← Адаб

Адаб · id 11544

الفن ومذاهبه في النثر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مقدمة الجيوش الفاتحة١. واتسعت هذه الموجة اتساعا شديدا في عصر بني أمية، إذ استخدمها الدولة كما استخدمها خصومها في الدعوة السياسية، وقد أمر معاوية أن يكون ذلك مرتين في اليوم، مرة بعد صلاة الصبح، ومرة بعد صلاة المغرب٢، وعين للقصاص مرتبات خاصة٣. وكان للخوارج قصاص كثيرون، أشهرهم صالح بن مسرح، وإن يخلط مواعظه وقصصه بالدعوة إلى الجهاد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يزال يذم الدنيا والتعلق بها. وهؤلاء القصاص الرسميون كان يقابلهم قصاص من الناسكين العابدين من مثل الأسود بن سريع، وهو أول من قص بالبصرة٤، ومثل زيد بن صوحان في الكوفة٥، وعبيد بن عمير في المدينة٦، وكان عبد الله بن عمر يحضر قصصه ووعظه، ومنهم إبراهيم التيمي وكان الناس ينتفضون أمامه انتفاض الطير٧، وسعيد بن جبير، وكان يقص كل يوم مرتين بعد الفجر، وبعد العصر٨، وذر بن عبد الله وكان من أبلغ الناس في القصص٩، ومسلم بن جندب قاص مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم١٠، ومطرف بن عبد الله الشخير١١، ويزيد بن أبان الرقاشي، وكان قاصا مجيدا، ومن قوله١٢: "ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلد".

стр. 72

وهو عم الفضل بن عيسى القصاص المشهور١، ومن كبار القصاص مالك بن دينار، وكان يقول في قصصه: "ما أشهد فطام الكبير"٢. ومن القصاص أيضا وهب٣ بن منبه. وكن هؤلاء القصاص يمزجون قصصهم بالحديث عن الرسل والأنبياء والأمم الدائرة، كما كانوا يمزجونه بآي الذكر الحكيم، وأحاديث الرسول ﵇، وكان يجانبهم كثر من الزهاد الوعاظ مثل رجاء٤ بن حيوة والأوزاعي٥ في الشام، وسعيد٦ بن المسيب وأبي حازم٧ الأعرج سلمة بن دينار في المدينة، وعبد الله بن عمرو بن العاص في مصر٨، وكان العراق يكتظ بهم، ومنهم ابن شيرمة٩ وأيوب السختياني١٠ ومؤرق العجلي، وكان يقول: "ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدل على ربه"١١. ومنهم بكر بن عبد الله المزني القائل: "أطفئوا نار الغضب بذكر جنهم"١٢، والشعبي١٣ ومحمد بن واسع الأزدي، وكان يقول: "يعجبني أن يصبح الرجل، وليس له غداء، ويمسي وليس له عشاء، وهو مع ذلك راض عن الله"١٤، ومن الوعاظ المشهورين محمد بن كعب القرظي واعظ عمر بن عبد العزيز١٥، ومالك بن دينار١٦، والحسن البصري هو أكبر وعاظ العصر وقصاصيه، وكان الوعظ عليه أغلب، وله مواعظ كثيرة تدور في البيان والتبيين وعيون الأخبار، والعقد الفريد، وقد أفرد له ابن الجوزي

стр. 73

كتابا ساق فيه وعظا كثيرًا، وهو لا يبلغ من الثقة به مبلغ المصادر السابقة. ونراه في وعظه دائم التذكير بالبعث، ويوم الحساب مكثرا من الحض على التقوى والعمل الصالح الذي يبقى. وهو يعرض ذلك في صورة من الخوف الشديد، والخوف من الجحيم، حتى لكأنه يراها بين عينيه، وكأن الناس واقفون على شفيرها، وهو يدعوهم أن يبتعدوا عنها مخالفة أن يهووا فيها وهم لا يشعرون، وفي أثنار ذلك يحثهم على التحلي بالفضائل فاتحًا عليهم من جهة أبواب النار، ومن جهة ثانية أبواب الرجاء، بل أبواب المحبة الإلهية. ونراه يغترف في مواعظه اغترافا من القرآن الكريم وآيه، فهو المنبع الذي يستمد منه وعظه وخوفه ورجاءه، وحزنه العميق، ولعله من أجل ذلك كان يقول: "والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدون في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك"١. وعلى هذا النهج نفسه نقرأ مواعظ الوعاظ من حوله التي تتناثر في الكتب الأدبية الآنفة الذكر، وكانوا كثيرا ما يلمون بمجالس الخلفاء والولاة، فيعظونهم ويبكونهم، ويحدثنا الرواة أن خالد بن صفوان، وشبيب بن شبية والفضل بن عيسى الرقاشي، وواصل بن عطاء تباروا في الوعظ بمجلس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حين ولي العراق، وكان ذلك في سنة ١٢٨ للهجرة، فبزهم واصل لطول خطبته؛ ولأنه جانب فيهخا الكلمات ذات الراء، للثغة كانت له فيها، فكان يتحاشاها في منطقه٢. وخالد بن صفوان وشبيب بن شيبة هما اللذان يقول فيهما الجاحظ: "ما علمت أنه كان في الخطباء أحد كان أجود خطبا من خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، للذي يحفظه الناس، ويدور على ألسنتهم من كلامهم"٣، ويقول في خالد: "ومن الخطباء المشهورين في العوام، والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان.. ولكلامه كتاب يدور في أيدي الوراقين"٤، وكان الفضل بن عيسى

стр. 74

الرقاشي من أخطب الناس وكان متكلما، وكان قاصا مجيدا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد وكثير من الفقهاء١، ولم يكن عمرو بن عبيد يقل عنه بلاغة وبيانا، أما واصل فلم يكن أبين ولا أجود لسانا منه، وكان يلثغ في الراء، فرام إسقاطها من كلامه، فلم يزل يكابد ذلك يناضله ويساجله، حتى تخلص من تلك الهجنة، وانتظم له ما حاول، حتى في محاجة الخصوم، وفي الكلام البديه المرتجل، ويعلل الجاحظ لذلك بأنه "كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى سهولة المخرج، وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة، والفخامة وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني"٢، فما زال يمرن نفسه على نفادي الكلمات ذات الراء، حتى تأتي له ذلك، واتسق له ما أراد. ويقول الجاحظ: إن واصلا كان داعيه مقالة ورئيس نحلة، والمقالة التي يريدها هي مقالة الاعتزال، وهي نفسها النحلة، ويحدثنا صفوان الأنصاري في قصيدة مدحه بها، وأنشدها الجاحظ٣ أنه كان له دعاة خطباء يطوفون بأركان الأرض حتى يبلغوا الصين شرقا وبلاد البربر غربا، ويشيد ببيانهم، وفصاحتهم وما أوتوا من اللسن وبراعة القول وقوة الحجة. ويلفتنا الجاحظ إلى ما كان ينهض به واصل من الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، فقد كان يناظر أصحاب الديانات، وكان يناظر أصحاب النحل من جماعة المسلمين، ومن يقرأ في أخبار هذا العصر يعرف أن المناظرات كانت مشتعلة بين الفرق، اشتعلت أولًا بين الفرق السياسية، بين فرق الخوارج نفسها، ثم بينهم وبين الشيعة ومن يميلون إلى طاعة أولي الأمر من الأمويين، ثم اشتعلت بين أرباب الفرق الدينية التي كانت تبحث في العقيدة والإيمان

стр. 75

وصفات الله. فكان هناك القدرية الذين قالوا بحرية الإرادة وعلى رأسهم الحسن البصري، وكان هناك الجبرية الذين يقولون بتعطيل إرادة الإنسان، وأنه مجبر لا حول له على ما يأتي من الأمر ولا قوة، وكان هناك المرجئة الذين يفصلون بين الإيمان والعمل، ولا يحكمون على مسلم في أعماله، بل يفوضون الحكم إلى ربهم، واحتدم الجدال بين هذه الفرق، كما احتدم بين الفقهاء في اجتهادهم، ومدى أخذهم بالقياس، فكان الفقهاء يتناقشون، وكان المتكلمون من أصحاب الفرق الدينية يتجادلون كما كان الخوارج، والشيعة والأمويون يتحاورون، كل يدافع عن رأيه، ويحاول أن يقنع به خصمه أو خصومه، وقد وصلتنا أخبار كثيرة عن تلك المحاورات، والمجادلات والمناقشات، فهم يروون أن الفقهاء كانوا يتناقشون في مجلس الشعبي١، وأن سليمان بن عبد الملك عقد مناظرة بين قتادة والزهري، فغلب الأول٢ كما غلب إياس بن معاوية عبد الله بن شبرمة في مناظرة طويلة، تناولت اثنين وسبعين سؤالا٣. وكثيرا ما كان الخوارج يتناظرون مع خصومهم في نظريتهم السياسية وأمور الدين٤، وكذلك كان يصنع صنيعهم الشيعة، وخاصة مع المرجئة٥، وكانت المناظرات بين المرجئة والجبرية والقدرية مشتعلة في مجالس الوعاظ، بل لقد وصل شررها إلى مجالس الخلفاء، إذ يروى أن عون بن عبد الله، وموسى بن كثير وعمر بن حمزة، وفدوا على عمر بن عبد العزيز وناظروه في الإرجاء٦، كما يروى أنه ناظر غيلان، وصالح بن سويد في القدر٧، وكذلك يروى أن الأوزاعي، وغيلان تناقشا فيه أيضًا أمام هشام بن عبد الملك٨، وقد احتفظ المرتضى في أماليه بمناظرة واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد في مرتكب الكبيرة أمام الحسن البصري٩، وكان

стр. 76

الخوارج يكفرونه، بينما كان الحسن يدعوه مؤمنا فاسقا، وكان واصل يرى أنه في منزلة بين المنزلتين، وتناظر هو وعمرو بن عبيد في تلك المشكلة، واستطاع أن يقنعه بوجهة نظره. ومن يرجع إلى تلك المناظرة يلاحظ أنها تبدو في أولها تطبيقا لأشكال القياس المنطقي، وهي كذلك في أثنائها وفي خاتمتها تستعيت بالمنطق، ومما لا ريب فيه أن نفس الفكرة التي انتهى إليها واصل، وهي أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتي المؤمن، والكافر فكرة دقيقة، لا يصل إليها إلا عقل دعم بالثقافة، وتعود النظر العميق، والنفوذ إلى دقائق الأفكار والمعاني. وطبيعي أن نجد الجاحظ مفتونا أمام قدرة هؤلاء الخطباء الدينيين، فقد أشاد بهم في كل موضع من كتابه البيان والتبيين، وتحدث عن تصرفهم في الألفاظ، والأساليب وكيف صفوها، وروقوها ونخلوها نخلا، حتى لا ينطقوا إلا بلب اللب، وإلا بما عليه حلاوة ورشاقة، وسهولة وعذوبه.

стр. 77

٤- الصنعة في الخطابة الأموية: رأينا الخطابة تزدهر ازدهارا رائعا في العصر الأموي، وقد صاحب هذا الازدهار عناية واسعة من الخطباء على اختلاف أغراضهم بإحكام خطابتهم عن طريق البيان التام، والحجة البالغة والألفاظ المونقة، ولا غرابة في ذلك، فإنهم إنما كانوا يريدون بخطبهم في أكثر أحوالها إقناع الناس، وإسكات الخصوم واستمالة القلوب، حتى يصنع فيها صنيع الغيث في التربة الكريمة. وإذا رجعنا نتصفح آثار الخطباء السياسيين، وجدنا خطباء كل حزب يحاولون أن يحققوا لخطبهم كل ما يمكن من آلات البيان والبلاغة، كل بحسب

стр. 78

طاقته ومواهبه، ونعرض في إجمال لطائفة من هؤلاء الخطباء، هم زياد والحجاج من خطباء الحزب الأموي، وقطري بن الفجاءة من حزب الخوارج، والمختار الثقفي من حزب الشيعة، أما زياد فكان حسن الألفاظ جيد المعاني، كأنما أوتي فصل الخطاب، وفيه يقول الشعبي: "ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم، فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا أن يسيء إلا زيادا، فإنه كلما أكثر كان أجود كلاما"١، ولعل أشهر خطبة أثرت عنه هي خطبته الملقبة بالبتراء، وإنما سميت بذلك؛ "لأن خطباء السلف الطيب، وأهل البيان من التابعين بإحسان ما زالوا يسمون الخطبة التي لم يبتدئ صاحبها بالتحميد، ويستفتح كلامه بالتمجيد: البتراء، ويسمون التي لم توشح بالقرآن، وتزين بالصلاة على النبي ﷺ : الشوهاء"٢. ومن يرجع إلى هذه الخطبة٣ يلاحظ أن زيادا عني بتأليفها عناية شديدة، فهي مقسمة إلى فقر، إذ يستهلها ببيان ما انغمس فيه أهل البصرة من الغي، والضلال والفسق والفساد متحرفين عن هدي الإسلام، والقرآن الكريم، ثم يبين لهم سياسته التي سيأخذهم بها، وأنها لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، ثم يأخذ في إنذارهم، وبيان العقوبات التي سينزلها على الجانبين منهم، ومن يعيثون فسادًا في الأرض، ويخرج من ذلك إلى بيان حق أئمتهم عليهم من الطاعة، ولزوم الجماعة، ويقول: إنهم يسوسونهم بسلطان يستمدونه من الله، فهم ساستهم المؤدبون، وكهفهم الذي إليه يأوون، ويختمها بالوعيد الشديد يشوبه بالترغيب. وبون بعيد بين هذه الخطبة وخطب الجاهليين، فقد كانت الأخيرة أمثالًا وحكما، ولما جاء الإسلام أصبح للخطابة موضوع ديني واضح، ثم أخذت تتسع منذ الرسول ﵇ للأحداث، ولكنها لم تصبح خطابة زمنية على هذا النحو الذي نجده في "البتراء"، والذي أصبحت فيه الخطبة تعرض لسياسة الحكم

стр. 79

وتدعو لبني أمية، وتؤكد حقهم في الخلافة بمثل قوله: "أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل والإنصاف فيما ولينا"، وكأنه يقرر هنا نظرية التفويض الإلهي التي عرفها الفرس قبل الإسلام، فبنو أمية وولاتهم مثل زياد يسوسون الناس بتفويض من الله، وليس لهم أن يعارضوا، وأن ينقضوا هذا التفويض، أو تلك السياسة. والخطبة بدون شك صحيحه النسبة إلى زياد، فهي تصور سياسته التي تحدثنا عنها كتب التاريخ، والتي أجملها في قوله: "لين في غير ضعف وشدة في غير عنف"، ثم هي تصور شدته على الجانين والبغاة، ومن كانت تحدثهم نفوسهم بالخروج على بني أمية، وقد بناها جميعا من ألفاظ جزلة مختارة، ليس فيها غريب مستكره ولا ساقط رديء، وإنما فيها القوة والمتانة، وفيها ضروب من الصور البيانية، وبعبارة أخرى من التشبيهات والاستعارات، غير أنه لا يعمد فيها إلى السجع، آخذا بسنة الخلفاء الراشدين في خطابتهم، وهي محكمة التنسيق كل فقرة تسلم إلى أختها، والأفكار تتسلسل في نظام، مما يدل على أنه لم يكن ذا عقل فطري بسيط، فعقله مدعم بالفكر الجديد، وهو الفكر الذي أخذ يستسيغ ما لدى الأجانب من نظرية التفويض الإلهي وغيرها، ولكن دون أن يذوب فيهم، ودون أن ينسى شخصيته العربية، وأسلوب قومه المحكم القائم على استخدام اللفظ المصقول الرصين، الذي يروعنا برونقه، وسلاسة نظمه ووضوح دلالته. ولم يكن الحجاج يقل عن زياد بيانا، وإعرابا عما يختلج في صدره، ولعل أشهر خطبه تلك التي خطبها في الكوفة حين قدم على العراق واليا من قبل عبد الملك١، حدث معاصروه أنه دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار،

стр. 80

فبدأ بالمسجد فدخله، ثم صعد المنبر وهو ملثم بعمامة خز حمراء، حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام فكشف عن وجهه، ثم قال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني١ أما والله إني لأحتمل الشر بحمله.. وإني لأرى رءوسا قد أينعت، وحان قطافها وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم أخذ ينشد أبياتا تنذر بما سيأخذهم به من عنف، فهم كما يقول أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، وقد نثر عبد الملك جعبة سهامه فوجده أمرها عودا، فرماهم به، ويردد وعيده لهم وتهديده من مثل قوله: "أما والله لألحونكم لحو العصا٢، ولأعصبنكم عصب السلمة٣، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل"٤، وقوله: "أما لتستقيمن على طريق الحق أولاد عن لكل رجل منكم شغلا في جسده". والخطبة سياسة خالصة، فهي ذات موضوع زمني واضح، وهي تصور سياسة الحجاج التي اشتهر بها في كتب التاريخ، والتي كانت تقوم على العنف الشديد في غير لين، ولعل ذلك ما أراده الحسن البصري حين قال فيه، وفي زياد: "تشبه زياد بعمر بن الخطاب فأفرط، وتشبه الحجاج بزياد، فأهلك الناس"٥. وعلى نحو ما تصور الخطبة سياسة الحجاج تصور فصاحته، وبلاغته وحفظه للشعر الغريب، إذ اتخذه مقدمة لكلامه، وكأنما يجعله فاتحة، موسيقية له، وهي فاتحة يتبدى فيها، ويطلب التشبه بالبدو لا في لغته فحسب،

стр. 81

بل أيضا ثيابه وملبسه١، حتى يغرب على السامعين ويروعهم، ولم يكتف بهذا الضرب من الإغراب، فقد عمد إلى طائفة من الصور الغريبة، وهي تتراكم في الخطبة تراكما شديدا، كما تتراكم في خطبه الأخرى٢. ولعل مما يتصل بميله إلى الإغراب، والتهويل في منطقة ما رواه المبرد من أنه "كان إذا صعد المنبر تكلم رويدًا، فلا يكاد يسمع، ثم يتزيد في الكلام حتى يخرج يده من مطرفه٣، ويزجر الزجرة، فيفزع بها أقصى من في المسجد"٤، ومعنى ذلك أنه كان في مظهره أثناء خطابته، وفي صوته وفي لفظه، وما يحوي من شعر وصور نادرة يريد التهويل على السامعين، ويحاول أن يحكم صنعته في الخطابة من جميع أطرافها، حتى في إشارة اليد، وفي الهمس بصوته، والجهر به حتى يخلب القلوب، على أننا نلاحظ أنه كان يتحامى السجع مثله مثل زياد، لكنه بعد ذلك كان يعني باختيار ألفاظه، ملتمسا منها ما ليس متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا، وهو حقا يعد في الذروة من البلاغة لعصره، حتى ليقول عنه مالك بن دينار: "ربما سمعت الحجاج يخطب، يذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه، وأنه صادق، لبيانه وحسن تخلصه بالحجاج"٥. ومما لا شك فيه أنه يتفوق على زياد في ابتكار الصور والتشبيهات والاستعارات، ولكن زيادا يتفوق عليه في بناء خطبه وإحكام تأليفها، بحيث تتتابع في فقر وأجزاء متسلسلة، وليس معنى ذلك أن الحجاج لم يكن يطيل خطبه، فقد كان كثيرا ما يطنب في خطابته، ويسهب إسهابا شديدا، وخاصة في مواعظة الدينية٦، وقد بقي له منها قطع تدور في كتب الأدب من مثل: "اللهم أرني الهدى هدى فأتبعه، وأرني الغي غيا فأجتنبه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالا بعيدا"٧، ومثل: "إنا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء،

стр. 82

وإنما ننقل من دار إلى دار"١، وكان الحسن البصري يقول فيه "يعظ عظة الأزارقة، ويبطش بطش الجبارين٢"، ويروى أنه قال: "لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لخليق أن تطول عليها حسرته"٣. ومر بنا أنه كان للخوارج خطباء كثيرون مفوهون، وكانوا يعنون عناية شديدة بإعداد كلامهم، حتى يجذبوا القلوب إليهم، ولعل ذلك ما جعل عبيد الله بن زياد يقول فيهم: "إن كلامهم أسرع إلى القلوب من النار إلى الهشيم"، وروى المبرد أن عبد الملك بن مروان أتى رجل منهم، فجعل يبسط له من قولهم، ويزين له من من مذهبهم بلسان طلق وألفاظ مبينة ومعان واضحة، فقال عبد الملك: "لقد كاد يدفع في خاطري أن الجنة خلقت لهم، وأني أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة وقرر في قلبي من الحق"٤، وفي إحسانهم لخطابتهم يقول عبيدة بن هلال٥: أدباء إما جئتهم خطباء ... ضمناء كل كتيبة جرار٦ وكانوا يمزجون خطابتهم السياسية بالدعوة إلى الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وما عند الله من الثواب، وقد يثنون على أبي بكر وعمر، ثم يقدحون في عثمان ومن جاءوا بعده، ويحثون على الجهاد، معلنين أنهم على الحق، أما جماعة المسلمين فاتبعت أهواءها وجارت عن الطريق القاصد. ومن خير ما يصور ذلك خطبة أبي حمزة الخارجي في مكة٧، وفيها يصف شباب الخوارج هذا الوصف الرائع:

стр. 83

"شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر١، ينظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، موصول كلالهم بكلالهم: كلال الليل بكلال النهار.. حتى إذ رأوا السهام قد فوقت٢، والرماح قد أشرعت والسيوف قد انتضيت، ووعدت الكتيبة بصواعق الموت، وبرقت استخفوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، ومضى الشاب منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطلت عليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكي صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله". وواضح أن هذا الوصف يعتمد في جماله على صدق العاطفة وحرارتها، وقوة العقيدة ومتانتها، إذ يمثل صاحبه مدى إيمان الخوارج بمذهبهم، وكيف باعوا الحياة الدنيا بالآخرة، حتى أصبح الاستشهاد أمنيتهم والتهافت على نيران الموت طلبتهم، وهم لذلك يثورون ثورة جامحة، يقدسون فيها عقيدتهم، ويتفانون في سبيلها صادرين في ذلك عن روح تقوى مفرطة. ولعل ذلك ما جعلهم يكثرون من المواعظ الخالصة، وخير من يمثلهم في ذلك قطري بن الفجاءة، وله موعظة طويلة مشهورة، وكلام كثير محفوظ٣، ونسوق قطعة من موعظته ندل بها على مبلغ تجويده وتحبيره، يقول٤: "أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات وراقت بالقليل وتحببت بالعاجلة وحليت بالآمال وتزينت بالغرور.. مع أن امرأ لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته

стр. 84

من ضرائها ظهرا، ولم تطله١ غيثة رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء، وحرى إذا أصبحت له منتصرة، أن تمسي له خاذلة متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى، أمر عليه منها جانب وأوبى٢، وإن آتت امرأ من غضارتها، ورفاهيتها نعما، أرهقته من نوائبها نقما، ولم يمس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم٣ خوف.. لا خير في شيء من زادها إلا التقوى". والقطعة -مثلها مثل الموعظة جميعها- تمتاز بأنها تتصل بنفس صاحبها، وكأنه سكب فيها روحه، فهو يعبر عن تقوى صادقة تسيل من قبله ونفسه، وهو بعد ذلك دقيق في اختيار لفظه، يعنى برصفه عناية أوسع من عناية أبي حمزة الشاري، إذ تنقلب عنايته في أكثر الموعظة إلى ضرب من السجع الرشيق، وهذه العناية بالسجع إلى حد بعيد تضافرت معها عناية بالطباق والمقابلة، وعناية أخرى بالصور والرسوم المتحركة، وهو يشبه الحجاج في الجانب الأخير، غير أنه لا يكتفي به، بل يضيف إليه فنونا من المقابلات وضروبا من الإيقاعات الصوتية، حتى يبلغ ما يريد من التأثير في نفوس سامعيه. ولم يكن الشيعة أقل من الخوارج، وولاة بني أمية احتفالا بخطابتهم، ويؤثر عن علي بن الحسين أنه قال: "لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، وجملة الحال في صواب التبيين لأعربوا عن كل ما تخلج في صدورهم ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن باب التثبت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم"٤، وكان زيد ابنه جدلا لسنا يجتذب الناس بحلاوة لسانة، وسهولة منطقة وعذوبته٥، مع قوة الحجج

стр. 85

وكثرتها، ومع الجزالة والفخامة١، ومن خطباء الشيعة، وكبار دعاتهم في هذا العصر المختار الثقفي، وكان خارجيا، ثم صار زبيريا، ثم صار رافضيا٢، وقد ثار في العراق ثورة عنيفة، غير أن مصعب بن الزبير قضى عليه في سنة ٦٧ للهجرة، وكان يذهب في سيرته وخطابته مذهبا قريبا من مذهب الكهنة في الجاهلية، فكان يزعم لأصحابه أنه يوحي إليه، وكان يتخذ السجع دلالة على هذا الوحي، وفي ذلك يقول ابن قيس الرقيات: والذي نغص ابن دومة ما تو ... حي الشياطين والسيوف ظماء وكان يتخذ لأنصاره كرسيا قديم العهد غطاه بالديباج، وكان يقول لهم: "إن محله محل السكينة في بني إسرائيل"٣، وروى المبرد كثيرا من شعوذته، وكيف كان يدعي أنه يلهم ضربا من السجع لأمور تكون ثم يحتال فيوقعها، فيقول للناس: هذا من عند الله ، ومن يرجع إلى سجعه يجده يعتمد فيه على الأقسام والإبهام، والإغراب على نحو ما كان يعتمد على ذلك الكهنة قديما من مثل قوله٤: "أما ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامة٥، والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدن خطار٦، أو مهند بتار٧، في جموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار٨، ولا بعزل٩ أشرار. حتى إذا أقمت عمود الدين، ورأبت شعب١٠ صدع المسلمين،

стр. 86

وشفيت غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيين، لم يكبر علي زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى". وكان المختار يكثر من هذه الأسجاع، ويتشبه فيها بصنيع الكهان، وهذا هو لحثه الذي كان يردده في خطبه التي رواها له المؤرخون، وكان يوفر من غير شك في أثناء ذلك لكلامه ضروبا مختلفة من التكلف، حتى يحقق ما يريد من الإيهام البعيد. وإذا تركنا خطباء الأحزاب السياسية إلى خطباء المحافل، وجدناهم يحاولون جاهدين التأنق في خطابتهم١، وهذا طبيعي؛ لأن خطابتهم محدودة، إذ لا تتجاوز في كثير منها كلمات معدودة، وكانوا يلقونها بين أيدي الخلفاء والولاة، فكانوا يطلبون فيها أن تروعهم، وتستميل إليهم قلوبهم، ولعلهم من أجل ذلك كانوا يلتزمون فيها السجع، حتى يستموا لها كل حلية صوتية ممكنة، وأشهر خطباء المحافل في هذا العصر، كما أسلفنا، الأحنف بن قيس زعيم تميم البصرة، فقد كان يفد لقومه على معاوية، فيلقي إليه بحاجتهم في عبارات مسجعة منمقة على شاكلة قوله٢: "يا أمير المؤمنين! أهل البصرة عدد يسير، وعظم كسير، مع تتابع من المحول، واتصال من الذحول٣، فالمكثر فيها قد أطرق٤، والمقل قد أملق٥، وبلغ منه المخنق، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير، ويجبر الكسير، ويسهل العسير، ويأمر بالعطاء، ليكشف البلاء، ويزيل اللأواء٦، وإن السيد من يعم ولا يخص ويدعو الجفلى٧، ولا يدعو النقرى٨، وإن أحسن إليه شكر، وإن أسيء إليه غفر، ثم يكون من وراء

стр. 87

ذلك لرعيته عمادا يدفع عنهم الملمات، ويكشف عنه المعضلات". وليس الأحنف وحده الذي كان يسجع بين خطباء المحافل، فقد كانت عامتهم تذهب هذا المذهب من التحبير وتنميق الكلام، واستمر ذلك سمتهم طوال عصر بني أمية كما كان سمة أعراف البادية غالبا حين ينزحون من باديتهم إلى المدن، فيتحدثون بين أيدي الخلفاء والولاة، وقد فتح الجاحظ لهم فصلا في بيانه استعرض فيه طائفة من أقوالهم١، وهي جماعة تدخل في هذا الأسلوب المسجع، وما يطوي فيه من جمال الصياغة، ويعبر الجاحظ عن انبهاره إزاء ما يروي من كلام هؤلاء الأعراب، فيقول: "ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا آنق ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء"٢، ويقال: إن خالد بن صفوان تكلم في صلح بكلام لم يسمع الناس قبله مثله، فإذا أعرابي في بت٣، ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام أروع من كلامه وأعجب"٤. وقد خطا خطباء القصص، والمواعظ بخطابتهم خطوات واسعة نحو الصقل والتجويد لأساليهم، وتلوين معانيهم وتنويعها وتفريغها فروعا كثيرة، ولم يكن الوعاظ يخطبون وقوفا إلا في صلاة الجماعة والعيدين، أما بعد ذلك فكان مثلهم مثل القصاص يخطبون غالبا، وهم جالسون وحولهم الناس يتحلقون، وهم يسوقون إليهم مواعظهم، فخطابتهم كخطابة القصاص كانت في الأغلب خطابة جالسة، أو قل: كانت أشبه بالمحاضرات والإملاءات، وليس هذا هو كل ما يفرق بين خطابتهم والخطابة السياسية، فهناك فرق آخر مهم يتصل بجمهور المستمعين إلى الطرفين، إذ كان خطباء السياسة يتجهون بخطابتهم إلى العرب وجيوشهم المقاتلة، أما خطباء الوعظ والقصص، فكانوا يخاطبون الهيئة الاجتماعية.

стр. 88

كلها على اختلاف طبقاتها من خاصة وعامة، ومن عرب وموال، ولذلك هبطوا بأساليبهم قليلا عن مستوى أساليب الخطابة السياسية، حتى تفهمهم جميع الطبقات، وحتى لا يرتفعوا بكلامهم عن فئات العامة، ومع هذا الهبوط لم يخرجوا إلى كلام السوقة، بل وازنوا موازنة دقيقة بين كلامهم، ومستوى الفصاحة، فأخلوه من الألفاظ الغريبة، وفي الوقت نفسه لم يسقطوا به إلى ألفاظ مبتذلة، وألجأهم ضيق معانيهم إلى التنويع فيها والتفريغ والتوليد، كما ألجأهم إلى ضروب من الترداد والتكرار والترادف، لم يلبثوا أن تحولوا بها إلى صورة من الأسلوب المزدوج، الذي يقف في منزلة وسطى بين أسلوب السجع، والأسلوب المرسل، ولا نغلو إذا قلنا: إنهم هم الذين هيئوا لبروز هذا الأسلوب الذي شاع فيما بعد بين الكتاب مثل عبد الحميد الكاتب، والجاحظ ومن جرى مجراهما، ونراهم يستخدمون ضروبا من التصوير، أو من التشبيهات والاستعارات، وهم يستلهمون في كثير من جوانبها آي الذكر الحكيم، كما يستلهمونها في أكثر معانيهم، وقد جعلهم حديثهم عن الثواب والعقاب والجنة، والنار والطاعة والعصيان والحياة والموت والإيمان، والكفر أن يقيموا كلامهم على الطباق والمقابلة، مثل قول الحسن البصري: "بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرها جميعا، وإذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم به، الثواء ها هنا قليل، والبقاء هناك طويل، فخذوا صفاء الدنيا وذروا كدرها"١، وقوله: "إن خوفك حتى تلقى الأمن خير من أمنك حتى تلقى الخوف"٢. والحسن البصري خير من يصور أسلوب الوعاظ المبني على الازدواج، واستخدام بعض الصور، وتلوين الكلام بألوان الطباق والمقابلة، مما يمثل تلك الصناعة المحكمة، ويغلب الحزن على مواعظه كما يغلب ترداد معنى الخوف والرجاء، ووصفه بعض معاصريه، فقال: "كان إذا أقبل، فكأنما أقبل من دفن حميمه، وكأن إذا جلس فكأنه أسير قد أمر بضرب عنقه، وكان إذا

стр. 89

ذكرت النار عنده فكأنها لم تخلق إلا له"١. ويموج كتاب البيان والتبيين وكتاب عيون٢ الأخبار، والعقد٣ الفريد بمواعظه، ومواعظ معاصريه. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن هؤلاء الوعاظ هم الذين ألانوا أساليب اللغة العربية، وحملوها من الطاقات ما تستطيع به التعبير عن المعاني الدقيقة، وكانت كثرتهم من الأجانب، وكانوا مثقفين ثقافة واسعة، وكانوا أصحاب فطن بارعة، ففتحوا أبوابا لا حصر لها من الجدال في مسائل الدين والعقيدة، وتحولوا بمعانيهم يفرعون فيها ويولدون، ويأتون بكل جديد مستطرف، وبديع مستحسن. وكان بين هؤلاء الوعاظ من بلغ من الحذق أن جعل مواعظه كلها سجعا خالصا كأسرة الرقاشيين، وهي أسرة فارسية كانت تحترف القصص في هذا العصر كما كانت تحترف السجع، ويقال: أنها كانت معروفة في أمتها بالخطابة، فلما دخلت في الإسلام قامت في لغتنا مقامها في لغتها الأصلية، وكأنما نزع أفرادها ذلك العرق القديم، ومنها يزيد بن أبان الرقاشي، وكان قاصا مجيدا، وكان يتكلم في مجلس الحسن البصري، وكان عابدا زاهدا، وهو عم الفضل بن عيسى الرقاشي، وفيه يقول الجاحظ: "كان الفضل سجاعا في قصصه.. وهو الذي يقول: سل الأرض فقل.. من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا"٤، وكان خالد بن صفوان التميمي يسجع كثيرا٥ كما كان يسجع غيره من العرب، ومعنى ذلك أن الرقاشيين لم يستحدثوا السجع في وعظهم، وإنما نسجوا فيه على منوال بطائفة من فصحاء العرب، وبلغائهم. ومهما يكن فإن الخطباء الوعاظ، والقصاص نموا التحبير البياني، وكثيرا ما يقف الجاحظ في بيانه متعجبا من قدرتهم البلاغية، وقد تعجب طويلا

стр. 90

من بلاغة واصل بن عطاء، وكيف استطاع أن ينزع الراء من خطبه للثغته فيها على نحو ما مر بنا غير هذا الموضع. ولم يكن واصل وحده هو الذي أحرز هذا المقدار من البلاغة والبيان، بل لقد أحرزه عامة القصاص والوعاظ، وقد تحولوا يعلمون شباب البصرة، والكوفة كيف يتفرقون في الخطابة، وكانوا يسألونهم أسئلة كثيرة عن أساليبها، وألفاظها وكيف ينبغ الخطيب، وما ينبغي أن يراعيه في هيئته وإشاراته ومنطقه، وكيف يقنع خصومه في الجدال ويسكتهم؟ ومتى يستحب الإيجاز في الخطبة؟ ومتى يستحب الإطناب؟ وكيف يلائم الخطيب بين ألفاظه ومعانيه؟ وكيف يوازن بين كلامه، وبين طبقات السامعين؟ وكيف يجعل لكل طبقة كلاما، ولكل حالة مقاما؟ وكيف يقنع خصومه في المناظرة ويلزمهم الحجة؟ وهيأ ذلك كله لاستنباط طائفة من الوصايا البلاغية نجدها منثورة في كتاب البيان والتبيين تجري على ألسنة هؤلاء الوعاظ، وخاصة من كانوا يقارعون الخصوم ويجادلونهم، ونقصد المتكلمين الذين تناقشوا في القدر والعقيدة طويلًا، والذين نصبوا أنفسهم للرد على خصوم الإسلام. ولعل مما يدل على صحة ما نزعم من ذلك أن أقدم النصوص التي تتصل بماهية البلاغة تضاف إلى واعظ من هؤلاء الوعاظ المتكلمين، وهو عمرو بن عبيد، فقد روى الجاحظ أنه قيل له: ما البلاغة؟ فقال لسائله١: "ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك، قال السائل: ليس هذا أريد.. قال عمرو: فكأنك إنما تريد تخير اللفظ في حسن إفهام؟ قال: نعم، قال: إنك إن أردت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المئوية على المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين، بالألفاظ الحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة

стр. 91

استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة، على الكتاب والسنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب، واستحققت على الله جزيل الثواب". وعلى هذا النحو كان الشباب يتعلمون على هؤلاء الوعاظ، كيف يبلغون ما يريدون من حسن الإفهام ومن البيان والطلاقة، وكيف يحصلون ذلك ويميزونه مع جمال المخارج والسلامة من التكلف، وكان الوعاظ من جانبهم لا يزالون يقدمون لهم النصح والإرشاد، وقد يدعونهم إلى المناظرة بين أيديهم طلبا لترويضهم وتمرينهم، على نحو ما صنع الحسن البصري بواصل، وعمرو بن عبيد إذ دعاهما في مجلسه للمناظرة في مرتكب الكبيرة والوصف الذي يستحقه، حتى يحذقوا الجدال، ومناقشة الخصوم والاحتجاج عليهم، وإذا لم يدعوهم إلى الكلام بين أيديهم نثروا عليهم وصاياهم على نحو ما نجد في وصية شبيب بن شيبة، التي يذكر فيها أن الناس يعجبون بجودة الابتداء، أما هو فيعجب بجودة الخاتمة، ويقول: إذا ابتلي الخطيب بمقام لا بد له فيه من الإطالة، فإياه والإسهاب إلى درجة الخطل١، ويقول خالد بن صفوان: "اعلم -رحمك الله- أن البلاغة ليست بخفة اللسان وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى والقصد إلى الحجة"٢. ولعل في كل ما قدمنا ما يصور كيف ارتقت الخطاية في بيئات الوعاظ والقصاص، فقد أخذوا يتدارسونها ويبحثون في أدواتها ووسائلها، وانبعثوا يخطبون في كل مناسبة ومقام، موازين بين معانيهم وألفاظهم، وبين كلامهم ومن يخاطبونهم به من العامة والخاصة، وكان خطباء السياسة من حولهم لا يزالون يجودون في خطابتهم، وكذلك كان شأن خطباء المحافل، حتى ليقولون إن شباب الكتاب في دواوين الخلفاء كانوا يحضرون -إذا قدمت الوفود- لاستماع بلاغة خطبائهم٣. والحق أن هذه البيئات جميعا أتاحت للخطابة في هذا العصر ازدهارا عظيما، لعلها لم تعرفه في أي عصر من العصور الإسلامية الوسيطة، فقد تعانت جهود خطباء السياسة والمحافل، وتعاون معهم الوعاظ والمتكلمون على النهوض بها، بل لقد نفذ الأخيرون إلىوضع قواعد، وتعاليم فيها كانت مقدمة للأبحاث البلاغية التي عرفت في العصر العباسي.

стр. 92

٥- الكتابة في صدر الإسلام: اتخذ الإسلام الكتابة دعامة من دعائمه، فقال جل شأنه في أول آية نزلت على رسوله ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ، وأقسم بالقلم فقال جل وعز: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ كما أقسم بالكتاب فقال: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ . وجاءت في الذكر الحكيم كلمات اللوح والقرطاس والصحف من مثل: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ، ومثل: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ، ومثل: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ . وشجع الرسول ﵇ على تعلم الكتابة بطرق مختلفة، فمن ذلك أنه جعل فداء بعض أسرى قريش في بدر ممن تعلموا الكتابة أن يعلموها عشرة من صبيان المدينة١، وبجانب ذلك نرى الرسول ﷺ يدعو بعض أصحابه إلى تعلم اللغات الأجنبية، ففي البخاري عن زيد بن ثابت: أتى بي النبي ﷺ حين مقدمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة "من القرآن الكريم"، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: تعلم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي، فقلت، فما مضى

стр. 93

لي نصف شهر حتى حدقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له"١. وقد حض القرآن على اتخاذ الكتابة في المعاملات، يقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ . وكان للرسول ﷺ جماعة من الكتاب تخصصوا بكتابة الوحي، وكان على رأس هذه الجماعة عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وكانا إذا غابا كتب له أبي بن كعب وزيد بن ثابت، وكان يكتب له بين يديه في حوائجه خالد بن سعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وكان المغيرة ابن شعبة والحصين بن نمير يكتبان ما بين الناس، وكان عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث، والعلاء بن عقبة الحضرمي يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وكان حنظلة بن الربيع ابن أخي أكثم بن صيفي خليفة كل كاتب من كتاب الرسول إذا غاب عن عمله، فغلب عليه اسم الكاتب٢. ونرى من ذلك أن الكتابة أخذت تستخدم استخداما واسعا لا في كتابة القرآن الكريم فحسب، بل في كتابة كثير من شئون المسلمين، وكان الرسول ﵇ يكتب كثيرا من عهود الأمان ومن المعاهدات، كما كان يكاتب الأمراء، والملوك من العرب وغيرهم يدعوهم إلى الإسلام، وتزخر السيرة النبوية لابن هشام، وكتب الحديث والتاريخ بهذه الكتب، وقد جمعها محمد حميد الله الحيدر آبادي في كتابه النفيس "مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة"، وقدم لها بدراسة وقف فيها عند معيار الوضع والصحة، وما دخلها من الانتحال، وقد يكون من صحيحها الذي سلم على الزمن كتابه٣ ﷺ بين المهاجرين، والأنصار واليهود ممن كانوا بالمدينة حين نزوله

стр. 94

فيها، وكذلك معاهدته التي كتبها بينه وبين قريش عام الحديبية، وهي تمضي على هذه الصورة١: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو: اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض. على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبه مكفوفة ٢، وأنه لا إسلال ولا إغلال ٣. وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخله، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه". وواضح أن الرسول ﵇ لا يعنى في هذه المعاهدة بتحبير فني، بل هو يؤدي غرضا سياسيا في صورة موجزة، وكذلك كان شأنه في كتبه التي كان يرسلها إلى أمراء العرب، ونسوق لذلك مثل كتابه الذي أرسله إلى وائل بن حجر الحضرمي، وقومه إذ يقول عليه السلام٤. "من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة ٥ من أهل حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، في التيعة ٦ شاة، والتيمة ٧ لصاحبها، وفي السيوب ٨ الخمس، لا خلاط ٩، ولا وراط ١٠، ولا شناق ١١، ولا شغار ١٢،

стр. 95

فمن أجبى١ فقد أربى٢، وكل مسكر حرام". والرسول ﷺ لا يعمد في هذا الكتاب إلى تزويق، إنما يعمد إلى فكرته، وتبليغ دعوة الإسلام في غير إسهاب، وفي غير صنعة أو تكلف، فكان كما قال جل شأنه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ، فكان يقصد إلى غرضه بالحروف القليلة والكلمات اليسيرة. وتبعه الخلفاء الراشدون يهتدون بهديه في كتابتهم، وما يعقدون من معاهدات٣، فهم لا يقصدون إلى تنميق، إنما يقصدون إلى الإبلاغ أفكارهم في عبارات واضحة الدلالة، وليس من ريب في أننا لا نصل إلى عصر عمر حتى تكثر المكاتبات السياسية، فهو يكاتب قواده وولاته، وهم يكاتبونه كلما جدت مشكلة، وكان يكتف إليهم أحيانا في سياستهم لمن يحكمونهم، وكتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء ذائع مشهور٤. ونظن ظنا أن عمر وغيره من الخلفاء الراشدين، وولاتهم، وقوادهم، لم يقصدوا في كتابتهم إلى أي ضرب من ضروب التزين والتنسيق، فقد كان حسبهم أن يؤدوا أغراضهم في لغة جزلة متينة، وإن كان لك لم يمنع بعض المؤرخين، والأدباء أن يدخلوا الزينة والتنميق على بعض ما رووه لهم، من ذلك الكتاب الذي ينسب إلى عمرو بن العاص أنه أرسله إلى عمر في وصف مصر، والذي يقول فيه: "مصر تربة غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر وعرضها عشر" إلى آخر ما في هذا الكتاب من عبارات أنيقة٥، فإنه واضح الانتحال على ابن العاص. وينبغي أن نعرف أن المكاتبات في صدر الإسلام لم تحفظ في سجلات خاصة، وكان ذلك سببا في أن تناولها غير مؤرخ وأديب بالتبديل والتحسين، ومن ثم كان الكتاب الواحد يروى رويات مختلفة باختلاف الكتب التي ترويه، وحسب ذوق الراوي وقدرته البيانية.

стр. 96

٦- الكتابة في العصر الأموي: وإذا انتقلنا إلى عصر بني أمية وجدنا الكتاب ترقى رقيا عظيما، فقد جد كثير من المشكلات، وتعقدت الحياة من الجميع أطرافها المادية والسياسية والعقلية، إذ تحضر العرب، وأخذوا يستعيرون كثيرًا من النظم الأجنبية، ومواد الثقافات لدى الأمم المفتوحة. ونستطيع أن نميز ثلاثة جداول مهمة كانت تمد الحياة العربية في العصر الأموي، وهي جدول جاهلي يتمثل في الشعر والأيام، وتقاليد الجاهليين، وأقبل كثير من العلماء على هذا الجدول يعبون منه، مما هيأ لتسجيل الحياة الجاهلية، وجدول إسلامي يتمثل في تاريخ الإسلام وخطوبه، وسيرة الرسول ﷺ وغزاوته وأحاديثه، وسيرة الخلفاء الراشدين وفتوحاتهم، ثم ما كان من أحزاب سياسية، وما لكل حزب من آراء في السياسة والحكم، وجدول أجنبي يتمثل في معرفة شئون الأمم المفتوحة، ونظمها السياسية والاجتماعية والاستعارة منها حسب الحاجة، ولعل أول ما كان من هذه الاستعارة اتخاذ عمر لديون العطاء، أو ديوان الجيش١، وقد خلفه جيل كانت استعارته أقوى وأكبر، ونستطيع أن نرمز لصنيع هذا الجيل بما كان من اتخاذ، معاوية لدواوين الخراج والخاتم والرسل٢، ثم بما كان من تأليف زياد بن أبيه لكتاب في

стр. 97

المثالب١. وكلما مضينا في العصر اتسعت التأثرات، بما لدى الأجانب، فقد كان العرب ناشرين للدين الإسلامي، وقد اتصلوا بيهود ومجوس ونصارى، وحدثت بينهم وبين هؤلاء جميعا أحاديث ومناقشات، ومحاورات تسرب إليهم في أثنائها كثرير من الفكر الأجنبي، وخاصة من شعب الفكر اليوناني في الفلسفة والمنطق، وقد أخذوا يقفون على طرق استغلال الأرض، وغير ذلك من مسائل الحياة العملية، وعاشوا في القصور، وقام الأجانب على خدمتهم، وتهيئة حياتهم المادية، واطلعوا على نظم التعليم عندهم، وما أنشأوا من مدارس، وطلب خالد بن يزيد بن معاوية أن تترجم كتب في الكيمياء٢، وأمر عمر بن عبد العزيز بترجمه كتيب في الطب٣. ومعنى ذلك كله أن الكتابة نمت في العصر الأموي نموا واسعا، فقد عرف العرب فكرة الكتاب، وأنه صحف يجمع بعضها إلى بعض في موضوع من الموضوعات، وقد ألفوا فعلا كتبا كثيرة، بعضها ديني خالص يتصل بمسائل الفقه والتشريع الإسلامي، بمن ذلك أننا نجد الرواة ينسبون إلى هشام بن عروة بن الزبير أنه قال: "أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له"٤، ونعرف أنه موقعة الحرة كانت لعهد يزيد بن معاوية، وقد ترك زيد بن علي مؤسس مذهب اليزيدية مختصرًا في الفقه٥، ومر بنا أن المحدثين طوال القرن الأول للهجرة كانوا يختلفون فيما بينهم، منهم من يكتفي برواية الحديث، ومنهم من يدونه، حتى إذا وصلنا إلى رأس المائة أمر عمر بن عبد العزيز بتدوينه تدوينا عاما، ومن أوائل من بادروا جمعه ابن شهاب الزهري٦ المتوفى سنة ١٢٤ للهجرة. وقد نشطت الكتابة التاريخية، فكتب المؤرخون في معازي الرسول عليه

стр. 98

السلام، وعلى رأسهم أبان بن عثمان١، وعرف بن الزبير، وهو أول من صنف في تلك المغازي٢، ثم الزهري٣، وكلهم من المدينة، وهذا طبيعي فهي دار النبوة، وبيت السيرة الذكية، وقد أخذ بعض هؤلاء المؤرخين يتحدثون عن الخلفاء الراشدين والأمويين. وبجانب مؤرخي السيرة النبوية نجد مؤرخين من اليمن يهتمون بتاريخ موطنهم، وفي مقدمتهم عبيد بن شرية الجرهمي الذي وفد على معاوية، وأدرك خلافة عبد الملك بن مروان، وهو صاحب "كتاب الملوك، وأخبار الماضين"٤ ألفه لمعاية، وطبع حديثا في الهند باسم "أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها"، ومن يطلع عليه بجد الخرافة تغلب على أخباره، وتشتهر في هذا العصر بقصاصها مثل تميم الداري، وأشهرهم وهب بن منبه الذي توفي سنة ١١٤ للهجرة، وقد كتب كثيرًا عن عرب الجنوب كما كتب عن مغازي الرسول، وأهم من ذلك أنه عني بجمع أخبار أهل الكتاب، وما يتصل بها من الإسرائيليات٥، وهو مثل عبيد في ملء كتاباته التاريخية بالخرافات، كما يلاحظ ذلك كل من يقرأ في الكتاب المنسوب إليه المسمى "كتاب التيجان في ملوك حمير". ونحن لا نصل إلى أواخر هذا العصر حتى نجد العراق تعني بهذه المادة التاريخية جميعها، كما تعني بتاريخ القبائل الشمالية، وأنسابها وأيامها، وأيضا فإنها عنيت بتاريخ الأحداث في عصر علي بن أبي طالب، ثم في عصر بني أمية، وكان مما زاد في هذه العناية، وخاصة بتاريخ العرب في الجاهلية، وأيامهم وملوكهم وأمرائهم وشعرائهم، وخطبائهم قيام علم اللغة، وتوفر أصحابه على دراسة أحوال الجاهليين، ولا نلبث أن نجد مؤرخا كبيرا في أبو مخنف٦ يعنى بتأليف

стр. 99

كتب كثيرة يقال: إنها بلغت اثنين وثلاثين كتابا، وأكثرهم يتحدث فيه عن أحداث القرن الأول للهجرة، واحتفظ الطبري بكثير مما كتبه في تلك الأحداث. ولعل من الطريف أن نلاحظ أن هذه النزعة لكتابه التاريخ عند العرب ظهرت في ظروف مشبهة لظهورها عند اليونان، فإن من المعروف أن اليونان لم يعنوا بكتابة تاريخهم إلا بعد حروبهم مع الأمم الأجنبية وفتوحهم، وينبغي أن نعرف أن هذا النثر التاريخي عند العرب نثر عربي خالص، فهم لم يستعيروه من الأجانب، بل مثلهم فيه مثل اليونان الأقدمين في نثرهم، ونشأته في حجورهم. وليس معنى ذلك أن الكتابة التاريخية عند العرب لم تتأثر بعناصر أجنبية في هذا العصر المبكر، بل لقد أخذت تتأثر بهذه العناصر، كما مر بنا عند وهب بن منبه وأضرابه ممن كانوا يتحدثون عن الملوك الأوائل، وعن قصص الأنبياء وأخبار شعوبهم، غير أن هذه العناصر لم توجد هذه الكتابة من عدم، بل لقد وقف تأثيرها عند تنميتها، والتطور بها مع الزمن، كان موضوعها في كثير من جوانبها عربيا خالصا يتصل بسيرة الرسول، وأحداث الإسلام أو يتصل بأيام العرب في الجاهلية وأخبار قبائلهم وملوكهم، وكلما تقدمنا في الزمن اتسعت هذه العناصر الأجنبية، فشملت تاريخ الفرس، وتاريخ الأمم المفتوحة. وإذا تركنا الكتابة التاريخية إلى الرسائل، وجدناها مثل الخطابة التي عاصرتها، فقد كانت هناك رسائل سياسية تصدر عن دواوين الخلفاء والولاة، أو عن خصومهم، ورسائل اجتماعية يتبادلها الناس في أمور حياتهم الشخصية، ورسائل دينية، منها ما يأخذ شكل الموعظة، ومنها ما يأخذ شكل الحوار والجدل، حين يتعرض شخص للرد على صاحب نحلة من النحل. وقد نهضت الرسائل السياسية في هذا العصر نهضة واسعة، وهي نهضة ترد إلى سببين: أما السبب الأول فهو كثيرا ممن كانوا يكتبونها يعدون في الذروة من الفصاحة، والبيان لهذا العصر أمثال زياد والحجاج، وقطري بن

стр. 100

الفجاءة والمختار الثقفي، وأما السبب الثاني فقيام ديوان الرسائل، وظهور طبقة من الكتاب المحترفين في هذا الديوان، لا في دواوين الخلفاء وحدهم، بل أيضا في دواوين الولاة، وكان قادة الجيوش أيضا يتخذونهم، ليراسلوا عنهم من يريدون مراسلته، ومعروف أن ديوان الخراج كان يقوم عليه في أول الأمر كتاب من الأجانب، يكتبون فيه بلغاتهم الأصلية، حتى إذا كان عصر عبد الملك نقل هذا الديوان إلى العربية، فأصبح الشأن فيه كالشأن في ديوان الرسائل يليه العرب، ولم يلبث الأجانب أن سعوا إلى تعلم العربية، وشاركوا في ديوان الرسائل نفسه. ويقدم لنا كتاب الوزراء، والكتاب للجهشياري أثباتا طويلة بأسماء من كانوا يلون الديوانين: ديوان الرسائل وديوان الخراج، وهي أثبات تدل دلالة قاطعة على أن من نهضوا بالكتابة السياسية في هذا العصر إنما هم العرب، وظلوا على ذلك طويلا، حتى أوشك القرن الأول للهجرة على الزوال، فشاركهم الأجانب مشاركة بدت قاصرة في أول الأمر، حتى إذا كان عصر هشام بن عبد الملك "١٠٤-١٢٤هـ"، وجدنا على ديوانه مولى كان يحسن اليونانية، وينقل عنها بعض رسائل وهو سالم، الذي تخرج على يديه عبد الحميد الكاتب الفارسي الأصل. ومعنى ذلك أن كتابة الرسائل السياسية الرسمية نشأت في حجر العرب، ونمت تحت أيديهم، فقد أخذت في الظهور منذ صدر الإسلام، ومنذ أن جدت تلك المشكلات التي اقتضت أن يكتب فيها الرسول ﷺ وخلفاؤه، وبمضي الزمن أخذت مشاكل الدولة في التعقد، كما أخذ العقل العرب ينمو ويرقى، فنمت ورقيت معه تلك الصناعة، وتوفر عليها جماعة من بلغاء الخطباء، كما توفرت عليها جماعة من الكتاب المحترفين الذين توظفهم الدولة للعناية بها، وحقا يقال: إن العرب استعاروا نظم الدواوين من لدن الفرس١،

стр. 101

ولكن الفرس مثلهم مثل غيرهم من الموالي لم يوجدوا لهم هذا الفن من كتابة الرسائل السياسية، إنما أوجدته حياتهم وضروراتها السياسية والإدارية، ومن هنا كنا نرفض رفضا باتا رأي بعض المستشرقين الذين يزعمون أن العرب استعاروا كتابتهم السياسية الفنية، أو نثرهم السياسي الفني من لدن الفرس١، فالعرب لم يستعيروا من الفرس، ولا من غيرهم نثرهم كما أنهم لم يستعيروا منهم، ولا من غيرهم شعرهم، وكل ما يمكن أن يلاحظ أنهم أخذوا مع الزمن يتأثرون في نثرهم وشعرهم جميعا بالأجانب من الفرس وغير الفرس، وتم ذلك بحكم التطور واشتراك هؤلاء الأجانب معهم في أدبهم، وما كان من نقل ثقافاتهم إلى العربية. ونحن لا نغلو الذي جعل بعض المعاصرين يذهب إلى أن العرب عرفوا الكتابة الفنية، أو النثر الفني منذ العصر الجاهلي٢، فما تحت أيدينا من وثائق ونصوص حسية لا يؤيد ذلك إلا إذا اعتمدنا على الفرض والظن، والحق أن ما تحت أيدينا من النصوص الوثيقة يجعلنا نقف في مرحلة وسطى بين الرأيين، فلا نتأخر بنشأة الكتابة الفنية عند العرب إلى العصر العباسي عصر التأثر الواضح بالفرس، لا نتقدم بها إلى العصر الجاهلي، بل نضعها في مكانها الصحيح الذي تؤيده المستندات والوثائق، وهو العصر الإسلامي، حيث أخذت في الظهور منذ صدره، كما أخذت في النمو والازدهار كلما تقدمنا مع الزمن، وإذا كان للفرس أو لغيرهم من الموالي فيها من فضل، فهو فضل المشاركة في النمو بها، بالضبط على نحو ما صنعوا بالشعر في العصر العباسي، ولعل من المهم أن نعرف فأن العرب لم يأخذوا عن الفرس فلسفة، ولا نحتا ولا تصويرا، ولا شعرا ولا أي فن من الفنون. وعلى نحو ما نشأت الكتابة السياسية الرسمية، ونمت نشأت الكتابة الاجتماعية، أو الشخصية وأخذت في النمو منذ عصر الفتوح، فإن تفرق العرب في البلدان

стр. 102

الإسلامية دفعهم دفعا إلى أن يتكاتبوا في مهامهم، وشئونهم الشخصية وفي التهاني والتعزية وفي العظة والعبرة١، ومن غير شك كثر ذلك مع مر الزمن، وإن كانت الكتب الأدبية، والتاريخية لم تعن بتلك المكاتبات قدر عنايتها وبالوسائل السياسية؛ لأنها في الغالب لا يتعلق بها تاريخ، وأيضا فإن أصحابها لم يكونوا يقرءونها في الناس، ولا كانوا يسجلونها، ومع ذلك نجد آثارا منها، يرجع بعضها إلى صدر الإسلام، وبعض آخر يرجع إلى عصر بني أمية، وربما كان أبرز كتابها عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. أما الكتابة الدينية، فقد أصابها ما أصاب الخطابة الدينية من الرقي والازدهار، لسبب بسيط، وهو أن كتابها كانوا هم أنفسهم الذين مرنوا على الخطابة والجدال، والحوار في المسائل الدينية والمذهبية، فأضفوا على كتابتهم نفس الصورة البيانية التي أضفوها على خطابتهم، مما نجده ماثلا في كتابات الحسن البصري، وغيلان الدمشقي وغيرهما من الوعاظ، وأصحاب النحل الذين نهضوا بتمرين اللغة العربية على كثير من المعاني الدقيقة موازيين بين معانيهم، وبين ألفاظهم، وما تحتاجه لتأثيرها على وجدان السامع، والقارئ من حلاوة وعذوبة.

стр. 103

٧- الصنعة في الكتابة الأموية: رأينا الكتابة في العصر الأموي تعالج موضوعات علمية وتاريخية، كما تعالج رسائل سياسية واجتماعية ودينية، وليس بين أيدينا وثائق صحيحة تصور كيف كانوا يعالجون مسائل العلم والتاريخ، وحقا مر بنا أنه طبع لعبيد بين شرية كتاب في أخبار اليمن كما طبع لوهب بن منبه كتابه التيجان في ملوك حمير. ولكن الكتابين جميعا مشكوك في صحة نسبتهما إليهما، وربما كان أصح منها وأونق ما احتفظ به الطبري في تاريخه الكبير. على أن من يرجع إلى ما رواه عن مؤرخي تلك الفترة يلاحظ أن الكتابة التاريخية كانت لا تزال في أول نشأتها، وأنها لم تتطور بالسرعة التي تطورت بها الرسائل السياسية والدينية. ومن يقرأ ما أثر من رسائل سياسية لهذا العصر يستطيع أن يلاحظ في وضوح، أنها كانت تجري أول الأمر في الصورة التي كانت تجري فيها لعهد صدر الإسلام، فكاتبها أو ممليها لا يتأنق فيها، ولا يقصد إلى تفنن أو زخرف فني خاص، إنما يقصد إلى أداء غرضه في عبارة جزلة مصقولة يغلب عليها الإيجاز. غير أننا لا نكاذ نتجاوز منتصف القرن الأول للهجرة، حتى تتكامل الرغبات للعناية بتلك الرسائل عناية توفر لها ضروبًا من التجويد والجمال الفني، وكأنما لم تعد الغاية أن تؤدي أغراضها فحسب، بل أضيف إلى ذلك غاية أخرى أن تروع القارئين، والسامعين بتحبيرها وتنميقها، وكأنها قطعة موسيقية أو لوحات تصويرية، ولم يقفوا بذلك عند ظاهرها، فقد أخذوا ينوعون في معانيها ويفرعون، ويطنبون صورا مختلفة من الإطناب، وسرعان ما نسمع أن عمرو بن نافع كتاب عبيد الله بن زياد، والي العراق "٦٠-٦٤هـ" كان يطيل في رسائله طولا شديدا١. وظاهرة الطول ظاهرة جديدة لم يكن يعرفها العرب في أدبهم إذ كانوا يوجزون قبل عصر عبيد الله بن زياد في شعرهم ونثرهم جميعا، أما منذ هذا العصر، فقد استمرت ظاهرة الإيجاز في الشعر، بينما حلت محلها ظاهرة معاكسة في النثر، وهي ظاهرة لا شك في أنها وليدة التطور العقلي الذي أصابه العرب، فإذا هم يستطيعون أن يبسطوا آراءهم السياسية، وأن يفضلوا في معانيها ضروبا مختلفة من التفصيل. وإذا مضينا إلى عصر الحجاج، وأغفلنا النظر عن طول الرسائل السياسية، وما يطوى فيه من صنعة في بسط التعبير ومده، ونظرنا في الصياغة والأسلوب

стр. 104

لاحظنا أن بعض هذه الرسائل كان يعتمد على السجع، فكان الحجاج نفسه يسجع أحيانا كما كان يسجع بعض من يكاتبونه، ومن خير ما يصور ذلك رسالتان احتفظ بهما الجاحظ في بيانه، وهما يتبادلتان بينه، وبين قطري بن الفجاءة، وقد بنيتا على السجع الخالص١، وحقا نجد المختار الثقفي يسجع في رسائله٢، ولكنه كان يبدوا شاذا بعض الشيء في هذا الاتجاه، أما في عصر الحجاج، فيظهر أن كثيرًا من الكتاب كان يبني كتابته عليه، ولعل مما يدل على ذلك أن نجد ابن الأشعث حين ثار على الحجاج، وأعد جيشا لحربه، يقول لكتابه ابن القرية: "إني أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابا مسجعا أعرفه فيه سوء فعاله، وأبصره قبح سريرته"، ويصدع ابن القرية بأمره، ويرد عليه الحجاج برسالة مسجوعة أيضا٣، وقد لا يسجع الكاتب، ولكنه لا يزال يفكر في طريقة يلفت بها القارئ والسامع، فقد حدثنا الرواة أن يزيد بن المهلب في أثناء بعض حروبه، فكر أن يكتب إلى الحجاج كتابًا، وكان يكتب له يحيى بن يعمر، وهو عربي، ومن أوائل من عنوا بوضع قواعد العربية٤، فلما أمره يزيد بالكتابة إلى الحجاج، وأن يعلمه بما صنعوا في الحرب كتب إليه هذه الرسالة القصيرة٥: "إنا لقينا العدو، فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة برءوس الجبال وعرائر٦ الأودية وأهضام٧ الغيطان، وبتنا بعرعرة٨ الجبل، وبات العدو بحضيضه". ولما قرأ الحجاج الرسالة أعجب بها إعجابا شديدا، وأرسل إلى يحيى يطلبه على البريد، فما جاءه سأله: من أين لك هذه الفصاحة؟ وهي فصاحة

стр. 105

كانت تعتمد على اللفظ الغريب، ونحن لا نثني على الإغراب في الألفاظ، ولكنا نستدل من هذه الرسالة الموجزة على أن الكتاب في عصر الحجاج، كانوا لايزالون يفكرون في صنعة أساليبهم، فتارة يعمدون فيها إلى السجع، وتارة يعمدون فيها إلى الإغراب اللفظي، فالكاتب لا يفكر في أداء معانيه فحسب، بل يفكر في تنميقها، وتزيينها بضروب من الحلية، كل حسب ذوقه، وكان يحيى بن يعمر لغويا، وكان ذوقه ذوق لغويين، فعمد إلى ألفاظ غير مألوفة كي يروع الحجاج، ويملك عليه لبه، ونفذ فعلا إلى ما أراده، إذ كان لحجاج يمل أحيانا إلى التفاصح بالغريب، على نحو ما مر بنا في خطبته بالكوفة اليت بدأها بأرجاز تزخر باللفظ الحوشي. ولم يكن الحجاج يعمد إلى السجع في كتبه وسائله دائما، بل لعل ذلك إنما كان في القلة وفي الحين بعد الحين، أما الكثرة فتخلو من السجع. وليس معنى هذا أنه كان يتخلص من محاولة التأنق والتنميق، فقد كان يسعى إلى تحقيق ذلك دائما، وكان يتخذ إليه الإغراب في اللفظ حينا، وحينا يتخذ ما سبق أن لاحظناه في خطابته من الصور والاستعارات الطريفة، ومن خير ما يصور ذلك عنده ما رواه الجاحظ في خاتمة بيانه من أنه كتب إلى عبد الملك بهذه الرسالة١: "أما بعد فإنا نخبر أمير المؤمنين أنه لم يصب أرضنا وابل٢ منذ كتبت أخبره عن سقيا الله إيانا، إلا ما بل وجه الأرض من الطش، والرش والرذاذ٣، حتى دقعت٤ الأرض واقشعرت٥ واغبرت٦، وثارت في نواحيها أعاصير تذرو٧ دقائق الأرض من ترابها، وأمسك الفلاحون بأيديهم من شدة الأرض واعتزازها٨، وامتناعها، وأرضنا أرض سريع تغيرها، وشيك تنكرها، سيئ ظن

стр. 106

أهلها عند قحوط المطر، حتى أرسل الله بالقبول١ يوم الجمعة، فأثارت زبرجا٢ متقطعا متمصرا٣، ثم أعقبته الشمال٤ يوم السبت، فطحطحت٥ عنه جهامه٦. وألفت متقطعة، وجمعت متمصره، حتى انتضد٧، فاستوى، وطما وطحا٨، وكان٩ جونا١٠ مرثعنا١١ قريبا رواعده، ثم عادت عوائده بوابل منهمل منسجل١٢، يردف١٣ بعضه بعضًا، كلما أردف شؤبوت أردفته شآبيب١٤ بشدة وقعة في العراض١٥. وكتبت إلى أمير المؤمنين، وهي ترمي بمثل قطع القطن، قد ملأ اليباب١٦، وسد الشعاب١٧، وسقى منها كل ساق، فالحمد لله أنزل غيثه، ونشر رحمته من بعدها قنطوا١٨، وهو الولي الحميد. والسلام". وواضح أن هذه الرسالة ليست مسجوعة، ولكنها مع ذلك قد أحكمت صنعتها، سواء من حيث اختيار ألفاظها، والذهاب بها مذهب الغريب المقبول، أو من حيث دقتها في تصوير الجذب ثم نزول الغيث، وهو تصوير لا شك قد فكر فيه الحجاج طويلا، قبل أن يحكمه ويضبط التشبيهات، والاستعارات التي تمثله. وكأن شاعر يجمع أشتات خياله، ليؤلف هذه اللوحة البديعة. ولم تبلغ صنعة الرسائل هذا المبلغ من الإتقان عند الحجاج وحده، فقد كان يشركه في ذلك معاصروه من الولاة والقواد وكتابهما، بل من الخلفاء

стр. 107

أنفسهم، فقد روى الجاحظ في بيانه رسالتين متبادلتين بين عبد الملك بن مروان، وعمرو بن سعيد بن العاص حين ثار عليه، وليستا مسجوعتين، ولكن أثر الصنعة والتأنق باد عليهما١، ومعنى ذلك كله أن الكتاب أصبحوا منذ هذه الحقبة من العصر يتفننون في رسائلهم، ويحاولون جاهدين أن تلمع عليها آثاره من الجمال الفني. وإذا مضينا إلى أوائل القرن الثاني للهجرة، وإلى عصر هشام بن عبد الملك "١٠٤-١٢٤هـ"، وجدنا على رأس ديوانه مولى له يسمى سالما٢ ينهض بكتابة هذه الرسائل السياسية نهضة واسعة، وكان يعرف اليونانية، وترجم منها بعض رسائل لأرسطاطاليس٣، وعده صاحب الفهرست أحد البلغاء العشرة الأوَل في تاريخ العرب وأدبهم٤، ويقول: إن له رسائل تبلغ نحو مائة ورقة٥، غير أن هذه الرسائل لم تصلنا، ولولا أن الطبري احتفظ لنا برسالة كتبها عن هشام إلى خالد القسري٦ لم نكد نعرف شيئا واضحا عن فنه وبيانه، ومن يرجع إليها يلاحظ أنه عني بأسلوبه عناية تشبه عناية الوعاظ من أمثال الحسن البصري بأسلوبهم، وما كانوا يوفرون له من الازدواج والترادف الصوتي، وكان يتكئ على الحال اتكاء شديدًا في صياغته. وليس تحت أيدينا من النصوص ما نستطيع به أن نحكم على مدى التأثير اليوناني في كتابه سالم، وإن كان يظن أن هذا التأثير كان عميقًا، وقد تخرج عليه عبد الحميد أنه كتاب العصر وأشهرهم، وسنعرض له عما قليل، على أنه ينبغي أن نلاحظ هنا شيئا مهما، وهو أن التأثير الأجنبي في الكتابة العربية الفنية لم يدخل أول الأمر عن طريق الفهرس، وكاتبهم ابن المقفع، مما جعل بعض المستشرقين يزعم أنهم هم الذين أعاروا العرب هذا الفن النثري، بل لقد دخل كما نرى الآن عن طريق سالم الذي كان يحذق اليونانية، ولعل في ذلك ما يدل

стр. 108

على ما نذهب إليه من أن الكتابة الرسمية الفنية عند العرب لم تأتهم من الخارج، فقد نشأت في حجورهم بحكم حياتهم الإسلامية والسياسية الجديدة ومشاكلها المختلفة، فالأجانب لم يبتكروها لهم، بل كل ما هنالك أنهم أسهموا معهم فيها، وتأخر هذا الإسهام إلى أن أظهر سالم وأشباهه. ولم تكن الرسائل السياسية وحدها هي التي يطرد لها النمو والازدهار، بل شاركتها في ذلك الرسائل الاجتماعية أو الشخصية، لسبب بسيط، وهو أن من كانوا يكتبونها كانوا يعيشون في تلك الحقب التي أخذ البلغاء يهتمون فيها بتنميق أساليبهم، وإبداعها ضروبا من البيان والفصاحة، ونسوق مثلا لها رسالة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى رجل من إخوانه١: "أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، ابتدأتني بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء عن غير ذنب، فأطعمني أولك في إخائك، وأبأسني آخرك من وفائك، فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحًا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام". والرسالة على قصرها يتضح فيها جهد كتابها في تحبيرها، فقد بناها على الطباق والمقابلة بين المعاني والألفاظ، والتوازن بين العبارات والكلمات الفصيحة ذات المخارج الحسنة، وكان شرعا بينا وخطيبا لسنا، فأضفى من لسنه وبيانه على رسالته. وإذا تركنا الرسائل الاجتماعية الشخصية، والسياسية الرسمية إلى الرسائل الدينية والجدلية، وجدنا أصحابها هم أنفسهم أرباب البيان والبلاغة من الخطباء المفوهين أمثال الحسن البصري، وغيلان الدمشقي. وكانت هذه الرسائل تستخدم الأسلوب المزدوج الذي أخذ بأطراف من التصوير والطباق، والذي سبق أن لاحظناه في خطابة الحسن البصري

стр. 109

وأضرابه، ونسوق مثالين منه، أما أولهما فما كتب به الحسن إلى عمر بن عبد العزيز في صفة الإمام العادل، وهو يطرد على هذه الشاكلة١: "اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفه كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر٢. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارًا ويعلمهم كبارًا، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة بولدها، حملته كراها، ووضعته كراها، وربته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته ... ". وتحمل هذه القطعة من الرسالة كل الخصائص التي سبق أن تحدثنا عنها في خطابة الحسن، ففيها الازدواج والترادف الصوتي والتكرار، وفيها التقابل والطباق والتشبيهات، وغير ذلك من حلي بيانية، وقد مضى الحسن يقتبس فيها من آي الذكر الحكيم ما يصور به فكره ويوشي به تعبيره، أما المثال الثاني فنسوقه من رسائل غيلان الدمشقي، إذ يقول٣: "إن التراجع في المواعظ يوشك أن يذهب يومها، ويأتي يوم الصاخة٤، كل الخلق يومئذ مصيخ٥، يستمع ما يقال له ويقضى عليه "وخشعت الأصوات للرحمن، فلا تسمع إلا همسا"، فاصمت اليوم عما يصمتك يومئذ، وتعلم ذلك حتى تعلمه، وابتغه حتى تجده، وبادر قبل أن تفجأك دعوة

стр. 110

الموت، فإنها عنيفة إلا بمن رحم الله، ويا رب متعبد لله بلسانه معاد له بفعله، ذلول في الانسياق إلا عذاب السعير في أمنية أضغاث١ أحلام يعبرها بالأماني والظنون، فاعرف نفسك". وهذه القطعة بدورها ترينا مدى احتفال الوعاظ برسائلهم، وما كانوا يؤدون فيها من ضروب الجمال الفني، ويقول صاحب الفهرست: إن رسائله كانت في ألفي ورقة٢. ولا نرتاب في أن هذه الرسائل، وما يماثلها من مواعظ الحسن البصري، وأضرابه هي التي استعار منها سالم، وتلميذه عبد الحميد أسلوبهما الكتابي في الرسائل السياسية، فإننا نجدهما يكتبان من نفس النمط ونفس النموذج، وهو النموذج الذي شاع طوال القرن الثاني بين الكتاب العباسيين، وعلى رأسهم الجاحظ، ونقف قليلا لنتحدث عن عبد الحميد الكاتب في إيجاز.
следующие страницы →