← Адаб

Адаб · id 11543

المدخل في فن التحرير الصحفي

عبد اللطيف محمود حمزة

Полный текст (567 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

من شأنها كذلك إشاعة الفتنة والاضطراب، وتكدير السلم، وخلاصة هذه الأخبار: أن رجال البوليس قد عاودتهم الشهوة الجامحة، واعتدوا على الطلاب اعتداءً وحشيًّا بالعصيّ الغليظة، فأصيب بعضهم بإصابات مختلفة، وأنهم قبضوا على فريق منهم، وأودعوهم مختلف الأقسام.. ولما كانت جميع هذه الأنباء عاريةً عن الصحةِ, فقد بادرت الوزارة إلى تبليغ النيابة عن الصحيفتين؛ إذ أن نشر هذه الأخبار غير الصحيحة، والمكدرة للسِّلْمِ جريمةٌ تعاقب عليها المادة١٩٨ من قانون العقوبات. وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في هذا الشأن، وحصلت مصادرة أعداد الصحيفتين المذكورتين في يومي ٢٠ يناير و ١٠ فبراير تطبيقًا للمادة ١٩٨ من قانون العقوبات. ومضى البيان يدافع عن سياسة الحكومة في مصادرة الصحف، مستندًا في ذلك إلى مواد في قانون العقوبات أهمها المادة رقم ١٩٢، والمادة رقم ١٩٨, ثم أعطيت الكلمة للأستاذ أحمد عبد الغفار "باشا" فقال: إن الحكومة تتسامح في التعريض بأشخاصها، ولكنها تلجأ إلى المصادرة لعلمها أن المعارضة تبذل كل جهدها لتكدير الأمن العام، وفي سبيل حماية الأمن العام ستستعمل الحكومة كل سلاحٍ يبيحه القانون، وستمنع اللعب بالنار بكل حزم. وهنا طلب مكرم "باشا" حذف هذا الكلام من المضبطة؛ لأن فيه اتهامًا للمعارضة لا تقبله عن نفسها. وبعد أن انتهى مكرم "باشا" من إلقاء كلمته, طلب الكلمة عبد الرحمن عمار "بك" فاعترض فكري أباظة "بك" طالبًا أن يؤذن للمستجوب الثاني الأستاذ محمد حنفي الشريف بالكلام قبل أن تتكلم الحكومة, واحتج الأستاذ الشريف على عدم الإذن له بالكلام، قائلًا: إن في ذلك مخالفة

стр. 492

لللائحة الداخلية, فأفهمه الرئيس بأنه لا يمنعه من الكلام، وكل ما في الأمر أن الحكومة طلبت الكلمة، ولها الحق فيها كلما أرادات. بقية بيان الحكومة: وتكلم عبد الرحمن عمار "بك" عن الحظر، فقال: إن الاستجواب في حظر النشر غير دستوري؛ لأن النيابة هي التي تصدر أوامر الحظر, وهي تقوم بعمل قضائيّ، وهو من صميم اختصاص السلطة القضائية، والاستجواب لا ينسجم مع مبدأ فصل السلطات، وذكر أن هذا الرأي يقره رجال القانون، واستشهد بفتوى في ذلك لمعالي وزير العدل. وقد اعترض الأستاذ فكري أباظة قائلًا: إن هذا الكلام خطير؛ لأن النيابة لا يمكن أن يباح لها أن تصدر أوامر الحظر كلما أرادت، ودون أي تقييد. واستطرد عمار "بك" فتلا مذكرةً لمعالي وزير العدل في ذلك، ثم ذكر أن كل حرية يجب أن يكون لها حدود, وليس من الحرية ترك الصحف تقول ما تريد لتكدير السلم، وضرب المثل بقول جريدة "الكتلة" إن جامعة "فاروق الأول" قد أحيطت بالدبابات، وإن رجال البوليس أعملوا عصيهم في الطلبة، وإن عشرات منهم أصيبوا بالرصاص, في حين أنه لم يحدث شيء من ذلك. واختتم عمار "بك" كلامه بأن الحكومة ماضية في خطتها في غير ما تعسف, ولكن حمايةً للأمن العام. المناقشة تستأنف اليوم: وعلى أثر ذلك, رفعت الجلسة على أن تستأنف المناقشة في هذا الاستجواب "اليوم" في السادسة مساء. هذا مَثَلٌ عاديٌّ من أمثلة "الماجريات البرلمانية" التي وقعت في مصر، ومنه يتضح كيف أن المحرر البرلمانيّ عرض لمشروعات القوانين بسرعة وإيجاز،

стр. 493

ولم يطل الوقوف عند شيءٍ منها، حتى إذا بلغ الموضوع الرئيسيّ للجلسة البرلمانية -وهو موضوع مصادرة الصحف- لم يدع من كلام النائب المستجوب, أو كلام الحكومة في الرد على هذا الاستجواب شيئًا ما. وقد وضح للقارئ كذلك الطريقة التي سلكها صاحب الاستجواب في التدليل على حقه في تقديم هذا الاستجواب، وهي طريقة تقوم على الحجج القانونية للموضوع من جميع الوجوه، وكأن الحكومة كانت تعرف بالضبط شيئًا عن هذه الطريقة, فتأهبت للرد لتبريء نفسها من التهم التي كالتها لها الصحف السالفة الذكر. على أن هذه الجلسة لم تتمكن من الوصول إلى قرار في هذا الشأن، فلم يستطع المحرر البرلمانيّ أن يذكر لنا شيئًا من ذلك، ولا استطاع أن يصف نهاية الجلسة في ذاتها، مرجئًَا كل ذلك للجلسة التالية. ولا نستطيع أن ندع الكلام عن "الماجريات البرلمانية" دون الإشارة إلى جهود الدكتور" محمود عزمي" في هذا السبيل. والحق أن أهمية الدكتور عزمي في تاريخ الصحافة المصرية ترجع في معظمها إلى تلك الجهود١

стр. 494

الماجريات القضائية: ربما كانت "الماجريات القضائية" أقدم ما عُرِفَ من أنواع الماجريات الأربعة التي سبقت الإشارة إليها١ ذلك أن القضايا المحلية على الدوام هي أكثر ما يسترعي أنظار القراء للصحيفة. فالواقع أنه ليس كل الشعب قادرًا على تتبع الماجريات الدولية أو الدبلوماسية، ولكن أكثر الشعب يستطيع أن يفهم الظروف التي تحيط ببعض القضايا المنظورة أمام المحاكم الوطنية، أو المحاكم العسكرية. وفوق هذا وذاك, فإن من حقك مواطن في الدولة أن يرى بعينيه، ويسمع بأذنيه كيف يطبق القانون في بلاده، وأن يطمئن على سلامة هذا التطبيق، وإلى نزاهة القائمين عليه، وحق الشعب في ذلك, هوكقحه تمامًا في أن يطمئن إلى أن أعضاء البرلمان، أو مجلس الأمة -وهم الموكلون عنها في القيام بمهمة التشريع, وسن القوانين- قادرون على ذلك بأمانة تامة. على أن هذا الحق الجماعيّ الذي يتيح للجمهور أن يراقب بنفسه طريقة سن القانون، وتطبيق هذا القانون يتعارض في الوقت نفسه تعارضًا تامًّا مع حق الفرد الذي تمسه القضية، ويتناول القضاء كما يتعارض وحقوق النواب الذين يتناقشون في داخل البرلمان, أو داخل مجالس الأمة، فإن من حق هؤلاء جميعًا.

стр. 495

أن تحفظ لهم كرامتهم، وأن تصان لهم سمعتهم، وألَّا تقوم الصحف بالتشهير بهم, فقد توجه المحكمة بعض التهم الخطيرة للمتهمين، وكثيرًا ما يعاملهم القضاة في أثناء المحاكمة بشيء من العنف، وقد يحدث في داخل البرلمان أن يتراشق أعضاؤه بالسباب، أو أن يتنابزوا بالألقاب، أو أن يسم بعضهم بعضًا بميسم الخيانة للوطن، فإذا انتقلت التهم القضائية إلى مجال الصحف, فهنا يشعر المقصودون بها في جميع هذه المواطن السابقة بالخجل والحرج، وقد يثبت القضاء من جانب، أو البرلمان من جانبٍ آخر، أن هؤلاء كانوا على حقٍّ في موقفهم من خصومهم في المحكمة أو في البرلمان. ومع هذا التعارض الشديد بين الحق الجماعيّ للأمة، والحق الشخصيّ للفرد الواحد، أو الجماعة الواحدة من جماعات هذه الأمة، فإن العرف والتقاليد يسمحان للصحافة بأن تخبر عما يحدث في داخل المحاكم الوطنية، وذلك بالقدر الذي سمح به للصحافة أن تخبر عما يحدث في داخل المجالس النيابية، ومتى نشرت هذه الأخبار جميعها في الصحف, فقد أصبح من حق الأمة والأمم الأخرى جميعها أن تعرف ما يجري في هذه الدور، التي نشير إليها. ومن هنا يبدو الفرق الكبير بين الحالتين, بالقياس إلى المتهم في إحدى القضايا. ففي الحالة الأولى -وهي الحالة التي تمتنع فيها الصحف عن النشر- يشعر المتهم بأنه قد نجا بنفسه، وبماء وجهه من أن يراق على نطاق واسع كبير، وهو نطاق الشعب الذي هو منه، والشعوب التي يمكن أن تصل إليها صحف الأمة التي ينتمي إليها. وفي الحالة الثانية -يقع المتهم في الحرج الذي وصفناه. نقول هذا لكي نلفت نظر الصحف جيدًّا في كتابة "الماجريات القضائية"

стр. 496

إلى أن تنص على نوع الحكم الذي تصدره الحكمة، وخاصةً إذا كان الحكم بالبراءة. ونقول هذا أيضًا حتى لا تتورط الصحف في اتهام الأشخاص الذين لم تثبت إدانتهم، والقاعدة المعمول بها في القضاء دائمًا هي: "أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته". ثم إنه على الرغم من التسليم بهذا المبدأ المتقدم، وهو نشر "الماجريات القضائية" في معظم الحالات والبلدان، فإننا نرى بلادًا كانجلترا, لا تقر هذا المبدأ، ولا توافق على نشر "الماجريات القضائية" بل إن قانون القذف عندهم Libelact يتضمن حظرًا على الصحافة أن تخوض في القضايا المنظورة أمام المحاكم، أو تنشر شيئًا عن بعض هذه القضايا في أثناء ذلك، ويعبر القانون الإنجليزيّ عن مخالفة هذا الحظر بتهمة "التهاون بالقضاء" أو تهمة "ازدراء المحكمة Contempt of court" على حين أننا نرى أن نشر القضايا المنظورة أمام المحاكم المصرية مباحٌ لجميع الصحف, وإن كان قانون الإجراءات الجنائية يجعل من حقِّ القاضي أن يحظر النشر متى رأى المصلحة في أن يكون التحقيق سريًّا، ومتى كان في هذه السرية رعاية من جانب القضاء للصالح العام، والآداب العامة. ويفهم من هذا: أن إباحة النشر وحظره بالنسبة للقضايا المنظورة أمام المحاكم المصرية مسألة اعتبارية بحتة، وأنها متروكة للمحقق، أو للقاضي. ولكن ينبغي للقاضي, أو المحقق, ألَّا يسيء أحدهما استعمال هذا الحق، كما حدث ذلك في بعض القضايا الهامة ذات الصلة بالمصلحة العليا للبلاد، أو الصلة القوية بالرأي العام، ومن الأمثلة على هذه القضايا: "قضية الأسلحة الفاسدة" في أثناء الحرب الفلسطينية، فقد حظر المحقق على الصحف أن تنشر شيئًا ما عن هذه القضية التي تهم الشعب المصريّ كله، والشعوب العربية

стр. 497

بأسرها، ولم يكن القضاء على حقٍّ في هذا الإجراء بحالٍ من الأحوال. أما تحرير الماجريات القضائية فتتبع فيه إحدى الطرق الثلاث التي تقدَّم ذكرها في نهاية الفصل الخامس، فطريقة التركيز توحي إلى كاتبها أو محررها بتلخيص موضوع الدعوى والمرافعات في شبه مقالٍ شديد الإيجاز، وكثيرًا ما يكون محرر هذا النوع من الماجريات رجلًا من رجال القانون، كأن يكون مشتغلًا بالمحاماة، أو تكون له خدمة سابقة في سلك القضاء، ونحو ذلك. وبالطريقة التحليلية يفصل المحرر القول في هذه القضية التي يعرضها للقراء، وسجَّل في هذا التفصيل كل سؤال وجهته المحكمة إلى المتهمين، وكل إجابة صدرت عنهم، كما يسجل المحرر بشهادة الشهود، ويعني العناية التامة بمرافعة المحامين من الجانبين، ويصف كل ما وقع في الجلسة من أخذٍ، وردٍّ، وحركةٍ وسكونٍ، ويتضمن التقرير بهذه الطريقة أيضًا كل ما صدر عن الحاضرين من الجمهور من إشارات، وتعقيبات، ونحو ذلك. وبالطريقة المختلطة يقصر المحرر جهده على وصف الظروف والحوادث التي نشأت عنها الدعوى، ويصف الظواهر النفسية، والدلائل الخلقية التي تقترن بها غالبًا، وله أن يهمل وقائع الجلسة في ذاتها، مكتفيًا بتسجيل الحكم الذي نطق به القاضي. على أن المهم من الناحية الصحفية البحتة, هو الإدلاء بتفصيل الحوادث التي سبقت المحاكمة، وأوصلت الطرفين المتنازعين إلى ساحة القضاء, وللمحرر الصحفيّ أن يعتمد في هذا الإدلاء على ما جرى بالفعل في داخل المحكمة مما شهده بعينه، أو سمعه بأذنه، أو على مصدر آخر كمحاضر التحقيق, وملف القضية، أو على المستندات الرسمية الموجودة فعلًا في غير هذا الملف.

стр. 498

وهذا نموذج من "الماجريات القضائية" نشرته صحيفة "الأخبار" الصباحية، وكان حول حادث سيارة أودى بحياة أطفال، وكان شعور الشعب منذ البداية ضد المتهمة في هذا الحادث، وهي الآنسة "نوال نور", وكانت الصحافة تتملق شعور الشعب في ذلك، وكانت تراعي في عرض الجلسات التي تعقدها المحكمة مسايرةً لعرض هذا الشعور، ومع هذا, فإن المحكمة لم تتأثر بالشعور العام في هذه القضية، وحكمت فيها ببراءة المتهمة، وإليك ما حدث يومئذ بالضبط. نشرت صحيفة "الأخبار" بالعدد رقم ١٠٦٤ من السنة الرابعة، وهو العدد الصادر في يوم الأحد ٢٧/ ١١/ ١٩٥٥, في صفحتها الثالثة من هذه القضية، هذه العنوانات: براءة نوال نور: المحكمة تستمع إلى الشهود والنيابة والدفاع عم نوال يدافع عنهم بوصفه زعيم العائلة ثم قالت الجريدة في صدر هذا التقرير القضائيّ ما نصه: أصدر القضاء حكمه أمس ببراءة نوال من تهمة القتل الخطأ، اتهمت "نوال" بأنها قتلت اثنين، وجرحت اثنين بسيارتها الـ "بويك", استمعت المحكمة إلى أقوال الشهود والنيابة والمدعين بالحق المدنيّ والدفاع، وانضم عمها "محمود متولى نور" إلى هيئة الدفاع، وقال: إني أدافع عنها بوصفي زعيمًا لأسرة نور, تشنجت والدة أحد القتلى وأسعفت في الجلسة. كان هذا هو صدر التقرير، وبعد ذلك أخذت الجريدة في نشر صلب التقرير على النحو الآتي: بدأت الجلسة في الساعة الحادية عشرة صباحًا، وعلى أثر افتتاح الجلسة نودي شهود الإثبات الذين أعلنتهم، فتبين عدم حضور أحد منهم

стр. 499

سوى إبراهيم عبد الجواد التاجر، وقام أحد محاميّ المتهمة, وطلب سماع أقوال شهود النفي، فرد القاضي بأن الدفاع سبق أن تنازل عن سماع شهاداتهم، ثم قام الأستاذ عدلي فرج محامي والد الطفل "إيليا كارازيدس" الذي قتل في الحادث، وطلب سماع شهادته فوافقت المحكمة على ذلك. ثم نوديت المتهمة فمثلت أمام المحكمة, وقال لها القاضي: أنت ارتكبت الجريمة دي، وتسببت بإهمالك في قتل اثنين، وإصابة اثنين. نوال: لا. الشاهد الأول: ثم بدأت المحكمة في سماع أقوال الشهود، ونُودِيَ الشاهد الوحيد الذي حضر من شهود الإثبات الذين أعلنتهم النيابة، وهو التاجر إبراهيم عبد الجواد، فحضر وحلف اليمين، ثم بدأ شهادته بقوله: إنه شاهد شخصين داخل السيارة، هما فتاة وبجوارها شاب، وإن الفتاة قد غادرت السيارة من الباب الأيسر أولًا، ثم تبعها الشاب، وقال إنه لا يعرف أين ذهبت، وإنه شاهد الطفل الذي قتل وقد غُطِّيَ ببعض أوراق الصحف، وأضاف الشاهد إنه عثر على "شنطة" يد بيضاء سقطت على الأرض من سيدة. أعرفها شعرها قصير: ووصف الشاهد الحادث قائلًا: إن صوت السيارة المرتفع المفاجيء هو الذي نبهه، فالتفت نحوه حيث شاهد السيارة تدخل الأجزاخانة، وقد أصيب ثلاثة أشخاص، وسقط طفل تحت عجلاتها، وحاول الجمهور إنقاذه, وصمم الشاهد على أنه شاهد الفتاة، وهي داخل السيارة أمام عجلة القيادة قبل نزولها مباشرة، وعقب الحادث فورًا, وسأله القاضي عَمَّا إذا كان يعرف المتهمة من قبل، فأجاب بالنفي، وأضاف بأنه يمكن

стр. 500

التعرف عليها حيث شاهدها يوم الحادث، ويعرف أن شعرها قصير, وعندما أشار القاضي إلى المتهمة، وسأله عما إذا كانت هي التي رآها تقود السيارة وقت الحادث أجاب بالإيجاب. والدة القتيل: ثم نُودِيَت الشاهدة الثانية، السيدة اعتماد عثمان غالب، والدة محسن محمود جوهر, الطفل الذي قتل في الحادث فحضرت، ووقفت أمام المحكمة، وكانت الدموع تذرف من عينيها بغزارة، وحلفت اليمين، ثم أدت شهادتها على الوجه التالي: المحكمة: كم عمرك؟ اعتماد: ٢٧ سنة. المحكمة: ما معلوماتك؟ اعتماد: أنا يوم الحادث كان معي ابني محسن علشان أوديه السينما، وما لقيتش تذاكر, فقلت له تعال نتفرج على الفسقية اللي في ميدان التحرير, وبعد ما رحنا واجتزنا الميدان لغاية الرصيف, في محل "استرا" قال: اشتري لي شربات، فذهبنا إلى محل الشربات، وفجأة سمعت صوت سيارة مسرعة خلفي، ولقيت عربية سودة طالعة على الرصيف، وصدمت ابني.... ثم أخذت السيدة اعتماد تبكي، وأصيبت بتشنج، وأخذت تصيح: ده ابني, وأبويا, وجوزي, وحبيبي, ده كل حاجة لي في الدنيا ... وطلب منها القاضي أن تهديء نفسها، وتروي كيفية الحادث، فجففت دمعها, ثم قالت: إنها شاهدت نوال بالسيارة، وحلفت اليمين على أنها شاهدتها، وكانت تلبس فستان "كاروهات" وشعرها قصير، وشاب بجوارها يهمس ويقول لها: "انزلي أنت يا نوال". ورودت والدة القتيل كيفية مصرع ابنها فقالت: كنت ما سكة ابني

стр. 501

محسن، ثم جاءت السيارة مسرعة، وصوتها مسموع بشكل بظاهر وواضح، وبمجرد التفاتي وجدت شيئًا خاطفًا كالوحش يهجم حيث سقط وحيدها تحت العجلة. ورددت اعتماد عدة مرات أنها شاهدت "نوال" وهي تمسك "الدركسيون" ساعة الحادث، وأنها تركته ونزلت من باب السيارة الأيسر. المحكمة: قلت في محضر النيابة إنك شاهدت "نوال" وهي واقفة أمام السيارة، وليست أمام عجلة القيادة! اعتماد: لا أذكر، وكنت وقتئذ كالمذهولة، فلم يكن مرَّ على حادث قتل ابني بالسيارة سوى ٢٤ ساعة فقط. المحكمة: هل هذه -وأشار القاضي إلى نوال- هي المتهمة التي أحدثت الحادث؟ اعتماد: نعم، هيّ نفسها، ونظرات عينيها تدل على أنها فتاة ارتكبت جريمة قتل, جريمة إن دلت على شيء فهي لا تدل إلّا على استهتار امرأة. المحكمة: اتركي هذا التعليق أو الكلام للمرافعة. اعتماد: إنه ابني الوحيد -ثم أخذت في البكاء الطويل- وهدأت وقالت: إنه زوجي.. إن محسن كان جميل! المحكمة: هل تعرفين شخصًا اسمه محمد محمود السمني؟ اعتماد: سمعت عنه, وهو الذي أخذني إلى محل "الشربتلي" لأجلس على كرسي، فطلبت منه إسعاف ابني وتحبيسه. الشاهد الثالث: صاحب الصيدلية ثم نُودِيَ شاهد الإثبات الثالث, الدكتور أديب هلال يعقوب, صاحب صيدلية وندسور، فحضر وحلف اليمين، وأدلى بشهادته قائلًا: إنه أغلق

стр. 502

الأجزاخانة يوم الحادث "٤ سبتمبر", حوالي الساعة العاشرة إلّا ثلثًا مساءً، وركب مع بعض أصدقائه في سيارتهم إلى كازينو "سان سوسي" بالجيزة، وترك سيارته في الشارع المجاور لمحل أسترا, حتى عودته, وقال: إنهم مكثوا في الجيزة فترةً لا تتجاوز ١٠ دقائق أو ١٥ دقيقة، ثم عاد لسيارته، حيث فاجأه المنادي بأن يسرع ويلحق بصيدليته؛ لأنها أصيبت بحادث, فأسرع إليها وشاهد مقدم السيارة داخلًا في الباب، وطفلًَا ميتًا. سؤال من المدعي بالحق المدني: ماذا فعلت فور علمك بالحادث؟ الشاهد: توجهت لقسم قصر النيل. المدعى بالحق المدني: هل شاهدت المتهمة في القسم ومعها أحد؟ الشاهد: كانت في غرفة المأمور ومعها سيدة وولد صغير. المدعى بالحق المدني: ألم تلاحظ معاملة خاصة من البوليس لشهود الرؤية فور وقوع الحادث؟ الشاهد: مكثت في القسم لغاية الساعة ٢ صباحًا بعد منتصف الليل, في غرفة المأمور، وأعلم أن شابًّا ميكانيكيًّا طلب سماع أقواله كشاهد إثبات، فرفض المحقق إجابة طلبه، وأمر عسكري البوليس بإخراجه من القسم فورًا. الشاهد الرابع: ثم نُودِيَ الشاهد الرابع: الدكتور مرقص جندي, فحضر وحلف اليمين، ثم قال: في يوم الحادث أغلقنا الأجزاخانة حوالي التاسعة و٣٥ دقيقة مساءً، وتوجهنا أنا وبعض أصدقائي والدكتور أديب إلى كازينو سان سوسي بالجيزة، حيث أقمنا فترةً قصيرةً, ثم أشرت عليهم باقتراح، وهو النوم مبكرًا؛ لأننا كنا متعبين وقتئذ فاجتزنا ميدان التحرير، ووصلنا إلى الصيدلية،

стр. 503

في حوالي الساعة العاشرة والنصف مساءً, ووجدنا السيارة داخل الصيدلية, ووجدنا جسمًا لشابٍّ ميتٍ ملقى بجوارها على الرصيف. المحكمة: ألم تسمع متى حدثت الحادثة؟ الشاهد: الذي سمعته أن الحادث وقع فور مغادرتنا للصيدلية, قاصدين إلى كازينو سان سوسي، وعلى كلٍّ, فالمسافة بين تركنا الصيدلية، وعودتنا إليها لم تستغرق أكثر من ثلثي ساعة على الأكثر. وقال الشاهد: إنه سمع من الناس الذين كانوا موجودين وقت الحادث، أن السيارة كانت تقودها فتاة، وشخص كان يقف بجوارها، وأشار عليها بالهرب، و"الزوغان".... وأضاف أنه سمع هذا الكلام من أناس كثيرين جدًّا. الشاهد الخامس: ثم نودي الشاهد الخامس, وهو "صبحي تادرس" فحضر وحلف اليمين، وروى شهادته التي لا تخرج عن شهادة الطبيبين السابقين. مدير سينما شهر زاد: ثم نودي شاهد الإثبات "عبد المنعم محمد "مدير سينما شهر زاد، فحضر وحلف اليمين، وسأله القاضي: إيه معلوماتك؟ الشاهد: لا أعرف شيئًا عن الحادث. المحكمة: ولماذا حضرت إلى هنا؟ الشاهد: وصلني إعلان بالحضور. المدعي بالحق المدني: هل تعرف المتهمة كمترددة دائمة على السينما؟ الشاهد: نعم, وأعرف شكلها. المدعي بالحق المدني: أثناء عرض الأفلام, ما هي حدود اختصاصك! الشاهد: أكون بجوار الباب أثناء دخول الجمهور.

стр. 504

المدعي بالحق المدني: حيث إن اختصاصك هكذا, فما موقف العمال الذين يقطعون التذاكر؟ الشاهد: من نفس باب السينما. المدعي بالحق المدني: إذا حدث شيء غير عاديّ على السلم، هل يلفت هذا نظرك أم لا؟ الشاهد: كل الذي أراه في السينما أشعر به. المدعي بالحق المدني: في مساء الأحد ٤ سبتمبر الماضي, هل تذكر على وجه التحديد إذا كانت نوال حضرت السينما في ذلك اليوم أم لا؟ الشاهد: لا, وجايز تكون حضرت. المدعي بالحق المدني: هل تستطيع أن تحدد لنا وقت الاستراحة الأولى بين الأفلام المختلفة؟ الشاهد: السينما تعرض عادةً ٣ أفلام, والاستراحة الأولى، وهي بين الفيلم الأول والثاني تكون في حوالي الساعة التاسعة، أو التاسعة والربع مساءً، والاستراحة الثانية بين الفيلمين الثاني والثالث، لأنها تبدأ في الساعة الحادية عشرة والربع مساءً. شقيقة القتيل: ثم نُودِيَت شاهدة الإثبات "الآنسة جماني" شقيقة القتيل الثاني, الطفل "إيليا كارازيدس" فأدلت بشهادتها. إسماعيل السنوسي: ثم نُودِيَ شاهد الإثبات "إسماعيل السنوسي" تاجر الأفلام, فحضر وحلف اليمين، وقال إنه شاهد أثناء جلوسه بمحله المجاور للصيدلية السيارة وهي تقتحم الصيدلية بسرعة مذهلة، ثم نزلت منها فتاة، وقد مال عليها شابٌّ وهو يأمرها بالهرب و"الزوغان" حيث شاهدها بعد ذلك، وهي

стр. 505

واقفة مع بوليس النجدة، والناس يشيرون إليها ويقولون: أهي دي اللي كانت سايقة السيارة. الطفل بولي هارجيان: ثم نُودِيَ الطفل "بوللي هارجيان" وهولم يتجاوز العاشرة من عمره, فحضر وحلف اليمين، وروى للمحكمة شهادته: من أنه كان واقفًا مع الطفل "إيليا" على الرصيف المجاور لمحل أسترا، ثم فوجيء بالسيارة وهي تقتل زميله الطفل "إيليا" وقال: إنه شاهد الفتاة وهي تقود السيارة, وفي يدها عجلة القيادة وقت الحادث. قضية لا تحتاج إلى جهاد: وبعد ذلك نهض الأستاذ سليمان أيوب، يمثل النيابة العامة وقال: إن القضية لا تحتاج إلى جهاد فهي ثابتة، والوقائع ليس مختلفًا عليها، والشهود كثيرون، ويؤيدون اتهام الفتاة، وأنها كانت تقود السيارة بسرعة مذهلة، حتى صعدت إلى الرصيف، وصدمت كل من يقف عليه. وقال وكيل النيابة: إن الإصابة لا يمكن وصفها إلّا بأنها قتل, وشهود الإثبات وصفوا الواقعة وصفًا دقيقًا، والنيابة لا يسعها إلّا أن تطلب تطبيق أقصى العقوبة، والحكم بحبسها مع النفاذ. مرافعة المدعين بالحق المدني: ثم نهض الأستاذ "عدلي فرج" الحاضر مع والد الطفل "إيليا" كارازيدس، فقال: إن المتهمة وشهودها حاولوا التلفيق، ثم فند أقوال شهود الإثبات. وانتقل إلى تفنيد أقوال الأنجال الثلاثة للدكتور محمد كامل مرسى, مدير جامعة القاهرة، وقال: إن ولدهم هو الصديق الحميم لعائلة نور، وإن ولديه جميل والمعتز, صديقان لشقيقهما حازم.

стр. 506

اللهم وفق: وقال الأستاذ عدلي: نعرف أن نوال وشقيقها قد انتهزا غيبة السائق، وأخذا السيارة؛ لأن معهما مفتاحًا ثانيًا لها.. وسمُّوها يا حضرات القضاة زي ما تسموها.. رعونة.. شيطنة.. شقاوة.. عدم تقدير للمسئولية.. المهم أن "نوال نور" أرادت أن تخرج في نزهةٍ مع من كانوا معها بعيدًا عن أعين السائق.. وفي سبيل هذه النزهة أرادت نوال أن تقود العربية، فقتلت طفلين, وحطمت رجلين، وأتلفت ممتلكات, وأثكلت أمهات. استراحة: وكانت الساعة قد بلغت الواحدة مساءً, فرفعت الجلسة للاستراحة, ثم أعيدت للانعقاد في الساعة الواحدة والنصف. مرافعة الأستاذ حسين رءوف: ونهض الأستاذ "حسين رءوف" المحامي عن المدعية بالحق المدني، وهي السيدة: اعتماد, والدة القتيل محسن جوهر, وقال: إن القضية قضية وقائع، وتدول حول نقطة هامة، وهي: هل كانت نوال نور في سينما شهرزاد كما تدعي، أم أنها كانت في السيارة وقت الحادث؟ وانتهى إلى القول بأن التهمة ثابتة, قبل نوال نور, وطلب الحكم عليها بأشد العقوبة. مرافعة الأستاذ عبد الرحمن حسن: ثم نهض الأستاذ: عبد الرحمن حسن, المحامي عن والد القتيل الطفل "محسن" وقال: إن حكم القضاء العادل سوف يكون هو الرادع القوي للطائشين من أمثال نوال وغيرها من المستهترين.

стр. 507

مرافعة جمال الشريف: وأعقبه الأستاذ جمال الشريف, المحامي الحاضر مع المدعي بالحق المدني, إسماعيل لبيب، وقال: إنه يطلب جعل مبلغ الثلاثة آلاف جنيه التي طلبها تعويضًا مؤقتًا لا كاملًا، ثم قدَّم للمحكمة شهادة طبية من مستشفى الدكتور الغريني, أثبت فيها أن موكله هو ميت حي في كفنٍ من الجبس. استراحة: وكانت الساعة قد بلغت الثانية والنصف مساءً, فرفعت الجلسة على أن تعود للانعقاد في جلسة مسائية أخرى, بدأت من الثالثة والنصف. الجلسة المسائية: وفي الساعة الثالثة والنصف استأنفت المحكمة جلسةً مسائيةً ثانيةً لنظر القضية، ونهض الدفاع عن المتهمة، الأساتذة: محمد إسماعيل عوض، ومحمد ممدوح، وترافعا، ففندا أقوال الشهود، وتكلما كثيرًا في الناحية القانونية، وطلبا براءة موكلتهما، ورفض الدعوى المدنية. مرافعة عم المتهمة: ثم نهض عم المتهمة الأستاذ: محمود متولى نور، محافظ القاهرة السابق، وقال: إنه ينضم إلى زملائه المحامين عن ابنة شقيقه، ولكنه يتكلم بوصفه زعيم أسرة نور, وقال: إن القضية ليس فيها دليل قبل نوال نور. وعقب ذلك نهض الأستاذ: عدلي فرج, عن المدعي بالحق المدني، وعَقَّبَ على مرافعة الدفاع، وقال: إنه بعد سماع هذه المرافعات ينتهي إلى أن القضية أكثر ثبوتًا الآن, قبل نوال نور. ثم عَقَّبَ عليه الأستاذ: محمد ممدوح, وصمَّمَ على طلب البراءة. وكانت الساعة قد بلغت السابعة إلّا ربعًا، فرفعت للمداولة, حيث أعيدت للانعقاد في الساعة الثامنة والربع، وأصدر القاضي الحكم الآتي نصه:

стр. 508

أولًا: حكمت المحكمة حضوريا للمتهمة وللمدعين بالحق المدني ببراءة المتهمة مما أسند إليها، ورفض الدعاوي المدنية الأربع المقدمة ضدها من كلٍّ من: اعتماد عثمان غالب، ومحمود سليمان جوهر، وإسماعيل أحمد لبيب، وبردورس كازاريدس, مع إلزام رافعيها بمصاريفها "بلا مصاريف جنائية". وزغردت بعض النسوة الحاضرات مع نوال، وهتف بعض مؤيديها: "يحيا العدل", ثم خرجت وركبت سيارتها الشفرولية موديل ٥٥ الجديدة التي اشترتها عقب الحادث. بهذه الطريقةكتبت صحيفة "الأخبار" تقريرها عن هذه القضية التي شغلت بال الجمهور في مصر نحوًا من سنة, وكان شعور الجمهور -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ضد المتهمة التي كانت السبب في هذه الجناية, وتوخت الصحيفة مسايرة هذا الشعور العام, فكانت تأتي بالصور التي تتفق وهذا الاتجاه، أو التي توحي بهذا الإحساس، كما كانت تكتب "بالبنط الأسود" بعض أقوال الشهود والمحامين الممثلين للاتهام, مما له دلالة خاصة، وتأثير معين في سير القضية نحو الإدانة لا البراءة. ومع هذا وذاك, فقد شاء القضاء المصريّ أن يصدر حكمه بالبراءة على نحو ما رأيت.

стр. 509

الماجريات الدبلوماسية: لكل دولة من الدول سياستها الخاصة بها، الداعية إليها، والمروّجة لها، غير أن هذه السياسة الخاصة تتغير من وقتٍ لآخر, حسبما تقتضيه الظروف والأحوال، وحسبما يحيط بالدولة نفسها من ملابساتٍ وتياراتٍ، ومهما يكن الأمر, فلا مناص للدولة الواحدة من أن تكون لها سياسة واحدة في فترةٍ من الزمن واحدةٍ، وإذ ذاك تحاول هذه الدولة أن تجذب إليها أكبر عدد ممكن من الدول التي يمكن أن تتفق معها في هذا الاتجاه, وفي سبيل هذه الغاية تعقد الدولة من حينٍ لآخر بعض المؤتمرات التي تدعوا إليها، أو تُدْعَى هي إليها، للنظر في هذه الاتجاهات السياسية التي تهمها، وتهم الدول الضالعة معها، وهذا ما يطلق عليه: "الأحداث الدبلوماسية"، ومنها على سبيل المثال: مؤتمر الصلح بين دولتين متحاربتين، والمؤتمرات السياسية التي تعقد فيها المعاهدات وقت السلم، والمفاوضات، أو المشاورات التي تدور حول بعض المشكلات الدولية على اختلافها. ومن الأمثلة على هذه الأخيرة: المؤتمر الذي عُقِدَ من ممثلي كوريا الشمالية، وكوريا الجنوبية, في أثناء الحرب الكورية، ومنها مؤتمر الحكومات العربية الذي انعقد بالقاهرة في أوائل عام ١٩٥٤, لبحث الموقف العربيّ عقب الاعتداءات الصهيونية على حدود البلاد العربية، ومنها المؤتمر الثلاثيّ المؤلف من ملك المملكة العربية السعودية، ورئيس الجمهورية السورية، ورئيس الجمهورية

стр. 510

العربية المتحدة، وقد انعقد بالقاهرة في مارس سنة ١٩٥٦, لتحديد السياسة العربية تجاه إسرائيل والدول الاستعمارية. ومنها: مؤتمر وزراء خارجية مصر، وسوريا، والأردن، ولبنان, المنعقد في شهر مايو سنة ١٩٥٦ بدمشق؛ لبحث تقرير الجنرال "بيرنز", مندوب هيئة الأمم المتحدة عن مشروع تقسيم مياه الأردن، ومنها كذلك المؤتمر الذي ضَمَّ ملوك العرب ورؤساهم, في بيروت في ١٣ نوفمبر سنة ١٩٥٦, للنظر في سياسة الدول العربية، وعلاقاتها بكل من انجلترا وفرنسا، وذلك عقب الاعتداء الثلاثيّ المسلَّح من جانب هاتين الدولتين، ومعهما دولة إسرائيل في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر من السنة المذكورة. ومنها كذلك: المؤتمر الذي عقدته دول كولمبو "الهند وأندونيسيا، وسيلان، وبورما", للنظر في سياستها المشتركة بإزاء العدوان الثلاثيّ المسلَّح الذي تقدم ذكره. على أنه من الملاحظ أن هذه المؤتمرات الدبلوماسية كثيرًا ما تنعقد بصفة سرية, فلا يتمكن الصحفيون من حضورها، اللهمَّ إلَّا في البداية، أعني: في الجلسات الافتتاحية، وهي الجلسات التي يكتفي فيها بعرض جدول الأعمال، وإلقاء كلمات الترحيب, أو التشجيع من جانب الملوك والرؤساء والوزراء، ثم يمضي المؤتمر الدبلوماسي بعد ذلك في عقد جلساته دون السماح لمندوبي الصحف بالحضور, إلَّا في حالاتٍ خاصة. من أجل ذلك يصعب على الباحث أن يحصل على تقارير في شكل ماجريات دبلوماسية دقيقة، وبدهيّ أن رجوع الباحث العلمي في الصحافة إلى محاضر هذه المؤتمرات لا يفيده كثيرًا؛ لأنه إنما يُعْنَى بالطريقة الفنية التي تعالج بها الصحف هذه الماجريات السياسية، ولا عناية له بهذه الأحداث من الناحية التاريخية. من أجل ذلك تلجأ بعض الصحف إلى إهمال هذا النوع من الماجريات

стр. 511

فتكتب عنه بإيجازٍ شديدٍ في أول الأمر، ثم تنتظر إلى الجلسة الأخيرة، فتبذل فيها كل ما تستطيع من جهد، وتكتبها في شكل ماجريات دبلوماسية بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة عند إطلاقها, والسبب في ذلك أن هذه الجلسة الأخيرة هي التي ينتهي فيها المجتمعون إلى قرارٍ مشترك يصدرونه بشكل "بيان رسمي" يعبر عن آرائهم، ويوضح اتجاهاتهم، ويَنُمُّ عن الخطط التي وضعوها للسير في هذا الاتجاه. نموذج: لقد اخترنا أن يكون النموذج لهذه الماجريات الدبلوماسية هو المؤتمر الذي عقده وزراء خارجية الدول العربية بالقاهرة, في أوائل يناير سنة ١٩٥٤، وفيه انتهى هؤلاء الوزراء من رسم "السياسة العربية الجديدة" على ضوء المشروع الذي قدمه الدكتور فاضل الجمَّالي, وزير خارجية العراق فيما يلي: نشرت الأخبار في يوم الاثنين ١١ يناير سنة ١٩٥٤, بالصفحة الأولى من صفحاتها بعنواناتٍ كبيرة، وأخرى أصغر منها ما يلي: محمود فوزي يشرح للجنة السياسية آخر تطورات القضية المصرية: اللجنة السياسية تدرس مشروع الجمالي: صيغة عربية لرفض المفاوضات مع إسرائيل: ثم قالت الصحيفة: علمت "الأخبار" أن مصر قبلت مشروع الدكتور فاضل الجمالي رئيس وفد العراق من حيث المبدأ، وهو المشروع الذي أعدَّه للعرض على اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية، أما تفصيلات المشروع: فإن مصر ستشترك في بحثها في اجتماعات اللجنة السياسية.

стр. 512

ويقضي هذا المشروع باتحاد الدول العربية في شئون الدفاع والمالية والتعليم والاقتصاد والسياسة الخارجية. وقد انتهت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية أمس من مناقشة آخر تطورات القضية المصرية كما عرضها في الاجتماع الدكتور محمود فوزي، وزير الخارجية. وقد صرَّح بذلك الدكتور فاضل الجمالي, رئيس وفد العراق، وتفرعت عن اللجنة السياسية في اجتماعها أمس لجنة فرعية من سفراء الدول العربية, برياسة الأستاذ سامي أبو الفتوح، وكيل وزارة الخارجية. ووافقت اللجنة على صيغة الرد الذي سترسله حكومة الأردن إلى سكرتيرية الأمم المتحدة، والذي سترفض فيه طلب الأمم المتحدة إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وعرضت الصيغة على اللجنة السياسية، فأقرتها في هذا الاجتماع. اجتماع اللجنة: وكتب مندوب "الأخبار" للشئون العربية ما يلي: عقدت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية أولى اجتماعاتها في وزارة الخارجية, في الساعة الخامسة بعد ظهر أمس, برياسة الدكتور محمود فوزي، وزير الخارجية المصرية، وحضور سائر وزراء الوفود العربية، ووزراء خارجيتها، والأستاذين عبد الخالق حسونة الأمين العام، وأحمد الشقيرى الأمين المساعد. كلمة محمود فوزي: واستهلَّ الدكتور فوزي الاجتماع بكلمةٍ رحَّبَ فيها بالوفود العربية باسم الجمهورية العربية المتحدة، وتمنى لهم التوفيق في مهمتهم، وأكَّدَ أن كل ما ترجوه مصر لشقيقاتها العربية هو السيادة الكاملة، والتحرر من كل

стр. 513

نفوذٍ أجنبيٍّ، وأن تسعد الشعوب العربية بوحدتها وحريتها، وأن مصر لن تدخر وسعًا في هذا السبيل، حتى تغدو الأمة العربية خفاقة الأعلام في البر والبحر، مرفوعة الكرامة في الشرق والغرب. وأشار إلى فلسطين، فوصفها بالشقيقة الشهيدة المظلومة، وأنها يجب أن تعاد كما كانت، وينعم بها أهلها المشردون في كل قطر. مناقشة القضايا الكبرى: وعقب ذلك انصرف الأعضاء إلى دراسة الموقف الدوليّ وتطوراته في الأمم المتحدة، وموقف الدول الكبرى من القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية المصرية. بحث القضية المصرية: وظلت المناقشة نحو ساعةٍ في هذا الشأن، ثم بدءوا في بحث القضية المصرية وموقف بريطانيا منها. الانقسام إلى ثلاث لجان: وفي نحو الساعة السابعة والربع انقسمت اللجنة السياسية إلى ثلاث لجان؛ الأولى من وزير الخارجية المصرية مع رؤساء الوفود العربية، وقد اجتمعوا نحو ساعةٍ في مكتب الوزير، وأطلعهم الوزير على تطورات القضية المصرية، وظروف المباحثات مع بريطانيا, وحضر هذا الاجتماع السيد عبد الخالق حسونة, الأمين العام للجامعة. واجتمعت اللجنة الثانية في مكتب الأستاذ سامي أبو الفتوح، وكيل الخارجية مع بعض أعضاء الوفود، ومعهم الأستاذ أحمد الشقيري, الأمين المساعد، وبعد ساعةٍ انضمت هذه اللجان، وواصلت بحثها، وفي منتصف الساعة التاسعة انفضَّ الاجتماع، وصرَّح الأستاذ عبد الخالق حسونة, الأمين العام بالبيان التالي:

стр. 514

"بدأت اللجنة السياسية مناقشتها الليلة للقضايا العربية الكبرى، ومن بينها القضية المصرية, ولم تنته المناقشة بعد، وإن اللجنة ستستأنف اجتماعاتها في الساعة الرابعة من بعد ظهر غد -اليوم- لمواصلة أبحاثها". وأضاف أن اللجنة بحثت أيضًا في قضية فلسطين وقضايا شمال أفريقيا. العرب يؤيدون مصر: وذكر الأستاذ حسونة أن جميع الوفود العربية يساندون القضية المصرية، ويؤيدونها تأييدًا تامًّا. الجمالي لم يقدم مشروعه بعد: وسئل عمَّا تَمَّ بشأن موضوع اتحاد الدول العربية الذي يقترحه الدكتور فاضل, رئيس الوفد العراقيّ، فقال: إن الدكتور الجمَّالي لم يقدم بعد أي شيء للجنة، وأن أعضاء اللجنة طالعوا المشروع في الصحف. اقتراح الجمَّالي: وكنا قد أشرنا أمس إلى الاقتراح الذي سيقدمه الدكتور فاضل الجمالي إلى مجلس الجامعة ولجنته السياسية، وهو المشروع الخاص باتحاد الدول العربية، وقد صيغ الاقتراح في مذكرة خطية من صفحة واحدة في حجم "الفولسكاب" وتبدأ بمقدمةٍ عن أهمية الوحدة العربية، وكيف أنها الأمل المنشود للشعوب العربية، وأن العراق لا يرحب بتحقيق الوحدة فحسب، بل يعمل على تحقيقها. وقد تضمنت المذكرة أن مصر في عهدها الجديد قد اتجهت كذلك إلى الدعوة للوحدة العربية، والعمل أيضًا على تحقيقها، وأن الدول العربية لترحب بهذه الدعوة, وتلبي نداءها, ولذلك, فإن العراق يرحب بالاتحاد مع كل دولة عربية، ويعرض اقتراحه هذا تاركًا التفاصيل الخاصة بتنفيذه لتبحثها الدول العربية.

стр. 515

وجاء في المذكرة كذلك، أنه من الطبيعيّ ألَّا يتيسر في الوقت الحاضر تحقيق الوحدة الشاملة بين جميع الدول، ولذلك, فإنه يمكن أن يبدأ بتحقيقها على مراحل, وفي هذه الحالة تظل الجامعة العربية قائمةً إلى أن تتم الوحدة المنشودة. وطالب بأن يبدأ بتحقيق الوحدة بين دولتين أو أكثر، وبعد ذلك تنضم بقية الدول العربية بالتتالي! وبعد ذلك لخَََََّص فاضل الجمالي الفكرة، فقال: إنها تتركز في توحيد الدول العربية من حيث شئون الدفاع والسياسة الخارجية والشئون الاقتصادية والمالية والثقافية. وختم الفكرة بقوله: وإنني أترك البحث في التفاصيل، وفي تنفيذ الفكرة إلى الدول العربية، لتقرر ماتراه. من هذا النموذج الذي قدَّمنَاه للماجريات الدبلوماسية, تتضح لنا الخطوات التي ينبغي اتباعها في كتابة هذا النوع، وتتلخص هذه الخطوات فيما يلي: أولًا: دراسة موضوع التقرير دراسة جيدة من جانب المحرر الصحفيّ الذي عهدت إليه الصحيفة بكتابته، وبديهيّ أن هذه الدراسة لازمة لمعالجة مثل هذا التقرير، ولفهم القضايا السياسية التي يعرضها الأعضاء المشتركون في هذا المؤتمر الدبلوماسيّ أو ذاك. ثانيًا: حضور الجلسات التي يعقدها المؤتمر إذا كان ذلك ممكنًا؛ لأن كثيرًا من هذه الجلسات يكون سريًّا، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، ولكن هذا لا يمنع الصحفيّ من الوجود في مكان المجتمع، والتربص بالأعضاء لكي يتصيد كل ما يمكن من الأخبار، ويلقي الأسئلة على من يراه منهم، ويبذل في ذلك كل جهد مستطاع.

стр. 516

وهكذا يستطيع المحرر الصحفيّ أن يجمع المعلومات والقرارات والأحاديث والبيانات حول موضوع التقرير الذي يريده. ثالثًا: المبادرة بكتابة هذا التقرير, وهو حديث عهد به وبالحوادث التى اكتنفته, والجو الذي حصل فيه, مستعينًا في ذلك بأرشيف الصحيفة، إذا كان هناك ما يدعو إلى هذه الاستعانة، وذلك لتوضيح بعض ملابسات الموضوع، وصلة هذا الموضوع بقرارات وبيانات سابقة. رابعًا: يراعي في كتابة التقرير أن يكون على شكل يقرب من القصة الخبرية في الصحيفة، بمعنى: أن يكون له "صدر" و "جسم" أو "صلب"، مع ملاحظة الفرق بين القصة الخبرية، والتقرير الصحفيّ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وخلاصة هذا الفرق: أن التفاصيل في القصة الخبرية ليست لها نفس الأهمية التي للتفاصيل في الماجريات الصحفية، وذلك أن التفاصيل في القصة الخبرية يمكن الاستغناء عن بعضها, متى أدت ظروف الطباعة -فن وإخراج الصحيفة- إلى ذلك؛ بحيث لا تتأثر القصة الخبرية نفسها بهذا الإجراء، أما التفاصيل في الماجريات الصحفية فكلها ضرورية، وإذا حُذِفَ شيءٌ منها ظهر أن هذه الماجريات مبتورة بترًا واضحًا للقراء. على أنه إذا رأت الصحيفة أن مساحة التقرير كبيرة، ففي هذه الحالة يمكن أن يختصر جزء من هذا التقرير بطريقة فنية لا آلية، بشرط ألّا يحذف هذا الجزء جملة، على نحو ما يحدث في فن المقال بوجهٍ عامٍّ. خامسًا: أما القرارات والبيانات الرسمية ونحو ذلك, فأشياء لا يستطيع المحرر الصحفيّ أن يتصرف فيها على نحو ما. ذلك أن هذه المواد تعتبر وثائق رسمية يرجع إليها يومًا ما، وغاية ما هنالك أنه يمكن للمحرر أن ينشر هذه المواد مستقلة عن التقرير نفسه، وفي مكانٍ بالصحيفة, قريب من مكان هذا التقرير.

стр. 517

الماجريات الدولية: ليس من السهل في حقيقة الأمر أن يفصل الباحث فصلًا تامًّا بين الماجريات الدبلوماسية، والماجريات الدولية، فكل من هذين النوعين من الماجريات إنما يقوم على السياسة الخارجية للحكومة, بوصفها ذات مصالح وعلاقات خاصة بالدولة الأخرى، أو بعبارةٍ أخرى: بوصفها عضوًا من أعضاء الأسرة الدولية في العالم أجمع. غير أن الفرق الأوحد بين النوعين: أن الأول -وهو الدبلوماسي- أضيق نطاقًا من الثاني، وهو الدوليّ، فكل دولة -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- تدور في فلك دول أخرى قريبة منها في الاتجاه السياسيّ، أو تدور هذه الدول معها في هذا الفلك السياسيّ، فحيث تعقد المؤتمرات بين رؤساء هذه الدول المتشابهة في السياسة, أو بين وزراء الخارجية فيها؛ فهذا هو الماجري الدبلوماسيّ، وحيث تعقد الاجتماعات الدولية الكبيرة التي تشترك فيها الدول بصفةٍ عامةٍ، فتلك هي الماجريات الدولية, ومع هذا وذاك, لا يزال الفصل بين النوعين فصلًا تامًّا في غير مقدور البحث العلميّ إلى يومنا هذا. ففي الوقت الذي تكتسب فيه هذا الكتاب, حضرت إلى مصر لجنةٌ خماسيةٌ يرأسها المستر "روبرت مانزيس R. Menzis" رئيس الوزارة الاسترالية، وكذلك في أوائل شهر سبتمبر سنة ١٩٥٦، وقد جاءت هذه اللجنة لتفاوض رئيس الجمهورية العربية المتحدة في أمر " تدويل قناة السويس"، وقبلت مصر المفاوضة، ولكن على غير هذا المبدأ؛ لأن مصر كانت قد فرغت من تأميم القناة، وبقيت مصممة على موقفها هذا إلى اليوم.

стр. 518

فهل تعتبر هذه اللجنة التي أشرنا إليها مؤتمرًا دبلوماسيًّا؟ أم تعتبرها مؤتمرًا دوليًّا؟ الواقع أنها تعتبر مؤتمرًا دوليًّا دبلوماسيًّا في وقت معًا. ومثل ذلك يمكن أن يقال بالقياس إلى مؤتمر لندن، وهو المؤتمر الذي عقد في أغسطس من السنة المذكورة. وكان قوامه ثلاثًا وعشرين دولة, اجتمعت بلندن, للنظر في نفس المشكلة المتقدمة، وهي مشكلة قناة السويس، فهو يعتبر في نظرنا ذا صبغة مزدوجة. أما المارجريت التي تختص بجميع المنظمات الدولية؛ مثل عصبة الأمم فيما مضى، ومؤتمر نزع السلاح، وجلسات الأمم المتحدة بفروعها المختلفة١, ومؤتمر الكتلة الآسيوية الأفريقية الذي اجتمع في باندونج، وغيرها من الاجتماعات العامة التي يباح للصحفيين حضورها في الأعم الأغلب، فكلها مجتمعات دولية بحتة، والتقارير التي تكتب عنها تعتبر من الماجريات الدولية التي لاشك في دولتيها. وقد اخترنا أن نضرب المثل هنا بالمؤتمر الذي الذي عقدته الكتلة الأسيوية الإفريقية، وهو: مؤتمر باندونج: هو المؤتمر الذي تألف من الدول الآسيوية والإفريقية, التي تجمعها غاية واحدة، هي الوقوف بين الكتلتين الشرقية والغربية، كما تسعى لتحقيق هدف معين، هو محاربة الاستعمار، وتحقيق التعاون بينهما في الميادين الاقتصادية، والثقافية, والسياسية.

стр. 519

ولأن هذا المؤتمر يعتبر في الواقع أجلَّ حادثٍ سياسيٍّ في عام ١٩٥٥، فقد اخترناه مثلًا من أمثلة الماجريات الدولية, وسنعتمد في ذلك على صحيفة "الأهرام" الصادرة في يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر أبريل من السنة المذكورة، وقد صدرت يومئذ وفي صفحتها الأولى هذه العنوانات الكبيرة التالية: مؤتمر باندونج يقر مبادئ السلام العالميّ: مناشدته العالم خفض القوات المسلحة: وتحريم استخدام أسلحة الدمار الشامل: الرئيس جمال عبد الناصر يشيد بنجاح المؤتمر في جلسته الختامية: ثم قالت الأهرام: انتهت أمس في باندونج اجتماعات المؤتمر الأفريقيّ الآسيويّ الأول، وقد اجمعت الدول السبع والعشرون التي اشتركت فيه على اتخاذ قرارات في مختلف المسائل التي بحثتها، وفي مقدمتها برنامج لتحقيق السلام العالميّ, تضمن عشرة مبادئ، وهي: ١- احترام حقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة. ٢ احترام سيادة جميع الدول، ووحدتها. ٣- الاعتراف بحق المساواة بين جميع الأجناس، والقوميات. ٤- عدم التدخل في شئون الدول الأخرى. ٥- حق كل دولة في الدفاع عن نفسها بمفردها، أو بالاشتراك مع غيرها، طبقًا لميثاق الأمم المتحدة. ٦- الامتناع عن استخدام أية تدابير، أو اتفاقات جماعية لصالح

стр. 520

أية دولة من الدول الكبرى، والامتناع كذلك عن الضغط على الدول الأخرى. ٧- الامتناع عن أعمال التهديد، أوالعدوان، أو استخدام القوة من جانب أية دولة. ٨- تسوية كل المنازعات الدولية بالطرق السلمية. ٩- تنمية المصالح المتبادلة، وزيادة التعاون. ١٠- احترام العدالة، والالتزامات الدولية. وفيما يلي ما تلقيناه من الجلسة الختامية للمؤتمر: باندونج في ٢٤: من ممدوح طه مندوب "الأهرام" الخاص، و"جيبون سيموندز" مراسل "الأهرام" الخاص. أنفضَّ مساء الجمعة المؤتمرُ الآسيويّ الأفريقيّ الأول، وأعلن في البيان الرسميّ الذي صدر بهذه المناسبة, أن الدول السبع والعشرين التي اشتركت فيه, وافقت بالإجماع على القرارات التي اتخذت بشأن كل المسائل التي بحثتها. عقد المؤتمر مرة أخرى: وكان الرئيس جمال عبد الناصر قد عرض على المؤتمر أن يعقد اجتماعه القادم في القاهرة، واقترح "شواين لاي" في جلسة اليوم أن ينعقد المؤتمر مرة أخرى، وقد وافق المؤتمر على ذلك، ولكن دون تحديد موعد الاجتماع ومكانه. التنديد بالأسلحة الذرية: وقبل أن يعقد المؤتمر جلسته الأخيرة, قامت لجنة فرعية بإعداد صيغة البيان الرسميّ عن أعمال المؤتمر، بينما أعدت لجنة أخرى صيغة قرار بالتنديد بالأسلحة الذرية.

стр. 521

تقرير اللجنة الاقتصادية: وكانت اللجنة الاقتصادية قد انتهت من أعمالها، وأعدت تقريرًا بذلك, تجنبت أن تشير فيه إلى مسألة حظر تصدير المواد الاستراتيجية من الدول الغربية إلى الصين الشيوعية. قيود التعليم بالمغرب العربيّ: ونددت اللجنة الثقافية في تقريرها ببعض الدول الاستعمارية التي لا تزال تحرم الشعوب الخاضعة لها من الحقوق الأساسية، ولا سيما فيما يتعلق بالتعليم، كما هو الحال في تونس، والجزائر، ومراكش بحيث تحرم فرنسا شعوب تلك البلاد من تعلم لغتهم الأصلية، وهي اللغة العربية. التنديد بالاستعمار: كانت الدول المناهضة للشيوعية في اللجنة الفرعية المكلفة بوضع صيغة قرار المؤتمر عن التنديد بالاستعمار, متمسكةً بوجوب النص في القرار على التنديد أيضًا بأعمال التسلل السياسيّ، والحركات الهدامة. ولكن الدول الأخرى؛ ومنها الصين، والهند، ومصر، وبورما، وسوريا وغيرها, رأت أن يكتفي بالنص في القرار على الاستعمار في كل أشكاله، بدون الإشارة إلى أعمال التسلل السياسيّ، والحركات الهدامة، على اعتبار أن ذلك موضوع آخر لا علاقة له بالاستعمار. وقد اجتمعت هذه اللجنة اليوم وتمكنت -بعد مناقشات طويلة، وتبادل في وجهات النظر- من الاتفاق بالإجماع على الاكتفاء بالنص في القرار على التنديد بالاستعمار بكل أشكاله ومظاهره١.

стр. 522

وكان السودان، وليبيا، ولبنان, من الدول التي تضامنت مع العراق، وتركيا, وغيرها من الدول المناهضة للشيوعية. معجزة في آخر لحظة: وكان قد بدا للكثيرين أن لا سبيل للاتفاق، وخاصةً بعد أن طالت المناقشات, واقترب الموعد المحدد لعقد الجلسة الختامية للمؤتمر، وشاع أن المؤتمر سيضطر إلى إرجاء جلسته الختامية، ولكن حدثت معجزة في آخر لحظة, بعد أن رأت الوفود المختلفة أنه لا بد من أن يصدر المؤتمر قرارًا يندد فيه بالاستعمار بأي شكل، وإلّا فإن الرأي العام العالميّ سينظر إلى المؤتمر على أنه قد أخفق، ولم يتفق أعضاؤه فيما بينهم على المسألة الرئيسية التي اجتمعوا من أجلها، وهي مسألة الاستعمار! التعايش السلميّ: وتعرضت اللجنة المكلفة بإعداد صيغة القرار الخاص بالمعايشة السلمية بين مختلف النظم السياسية, لصعوبات مماثلة، ولكنها تغلبت عليها في النهاية. ويقول المراقبون السياسيون: إن موافقة المؤتمر على إسقاط عبارة: "أعمال التسلل السياسيّ والحركات الهدامة" من القرار الخاص بالتنديد بالاستعمار يعد نصرًا للشيوعين، ومن تضامنوا معهم، ومعنى هذا: أن الدول الموالية للغرب، والمناهضة للشيوعية اضطرت في النهاية إلى التسليم بوجهة نظر معارضيها. برنامج لتحقيق السلام: ووافق المؤتمر على برنامج لتحقيق السلام في العالم، ويتألف هذا البرنامج من النقاط العشر الآتية:

стр. 523

ثم ذكر المحرر الصحفيّ القرارات العشرة التي ذكرها في مقدمة التقرير. كلمات الوفود: ولما عقد المؤتمر جلسته الختامية في المساء, أبدى نحو عشرين وفدًا رغبتهم في إلقاء كلماتٍ لمناسبة انتهاء أعمال المؤتمر، فتمَّ الاتفاق على تخصيص خمس دقائق لكل وفد. كلمة وفد أفغانستان: وكان أول الخطباء في هذه الجلسة, السردار: محمد نعيم, وزير خارجية أفغانستان, وقد استهلها بقوله: "لقد جئنا إلى هذا المؤتمر وقلوبنا مليئة بأمل عظيم، ونحن نغادره اليوم وقلوبنا مفعمة بأمل عظيم", ثم قال: "لقد أوضحت الدول الآسيوية الأفريقية المشتركة في هذا المؤتمر, أن رغبتها هي ذات الرغبة المشتركة لصون السلم والمعارف الإنسانية". كلمة وفد أندونيسيا: وتكلم بعده السيد: على ساسترو إميد جوجو, رئيس وزراء أندونيسيا فقال: "إن المؤتمر لم يتخذ قرارًا يقيم الأرض ويقعدها، أو يخلق عهدًا جديدًا، ويكاد هذا لا يثير أية دهشة، فالغرض الذي من أجله وجهت الدعوة إلى هذا المؤتمر هو اجتماع زعماء الدول الآسيوية، والأفريقية, لتبادل وجهات النظر بغيةَ تحقيق تفاهم أفضل، وهذا هو ما فعله المؤتمر". وأردف قائلًا: "إن مناقشاتنا قد أظهرت بعض الخلافات، وتعارضًا في الآراء، وكان لا بد أن نتوقع هذا، نظرًا لاتساع الرقعة الجغرافية التي تشغلها الدول الممثلة هنا، وفي هذا العالم المضطرب الذي تسوده الشكوك

стр. 524

وعدم التفاهم, يجب أن نعتبر أيّ تحقيق, وأيّ تفاهم في أي جزء منه مرحلة في سبيل التقدم". كلمة شواين لاي: وتكلم بعده شواين لاي, رئيس حكومة الصين الشيوعية، فبدأ خطابه بالإعراب عن شكره لدول "كولومبو" الخمس, صاحبة فكرة الدعوة إلى هذا المؤتمر، ثم وجَّه التحية إلى رجال الحكومة الأندونيسية التي استضافت وفود المؤتمر، وإلى رئيس هذه الحكومة السيد: علي ساستر وأميد جوجو ومضى فقال: إن المؤتمر سيكون له أثره العظيم في المساعدة على مقاومة الاستعمار، وتأمين السلم، وتحقيق المزيد من التفاهم، وإن أهميته تتضح مما أسفر عنه من تفاهم بين الدول الآسيوية والأفريقية، واتفاق على بعض المسائل الكبرى". ثم قال: "إن هذا المؤتمر قد أظهر الحقيقة الواقعة، وهي أن وجهات نظرنا متباينة فيما يتصل بالكثير من المسائل، وقد ناقشنا جانبًا من هذه الخلافات, ولكنها لم تمنعنا من الوصول إلى اتفاقٍ مشتركٍ على الخطوات المؤدية إلى السلم العالميّ، والاتفاق على المسائل الاقتصادية. ثم أشار إلى أن شعور الدول الآسيوية والأفريقية يشارك بعضها بعضًا ذات المصير، وذات الرغبات، وعرض لموقف حكومته من عدة مسائل, يتناولها البيان المشترك فقال: إن الشعب الصينيّ يعرب عن عطفه التام، وتأييده الكامل لشعوب مراكش، وتونس, والجزائر، في كفاحها للفوز بالحكم الذاتيّ، وكذلك اللاجئين العرب الذين يعملون على نيل حقوقهم الإنسانية. وأعرب شواين لاي أيضًا عن عطف الصين الشيوعية على أندونيسيا, في جهودها لتحرير "غينا" الجديدة من الاستعمار. وقال: إن القرارات التي اتخذها المؤتمر بشأن هذه المسائل وغيرها مما

стр. 525

يساعد على إزالة ما هناك من توترٍ بسببها، ثم تحدث عمَّا تقتضيه الضرورة من تنفيذ أصحاب الشأن في الهند الصينية, للاتفاق الذي تَمَّ في جنيف، كما قال بوجوب عمل ذوي الشأن في كوريا على الوصول إلى حلٍّ عاجلٍ لمشكلات هذه الدولة المجزأة. وهنا أكد شواين لاي حق بلاده في تحرير فرموزا، فقال: "إن الصين والولايات المتحدة يجب أن تتفاوضا وتعملا معًا على إزالة التوتر القائم في الشرق الأقصى، وخاصةً في تايوان، "فرموزا"، وبديهيّ أن هذا لا يؤثِّر بحالٍ من الأحوال في مطالب الشعب الصينيّ العادلة، وهي استخدام ما له من حقوق السيادة في تحرير تايوان "فرموزا". وأخيرًا قال شواين لاي: "إني آمل أن تتكرر كثيرًا الاتصالات بين الدول الآسيوية والأفريقية، وأن تجرى الاتصالات الودية بين شعوب هذه الدول". واختتم كلمته بالإعراب عن أمانيه الطيبة لجميع أعضاء الوفود، وسلامة العودة إلى أوطانهم. كلمة الرئيس جمال عبد الناصر: وألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطابًا في هذه الجلسة الختامية, ضمنه رأيه في المؤتمر، وشكره للدول الداعية إليه، والدولة المضيفة، هذا نصه: "إن مؤتمرنا يقترب من نهايته بعد مداولاتٍ وديةٍ مثمرةٍ استغرقت ثمانية أيام، وقد سبقت هذه الأيام الثمانية استعدادات واسعة النطاق، وجهود بدأتها السكرتيرية المشتركة للمؤتمر، فكانت عظيمة الفائدة حقًّا, ولا شك في أن مؤتمرنا قد أحرز نجاحًا عظيمًا؛ لأن السلم والتعاون الدوليّ سيفيدان فائدةً عظيمةً من التضامن والانسجام اللذين كشفت عنهما قراراته، وأن قضية السلم تستمد إلهامًا عظيمًا بما أبدته جميع الدول

стр. 526

الآسيوية والأفريقية من اهتمامٍ بالغٍ، وتأييدٍ تامٍّ فيما يتصل بمسألة حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير. ثم قال: إن كثيرًا من الفضل في نجاح المؤتمر يرجع للجهود الشخصية للسيد: علي ساسترو جوجو, رئيس المؤتمر، وإلى خبرته، وطول أناته، كما أن روح أعضاء الوفود التي اتسمت بطول الأناة، والرغبة في التوفيق, ساعدت في جعل مداولاتنا تنهج نهجًا إنسانيًّا في الأوقات التي بدا فيها ألّا مندوحة من وقوع الخلاف! واختتم الرئيس عبد الناصر كلمته بشكر الحكومة الأندونيسية, على ما أظهرته من كرم الضيافة، وشكر الدول الداعية إلى المؤتمر لاتخاذها الخطوة الأولى في سبيل عقده. بهذه الطريقة السابقة كتبت "الأهرام" في صفحتها الأولى تقريرها عن هذا "الماجرى الدبلوماسيّ" الخطير الذي تمخض عن القرارات العشرة لمؤتمر باندونج. وقد اتبعت الصحيفة في كتابة هذا التقرير على وجه التقريب, نفس الطريقة المتبعة في كتابة الخبر، ومعنى ذلك: أنها جعلت للتقرير عنوانًا رئيسيًّا كبيرًا هو: مؤتمر باندونج يقرر ١٠: مبادئ لصون السلام العالميّ ثم أعقب ذلك بعنوانات هي: - مناشدته العالم خفض القوات المسلحة. - وتحريم استخدام أسلحة الدمار الشامل.

стр. 527

الرئيس عبد الناصر يشيد بنجاح المؤتمر في جلسته الختامية: وعلى أثر ذلك أتت الصحيفة على القرارات العشرة التي هي ثمرة هذا المؤتمر. ومن كل ما سبق تألف ما يسمى: "صدر الخبر" أو الماجرى، ثم انتقلت "الأهرام" من ذلك إلى "الجسم"، أو الصلب، أو التفاصيل، فرأيناها تجعل لكل تفصيلٍ منها عنوانًا خاصًّا، حتى إذا وصلت إلى الجزء الخاص بالقرارات العشرة أولته عنايةً تامةً، وعادت تكتب هذه القرارات "بالبنط" الأسود، أو الظاهر، وأعطت لكل قرار منها رقمًا مستقلًّا به. ثم عُنِيَ التقرير بعد كل هذا بالخاتمة، وقد اقترنت هذه الخاتمة بكلمات رؤساء الوفود، وقد اكتفى المحرر الصحفيّ بأربع كلمات؛ منها كلمة رئيس الحكومة المصرية, وبها انتهى التقرير. على أن مؤتمر باندونج -بالرغم من سعة رقعته، ونبل غايته- يعتبر نموذجًا صغيرًا للماجريات الدولية، وذلك إذا قيس بالاجتماعات الكبيرة التي تعقدها هيئة الأمم المتحدة, وتدعو إليها أكثر دول العالم كله، بما في ذلك دول الكتلة الشرقية، ودول الكتلة الغربية، ودول الكتلة الآسيوية والأفريقية, التي عقدت أول مؤتمر لها في "باندونج". ولعل من أوضح الأمثلة على جلسات هيئة الأمم منذ نشأتها إلى اليوم, تلك الجلسات العاصفة التي عقدتها الهيئة بسبب "أزمة قناة السويس", وذلك منذ شهر أكتوبر سنة ١٩٥٦. على أن هيئة الأمم المتحدة لم تشهد أخطر ولا أعنف من الجلسات التي عقدتها في أوائل نوفمبر سنة ١٩٥٦، وذلك على أثر العدوان الثلاثيّ المسلَّح على مصر، وهو العدوان الذي دبرته كلٌّ من انجلترا وفرنسا وإسرائيل, في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر عام ١٩٥٦.

стр. 528

غير أن هذه الجلسات العنيفة الخطيرة التي نشير إليها, قامت بتسجيلها على شكل "ماجريات دولية" إذاعة الحكومة المصرية, بما لم يدع للصحف الوطنية أية فرصة لمنافستها في ذلك. والذي لا شكَّ فيه أن الإذاعة المصرية كانت تفرض شخصيتها على هذه الماجريات الدولية، بل كانت تتدخل في طريقة عرض الماجريات بما يتفق ووجهة النظر المصرية البحتة، وكان من حقها أن تفعل ذلك, وأكثر منه, وراء غاية هامة، هي تعبئة الشعور القوميّ الذي كان من أكبر واجبات الصحافة والإذاعة في مصر والشرق, في مثل ذلك الظرف.

стр. 529

تحرير الصورة والإعلان: انتهينا من الحديث عن التحرير بفنونه المختلفة؛ من خبر، إلى مقالٍ، إلى تقريرٍ، وبقيت كلمة أخيرة عن تحرير الصورة، وأخرى عن تحرير الإعلان، ومحرر الأولى يعرف في الأسرة الصحفية، بمحرر الصورة، والمحرر الثاني يعرف: "بمحرر الإعلان". أهمة الصورة: من المعروف أن المعلومات التي تصل إلينا عن طريق الصور والرسوم, ربما كانت أوضح من المعلومات التي تصل إلينا عن طريق الكلمات المكتوبة؛ لأن هذه الأخيرة تتميز بطبيعتها الرمزية. بل إن المعاني التي تعطيها الصور والرسوم قد تكون أقل قابليةً للخطأ وسوء الفهم من المعاني التي تعطيها الكلمات المكتوبة، ثم إن الجاذبية التي نشعر بها نحو الصور والرسوم تضمن إطالة التذكر للشيء الذي تعبر عنه هذه المواد. ونحن نعرف أن الحياة نفسها مليئة بالخبرات العاطفية التي لا تستطيع الكلمات وحدها أن تصف واحدة منها، وذلك كما في حالة الجندي في أثناء تعرفه لنيران الأعداء في إحدى المعارك الحربية، وكما في حالة إنسان سبق أفراده في تسلق جبل شاهق، وكما في حالة إنسان فقد بصره أو سمعه ونحو ذلك. إن الخبرة السابقة الخصبة, والمقدرة اللغوية البالغة, هما شرطان لفهم المشاعر الدقيقة, والمعاني الكثيرة التي تنطبق عليها الإجراءات العاطفية المعقدة.

стр. 530

وكثيرًا ما نمزج الصور بالألفاظ كما في الصحف المصورة ونحوها، وكذلك تحتاج الصور الصحفية إلى قدرة في كتابة الألفاظ المعبرة عنها، وهو ما يسمى: بتحرير الصورة. ومع هذا وذاك, فإن هناك أنواعًا من الصور الممتازة بوضوحها، قادرةً على التعبير عن نفسها بنفسها؛ بحيث لا تحتاج في الحقيقة إلى توضيحٍ ما، والمثال على هذه الأنواع يوجد في مجموعة الصور المعروفة باسم: "أسرة الإنسان" وهي تمثِّل كل أنواع الجنس البشريّ في أجزاءٍ كثيرةٍ من العالم، وتعبِّرُ بالرسم عن "الأخوة البشرية" دون حاجةٍ إلى توضيحات لفظية، إلّا أن أمثال هذه الصورة القوية الدلالة, الشديدة الوضوح, نادرة، ومعنى ذلك أن حاجة الصورة إلى التحرير, أو إلى الألفاظ التي تساعد على فهمها؛ لتبقي حيةً لا غنى عنها إلى الأبد. إن الصور بمدلولها الواسع تعتبر بلا ريبٍ لغةً عالميةً، شأنها في ذلك شأن الموسيقى، ولذا أُثِرَ عن الفيلسوف "كونفشيوس" أنه قال: "إن صورةً واحدةً تعدل ألف كلمة". ولا يخفى علينا ما للصورة من قدرةٍ على محو "الأمية البصرية" إذا صح هذا التعبير، فإن كثيرًا من الناس يعرفون من خلال الصور شيئًا غير قليل من عادات الشعوب البعيدة، وما له دراية بالحياة التي تتبعها ونحو ذلك. وتعتبر الصورة في الصحيفة من أهم وسائل الإعلام والإيضاح في وقت ما, بل إنها تعتبر كذلك من أكبر أدوات الإثارة والتوجيه والإرشاد, وذلك كله فضلًا عن الإعلان. وتتنوع الصورة الصحفية تنوعًا كبيرًا؛ فهناك صور الشخصيات, وصور الأماكن، وصور التجارب، وصور المواقف الإنسانية، وصور الألعاب الرياضية، وهكذا تستعمل الصور في الصحف على أوسع نطاقٍ ممكنٍ حتى ليخيل إلى الصحفيِّ أنه بحاجةٍ إلى أن يضع الصورة بجوار كل فقرة جديدة.
следующие страницы →