← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الآسيوية والأفريقية من اهتمامٍ بالغٍ، وتأييدٍ تامٍّ فيما يتصل بمسألة حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير. ثم قال: إن كثيرًا من الفضل في نجاح المؤتمر يرجع للجهود الشخصية للسيد: علي ساسترو جوجو, رئيس المؤتمر، وإلى خبرته، وطول أناته، كما أن روح أعضاء الوفود التي اتسمت بطول الأناة، والرغبة في التوفيق, ساعدت في جعل مداولاتنا تنهج نهجًا إنسانيًّا في الأوقات التي بدا فيها ألّا مندوحة من وقوع الخلاف! واختتم الرئيس عبد الناصر كلمته بشكر الحكومة الأندونيسية, على ما أظهرته من كرم الضيافة، وشكر الدول الداعية إلى المؤتمر لاتخاذها الخطوة الأولى في سبيل عقده. بهذه الطريقة السابقة كتبت "الأهرام" في صفحتها الأولى تقريرها عن هذا "الماجرى الدبلوماسيّ" الخطير الذي تمخض عن القرارات العشرة لمؤتمر باندونج. وقد اتبعت الصحيفة في كتابة هذا التقرير على وجه التقريب, نفس الطريقة المتبعة في كتابة الخبر، ومعنى ذلك: أنها جعلت للتقرير عنوانًا رئيسيًّا كبيرًا هو: مؤتمر باندونج يقرر ١٠: مبادئ لصون السلام العالميّ ثم أعقب ذلك بعنوانات هي: - مناشدته العالم خفض القوات المسلحة. - وتحريم استخدام أسلحة الدمار الشامل.

стр. 527

الرئيس عبد الناصر يشيد بنجاح المؤتمر في جلسته الختامية: وعلى أثر ذلك أتت الصحيفة على القرارات العشرة التي هي ثمرة هذا المؤتمر. ومن كل ما سبق تألف ما يسمى: "صدر الخبر" أو الماجرى، ثم انتقلت "الأهرام" من ذلك إلى "الجسم"، أو الصلب، أو التفاصيل، فرأيناها تجعل لكل تفصيلٍ منها عنوانًا خاصًّا، حتى إذا وصلت إلى الجزء الخاص بالقرارات العشرة أولته عنايةً تامةً، وعادت تكتب هذه القرارات "بالبنط" الأسود، أو الظاهر، وأعطت لكل قرار منها رقمًا مستقلًّا به. ثم عُنِيَ التقرير بعد كل هذا بالخاتمة، وقد اقترنت هذه الخاتمة بكلمات رؤساء الوفود، وقد اكتفى المحرر الصحفيّ بأربع كلمات؛ منها كلمة رئيس الحكومة المصرية, وبها انتهى التقرير. على أن مؤتمر باندونج -بالرغم من سعة رقعته، ونبل غايته- يعتبر نموذجًا صغيرًا للماجريات الدولية، وذلك إذا قيس بالاجتماعات الكبيرة التي تعقدها هيئة الأمم المتحدة, وتدعو إليها أكثر دول العالم كله، بما في ذلك دول الكتلة الشرقية، ودول الكتلة الغربية، ودول الكتلة الآسيوية والأفريقية, التي عقدت أول مؤتمر لها في "باندونج". ولعل من أوضح الأمثلة على جلسات هيئة الأمم منذ نشأتها إلى اليوم, تلك الجلسات العاصفة التي عقدتها الهيئة بسبب "أزمة قناة السويس", وذلك منذ شهر أكتوبر سنة ١٩٥٦. على أن هيئة الأمم المتحدة لم تشهد أخطر ولا أعنف من الجلسات التي عقدتها في أوائل نوفمبر سنة ١٩٥٦، وذلك على أثر العدوان الثلاثيّ المسلَّح على مصر، وهو العدوان الذي دبرته كلٌّ من انجلترا وفرنسا وإسرائيل, في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر عام ١٩٥٦.

стр. 528

غير أن هذه الجلسات العنيفة الخطيرة التي نشير إليها, قامت بتسجيلها على شكل "ماجريات دولية" إذاعة الحكومة المصرية, بما لم يدع للصحف الوطنية أية فرصة لمنافستها في ذلك. والذي لا شكَّ فيه أن الإذاعة المصرية كانت تفرض شخصيتها على هذه الماجريات الدولية، بل كانت تتدخل في طريقة عرض الماجريات بما يتفق ووجهة النظر المصرية البحتة، وكان من حقها أن تفعل ذلك, وأكثر منه, وراء غاية هامة، هي تعبئة الشعور القوميّ الذي كان من أكبر واجبات الصحافة والإذاعة في مصر والشرق, في مثل ذلك الظرف.

стр. 529

تحرير الصورة والإعلان: انتهينا من الحديث عن التحرير بفنونه المختلفة؛ من خبر، إلى مقالٍ، إلى تقريرٍ، وبقيت كلمة أخيرة عن تحرير الصورة، وأخرى عن تحرير الإعلان، ومحرر الأولى يعرف في الأسرة الصحفية، بمحرر الصورة، والمحرر الثاني يعرف: "بمحرر الإعلان". أهمة الصورة: من المعروف أن المعلومات التي تصل إلينا عن طريق الصور والرسوم, ربما كانت أوضح من المعلومات التي تصل إلينا عن طريق الكلمات المكتوبة؛ لأن هذه الأخيرة تتميز بطبيعتها الرمزية. بل إن المعاني التي تعطيها الصور والرسوم قد تكون أقل قابليةً للخطأ وسوء الفهم من المعاني التي تعطيها الكلمات المكتوبة، ثم إن الجاذبية التي نشعر بها نحو الصور والرسوم تضمن إطالة التذكر للشيء الذي تعبر عنه هذه المواد. ونحن نعرف أن الحياة نفسها مليئة بالخبرات العاطفية التي لا تستطيع الكلمات وحدها أن تصف واحدة منها، وذلك كما في حالة الجندي في أثناء تعرفه لنيران الأعداء في إحدى المعارك الحربية، وكما في حالة إنسان سبق أفراده في تسلق جبل شاهق، وكما في حالة إنسان فقد بصره أو سمعه ونحو ذلك. إن الخبرة السابقة الخصبة, والمقدرة اللغوية البالغة, هما شرطان لفهم المشاعر الدقيقة, والمعاني الكثيرة التي تنطبق عليها الإجراءات العاطفية المعقدة.

стр. 530

وكثيرًا ما نمزج الصور بالألفاظ كما في الصحف المصورة ونحوها، وكذلك تحتاج الصور الصحفية إلى قدرة في كتابة الألفاظ المعبرة عنها، وهو ما يسمى: بتحرير الصورة. ومع هذا وذاك, فإن هناك أنواعًا من الصور الممتازة بوضوحها، قادرةً على التعبير عن نفسها بنفسها؛ بحيث لا تحتاج في الحقيقة إلى توضيحٍ ما، والمثال على هذه الأنواع يوجد في مجموعة الصور المعروفة باسم: "أسرة الإنسان" وهي تمثِّل كل أنواع الجنس البشريّ في أجزاءٍ كثيرةٍ من العالم، وتعبِّرُ بالرسم عن "الأخوة البشرية" دون حاجةٍ إلى توضيحات لفظية، إلّا أن أمثال هذه الصورة القوية الدلالة, الشديدة الوضوح, نادرة، ومعنى ذلك أن حاجة الصورة إلى التحرير, أو إلى الألفاظ التي تساعد على فهمها؛ لتبقي حيةً لا غنى عنها إلى الأبد. إن الصور بمدلولها الواسع تعتبر بلا ريبٍ لغةً عالميةً، شأنها في ذلك شأن الموسيقى، ولذا أُثِرَ عن الفيلسوف "كونفشيوس" أنه قال: "إن صورةً واحدةً تعدل ألف كلمة". ولا يخفى علينا ما للصورة من قدرةٍ على محو "الأمية البصرية" إذا صح هذا التعبير، فإن كثيرًا من الناس يعرفون من خلال الصور شيئًا غير قليل من عادات الشعوب البعيدة، وما له دراية بالحياة التي تتبعها ونحو ذلك. وتعتبر الصورة في الصحيفة من أهم وسائل الإعلام والإيضاح في وقت ما, بل إنها تعتبر كذلك من أكبر أدوات الإثارة والتوجيه والإرشاد, وذلك كله فضلًا عن الإعلان. وتتنوع الصورة الصحفية تنوعًا كبيرًا؛ فهناك صور الشخصيات, وصور الأماكن، وصور التجارب، وصور المواقف الإنسانية، وصور الألعاب الرياضية، وهكذا تستعمل الصور في الصحف على أوسع نطاقٍ ممكنٍ حتى ليخيل إلى الصحفيِّ أنه بحاجةٍ إلى أن يضع الصورة بجوار كل فقرة جديدة.

стр. 531

أو كل خير صغير أو كبير، أو كل شخصية يأتي ذكرها في كلامه، أو كل فكرة أو حقيقة, ولو لم تكن في حاجة إلى التوضيح, وهكذا، والسبب في ذلك: أن الصورة تضفي على العبارات حيويةً ومعنًى وإحساسًا وعاطفةً, ونحو ذلك. على أن الصورة التي تعنى بها الصحف عادةً هي التي تعبر عن حركة أو موقف أو موضوع، ولذلك تستخدم الصورة عادةً في الأحوال التي يحتاج الإيضاح فيها إلى عامل الحركة, أو عامل الإيضاح، بل يمكن استخدام مجموعة من الصور لبيان حركة معينة, أو عدة حركات, ونحو ذلك. يقول اللورد نور ثكليف: "ربما كان التحرير المصاحب للصورة من أشق الأعمال الفنية في الصحيفة" وهو كذلك في الحقيقة، فلا يقف التعليق على الصورة عند وصف ما فيها من الأشخاص، أو المعالم, أو المناسبات، ولكن يجب أن يضيف المحرر إلى هذا الوصف شيئًا آخر، فيضيف إلى اسم صاحب الصورة مثلًا: أنه عالم من العلماء المعدودين في نوع خاصٍّ من العلوم، أو أنه لا عب كرة ممتاز بمهارته في الأوساط الرياضية, ونحو ذلك. كذلك يجب على محرر الصورة أن يلفت نظر القارئ إلى مركز الأهمية في الصورة بطريقةٍ لا شعورية، بحيث يشعر القارئ أنه إنما ينظر من تلقاء نفسه إلى تلك النقط الهامة في الصورة التي أمامه. ثم إن أسلوب تحرير الصورة يحتاج كذلك إلى توفر عوامل الجذب والتشويق، وإلى حسن اختيار اللفظ المناسب، المشتمل على أكبر قدر ممكن من التعبير، وكثيرًا ما يوفق محرر الصورة إلى أن يكتب تحتها حكمة من الحكم البالغة، أو مثلًا من الأمثال السائرة، أو عبارة من العبارات الكثيرة الورود على لسان الصورة المنشورة في الصحف، أو جملةً من الجمل تدل على إحدى لوازمه وهكذا.

стр. 532

ولا يتسنى لمحرر الصورة ذلك إلّا إذا كان على حظٍّ ما من الثقافة والاطلاع في السياسة، وفي الأدب، وفي التاريخ, والاجتماع، والوقوف التامِّ على طبقات المجتمع, وما تمتاز به كل طبقةٍ من حيث الزيّ، أو التقاليد، أو الأخلاق، أو العادات. إن محرر الصورة -سواء أكانت شمسية أم كاريكاتورية - يجب أن يكون ممتازًا بصفات لا تقل في مجموعها عن الصفات التي يتحلى بها محرر التحقيق الصحفيّ، وبذلك يستطيع أن يقوم بهذا العمل الفنيّ الذي تعرف له الصحافة مكانته وخطورته، وتُقَدِّرُ له دقته، وصعوبته, وتختار له من المحررين من يتوافر فيه الشعور الكامل بكل هذه الأشياء. والصور "Cuts" عنصر هام في الصحيفة الحديثة، وهي تشمل الصور الفوتوغرافية، والرسوم البيانية، والخرائط، والكاريكاتير، وما إليها، وإذا كانت بعض الصور تنشر التجميل، أو لأنها تمثل شخصيات تدورحولها المادة الصحفية، فإن بعض الصور كذلك تستطيع أن تحل محل الكلمات, فتنقل إلينا خبرًا أو رأيًا. والصورة التي تنقل الخبر هي الصورة الفوتوغرافية التي التقطت لإحدى لحظات الحدث المعبرة, أما الصورة التي تنقل الرأي, فهي الكاريكاتير الذي ينقد في سخرية شخصًا أو فكرةً. ولعل أول صورةٍ صحفيةٍ في تاريخ الصحافة المصرية, هي الصورة التي نشرتها الأهرام في الرابع من شهر مارس سنة ١٨٨١, وهي صورة فرديناند دليسبس ومعه طفلة، ثم كانت "الجريدة" أول صحيفة تستخدم صورًا فوتوغرافية للأشخاص والأماكن مع الأخبار والحوادث الهامة، وكان ذلك ابتداءً من الثامن والعشرين من شهر يونيه سنة ١٩٠٨. ولما كان الإعلام أهم وظائف الصحف في العصر الحديث، فقد

стр. 533

أصبحت الصورة الخبرية تتمتع بمكانةٍ ملحوظةٍ بين مواد الصحيفة, وزاد من اهتمام الصحف بنشر الصور الخبرية نجاحها في وسائل الأعلام الأخرى التي تعتمد عليها، وهي: "المجلة, والسينما, والتليفزيون". ولا مبالغة في القول بأن الصورة قد تكون أفضل من ألف كلمة، فإن آلة التصوير الحديثة تستطيع أن تسجل من اللقطات البارعة، والمشاهد المعبرة, ما يعجز الكلام عن وصفه, مهما بلغ من الفصاحة والبيان. فلا غرو بعد هذا أن أصبح المصوِّر الصحفيُّ الحديثُ محررًا ومصورًا يتخير اللقطات التي تنقل إلى القارئ خبرًا، أو تيسر لذهنه استحضار مشهد معين، وكذلك أصبح المراسل الحديث يجيد التصوير حتى لا يفوته استخدام عدسته كما يستخدم قلمه. والصورة الخبرية قد تكون مستقلةً تروى بدقائقها, وبما يصحبها من عباراتٍ قليلةٍ موضوعًا كاملًا، كما أنها قد تصحب خبرًا فتوضحه, وتلقي الضوء على تفاصيله. والكلام الذي يصحب الصورة "Coption" يراعى في عبارته دائمًا أن تكون موجزة بقدر الإمكان، فالأصل هنا، هو الصورة، والكلام لمجرد التوضيح المختصر. وقد أصبح من وظائف وكالات الأنباء في العصر الحاضر نقل الصور الخبرية -فضلًا عن نقل الأخبار- إلى مشتركيها, بل إن الصورة الخبرية أصبحت لأهميتها تنقل بالراديو, حتى تحقق الغرض منها في سرعة الوصول إلى القارئ؛ كالكلمة سواء بسواء. وتعتمد وظيفة التسويق بدورها على الصورة اعتمادًا كبيرًا, ومما لا شك فيه أن الإعلان التجاريّ الحديث, أصبح يعتمد على الصورة أكثر من الكلام؛ لترويج ما يدعو إليه سواء كانت صورة فوتوغرافية، أم رسمًا يدويًّا أم كاريكاتيرًا.

стр. 534

وسأكتفي هنا بأن أضرب الأمثلة على تحرير "الصورة" مما نشر في صحيفة "السياسة الأسبوعية" التي كان يشترك في تحريرها الشيخ عبد العزيز البشري، وقد مرَّ ذكره في فصل عنوانه: "المقال الكاريكاتوري": فتحت الصورة الخاصة "بزيور باشا" كتب العبارة التي أثرت عن هذا الوزير، وكانت مثارًا لسخرية المصريين في زمانه، وهي قوله: "لإنقاذ ما يمكن إنقاذه". وتحت الصورة التي رسمت لعدلي يكن "باشا" كتب المحرر هذا البيت من الشعر: لا معنى بكل شيء ولا ... كل عجيب في عينه بعجيب! وتحت الصورة التي رسمت لعبد الخالق ثروت "باشا"، وكان يعرف لشدة كتمانه باسم "أبي الهول" كتب المحرر: لي في ضمير الدهر سر كامن ... لا بد أن تستله الأقدار! وفي الصورة التي رسمت للدكتور محجوب ثابت، وكان معروفًا بتعدد شخصياته، كتب المحرر: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وتحت الصورة التي رسمت لإسماعيل سِرِّي "باشا", كتب المحرر هذه العبارة: لا أبالي إزاء نفع الأقارب والأصهار ... أجف النيل أم ذرت الأثمار! وتحت الصورة التي رسمت لعبد الحميد سعيد "بك" من أعضاء الحزب الوطني، كتب المحرر هذا البيت من الشعر: من أطاق التماس شيء غلابًا ... واغتصابًا لم يلتمسه سؤالًا وتحت الصورة المرسومة لطلعت حرب، منشيء بنك مصر، كتب المحرر هذه العبارة لقاسم أمين:

стр. 535

"الوطنية الصحيحة تعمل كثيرًا، ولا تعلن عن نفسها" وتحت الصورة المرسومة لإسماعيل صدقي "باشا" كتب المحرر هذه العبارة: "من ذخائر الأمم!! " وتحت الصورة المرسومة لمحمد محمود "باشا", وكان معروفًا بالشمم والتكبر، كتب المحرر: وإني لمن قوم كان نفوسهم ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما! أما الصورة التي رسمت للشيخ أبي الفضل الجيزاوي، شيخ الجامع الأزهر، فكتبت تحتها العبارة الآتية: "الحمد لله, لم يبق إلّا مائة ألف جنيه و ٥٠٠ سهم بنك عقاري قديم, حتى أنقطع لعبادة الله، والزهد في الدنيا! " قد لا يدرك شباب الجيل الحاضر ما لهذه العبارات التي استعان بها المحرر في تحرير الصورة الكاريكاتورية السابقة من قوة الدلالة؛ لأنهم لم يعاصروا شخصياتها، ولكن الواقع أن كل عبارةكتبها محرر الصورة جاءت ملخصة أحسن التلخيص للأوصاف التي لصاحب الصورة، دالةً أقوى الدلالة على مغزاها ومرماها والقصد من نشرها، أو نشر المقال الذي كتب من أجلها، وهل يستطيع ذلك إلّا كاتبٌ ماهرٌ ألَمَّ بموضوع الصورة إلمامًا جيدًا، وعرف ما حولها من الظروف والملابسات معرفة جيدة؟ وقل مثل ذلك في الصورة التي تشتمل على المناظر، أو الحوادث، أو ما يتصل بالأخبار، أو التقارير الصحفية على اختلاف أشكالها, فإن المحرر في كل حالة من هذه الحالات محتاج إلى دقة بالغة، ومهارة ظاهرة في تحرير الصورة التي يجعلها مصاحبةً للخبر، أو التقرير الصحفيّ الذي ينشره بالصحيفة.

стр. 536

من أجل ذلك ينبغي أن يتعاون المخبر، أو محرر التقرير، أو المقال, مع محرر الصورة، وبدون هذا التعاون لا يتم تحرير الصورة التي تعتبر جزءًا متممًا للتقرير أو الخبر أو المقالة، وكثيرًا ما يكون محرر الصورة هو كاتب الخبر أو التقرير أو المقالة، وفي ذلك ما يدل دلالةً صريحةً على مدى التعاون الذي لا بد من وجوده بين هذين المحررين. تحرير الإعلان: أما الإعلان -سواء أكان في مجلة أم في صحيفة- فإنه يحتاج إلى استيفاء الخطط الأربع الآتية، وهي: أولًا: خطة تهدف إلى تشويق القارئ، وجذب انتباهه للشيء المعلن عنه في الصحيفة. ثانيًا: خطة تهدف إلى مخاطبة وجدان القارئ، حتى يشعر بالحاجة الماسة إلى الحصول على هذا الشيء المعلن عنه, وإلى أنه سيسد حاجةً قويةً من حاجاته. ثالثًا: خطة تهدف إلى حسن العرض، وفيها يبذل المحرر أقصى الجهد, حتى ينجح في لفت نظر القارئ. رابعًا: خطة تهدف إلى حسن تحرير الإعلان, أو العناية بالعبارة التي تستخدم في تحريره. وقد رتَّبَ الأستاذ "هوتشكس Hotchkiss" في كتابه: "تحرير الإعلان". Advertising copy تلك الخطط الأربع على النحو المتقدم، ثم زاد على ذلك أنه وضع نسبةً مئويةً لكل منها، على النحو الآتي: ٥٠% لخطة التسويق. ٢٥% لمخاطبة وجدان القارئ. ٢٥% لطريقة العرض. ١٠% للتحرير.

стр. 537

ثم قال الأستاذ: ومع ذلك, فهي العشرة الأخيرة في المائة، فإذا فشلت هذه الأخيرة في مهمتها, فشل معها كل ترتيب سابق١. فانظر إلى قوله: "ومع هذا وذاك, فهذه العشرة في المائة للتحرير هي العشرة الأخيرة"!! فإنها تدل دلالة كبيرة على عظم الأهمية التي للتحرير من بين عناصر الإعلان، على الرغم من صغر النسبة المئوية التي له, بالقياس إلى النسب الأخرى. ومهما يكن من شيءٍ فإن على محرر "الإعلان" أن يسأل نفسه عند الكتابة هذه الأسئلة التالية: ما هي الفكرة الأساسية للإعلان؟ وما الصلة بين الإعلان ونفس القارئ؟ وأيّ أسلوبٍ يجدر به اتباعه في تحرير الإعلان الذي أمامه؟ ولا شكَّ الإجابة عن جمع هذه الأسئلة تحدد الأسلوب الذي يتبع في التحرير. أسلوب تحرير الإعلان: إن هذا الأسلوب المتبع في تحرير الإعلان, إما أن يكون منطقيّ الصورة، وإما أن يكون عاطفيّ الصورة، وإما أن يجمع بين الأمرين. في الأسلوب المنطقيّ الصورة, يذكر المحرر الإعلاني مميزات السلعة، معتمدًا في ذلك على الحقائق التي لا تقبل الجدل، متخففًا ما أمكن من المصطلحات العلمية التي تدق على ذهن القارئ العاديّ. وفي الأسلوب العاطفيّ الصورة, يخاطب المحرر الإعلانيّ نفوس القراء،

стр. 538

ويثير أخيلتهم جهد المستطاع، ويدعوهم إلى ما يسمى: "التسامي الحضاري"، ومعناه: تمشي الإنسان مع المخترعات الحديثة، وعدم التخلف عنها، وبذل أقصى الجهود في الإفادة منها, مهما كلفه ذلك من مالٍ في شراء هذه الأشياء. وليعلم المحرر الإعلانيّ هذه الحقيقة، وهي أن الإنسان مسوق بالعاطفة أكثر منه مسوقًا بالعقل أو المنطق، وهو لهذا يستجيب للإعلان العاطفيّ، ولكنه في نفس الوقت يشعر بالحاجة القوية إلى بعض المبررات العقلية التي تجعله يعتقد أن استجابته العاطفية تستند إلى الحق دائمًا، وفي سبيل هذه الغاية يسلك المحرر الإعلانيّ طرقًا شتَّى لنجاح إعلانه، منها: أولًا: طريقة القصة: وذلك بأن يخترع المحرر قصةً صغيرةً حول الشيء المعلن عنه، وكثيرًا ما يتوخى المحرر الإعلاني أن تكون هذه القصة الإعلانية في ذيل قصةٍ من القصص الأدبية, أو الصحفية التي تنشرها المجلة أو الصحيفة, بقصد إمتاع القراء، وكثيرًا ما يتوخَّى المحرر إيجاد الصلة بين هذه القصة الأدبية، والقصة الإعلانية. ثانيًا: طريقة الوصف: والقاعدة المتبعة في ذلك إلى اليوم هي قولهم: "تجنَّب أن تقول بالألفاظ ما يمكن أن تقوله بالصور"، على أن الصور في ذاتها قد لا تؤثر في أكثر من حاسةٍ واحدةٍ فقط من حواس القارئ، هي حاسة النظر، وفي هذه الحالة, يجب على المحرر الإعلانيّ أن يقوم بإتمام التأثير في بقية الحواس، كحاسة الشم، وحاسة الذوق، وحاسة اللمس، وحاسة السمع, ولايتأتى كل ذلك إلّا عن طريق اللفظ الذي يتوخَّى فيه المحرر الإعلانيّ الدقة البالغة، حتى يعبر عن جميع الإحساسات التي تعجز الصورة عن التعبير عنها. وبهذه الطريقة يتعاون التحرير والصورة على أداء مهمة التأثير في القارئ.

стр. 539

مثال ذلك: صورة نوع خاص من الصابون، كالنوع المعروف باسم: "بالموليف"، فإن الصورة هنا لا تكفي لأن تعطي للقارئ فكرةً عن رائحته الجميلة، ولا عن تأثيره في البشرة، وإذا ذاك يجب على المحرر الإعلانيّ أن يجعل تحريره مكملًا للصورة التي يعلن بها عن هذا النوع من أنواع الصابون. ثالثًا: طريقة الكلمات التي تشبه الحكمة أو المثل القرش الصغير يصنع القرش الكبير، وذلك في مجال الدعوة إلى الإقبال على صناديق التوفير. رابعًا: طريقة العمود الصحفيّ كثيرًا ما يكون العمود الصحفيّ وسيلةً ناجحةً من وسائل الإعلان؛ إذ يحدث أن تخصص بعض الصحف أعمدة، أو صفحات كاملة، تكتب فيها عن بعض الموضوعات التي تهم الجمهور، كموضوع "المنزل الحديث"، وموضوع "المسرح الحديث"، وموضوع "الراديو" أو "التليفزيون"، وهنا ينتهز المعلنون هذه الفرص فيحيطون هذه الأعمدة أو الصفحات بإعلانات عن سلعٍ, أو أشياء تتصل بهذه الموضوعات المتقدمة, فحول "المنزل الحديث" يعلنون عن الثلاجات والأدوات الكهربائية اللازمة لراحة السيدة ربة المنزل، وحول موضوع "الراديو" أو "التليفزيون" يعلنون عن الأجهزة المختلفة لهذين الجهازين، وهكذا، وكثيرًا ما يتمُّ الاتفاق بين الصحيفة والمعلنين على هذه الطريقة، والسبب في ذلك أن الصحف -بالقياس إلى الإعلان- لا تبيع مساحة بيضاء في الواقع، وإنما تبيع إلى جانب ذلك جوًّا نفسيًّا، وإطارًا فكريًّا, فيهما يعيش الإعلان الناجح، وبطريقهما يتفنن المحررون في انتهاز الفرص لنشر الإعلان. ومهما يكن من شيء, فأهم ما في التحرير الإعلانيّ من حيث هو أمران: أولهما: اختيار الألفاظ.

стр. 540

وثانيهما: القوالب الفنية. وقد تحدثنا عن هذا الأخير بغاية الإيجاز. أما الألفاظ التي يستخدمها المحرر في الإعلان, فإنها تحتاج -كما قلنا- إلى اختيارٍ دقيقٍ من جانب المحرر، وهو اختيار يُبْنَى دائمًا على ذكائه، وعلى معرفة تامةٍ بدلالات الألفاظ، وما لها من قوة الإيحاء. والقاعدة في ذلك هي: أن الألفاظ الشائعة الاستعمال هي الأولى بالاستعمال, ومن ثَمَّ كان محظورًا على محرر الإعلان أن يلجأ إلى معاجم اللغة، أو يستشير كبار اللغويين في لفظ من الألفاظ, أو أسلوب من الأساليب، أو طريقة من طرق الأداء التي أشرنا إلى بعضها. والخلاصة: أن تحرير الإعلان يمر غالبًا في خطوات أربع: الأولى: كتابة العنوان الأول، أو العنوان الكبير، والقصد منه عادة هو جذب انتباه القارئ. الثانية: كتابة العنوان الثاني، أو العنوان الصغير، والقصد منه هو إثارة اهتمامه. الثالثة: شرح الإدعاءات التي يدعيها المنافسون للسلعة المعلن عنها، والرد على هذه الإدعاءات، والقصد من هذه الخطوة هو إقناع القارئ. الرابعة: الخاتمة، وكثيرًا ما تكون في جملةٍ واحدةٍ من الجمل القوية المؤثرة، والقصد منها هو حمل القارئ على الإقدام على شراء السلعة، وهو مرتاح الضمير، كبير الثقة بالفائدة. تلك هي الخطوات الأربع التي يمر فيها محرر الإعلان غالبًا، ولكن ليس من الضروري مطلقًا أن يمر تحرير الإعلان بجميع هذه الخطوات في إعلانه عن كل سلعة من السلع، فقد يكتفي التحرير أحيانًا بأقل من نصفها؛ إذ المدار في كل ذلك على المرحلة الإعلانية التي يمر بها، ونحن نعلم أن الإعلان يمر بمرحلة الارتياد أولًا، فمرحلة المنافسة ثانيًا، فمرحلة المحافظة

стр. 541

على السمعة في نهاية الأمر، ولكل مرحلة من هذه المراحل الثلاث خطة للتحرير خاصة بها. ومهما يكن من شيءٍ, فللرسالة الإعلانية في ذاتها جانب نفسيّ، وآخر فنيّ، وفي الأخير تهتم بالألوان والظلال، وبما تحمل هذه الأشياء من المعاني إلى القارئ, وفي الأول تهتم الصحيفة بأمور أخرى، من أهمها: التحرير، وهنا ننصح لكتاب الرسائل الإعلانية بدراسة جزء من علم البلاغة. ولا نعني بهذا الجزء المحسنات اللفظية, وإنما نعنى به المحسنات المعنوية، وهي كثيرة جدًّا في هذا العلم أو الفن، ومنها على سبيل المثال في البلاغة العربية: "قالب المدح بما يشبه الذم، وقالب الحض بما يشبه التحذير". ومن الأمثلة على هذا الأخير عبارة كتبت يومًا في عربات السكة الحديدية بمدينة لندن, إعلانًا عن السجاير المصرية، هذا نصها: "الدخان ممنوع، ولو كانت سجاير البستاني". مر صديقٌ لي بحيّ من أحياء القاهرة، هو حيّ مصر القديمة، فوجد عبارةً مكتوبةً على باب فوَّال -أعنى بائع الفول المدمس- هذا نصها: "إذا خلص الفول أنا غير مسئول" فعجبت لهذه العبارة الإعلانية البديعة Slogan، ودهشت لهذا القدر من التوفيق في كتابة هذه العبارة، ولصدورها من رجل أميٍّ هدته سليقته الإعلانية إلى اختيارها؛ بحيث تؤثر في الجمهور تأثيرًا ليس إلى إنكاره من سبيل. وقديمًا كانت الأزجال والأشعار والمواليا تقوم بمهمة الإعلان عن السلع خير قيام، والأدب العربيّ حافل بأمثلة شتَّى من هذا القبيل، وحسبنا هنا أن نشير إلى بائع الخُمُر -بضم الخاء- جمع خمار، وهو ما تستر به المرأة رأسها ورقبتها وصدرها، فقد قيل: إن تاجرًا من تجار هذه الخُمُر

стр. 542

بالعراق, أوشك على الإفلاس يومًا ما، فلجأ إلى شاعر من الشعراء صنع له أبياتًا ينادي بها على هذه السلعة، أولها: قل للمليحة في الخمار الأسود, ماذا صنعت بزاهدٍ متعبد ... إلخ. وهي أبيات مشهورة تصور هذا الزاهد العابد، وقد خرج من محرابه وترك صلاته منذ اللحظة التي وقع فيها بصره على تلك المرأة المليحة التي وضعت على رأسها هذا الخمار الأسود! وبهذه الأشعار راجت بضاعة التاجر العراقيّ، وأثرى ثراءً عظيمًا. والأمثلة على هذه الأضراب البلاغية في الإعلان كثيرة جدًّا, يعرفها المعلنون بالسليقة.

стр. 543

مصادر الكتاب الرابع: ١- Jonrnnlism in the United States. by: Robert. W. Jones. Ncwyork. E. P. Dutton & compony, ١٩٤٧. ٢-The News in America. by: Fiank Luther Mott. Harverd University Press. ٣- The Press & The World. by: Rodert W. Desmond. ٤- The Complete Journalism. by: F. I. Mansfield. ٥- Pictorial Journalism. by: I. R. Hunt. ٦- Newspaper Writing & Editing. by: Willard Bleyer. ٧- How to Write Reports. by: Calvin D. Linton, ١٥٥٥. ٨- The Wayward Pressman. by. A. I. Liebling. ١٩٤٨. ٩- Patterns of Publicity Company. by: Stewart Huiial. ١٠- Newsmen at Work. by: Laurence Campbell F Robert Wolseloy. ١١- Keys lo Rucoessful Interviewing. University of Oklahoma Press ١٩٥٤. ١٢- News paper Advertising & Promotion. by: Maclure. ١٣- Advertising copy Writing. by: Burton. ١٤- Writing and Selling Feature Articles. by: H. Pattersn. ١٥- Modern Feature Writing. by: Reddick.

стр. 544

١٦- How to write davertising that selis by: Bedell. ١٧- How to write for Homemakers. by: Riehardson ١٨- Writing theFeatnre Artiele by:Steigleman. ١٩- Adveirtisng Copy. by: Hotchkiss. ٢٠- الإعلان في الصحافة، للدكتور على رفاعة الأنصاريّ -رسالة لم تطبع بعد. ٢١- في المرأة, للشيخ عبد العزيز البشري. ٢٢- محاضرات الدكتور محمود عزمي "لم تطبع بعد". ٢٣- الصحف المصرية المعاصرة على اختلافها.

стр. 545

الخاتمة: مستقبل التحرير الصحفيّ في مصر إذا أردنا أن نتكلم عن مستقبل فنٍّ من الفنون، أو علمٍ من العلوم, فلا غنى لنا عن معرفة شيء عن ماضي هذا الفن أو العلم، ثم شيء عن حاضر هذا الفن أو العلم، وعلى أساس من الماضي والحاضر نستطيع أن نتكهن -إلى حد ما- بالمستقبل. ونظرة عاجلة إلى صحافتنا المصرية منذ نشأتها إلى اليوم, ترينا أن هذه الصحافة مرت بخمس مراحل، ولا بأس من أن نقف لحظةً واحدةً عند كل مرحلة منها على حدة. المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي بدأت بولاية محمد علي على مصر، واستمرت إلى قرب ولاية إسماعيل، ولقد ظهر من كبار الصحفيين في تلك الفترة: رفاعة الطهطاوي في صحيفة "الوقائع المصرية" ومجلة "روضة المدارس"، وعبد الله أبو السعود في صحيفة "وادي النيل", ومحمد أنسي في صحيفة "روضة الأخبار", وعثمان جلال في صحيفة "نزهة الأفكار"، وميخائيل عبد السيد في صحيفة "الوطن"، وسليم وبشارة تقلا في صحيفة "الأهرام". ولقد اعتدنا في دراستنا لهؤلاء أن نطلق عليهم اسم: "المدرسة الصحفية الأولى". ووجدنا لهذه المدرسة أسلوبًا في التحرير, يوصف في مجموعه بالهبوط عن كلٍّ من المستوى الأدبيّ، والمستوى الصحفيّ في وقت واحد معًا، والسبب في ذلك أن المدرسة الأولى في مصر, إنما ورثت عن الأجيال الأدبية السابقة

стр. 546

لها أسلوبًا مهلهل النسيج، ضعيف البناء, يعتمد على الزينة اللفظية، والزنية المعنوية، ولكن كما تعتمد السيدة الجاهلة بأمور التجميل على كثرة المساحيق، وعلى استخدامها بطريقةٍ تدل على السذاجة، والبعد عن الحضارة, وعدم الفهم الصحيح للغرض الأساسيّ من الزنية، واستمرَّ الحال على ذلك حتى جاءت المرحلة الثانية. المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي شبَّت فيها الصحافة المصرية عن الطوق، بعد إذ كانت في المرحلة الأولى تمثل دور الطفولة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنًى. وفي هذه المرحلة الثانية, ظهر من نوابغ الصحفيين المصريين والسوريين من تمثل فيهم شباب الصحافة المصرية من حيث التحرير، ومن أولئك الصحفيين الممتازين: أديب إسحق في صحف: مصر" و"التجارة" و"مصر القاهرة", وسليم النقاش في صحيفتي "المحروسة" و"العصر الجديد", وحسن الشمسي في صحيفة "المفيد", ومحمد عبده في صحيفتي "الأهرام" و"الوقائع المصرية" ومجلة "العروة الوثقى"، وعبد الله النديم في صحف: "التنكيت والتبكيت" و"الطائف" و"الأستاذ", وإبراهيم المويلحي في صحف كثيرة أصدرها بنفسه, من أهمها صحيفة "مصباح الشرق". أما فن التحرير عند هذه المدرسة الثانية, فقد جنح جنوحًا واضحًا إلى الأسلوب الأدبيّ الخالص، وهو أسلوب يمتاز عن سابقه بالجودة، وحسن استخدام الزينة اللفظية, والزينة المعنوية, إلى حدٍّ يدل في مجموعه على مهارة الكاتب. ولقد بلغ هذا الأسلوب أوجَّه عند رجلين بنوع خاص، هما: أديب إسحق، وإبراهيم المويلحي.

стр. 547

واستمر الحال على ذلك حتى دخلت الصحافة المصرية في المرحلة الثالثة. المرحلة الثالثة: وفيها ظهرت الصحافة اليومية, وحلت محل الصحافة الدورية، وفيها وقعت حوادث الثورة العرابية والاحتلال البريطانيّ. وقد اعتمد الاحتلال يومئذٍ على صحيفة مصرية، هي صحيفة "المقطم", التي صدرت عام ١٩٨٨، فعزَّ على الوطنيين أن يكون للاحتلال الإنجليزيّ صحيفةً، وألَّا تكون لهم صحيفة، فاجتمع رأيهم على إنشاء صحيفة "المؤيد" لصاحبها السيد على يوسف ١٨٨٩، ثم تلتها صحف وطنية أخرى، منها: صحيفة "اللواء" لصاحبها مصطفى كامل عام ١٩٠٠، و "الجريدة" لمحررها أحمد لطفي السيد عام ١٩٠٧. وهناك ظاهرة تستحق التسجيل في هذه المرحلة من مراحل الصحافة المصرية، هي أنه في دور هذه الصحف التي أشرنا إليها, نشأت الأحزاب المصرية التي سمعنا عنها، ففي دار "الجريدة" نشأ حزب الأمة، وفي دار "المؤيد" نشأ حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، وفي دار "اللواء، نشأ الحزب الوطني. والمهم أن الصحافة في المرحلة الثالثة استطاعت أن تفصل فصلًا يوشك أن يكون تامًّا بين فنونها المختلفة التي هي: فن الخبر، وفن المقال بأنواعه الثلاثة: الأدبيّ، والعلميّ، والصحفيّ، فبعد أن كانت هذه الفنون تكتب كلها بلغةٍ واحدةٍ, وصياغةٍ فنيةٍ واحدةٍ، أدرك الصحفيون في تلك الفترة أن الفرق عظيم بين المادة الصحفية الخالصة، والمادة الأدبية, أو العلمية الخالصة, وبعبارةٍ أخرى: استطاع الصحفيون أن يميزوا تمييزًا واضحًا بين الأسلوب الأدبيّ، والأسلوب الصحفيّ، ولا شك أن السيد: علي يوسف, هو رائد الجميع في كل ذلك، ثم جاءت المرحلة الرابعة.

стр. 548

المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي بدأت حوالي عام ١٩٢٢، وانتهت حوالي عام ١٩٤٢، وهنا نلاحظ شيئًا هامًّا في تاريخ الصحافة المصرية، هو اهتمام هذه الصحافة اهتمامًا بالغًا بالأدب، حتى ليصح لنا أن نطلق على هذه المرحلة الرابعة اسم: "مرحلة الأدب"، وفيها أنجبت مصر -في الواقع- خير أدبائها، وكتابها، وقصاصيها، وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من كتاب فن المقال. وبحسبنا أن نصف هذه المرحلة بأنها "مرحلة الأدب" -كما قلنا- لنصوّرَ الحدَّ الذي بلغته الكتابة في تلك الفترة، وقد ضربنا الأمثلة على فنونها المختلفة في الفصول الثلاثة التي تلت الفصل الأول من كتاب "فن المقال"، وأخيرًا تأتي المرحلة الخامسة. المرحلة الخامسة: وهي المرحلة التي نعيش فيها الآن، وفيها نرى تحولًا جديدًا في الصحافة المصرية, تدل عليه ظواهر شتَّى، من أهمها قلة العناية بالأدب، حتى لكأن النهضة الأدبية نفسها قد انتكست في هذه المرحلة، وأصابها شيء من المرض أو الكسل. ومنها -أي من تلك الظواهر- أن الصحافة في هذه المرحلة الأخيرة أصبحت صحافة خبر في أكثرها، ولم تعد صحافة مقال, كما كانت الحال قبل ذلك. وأكبر الظن أن السبب الرئيسيّ في هذه النكسة الأدبية التي تعانيها مصر، ويعانيها العالم أجمع، في وقتنا هذا، يرجع إلى انقسام العالم المتحضر إلى معسكرين كبيرين، هما: المعسكر الشرقيّ، والمعسكر الغربيّ، وحرص كل منهما على تتبع الأخبار، وصياغتها بطريقة خاصة، من شأنها أن تحدث

стр. 549

التأثير الذي يطلبه كل معسكر منهما على حدة، ومن شأنها أن تجعل الحرب الباردة مستمرةً وباقية. كما يرجع السبب في قلة العناية بالمقال كذلك, إلى تغير كبير طرأ على طبيعة القارئ، فبعد أن كان القراء محصورين تقريبًا في طبقة الموظفين, أصبح القراء في عصرنا هذا طبقات مختلفة، منها الموظفون، ومنها العمال وأصحاب الأعمال, ومديرو الشركات والمؤسسات على اختلافها, وغيرهم من ذوي الأمزجة العقلية المختلفة، ولا بد للصحيفة من إرضاء كل هذا العدد من القراء على اختلافهم، وبيان أمزجتهم. تلك نظرة عجلى إلى المراحل التي مرت بها الصحافة المصرية منذ نشأتها إلى اليوم، فماذا عسى أن تكون عليه هذه الصحافة في المستقبل؟ لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو: إلى أيِّ حدٍّ تعتبر الصحافة في وقتنا هذا مرادفة للأدب؟ أو بعبارةٍ أخرى: إلى أيِّ حدٍّ يمكن التمييز في الوقت الحاضر بين الصحافة، والأدب؟ وبين الصحافي والأديب؟ إن الإجابة عن هذا السؤال, هي وحدها التي تهدينا إلى الطريق الصحيح في التنبؤ بمستقبل التحرير الصحفيّ في مصر، وفي غيرها من أقطار العالم المتمدين. نقطة التحول في الصحافة: الواقع أن الصحافيّ والأديب كانا شيئًا واحدًا إلى وقت قريب جدًّا، وليس ذلك في مصر فقط، ولكن في غيرها من جهات العالم أيضًا، والدليل على ذلك أن أعلام الصحافة في مصر - وقد ذكرنا عددا كبيرًا منهم-

стр. 550

كانوا كلهم أو معظمهم من رجالات الأدب والفكر في وقت معًا، وقل مثل ذلك في الصحافة الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الأمريكية. غير أننا نشاهد الآن تحولًا كبيرًا في هذه الظاهرة، نشاهد أن الصحافة نفسها غدت حرفةً من الحرف، وإن كانت ما تزال تربطها صلات متينة بالأدب. فتلك إذن هي نقطة التحول الحقيقيّ في تاريخ الصحافة الحديثة في العالم المتمدين. ومنذ أصبحت الصحافة حرفةًَ كحرفة الطب، أو التدريس, أو المحاماة، أو الهندسة، أصبح لهذه الحرفة -وهي الصحافة- فنون خاصة بها، ومن أهم هذه الفنون ثلاثة هي: فن التحرير، وفن الإخراج، وفن إدارة الصحف. ولسنا نحتاج الآن إلى النظر في الفنين الأخيرين، ولكننا بصدد النظر في الفن الأول، فماذا عسى أن يكون عليه مستقبل الصحافة المصرية في فن التحرير؟ الواقع أننا حين نقول: "فن التحرير", نعنى: شيئين دائمًا، هما: التفكير من جهةٍ، والتعبير من جهةٍ ثانيةٍ، أو بعبارةٍ أخرى: الموضوع والأسلوب في وقت معًا. فأما من حيث الأسلوب: فقد لاحظنا من تاريخ الصحافة المصرية في النصف الأول من القرن التاسع عشر, أنها ورثت عن القرون السابقة أسلوبًا عتيقًا يميل إلى التكلف، ثم أخذ هذا الأسلوب يتخلَّى شيئًا فشيئًا عن هذا التكلف, حتى جاءت المدرسة الصحفية الثالثة، وعلى رأسها السيد: علي يوسف, صاحب "المؤيد", فوجدنا أنفسنا أمام كُتَّابٍ يميزون بين الأسلوب الأدبيّ، والأسلوب الصحفيّ، ومضى التحرير الصحفيّ في طريقه هذا إلى الوقت الحاضر، وإذاك وجدنا له لغةً تبعد بعدًا ظاهرًا عن لغة الأدب، فقد

стр. 551

استحدث الصحفيون الحاليون تراكيب جديدةلم تخطر للأدباء الأولين على بال. فمن ذلك قول بعضهم: وهنا نريد أن نضع النقط على الحروف, وذلك بدلًا من قولهم: وهنا نريد أن نوضح المسألة توضيحًا لا يدع مجالًا للشك أو الإبهام. ومن ذلك ما نسمعه بين حينٍِ وآخر, من الصفات والنعوت التي لا وجود لها في الكتب القديمة, أو في الصحافة القديمة، مثل: الحقيقة الصارخة.. الأكذوبة البيضاء.. الليلة الحمراء. ثم من ذلك ما نراه من معانٍ جديدةٍ لبعض الأفعال، كما في قول بعضهم: "وهكذا أصبح حشد الجنود التركية على حدود سوريا يشكِّلُ خطرًا على هذه البلاد". والشاهد في قوله "يُشَكِّلُ" فقد أصبح لهذا الفعل معنًى جديد في لغة الصحافة، ولغة السياسة. ومن ذلك قول بعضهم -وهو التابعي- على سبيل المثال: "وهنا قفزت طائفة كبيرة من علامات الاستفهمام, معبرًا بذلك عن معنى الغرابة، أو التعجب. وقول آخر: "فكان عليّ أن أضع أعصابي في ثلاجة بعد سماعي هذا الكلام" إلى غير ذلك من مئات التراكيب التي أثرت عن أمثال "مصطفى أمين، وعلى أمين، وسلامة موسى، ويوسف السباعي، وحسنين هيكل، وسامي داود، وعبد الرحمن الخميسي، ومن إليهم من شباب الصحفيين المصريين في وقتنا هذا.

стр. 552

والمهم أن هذه الأساليب التي تطالعنا بها الصحف كل يوم جديدة، ومن صنع هذه الصحافة، ولا صلة لها مطلقًا بالأدب، ولا بطرائفه المعروفة لدى القدماء من الأدباء والمحدثين على السواء. وهناك أثر آخر من آثار الصحافة في الأسلوب، فكثيرًا ما نشاهد في المقال الصحفيّ, أو في العمود, أن الكاتب يؤثر استخدام الجمل الاسمية التي دخلت عليها "إن" بكسر الهمزة, يريد بذلك شيئين في حقيقة الأمر: أولهما: أن تبدو كل جملة من الجمل كأنها وحدة مستقلة بذاتها عن الجمل أو الوحدات الأخرى. ثانيهما: أنه يؤكد المعنى الذي قصد إليه من كتابة كل جملة. والذي لا شك فيه أن الكاتب، أو المحررين الصحفيين، إنما اعتادوا هذا الأسلوب لتأثرهم بالصحافة، وتأثرهم بنوعٍ خاصٍّ بطريقة كتابة الأخبار, وقد أشرنا من قبل إلى أن من القواعد المعترف بها في كتابة الخبر الصحفيّ قاعدة تقوم بتقسيم "صلب الخبر" إلى وحدات متكاملة، تستقلُّ كل وحدة منها عن الأخرى، والغرض من ذلك هو إتاحة الفرصة للصحيفة لكي تحذف ما تريد من هذه الوحدات عند الحاجة, بدون أن يؤثِّرَ ذلك على المعنى العام لصلب الخبر١. ولك أيها القارئ أن تتأمل هذه الظاهرة في جميع الأعمدة الصحفية التي يكتبها محررون من أمثال: مصطفى أمين، وعلى أمين، ومحمد زكي عبد القادر، وغيرهم من المحررين والمذيعين بالإذاعة المصرية. هذا كله من حيث الأسلوب، أما من حيث الموضوع: فقد رأينا العجب أيضًا, رأينا الموضوع يتجه قُدُمًا نحو التوسع, ورأيناه يغزو مناطق جديدة، وعديدة، بحيث أصبح يشمل جميع مرافق المجتمع، ورأينا الفنون الصحفية المستحدثة تعين على هذا التوسع والتضخم، ومن هذه الفنون

стр. 553

الأخيرة, فن الحديث الصحفيّ، والتحقيق الصحفيّ، وفن الماجريات، ورأينا الصحيفة أشبه ما تكون بمعرض من المعارض الوطنية، أو الدولية, تعرض فيها جميع المنتجات على اختلاف أنواعها، واختلاف أثمانها، واختلاف جودتها. ولقد كان من نتيجة كل ذلك, أن أصبح الجيل الحاضر أوسع علمًا من الأجيال السابقة كلها، وإن كانت الأجيال السابقة كلها تمتاز على الجيل الحاضر من حيث العمق، ومن حيث الفهم لأصول العلم أو الفن، وذلك أن كل طائفةٍ من طوائف الأجيال الماضية توفرت على علمٍ بعينه، أو فنٍّ بعينه, لم تكن تتركه إلى سواء. مستقبل الخبر في الصحيفة: هذا كله من حيث المقال، وهو أحد شطري التحريري الصحفيّ, أما من حيث الأخبار، وهي الشطر الثاني من التحرير الصحفيّ, فقد أصبح لها في الصحافة الحديثة شأنٌ آخر، والخبر عند كثير من الصحفيين هو الغرض الأول من إصدار الصحيفة١. وقديمًا كانت الصحف المصرية تحرر الأخبار بطريقةٍ عجيبةٍ, حرصت فيها على إيراد الخبر مورد السجع، والجناس، والطباق، ثم بالتدريج أخذت الصحف تتخلص من هذا الشكل العتيق من أشكال التحرير، ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد, حتى وجدنا أن فَنَّ تحرير الخبر أصبح له

стр. 554

أصول، وله قواعد، وله قوالب خاصة، وصيغ معينة، هي التي مرت بك في الكتاب الثاني, من كتب هذا البحث، وهو كتاب: "فن الخبر". ولقد أصبحت للأخبار هذه الأهمية الكبرى من حيث التحرير، وقد شاهدنا من حيث الإخراج نوعًا من الصراع الكبير بينه وبين المقال، وما زال هذا الصراع قائمًا بينهما، فأيهما أولى بعناية الصحيفة في الوقت الحاضر؟ المقال، كما كان الشأن إلى وقتٍ قريبٍ في حياتنا الصحفية، أم الخبر، كما هو الحادث بالفعل في السنوات الأخيرة؟ ولا ريب أن الخبر في هذه الأيام مُقَدَّمٌ على المقال، وأن الصحافة تفسح من صدرها للأخبار، وما يتصل بالأخبار مما لا تفسحه للمقال. والرأي عندنا أن هذا وضعٌ شاذٌّ من أوضاع الصحافة الحديثة، والسبب فيه -كما قلنا- هو ما يعانيه العالم الحديث من موقفه من المعسكرين الغربيّ والشرقيّ. والرأي عندنا كذلك, أن الصحافة الحديثة ستعود في القريب العاجل إلى وضعها الطبيعيّ، أو -على الأقل- إلى المساواة التامة، من حيث العناية، بين الخبر والمقال، غير أن ذلك مشروط بالاستقرار الذي يهيء للكتاب والمفكرين أن يفرغوا أفكارهم، ويتقنوا إنتاجهم, حتى يكون من وراء هذه الثروة الفكرية ربحٌ عظيمٌ للبشرية، ويومئذ تشعر الصحافة الحديثة بأن عليها واجبًا عظيمًا، هو تغذية العقل البشريّ بالأفكار الصحيحة، والآراء السليمة، وإذ ذاك تفتح الصحيفة الحديثة صدرها من جديد للأدباء، والمفكرين، والفنانين، والفلاسفة، وتستعين بهم -على نطاق واسع- في مادة المقال السياسيّ، والمقال الأدبيّ، والمقال العلميّ، والمقال الاجتماعيذ، والمقال الفنيّ، ونحو ذلك. وإذ ذاك تتقدم النهضة الفكرية، والنهضة السياسية، والنهضة الاجتماعية، وأكبر الظن عندي أنه لن يمضي وقتٌ طويلٌ حتى تصيب الصحافة هذا القدر من التقدم لخير البشرية.

стр. 555

المخترعات الحديثة وأثرها في الصحافة: على أن هناك خطرًا آخر يهدد الخبر في الصحيفة, ويجب أن تحسب له الصحافة حسابه منذ الآن، وهذا الخطر هو المخترعات الحديثة، وهي المخترعات التي سوف تلعب دورًا خطيرًا في تكييف الصحافة في المستقبل. ومن أهم هذه المخترعات: الإذاعة, والتليفزيون، فقد أصبحتا منافستين خطيرتين للصحافة. أما الإذاعة: فإنها تمد القارئ بالأخبار فور وقوعها تقريبًا، وأما التليفزيون: فإنه يضيف إلى ذلك تمكين الجمهور من مشاهدة واقع الحادث, فضلًا عن العلم به، ومن ثَمَّ تتمكن الجماهير من رؤية جلسات البرلمان، أو المحاكم، أو الهيئات الدولية على اختلافها بغاية السهولة. وإذن فماذا تكون جدوى الصحيفة بعد ذلك؟ إن الصحف الحديثة أمام هذه الوسيلة الجديدة ستبدو كأنها وسيلةٌ عنيفةٌ من وسائل نقل الأخبار، وستصبح شبيهةً بوسائل النقل الأولى، كالحمير والبغال، وذلك بالقياس إلى الوسائل الحديثة التي هي الطائرة والقطار! لن يكون أمام الصحافة الحديثة إذن إلّا التسليم بالمخترعات الحديثة على طول الخط. وإذ ذاك سوف تجد الصحافة نفسها مضطرةً إلى التقليل نوعًا ما من الأهمية الأولى التي للأخبار أو الإعلام، وإذا ذاك ستضطر الصحافة الحديثة إلى العناية بالمهمة الأخرى من مهام الصحيفة، وهي مهمة تفسير الأخبار, أو التعليق عليها، أي: أن القراء في المستقبل القريب لن يطالعوا الصحيفة ليقفوا منها على أخبار "آخر ساعة" ولكنهم سيطالعون الصحيفة ليفهموا كنه الحوادث الجارية، وهي مهمة لا يستغني عنها السواد الأعظم من القراء على اختلاف طبقاتهم، وتنوع ثقافاتهم.

стр. 556

وتصبح الصحيفة اليومية باختصارٍ أشبه بالمجلة الدورية، لا تُعْنَى بالسبق الصحفيّ من حيث الأخبار، وإنما تُعْنَى بالسبق الصحفيّ من حيث التعليق على هذه الأخبار. وإذ ذاك يعود المقال ليحتل مكانه القديم في الصحافة الحديثة، ويعود الكتاب والمفكرون فيصبحون من أهم أعضاء الأسرة الصحفية الجديدة. وشيء آخر نبشر به الصحافة في القريب العاجل، وهو التخصص, والتخصص في ذاته ظاهرة تدل على التقدم، فسيوجد في الصحف المصرية المتخصص في السياسة، والمتخصص في شئون المرأة، والمتخصص في الاقتصاد، والمتخصص في التربية والتعليم، والمتخصص في الأدب، والمتخصص في شئون المرأة، والمتخصص في شئون الرياضة، والمتخصص في شئون المسرح، بل سنرى قريبًا المتخصص في الصفحة الأولى، والمتخصص في الصفحة الثانية من الصحيفة، وهكذا. وعلى هذا النسق, سيكون لكل صحفيّ من صحافيّ الغد لونٌ يُعْرَفُ به، ومادةٌ يتميز بها، وعمل يخالف عمل الآخرين كل المخالفة. وسيكون من آثار هذا التخصص المنتظر تخلص الصحافة الحديثة من التفاهات العقلية الكثيرة التي توصم بها، بل تخلصها كذلك من هذه الثقافة الضحلة الهابطة التي جنت بها على الجيل الذي نعيش فيه، بل تخلصها من هذا العبث المعيب بمواد الصحيفة، والضعف البادي على محرريها، حتى لقد أصبحوا يعتمدون في تحريرهم على النقط الكثيرة، وعلامات الترقيم الكثيرة هنا وهناك، والفراغ الكثير الذي يتركونه بين كل كلمة وأخرى, وكل جملة وأخرى، ونحو ذلك من الطرق التي توحي للقارئ بأن المحررين قد أعوزهم التعبير، فراحوا يستعيون بكل هذه الوسائل لعلهم يكلمون بها تعبيرهم، ويستمدون منها الحركة والحياة اللازمين لهذا التعبير. بل إن هذا التخصص الذي نتنبأ به للصحافة في المستقبل, سيجعل من الصحيفة شيئًا محببًا لدى القارئ، وشيئًا لازمًا لهم لزومًا تامًّا في نفس

стр. 557

الوقت؛ لأنها ستقدم لكل طائفةٍِ من القراء ما يناسبها، أو يتفق وميولها الخاصة. وكما يقول الأستاذ "ويكهام ستيد": "إن من الضرورة لكل صحيفةٍ تريد لنفسها النجاح والرواج, أن تحرز في كل يوم نصرًا جديدًا في الإخراج, تتغلب به على عناصر الركود والانحلال، وأكثر ما يكون ذلك عن طريق التحرير الصحفيّ, قبل أي شيء آخر, ألَا ما أضخم هذا العبء الذي سوف تقوم به صحافة الغد، وما أثقل هذه التبعات التي ستنهض بها، وما أنبل هذه الرسالة التي ستحققها للبشرية في القريب العاجل". أو كما قال الأستاذ "ويكهام ستيد" أيضًا: "لكل أمة صحافتها التي تستحقها: نعم، لكل أمة صحافتها التي تستحقها، ونحن نريد أن تكون مصر أهلًا لصحافةٍ راقيةٍ بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنًى، وليس عسيرًا عليها أن تبلغ من ذلك ما تريد. المحرر المثالي: وفي ختام هذا البحث عن مستقبل التحرير في مصر، نرى أن ننقل عبارةً كتبها الأديب الإنجليزي "شو" إلى مجلة "تايم آند تايد" Time& Tide" ثم أتى الأستاذ "ويكهام ستيد" W. steed فجعلها كذلك في نهاية كتابه: "الصحافة Journalism"١. يقول "شو" بطريقته الساخرة المعروفة: "إن عمل الصحفيّ

стр. 558

في الأصل هو الإخبار والإعلام، وليست الفلسفة السياسية، وإن جمهور القراء لا يطبق الجعجعة الفارغة التي لا تحوي شيئًا، كما لا يطبق سخافة المدعين من الوعاظ ورجال الدين, ولا من رجال السياسة أيضًا, ولقد يقرأ الجمهور لبعض الحمقى من هؤلاء وأولئك؛ لأن هذا الذي يقرءون خير من لا شيء، ولكن متى ظفر الجمهور القارئ بذلك الشخص الذي يستطيع أن يغذيه بشيء حقيقيٍّ, فإذ ذاك لن تجد حدًّا لنَهَمِ هذا الجمهور، وتَهَافُتِهِ على القراءة"! وهنا تسائل "ستيد" قائلًا: "ولكن ما هو هذا الشيء الحقيقيّ؟ " وأجاب هو على سؤاله بقوله: "هو ما يشعر الناس بأنه حيويٌّ لهم، ومؤثر في حياتهم ومعرفتهم, ومعنى ذلك أنه لا بد أن يجمع المحرر الصحفيّ إلى عنصر الطرافة عنصر صدق الفكرة، سواء أكانت هذه الفكرة جديدة أم قديمة، أيّ: أن مهمة التحرير هي تقديم ذلك الشيء الحقيقيّ للقارئ، ومن هنا كان الأكفاء من المحررين الصحفيين أندر من الذهب، أو الماس، وهم بكفاءتهم النادة هذه قادرون دائمًا على أن ينتجوا في الأدب، ولكنهم يفضلون على الدوام أن يعملوا في الصحافة على أن يعملوا في الأدب" ثم استطرد "ستيد" يقول: "لكن من ينظر إلى الصحف اليومية في عصرنا هذا, يمكنه أن يلاحظ -مع الأسف- أن إدارتها أشبه بالسجون التي عكف فيها المحررون، وانقطعوا فيها انقطاعًا تامًّا عن العالم الخارجيّ، وعن الحياة السياسية، وعن المحاضرات العلمية، وعن حفلات الموسيقى، ودعوات العشاء، بحجة أنهم يكونون في ذلك الوقت مشغولين بتأدية أعمالهم في عقر هذه السجون التي حالت بينهم وبين الحياة نفسها، ولعلاج تلك الحالة أقترح أن يكون للصحيفة اليومية ثلاثة رؤساء

стр. 559

للتحرير، وليس رئيسًا واحدًا فقط، حتى يكون لكل واحد من هؤلاء الثلاثة يومٌ أو يومان, ينقطع فيهما عن العمل بإدارة الصحيفة، ويتصل في أثنائهما بالعالم الخارجيّ، وبغير هذا تصبح الصحف كأنها تعيش متأخرة عشرين عامًا إلى الوراء؛ لأن محرريها يكونون -كما هم الآن- أشبه بنسَّاكٍ يعتزلون الحياة، ولا يزيدون عن حراس المنارات على شواطيء البحار". وهكذا استطاع "شو" أن يضع يده على الداء الأليم الذي يعاني منه التحرير في الوقت الحاضر، وجاء "ستيد" فاقترح حلًّا لهذه الهوة العميقة بين المحررين والقراء. وثَمَّ اقتراحٌ آخر لتقوية الصلة بين المحررين والقراء، وهو ما كانت تفعله صحيفة "المؤيد" للسيد علي يوسف, منذ أواخر القرن الماضي، وما كانت تفعله صحيفة "الأهرام" منذ سنوات، وهذا الاقتراح هو فتح باب الصحيفة، أو بالأحرى باب رئيس التحرير كل مساء لاستقبال الصفوة من المصريين في العلم والأدب، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، حيث يتناقش هؤلاء جميعًا في جوٍّ من البساطة والحرية في شتَّى المشكلات التي تهم القراء، ورئيس التحرير يصغي لجميع هذه المناقشات كل الإصغاء، ثم ينقل لقرائه في اليوم التالي زبدة الفكرة المصريّ، وخلاصة التجارب المصرية. ولندع هذا الاستطراد جانبًا، لنعود مرة أخرى إلى عبارة "شو" التي قال فيها: "ولكن متى ظفر الجمهور بذلك الشخص الذي يستطيع أن يغذيه بشيء حقيقيٍّ, فإذ ذاك فقط لا تجد حدًّا لنَهَمِ هذا الجمهور، وتَهَافُتِهِ على القراءة". فهذه العبارة وحدها تصلح لأن تكون أساسًا لجانبٍ من جوانب هذا البحث، وهو الجانب المتصل بما نسميه: "ثقافة الصحفيّ". والذي نعلمه حق العلم أنه لا مفرَّ للصحفيِّ في عصرنا هذا من أن يكون

стр. 560

رجلًا مركبًا من عدة رجال، أو بعبارة أخرى: أصبح عليه -كما يقول علماء الصحافة- أن يجمع في حذقٍ، وانسجامٍ، ومهارةٍ، بين صفات السياسيّ، والأديب، والمحدث، والقديس، والاجتماعيّ، والفيلسوف، ورجل المال والاقتصاد في وقتٍ واحدٍ! وعلى الصحفيّ في عصرنا هذا, أن يظهر للناس وكأنه موسوعة عظيمة، أو دائرة معارف كبيرة، وضعت لتكون تحت تصرف القراء في أية لحظة من اللحظات. والصحفيّ المثاليّ -كما يقول أولئك العلماء- هو "من تمكن من حكمة القدماء، وهضمها هضمًا جيدًا، وألَمَّ بفلسفة المحدثين، وفهمها فهمًا مستقيمًا، وعرف آلات المهندسين؛ مما يتصل بفن الطباعة والتصوير وما إليهما، ودرس تاريخ عصره، فضلًا عن تاريخ العصور التي سبقت عصره، ثم عرف العوامل المؤثرة في الحياة السياسية، والحياة الاقتصادية، والحياة الاجتماعية، وشعر بأن عليه مع هذا كله أن يختزن في صدره جميع هذه العلوم والمعارف، كما عليه بعد هذا كله, أن يقدِّر حاجات القراء من هذه العلوم والمعارف، وأن يعرف مدى تقبلهم لهذه الأشياء، وأن يمدهم منها بين آنٍ وآخر بالقدر الذي يسيغونه، وبالطريقة التي يحبونها"١. ثم مضى "ستيد" كذلك يقول: "لهذا كان من الخطأ كل الخطأ, أن نظن أن الجمهور يجري وراء أولئك الذين يتملقون غرائز القراء؛ إذ الحقيقة التي لا مراء فيها, أن الجمهور إنما يريد أن يشعر دائمًا بأن أولئك الزعماء الذين يقودونه يعرفون الجهة التي يقصدون إليها، كما يعرفون الطرق المؤدية إلى هذه الجهة". "والحقيقة الأخرى التي يجب أن نصدقها كذلك هي أن الجمهور

стр. 561

لا يمكنه في الوقت نفسه أن يغتفر ذنبًا لأولئك الذين يضللونه، أو يغررون به". وبعد, فإن للبحث في مستقبل الصحافة والأدب في مصر كتابٌ آخر لنا غير هذا الكتاب، هو "مستقبل الصحافة في مصر - الأدب والصحافة"، ولكن حسب هذا الكتاب الذي بين يديك أنه أول تنظيم علمي ظهر في مصر والعالم العربيّ لمادة من مواد الحضارة الحديثة، هي: "مادة الفن الصحفيّ". أجل، حسب هذا البحث أنه المحاولة الأولى من نوعها في هذا السبيل، وإننا لنرجو-مخلصين- أن تتبعها محاولات أخرى كثيرة وجليلة -إن شاء الله. فمن حق مصر أن تشارك دائمًا في بناء الحضارة الإنسانية بجميع مظاهرها، ومن حق المصريين ألّا يكونوا متخلفين يومًا ما عن غيرهم من سكان العالم المتحضر في شأنٍ من شئونه، والله يوفقنا دائمًا لما فيه الخير. " تم بحمد الله "

стр. 562

الفهرس: الصفحة الموضوع ٥ تقديم: بقلم د. عبد العزيز شرف ١١ من مؤلفات أ. د عبد اللطيف حمزة وبحوثه ٣٥ هذا الكتاب الكتاب الأول: الرأي العام: ٤٦ الصحافة والرأي العام ٤٩ تعريف الرأي العام ٥٢ الفرق بين الرأي العام، والسخط العام، والاتجاه العام ٥٤ أنوع الرأي العام ٥٦ دور الصحافة في تكوين الرأي العام ٦١ القانون والرأي العام ٦٤ الرقابة على الصحف ٧٠ نشأة الرأي العام في مصر الكتاب الثاني: فن الخبر: ٨٠ نشأة الخبر وأهميته ٨٦ تعريف الخبر ٩٣ في سبيسل الحصول على الخبر

стр. 563

الصفحة الموضوع ٩٨ طرق مشروعة للحصول على الخبر ١٠٢ قضية التلغرافات ١٠٤ تقويم الخبر ١١٤ مذاهب نشر الخبر ١٢٣ القوالب الفنية لصياغة الخبر ١٢٥ قالب السرد ١٣١ قالب القصة الإخبارية ١٣٣ الأسئلة الستة وطريقة استخدامها ١٣٨ طرق التجديد في صياغة صور الخبر ١٤٣ صلب الخبر ١٤٩ الحوادث الداخلية أو المحلية, وكيف تصاغ في قصة إخبارية ١٥٣ طرق صياغة القصة الخبرية لحادث داخلي ١٦٤ الأخبار الخارجية ١٦٩ أنواع الأخبار الخارجية ١٧٠ مصادر الأخبار الخارجية ١٨٢ طبيعة اللغة التي يكتب بها الخبر ١٨٧ تحرير العنوان ١٨٨ من الذي يقوم بصياغة العنوان ١٩١ ما هو العنوان، وما أهم أشكاله في الصحف؟ ١٩٣ خصائص كتابة العنوان ١٩٥ كتابة العنوانات الفرعية ١٩٧ التعليق على الخبر ٢٠٥ الطرائف المتصلة بالخبر ٢١٠ كيف تجمع الطرائف؟ ٢١٣ أنواع الطرائف ٢١٤ أسلوب كتابة الطرائف

стр. 564

الصفحة الموضوع ٢١٦ من هم كتاب الطرائف؟ ٢١٧ ما الفائدة التي تعود على القراء من الطرائف ٢٢٢ الخبر والمجتمع ٢٢٣ رأي المؤيدين لنشر خبر الجريمة ٢٢٤ رأي المعارضين في نشر خبر الجريمة ٢٣١ الأخبار من الزاوية الأخلاقية, وزاوية المسئولية الإعلامية ٢٤٢ الذوق الصحفيّ والخبر ٢٤٤ دعوى القذف في الصحف الكتاب الثالث: فن المقال: ٢٥٣ فنون المقال ٢٥٦ تعريف المقال ٢٦٤ المقال الصحفي ٢٧٢ مقال الاعترافات ٢٨٢ المقال الكاريكاتوري ٢٩١ مقال الخواطر والتأملات ٢٩٩ المقال العلميّ ٣٠٨ الأذن السحرية ٣١٣ المقال الصحفيّ ٣١٤ فنون المقال الصحفيّ, وطريقة صياغتها ٣١٦ لغة المقال الصحفيّ ٣٢٠ المقال الافتتاحيّ ٣٢٢ خصائص المقال الافتتاحيّ

стр. 565

الصفحة الموضوع ٣٢٧ الصفات التي ينبغي توافرها في كاتب المقال الافتتاحيّ ٣٢٩ أهمية المقال الافتتاحيّ في الصحافة ٣٣٥ العمود الصحفيّ ٣٣٦ تعريف العمود الصحفيّ وخصائصه ٣٤٠ صياغة العمود الصحفيّ ٣٤٥ مؤسسات العمود الصحفيّ في الوقت الحاضر ٣٤٩ عمود الموضوعات الإنسانية ٣٥٣ إلى البطل الشهد عادل محمد غانم ٣٥٦ المأموت والناموس ٣٥٩ عمود الرياضة والفنون ٣٦٥ صفحة الفن ٣٧٠ الحملة الصحفية ٣٧٢ الخطة في كتابة الحملة ٣٧٦ الحيل الصحيفة, أو الصراع بين الصحيفة والرقيب ٣٨١ اختراع الشخصيات الكتاب الرابع: فن التقرير، وبه الكلام عن فن تحرير المجلة: ٣٩٠ المجلة ٣٩٠ هيئة تحرير المجلة وطبقة المحررين بالقطعة ٣٩٢ المصادر التي تستقى منها مواد المجلة ٣٩٥ الأرشيف الصحفيّ للمجلة ٣٩٥ ما هي قيمة الأرشيف العام للصحيفة؟ ٣٩٦ ما المقصود بالأرشيف الخاص وما قيمته ٤٠٠ المقال في المجلة
следующие страницы →