, تثير اهتمام القراء، وتكون لها صفة "الجدة" التي نتحدث عنها الآن. قيل: إن مائتي صحيفة أمريكية دفعت كل منها آلاف الدولارات لكي يكون لها قبل غيرها الحق في نشر قصة للكاتب الإنجليزي "تشارلز ديكنز" كتبها في أيام صباه، ولم يسمع أحد بها من قبل. ٢- المحليّة "أو عنصر المكان" وكل إنسان في الوجود يهتم بنفسه أولًا، ثم بالوسط المحيط به بعد ذلك، والأشياء المحيطة به تندرج عنده في الأهمية، فيلتفت من هذه الأشياء إلى الأقرب فالأقرب، بمعنى أنه يهتم بذويه وأصدقائه، ومكان عمله، ومكان عبادته، ومكان لهوه وهكذا. وحادث يحدث لأحد أصدقائه لا بد أن يثير اهتمامه، ولابد أن ينفعل به انفعالًا عظيمًا، ولكن حادثة تحدث لولده في الطريق, أو في المدرسة, تجعله يقفز من مقعده، ويخرج هائمًا على وجهه.

стр. 101

وتراعي الصحف هذه الصفة من صفات الخبر مراعاة دقيقة، وتفرق من أجل ذلك بين الطبعة التي توزع في العاصمة، والطبعة التي توزع في الأقاليم، فإذا وقعت الحادثة في العاصمة عنيت بها الطبعة التي توزع في العاصمة عنايةً تامَّةً، وقلت هذه العناية بالقياس إلى طبعة الأقاليم أو المدن، والعكس بالعكس. ومن الأمثلة على هذا العنصر-وهو المحلية- أن فلانًا من القراء, حين يقرأ في صحيفة ما, أن شركة السيارات العامة على خلاف مع العمال، ربما لا يأبه لشيء من ذلك، ولكنه إذا قرأ أن العمال سيبدءون غدًا حركة إضراب عام، وأنه سيمشي على قدميه إلى مقر عمله، فهنا يدخل الخبر دائرة اهتمامه الخاص، ويقرأ الخبر بلهفة. ٣- عنصر الإيحاء: قد تنشر الجريدة خبرًا من الأخبار، بل تتسابق الصحف كلها أحيانًا في نشر هذا الخبر بالذات؛ لأنها تعلم جيدًا أنه يوحي للقراء بشتى الأفكار والاحتمالات، فمن قارئٍ يذهب إلى أن إسناد الوزارة العراقية -مثلًا- إلى فلان, سيضر بقضية الجامعة العربية، ومن قارئٍ يذهب إلى أن في ذلك نجاحًا للسياسة الاستعمارية في الشرق الأوسط، ومن قارئٍ يذهب إلى أن فيه نجاحًا لسياسة تركيا، ومن قارئٍ يقول: بل إن فيه نجاحًا لسياسة الأحلاف، ونحو ذلك, إلخ. وهكذا نجد أن الخبر الذي من هذا النوع يوحي إلى قراء الصحيفة باحتمالات شتَّى، وقد يكون لهذه الاحتمالات آثار ملموسة في سياسة الدول المرتبطة بالعراق بصلة من الصلات. ومعنى ذلك أنه بمقدار ما يكون للخبر الصحفيّ من قوة الإيحاء، أو بمقدار ما يثير في نفس القارئ من شتى الأفكار والاحتمالات, تكون أهمية هذا الخبر في نظر الصحيفة، وذلك بغض النظر عن ضخامة الشخصية التي يدور حولها الخبر، وبغض النظر أيضًا عن طرافة الموضوع الذي يتصل به هذا الخبر.

стр. 102

ولا يحتاج الباحث إلى ضرب الأمثلة الموضحة لهذا العنصر من عناصر الخبر الصحفيّ في ذاته، فالأمثلة عليه كثيرة تطالعنا بها الصحف يومًا بعد آخر. ٤- عنصر الضخامة: إن الضخامة هنا ليست بمعنى التهويل, أو المبالغة, ونحو ذلك، ولكن بمعنى إثارة اهتمام أكبر عدد من الناس، فمن الأخبار الصحفية ما يمس جماعة قليلة من الناس في المجتمع, فلا يؤبه له كثيرًا في الصحف، وإن كان ولا بد من كتابته, ففي ركن من أركان الصحيفة, قد لا يلتفت إليه أحد. ومن الأخبار الصحفية ما يمس أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، أو يمس مرفقًا من أهم المرافق الحيوية في هذا المجتمع، أو يمس مشكلة من أكبر المشكلات السياسية أو الخلقية أو الاقتصادية التي تهم المجتمع، وإذ ذاك ترى الصحف تخصص لهذا الخبر الضخم مكانًا ظاهرًا فيها، وتدعه يشغل حيزًا كبيرًا من مساحتها، وقد يكون ذلك في الصفحة الأولى من صفحات الجريدة. وسكرتير التحرير هو الحكم عادةً في مثل هذه الأمور، ولكثرة ما يرد عليه من الأخبار يومًا بعد يوم نراه "ذواقة" لهذه المادة الصحفية "نقادة" لها بارعًا في هذا التذوق والنقد، كبراعة الصيرفيّ الماهر في معرفة الزائف من الصحيح في النقد، أو الجوهريّ الحاذق في معرفة الجواهر الثمينة التي تعرض عليه في كل وقت. ومهما يكن من شيء, فالأساس الذي نزن به حكمنا "بالضخامة" هو اهتمام الرأي العام بالخبر، أو اهتمام أكبر عدد ممكن من الناس بمثل هذا الخبر، وما أيسر ما يعرف القائمون على الصحيفة هذه الأوزان. والخبر الضخم في ذاته خبر متعدد الزوايا، ولابد للصحيفة من تغطية هذه الزوايا جهد المستطاع.

стр. 103

والأمثلة على الأخبار الضخمة كثيرة في صحف العالم، ونريد أن نذكر القاريء ببعضها، ومنها: أولًا: مصرع الرئيس "كنيدي" في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر سنة ١٩٦٣، وقد شغل هذا الحادث بال الرأي العام العالميّ فترةً كبيرةً, ومنها: الجريمة وكيف حدثت؟ والدوافع إلى حدوثها، وصدى الجريمة في الرأي العام العالميّ، ومنها كذلك الزاوية الإنسانية الخالصة، وذلك فيما يختص بزوجة الرئيس الأمريكيّ الراحل وأولاده، ومنها الزاوية السياسة الخالصة، ونقصد بها النظر في سياسة أمريكا بعد مقتل الرئيس كنيدي الذي كان معروفًا بحبه للسلام العالميّ, وحبه لتحقيق هذا الأمل، وبغضه للتميز العنصريّ، وهو العيب الذي وصمت به السياسة الأمريكية, وما زالت موصومة به إلى اليوم. ثانيًا: تأميم قناة السويس في ٢٦/ ٧/ ١٩٥٦، فقد كان مفاجأة ضخمة للعالم كله، وأخذت الصحف العربية تتحدث عن هذا الموضوع الضخم، وتناولته من زوايا كثيرة, منها: وصف النبأ الخطير الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر, والخطاب العام الذي تضمن هذا النبأ، ومنها: الطرق التي استولى بها المصريون على أملاك الشركة في كل من السويس والإسماعيلية وبور سعيد، وكيف احتلوا مكاتب الشركة في هذه المدن الثلاث, وفي مدينة القاهرة أيضًا. ومن هذه الزوايا كذلك الصدى العالميّ لهذا النبأ الضخم، وتتبع هذه الأصداء في العواصم الأوروبية والأمريكية. ثالثًا: اجتماع الملوك والرؤساء العرب في أوائل سنة ١٩٦٤ لبحث المشروع الخاص بتحويل مجرى نهر الأردن، وهو المشروع الذي أقدمت عليه إسرائيل، وكان لا بد للدولة العربية من أن ترد على هذا

стр. 104

المشروع، وأن تضع مشروعًا عربيًّا يقابله، وقد عنيت الصحف المصرية بهذا النبأ الخطير، وتناولته من زوايا كثيرة، منها: قدوم الملوك والرؤساء العرب إلى القاهرة, على الرغم من وجود التوتر السياسيّ بينهم في ذلك الوقت، ومنها: وصف المؤتمر الذي عقد لهذه الغاية، وهي البحث في المشروع الإسرائيليّ، ومنها: وصف المشروع العربيّ المقابل لهذا المشروع، ومنها: وصول مائة صحفيّ ومصور من شتَّى أنحاء العالم لتغطية هذا الخبر, ومنها: وصف الفندق الذي نزل به الملوك والرؤساء، وهو فندق هلتون، وكيف انقلب في لحظة من فندق عام إلى قصر جمهوريّ. ٥- الدراما أو المسرحية: "أو مراكز الاهتمام في الإنسان" إذا صحّ ما يقال من أن الحياة مسرح عام، وأن الناس جميعًا يمثلون على خشبة هذا المسرح، فمعنى ذلك أن الصحف هي المسئولة عن تسجيل هذه المسرحية بأحداثها وأشخاصها ومناظرها وألوانها، لا تدع شيئًا من ذلك إلّا تحدثت عنه، وليس شكٌّ في أن المشهورين من الناس غالبًا ما يكونون أبطال هذا المسرح العام، ولذلك تُعْنَى الصحف بأخبارهم أكثر من غيرهم، وكما تكون الشهرة للأشخاص, تكون كذلك للأماكن وللأحداث وللأعمال، فأسماء الزعماء والقادة من الناس، وأسماء فلسطين ومراكش من البلاد، وتحديد النسل، ونظام المعاش والمرتبات، كل ذلك من الأمور التي تثير اهتمام عدد كبير من قراء الصحيفة. والسبب في ذلك أن بالإنسان ميلًا إلى الاهتمام بالبطولة وبالأبطال، ولا بد للصحف من إشباع هذا الميل في نفوس القراء، والتحدث إليهم كثيرًا في هذا الباب، وعلى هذا, فالشهرة في ذاتها موضوع هام من

стр. 105

موضوعات المسرحية التي تهتم بها الصحافة، وهي مسرحية الحياة، وهي في الوقت ذاته مقوم من مقومات الخبر الصحفيّ. ثم إن مسرحية الحياة كثيرًا ما تلبس ثوب الغموض والإبهام، وهذا العنصر يظهر ظهورًا قويًّا في "الجريمة" فكلما استعصى على رجال الأمن الوصول إلى أسباب الجريمة, أو أشخاص الجريمة, كانت أكثر إثارةً لفضول القراء، فإذا قبض رجال الأمن على المجرم, انتهت القصة, وأسدل عليها الستار. ومسرحية الحياة كثيرًا ما تظهر أيضًا في شكل رواية مضحكة -كوميدية، وإذ ذاك تكون الحوادث الطريفة التي تتألف منها القصة المضحكة بمثابة التوابل على مائدة الصحيفة، ومن الأمثلة على ذلك: حكاية الغزال الهارب من حديقة الحيوان, وحكاية الجمل الذي فَرَّ من صاحبه حتى وصل إلى باب عابدين، وكأنه لاذ بصاحب هذا القصر الكبير، وحكاية الثور الذي وصل إلى المجمع اللغويّ، وأشباه ذلك. ولعل أهم ما في مسرحية الحياة أيضًا "عنصر الغرابة"، التي تثير في القراء أشد الرغبة في القراء، وتشبع فضولهم دائمًا عن هذا الطريق، ومن الأمثلة على ذلك: قصة الطفل الذي يولد في طائرة, وصياح الديك الذي تسبب في موت أسرة كاملة, وخبر الرجل الميت الذي نهض في نعشه, وحكاية الرجل الذي باع الأراضي في القمر, وحكاية الصعيدي الذي اشترى الترام في مصر, وقصة الشحاذ الذي عثر فجأة على عقد من الماس ... إلخ. والحق أن الفضول الإنساني شيء لا يمكن إشباعه، ولذا تتسابق

стр. 106

الصحف في هذا الإشباع, ولكنها لا تبلغ منه كل ما تريد. وفي مسرحية الحياة لا يمكننا أن ننسى مطلقًا عنصر "الصراع". فغريزة القتال من الغرائز التي لا يمكن أن تموت في الإنسان، ومن مظاهر هذه الغريزة صراع الرجل ضد الرجل، وصراع الدولة ضد الدولة، وصراع العلم ضد الجهل, وصراع الصحة ضد المرض، وصراع الإنسان ضد الطبيعة، وصراع العقيدة ضد العقيدة. والصحافة لا غنى لها مطلقًا عن استغلال هذه الغريزة، ولذلك تهتم بتزويد القراء بأخبارٍ من هذا النوع، ومن الأمثلة عليها: المنافسة بين مرشحين على مقعد من مقاعد مجلس الأمة، وهي مادة تستحق أن تملأ عمودًا في جريدة، ومنها قصة الحرب بين معسكرين أو دولتين, وهي مادة قد تتحدث عنها الصحف أيامًا وشهورًا. وفي مسرحية الحياة أيضًا لا ينبغي أن ننسى "الغريزة الجنسية" وكيف أنها تلعب دورًا هامًّا في جميع الصحف، وقد رأينا منذ أعوام كيف أن زواج أميرة من أمراء البيت المالك في مصر إذ ذاك -هي الأميرة "فتحية" أخت فاروق- من شابٍّ مسيحي هو " رياض غالي"- أتاح للجرائد المصرية أثمن الفرص للكتابة الصحفية المتصلة، ونخص من هذه الجرائد المصرية بالذكر جريدة "أخبار اليوم", فقد اتخذت من هذه القصة مسرحية من أعجب المسرحيات التي مثلت على مسرح الحياة المصرية في عهد الملك السابق. للصحافة إذن أن تستغل جميع الغرائز في الإنسان، حتى غريزة البحث عن الطعام، ومن هنا كانت أسعار الخبر واللحم والفاكهة، وأخبار التموين، والضرائب التي تفرض على الدخان وغيره, أمورًا هامَّةً لدى القراء, ولا مفر للجريدة من العناية بها من أجلهم. وكل هذه الأشياء مظاهر لمسرحية الحياة، أو بعبارة أخرى مراكز

стр. 107

لاهتمام القراء، فعلى الصحافة أن تعنى عنايةً تامةً بهذه المراكز كلها، وعليها أن تدبر الأخبار بمثل هذه الطرق. ٦- سياسة الصحيفة: وأخيرًا نصل إلى عنصرٍ هامٍّ من عناصر تقويم الصحيفة للخبر، وهذا العنصر هو سياسة الصحيفة، والحق أن من أهم خصائص الخبر الصحفيّ أن يكون مطابقًا لهذه السياسة، ومع هذا, فمن الباحثين من يرى غير ذلك الرأي، ويحاول أن ينشر الخبر طليقًا من كل قيد، على أن يكون التعليق الصحفيّ على الخبر مستقلًّا تمام الاستقلال عن الصورة التي نشر بها، ومحققًا للاتجاه السياسيِّ الذي تعرف به الجريدة. والنزعة الأخيرة في رأينا أدنى إلى الصواب، فلا ينبغي للجريدة أن تتحكم في قرائها مرتين: مرةً عندما تنشر الخبر مصبوغًا بلونها السياسيّ الذي تعرف به، ومرةً عند ما تعلق على الخبر تعليقًا يتفق وهذا اللون، والصحيفة باتباعها للنزعة الأخيرة تكتسب لنفسها احترام القراء، وتحظى منهم بالثقة، ذلك أن التزام الحيدة في تحرير الأخبار أمانةٌ صحفيةٌ ينبغي أن تتحلى بها الصحف، وهي بعد حرة في تكييف الأخبار وشرحها وتفسيرها, وصبغها بالصبغة التي تريدها. ومهما يكن من أمر هذا الخلاف في الرأي, فإن "سياسة الصحيفة" هي التي تستطيع أن تتحكم في خصائص الخبر ومقوماته، فتقدم واحدًا منها على غيره، أو تهمله إهمالًا تامًّا، ونحو ذلك، فصحيفة من الصحف تنظر إلى الضخامة على أنها أهم مقومات الخبر، وأخرى تنظر إلى الجدة على أنها الأهم، وعلى هذا الأساس تقدم خبرًا وتؤخر آخر. وليت الصحف تقف عند حد التحرير المغرض للأخبار، بل إنها تتعداه إلى كتابة العنوانات المثيرة لهذه الأخبار. خذ لذلك مثلًا: مجانية

стр. 108

التعليم، فإن الصحيفة التي ترضى عن هذا المشروع, تتخذ له عنوانًا كهذا العنوان: "التعليم حق لكل فرد من أفراد الشعب". أو "الحكومة تفتح المدارس والجامعات لجميع أبناء الأمة". وأما الصحيفة التى لا ترضى عن المشروع, فتنشر الخبر بعنوان كهذا العنوان: "الحكومة تبذر في أموال الخزانة العامة". أو "الحكومة تحابي الطلبة وترشوهم بالمجانية". ومثال آخر: تجميل مدينة القاهرة, وإعادة تخطيط الأحياء الشعبية, أو بعض المدن الهامة في الأقاليم، فنرى الصحف المحبذة للموضوع تنشره تحت عنوان: "تجميل مدينة القاهرة" و "انتعاش المدن الكبرى في الجمهورية العربية"، ونحو ذلك, أما الجرائد الأخرى -إن صح أنها توجد في ذلك الوقت- فتنشر الخبر تحت عنوان: الحكومة تبذر في أموال الخزانة العامة، وتتملق الجماهير على حساب المشروعات النافعة". وخير من هذه وتلك, صحيفة تنشر الخبر كما هو، وتأتي بنص القرار الذين اتخذته الوزارة في هذا الصدد أو ذاك, ثم في مكان آخر بالجريدة تستطيع التعليق عليه بما تشاء، وبهذه الطريقة يتوفر للخبر عنصران: هما "الدقة" و"الموضوعية". على أن هذا وذاك يدعونا إلى التفكير في الموضوع بطريقةٍ أوسع من هذه الطريقة، كما يضطرنا إلى الإفاضة في المذاهب المختلفة لنشر الخبر، وهو ما سنتحدث عنه في الفصل التالي.

стр. 109

مذاهب نشر الخبر: عرضنا لطائفةٍ من التعريفات المختلفة للخبر، وعرفنا شيئًا من خصائص الخبر, أو الصفات الأساسية التي ينبغي أن تتصف بها هذه المادة من مواد الصحف، وأهم هذه الصفات أن يكون الخبر مثيرًا لأكبر عدد من القراء، ولكن ما السبيل إلى هذه الغاية؟ هناك اتجاهات ثلاثة في هذه المسألة: الاتجاه الأول: هو الاتجاه الذي يهدف أولًا وأخيرًا إلى إثارة القراء, وهو الاتجاه الذي تمتاز به الصحف الشعبية في كل بلد من بلاد العام في عصرنا هذا، وهذه الصحف الأخيرة لا تجاريها صحف أخرى في سعة الانتشار وضخامة التوزيع، ومثلها: صحف "أخبار اليوم" في مصر، وصحيفة "الديلي اكسبريس" في انجلترا. وما دام القراء هم الهدف الأول والأخير في هذا المذهب من مذاهب نشر الخبر، فمعنى ذلك أنهم -أي: القراء- هم الذين يملون على الصحيفة نوع الأخبار، وهم الذين يكون لهم دخل كبير في اختيارها عادة، وفي ذلك يقول الإنجليز عن رائد الصحافة الشعبية في بلادهم، وهو "نور ثكليف"١. لم يعد هذا الرجل هو الذي يحرر الجريدة؛ لأن محرريها الحقيقيين هم القراء.

стр. 110

ولا شك أن من أهم الصفات التي تثير رغبة القراء في الأخبار صفة الغرابة أولًا، وصفة الدراما ثانيًا، ومن الأخيرة صفات الجنس، والغموض والشهرة، والأمور الشخصية, ونحو ذلك١. من أجل هذا يقول أصحاب الصحف المتمرسون بها إلى اليوم: إن الأخبار هي كل شيء خارج المألوف. ويقول الصحفيّ المشهور "نور ثكليف" الذي تقدم ذكره: "في شارع تسكنه مائة أسرة وأسرة, لا يلتفت الناس إلى مائة أسرة تعيش عيشة مألوفة هناك، بينما يلتفون إلى أسرة واحدة تكون لها حالة شاذة؛ كحالة طلاق, أو جريمة، ونحو ذلك". ومعنى هذا بعبارة وجيزة: أن الصحيفة التي تؤثر هذا الاتجاه تقصد دائمًا إلى إشباع رغبات الجمهور عن هذا الطريق، وتعترف بحق الجمهور المطلق في السيطرة على الصحيفة على هذه الصورة، وتعتبر أن من أول ما يجب عليها البحث عما يعجب هذا الجمهور، ولا تعمد مطلقًا إلى مقاومته، أو إهمال رغباته وميوله من هذه الناحية. ولهذا أيضًا نرى الصحف الشعبية التي من هذا النوع تتجنب صفة "الجفاف" في الأخبار، ولا تبدي عناية تامة بالأخبار الجدية التي تتصل بموضوعات العلم أو السياسة وما إليها. والملاحظ عادة أن الأخبار الجدية تخلو من عنصر التشويق، ولهذا تقدم الصحف الشعبية أخبار الجريمة والجمال والمسرح أولًا، ثم تأتي أخبار المجتمعات الدولية, والهيئات الرسمية, والمؤتمرات, والميزانية, والقرارات الحكومية العامة فيها بعد ذلك.
следующие страницы →