← Адаб

Адаб · id 11544

الفن ومذاهبه في النثر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإذا صحت هذه الكلمة لعزى سلمة، فإنها ترينا أن الكهان كانوا يعتمدون في كهانتهم على السجع، كما كانوا يعتمدون على مثل هذه الأقسام، والأيمان بالأرض والسماء، والطير والشمس، وما يتصل بذلك من القمر والنجوم، والكواكب، والأشجار والرياح، وكل ما يظنون أنه يحمل قوى خفية، وأيضا فإنهم كانوا يعتمدون على الإغراب في ألفاظهم للإيهام، والتأثير في نفوس السامعين. وهذه هي نفس السمات العامة التي يمكن أن نستنبطها من خلال النصوص الكثيرة التي رويت من سجعهم، ونحن نرى هذه السمات واضحة في هذه القطعة الصغيرة التي رواها الجاحظ لعزى سلمة، وهي سمات طبيعية، إذ كانوا يلجأون إلى الإيهام في أحاديثهم وأقوالهم، وكانوا يعتمدون في هذا الإيهام على الأقسام، واللفظ الغريب ليتيح لهم ذلك ما يريدون من الوهم في أساليبهم، ومعاني كلامهم. وأكبر الظن أنهم كانوا يبالغون في ذلك حتى تنبهم معانيهم وتغمض دلالاتهم، فيكثر عند السامعين الفهم، ويكثر الاحتمال والتأويل، ولعلنا لا نبعد إذا زعمنا أن الكهان كانوا يبنون سجعهم في كثير من جوانبه على الرمز، فإن كهانتهم كانت تقتضي أن يختاروا ألفاظا موهمة توعظ بما يريدون دون أن تفصح -في كثير من أحوالها- عن دلالة بينه، ومهما يكن فإن حرقة الكهان في هذا العصر أثمرت ضربا طريفا من السجع كان يتكئ على الأقسام، والأيمان الموهمة والألفاظ الغريبة. وأكبر الظن أن فيما قدمنا من حديث عن سجع الكهان، وخطابة الجاهليين وما كان من أمثالهم ما يدل دلالة صريحة على أن ما سلم لنا من بقايا نثرهم، إنما هو شظايا متناثرة من صناعة بليغة كانت تستفيد من أصحابها آمادا واسعة من التعب، والعناء والجهد، والنشاط.

стр. 37

الفصل الثاني: الصنعة في النثر الإسلام ي ١- الإسلام: يفتح الإسلام صفحة جديدة في تاريخ النثر العربي، هي صفحة دين قويم بعث به رسول عظيم، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وينقل العرب وغير العرب من حياة الفوضى، والهمجية والخرافة والوثنية، والعداوة والبغضاء إلى حياة مدنية، قوامها سعادة الجنس البشري وهناءته. ولا يمضي نحو عشرين سنة حتى يجمع محمد ﷺ العرب على هذا الدين الحنيف، ويستأصل ما كان فيهم من جذور همجية، ووثنية وتفكك وتخاصم، فيصبحوا بنعمة الله أمة واحدة تتعاون على الخير والبر والتقوى، ويخروا إلى الأذقان سجدا خشوعا لربهم، ورهبة من عقابه ورغبة في رحمته التي وسعت كل شيء. لم يعد العرب قبائل متنابذة، كما كانوا في الجاهلية، يقتل بعضهم بعضا معظمين للدماء مفاخرين بالأحساب والأنساب، بل أصبحوا جماعة واحدة رحماء فيما بينهم، يسند قويهم ضعيفهم، لا يتحاربون ولا يتخاصمون، بل يتآزرون ويتعاونون، فلا نهب ولا سلب، ولا عصبية قبلية ولا دعوة جنسية، فالمسلمون جميعا من كل القبائل ومن عرب، وغير عرب إخوة لا فضل لغني على فقير، ولا لقوي على ضعيف، بل هم جمعيا سواء، ولا شريف على مشروف، ولا حر ولا عبد. كل منهم يرعى أخاه وحقوقه، وله حريته، ولكن بحيث لا تمس حرية الآخرين، فقد حدد الإسلام لهذه الحرية بتكاليفه الدينية بما حرم بن ضروب الإثم، ما ظهر منها وما بطن.

стр. 38

إنه دين سماوي، تعنو فيه الوجوه للحي القيوم الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، ومد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات، فهو باعث كل حياة. قد أحاطت قدرته كما أحاط علمه بكل شيء، فهو القاهر فوق عباده: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، وإنه ليعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وقد أعذر رسوله الكريم وأنذر، في عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، فإن وراء هذه الحياة حياة أخرى يحاسب فيها المرء على ما قدمت يداه، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فإما الجنة والنعيم، وإما النار والجحيم، والله مع سلطانه وعدله رحيم، وعلى المسلم أن يصدع بأوامره ونواهيه في سره وعلنه، وأن يسير على هدى نبيه، وما شرعه للناس، وأن يأخذ بتعاليمه ووصاياه التي تحقق له السعادة في دنياه وأخراه. وفي هذا الدين الكريم عقائد تتصل بوحدانية الله، والإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر، وأن وراء عالمنا نوعين من الأرواح، نوعا خيرا هو الملائكة، ونوعا شريرا هو الشيطان، وفي الدين أعمال تتصل بعبادة الله وطاعته، هي الصوم والصلاة والزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وإنه ليدعو من آمن به إلى سيرة مستقيمة، فلا بغي ولا عدوان ولا فحش، ولا قتل ولا نهب، ولا نميمة ولا غيبة ولا كبر ولا فخر، بل حياة طاهرة تقية، خلصت من كل الشوائب، وهي حياة وضع لها الدين نظاما اجتماعيا سديدا يكفل للجنس البشري ما يليق به من كمال، إنها رسالة جليلة، ورسالة لم يؤدها أي دين من الأديان على هذه الصورة المثالية، ومن ثم لم تؤثر في العرب وحدهم، بل أثرت في العالم جميعه، ودانت لها الأمم في مشارق الأرض، ومغاربها مقرة بجلالها وجمالها.

стр. 39

القرآن الكريم: كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، نزل به الروح الأمين على قلب الرسول ﷺ منجما مقسطا في ثلاث وعشرين سنة، حتى تستعد القوى البشرية لتلقي هذا الفيض الإلهي، وهو معجزة الإسلام الكبرى، إذ لم يبلغ أي كتاب ديني، أو دنيوي ما بلغه من روعة البيان والبلاغة، ومس المشاعر وأسر القلوب، سواء حين يتحدث عن عظمة الله وجلال، أو حين يشرع للناس ما به صلاح معاشهم، وآخرتهم أو يصور لهم الثواب والعقاب، والفردوس والجحيم، أو يقص عليهم من أنباء الرسل الأولين ما فيه عبرة، ومزدجر للمؤمنين. فقد نزل في أسلوب لا يبارى في قوة إقناعه وبلاغة تركيبه، حتى ليقول الوليد بن المغيرة أحد خصوم الرسول، وقد سمعه يتلو من آياته: "والله لقد سمعت من محمد كلاما، ما هو من كلام الإنس والجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق"١، ويلاحظ الوليد ملاحظة صادقة، هي أن القرآن لا يماثل كلام الإنس، ولا كلام الجن ويلاحظ الذي كان يجري على ألسنة كهانهم، فهو طراز وحده، له سحره البياني، بل له إعجازه الذي انقطعت آمال العرب دونه في محاكاته، أو الإتيان بشيء على مثاله في السيطرة على الألباب والقلوب، وقد تحداهم جل وعز أن يجمعوا أمرهم وكيدهم، فيأتوا بسورة من مثله أو بسور تحاكيه، فعجزوا وذلوا، يقول سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ، ويقول ﵎: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . ويشرح ذلك الجاحظ فيقول: "بعث الله محمدا ﵊ في زمن أكثر ما كانت العرب

стр. 40

فيه شاعرا وخطيبا، وأحكم ما كانت لغة، وأشد ما كانت عدة، فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته، دعاهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة، وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى، والحمية دون الجهل والحيرة نصبوا له الحرب ونصب لهم ... وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن، ويدعهم صباح مساء إلى معارضته إن كان كاذبا بسورة واحدة، أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحديا لهم بها، وتقريعا لهم بعجزهم عنها قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف، فلذلك يمكنك ما لا يمكننا، قال: فهاتوا ولو مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيد ويحامي عليه، ويكابر فيه، ويزعم أنه قد عارض وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم، وسهولة ذلك عليهم، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم، وعارض الشعراء من أصحابه والخطباء من أمته؛ لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله، وأبلغ في تكذيبه، وأسرع في تفريق أتباعه عن بذل النفوس، والخروج عن الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والفضل بطبقات، ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة والقصائد الموجزة، ولهم الأسجاع واللفظ المنثور، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم، فمحال -أرشدك الله- أن يجتمع هؤلاء كلهم في الأمر الظاهر والخطاب المكشوف البين مع التقريع بالتقصير والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد أعمالهم، وقد احتاجوا إليه، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة، وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، كذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه، ويجدون السبيل وهم يبذلون أكثر منه". وكان طبيعيا أن يستكين العرب أمام هذه الذروة الرفيعة من البلاغة والبيان، وهي ذروة ليس لها في اللغة العربية سابقة ولا لاحقة، ذروة جعلت العرب

стр. 41

حين يستمعون إلى آية تعنو وجوهم لربهم، ويخرون ركعا وسجدا مشدوهين بجماله مبهورين ببلاغته، وفي ذلك يقول جل وعز: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ويقول: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . ولا يزال هذا الشعور الذي كان يختلج في قلوب العرب الأولين تخفق به القلوب في كل عصر لما يفتح من آفاق العالم العلوي، ولما يؤثر به في صميم الوجدان الروحي، وهو يمتاز بأسلوب خاص به ليس شعرا، ولا نثرا مسجوعا، وإنما هو نظم بديع، فصلت آياته بفواصل تنتهي بها، وتطمئن النفس إلى الوقوف عندها. وتتنوع الفواصل بين طوال، وقصار ومتوسطة بتنوع موضوعاته وتنوع المحاطبين، فقد كان يغلب عليه الإيجاز والإشارة في بدء الدعوة قبل الهجرة، حين كان يدعو إلى عبادة الله ونبذ الديانة الوثنية، والإيمان بالبعث والنشور، فلما انتقل الرسول ﵇ إلى المدينة غلب عليه البسط، والإطناب لبيان نظم الشريعة، وما ينبغي أن يكون عليه نظام الحياة الاجتماعية، مما تقتضيه مصالح البشر في حياتهم على اختلاف الأزمنة والأمكنة. وقد أثر هذا الكتاب العظيم آثارا بعيدة في اللغة العربية، فقد حول أدبها من قصائد في الغزل والحماسة، والأخذ بالثأر والفخر ووصف الإبل، والخيل والسيوف والرماح، ومن حكم متناثرة لا ضابط لها ولا نظام، إلى أدب عالمي يخوض في مشاكل الحياة والجماعة، وينظم أمورها الدينية والدنيوية. فارتقى الأدب العربي رقيا لم يكن يحلم به العرب، واتسعت آفاقه. وعادة يشير مؤرخو هذا الأدب إلى بعض ألفاظه التي ابتدأها ابتداء مثل القرآن، والفرقان والكافر والمشرك والمنافق، والصوم والصلاة والزكاة، فمدلولات هذه الألفاظ لم تكن حتى كان، والحق أنه جميعه بألفاظه ومعانيه المختلفة يعد ابتداء، بما علم العرب من أسس الإسلام ومبادئه، وبما بين لهم من ماهية الحياة بعد الموت ومن البعث، والنشور ورسالة الرسل، وعبادة الله الواحد الأحد، وبما نظم لهم من حياتهم في الأسرة والجماعة تنظيما ماديا وأدبيا وعقليا وروحيا، تنظيما يكفل لهم الكمال

стр. 42

البشرى والسعادة في الدارين، وعلى نحو ما جمع العرب على دين واحد جمعهم على لهجة واحدة من لهجات اللغة العربية، هي لهجة قريش، وكانت قد سادت في الجاهلية على لهجات القبائل العدنانية الشمالية، فأتم لها هذه السيادة على لهجات القبائل اليمنية الجنوبية، وكانت هي التي حملها العرب معهم في فتوحاتهم، فانتشرت في العالم الإسلامي جميعه من الصين والهند إلى المحيط الأطلسي، وجبال البرانس، إذ كانت تلاوته قرضا مكتوبا على المسلمين، قال جل شأنه: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ ، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ، وبذلك كان للقرآن الكريم الفضل العظيم في حفظ اللغة العربية، وذيوعها وانتشارها في ملايين الناس مدى أجيال متعاقبة، بل مدى قرون مترادفة إلى اليوم. فالقرآن هو الذي حفظ اللغة العربية القرون المتطاولة السابقة، وقد حول العربي من إنسان جاهل يؤمن بالخرافات إلى إنسان محب للعلم مشغوف بالمعرفة، يطلبها أينما كانت، ولم يلبث أن فتح له الأرض، فدخلت إلى العربية أمم شاركت في لسانها وأدبها، وتعاونت في تلك النهضة الروحية والاجتماعية والأدبية والعلمية، ومن الحق أن كل ما كسبته لغتنا من آداب في الشعر والنثر، ومن علوم شرعية ولسانية وعقلية فلسفية، إنما كان بفضل القرآن، بل لقد تعدت آثاره لغته العربية إلى لغات الأمم الإسلامية التي لا تنطق بلغته، ولنتصور العرب لم يرسل إليهم الرسول ﷺ ، ولا نزل فيهم الذكر الحكيم إذن لما فارقت لغتهم جزيرتهم، ولظلوا وثنيين في تنابذ وشقاق، وحروب طاحنة، بل لعل لغتهم كانت قد اندثرت كما اندثرت لغات قديمة كثيرة، فالقرآن هو الذي نفخ في روحها، وهو الذي أتاح لها الحياة على توالي القرون، وهو الذي نقلها من لغة بداوة إلى لغة مدنية، حتى أصبحت لغة عالمية لأمم كثيرة اتخذتها لسان ثقافتها وآدابها، ولا يوجد في تاريخ البشرية كتاب له هذه الآثار العظيمة في لغته، وتغيير أحوال من آمنوا به، بل هو يقف وحده في هذا الباب، إنه مفخرة العرب ومعجزة الإسلام، وآيته الباهرة.

стр. 43

الحديث النبوي: حديث الرسول صلوات الله عليه هو الأصل الثاني للإسلام، وهو يشمل كل ما جاء عنه من قول أو فعل أو تقرير، وقد يسمى ذلك السنة. وترجع أهميته إلى أنه يتمم القرآن في بيان أحكام الشريعة الإسلامية، فالصلاة مثلا ذكرت في القرآن مجملة، فبين الحديث كيفيتها وأوقاتها، وكذلك الشأن في الزكاة فإن الحديث هو الذي بين قواعدها التي بجب اتباعها في جمعها وتوزيعها. وهناك آيات في الذكر الحكيم يحتمل وجوها مختلفة من المعاني، والحديث هو الذي يشرح المراد منها، وهذا إلى كثير من شئون الدين التي يستقل الحديث ببيانها. ومنذ عصر الرسول يهتم المسلمون بالحديث عملا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، فكانوا يأتمون به كما كانوا يأتمون بالقرآن الكريم وما شرع لهم، ويدل على ذلك أكبر الدلالة ما يروى من أن الرسول حين أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن سأله: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسوله١. فرواية الحديث كانت معروفة في حياة الرسول، وكانت كل قبيلة تأخذ معها معلما يعلمها القرآن والسنة النبوية. وكثيرا ما كان يعقب الرسول على أحاديثه وخطبه بقوله: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب"٢، ولما توفي الرسول، ودخل الموالي في الإسلام أخذوا يحاولون معرفة كل شأن من شئون الرسول، ليقتدوا به، ولم يكن العرب يقلون عنهم شغفا بتلك السيرة العاطرة. كل ذلك دفع المسلمين إلى رواية الحديث، غير أنه لم يدون بصفة عامة إلا على رأس المائة الأولى للهجرة، أما قبل ذلك فكان هناك من يدونونه ومن لا يدونونه، وترى عن الرسول أحاديث مختلفة يدعو بعضها إلى تدوينه،

стр. 44

ويدعو بعض آخر إلى عدم تدوينه١، ولعله كان يخشى إن دون أن يختلط بالقرآن، أو أن يشغل المسلمين عنه، وفي الوقت نفسه لم يجد مانعا في بعض الأحيان من أن تكتب عنه بعض الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، وإذا انتقلنا إلى عصر الصحابة، وجدناهم يكرهون غالبا تدوين الحديث٢. بينما يعنون بروايته، وأشار نفر منهم على عمر أن يدونه. فلبث شهرا يستخبر الله في ذلك، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا أناس من أهل الكتاب قلبكم قد كتبوا مع كتاب الله كتبا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدًا٣، ومضى الصحابة لا يدونون الحديث تدوينا عاما مكتفين بروايته، وظلت هذه هي الفكرة الشائعة في عصر التابعين٤، ولكن بمضي الزمن تزداد الرغبة في تدوينه، حتى إذا كان عهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى للهجرة رأيناه يأمر بتدوينه٥، ولا مشاحة في أن أول من دونه تدوينا عاما هو ابن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٢٣هـ، ومنذ هذا التاريخ أخذ تدوين الحديث يتسع، وأخذ يصنف ويبوب على الأحكام الفقهية، حتى يسهل الرجوع إليه في أمور الدين، على نحو ما نجد في كتاب "الموطأ" للإمام مالك إمام أهل المدينة المتوفى سنة ١٧٩ للهجرة، ولا نصل إلى أواسط القرن الثالث، حتى يضع فيه ابن حنبل مسنده الكبير، وتتلوه كتب الصحيح الستة، للبخاري ومسلم وأبي داود، والترمذي وابن ماجه والنسائي. ووضع حول الحديث منذ العصر الأول في روايته سياج محكم، حتى لا يدخل فيه الوضع والانتحال، وحتى تظل الثقة قائمة به، وخاصة؛ لأنه

стр. 45

تأخر تدوينه تدوينا عاما. وقد كفل له من ذلك ما يملؤنا إعجابا بعلمائه ورواته، فقد اشترطوا شرواطا كثيرة في حملته، وأقاموا من أجله علما برأسه، يسمى مصطلح الحديث ميزوا فيه بين أنواع صحيحة وضعيفة، كما ألفوا كثيرا في رجاله ورواته، حتى يقفوا على درجة صدقهم، وقد أفردوا لضعيفه كما أفردوا لصحيحه مؤلفات كثيرة على نحو ما صنع ابن حبان وغيره، وكذلك أفردوا مؤلفات لموضوعاته، ومفترياته على نحو ما صنع السيوطي في كتابه "اللآلئ المصنوعة". وبذلك حافظ المسلمون على حديث الرسول صلوات الله عليه، وإن كانوا قد أجمعوا على أنه في جملته روي بالمعنى ولم يرو باللفظ، بسبب تأخر تدوينه، ولعل ذلك ما جعل علماء الكوفة والبصرة، وبغداد لا يحتجون به في إثبات لغة العرب والاستدلال على القواعد النحوية، واللغوية التي دونوها، فقد تداوله الأعاجم، والمولدون قبل تدوينه تدوينًا عامًّا. والذي لا شك فيه أنه ﵇ لم يكن ينطق إلا عن ميراث حكمة، وأنه أوتي جوامع الكلم، وكان يكره الإغراب في اللفظ والتعسف والتكلف، ويكفي في بيان روعة تعبيره وبلاغة كلامه، وتراكيبه ما يقوله الجاحظ في كتابه البيان والتبيين من أنه "لم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد ويسر بالتوفيق، وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام ... لم تسقط له كلمة، ولا ذلت به قدم ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار ... ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج١ إلا بالحق ولا يستعين بالخلابة ... ولم يسمع الناس بكلام قد أعم نفعا، ولا أقصد لفظا ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى ولا أبين في فحوى من كلامه

стр. 46

صلى الله عليه وسلم"١. وقد تداول العرب والمسلمون من كلماته الجامعة بعض أمثال لم يتقدمه فيها أحد، من ذلك قوله٢: مات حتف أنفه٣ -كل الصيد في جوف الفرا٤- إذن لا ينتطح فيها عنزان - يا خيل الله اركبي- لا يلسع المؤمن من جحر مرتين -هدنه على دخن٥ وجماعة على أقذاء- الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة٦ -إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى٧- إياكم وخضراء الدمن٨ -الآن حمي الوطيس٩. على أنه ينبغي أن نعرف أن الأمثال لم يعد لها منذ ظهور الإسلام خطورتها في تاريخ النثر العربي، فقد تغيرت الحياة العربية من قواعدها، ولم تعد تحتكرها الأمثال، إذ أخذ العرب يشغلون عنها بتلاوة القرآن ورواية الحديث، واتخذوا منهما وموعظتهم، وحتى الشعر كف كثيرون من شعرائهم عن نظمه١٠.

стр. 47

٢- الخطابة في صدر الإسلام: الرسول ﷺ أخطب العرب قاطبة، وقد كان يخطب في قريش كثيرا يدعوها إلى دينه الحنيف١، والدخول في طاعة الله ومحبته، ولما هاجر إلى المدينة أصبحت الخطابة فريضة مكتوبة في صلاة الجمعة والعيدين. وبذلك عرف العرب ضربا منظما من الخطابة الدينية لم يكونوا يعرفونه في الجاهلية، إذ كانت خطابتهم -كما أسلفنا- اجتماعية، وكانت تدور غالبا على المنافرات والمفاخرات، وقد دعا الإسلام إلى نبذ التفاخر، والتكاثر بالأحساب والإنسان، ومن ثم اختفى من حياتهم هذا اللون من الخطابة. وتحتفظ كتب الحديث الصحيحة٢ بتقاليد الرسول صلوات الله عليه في خطابته سواء في صلاة الجمعة، أو صلاة العيدين، إذ كان يخطب في الصلاتين خطبتين يجلس بينهما، وكانتا تدوران على تبيين ما شرع الله لعبادة في شئون دينهم ودنياهم، وما ينبغي أن يسود مجتمعهم من مثالية خلقية رفيعة، ومن روابط اجتماعية وثيقة، وبجانب ذلك كان الرسول يخطب في الأحداث، وعند المناسبات. ومن المحقق أنه خلف تراثا ضخما من الخطب، غير أن ما احتفظت به كتب الأدب والتاريخ من ذلك قليل، ولا ترجع قلته إلى قصر خطبه، فقد كان يطيل خطبه أحيانا، وفي بعض المناسبات إلى ساعات٣ يعظ الناس ويدعوهم إلى التفكر في الكون، وخالقه، ومدبره. وأكبر الظن أن خطبة أصابها ما أصاب خطب الجاهلية، فإنها لم تدون لحينها، وبعد العهد بين عصرها وعصر تدوينها، ومع ذلك فقد احتفظت ذاكرة الرواة ببقايا منها تحمل لنا خصائصها، من ذلك

стр. 48

أنه خطب بعشر كلمات: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال١: "أيها الناس! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمنين بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت. فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار". والخطبة على قصرها توضح لنا كيف كان الرسول يعظ أصحابه، ويدفعهم دفعا إلى العمل الصالح، قبل أن يلبوا داعي الموت، فتبور تجارتهم، ويذهب هباء عملهم، وإنهم لمعروضون على ربهم، فموفون حسابهم، فأما من اتبع هدى الإسلام، فمصيره الجنة إلى وصفها القرآن الكريم فأسهب في وصفها، وأما من أعرض وتولى، ولم يذكر اسم ربه ولا صلى، ولا أخلص عمله لوجهه، فمصيره النار التي أطنب القرآن في بيان عذابها. ولم تكن خطبه مواعظ فحسب، بل كانت أيضا تشريعا، وتنظيما لحياة هذه الأمة التي أخرجت للناس في خير مثال تأمر بالمعروف، وتتناهى عن المنكر، ويتعاون أفرادها على البر والخير مما فيه صلاحهم وصلاح مجتمعهم، ولعل خير خطبة تشريعية تصور كيف كان ينظم هذا المجتمع الروحي، ويرسي قواعده خطبته في حجة الوداع، وهي تمضي على هذا النحو٢: "الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم، عباد الله، بتقوى الله وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو

стр. 49

خير، أما بعد، أيها الناس! اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس! إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد". فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع١، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب -وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب- وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السدانة٢ والسقاية٣. والعمد قود٤، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس! إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ ٥ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ . إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس! إن لنسائكم علكيم حقا، ولكم عليهن حق. لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم،

стр. 50

ولا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن ١، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح ٢، فإن انتهين وأطعنكم فعلكيم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان ٣، لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد". أيها الناس! إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله. ألا هل بغلت؟ اللهم اشهد، أيها الناس! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير. وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. قالوا: نعم، قال: فليبلغ الشاهد الغائب. "أيها الناس! إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا تجوز وصية لوارث في أكثر من الثلث، والوالد للفراش وللعاهر الحجر ٤. من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ٥ ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". وواضح أن الخطبة تبدأ بحمد الله، واستغفاره والتوبة إليه والاستعاذة من شرور النفس، وسيئات العمل ونقائصه، وتقترن بالشهادتين، وتوصية المسلمين بعبادة الله وطاعته، كما تقترن بكلمة "أما بعد". ويمضي الرسول ﵇

стр. 51

فيبين أن دماء المسلمين حرام كأموالهم، فلا قتل ولا نهب ولا سلب، فقد انتهى قتل النفس المحرمة، وانتهى قطع الطرق، وانتهت الخيانات بجميع ضروبها، فمن كانت عنده أمانة لا يخنها، بل فليؤدها مستوفاة إلى صاحبها، إنه مجتمع ديني جديد، تتوثق فيه الروابط، فلا ربا ولا أخذ بثأر، وقد تداعت مآثر الجاهلية سوى سدانة الكعبة وسقاية الحجيج، فهما مأثرتان ضروريتان للجماعة، وهما لذلك باقيتان، أما شريعة الأخذ بالثأر التي كانت قوام حياتهم في الجاهلية، فقد قضى عليها الإسلام، إذ جعل حق الدم للدولة، فالقاتل المتعمد تقتله الدولة بصاحبه، أما من قتل خطأ فديته مائة ناقة لا تزيد. ويخوفهم الرسول من الشيطان، وما يدعو إليه من الشرور فقد انتهت عبادته، ولكن لم تنته أطماعه في تضليل الناس عن الجادة. وأيضا فإنه انتهى عهد التلاعب في الدين، وفي الأشهر الحرم. ولا ينظم الرسول العلاقات بين الفرد، وجماعته الكبرى من الأمة فحسب، بل ينظمها أيضا بينه وبين جماعته الصغرى من الأسرة، فيدعو إلى رعاية حقوق المرأة، وأن يعاملها الرجل برفق ورحمة، وقد رفع الإسلام من شأنها، ووضعها في المكان اللائق بها، فكفل لها حرية التصرف في مالها كما كفل لها حق اختيار زوجها. ويدعو الرسول إلى دعم الروابط بين أفراد الأمة، فالمسلمون جميعا إخوة متساوون في الحقوق والواجبات، لا غني ولا فقير ولا أسود ولا أبيض، ولا عربي ولا عجمي، فالجميع سواء، ولا فضل إلا بالتقوى والعمل الصالح. ويشير إلى ما شرعه القرآن من نظام التوريث الجديد، ويقرر أن المورث لا يحق له أن يحرم ورثته من ماله، ويعطيه شيئا من الحرية، فيجعل له الحق أن يوصي لورثته ببعض ماله، ولكن على أن لا يزيد عن ثلثه، ويعرض لمشكلة كبرى من مشاكلهم، هي الأبناء غير الشرعيين الذين ولدوا في الجاهلية، فينسبهم إلى أصحاب الفراش، وكان من عادتهم أن ينسبوا إلى غير آبائهم، فقضى على تلك العادة السيئة حفظا للأنساب.

стр. 52

وعلى شاكلة الخطبتين السالفتين كانت خطابة الرسول، فهي إما موعظة حسنة وترغيب وترهيب، وبيان لمسئولية المسلم الخلقية وأنه محاسب بين يدي ربه عن كل ما قدم في حياته، وهو يضح ذلك أمام عينيه ليصلحه، ويقوم نفسه ويسمو به في مراقي الكمال، وإما تشريع وتنظيم لمجتمعه، وما ينبغي أن يسود فيه من عوامل الخير ودواعيه، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، فلا بغي ولا عدوان، بل تآزر وتعاون في قيام هذا المجتمع السليم. ومن المحقق أن الرسول كان في خطابته -كما كان في حديثه- لا يستعين بخلابة ولا تزويق، وقد برئت ألفاظه من الإغراب والتعقيد والاستكراه، وهي مع ذلك ألفاظ جزلة لها بهاء ورونق، تعمر بها القلوب والصدور، وترتاح إليها الأسماع والأفئدة، فتجتمع لها النفوس المتباينة الأهواء، وتساق إليها بأزمتها، إذ تلتحم بمعانيهم وما تدعو إليه من سبيل الرشاد، وهي -بلا ريب- مثل أعلى في البراعة والدقة، ونقصد دقة الحس ولطف الشعور، ولعل مما يدل على ذلك قوله: "لا يقولن أحدكم: خبيث نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي"١، فقد كره أن يضيف المسلم الخبث إلى نفسه. ونؤمن بأن هذه العناية بحسن منطقه لم تكن نتاج تحبير، أو تكفير إنما طانت نتاج ما خوله الله من نعمته في بيانه الرائع. وليس في خطبتي الرسول السالفتين سجع، ومن المؤكد أنه لم يكن يستخدم السجع في خطابته، بل كان ينفر منه بسبب استخدام الكهان له في الجاهلية على نحو ما مر بنا في الفصل السابق، ولذلك صد عنه كما صد عنه خلفاؤه. روى الطبري أن عمر بن الخطاب، سأل صحارا العبدي البليغ المشهور عن مكران الفارسية أثناء غزو المسلمين لها، فقال صحار: "يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جبال، وماؤها وشل٢، وتمرها دقل٣، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، إن كثر الجند بها جاعوا، إن قلوا بها

стр. 53

ضاعوا، فقال عمر: أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال صحار: بل مخبر:١. وواضح أن عمر أنكر عليه استخدامه للسجع في كلامه. ويروي الرواة أن عبد الله بن الزبير تكلم بكلام مسجوع عند معاوية، فقال له: "تعلمت السجاعة عند الكبر"٢، وفي أخبار معاوية أنه كتب إلى رجل كتابا، فأملى على كتابه: "لهو أهون علي من ذرة، أو كلب من كلام الحرة"، ثم استدرك قائلا لكاتبه: "امح من كلاب الحرة، واكتب من الكلاب"٣. فالخلفاء كانوا يكرهون السجع لنهي الرسول، صلوات الله عليه عنه. وليس معنى ذلك أنه انمحى محوا من خطابة هذا العهد، فالجاحظ يقول: "كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فتكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة"٤، ومن يرجع إلى حروب الردة يرى بعض المتنبئين مثل مسيلمة الكذاب يتكهنون، ويسجعون في كهانتهم، وكان مسيلمة خاصة "يسجع السجاعات، ويقولها مضاها للقرآن"٥، ويقول الجاحظ: إنه "عدا على القرآن فسلبه، وأخذ بعضه وتعاطى أن يقارنه"٦. وقد انتهت هذه الموجة من سجع المتنبئين بانتهاء حروب الردة، ولكن السجع بعامة لم ينته معها تماما، فقد ظلت الخطباء تسجع بين يدي الخلفاء على نحو ما يلاحظ الجاحظ. وإذا نظرنا فيما أثر من خطب عند أبي بكر الصديق، ومن تبعه من الخلفاء الراشدين، وجدناهم يقتدون بالرسول في خطابتهم، فهم لا يستخدمون السجع فيها، وهم يفتتحونها بحمد الله، وتمجيده والصلاة على رسوله ويوشونها بآيات من القرآن الكريم، وببعض أحاديث نبيه العظيم، مستمدين من هذين الينبوعين الغزيرين في وعظهم، وفيما يسوقونه من وصايا وتعاليم. وكان الصديق في الذروة

стр. 54

من البلاغة ومن البيان والفصاحة، ومن خطبة له١: "إلا إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك: ألا إن الفقراء هم المرحومون، ألا وإنكم اليوم على خلافة النبوة، ومفرق المحجة٢، وإنكم سترون بعدي ملكا عضوضا٣، وملكا عنودا٤، وأمة شعاعا٥، ودما مفاحا٦، فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة، يعفو لها الأثر، وتحيا بها الفتن، وتموت لها السنن، فالزموا المساجد واستثيروا القرآن واعتصموا بالطاعة، ولا تفرقوا الجماعة". وكان كثيرا، ما يخطب في الجيوش الخارجة إلى الغزو، فيوصيها ويوصي قادتها باتباع هدى الإسلام، وبالجهاد في سبيله وله وصية مشهورة يوصي فيها عمر حين استخلفه عند موته بتقوى الله، واتباع الحق حتى لا يلقي بيده إلى التهلكة٧، وهو في كل ما أثر عنه يحسن اختيار لفظه، في أسلوب مرسل يشف عن دقة حسه، ومعرفته بمواضع الكلم، ولعل مما يدل على ذلك أنه مر برجل معه ثوب، فقال له: أتبيع الثوب؟ فقال: لا، عافاك الله، فقال أبو بكر: لقد علمتم لو كنتم تعلمون، قل: لا، وعافاك الله"٨. وكان عمر بن الخطاب مثل صاحبه في الأفق الأعلى من روعة البيان والخطابة، وله خطب تدور في كتب الأدب والتاريخ نكتفي منها بهذه القطعة٩: "اقدعوا١٠ هذه النفوس عن شهواتها، فإنها طلعة١١، وإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية، وحادثوها بالذكر فإنها سريعة الدثور١٢، إن هذا

стр. 55

الحق ثقيل مريء١، وإن الباطل خفيف وبيء٢، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة، ورب نظرة زرعت شهوة وشهوة، أورثت حزنا طويلًا". وله وصايا كثيرة يوصي فيها قواد الجيوش الفاتحة بجنودهم، وبمن يغزونهم من الأمم، ومن أروع وصاياه وصية للخليفة من بعده، ونسوق منها بعض نصائحه له، يقول٣: "أوصيك بتقوى الله لا شريك له، وأوصيك بالمهاجرين الأولين خيرًا: أن تعرف سابقتهم، وأوصيك بالأنصار خيرا، فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئتهم، وأوصيك بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء٤ العدو، وجباة الأموال والفيء٥ لا تحمل فيئهم إلا عن فضل منهم، وأوصيك بأهل البادية خيرا. فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام: أن تأخذ من حواشي٦ أموال أغنيائهم فترد على فقرائهم، وأوصيك بأهل الذمة٧ خيرًا: أن تقاتل من ورائهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، وأوصيك بتقوى الله وشدة الحذر منه، ومخافة مقته أن يطلع منك على ريبة. وأوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وأوصيك بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم، وثغورهم٨ ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم.. وآمرك أن تشتد في أمور الله وفي حدوده، ومعاصيه على قريب الناس وبعيدهم.. واجعل الناس سواء عندك لا تبالي على من وجب الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله مما أفاء الله على المؤمنين، فتجور وتظلم، وتحرم نفسك من ذلك ما قد وسعه الله عليك".

стр. 56

والوصية طويلة، وهي أشبه بدستور قديم، يضمنه عمر مواد الحكم كما في شريعة الله وسنة رسوله، وهي تجري -شأنها شأن خطبه- في هذا الأسلوب الناصع البريء من الفضول ومن التكلف، والذي يملأ السمع بجزالته ورصانته وقوته، وكان خطيبا لا يبارى في مخارج كلامه، حتى قالوا: إنه كان يستطيع أن يخرج الضاد من أي شدقيه شاء١. ولم يكن عثمان يبلغ من الفصاحة والبيان مبلغ صاحبيه، ويروى أنه صعد المنبر ذات يوم، فأرتج عليه، فقال: "إن أبا بكر وعمر كان يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب"٢. وأما علي بن أبي طالب، فإنه لم يكن يقل عن أبي بكر وعمر شأوا في خطابته، وقد أثرت عنه خطب كثيرة، ولا نقصد الخطب التي يحتويها بين دفتيه كتاب "نهج البلاغة"، فأكثره مصنوع ومحمول عليه، وقد أشار إلى ذلك كثير من العلماء، واختلفوا هل هو من عمل الشريف المرتضى المتوفى سنة ٤٣٦ للهجرة، أو هو من عمل أخيه الشريف الرضي المتوفى سنة ٤٠٦ للهجرة، يقول ابن خلكان في ترجمة أولهما بكتابه وفيات الأعيان: "قد اختلفت الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب ﵁، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي، وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه". ويردد هذا الكلام اليافعي في مرآة الجنان٣، وابن العماد في شذرات الذهب٤، ويؤكد الذهبي في ميزان الاعتدال أن الشريف المرتضى هو الذي وضعه٥، ويذهب مذهبه ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان، يقول: "من طالع نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي ﵁، ففيه السب والصراح، والحط على السيدين:

стр. 57

أبي بكر وعمر ﵄، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنفس القرشيين الصحابة، وبنفس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل"١. ويذهب النجاشي المتوفى سنة ٤٥٠ للهجرة في كتابه "الرجال" إلى أن مؤلف الكتاب هو الشريف الرضي٢، وهذا هو الصحيح بشهادة الرضي نفسه، وشهادة شراح كتابه، فقد ذكر في الجزء الخامس المطبوع من تفسيره أنه هو الذي ألفه، ووسمه باسمه نهج البلاغة٣، كما ذكر ذلك في كتابه "مجازات الآثار النبوية"٤ ونجد ابن أبي الحديد المتوفى سنة ٦٥٥ في شرحه للكتاب يعترف بأن خطبته من عمل الشريف الرضي، ويذهب ابن ميثم البحراني في شرحه عليه إلى أنه من تأليف الشريف. وإذن فالكتاب من عمل الشريف الرضي وصنعه، ويظهر أنه لم يؤلفه جميعا، فقد أضاف قبله كثير من أرباب الهوى، وفصحاء الشيعة خطبا، وأقوالا إلى علي بن أبي طالب، يدل على ذلك ما جاء في مروج الذهب للمسعودي إذ يقول: "الذي حفظ الناس عن علي من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولا وعملا"٥، وكأن الشريف الرضي وجد مادة صاغ منها كتابه، وهي مادة بنيت على السجع، وفي ذلك نفسه ما يدل على كذب نسبتها إلى علي، إذ ليس من الطبيعي أن يسجع علي في خطابته، بينما ينهى الرسول الكريم عن السجع، ويتحاماه أبو بكر وعمر وعثمان في خطابتهم. ومعنى هذا كله أنه لا يصح الاعتماد على هذا الكتاب في تصور خطابة علي، وأنه ينبغي الرجوع إلى المصادر الأولى، مثل البيان والتبيين للجاحظ، وقد روى

стр. 58

طرفا من خطبة وكلامه ومواعظه، وقد دفعته حروبه مع طلحة والزبير وعائشة، ثم مع معاوية إلى أن يكثر من دعوة جنوده إلى جهاد أعدائه، وتحميسهم للكفاح، والنضال في سبيل مبدئهم وفكرتهم١. ولعل في كل ما قدمنا مايدل على نهضة الخطابة في هذا العصر الأول من عصور الإسلام، إذ أتيح لها من نبوة الرسول، ورسالته وبيانه وبلاغته ما اتخذه خلفاؤه الراشدون لهم إماما، وفرق بعيد بين خطب هذا العصر، وخطب الجاهلية، فالأخيرة جمل وصيغ لا رابط بينها تأخذ في الأكثر شكل حكم متناثرة، يسردها الخطيب سردًا، أما في هذا العصر، فقد أصبح للخطبة غاية دينية واضحة تسمو بالعربي في مراقي الفلاح الروحي، وقد تخوض في تنظيمات حربية أو اجتماعية، وكل ذلك معناه أنها أصبحت ذات موضوع تدور عليه، وأنها رقيت رقيا بعيدا.

стр. 59

٣- الخطابة في العصر الأموي: ازدهرت الخطابة في هذا العصر، وقد عملت في هذا الازدهار، وهيأت له أسباب مختلفة، منها السياسي، ومنها الديني، ومنها القعلي، أما من حيث السياسة، فقد كثرت الأحزاب السياسية المعارضة لبني أمية، وكثر مشعلو الفتن والحروب الداخلية. ومعروف أ، الدولة الأموية قامت على أنقاض فتنة عثمان، وما انتهت إليه من حروب صفين بين علي ومعاوية، وبمجرد أن قبل علي التحكيم خرج عليه فريق من جيشه سمي الخوارج، وشهروا سيوفهم في وجهه، وعبثا حاول العودة بهم إلى صفوفه، فحاربهم وتصدى له أحدهم فقتله، وخلص

стр. 60

الأمر لمعاوية وخلفائه من بني أمية، فظل هؤلاء الخوارج ينازلونهم، ويعدون دار المسلمين دار حرب، فيجب أن يجاهدوهم، إذ جعلوا الخلافة في قريش، وهي ليست حقا من حقوقها وإنما هي حق لله، وينبغي أن يليها من يستحقها بمشورة المسلمين، وأن يكون خيرهم تقوى وزهدا وورعًا، ولو لم يكن قريشا، بل لو كان عبدا حبشيا. وقد تعددت فرقهم، وأهمها الأزارقة في فارس، والنجدات في اليمامة وحضرموت والبحرين، والصفرية في الموصل وشمالي العراق، والإباضية في اليمن وحضرموت. ولا نتقدم إلى عصر يزيد بن معاوية حتى يرسل شيعة علي إلى ابنه الحسين أن يفد عليهم في الكوفة لمبايعة، وإعلان الثورة على بني أمية وصاحبهم يزيد، وما يكاد يلم بالعراق حتى يقعدوا عن نصرته، فيسفك دمه، ويندمون على ما كان من تضييعه، ويتجهون إلى الدعوة السرية لأبناء علي، ومن حين إلى حين تنشب ثوراتهم، ولعل أهمها ثورة المختار الثقفي لعهد مصعب بن الزبير، ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين لعهد هشام بن عبد الملك، وقضى الأمويون على الثورة الأخيرة بينما قضى مصعب على ثورة المختار، وكان هذا الحزب الشيعي يؤمن بأن الخلافة من حق أبناء علي فهم ورثة الرسول ﷺ ، وهم لذلك ورثتها الشرعيون، وقد ذهبوا إلى أن إمامة علي نص عليها الرسول، ومن هنا تأتي عقيدة الوصية التي يدين بها الشيعة جميعا، كما يدينون يعقيدة المهدي، وهو الإمام المنتظر الذي يخلص العالم مما فيه من شرور، وأسباب مختلفة جعلت الفرس يدخلون في هذه العقيدة، إذ كانوا قبل الإسلام يؤمنون بتوارث الملك في أسرة بعينها، على هذا القياس يصبح أحق الأسر القرشية بالملك العربي بني هاشم، وأبناء علي خاصة، فهم أقرب الناس إلى الرسول، وأيضا فإن عليا كان يسوي بينهم، وبين العرب في الحقوق بينما كان يضطهدهم الأمويون وولاتهم، ولعل شيئا من تشيعهم يرجع إلى كرههم لمن غلبوهم على بلادهم، وكأنما رأوا فيه ضربا من المقاومة لهؤلاء الغالبين. وبجانب الحزبين السابقين، حزبي الشيعة والخوارج، توالت الثورات على

стр. 61

بني أمية، فثار عبد الله بن الزبير في الحجاز أثناء خلافة يزيد، واستقل بها نحو عشر سنوات، وتبعته العراق ومصر، إلا أن عبد الملك بن مروان استطاع القضاء عليه، وثار في العراق وإيران عبد الرحمن بن الأشعث، ودوخ الحجاج طويلًا قبل أن يقضي على ثورته. وفي أوائل القرن الثاني للهجرة ثار بالعراق أيضًا يزيد بن المهلب، وكان مصيره ابن الأشعث، ولا نصل إلى أواخر هذا العصر حتى يجمع أمرهم في خراسان، ويؤلفوا جيشا يقضون به على الدولة الأموية قضاءً مبرمًا. وهذه الأحزاب والثورات لم تكن تستعين في انتقاضها على الأمويين بالسيوف فحسب، بل كانت تستعين بالخطب والخطباء يدعون لها، ويحمسون الناس على الانفضاض عن بني أمية، ومن المهم أن نعرف أن السياسة على ألسنة هؤلاء الخطباء كانت تقترن بالدين لسبب بسيط، وهو أن الخليفة عند المسلمين يعد إمامهم الذي تنتظم به مصالحهم، وقواعد ملتهم على مقتضى الشريعة الإسلامية. وبجانب هذا السبب السياسي الذي دلع الخطابة، وسعر بها الفتن والثورات على الأمويين سبب ديني خالص، إذ أسست في كل بلد إسلامي مدرسة دينية تعلم الناس أصول دينهم وفروعه، وكان العلماء القائمون عليها كثيرًا ما يختلفون، فيتحاورون في وجهات نظرهم١. ولم تلبث أن انبثقت أبحاث كثيرة، ومناقشات طويلة في القدر، وإرادة الإنسان ومدى حريته، وفي الإيمان وهل من الضروري له أن يرافقه العمل، وفي صفات الله وهل هي عين الذات الإلهية، وسرعان ما ظهرت فرق الجبرية والقدرية والمرجئة، فكان ذلك باعثا على ظهور المناظرات، وهي فرع مهم من فروع الخطابة. وليس هذا فحسب ما أنتجه الدين في خطابة القوم، فدق بقي ركنان مهمان هما القصص والوعظ، إذ كانت هناك طائفة تعرف بالقصاص، تفسر

стр. 62

القرآن الكريم، وتمزج تفسيرها بقصص كثيرة تستمدها من موروثات أهل الكتب السماوية، وكانوا يستغلونه ميل الناس إلى الأخبار العجيبة، فيتزيدون في قصصهم، وكانت الأحزاب السياسية تتخذ نفرا منهم وسيلة للدعوة لها، ولتحميس جنودها حين تثور بالدولة١، وكان للأمويين في كل بلد قاص يقص على الناس في المسجد الجامع، ويدعو إلى طاعتهم٢. واتسعت بجانب ذلك موجة الزهد والعبادة والنسك، وتبعها ظهور وعاظ كثيرين، تموج كتب الأدب بمواعظهم، وما كانوا يدعون إليه من الزهد في حطام الدنيا، ومجاهدة النفس حتى ترفض عرض الحياة، ومتعها الزائلة، وتطلب ما عند الله من ثواب الآخرة. ورافق هذا السبب الديني في ازدهار الخطابة سبب عقلي مرده إلى عناصر الثقافات الأجنبية التي أخذ يدعم بها العقل العربي منذ هذا العصر الأموي، مما فتق فيه قوة الجدل والحجاج. ومعروف أن الثقافة لهذا العصر لم يكن يضطلع بها العرب وحدهم، بل كان يشركهم فيها الموالي الذين اتخذوا العربية لسانهم، وقد أخذوا يزودونها بمعارفهم وثقافاتهم القديمة، وقد تعود مؤرخو الأدب العربي أن يقفوا في هذا الجانب من التزاوج بين العرب، والموالي في الفكر والثقافة عند العصر العباسي، عصر الترجمة المنظمة لما كان عند اليونان والفرس والهند، وينبغي أن نلاحظ أن هذا العصر الذي نظمت فيه الترجمة سبقه عصر، هو العصر الأموي، لم تكنتعرب فيه الكتب إلا نادرا، كما هو معروف عن خالد بن يزيد بن معاوية، وطلبه لما عند الأجانب من معارف، ولكن كان يعرف فيه لسان حملة هذه الكتب، وكانوا سيولا من شعوب الشرق الأوسط وأممه، دخلوا في الإسلام، ودخلت معهم ثقافتهم، وقد أقلبوا على الدراسات الدينية، والعقلية يسهمون فيها بالحظ الأوفر، فإذا قلنا: إنهم ارتقوا بالعقل العربي

стр. 63

وكل ما أنتجه في ذلك العصر من خطابة، وغير خطابة لم نكن مبالغين، فقد كثرت المعرفة، وتشعبت المعاني ودقت الفطن، ولم يعد لها حد تنتهي إليه، وانسابت تمن ذلك أسراب كثيرة في خطابتهم، فصاروا أقدر على البيان والتصرف في الألفاظ. ويخيل إلى من يقرأ في أخبار القوم أنهم أصبحوا جميعا خطباء، فهم يخطبون في نظرياتهم السياسية، وفي معتقداتهم الدينية، ويتناقشون فيها بكل مكان، في المسجد الجامع وفي الطرقات والأسواق، وفي السلم وحين يتحاربون، ومن ورائهم القصاص والوعاظ، وقد جعل ذلك الجاحظ ينبهر إنبهارًا شديدًا، فيخص العرب بالخطابة، ويرفعهم درجات فوق الفرس واليونان١، وقد يكون مصيبا فيما يختص بالفرس، أما اليونان فأكبر الظن أنه لم يقرأ شيئا واضحا عن خطابتهم، وإلا ما بالغ في رأيه وذهب هذا المذهب، فإن من المعروف أن الخطابة نهضت عند اليونان نهضة واسعة، إذ كانت لديهم مجالس شورية، وقضائية أعدت لازدهار الخطابة عندهم ازدهارا أتاح لأرسططاليس أن يكتب فيها، وفي أنواعها وأغراضها وأساليبها كتابا كبيرا، وأكبر الظن أن الجاحظ لم يعرف شيئا من ذلك كله، وهو كذلك لم يعرف شيئا عن خطباء اليونان المشهورين أمثال ديموستين وبركليس. ومهما يكن فقد ارتقت الخطابة رقيا بعيدا في العصر الأموي، ونشطت نشاطا لعل العرب لم يعرفوه في عصر من عصورهم الوسيطة، إذ اتخذوها أداتهم للظفر في آرائهم السياسية، والانتصار في مجادلاتهم المذهبية، وعولوا عليها في قصصهم ومواعظهم، وفي وفادتهم على الخلفاء والولاة. ومن ثم أينعت فيها فروع ثلاثة، هي الخطابة السياسية، وخطابة المحافل والخطابة الدينية، ونلم بكل فرع من هذه الفروع إلمامة قصيرة.

стр. 64

الخطابة السياسية: كان كل حزب من الأحزاب السياسية يتخذ الخطابة وسيلة إلى نقد خصومه، وبيان نظريته السياسية، واستمالة الناس إليها، وكذلك كال يصنع الثائرون على بني أمية من أمثال يزيد بن المهلب في تحريك الناس إلى الثورة عليهم، وكأنما قامت عندهم جميعا بما تقوم به الصحافة في عصرنا من الدعاية للآراء السياسية، فانبرى خطباء كل حزب يدعون إل نظرية حزبهم، وبيان أنهم على الحق وخصومهم على الباطل، فهم الجديرون بأن يعتنق الناس مبادئهم ويذودوا عنها ذيادًا. وكان الخوارج يصفون بني أمية بجورهم في الأحكام وتعطيلهم حدود الله، ويتناولونهم بألسنة حداد، وقد يضيفون إلى ذلك مواعظ تصور عمق تدينهم، وتمسكهم بالعروة الوثقى، ومن أشهر خطبائهم قطري بن الفجاءة، وتحتفظ كتب الأدب له بموعظة رائعة١، ومن خطبائهم أبو حمزة الخارجي، وقد روى الجاحظ خطبة طويلة ألقاها في أهل مكة٢، وهو يفتتحها بالحدث عن رسول الله وهديه، واقتداء أبي بكر وعمر به، أما عثمان فعنده أنه أتى بما أحبط به الأوائل، وأما علي فلم يبلغ -في رأيه- من الحق قصدًا، ثم اقتص خلفاء بني أمية خليفة خليفة يثلبه، إلا عمر بن عبد العزيز فإنه أعرض منه، ونراه ينحى باللائمة على من يتشيعون لآل البيت، ثم يصف أصحابه، ونضالهم دون عقيدتهم وصفا رائعا، ومن خطباء الخوارج المشهورين زيد بن جندب خطيب الأزارقة٣ وابن صديقه، وكان صفريا ناسكا، وشبيل بن عزره الضبعي، وعمران بن حطان، وحبيب بن حدرة الهلالي، والمقعطل وعبيدة بن هلال اليشكري٤، ومنهم الضحاك بن قيس ونصر بن ملحان٥، وعبد الله بن يحيى طالب

стр. 65

الحق١ والطرماح٢، وغيرهم كثير. ولا يقل خطباء الشيعة كثرة عن خطباء الخوارج، ومن أشهرهم الحسين بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين وزيد بن علي، والمختار الثقفي وسليمان بن صرد، وعبد الله بن مطيع وعبيد الله المري، ومنهم بنو صوحان: صعصعة وزيد وسيحان، وكانوا يكثرون من القدح في بني أمية، وأنهم اغتصبوا الخلافة من أصحابها الشرعيين ورثة النبوة، وحملة الرسالة القدسية الهادية المهديين، والأئمة المنتظرين٣. ولم تطل مدة عبد الله بن الزبير، ومع ذلك فقد ملأ دفاتر العلماء كلامًا٤، وكان أخوه مصعب، وإليه على العرقا خطيبا مفوها، وله خطبة جعلها كلها آيات قرآنية٥، وكان حول ابن الأشعث كثير من الخطباء٦، وكان يزيد بن المهلب خطيبًا مفوهًا، وقد روى الجاحظ بعض خطبه٧. وكان يقف في الصف المقابل من خطباء الأحزاب، والثورات خطباء بني أمية يدعون الناس إلى التمسك بحبل الجماعة، وتأييد الأمويين في حقوقهم التي اكتسبوها عن آبائهم، وتقديمهم لهم فروض الطاعة والولاء، وكثيرًا ما يخلطون ذلك بالترهيب والترغيب، وقد يشيرون إلى مقتل عثمان، وأن الأمويين أولياء دمه وورثة خلافته، ولهم مواعظ لا نشك في أنهم قالوها في صلاة الجمعة، والعيدين ككثير مما روي عن زياد والحجاج، وعن بعض خلفائهم وخاصة عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد المشهور، وأكثر خلفائهم كان خطيبًا، ولهم خطب تدور في كتب الأدب والتاريخ، ومن خطبائهم بجانب من قدمنا عتبة بن أبي سفيان، والي معاوية على مصر وعبيد الله بن زياد، وخالد بن عبد الله القسري، ويوسف

стр. 66

ابن عمر الثقفي، وسعيد بن العاص وابنه عمرو الأشدق، ومن قوادهم الخطباء موسى بن نصير، وطارق بن زياد اللذان فتحا الأندلس، وقتيبة بن مسلم ونصر بن سيار، فاتح التركستان. وعلى هذا النحو كان لكل حزب خطباؤه الذين يذودون عنه، وينافحون عن مبادئه، ولم يكن هناك داع لفكرة، أو لنضال في حرب لا يقف في الناس خطيبًا، وقد بعث ذلك على نهضة الخطابة السياسية في هذا العصر نهضة واسعة، ولعل هذه النهضة هي التي جعلت المؤرخين حين يعرضون علينا الآراء السياسية، أو المذهبية لزعماء هذا العصر يعرضونها علينا في شكل خطب، على نحو ما نجد في الطبري وابن الأثير، فهم إذا أرادوا أن يعرضوا علينا رأيا للحسين بن علي، أو لحفيده زيد أو لأي داع شيعي أو خارجي، أو أي ثائر زبيري وغير زبيري، أو لأي وال أموي أو قائد يقود الجيوش عرضوه في صورة خطبة، فهم لا يقولون: إن فلانا كان يرى كذا أو كذا، وإنما يقولون خطب فلان فقال كذا وكذا، فهم لا يتصورون صاحب نحلة سياسية يعرض رأيه في شكل حديث، بل لا بد أن يعرضه في شكل خطبة يقرع بها الأسماع، ويجذب القلوب. خطابة المحافل: نمت الخطابة الحفلية في هذا العصر بحكم نمو السلطان العربي، فكانت الرجال والوفود تقدم على الخلفاء والولاة لأغراض مختلفة: للشكوى أو للاستمناح، أو للتهنئة أو للتعزية أو للموعظة، أو لغير ذلك من الأغراض، وقد روي في كتب الأدب كثير من أخباره هذه الوفادات، وممن قد على معاوية النخار بن أوس العذري١، وعمرو بن سعيد الأشدق٢، وزرعة بن ضمرة، وهو الذي كان يقال فيه: "لولا غلو فيه ما كان كلامه إلا الذهب"، وكان ابنه النعمان من أخطب الناس، وقد وقع في يد الحجاج بعد قضائه على ثورة ابن الأشعث

стр. 67

فتخلص منه بكلام لطيف١. وممن وفد على معاوية روح٢ بن زنباع، وصحار العبدي، ويروى أن معاوية قال له: ما هذا الكلام الذي يظهر منك؟ قال: شيء تجيش به صدورنا، فتقذفه على ألسنتنا٣، ومن الوافدين عليه سحبان وائل، وقد اشتهرت له خطبة خطب بها بين يديه، وكانت العرب تسميها الشوهاء من حسنها٤، ومنهم الأحنف بن قيس سيد تميم، ومما نطق به في حضرته، معبرًا عن شكاة لقومه٥: "إن دافة دفت٦، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، ونابتة نبتت٧، كلهم به حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره، فقال معاوية: حسبك يا أبا بحر، قد كفيت الشاهد والغائب". ولما فكر معاوية في جعل ابنه زيد وليا لعهده استقدم وفود العرب من الأمصار والبادية، فكانوا يخطبون بين يديه منوهين بيزيد، ومبايعين له، سياسة حكيمة منه، حتى يبرم الأمر من بعده لابنه٨، ولما توفي وجلس ابنه يزيد مكانه دخل عليه عطاء بن أبي صيفي الثقفي، فخطب بين يديه بقوله٩: "يا أمير المؤمنين أصبحت قد رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، وقد أعطيت بعده الرياسة، ووليت السياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية، واشكره على أفضل العطية". وكان عبد الملك يجلس للوفود وخطبائها، وممن وفد عليه سعيد بن عمرو بن

стр. 68

سعيد١، والهيثم بن الأسود بن العريان، وقد سأله عبد الملك كيف تجدك؟ قال: "أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد"٢، ولما توفي عبد الملك وجلس ابنه الوليد دخل عليه الناس، وهم لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فأقبل غيلان بن سلمة الثقفي فسلم عليه، ثم قال٣: "يا أمير المؤمنين! أصبحت قد رزئت خير الآباء، وسميت خير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعظم الله لكعلى الرزية الصبر، وأعطاك في ذلك نوافل الأجر، وأعطانك على حسن الولاية والشكر، ثم قضى لعبد الملك بخير القضية، وأنزله بأفضل المنازل المرضية، وأعانك من بعده على الرعية". ولم يكن يتولى الخلافة أموي إلا وتقدم الوفود عليه من الأمصار، ويقوم خطباؤها بين يديه مهنئين مبايعين ذاهبين في خطبهم كل مذهب، ومن حين إلى حين كانت تقدم هذه الوفود على الخليفة لترفع مظلمة لها، أو لتنال بعض الرفد والعطاء، ونجد الوعاظ كثيرًا ما يلمون بمجالس الخلفاء ويعظونهم، على نحو ما كان يعظ أبو حازم الأعرج سليمان بن عبد الملك٤، ولما تولى عمر بن عبد العزيز كان يقدم عليه النساك، والزهاد لوعظه، لما اشتهر عنه من نسكه وعبادته، من مثل زياد بن أبي زياد، وكان يلزمه محمد بن كعب القرظي، وله أخبار معه ومواعظ٥، وكان خالد بن صفوان يلزم هشام بن عبد الملك ويعظه٦. وعلى نحو ما كانت تفد الوفود والوعاظ على الخلفاء كانت تفد على الولاة، وممن وفد على زياد وخطب بين يده في وفد من قومه عمران بن حطان٧،

стр. 69

وكان الأحنف يفد على ابن الزبير كما كان يفد على معاوية، ويفد معه خطباء ومن قومه١، وكم من خطيب تخلص من عقاب الحجاج بحسن منطقه٢، ولما دخل أيوب بن القرية عليه قال له: "ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: ثلاثة حروف، كأنهن ركب وقوف: دنيا وآخرة ومعروف"، وقال له في بعض القول: "أقلني عثرتي وأسغني ريقي، فإنه لا بد للجواد من كبوة، وللسيف من نبوة، وللحليم من هفوة"٣. وكان كثيرًا ما يستنطق الوافدين عليه٤. ولما ولي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز على العراق، كان يحضر مجلسه الوعاظ، ويعظونه٥ كما كانوا يعظون أباه. ومما يدخل في هذا الضرب من خطابة المحافل خطابة الإملاك والتزويج٦ وخطابة الصلح بين العشائر٧، وما كان من منازعات، ومفاخرات في مجالس الخلفاء٨، ويسوق الجاحظ في بيانه أخبارًا كثيرة عن هذه الصور من الخطابة وما كان يفترق به بعضها عن بعض٩. الخطابة الدينية والوعظ والمناظرات: تمت هذه الخطابة في عصر بني أمية نموا واسعا، فقد كانت فريضة مكتوبة على المسلمين في صلاة الجماعة والعيدين، وكان الخلفاء والولاة يؤمون الناس في تلك الصلاة، ولذلك نقرأ لكثير منهم خطابات زاهدة، يحضون الناس فيها على الانصراف عن الدنيا، والتعلق بالآخرة، ويحثونهم على الخير والفضيلة

стр. 70

والأعمال الصالحة، وأخطب الخلفاء في هذا الباب عمر بن عبد العزيز، وله خطب كثيرة، يدعو فيها الناس إلى طاعة الله والنفور من معصيته، وأن يفكروا في الموت وما بعده من البعث والحساب والجنة والنار، ولعل واليا لم يؤثر عنه من الخطب الدينية ما أثر عن الحجاج، وكان دائما يقول: "أيها الناس إن الكف عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله"١، وللولاة من قبله وبعده مواعظ ترويها كتب الأدب والتاريخ٢. وإذا كان هذا اللون من الخطابة قد شاع على ألسنة الخلفاء الأمويين، وولاتهم فإن خصومهم من الخوارج والشيعة كانوا لا يقلون عنهم دعوة إلى التقوى والورع، بل لعلهم كانوا يتقدمونهم، إذ لم يكن بأيديهم شيء من الدنيا، وكانوا يمزجون خطابتهم السياسية بالدين، وقد يجعلونها دينية خالصة، على نحو ما صنع قطري بن الفجاءة في موعظته المشهورة٣، وشداد بن أوس أحد شيعة علي في موعظته بين يدي معاوية، وقد طلب إليه أن يتنقص عليا٤، وتدور في كتب الأدب كلمات كثيرة لزيد بن علي بن الحسين، هي من بقايا خطبه٥، وكان ينازعه جعفر بن حسن بن الحسن بن علي في الإمامة، فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما، ومجادلاتهما في أيهما الأحق بها٦. غير أن هؤلاء جميعا لم يتخصصوا بالخاطبة الدينية، ولم يعيشوا لها، وإنما الذي عاش لها هم القصاص والوعاظ، وقد نشأ القصص منذ عصر عمر بن الخطاب، فكان هناك قصاص يقصون في المساجد٧، وآخرون يقصون في

стр. 71

مقدمة الجيوش الفاتحة١. واتسعت هذه الموجة اتساعا شديدا في عصر بني أمية، إذ استخدمها الدولة كما استخدمها خصومها في الدعوة السياسية، وقد أمر معاوية أن يكون ذلك مرتين في اليوم، مرة بعد صلاة الصبح، ومرة بعد صلاة المغرب٢، وعين للقصاص مرتبات خاصة٣. وكان للخوارج قصاص كثيرون، أشهرهم صالح بن مسرح، وإن يخلط مواعظه وقصصه بالدعوة إلى الجهاد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يزال يذم الدنيا والتعلق بها. وهؤلاء القصاص الرسميون كان يقابلهم قصاص من الناسكين العابدين من مثل الأسود بن سريع، وهو أول من قص بالبصرة٤، ومثل زيد بن صوحان في الكوفة٥، وعبيد بن عمير في المدينة٦، وكان عبد الله بن عمر يحضر قصصه ووعظه، ومنهم إبراهيم التيمي وكان الناس ينتفضون أمامه انتفاض الطير٧، وسعيد بن جبير، وكان يقص كل يوم مرتين بعد الفجر، وبعد العصر٨، وذر بن عبد الله وكان من أبلغ الناس في القصص٩، ومسلم بن جندب قاص مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم١٠، ومطرف بن عبد الله الشخير١١، ويزيد بن أبان الرقاشي، وكان قاصا مجيدا، ومن قوله١٢: "ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلد".

стр. 72

وهو عم الفضل بن عيسى القصاص المشهور١، ومن كبار القصاص مالك بن دينار، وكان يقول في قصصه: "ما أشهد فطام الكبير"٢. ومن القصاص أيضا وهب٣ بن منبه. وكن هؤلاء القصاص يمزجون قصصهم بالحديث عن الرسل والأنبياء والأمم الدائرة، كما كانوا يمزجونه بآي الذكر الحكيم، وأحاديث الرسول ﵇، وكان يجانبهم كثر من الزهاد الوعاظ مثل رجاء٤ بن حيوة والأوزاعي٥ في الشام، وسعيد٦ بن المسيب وأبي حازم٧ الأعرج سلمة بن دينار في المدينة، وعبد الله بن عمرو بن العاص في مصر٨، وكان العراق يكتظ بهم، ومنهم ابن شيرمة٩ وأيوب السختياني١٠ ومؤرق العجلي، وكان يقول: "ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه"١١. ومنهم بكر بن عبد الله المزني القائل: "أطفئوا نار الغضب بذكر جنهم"١٢، والشعبي١٣ ومحمد بن واسع الأزدي، وكان يقول: "يعجبني أن يصبح الرجل، وليس له غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله"١٤، ومن الوعاظ المشهورين محمد بن كعب القرظي واعظ عمر بن عبد العزيز١٥، ومالك بن دينار١٦، والحسن البصري هو أكبر وعاظ العصر وقصاصيه، وكان الوعظ عليه أغلب، وله مواعظ كثيرة تدور في البيان والتبيين وعيون الأخبار، والعقد الفريد، وقد أفرد له ابن الجوزي

стр. 73

كتابا ساق فيه وعظا كثيرًا، وهو لا يبلغ من الثقة به مبلغ المصادر السابقة. ونراه في وعظه دائم التذكير بالبعث، ويوم الحساب مكثرا من الحض على التقوى والعمل الصالح الذي يبقى. وهو يعرض ذلك في صورة من الخوف الشديد، والخوف من الجحيم، حتى لكأنه يراها بين عينيه، وكأن الناس واقفون على شفيرها، وهو يدعوهم أن يبتعدوا عنها مخالفة أن يهووا فيها وهم لا يشعرون، وفي أثنار ذلك يحثهم على التحلي بالفضائل فاتحًا عليهم من جهة أبواب النار، ومن جهة ثانية أبواب الرجاء، بل أبواب المحبة الإلهية. ونراه يغترف في مواعظه اغترافا من القرآن الكريم وآيه، فهو المنبع الذي يستمد منه وعظه وخوفه ورجاءه، وحزنه العميق، ولعله من أجل ذلك كان يقول: "والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدون في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك"١. وعلى هذا النهج نفسه نقرأ مواعظ الوعاظ من حوله التي تتناثر في الكتب الأدبية الآنفة الذكر، وكانوا كثيرا ما يلمون بمجالس الخلفاء والولاة، فيعظونهم ويبكونهم، ويحدثنا الرواة أن خالد بن صفوان، وشبيب بن شبية والفضل بن عيسى الرقاشي، وواصل بن عطاء تباروا في الوعظ بمجلس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حين ولي العراق، وكان ذلك في سنة ١٢٨ للهجرة، فبزهم واصل لطول خطبته؛ ولأنه جانب فيهخا الكلمات ذات الراء، للثغة كانت له فيها، فكان يتحاشاها في منطقه٢. وخالد بن صفوان وشبيب بن شيبة هما اللذان يقول فيهما الجاحظ: "ما علمت أنه كان في الخطباء أحد كان أجود خطبا من خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، للذي يحفظه الناس، ويدور على ألسنتهم من كلامهم"٣، ويقول في خالد: "ومن الخطباء المشهورين في العوام، والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان.. ولكلامه كتاب يدور في أيدي الوراقين"٤، وكان الفضل بن عيسى

стр. 74

الرقاشي من أخطب الناس وكان متكلما، وكان قاصا مجيدا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد وكثير من الفقهاء١، ولم يكن عمرو بن عبيد يقل عنه بلاغة وبيانا، أما واصل فلم يكن أبين ولا أجود لسانا منه، وكان يلثغ في الراء، فرام إسقاطها من كلامه، فلم يزل يكابد ذلك يناضله ويساجله، حتى تخلص من تلك الهجنة، وانتظم له ما حاول، حتى في محاجة الخصوم، وفي الكلام البديه المرتجل، ويعلل الجاحظ لذلك بأنه "كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى سهولة المخرج، وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة، والفخامة وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني"٢، فما زال يمرن نفسه على نفادي الكلمات ذات الراء، حتى تأتي له ذلك، واتسق له ما أراد. ويقول الجاحظ: إن واصلا كان داعيه مقالة ورئيس نحلة، والمقالة التي يريدها هي مقالة الاعتزال، وهي نفسها النحلة، ويحدثنا صفوان الأنصاري في قصيدة مدحه بها، وأنشدها الجاحظ٣ أنه كان له دعاة خطباء يطوفون بأركان الأرض حتى يبلغوا الصين شرقا وبلاد البربر غربا، ويشيد ببيانهم، وفصاحتهم وما أوتوا من اللسن وبراعة القول وقوة الحجة. ويلفتنا الجاحظ إلى ما كان ينهض به واصل من الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، فقد كان يناظر أصحاب الديانات، وكان يناظر أصحاب النحل من جماعة المسلمين، ومن يقرأ في أخبار هذا العصر يعرف أن المناظرات كانت مشتعلة بين الفرق، اشتعلت أولًا بين الفرق السياسية، بين فرق الخوارج نفسها، ثم بينهم وبين الشيعة ومن يميلون إلى طاعة أولي الأمر من الأمويين، ثم اشتعلت بين أرباب الفرق الدينية التي كانت تبحث في العقيدة والإيمان

стр. 75

وصفات الله. فكان هناك القدرية الذين قالوا بحرية الإرادة وعلى رأسهم الحسن البصري، وكان هناك الجبرية الذين يقولون بتعطيل إرادة الإنسان، وأنه مجبر لا حول له على ما يأتي من الأمر ولا قوة، وكان هناك المرجئة الذين يفصلون بين الإيمان والعمل، ولا يحكمون على مسلم في أعماله، بل يفوضون الحكم إلى ربهم، واحتدم الجدال بين هذه الفرق، كما احتدم بين الفقهاء في اجتهادهم، ومدى أخذهم بالقياس، فكان الفقهاء يتناقشون، وكان المتكلمون من أصحاب الفرق الدينية يتجادلون كما كان الخوارج، والشيعة والأمويون يتحاورون، كل يدافع عن رأيه، ويحاول أن يقنع به خصمه أو خصومه، وقد وصلتنا أخبار كثيرة عن تلك المحاورات، والمجادلات والمناقشات، فهم يروون أن الفقهاء كانوا يتناقشون في مجلس الشعبي١، وأن سليمان بن عبد الملك عقد مناظرة بين قتادة والزهري، فغلب الأول٢ كما غلب إياس بن معاوية عبد الله بن شبرمة في مناظرة طويلة، تناولت اثنين وسبعين سؤالا٣. وكثيرا ما كان الخوارج يتناظرون مع خصومهم في نظريتهم السياسية وأمور الدين٤، وكذلك كان يصنع صنيعهم الشيعة، وخاصة مع المرجئة٥، وكانت المناظرات بين المرجئة والجبرية والقدرية مشتعلة في مجالس الوعاظ، بل لقد وصل شررها إلى مجالس الخلفاء، إذ يروى أن عون بن عبد الله، وموسى بن كثير وعمر بن حمزة، وفدوا على عمر بن عبد العزيز وناظروه في الإرجاء٦، كما يروى أنه ناظر غيلان، وصالح بن سويد في القدر٧، وكذلك يروى أن الأوزاعي، وغيلان تناقشا فيه أيضًا أمام هشام بن عبد الملك٨، وقد احتفظ المرتضى في أماليه بمناظرة واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد في مرتكب الكبيرة أمام الحسن البصري٩، وكان
следующие страницы →